يساره “الحقيقيّ” ويسارنا “المغامر” في نعشٍ واحد

— Read on www.almodon.com/amp/culture/2026/05/22/يساره-الحقيقي-ويسارنا-المغامر-في-نعش-واحد

رحل غسّان الرفاعي. نحن من أوحى إليه ب”اليسار الحقيقي واليسار المغامر”. كنّا نحن “اليسار المغامر”… أو أبرزَ من فيه، على الأقلّ. وقد رددنا لغسّان الرفاعي صاعَه صاعين. كان هو “التحريفيّ”، المستتبَع في الداخل من جناحٍ في الإقطاع الطائفيّ، وفي العالم من القيادة البيرقراطيّة للتحريفيّة العالميّة ومن أنظمة الانقلابات، أنظمة برجوازيّة الدولة، محترفة الهزائم، التي كانت تسحل الشيوعيّين ولا تلبث أحزابهم أن تعود إلى أحضانها صاغرة.

لم يلبث رفاقنا أن طردونا… فنجونا من الولوغ في الحرب الأهليّة، أوّلاً، وأسعفتنا الحربُ نفسُها، ثانياً، في إدراك أمرٍ جلل: وهو أنّنا كنّا نسحب مجتمعنا من شعره، في أوهامنا وأحلامنا، ونُحْكِم وثاقَه بترسيماتٍ مستوردةٍ من عالمٍ وعَصْرٍ آخَرين لا تصلُح لفهمه، وأنّ جماعة غسّان الرفاعي كانت تستجيب لدواعي مصالحةٍ عرجاء ما بين ترسيماتها وجاذبيّة البنى الغالبة على ذلك المجتمع. هذا فيما كنّا نؤثر عزلةً متعجرفةً لم يلبث بعضنا أن أنكرها واستنكَر البقاءَ عليها. فكان أن طردنا هؤلاء واستووا هم وجماعة الرفاعي أقرب شبهاً بعضهم ببعضٍ من نقطتي ماء.

في هذه الأثناء، كانت تتهاوى في العالم وتتهالك في المحيط قوىً حملَتنا معارضتُها على الأكفّ وحملَت موالاتُها على الأكفّ جماعة الرفاعي. انهزمت صورةٌ للعالم بقضّها وقضيضها. انهزم من عارضناهم ولكنّنا، ونحن في عزلتنا، لم ننتصر. فإنّ من انتصروا كانوا الأعداء الأصليّين: أعداءنا وأعداء من عارضناهم في ذلك العالم الآفل.

خسرنا ولم يربح غسّان الرفاعي ولا ربح رفاقنا الذي دخلوا في شركته.

فلم نجد في يدنا غير استبقاء عزلتنا لعلّها تسعفنا في فهم العالم الجديد الذي كان يولد نقيضاً لصورة “العالم الجديد” التي عمرت أحلامنا في ما مضى. كرهنا الصورة العامّة لهذا العالم ونحن نجهد في تبيّن ملامحها. كان هذا العالم هو الذي قال فيه كلود ليفي ستروس، وهو يغازلُ المائة من عمره: “ليس هذا عالماً أحبُّه!”. من صميم القلب، أوافقُك يا معلّم! أوافقك مشيّعاً مع غسّان الرفاعي يساره “الحقيقيّ” ويسارنا “المغامر” في نعشٍ واحد…

مقاربة. كلمن،كلمن،كلمن، أحمد بيضون

مقالةٌ للراحل طلال سلمان كرّس الشطر الأوّل منها لتقريظ كتابي “كلمن في مفردات اللغة ومركّبات الثقافة”. المقالة مؤرّخة في ١٤ شباط ١٩٩٧(يوم فالنتاين!) أي في غداة صدور الكتاب… ولا أذكر أنّني قرأتُها قبل اليوم.

كلمن، كلمن، كلمن.. أحمد بيضون/

https://archive.assafir.com/ssr/865942.html

القتال والمفاوضة، ليس مغامرةً وحسْبُ: هو مقامرة.

https://www.almodon.com/culture/2026/05/09/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AA%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6%D8%A9-%D9%84%D9%8A%D8%B3-%D9%85%D8%BA%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%AD%D8%B3%D8%A8%D9%87%D9%88-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A9

سلوكُ أحد السبيلين المطروقين في لبنان، القتال والمفاوضة، ليس مغامرةً وحسْبُ: هو مقامرة. فعجز كلٍّ من الدولة والفريق المقاتل عن السيطرة، أيّةً كانت درجتُها، على مسرى سلوكه ومآلِه عجزٌ فاقعٌ إلى حدٍّ يَبْدو غير مألوف. وذاك أنّ كُلّاً من “الطرفين” عاد “طموحُه” المعلَن في موضعٍ وقدْرتُه الفعليّةُ في هوّةٍ سحيقةٍ لا يظهر قاعُها من ذاكَ الموضع. أفْلِتَ زمامُ البلاد من نطاق حدودِها، من أيدي مسالميها ومقاتليها سويّةً، وهذا من زمَنٍ تَجُوزُ المجادلةُ في تقديرِه.

هذا والقول بأنّ المسالمةَ والمفاوضةَ أوفَرُ لدمِ اللبنانيّين وعمرانِهم قولٌ لا مُسْكةَ له، مع الأسف. وذاك أنّ الضمان لإفضاء المفاوضةِ إلى الغايةِ المرجوّة ولعدمِ إفضائها، هيَ أيضاً، إلى تفجير البلادِ، أي إلى دمٍ كثيرٍ يسيلُ وعمرانٍ كثيرٍ يَبيدُ، ضمانٌ يكادُ ألّا يقومَ على كفايتِه، في الحالَين، بل على وجودِه نفْسِه، دليل. وأمّا إفضاءُ القتال إلى مزيدٍ، لا نهايةَ ظاهرةً لآخرِه، من الموتِ والدمار اللبنانيّين (ومن الاحتلالِ ، على الأخصّ، بسائرِ عواقِبِه) فهو غيرُ محتاجٍ إلى دليل.

في هذه الأثناء، يسَعُنا أن نمضي قدُماِ في تَعْدادِ السبُلِ المنظورة وتلك المطروقة وفي المفاضلةِ بَينَها. ولكنّ المفاضلةَ لا تُطْعِم خبزاً حين تكون القدرةُ على التحَكُّم في المآلِ متهافتةً أو مفقودة. وحدَهُ رئيسُ مجلسِ النوّاب يبدو، من شُرفة الخبرةِ المديدة، متّعِظاً ببؤسِ حالِنا. يُطالَبُ بحَسْمِ أمْره فلا يُقدِم على ما فيه قَطْعٌ لأيٍّ من الحَبْلَين اللذَين يرقصُ عليهِما. ولا يرشحُ عنهُ سوى أنّه “ينتظر إسلام أباد”!

هذا موقفٌ “واقعيٌّ”: واقعيٌّ بقَدْرِ الإمكان! فمن إسلام أباد، قد يحصُلُ لنا خيرٌ وقد يحصُلُ شرّ! ولكن هذا هو “الممكنُ” الآن: مع مُواصلةِ ما لا مَناصَ من مواصلتِه: أي القتال والمفاوضة… والموت والدمار.

شيءٌ آخر قد تُصْبِحُ المراهنةُ عليه جائزةً، ولكنْ بعدَ حين: تغييرٌ جسيمٌ ما في مسلك واحدٍ من الأطرافِ الثلاثةِ الضالعةِ في نكبتِنا. انقِلابٌ ما! ولكنْ حتّى هذا يسعُه أن يكونَ خيراً لنا أو شرّاً علينا.

تلك حالُ البلادِ الصغيرة حينَ تَرى نفْسَها (أو يرى بعضُ أهلِها أنفُسَهم) غيرَ ما هِي (أو ما هُم) في ميزان الدول.

لاتَ ساعةَ مَنْدَم!

ذهبت مكتبتُنا في ما ذهَب

https://www.almodon.com/culture/2026/05/04/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%88%D9%86-%D8%B0%D9%87%D8%A8%D8%AA-%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%AA%D9%86%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%A7-%D8%B0%D9%87%D8%A8

أبدى أصدقاء عديدون، في الأسبوعين الأخيرين، قلقهم على مكتبتنا، عزّة وأنا، في بنت جبيل. أطلقت الصيحة ناشرتنا المحبوبة رشا الأمير واستجابت لها ناشرتنا المحبوبة الأخرى هند درويش، وهي اليوم سفيرتنا في اليونسكو. وأشار إلى مكتبتنا أيضاً منذر جابر ولم يذكر مكتبته هو التي أعرفها حقّ المعرفة، وفيها كنوزٌ لا يدانيها ما في مكتبتنا من قريبٍ ولا من بعيد، وفيها أيضاً عمرٌ من الكدح في البحث والجري في طلب الوثيقة. على أنّ منذر جابر، وهو العامليّ البنت جبيليّ بئراً وغطاءً، نوّه أيضاً بكثرة المكتبات الشخصيّة في بنت جبيل، وبعض هذه عريقٌ، بمعنى الكلمة كلّه، فيه من المخطوطات والطبعات القديمة ومن الشواهد على تراث الأدب والدين والسياسة في جبل عامل ما يتعذّر تعويضه كلّ التعذّر.
اليوم أيضاً نشرت العزيزة ريتا باروتا مقالةً شائقةً افتتحتها بذكر مكتبتنا وأبرزت فيها حقيقة المكتبة الشخصيّة بما هي تجسيدٌ ل”طبقات” عُمر…
مكتبات بنت جبيل، بل مدينتنا بأسرِها، ذهَبت بها الهمجيّة العنصريّة، في هذه الأثناء، وفَجعَت أهلَها بأعزّاءَ كُثُرٍ، فضلاً عن الأرزاق والمعالم والديار وما تخلّف فيها من الشواهد على أعمارهم، الهشّة دائماً، وعلى عمر المدينة وهو يقاسُ بالقرون، وكانت الهمجيّة نفسها قد أتلفَت كثيراً منه في حرب ٢٠٠٦، ومعه الأمل في استعادتِه.
ذهبت مكتبتنا، في ما ذهبَ، وأدرجناها، مع موقعها الفريد من النفس، بين أقلّ ما ذهبَ وأهونِه. ضاع فيها ما يداني عدده النصف من كتبي (ولا أتحدّث عن نصيب عزّة منها) وسَلِم – إلى الآن! – النصف الآخر القابع في بيروت. وضاع أيضاً (وهذا لا يعوّض فعلاً) ما يداني النصف (وهو النصف الأقدم) من أوراقي وملفّاتي، من محفوظاتي على اختلافها. هذه المحفوظات هي جبل الجليد الذي لا يكون المنشور من الأعمال إلّا قمّته الظاهرة، وهي أيضاً جبل هذا العمر الذي أدرك ارتفاعه الأخير.
وعن “منطق المكتبة” (المكتبة الشخصيّة، على التعميم، ومكتبتي، على التخصيص)، كنت قد نشرتُ مقالةً في “القدس العربي”، سنة ٢٠١٤، أعيد إتاحتَها أدناه لمن له صبرٌ عليّ وعلى الموضوع كلّه.

https://onedrive.live.com/:w:/g/personal/AB1C1522F2801CF5/IQD1HIDyIhUcIICrsBABAAAAAa6BdKR33jRbWIuzgc-6_SM?resid=AB1C1522F2801CF5!69808&ithint=file%2Cdocx&fbclid=IwdGRjcARmG5RleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZAo2NjI4NTY4Mzc5AAEeN5WnZgCF3d6PLToUWNBkkRQwbrILCr_Yiv9FilK3Iwbe-XbkKuBgO-WjxJc_aem_nisQnA2spT85bLjDwias4Q&migratedtospo=true&redeem=aHR0cHM6Ly8xZHJ2Lm1zL3cvYy9hYjFjMTUyMmYyODAxY2Y1L0lRRDFISUR5SWhVY0lJQ3JzQkFCQUFBQUFhNkJkS1IzM2pSYldJdXpnYy02X1NNP2ZiY2xpZD1Jd1pYaDBiZ05oWlcwQ01URUFjM0owWXdaaGNIQmZhV1FLTmpZeU9EVTJPRE0zT1FBQkhqZVZwMllBaGQzZWp5MDZGRmpRWkpFVU1HNnlDd3FfMklyX1JZcFN0eU1HM3ZsMjVDcmdZRHZsbzhTWF9hZW1fbmlzUW5BMnNwVDg1YkxqRHdpYXM0UQ