الاحتلال

الاحتلال

بدمائنا اشْتَرينا هذا الاحتلال،
كنّا نعلمُ أنّنا بالِغوهُ، لا بُدّ!
بالِغوه ولو بشِقّ الأنفُس
طالَ بنا عهدُ خُسرانِه وها قد اسْتَعدْناه
مِراراً أشَرْنا له بالسبّابةِ وبالوسطى:
أنْ عُدْ لا تألَفْ فِراقَنا
عُدْ هَجِّرْنا مرّةً أخرى
من هذه البيوتِ التي أنشأناها مرّةً أخرى
أو هَجِّر البُيوتَ مرّةً أخرى مِن صُوَرِها وصُوَرِنا!
هَجِّرْها أشْلاءً فَوْقَ أَشْلائنا!…
بَلى! حَصَّلْناهُ مُجَدّداً: هذا القَبيحُ المُشْتهى
تقلَّصَ وتمدَّد كثيراً ونحنُ مستَميتونَ في مُعانَدَتِه
فَكانَ أن حَصّلْناهُ بفخرٍ لا مزيدَ عليه
هو المِسْخُ الذي اتّخَذْناه معنىً لِحياتِنا
قَريناً لسَرائرنا،
أحْكَم وِثاقَنا وأخَذَ بخِناقِنا شاكراً
قُلْنا: نَدْحَرُه بعدَ حينٍ
أو يَدْحَرُه أولادُنا،
نقولُ: ذاكَ ما يُقالُ لهُ المستقبل،
ونقولُ: باتَ يُقالُ لهُ الماضي أيضاً…
بأعمارٍ وأرضٍ وعمرانٍ قايَضْنا الاحتِلالَ الآن،
ولأولادِنا نغادر أمجاداً ادَّخَرْناها
وأخرى لَفَّقْناها…
في رُبعِ عَقْدٍ أو في رُبْعِ قرنٍ
أو في أزيَدَ من نصفِ قرنٍ
أو في قرنٍ أو يزيدُ قليلاً
لم نتعب فيها من اسْتِضافةِ الموتِ في صدارةِ البيوتِ والساحات،
مِن اسْتِعجالِهِ بِما يُصِمُّ أُذُنَيه إذا أبْطَأ…
ولأولادنا نغادر أمجاداً وخرائب،
نغادر لهم خرائبَ دِيارٍ وخرائبَ أعمار
ومَدافنَ عامرةً لأيّامِ البَطالة
وأرصفةً تؤويهم على مضض…

الخُلود

الخُلود

 

(إلى عبد الأمير عبد الله)

 

ما كانَ مِنّي

لَمّا بَلَغْتُ العِشرينَ

إلّا أن رَحَلْتُ إلى باريسَ

أطْلُبُ العِلْمَ

بأحوالِ برْجِ حَمّود

فإذا تعذَّرَ

فبأَطْوارِ النموِّ الرأسماليّ

في زِبْقِين

أو بتاريخ المَوَدّةِ والرحمةِ

ما بينَ طَيْرفِلْسَيه ومَيْس الجبل

*

وكانَ أنْ حَظيتُ بغُرفةٍ لِسَكَني

مُشْرِفةٍ عن كَثَبٍ

على مَدْخَلِ البانتيون الخَلْفيّ

(كانَ لي أن أَعِدَّهُ مَخْرَجاً

لولا أنّ المَدافِنَ

لا مَخارِجَ لها)

*

عَلَيْهِ رُحْتُ أَقولُ لِنَفْسي

إنّهُ لَنْ يكونَ علَيَّ،

إذا نَزَلَ بِيَ القضاءُ،

غَيْرَ أن أجتاز هذا الشارعَ

إلى عالَمِ الخالدين

*

على أَنّني

حينَ اشتَدَّ علَيَّ المرضُ يوماً

وحَسِبْتُني هالِكاً لا مَحالةَ

قلتُ لنَفْسي: يا أَخا العَرَبِ!

ما كانَ للطامعِ في جنازةٍ قوميّةٍ

أن يُهْمِلَ طلَبَ الجنسيّة!

(وهذه ذَهَبَتْ مَثَلاً)

*

ثمّ رُحْتُ أسألُ نَفْسي:

كيفَ ستجتازُ الشارعَ الآنَ

أيُّهَذا الضعيفُ العقلِ

أيُّهَذا القصيرُ النظَر؟

 

(1995)

 

صُعودُ النُخَب

صُعودُ النُخَب

الفَتى المُسَمّى طِيزَيْن
فارسُ بَنِي فَرْدِلْباس
لَمْ يَمُتْ قَطّ
*
الفتى الفارعُ القَوام
القَبيحُ الهِنْدام
المُسَمّى طِيزَيْن
وكُنْيَتُهُ أبو النَظَر
لَمْ يَمُتْ بَتاتاً
*
الفَتى الشاكي السِلاح
المُزْدَوِجُ الوَلاء
المُسَمّى طِيزَيْن
وعَشيرَتُهُ فَرْدِلْباس
(لا حَطّاً من شَأْنِ العَشيرة
بل لِضيقِ صَدْرِ الشاعر)
الفتى المطَعّمُ بالذَهَب
لَمْ يَمُتْ مُطْلَقاً
*
جِنازَتُه شاءَها لِنَفْسِه
فُرْجةً
في يَوْمِ خُمول
*
خَرَجَ بَنُو فَرْدِلْباس
عَنْ بَكْرةِ فَرْدِلْباس
خَرَجوا بُطوناً وأفْخاذاً
يَنْدُبون طِيزَيْن
المُلَقّبَ بطِبْقِ الأَصْل
*
خَرَجوا
يُنادونَ:
يا طِيزَيْن
بِلا وَجْهٍ
إلّا وَجْهِ التَقْريب

(1993)