فاتَ الأوان!

https://www.almodon.com/culture/2026/06/30/%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A7-%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D9%84%D8%B9%D9%86-%D8%A3%D8%AE%D8%A7%D9%87

مع كلّ فَصْلٍ مَضى من فُصولِ الحَرْبِ، ازدادَ الاحتِلالُ اتّساعاً وازدادَ اللبنانيّونَ انْقِساماً – بل تَشَتُّتاً – فضلاً عن الموتِ والخسارةِ، وازدادَ لُبْنانُ بأسْرِهِ تَهالُكاً…

وابتِداءً من تشرين الثاني ٢٠٢٤، عُقِدَت اتّفاقاتٌ تبارَت في السوءِ ففاقَ كلٌّ منها ما سَبَقَهُ سوءاً. وهذا مع أنّ المسؤولينَ عنْها لم يكونوا في جهةٍ واحدةٍ من جِهَتي الجبهةِ الداخليّة…والأخيرُ من هذه الاتّفاقاتِ أسْوَؤها، لا مَراءَ، وحُظوظَه في الديمومةِ أو النَفاذِ، مع ذلكَ، أضْألُ مِن إضرارِهِ بموقعِ البلادِ في مَسارِ المواجَهةِ العامّةِ وبحصانةِ اللبنانيّينَ على العُنْفِ الأهلِيّ.

وأمّا القَولُ أنّ المفاوضةَ الإيرانيّةَ الأميركيّةَ كانَ يسَعُها أن تُلْزِمَ المُحْتَلَّ بالجلاءِ عن الجنوبِ فيُهْمِلُ، أوّلاً، كونَ هذا الجَلاءِ شيئاً أعْسَرَ بِما لا يُقاسُ من وقفِ نارٍ يعرِفُ المحتلُّ أنّ في وسعِهِ خَرْقَهُ كلَّ يومٍ، بل إسقاطَهُ كلّيّاً حالَما يَلْزَمُ الأمرُ أو تَسْنَحُ الفُرصة. فَلا يُتَوقّعُ البتّةَ أن يلتَزمَ المًحْتَلُّ بالجلاءِ، بعْدَ مُفاوَضةٍ لا يرى نَفْسَهُ طَرَفاً فيها، وهذا من غيرِ ثمَنٍ يَتَحَصَّلُ له، في نِطاقِ مطامعِهِ اللبنانيّةِ، ومن غيرِ مفاوضةٍ للجهةِ المُرَشّحةِ لأداءِ الثَمَنِ المذكور.

إلى هذا، لا بُدَّ من التَنويهِ بأنّ التعويلَ على مفاوضةٍ ليسَت السُلُطاتُ اللبنانيّةُ طَرَفاً فيها ليسَ إضراراً جَسيماً بمَوقِعِ الدولةِ المُتَهاوي أصلاً وحَسْبُ، بل هُوَ أيضاً مَيْلٌ بِميزانِ القُوى الداخليِّ، الأهليِّ منهُ والرَسْميِّ، نحوَ جهةٍ يُخاصِمُها الحْكْمُ الحالِيُّ وتُخاصِمُهُ، وإن تَكُنْ شَريكةً فيه. هذا الاعتبارُ الأخيرُ واضحُ الحُضورِ في مسالكِ الحكْمِ القائمِ وفي مَسالِكِ خُصومِهِ قَبْلَ المفاوضةِ الأخيرةِ وفيها وهو باقي الحضورِ بَعْدَها.

وأمّا تَفاصيلُ الاتّفاقِ الجَديدِ – وقد تَناوَلها كثيرونَ بِما يُناسِبُ وما لا يُناسِب – ففيها تَعابيرُ مُذِلّةٌ فاقعةٌ عن هزيمةٍ لبنانيّةٍ لا لَبْسَ فيها ولا يُنْذِرُ اسْتِمرارُ الحرْبِ إلّا بتَفاقُمِها وبانْتِشارِ ما تَضُخُّه من سُمومٍ في صفوفِ اللبنانيّينَ أيضاً.

يجوزُ القولُ إذَنْ – إذا جازَ اسْتيحاءُ الآيةِ – أنّه “كُلّما دَخَلَ اتّفاقٌ لَعَنَ أخاه”!… ولا بَراءةَ من هذه النكبةِ لأحَدٍ: لا لِمن زَجّ لبنان في الحَرْبِ ولا لِمن يَتَخَبّطُ ويُفَرِّطُ دونَ اقْتِدارٍ يُذْكَرُ على إخراجِهِ مِنْها. لا بَراءةَ، على الأخَصِّ، لمَن سَيَدّعي نَقْداً ذاتِيّاً، بَعْدَ عشرِ سَنَواتٍ أو عِشرينَ، زاعِماً، مَثَلاً، أنّه لم يُدْرِكْ، حينَ كانَ يَنْفَعُ الإدراكَ، أنّه ماضٍ في تَحْميلِ لُبْنانَ ما لا طاقةَ للُبْنانَ بِحَمْلِه!…

فاتَ الأوانُ… بَل فاتَت آوِنةٌ كثيرةٌ، في مَدى السنينِ: أواناً يَنْطَحُ أواناً.

“وإذا وعَيْتُم فانْتَفِعوا!”

https://www.almodon.com/culture/2026/06/27/%D9%88%D8%A5%D8%B0%D8%A7-%D9%88%D8%B9%D9%8A%D8%AA%D9%85-%D9%81%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%81%D8%B9%D9%88%D8%A7

ذاتَ يومٍ لن يكونَ بُدٌّ من إنشاءِ متحفٍ للمعاهداتِ والاتّفاقاتِ والقراراتِ والإعلاناتِ التي خَبِرَها هذا المَشْرِقُ بعْدَ حربِ العامِ ١٩٦٧.

… آخرُ القائمةِ الاتّفاقُ الأميركيُّ الإيرانيُّ الذي بدَأَ يتَرنَّح منذِراً، لا بالسقوطِ، على الأرجحِ، بل بالتعَثُّرِ المُتَمادي… واتّفاقُ غزّة الذي يُراوِحُ مخلّفاً القِطاعَ بأسرِهِ للتعفُّنِ في فجيعتِهِ وفلسطينَ، من خَلْفِهِ، لمزيدٍ من التآكلِ والنَهْب…

هذانِ اتّفاقانِ صحِبَ إعلانَهما من الصَخَبِ والبَهرجةِ ما لم يصحَبْ اتّفاقَ واشنطن اليومَ وكانَ لهُما، وما يَزالُ، من مقوّماتِ النَفاذِ والدواعي إلى الإنفاذِ ما ليس لهذا الاتّفاقِ عُشْرُ مِعْشارِه.

سَلَفاً نأى طرفا القِتالِ بنَفْسيهِما عن نَصٍّ وضعَ أحدُهما توقيعَه عليهِ تَوّاً. فَواحدٌ اسْتَبْعدَ الالتِزامَ بأَوْجَهِ ما يقعُ عليهِ من موجِباتِهِ، أي بالجَلاءِ عن الأرضِ التي احتَلَّها وأخلاها من بَشَرِها وحجَرِها، والآخَرُ قَطَعَ للمرّةِ المائةِ برفْضِهِ ما أوجَبَهُ عليهِ الاتّفاقُ وراحَ يلوِّحُ بِما لا يقلُّ عن حربٍ أهلِيّةٍ إذا صَمَّمَ من يَزْعُمُ التَمَكُّنَ من إلزامِهِ على المِضِيِّ قُدُماً في مَسْعاه.

والحالةُ هذه، سيكونُ الرئيسُ الأميركيُّ قد أضافَ واحدةً أخرى إلى أعاجيبِ تبديدِ النزاعاتِ التي طالت لائحتُه منها. وهي أعاجيبُ جلُّها مفروضٌ فَرْضاً لا يُعالَجُ فيها النِزاعُ بل تُكْتَمُ أنفاسُهُ بلا تسليمٍ من الضالعين فيه. فيَؤولُ الأمرُ، في الغالبِ، إلى تَقَيُّحِهِ وتعَفُّنِهِ، على ما هو جَلِيٌّ في المِثالِ الغَزّي.

لا يستقيمُ الظنُّ، إذن، أنّ هذا النوعَ من السعيِ الأميركيّ لا يَتْرُكُ أثَراً. ولكن لا يسهُلُ التنبُّؤُ، في كلّ حالةٍ، بِما هو هذا الأثرُ، وإن يَكُنْ، على الأَعَمِّ، غيرَ ما يَزْعُمُهُ النَصّ.

في حالتِنا، لا يُزْدَرى أيُّ مَخْرَجٍ يَلوحُ من السِكّةِ العريضةِ المفتوحةِ للمَوتِ والخسارة. لكنّ ما يَتَراءى في نَصِّ الاتّفاقِ المُعًلَنِ من هذا القَبيلِ يَبْدو مبدَئيّاً أو مباشِراً، يَفْتَقِرُ إلى ما يكفَلُ ديمومَتَه أو إفضاءَه إلى محطّةٍ أو محطّاتٍ أخرى تَكونُ أضْمَنَ للمَصْلَحة.

بل إنّ الانتِكاسَ نَحْوَ المَزيدِ من الخَرابِ هو ما يُرَجِّحُه التعَفُّنُ المُتَأتّي من تَعَذُّرِ التطبيقِ، ولَو بَعْدَ حين. إلى ذلك، لا تجوزُ الاسْتِهانةُ باحتِمالِ انطواءِ المَخاضِ المُقْبِلِ على دخولٍ صَريحٍ لبُعْدِ النِزاعِ الأهليِّ بينَ مُقَوّماتِه: لا لأنَّ الجهةَ اللبنانيّةَ المقاتلةَ لَوَّحَت بهذا الاحتِمالِ وحَسْبُ، بل، قَبْلَ ذلكَ، لأنَّ هذا الاحتِمالَ ماثِلٌ أصْلاً في صُلْبِ الحَبْكةِ كُلِّها من أوّلِ يومٍ من أيّامِ “الإسْنادِ”، في التَقْديرِ الأقْرَبِ، وقَبْلَ ذلك بكثيرٍ، في مواريثِ حربِنا الأهليّةِ الماضيةِ وما أَفْضى إليها…

…”وإذا وَعَيْتُم فانْتَفِعوا!” (قُسّ بن ساعدة)

لبنان برمّته تفصيلاً في طوفان التخمين

https://www.almodon.com/culture/2026/06/16/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%B1%D9%85%D8%AA%D9%87-%D8%AA%D9%81%D8%B5%D9%8A%D9%84%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%B7%D9%88%D9%81%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AE%D9%85%D9%8A%D9%86

في موازينِ الرقعةِ الشاسعةِ التي اشتملَت عليها هذه الحربُ، سيطولُ تظهيرُ حصائلِها على الأرضِ ومعه التجاذبُ بيْن أطرافِها ومعهما الجدالُ في هويّةِ كلٍّ من المنتصرِ والمهزومِ وماهيّةِ النصرِ والهزيمةِ، وكلا هذين متعدّدُ الوجوهِ والميادينِ بديهةً. مرَدُّ هذا إلى طبيعةِ هذه الحصائلِ، بالدرجةِ الأولى، وإلى اتّصالِها ببنودِ الاتّفاقِ الذي تُفْتَرَضُ إذاعتُهُ عَمّا قَريبٍ وبتتمّةِ المفاوضاتِ المنتظرةِ، بموجِبِهِ، بالدرجةِ الثانية…

ومن الآنِ قَبَعَ لبنانُ في موقعِ الذَنَبِ من الاتّفاق نفسِهِ الذي خصّهُ بحرفِ عطفٍ واقتُصِرَ من وجوه الحربِ المستَعِرةِ فيه على وقفٍ للنارِ، مباركٍ بلا رَيبٍ، لعَلّهُ لا يَلْحَقَ بسابِقيه… وإلى الاتّفاقِ، جُعِلَ لبنانُ برمّتِهِ تفصيلاً في طوفانِ التخمينِ والتكهّنِ الذي أطلقَهُ الاتّفاقُ وفي إعلاناتِ النصْرِ والهزيمةِ التي تدفّقت بعدَ إعلانِهِ وقَبْلَ إذاعةِ نَصّه.

والمُخْزي – وإن يَكُن منتَظَراً – أن يضلَعَ لبنانيّون في هذا التقزيمِ لبِلادِهِم ولِما حلَّ بِها، وما لا يزالُ متوقّعاً أن يَحِلّ، من الجَرائرِ الفظيعةِ لهذه الحرب. ذاكَ طبيعيٌّ ما دامَت بلادُنا قد عُدّت (بإقْبالٍ عارمٍ من بعضِ بَنيها) مسرحاً “مُسانِداً” ( أي سايد شو) من أوّلِ يومٍ، وعُدَّ الموتُ فيها والاحتِلالُ والدمارُ دَرْءاً لنَظائرِهِا عن المَسْرَحِ الأعظمِ الذي تأخّرَ وصولُ الحربِ إليهِ وتقطّعت فُصولُها كثيراً عليه…

هذا مع أنّ ما نالَتْه بلادُنا من بَلايا الحربِ لا يَفوقُه إلّا ما نالَ غزّة منها، قبْلَ وصولِها إلى إيران، ولا يُدانيهِ (بالنسبةِ إلى “الحَجْمِ” بسائرِ مَعانيهِ) ما حصدَتْهُ الساحةُ الإيرانيّة…

فإلى ألوفٍ من القَتْلى لا يَزالُ عددُها النهائيُّ حائراً (على الرغمِ من بياناتِ وزارةِ الصحّةِ) وإلى ألوفٍ أخرى من الجرحى يرجّحُ أن تكونَ قد شطَحَت نحو الثلاثين، ولا تُعْرَفُ نسبةُ ذوي الإعاقةِ فيها، شهِدَ جنوبُ لبنان ضَرْباً من الاحتِلالِ غيرَ معهودٍ فيهِ بما صَحِبَهُ من الإبادةِ العُمْرانيّةِ طَلَباً لإخلاءِ الأرضِ من أهلِها إخلاءً يُريدُه المحتلُّ نهائيّاً وهذا مع التلويحِ بالضَمّ وبالاستيطان… وهو ما يورِثُ ديمومةً غير معلومةِ المدّةِ لفاجعةِ النُزوح، في جانبٍ منها لا يستهانُ بهِ، على الأقلّ.

تَنْزِلُ هذه النكبةُ ببِلادٍ سبَقَ نهبُها ونسفُ جانبٍ من عاصِمتِها، لتُضيفَ ما قد يبلُغُ عشرين مليار دولارٍ من الخسائرِ إلى ثمانينَ أو تسعينَ أخرى هي حصيلةُ النهبِ والنسفِ السابقينِ، بمن تولّاهُهما أو تواطأَ عليهما من معروفٍ ومجهول…

هذا في إقليمٍ لا تُفْهَمُ فيه الأرقام حقّ الفَهمِ ما لم يُقَس الحجم الإجماليّ لحاجاتِ الإعمارِ والتَعافي إلى المواردِ المتاحةِ لهذه الغايةِ ومَصادِرِها المحتمَلةِ وشروطِ توفّرِها من سياسيّةٍ واقتِصاديّةٍ وغَيْرِها… هذا حديثٌ يطولُ وله أهْلُه. تكفي الإشارةُ الآن إلى أنّ الساحاتِ المرشّحةَ تشتملُ على السودان (أضخمِها) وسوريا وليبيا واليمن وإيران وفلسطين ولبنان… وأنّ الرقمَ الإجماليَّ المتداول هو تريليون واحدٌ وستّمائة مليار… والحبلُ، في بعضِ هذه الساحاتِ، باقٍ علي الجَرّار…

على أنّ ما يجبُ أن يحظى بأكثرِ التوجُّسِ والتحسُّبِ – في ما أرى – قد لا يكونُ شيئاً من هذا كلّهِ، على فداحةِ خطَرِه. قد يكونُ الأهَمُّ وَقْعَ الحربِ وعَواقِبِها على مستقبَلِ بلادِنا السياسيّ. ففي هذا المضمارِ تُخَلّفُ الحربُ لبنانَ في حالِ استِقطابٍ أهليٍّ استثنائيِّ الخطَرِ على استقراره التكويني. وهو أمرٌ يصعبُ الاتّكالُ في مداراتِه على “حكمةِ” ما في البلادِ من قوىً سياسيّةٍ معلومةِ الأصلِ والفصلِ والتاريخِ القريبِ والبعيد.

هذا أيضاً حديثٌ يطول. فَلْيَعْكفْ عليه، من الآنِ، من يحفظُ اعتِباراً لا نفاقَ فيهِ لهذه البلادِ الصغيرةِ المستباحةِ ولأهلها…

يساره “الحقيقيّ” ويسارنا “المغامر” في نعشٍ واحد

— Read on www.almodon.com/amp/culture/2026/05/22/يساره-الحقيقي-ويسارنا-المغامر-في-نعش-واحد

رحل غسّان الرفاعي. نحن من أوحى إليه ب”اليسار الحقيقي واليسار المغامر”. كنّا نحن “اليسار المغامر”… أو أبرزَ من فيه، على الأقلّ. وقد رددنا لغسّان الرفاعي صاعَه صاعين. كان هو “التحريفيّ”، المستتبَع في الداخل من جناحٍ في الإقطاع الطائفيّ، وفي العالم من القيادة البيرقراطيّة للتحريفيّة العالميّة ومن أنظمة الانقلابات، أنظمة برجوازيّة الدولة، محترفة الهزائم، التي كانت تسحل الشيوعيّين ولا تلبث أحزابهم أن تعود إلى أحضانها صاغرة.

لم يلبث رفاقنا أن طردونا… فنجونا من الولوغ في الحرب الأهليّة، أوّلاً، وأسعفتنا الحربُ نفسُها، ثانياً، في إدراك أمرٍ جلل: وهو أنّنا كنّا نسحب مجتمعنا من شعره، في أوهامنا وأحلامنا، ونُحْكِم وثاقَه بترسيماتٍ مستوردةٍ من عالمٍ وعَصْرٍ آخَرين لا تصلُح لفهمه، وأنّ جماعة غسّان الرفاعي كانت تستجيب لدواعي مصالحةٍ عرجاء ما بين ترسيماتها وجاذبيّة البنى الغالبة على ذلك المجتمع. هذا فيما كنّا نؤثر عزلةً متعجرفةً لم يلبث بعضنا أن أنكرها واستنكَر البقاءَ عليها. فكان أن طردنا هؤلاء واستووا هم وجماعة الرفاعي أقرب شبهاً بعضهم ببعضٍ من نقطتي ماء.

في هذه الأثناء، كانت تتهاوى في العالم وتتهالك في المحيط قوىً حملَتنا معارضتُها على الأكفّ وحملَت موالاتُها على الأكفّ جماعة الرفاعي. انهزمت صورةٌ للعالم بقضّها وقضيضها. انهزم من عارضناهم ولكنّنا، ونحن في عزلتنا، لم ننتصر. فإنّ من انتصروا كانوا الأعداء الأصليّين: أعداءنا وأعداء من عارضناهم في ذلك العالم الآفل.

خسرنا ولم يربح غسّان الرفاعي ولا ربح رفاقنا الذي دخلوا في شركته.

فلم نجد في يدنا غير استبقاء عزلتنا لعلّها تسعفنا في فهم العالم الجديد الذي كان يولد نقيضاً لصورة “العالم الجديد” التي عمرت أحلامنا في ما مضى. كرهنا الصورة العامّة لهذا العالم ونحن نجهد في تبيّن ملامحها. كان هذا العالم هو الذي قال فيه كلود ليفي ستروس، وهو يغازلُ المائة من عمره: “ليس هذا عالماً أحبُّه!”. من صميم القلب، أوافقُك يا معلّم! أوافقك مشيّعاً مع غسّان الرفاعي يساره “الحقيقيّ” ويسارنا “المغامر” في نعشٍ واحد…

القتال والمفاوضة، ليس مغامرةً وحسْبُ: هو مقامرة.

https://www.almodon.com/culture/2026/05/09/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AA%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6%D8%A9-%D9%84%D9%8A%D8%B3-%D9%85%D8%BA%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%AD%D8%B3%D8%A8%D9%87%D9%88-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A9

سلوكُ أحد السبيلين المطروقين في لبنان، القتال والمفاوضة، ليس مغامرةً وحسْبُ: هو مقامرة. فعجز كلٍّ من الدولة والفريق المقاتل عن السيطرة، أيّةً كانت درجتُها، على مسرى سلوكه ومآلِه عجزٌ فاقعٌ إلى حدٍّ يَبْدو غير مألوف. وذاك أنّ كُلّاً من “الطرفين” عاد “طموحُه” المعلَن في موضعٍ وقدْرتُه الفعليّةُ في هوّةٍ سحيقةٍ لا يظهر قاعُها من ذاكَ الموضع. أفْلِتَ زمامُ البلاد من نطاق حدودِها، من أيدي مسالميها ومقاتليها سويّةً، وهذا من زمَنٍ تَجُوزُ المجادلةُ في تقديرِه.

هذا والقول بأنّ المسالمةَ والمفاوضةَ أوفَرُ لدمِ اللبنانيّين وعمرانِهم قولٌ لا مُسْكةَ له، مع الأسف. وذاك أنّ الضمان لإفضاء المفاوضةِ إلى الغايةِ المرجوّة ولعدمِ إفضائها، هيَ أيضاً، إلى تفجير البلادِ، أي إلى دمٍ كثيرٍ يسيلُ وعمرانٍ كثيرٍ يَبيدُ، ضمانٌ يكادُ ألّا يقومَ على كفايتِه، في الحالَين، بل على وجودِه نفْسِه، دليل. وأمّا إفضاءُ القتال إلى مزيدٍ، لا نهايةَ ظاهرةً لآخرِه، من الموتِ والدمار اللبنانيّين (ومن الاحتلالِ ، على الأخصّ، بسائرِ عواقِبِه) فهو غيرُ محتاجٍ إلى دليل.

في هذه الأثناء، يسَعُنا أن نمضي قدُماِ في تَعْدادِ السبُلِ المنظورة وتلك المطروقة وفي المفاضلةِ بَينَها. ولكنّ المفاضلةَ لا تُطْعِم خبزاً حين تكون القدرةُ على التحَكُّم في المآلِ متهافتةً أو مفقودة. وحدَهُ رئيسُ مجلسِ النوّاب يبدو، من شُرفة الخبرةِ المديدة، متّعِظاً ببؤسِ حالِنا. يُطالَبُ بحَسْمِ أمْره فلا يُقدِم على ما فيه قَطْعٌ لأيٍّ من الحَبْلَين اللذَين يرقصُ عليهِما. ولا يرشحُ عنهُ سوى أنّه “ينتظر إسلام أباد”!

هذا موقفٌ “واقعيٌّ”: واقعيٌّ بقَدْرِ الإمكان! فمن إسلام أباد، قد يحصُلُ لنا خيرٌ وقد يحصُلُ شرّ! ولكن هذا هو “الممكنُ” الآن: مع مُواصلةِ ما لا مَناصَ من مواصلتِه: أي القتال والمفاوضة… والموت والدمار.

شيءٌ آخر قد تُصْبِحُ المراهنةُ عليه جائزةً، ولكنْ بعدَ حين: تغييرٌ جسيمٌ ما في مسلك واحدٍ من الأطرافِ الثلاثةِ الضالعةِ في نكبتِنا. انقِلابٌ ما! ولكنْ حتّى هذا يسعُه أن يكونَ خيراً لنا أو شرّاً علينا.

تلك حالُ البلادِ الصغيرة حينَ تَرى نفْسَها (أو يرى بعضُ أهلِها أنفُسَهم) غيرَ ما هِي (أو ما هُم) في ميزان الدول.

لاتَ ساعةَ مَنْدَم!

ذهبت مكتبتُنا في ما ذهَب

https://www.almodon.com/culture/2026/05/04/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%88%D9%86-%D8%B0%D9%87%D8%A8%D8%AA-%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%AA%D9%86%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%A7-%D8%B0%D9%87%D8%A8

أبدى أصدقاء عديدون، في الأسبوعين الأخيرين، قلقهم على مكتبتنا، عزّة وأنا، في بنت جبيل. أطلقت الصيحة ناشرتنا المحبوبة رشا الأمير واستجابت لها ناشرتنا المحبوبة الأخرى هند درويش، وهي اليوم سفيرتنا في اليونسكو. وأشار إلى مكتبتنا أيضاً منذر جابر ولم يذكر مكتبته هو التي أعرفها حقّ المعرفة، وفيها كنوزٌ لا يدانيها ما في مكتبتنا من قريبٍ ولا من بعيد، وفيها أيضاً عمرٌ من الكدح في البحث والجري في طلب الوثيقة. على أنّ منذر جابر، وهو العامليّ البنت جبيليّ بئراً وغطاءً، نوّه أيضاً بكثرة المكتبات الشخصيّة في بنت جبيل، وبعض هذه عريقٌ، بمعنى الكلمة كلّه، فيه من المخطوطات والطبعات القديمة ومن الشواهد على تراث الأدب والدين والسياسة في جبل عامل ما يتعذّر تعويضه كلّ التعذّر.
اليوم أيضاً نشرت العزيزة ريتا باروتا مقالةً شائقةً افتتحتها بذكر مكتبتنا وأبرزت فيها حقيقة المكتبة الشخصيّة بما هي تجسيدٌ ل”طبقات” عُمر…
مكتبات بنت جبيل، بل مدينتنا بأسرِها، ذهَبت بها الهمجيّة العنصريّة، في هذه الأثناء، وفَجعَت أهلَها بأعزّاءَ كُثُرٍ، فضلاً عن الأرزاق والمعالم والديار وما تخلّف فيها من الشواهد على أعمارهم، الهشّة دائماً، وعلى عمر المدينة وهو يقاسُ بالقرون، وكانت الهمجيّة نفسها قد أتلفَت كثيراً منه في حرب ٢٠٠٦، ومعه الأمل في استعادتِه.
ذهبت مكتبتنا، في ما ذهبَ، وأدرجناها، مع موقعها الفريد من النفس، بين أقلّ ما ذهبَ وأهونِه. ضاع فيها ما يداني عدده النصف من كتبي (ولا أتحدّث عن نصيب عزّة منها) وسَلِم – إلى الآن! – النصف الآخر القابع في بيروت. وضاع أيضاً (وهذا لا يعوّض فعلاً) ما يداني النصف (وهو النصف الأقدم) من أوراقي وملفّاتي، من محفوظاتي على اختلافها. هذه المحفوظات هي جبل الجليد الذي لا يكون المنشور من الأعمال إلّا قمّته الظاهرة، وهي أيضاً جبل هذا العمر الذي أدرك ارتفاعه الأخير.
وعن “منطق المكتبة” (المكتبة الشخصيّة، على التعميم، ومكتبتي، على التخصيص)، كنت قد نشرتُ مقالةً في “القدس العربي”، سنة ٢٠١٤، أعيد إتاحتَها أدناه لمن له صبرٌ عليّ وعلى الموضوع كلّه.

https://onedrive.live.com/:w:/g/personal/AB1C1522F2801CF5/IQD1HIDyIhUcIICrsBABAAAAAa6BdKR33jRbWIuzgc-6_SM?resid=AB1C1522F2801CF5!69808&ithint=file%2Cdocx&fbclid=IwdGRjcARmG5RleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZAo2NjI4NTY4Mzc5AAEeN5WnZgCF3d6PLToUWNBkkRQwbrILCr_Yiv9FilK3Iwbe-XbkKuBgO-WjxJc_aem_nisQnA2spT85bLjDwias4Q&migratedtospo=true&redeem=aHR0cHM6Ly8xZHJ2Lm1zL3cvYy9hYjFjMTUyMmYyODAxY2Y1L0lRRDFISUR5SWhVY0lJQ3JzQkFCQUFBQUFhNkJkS1IzM2pSYldJdXpnYy02X1NNP2ZiY2xpZD1Jd1pYaDBiZ05oWlcwQ01URUFjM0owWXdaaGNIQmZhV1FLTmpZeU9EVTJPRE0zT1FBQkhqZVZwMllBaGQzZWp5MDZGRmpRWkpFVU1HNnlDd3FfMklyX1JZcFN0eU1HM3ZsMjVDcmdZRHZsbzhTWF9hZW1fbmlzUW5BMnNwVDg1YkxqRHdpYXM0UQ

روح البيت

https://www.almodon.com/culture/2026/04/26/%D9%87%D8%B0%D9%87-%D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D8%AB%D8%A7%D8%A1-%D9%85%D8%A7-%D9%8A%D9%82%D8%A7%D9%84-%D9%84%D9%86%D8%A7-%D8%A3%D9%84%D8%A7-%D9%86%D8%A3%D8%A8%D9%87-%D9%84%D8%B6%D9%8A%D8%A7%D8%B9%D9%87

هذه صورةٌ وكلمةٌ في رثاءِ ما يُقالُ لَنا ألّا نأبَهَ لضَياعِه…
هذه مقاعِدُ وجَدتُها عام ٢٠٠٠ في غرفةٍ “صَمَدَت” من بيتِنا الوالديّ الذي كانَ قد زلزلهُ عامانِ من القصفِ المتكَرِّر تلاهُما ٢٢ سنةً من الاحتلالِ والهُجران.
كانت مكسوّةً بغُبارٍ سميكٍ وقد هتَكَ كسوتَها الأصلِيّةَ الزمنُ والجُرذان… ولكنّ خَشَبَها الصُلبَ (وهو القطرانيُّ الثقيلُ الذي كانت تُتّخذُ منه جُسورُ السُقوفِ القديمة) لم يَكن مَسّه أدنى ضَرَر…
جَدّدتُ كسوَتَها بما يَليقُ وجعَلْتُها في صَدارة بيتِنا الجديد. وجعَلتُ، في مواضعَ أخرى من البيتِ، “مَواعينَ”وأشياءَ قليلةً، متواضِعةً جدّاّ، كانت، مع المقاعدِ، كلَّ ما تبقّى في بيتِ أهلي، الفَسيحِ في أيّامِهِ، الذي كان كلُّ ما (ومَنْ) فيه متواضِعاً أصلاً.
هذه المقاعدُ صَنَعَها لِمَضافةِ والدي، في مطلَع الخَمسيناتِ من القرنِ الماضي، نَجّارٌ من بنت جبيل كان يُدعى يوسف محمود بَزّي. فتكونُ قد بَلَغَت، في هذه الأيّام، ثلاثةَ أرباعِ القرنِ من عُمْرِها الذي قَصَفَتْهُ نَكْبَتُنا الجارية.
هذه المَقاعدُ ما كانَ أيٌّ من تُجّارِ العَتيقِ لِيشتريها بما يَتَعدّى تُرابَ الفُلوس…
هذه المقاعدُ عُنْصُرٌ واحِدٌ من عناصِرَ لا تُحْصى، ولا تُحَدُّ صُورُها وأنواعُها، يتشَكّلُ منها ما يُسَمّيهِ البعضُ من أصحابِ البُيوتِ المهدورةِ “روح البيت”.
وحين يشعرُ صاحبُ البيتِ بروحِ بيتِه ساكنةً في روحِه، يصبِحُ عاجزاً كلّيّاً – إي وحَياتِكُم! – عن تصديقِ القولِ السائرِ: “سنُعيدُها أحسنَ مِمّا كانت”!

النيتشويّون الماركسيّون ونكبة بنت جبيل

https://www.almodon.com/culture/2026/04/22/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%88%D9%86-%D8%A8%D9%86%D8%AA-%D8%AC%D8%A8%D9%8A%D9%84?utm_source=almodon.com&utm_medium=edgs.co&fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTEAc3J0YwZhcHBfaWQKNjYyODU2ODM3OQABHnvnAijitMRTCxhszAKtm86xgvgQSK5yGTRFwr8Ijw4SFZQ-tGyXWtVm5Juc_aem_DF-rQU9pwlBys9LpxBoS1Q

هو إذن عَوْدٌ على بدء!
هذه (في ذروة فجيعتنا) هديّةٌ فَكِهةٌ مُستعادةٌ، أرسِلُها إلى نيتشويّينا الماركسيّين من أصحابِ “العَوْدِ الأبَديّ”، القائلين بأنّه لا بُدَّ ممّا ليس منه بُدُّ وأنّهم لا يستقدِمون ساعةّ ولا يستأخرون، والقادرين – مع ذلك – على الإتيان بمعجزةِ توقُّعِ الأشياءِ بَعْدَ حُصولِها… نَجّى اللهُ بلادَنا من كلّ احتلالٍ وجنّبها شرّ مؤازريه، عَمْداً أو اتّفاقاً، طَوْعاً أو كُرْهاً، بالنَظَر أو بالعمل:

هيذي مْدينة بنت جبيلْ / عنوان بْلاد بشارة
إجاها نيجر باللَيْل / وْحَكّم فيها الطيّارة
حَكَمْ عليها بالويل / وْعَلّمْها كيف الغارة
أكَلَتْها كِمّ وْذَيْل / شو كان بَدْها بهالعلْقة؟

(الشيخ محمّد نجيب مروّة العاملي – ١٩٢٠)

-بلاد بشارة: اسمٌ تاريخيٌّ للشطر الجنوبيّ من جبل عامل (أي – تقريباً – لما يُسمّى اليوم “جنوب الليطاني”).

  • الكولونيل Émile Nieger : قائد الحملة الفرنسيّة على جبل عامل، في ربيع ١٩٢٠. وكان سببها المُعْلَن أحداثُ عنفٍ طائفيٍّ وقعَت، أبرزها مجزرة عين إبل. وفيها قُصِفت بنت جبيل بالطيران. وحين دخلها العسكر و”المتطوّعة”، كان أهلها قد هجروها إلى قرى الجليل القريبة، فنُهِبَت وأحرِقت. وكان نصيبها وحدها عشرة آلافٍ من مائة ألف ذهبيّةٍ فُرِضت غَرامةً على الجبل وانتهى الفساد والطمع إلى جبايتِها مُثَقَّلةً، فأفقرَت أهله.
  • “أكَلَتْها كِمّ وْذَيل: نُكِبَت من أدناها إلى أقصاها…

ملاحظات على اتّفاق ١٦ نيسان

https://www.almodon.com/culture/2026/04/18/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%88%D9%86-%D9%87%D8%B0%D8%A7-%D9%87%D9%88-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A5%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B1

تكفي قراءةٌ أولى لاتّفاق أمس لملاحظة ما يلي:
حفظ الاتّفاق حقّ إسرائيل الشهير وحدها في “الدفاع عن النفس”، (الحقّ نفسه الذي غطّى الإبادة في غزّة) فلم ينصّ على “حقّ كلٍّ من الدولتين في الدفاع عن النفس”، لا سمح الله!
أعلن الاتّفاق أنّ الدولتين “ليستا في حالة حربٍ” وهذا إعلانٌ تخطف جِدّتُه البصَر لأنّ الدولتين في حالة هدنة منذ عام ١٩٤٩، وهو ما يعني قانوناً (على حدّ علمي القاصر) أنّهما باقيتان في حالة حربٍ ولكن تفاهمتا على وقفِ الأعمال الحربيّة إلى أجلٍ غير مسمّى… ولو كان الأمر غير هذا لبطلت الحاجة إلى التوجّه نحو عقد اتّفاق سلام، على ما يؤكّده الاتّفاق.
عاود الاتّفاق تأكيد حقّ الاستنساب الإسرائيليّ المطلق في “مواجهة أيّ هجّمات مخطّطةٍ أو وشيكةٍ أو جارية”، وهو ما كان اتّفاق ٢٧ تشرين ٢٠٢٤ الذليل قد نوّه بما يشبهه ولكن مع شيءٍ من التقييد بتبليغ “الميكانيزم” المعلوم الذي خلا من ذكره الاتّفاق الحالي. وهو أيضاً ما انتهى إلى أزيدَ من ٤٠٠ لبنانيٍّ اغتيلوا، فضلاً عن جرحى أوفر عدداً ودمارٍ مضاف. وهو أخيراً ما كان السبب الثاني لاستئناف القتال من الجهة اللبنانيّة (السبب الأوّل – بترتيب الإعلان – كان الثأر للمرشد الإيراني)…
عاود الاتّفاق تأكيد مسؤوليّة دولتنا عن حصر السلاح بيد ما سمّاه “الأجهزة الأمنية اللبنانيّة” (جاعلاً الجيش واحداً منها!) وعن منع النشاط المسلّح لأيّة جهةٍ أخرى… جاعلاً الحصر والمنع مطلقين هذه المرّة، غير مقيّدين لا ب”جنوب الليطاني” ابتداءً ولا بمرجعيّة القرار ١٧٠١…
كانت مدّة اتّفاق ٢٧ تشرين ستّين يوماً فيما مدّة اتّفاق أمس (المقدّم على أنّه “بادرة حسن نيّة من قِبَل حكومة إسرائيل”!) عشرة أيّام. وكان الاتّفاق السابق ينصّ على الانسحاب الإسرائيليّ التامّ من الأراضي اللبنانيّة في مدّته المشار إليها فيما يخلو الاتّفاق الحاليّ من أدنى ذِكرٍ للاحتلال الذي توسّع كثيراً وتوطّد واستكمل معه (في مَساق إنشاء “المنطقة العازلة”) تدمير مدينة الخيام ودُمّرت مدينة بنت جبيل وقرى وبلداتٌ عزيزةٌ أخرى. هذا إلى إعلان رئيس الحكومة الإسرائيليّ، مع إعلان الاتّفاق، أنّ جيشه باقٍ حيث هو.
هذا – حتّى إشعارٍ آخر – أبرز ما وجدته مستأهلاً الإشارة في نصّ هذا الاتّفاق الذي كلّف ما أحصاه عشرات الفسابكة غيري فلا أحتاج إلى تكراره.
هذا الاتّفاق هو الذي بصمت عليه الدولة اللبنانيّة وسائر القوى السياسيّة في لبنان وأوّلها الحزب المقاتل (وأبصم عليه بدوري “أنا العبد الحقير الذي ليس بطريرك إنطاكية وسائر المشرق”). وهو أخيراً الذي أطلقت قذائف الـ b7. ابتهاجاً به في ضاحية بيروت، فيما لا يزال القتلى تحت دمار بيوتِنا والاحتلال جاثماً حيث هو… هل هؤلاء بشرٌ أم بلاط قبور؟

الحرب: منطوياتٌ لدخولِنا “المرحلةَ الجديدة”…

مقالةٌ لي في “المُدُنِ” اليوم

الحرب: منطَوَياتٌ لدخولِنا “المرحلةَ الجديدة”…

أحمد بيضون

القولُ إنّ المواجهةَ انتقلت إلى مرحلةٍ جديدةٍ معناهُ أنّ شيئاً حصلَ وكانَ قد قيلَ لنا إنّهُ لن يحصُل. معناهُ أوّلاً أنّ تصميمَ القيادةِ الإسرائيليّةِ الهائجةِ على المِضِيِّ قُدُماً في الحَرْبِ إلى الغايةِ المعلنةِ من جانِبِها لم يردعْهُ الرَدْعُ المُعْلَنُ المُقابِلُ ولا الضُغوطُ الدُوليّةُ ومنها التشديدُ الأميركيُّ والإيرانيُّ العالي النبرةِ على الرغبةِ في اجتنابِ حربٍ إقليميّةٍ بل أيضاً على الحؤولِ دونَ ما هُوَ أَقَلُّ من حربٍ إقليميّةٍ وهيَ الحربُ المفتوحةُ على لبنان.

مؤدّى الكلامِ نفسِهِ أيضاً أنّ “الإسنادَ”، بما ارتُضِيَ لهُ من أكلافٍ، لم يبعِد “الخطرَ الأعظمَ” عن لبنان – بخلافِ الوعدِ – بل أوشكَ على فتحِ الأبوابِ كلِّها أمامَ هذا الخطر. هذا فضلاً عن أنّ هذا الإسنادَ لم يَلْجِم الحربَ الآجراميّةَ في غزّةَ، على ما هُوَ ظاهرٌ للعيانِ، ولا حجبَ للفلسطينِيّينَ دَماً أو حَمى لَهُم حقّاً في المواجهةِ الجارِية.

ما حفظهُ هذا الإسنادُ، في الحدودِ المختارةِ له، هو هيبةُ القائمينَ بهِ وجَدارتُهم بما هم منذورونَ له: إذ حماهُم من الطَعنِ الذي كان خصومهم مِن كلِّ اتّجاهٍ سيُبادِرونَهم به، ومعهم راعيهم الإيرانيًّ، لو انّهم أحجموا.

شيءٌ آخرُ لاحَ أحياناً في أفقِ الجبهةِ اللبنانيّةِ وهو إفضاءُ المواجهةِ إلى تطبيقٍ للقرارِ ١٧٠١ يردعُ الخرقَ الإسرائيليَّ اليوميَّ للفضاءِ اللبنانيِّ ويُسهِّلُ المطابقةَ (ومَدارُها أقَلُّ بقليلٍ من نصفِ كيلومترٍ مربَّعٍ موزّعٍ على ١٣ نقطة) ما بينَ “الخطّ الأزرقِ” المعلومِ وخطِّ الحدودِ الدوليّةِ بين لبنان وفلسطين. وهو ما كان يقلّلُ من احتِمالِ الوصولِ إليهِ ما يُقابلُه من اشتِراطِ القَرارِ إخلاءَ جنوبِيّ الليطاني من كلّ سِلاحٍ سوى سِلاحِ الجيشِ والقوّات الدوليّة.

واقعةٌ أضخمُ يظهَرُ اليومَ أنّها لم تَنَلْ نَصيبَها مِن الاعْتِبارِ : وهيَ رغبةُ القيادةِ الهائجةِ في إسرائيل في تعطيلِ المَرافِقِ النَوَويّةِ الإيرانيّةِ وسعيُها غيرُ الخَفِيِّ، من سِنينٍ ، إلى جَرِّ حاميها الأميركيّ معها في هذه المغامَرة. فهل تَؤولُ حربُ غَزّة، بَعْدَ حينٍ، إلى فرصةٍ لِحَمْلةٍ من نوعٍ ما على تلك المرافق؟ لا أظُنُّ الأملَ في وضْعِ المواجهةِ الجاريةِ على هذه السِكّةِ الإجرامِيّةِ الأخرى قد غادرَ مُخَيِّلةَ القيادةِ الهائجةِ لحظةً في هذهِ الأيّامِ الأخيرة…

سَيَتَكَرَّرُ، في الوقتِ الحاضرِ، حديثُ ما هو مَعْلومٌ مِن كلفةٍ تُرتِّبُها الحربُ المفتوحةُ على العَدُوّ. ما قد يكونُ في هذا من عزاءٍ لبَعْضِنا يَحِدُّ منه ابتِداءً أنّ الحربَ، على جاري العادةِ، لن يؤذَنَ لها بأن تكونَ “القاضيةَ” بأيِّ حالٍ، بل سيبقى أفقُها الأسودُ مفتوحاً على حروبٍ أخرى وعلى محنٍ من كلّ نوعٍ تَبِعَت حروباً سَبَقت… وأنّ مواردَ جبرِ الضَرَرِ، فضلاً عن وسائلِ التَدْميرِ والقَتْلِ، لا تَكافؤَ فيها أصلاً…

أصبحَ مرَجَّحاً، في كلِّ حالٍ، أنّ القيادةَ الهائجةَ تلكَ باتت تؤثِرُ استِثمارَ المواجهةِ الجاربةِ وتّحَمّلَ ما لا بُدَّ منهُ لمحاولةِ مَنْعِ الضريبةِ من التعاظمِ سنةً بعدَ سنة. هذا إلى رغبةِ مرجّحةٍ أيضاً في إقامةِ الدليلِ على أنّ ما لَمْ يُفْلِحْ في حمايةِ لبنان لن يقفـَ حائلاً دونَ التَعَرُّضِ لإيران.

هذا ولا سبيلَ إلى نسيانِ واقعةٍ هي أمُّ الوقائعِ في ساحَتِنا اللبنانيّةِ: وهي أنّ الحرْبَ المفتوحةَ، إذا شَبّت، إنّما تُفْرَضُ على بلادٍ مَنهوبةٍ ومجتَمَعٍ مكتومِ الأنفاسِ ممزّقٍ ومَصائرَ متداولةٍ تُراوحُ ما بين مأزقِ الفدراليّةِ ومأزقِ التقسيمِ ودَوْلةٍ تَرْضَعُ مؤسّساتُها وحلَ الحضيض..

… على أنَّ الحسينَ بنَ عليٍّ كانَ قد قالَ لوالي المدينةِ الأمويِّ، بعدَ أن أبلغَهُ إباءَهُ البيعةَ ليَزيد: نصْبِحُ وتُصْبِحونَ ونَنْظُرُ وتَنْظُرون…