أشعارٌ عارضة

لن أجد مخرجاً من هذه المجرّة

ولا أصدّق شيئاً أقوله

فإنّما هي ألف لفظة

تقريباً

وإنما هم ألف شاعر

تقريباً

فماذا عساي أقول؟

 

 

القصر الجمهوري مفتوحٌ للبنانيين

القدس في رعاية ملك الأردن

مشاريع طرقٍ حيوية في جزّين

كلابٌ شاردة في النبطية…

لا أكتب لكم قصيدة

هذه عناوين الملحق المسمّى

“عالم النهار”

في جريدة “النهار”

اتّخذتها لنهاري هذا

قصيدةً بالتبنّي

 

أقول: أجرّب هذا الحائط

قد تخرج منه قصيدة

ألقي وراءه من الشكوك ما يكفي

ثم أرشقه بحروف ملوّنة

حروفٍ قليلة ملوّنة

حروفٍ قليلة تخفي تنكّري لهذا الحزن

بعد ذلك أوقع اسمي في أدنى الحائط

كأنما أهمس للحائط اسمه

لا تخرج القصيدة من الحائط

قالت تحتاج إلى نافذة

لم تخرج القصيدة من الحائط

بقيت فيه

 

 

 

أما وإن المرشد الأعلى قد ركز بين اثنتين:

إما السلّة وإمّا الذلة،

فإنا اخترنا الاثنتين!

 

 

عدنا إلى هذه البلاد بعد غيبة أعوام.

كان السنّة والشيعة قد انقرضوا

وكان علينا أن نعيد تأسيس الطائفتين

بحكم زيجتنا المختلطة.

سكان البلاد اليوم كثرة درزية

مطعّمة ببقايا باقية من المسيحيين

فالمسيحيون تمتّعوا بخيارات ثلاثة للانقراض:

إما مع السنّة وإما مع الشيعة وإما في المهاجر

هم ذوو امتيازات مهما يحصل

والذين صمدوا منهم هنا

ممتّعون بمعنويات طيبة

فالدروز لا يحبون العمل

ولا يجدون من يقاتلهم

لذا عاد الدروز يقولون متثائبين:

ضيعة بلا نصارى خسارة!

والعماد ميشال عون قضى نحبه كمداً

بعد أن قُتل صهره وابن أخته

بنتيجة مكيدة

اضطرّ وئام وهّاب لتدبيرها لهما

لا لشيء إلا لمقاومة الضجر.

 

أشباه

 

أرى الطَبقةَ المتوسّطةَ

سَئِمَت

تكاليفَ السباحةِ

في البحرِ المتوسّط

 

**

 

وأَرى

البرجوازيّةَ الكَبيرةَ

عازفةً

مِنْ أَوّلِ أَمْرِها

عَن السِباحةِ

في النَهْرِ الكبير

 

**

 

فَما بالُ الفاتِحين

لا يَزالونَ

يتَجَمّعونَ

مِن قَديمِ الزَمانِ

حيثُ يَصُبُّ نَهْرٌ

اسْمُهُ لا يُنْسى؟

 

**

 

… لَوْلا أنَّ الكلابَ

على أَشْكالِها تُقْعي؟

أسئلة إلى الحمقى أو إلى الذئاب

                                                       قصيدة غير شعرية

                                                               لأحمد بيضون

الطائرات، تلك الطائرات،

“لواحة للبشر

عليها تسعة عشر”…

فأجب عن السؤالين التاليين:

لِم قتل التسعة عشر خمسة آلاف

ولم قتل التسعة عشر أنفسهم؟

هذان سؤالان

والخرس أزين لك من القناعة

بجواب عن أحدهما وبالصمت عن الآخر

السؤال الأهم هو الذي يلح عليك أن تنساه

الكلام الأهم هو الذي يغريك بألا تقوله

*

الآلاف الخمسة –قال تشومسكي-

كان بينهم سكرتيرات كثيرات.

وكان التسعة عشر

شبانا مستتمي العدة

 للحياة

وكانت أعمارهم أمامهم…

إنهم قتلوا السكرتيرات، أليس كذلك؟

وأجب – إن استطعت- عن سؤال ثالث:

لم أشاح التسعة عشر عن مليون آخر

(معظمهم من اللاجئين)

سيقتلون ثأرا للآلاف الخمسة

يقتلهم البرد والجوع والمرض واليأس والصواريخ

المؤتلفة في تحالف دولي؟

أهو التحالف سيقتلهم

(إنه ولوع بقتل الأطفال، أليس كذلك؟)

أم قتلهم التسعة عشر

الذين كانوا شبانا

مستتمي العدة

للحياة

وكانت أعمارهم أمامهم؟

هذا سؤال رابع

*

التسعة عشر كانوا تسعة عشر

(ولك أن تحتسب من كانوا وراءهم)

الآلاف الخمسة آلاف خمسة

(ولكن ابن آدم لا يقطع من شجرة)

المليون لم يحصهم أحد بعد

لأنه لا يخطر لأحد ببال

أن يحصي الموتى قبل أن يموتوا

أجب عن هذه الأسئلة فورا

أجب يا أحمق،

أجب يا حمار!

أم ان الأجوبة تحتاج إلى روية؟!

لك ذلك فأجب

حالما تستطيع…

أم بيدك حقوق الإنسان؟

فكل واشرب

وافهم كيف تقتل ولا تفهم كيف تموت

أم بيدك حقوق المظلومين؟

فلا تفهم إلا كيف تقتل وكيف تموت

*

الحقوق فأس ضائعة في الغابة

تقطع أصول الأشجار ورؤوس الحطّابين

فأيّهنّ الشجرة التي تحجب شريعة الغابة؟

وأيهم الحطاب الذي قطع رؤوس إخوته؟

من بيدهم حقوق الإنسان واقفون

في ما بعد الحقوق

لشدة إيمانهم بحقوقهم

ومن بيدهم حقوق المظلومين واقعون

في ما دون الحقوق

لفرط افتقارهم إلى حقوق

*

الذين ضربوا على رؤوسهم

طاشوا الآن عن الأسئلة

ذاك ما لم يفطن إليه أعداؤهم…

هم باشروا القتل الآن

وسيقتلون خلقا كثيرا

القتلى الآن أسهل الأشياء التباسا بالأجوبة

غير أن الذين ضربوا على رؤوسهم

 قد يثوبون إلى الأسئلة بعد حين

فإن لم يفعلوا فقد يقتل منهم خلق كثير

بضربة مقبلة

قل: أيزيد أم ينقص

 بعد قتل المليون،

احتمال أن يظهر بين السماء والأرض

ثمانية وثلاثون

يقتلون عشرة آلاف؟

*

لا تقل هو غسل الأدمغة!

الأدمغة مغسولة كلها

مغسولة كلها بالقطران.

ونعلم أن الإسلام ليس واحدا

الإسلام كثير، صدقا،

فالذي جرى وحده

إسلام ونصف

*

ليس ذاك غباء،

ألا أيها المدعي!

ذاك أمر له سبب آخر

 تعرفه

*

ثم خطأ جسيم في هذا العالم

فلا تتسرع في إخراج إصبعك

الخطأ جسيم حتى ليعصى على الإحاطة

جسيم حتى لتتوه عنه الإشارة

ترى منه بقاعا وغيرك يرى غيرها

فأين أنت وأين غيرك من محجة الخريطة؟

*

مع ذلك يتعين عليك

أن تبذل وسعك، أيها المدعي،

في جلاء الصورة لنا:

لأعقاب التسعة عشر وأهالي الخمسة الآلاف

وورثة المليون

 الساقط سهوا على الدوام

*

تفضل إذن

بجمع التسعة عشر

والآلاف الخمسة

والمليون

ولا يبقين منهم أحد خارج قفصك

اقض بينهم

اجل أمرهم

ثم قل لنا: من قتل من؟

حالما تستطيع

ولكن اعلم

أنك إن أشحت بسمعك عن مقالة هؤلاء

أو ألهاك الهوى عن مقالة أولئك

أو كفاك غسل الأدمغة وكثرة الإسلام وعسف الجبارين

مؤونة التفكر والإنصاف

فستكون يدك بين أيد

تفنى بها الأرض ويموت البشر.

*

أجب عن الأسئلة كلها إذن

أجب عنها كلها معا

أو مت أنت،

أيها النذل،

أيها المجرم،

أيها الذئب!

                                                           بيروت في 25 تشرين الأول2001

                         

 

أحوال الرأس

لِكَيْ تَكونَ شاشانيّاً

لا يَكْفي

أن يُضَمَّدَ رَأْسُكَ بالشاشِ

ولا يَكْفي

أن تَدْفَعَ عَنْ رَأْسِك

ضَريبةَ الشاشِيّة

إلى الأميرِ يوسُف الشِهابيّ

أو

إلى الأميرِ ملْحِم الشِهابي

وإنّما يَقْتَضي

أنْ تَكونَ شاشانيّاً

أنْ لا يَبقى على رأْسِكَ

الاتِّحادُ السوفياتي

الاحتلال

بدمائنا اشْتَرينا هذا الاحتلال،
كنّا نعلمُ أنّنا بالِغوهُ، لا بُدّ!
بالِغوه ولو بشِقّ الأنفُس
طالَ بنا عهدُ خُسرانِه وها قد اسْتَعدْناه
مِراراً أشَرْنا له بالسبّابةِ وبالوسطى:
أنْ عُدْ لا تألَفْ فِراقَنا
عُدْ هَجِّرْنا مرّةً أخرى
من هذه البيوتِ التي أنشأناها مرّةً أخرى
أو هَجِّر البُيوتَ مرّةً أخرى مِن صُوَرِها وصُوَرِنا!
هَجِّرْها أشْلاءً فَوْقَ أَشْلائنا!…
بَلى! حَصَّلْناهُ مُجَدّداً: هذا القَبيحُ المُشْتهى
تقلَّصَ وتمدَّد كثيراً ونحنُ مستَميتونَ في مُعانَدَتِه
فَكانَ أن حَصّلْناهُ بفخرٍ لا مزيدَ عليه
هو المِسْخُ الذي اتّخَذْناه معنىً لِحياتِنا
قَريناً لسَرائرنا،
أحْكَم وِثاقَنا وأخَذَ بخِناقِنا شاكراً
قُلْنا: نَدْحَرُه بعدَ حينٍ
أو يَدْحَرُه أولادُنا،
نقولُ: ذاكَ ما يُقالُ لهُ المستقبل،
ونقولُ: باتَ يُقالُ لهُ الماضي أيضاً…
بأعمارٍ وأرضٍ وعمرانٍ قايَضْنا الاحتِلالَ الآن،
ولأولادِنا نغادر أمجاداً ادَّخَرْناها
وأخرى لَفَّقْناها…
في رُبعِ عَقْدٍ أو في رُبْعِ قرنٍ
أو في أزيَدَ من نصفِ قرنٍ
أو في قرنٍ أو يزيدُ قليلاً
لم نتعب فيها من اسْتِضافةِ الموتِ في صدارةِ البيوتِ والساحات،
مِن اسْتِعجالِهِ بِما يُصِمُّ أُذُنَيه إذا أبْطَأ…
ولأولادنا نغادر أمجاداً وخرائب،
نغادر لهم خرائبَ دِيارٍ وخرائبَ أعمار
ومَدافنَ عامرةً لأيّامِ البَطالة
وأرصفةً تؤويهم على مضض…

الخُلود

الخُلود

 

(إلى عبد الأمير عبد الله)

 

ما كانَ مِنّي

لَمّا بَلَغْتُ العِشرينَ

إلّا أن رَحَلْتُ إلى باريسَ

أطْلُبُ العِلْمَ

بأحوالِ برْجِ حَمّود

فإذا تعذَّرَ

فبأَطْوارِ النموِّ الرأسماليّ

في زِبْقِين

أو بتاريخ المَوَدّةِ والرحمةِ

ما بينَ طَيْرفِلْسَيه ومَيْس الجبل

*

وكانَ أنْ حَظيتُ بغُرفةٍ لِسَكَني

مُشْرِفةٍ عن كَثَبٍ

على مَدْخَلِ البانتيون الخَلْفيّ

(كانَ لي أن أَعِدَّهُ مَخْرَجاً

لولا أنّ المَدافِنَ

لا مَخارِجَ لها)

*

عَلَيْهِ رُحْتُ أَقولُ لِنَفْسي

إنّهُ لَنْ يكونَ علَيَّ،

إذا نَزَلَ بِيَ القضاءُ،

غَيْرَ أن أجتاز هذا الشارعَ

إلى عالَمِ الخالدين

*

على أَنّني

حينَ اشتَدَّ علَيَّ المرضُ يوماً

وحَسِبْتُني هالِكاً لا مَحالةَ

قلتُ لنَفْسي: يا أَخا العَرَبِ!

ما كانَ للطامعِ في جنازةٍ قوميّةٍ

أن يُهْمِلَ طلَبَ الجنسيّة!

(وهذه ذَهَبَتْ مَثَلاً)

*

ثمّ رُحْتُ أسألُ نَفْسي:

كيفَ ستجتازُ الشارعَ الآنَ

أيُّهَذا الضعيفُ العقلِ

أيُّهَذا القصيرُ النظَر؟

 

(1995)

 

صُعودُ النُخَب

صُعودُ النُخَب

الفَتى المُسَمّى طِيزَيْن
فارسُ بَنِي فَرْدِلْباس
لَمْ يَمُتْ قَطّ
*
الفتى الفارعُ القَوام
القَبيحُ الهِنْدام
المُسَمّى طِيزَيْن
وكُنْيَتُهُ أبو النَظَر
لَمْ يَمُتْ بَتاتاً
*
الفَتى الشاكي السِلاح
المُزْدَوِجُ الوَلاء
المُسَمّى طِيزَيْن
وعَشيرَتُهُ فَرْدِلْباس
(لا حَطّاً من شَأْنِ العَشيرة
بل لِضيقِ صَدْرِ الشاعر)
الفتى المطَعّمُ بالذَهَب
لَمْ يَمُتْ مُطْلَقاً
*
جِنازَتُه شاءَها لِنَفْسِه
فُرْجةً
في يَوْمِ خُمول
*
خَرَجَ بَنُو فَرْدِلْباس
عَنْ بَكْرةِ فَرْدِلْباس
خَرَجوا بُطوناً وأفْخاذاً
يَنْدُبون طِيزَيْن
المُلَقّبَ بطِبْقِ الأَصْل
*
خَرَجوا
يُنادونَ:
يا طِيزَيْن
بِلا وَجْهٍ
إلّا وَجْهِ التَقْريب

(1993)