مقاربة.كلمن،كلمن،كلمن،أحمد بيضون

مقالةٌ للراحل طلال سلمان كرّس الشطر الأوّل منها لتقريظ كتابي “كلمن في مفردات اللغة ومركّبات الثقافة” المقالة مؤرّخة في ١٤ شباط ١٩٩٧، أي في غداة صدور الكتاب… ولا أذكر أنّني قرأتُها قبل اليوم.

كلمن، كلمن، كلمن.. أحمد بيضون
على امتداد شهر أو يزيد، كان »أثر« أحمد بيضون هو وسادة متعتي وقلقي: كنت أرجع إليه كل ليلة فرحاً، مشوقاً، كمن يسعى إلى لقاء حميم، فإذا ما
— Read on archive.assafir.com/ssr/865942.html

عقل العويط عن مثقّفي جبل عامل

https://annah.ar/301524

رسالة إلى أهلي وأرضي في جبل عامل
عقل العويط

إلى أحمد بيضون، عبّاس بيضون، جهاد الزين، علي حرب، علي الأمين، حسن جوني، علويّة صبح، منى فيلض، أنيسة الأمين، جمانة حدّاد، حسن داوود، شوقي بزيع، وضّاح شرارة، محمّد أبي سمرا، حمزة عبود، يوسف بزي، يحيى جابر…
وإنّما أنتم عينةٌ من بحرٍ، ونبعٌ من ينابيع، ونهرٌ من أنهارٍ، وسهلٌ من سهولٍ، وعلاماتٌ مضيئةٌ في حلكةٍ، وإشاراتٌ رمزيّةٌ تنفتح وتمتدّ إلى جيلٍ وأجيال، وعمرٍ وأعمار، وغمرٍ وأغمار، إلى آخرين يستحقّون أنْ يُذكَروا معكم بوقار؛ كثيراتٍ وكثرًا، مواطنين وأفرادًا عاديّين وفلّاحين ومزارعين ورؤيويّين ومفكّرين وكتّابًا وشعراء وفنّانين ونقّادًا وعارفين وعقلاء وحكماء وأحرارًا، وعابرين في الظلال، أحياءً وموتى (منكم حسين مروّة ومهدي عامل وكامل مروّة وحبيب صادق وهاني فحص وكريم مروّة ومحمّد دكروب ومحمّد حسين شمس الدين ومحمّد العبدالله وحسن العبدالله…)، من أعمال جبل عامل، كنايةً عن عباقرته وأهله أجمعين.

أنتم لستم تفصيلًا في زمنٍ عابرٍ، ولا هوامش تُقاسُ على تحوّلات القوى والرايات. وُجِدتم قبل كلّ تسمية، وعشتم خلالها، وستبقون بعدها، لأنّ ما يصنعكم لا يُختَصر بانتماءٍ، ولا يُستنفد في خطاب. قيمتكم في ذواتكم؛ في قدرتكم على أن تكونوا أفرادًا كاملين ونبلاء وأشاوس في أرضٍ تُغري بالذوبان في الجماعة، وفي وفائكم لما لا يُرى ولا يُكافأ.
أكرّر: إليكم أنتم، كنايةً عن أهل جبل عامل، شعرائه وكتّابه وفنّانيه ومفكّريه وعشّاقه وناسه الطيّبين المزروعين في الوعر، وإلى كلّ من صان مسافةً بينه وبين “الجموع”، ولم يُسلّم صوته لليقينيّات الجاهزة، يليق بكم احترامٌ يوازي وقوفكم العظيم في العاصفة الهوجاء، ويليق بكم تكريمٌ يلاقي صمتكم، وتوقيرٌ لا يحتاج إلى إعلان.
أنتم لستم صدًى لمرحلة، بل نبرةٌ نبيلةٌ وفريدةٌ وخاصّة رفضتْ أنْ تُختَزَل. كتبتم وشهدتم لا لتؤكّدوا ما هو قائمٌ، بل لتُبقوا المعنى ممكنًا حين يضيق.
لم تغرّكم الرايات والأسلحة والدعوات القياميّة، ولا أغرتكم السلطة الرمزيّة التي تمنحها الجماعات لأبنائها المطيعين. اخترتم الطريق الأصعب: أنْ تكونوا أنفسكم، وأنْ تكونوا فحسب، وأن تدفعوا ثمن ذلك، بلا شكوى وبلا ادّعاء. وفي هذا، يكمن جوهر ما يستحقّ الاحترام: استقلالٌ دفينٌ وبنيويٌّ وعضويٌّ لا يعلو صوته، لكنّه لا ينحني ولا ينكسر.
تحيّةٌ إليكم، لا تُلقي عليكم عبءَ تمثيلِ أحدٍ، بل تُعيد إليكم ما هو لكم أصلًا: حقّكم في أنْ تُقرأ حيواتكم وكلماتكم وأفعالكم وتجاربكم وآراؤكم وأفكاركم وشهاداتكم وحضوركم الإنسانيّ، بوصفها أفعالَ حريّة، وأنْ تُرى كاختبارٍ دائمٍ للمعنى، لا كملحقٍ لأيِّ زمنٍ أو سلطةٍ، أو وليٍّ وزعيم.
أنتم لستم “قبل” أو “بعد”. أنتم في صميم ما يبقى، حين يمرّ كلّ شيء.

هذه هي أرضكم، هذه الأرض اللبنانيّة الأصيلة، حين تُذكَر بلا ادّعاء، لا تطلب سوى أن تُرى كما هي: طبقةً من كرامةٍ وإبداعٍٍ وتمايزٍ وتعبٍ وجهدٍ، متراكمة، وذاكرةً لا تنطفئ، ونَفَسًا رقراقًا ومزهرًا يعاند الانمحاء.
هي أرضٌ، هي أرضٌ، وليست في حاجةٍ إلى مديحٍٍٍ صاخبٍ، ولا إلى خطاباتٍ تُثقِلها بما ليس فيها. يكفي أن تُلمَس برفقٍ، وأن يُصغى إليها كما يُصغى إلى جرحٍ قديمٍ، إلى عشقٍ تعلّم أن يشهد بصمت.
هناك، في جبل عامل، حيث تتعاشق الأنسام والشموس والأقمار والنظرات والأفئدة والقرى والسهول والوديان والأنهر والظلال كأنّها بقايا صلاةٍ طويلة، ليس الشعرُ فيها، والأدبُ، والفنّ، والثقافة، والفكرُ، والعقلُ، والأنسنة، زينةً، بل ضرورة.
الكلماتُ هناك، لا تُكتَب لتُقال، بل لتبقى، كترابٍ لا ينشف ولا يجفّ ولا يزول، كموهبةٍ قصوى، كحجارةٍ في جدارٍ يعرفُ أنّه قد ينهار، لكنّه يتغاوى بما فيه من معنى.
أنتم يا عشّاق الحياة والأرض، يا شعراءها، وكتّابها، وفنّانيها، ومفكّريها، الذين لم تُسلّموا أرواحكم لليقينيّات المغلقة، ولم تختبئوا خلف أيديولوجيّاتٍ تُميت السؤال، أنتم لستم استثناءً، بل أنتم، في كراماتكم الأليمة، في أوجاعكم الوجوديّة، وفي حضوركم الأبيّ، القاعدةُ التي لا تُعلن نفسها.، ولا تتباهى بنفسها.
تعرفون أنّ الانتماء ليس شعارًا، بل امتحانٌ يوميّ: أنْ تبقى وفيًّا لما لا يُكافئكَ، وأنْ تُنصت لما لا يُسمَع، وأنْ تكتب كما لو أن الكتابةَ شكلٌ من أشكال البقاء، لا التزيين.
ولأنّكم كذلك، لا تحتاجون إلى تحيّةٍ رسميّة، ولا إلى احتفاءٍ يُشبه المناسبات.
تحيّتي أنْ تُترَك البيوتُ لكم، والأمكنةُ، والأهل، والمعاني، والأفكارُ، والقيمُ، والمعاييرُ، والماضي، والحاضرُ والمستقبلُ، وأنْ تُترَكوا إلى بيوتكم، إلى أهلكم، إلى صدقكم، إلى نبلكم، إلى كبريائكم، وأنْ يُعترَف بأنّكم ضمير الأرض ووجدانها، وحَمَلةُ ما تبقّى من خيطٍ دقيقٍ يربط الإنسانَ بوجوده، دون أنْ يخنقَه بها. تحيّتي إليكم أنْ يُقال، بهدوءٍ: إنّكم، في هذا الزمن الخطير والملتبس، لم تساوموا على المعنى.
الأرضُ اللبنانيةُ لا تُكافئ كثيرًا. لكنّها، في لحظاتٍ نادرة، تعطي مَن يشبهها: قسوةً صافية، ونورًا خافتًا يكفي لكي لا يضيع الطريق تمامًا.
أنتم لا تطلبون أكثر من ذلك. وأنتم تستحقّون أكثر.
سلامي إليكم.

عقل العويط مستعيداً : “لم يبقَ لنا إلّا نحن”

الشاعر عقل العويط استعاد منشورةً لي ظهرت في فيسبوك قبل أيّام واتّخذها مداراً لمقالته اليوم في “النهار”.

“لم يبقَ لنا إلّا نحن”
عقل العويط

كتب أحمد بيضون ما يأتي على موقعه، تحت عنوان “لم يبقَ لنا الّا نحن”، وأراني أستعيده ليؤخَذ حكمةً نحتاج إليها في ليلنا البهيم هذا، فـ”نرى” جيّدًا ما قد يغفل ويتغافل كثرٌ عن “رؤياه” و”رؤيته” بتمامه: “نرغبُ في الصراخِ ومَنْ قد يتوجَّهُ إليهم صراخُنا لا آذانَ لهم. ليس في يدنا شيءٌ ولن يعطينا أحدٌ شيئاً. لم يبقَ لنا الآنَ إلّا نحنُ: ومن استطاعَ منّا أن يداري شيئاً من وقْعِ المُصابِ على المصابينَ سيفعل.
وأمّا الكلماتُ فعُلِّقتْ معانيها إلى أجَلٍ لا نعْلَمُهُ: منها ما قد نستردّهُ بمعنىً جديدٍ ومنها ما سيلبثُ تائهاً عن كلِّ معنىً فيتعيّنُ الإعراضُ عنه ومنها ما سيكونُ علينا ابتكارُ معنىً له أو ابتكارُهُ لمعنىً يلوحُ في الأفق.
… مع ذلكَ لا بأسَ علينا من الصراخِ في هذا الفراغِ المَهول!”.
اقرأوا جيّدًا: “لم يبقَ لنا إلّا نحن”. وأعتقد أنّه لم يكن لنا، في الأساس، إلّا نحن، وكان ينبغي للعاملين جميعهم أنْ يعملوا بوحيٍ من ذلك. لكنّ ما فات قد فات. والحال هذه، والوقت هو هذا، فليقم العقل الواجب الوجود بواجبه، وليرفع حكمة “لم يبقَ لنا إلّا نحن”، سراجًا في مسرى الحلكة المدلهّمة.
جميعنا في حاجةٍ إليها، هذه الحكمة، وليس فوق أحدٍ منّا خيمةٌ (ولا سماءٌ) تدرأ عنه المجزرة العظمى غير المسبوقة، التي قد تستمرّ ضاريةً في “الأيّام المقبلة”، وفي التي تليها، ولن يدرأ أحدٌ عنّا حجار اللعنة، وألسنتها، وأبابيلها، وهذه كلّها لم تكفّ يومًا، ولن تكفّ، عن رجمنا وبلادنا، ودفننا وإيّاها تحت الركام.
أقدارنا هي القسوة مطلقًا، وعلينا، أنْ نحتملها، ونحتمل حياتنا، بضراوتها التي تزداد، وتنمو، وتتوالد، وتتكاثر. أليس من أفعال العقل أنْ نحتضنها (أقدارنا وحياتنا)، نحن الذين “لم يبقَ لنا إلّا نحن”، وليس لنا، ولم يكن لنا إلّا نحن. ومَن يستدلّ إلى أفعال العقل فـ”يرى” الحكمة متأخّرًا، خيرٌ له من أنْ “لا يرى” مطلقًا. وخيرٌ، سبعين مرّةً سبع مرّات، ممّن “لا يريد أن يرى” في أيٍّ من الأيّام المقبلة.
كتبتُ قبل أسبوع مقالًا عنوانه “اسألوا الأيّام المقبلة”، وكان كثرٌ منّا يعتقدون أنّ أهوال الأيّام التي سبقتْ، كافية لتُعتبَر الحدّ الأقصى. لكنّها، يا للكارثة، لم تكن هي الحدّ الأقصى. وعليه، فلنرَ إلى “الأيّام المقبلة” بالاختبار، وبالحدس، وبالنزر القليل من الحكمة، وبالولاء لإمامة العقل. وها هي مقبلةٌ علينا، وستكون شديدة الهول، ويصعب التكهّن بها كلّها، وبفخاخها، لأنّها متداخلة، ومتشعّبة، وظاهرة، وباطنة. وهي ستكون طويلة الأمد. لكنّها لن تبقى إلى الأبد.
مقنعةٌ هي ولاية العقل حين تُرينا أنّ وحشيّة “الأيّام المقبلة” لن تظلّ تجثم على مصائرنا إلى الأبد، فأراني يجب عليَّ أنْ أرفع عاليًا مقولة أحمد بيضون بعنوانها الفذّ “لم يبقَ لنا إلّا نحن”.
مَن “نحن”؟ الدولة. وجميعنا، ولا استثناء. ولن أتردّد في تعميم هذا “الاقتراح”. والآن، وغدًا، وبعد غدٍ، وفي “الأيّام المقبلة” كلّها. لأنّه ليس لأحدٍ منّا مَن بقي له (وكان له) إلّا نفسه. ونفسه هي “نحن”. جميعنا. وأقول هذا على الإطلاق. وبالمهابة والتهيّب. وبشجاعة. وبالتواضع الرحيب جميعه.
قد يخطّئني بعضٌ هنا وهنالك وهناك، مراهنًا أو معتقدًا أنّه بقي لنا ما (ومَن) ليس “نحن”.
إنّي أصرخ هاتفًا: ليس لنا أحدٌ، ولم يكن ولن يكون لنا أحدٌ إلّا نحن. الدولة. وجميعنا. أوعا الغلط.
akl.awit@annahar.com.lb