في صَدَدِ “الرغبةِ في الديمقراطيّة”

https://www.almodon.com/opinion/2026/07/15/%D9%81%D9%8A-%D8%B5%D8%AF%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%BA%D8%A8%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9?fbclid=IwcGRvZgNmZGlkFlCpGPAskCKLBMjniyvDXGVURcDFqNBleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZAo2NjI4NTY4Mzc5AAEeacdkabPBdoaLaQQyUQLmAwUSzQEVJVVRCBasP84Mtk0Zpsrq-AoSl_7DMEI_aem_bXuYjl0Nb8ElckhB2oGqYQ

 

               في صدَدِ “الرغبة في الديمقراطيّة”

                                                                                  أحمد بيضون

 

هَيْمَنةٌ أَمْ إجْماع؟

في الكلامِ على الأنظمةِ السياسيّةِ والقِيَمِ المؤسّسةِ لَها وتلكَ المتفرّعةِ عَنْها، تسليمٌ تلقائيٌّ تَقريباً، جامعٌ إلى الحدِّ الأقصى، بأنَّ الديمُقْراطِيّةَ، بِما هيَ نظامٌ للحُكْمِ ولِمؤسّساتِهِ وناظِمٌ للتَعامُلِ بينَ مواطِني الدولةِ الواحدةِ، أفراداً وهيئاتٍ، إنّما هيَ موضِعُ رَغبةٍ جامعة. إلى افْتِراضِ الإجْماعِ، يُفْتَرَضُ أنّ الرَغْبةَ المَذْكورةَ لا تَحْتَمِلُ، بِما هيَ مُسْنَدةٌ إلى التَعَلُّقِ البَشَريِّ بالحُرِّيّةِ، أيَّ اعتِراضٍ على مَبْدَئها. ولا يُبْطِلُ هذا الامْتِناعَ بَقاءُ الاعتِراضُ جائزاً على النَقْصِ في التِزامِ المَبْدَإ أو على الانحِرافِ بِهِ عن الجادّةِ المفتَرَضةِ الأمانةِ لِمَعْناهُ أو على التقصيرِ عن إبْلاغِهِ ما يُفْتَرَضُ أنّهُ يقتضيهِ من عُمْقِ الإعْمالِ وشُمولِه…

 

والحالُ أنّ التَسْليمَ المُشارَ إليهِ أَمْرٌ حديثُ العَهْدِ نِسْبِيّاً فَضْلاً عن عدَمِ مُجاوَزَتِهِ طرَفَ اللسانِ في مُجْتَمَعاتٍ مُعاصِرةًٍ كثيرةٍ وفي مذاهِبَ سِياسيّةٍ لا تَزالُ راهنةَ الحيويّةِ، عريضةَ الانْتِشارِ، في أيّامِنا هذه…

 

فَيَصِحُّ القولُ إنّ الديمُقْراطِيّةَ باتَ لَها، في عالَمِنا الحاضِرِ، مَوْقِعُ هَيْمَنةٍ ويبقى بعيداً عن الصَوابِ القَوْلُ إنّها باتَت مَحَلَّ إجْماع… يَصْدُقُ هذا، على أوسَعِ نِطاقٍ، في وَصْفِ الأنْظًمةِ السِياسِيّةِ والهَيْئاتِ الاجْتِماعِيّةِ التي تَتَوَزَّعُ عالَمَ اليَوْمِ، ويَصْدُقُ، على نطاقٍ أَضْيَقَ شَيْئاً ما، في وَصْفِ مَذاهِبِ الكَلامِ في السِياسةِ وقِيَمِها وفي أَنْظِمةِ الاجْتِماعِ والحُكْم.

 

تاريخٌ سادَهُ النُفور…

هذا ولا بُدّ من التَنْويهِ، إن شِئنا الإلْمامَ بِما تَنْحو إلى تغييبِهِ الهَيْمَنةُ المُشارُ إلَيها من مَعالِمِ المَسارِ التاريخيِّ للمِثالِ الديمُقْراطِيِّ، بأنّ هذا المِثالَ قَد لَبِثَ، إلى أَمْسٍ غَيْرِ بَعيدٍ، بَعيداً عن الحَظوةِ بالتَبْجيلِ المِلْحاحِ الذي يحْظى بِهِ اليوم. وهذا مع طولِ العَهْدِ باسْتِوائهِ مَوْضوعاً للتأمُّلِ والسِجالِ والمُقارنةِ بِنَظائرِهِ مِن أنْظِمةِ الحُكْمِ على التَخْصيص…

فَمِن يَوْمِ وِلادةِ النِظامِ الديمُقْراطِيِّ الأَوَّلِ، المُصَرِّحِ بعُنْوانِهِ هذا، في أثينا القديمةِ، قَبْلَ نَحْوٍ من ٢٥٠٠ سنةٍ، وُجِدَ مَن يَنْبَري لتَفْنيدِه وهِجائهِ، وكانَ في صَدارةِ نُقّادِهِ هؤلاءِ أفلاطون.

 

ولَم يَكُنْ هؤلاءِ يَأخُذونَ على النِظامِ الأَثِينِيِّ ما قد نأخُذُه عَليهِ اليَوْمَ من قَبيلِ اقْتِصارِهِ على الذُكورِ الأحرارِ البالِغينَ من مُواطِني المَدينةِ الأَصْلِيِّينَ، إلخ… بَلْ كانَ رأسُ ما يَعيبونَهُ عليهِ ما قد نَراهُ نَحْنُ مِيزَتَهُ العُظْمى: أي المُساواةَ المَبْدَئيّةَ بينَ مُواطِنينَ كانَ هَؤلاءِ النُقّادُ يَرَوْنَهُم غَيْرَ مُتَساوِينَ البَتّةَ… فَيَهولُهُمً أن يَتَساوى، عِنْدَ الاقْتِراعِ، صَوْتُ العالِمِ وصَوْتُ الجاهِلِ، صَوْتُ الحَقيرِ وصَوْتُ الخَطيرِ، إلخ.

 

وفي مُعْظَمِ ما تَلا مِن قُرون، ظَلّت السِيادةُ مَعْقودةَ اللِواءِ لهَذا النَقْدِ، لا بِحُروفِهِ بالضَرورة، ولكنْ في روحِيّتِه.  ولَم يَكُن اسْتِلْهامُ الديمُقْراطِيّةِ تَعَلُّقَ البَشَرِ بالحُرِّيّةِ لِيَدْرَأَ عَنْها سِهامَ النَقْد. فَقَد لَبِثَ الرِقُّ قروناّ كَثيرةّ مؤسَّسةََ ساميةَ الاعْتِبارِ، مُشْتَرَكةََ بَيْنَ حضاراتِ العالَمِ الكُبْرى، وبَقِيَ تَمَرُّدُ العَبيدِ، حِينَ يَحْصُلُ، يُقْمَعُ بِلا هَوادةٍ ولا استِنْكارٍ يُعْتَدُّ به. لَيْسَ هذا وحَسْبُ، بَلْ إنّ التَراتُبَ المُنْطوي عَلى أَفْدَحِ الانْتِقاصِ مِن حُرِّيّةِ الأحرار، بِما فيهِ نِظامُ القِنانةِ الرازحُ على السَوادِ الأعْظَمِ مِن قوى الإنتاجِ، في العهودِ الإقطاعِيّةِ، بَقِيَ مُسَلَّماّ بِهِ، في مَدى قُرونٍ أيضاّ، مَبْدَأََ أصيلاََ لِتَنْظيمِ المُجْتَمَعات… وأمّا الذينَ كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهم الاستِبْدادُ فلا يَجِدونَ لَهُم مَناصاً مِن الخُروجِ، فكانَ عَلَيْهِم، في الأَعَمِّ، أنْ يَتَّخِذوا لخُروجِهم قِناعاً مُقَدَّساً، إذْ لَم يَكُنْ لِغَيْرِ المُقَدَّسِ أن يَسْتَوي أَساساً للخُروجِ على سُلْطانٍ كانَ مؤسَّساً عَلى المُقَدَّسِ، هُوَ أَيْضاً.

 

مَخاضُ التَصَدُّر

وحينَ زُيِّنَ لأتْيان دو لا بُويسي، في مَطْلَعِ الرُبْعِ الأَخيرِ مِن القَرْنِ السادِسَ عَشَرَ، أنّ اطّراحَ الحُرِّيّةِ وقَبولَ السُلْطةِ، بإطلاقِ مَعْناها، إنّما هُوَ أمْرٌ “طَوْعِيٌّ”، كان ذلكَ إيذاناً بِبَدْءِ تَخَلْخُلِ التَسْليمِ بِهذا القَبولِ (باسْمِ حالٍ “طبيعيّةٍ” افْتُرِضَت لَها أَسْبَقِيّةٌ عَلَيْه) عَلى أنّه الواجبُ الأوحَدُ أو المُمْكِنُ الوحيدُ المَشْروعُ، في الأقَلّ. ولكنْ كانَ لا بُدَّ من مَخاضٍ تاريخيٍّ طالَ قرنينِ آخَرَيْن قَبْلَ أن تتَصَدَّرَ الديمُقْراطِيّةُ، مُتَوَّجةً باسْمِها الصريحِ هذا، مع الثورتينِ الأميركيّةِ والفرَنْسِيّةِ، تَيّاراً لتَغْييرِ العالَم ثبَتَ اقْتِدارُهُ وانْتِشارُه. وهَذا فيما يتَعَدّى حالاتِ النُكوصِ والهَزيمةِ، وبَعْضُها مَهولٌ مُتَمادٍ، وهي مُسْتَمِرّةُ المُواكبةِ، في أَيّامِنا، لانتِشارِ التَجارُبِ الديمُقْراطِيّةِ، على اخْتِلافِ صِيَغِها، ولِتوَطُّدِ الهَيْمَنةِ الظاهِرةِ للمِثالِ الديمُقْراطِي.

 

ذاكَ، في كُلِّ حالٍ، أيْ تاريخُ الديمُقْراطِيّةِ، مَبْحَثٌ شاسعٌ لم يَكنْ لَنا أن نُجاوِزَ مِنْهُ العُنْوانَ ها هُنا. وإنّما أرَدْنا التَخَلُّصَ إلى نَزْعِ ما يَبْدو مِن عَفْويّةٍ جامِعةٍ للتَعَلُّقِ بالديمُقْراطِيّة ولطَلَبِها… أو أيضاً لادِّعاءِ تَبَنِّيها مَعَ التوفُّرِ عَلى صِيَغٍ لَها مُغايِرةٍ، إلى حَدِّ الإبْطالِ، لِتِلْكَ التي تَمَخَّضَت عَنْها التَجارِبُ المؤسِّسةُ لأنْظِمَتِها الحَديثةِ ولِما أَرْسَتْهُ لَها هَذِهِ التَجارِبُ مِنْ مَبادئَ كُبْرى.

 

نَماذِجُ الإبْطالِ وأَسانيدُ النَبْذ

وأَمّا نَماذِجُ هذا الإبطالُ فهيَ معلومةٌ، تزعُمُ الشيوعيّةُ من بَيْنِها، ومَعَها القَوْمِيّةُ أَحْياناََ، نقضاً لديمقراطيّةٍ تَعِدُّها “صوريّةً”، واعْتِماداََ لِأخرى “شعبيّةٍ” صُلْبُها الحزبُ الواحدُ والرأيُ الواحدُ، فضلاً عن الزعيمِ الواحدِ في الغالب. وهذا معَ الجنوحِ بالانتخابِ إلى الاستفْتاءِ وبالتحريرِ القوميِّ أو بالعدلِ الطبقيِّ إلى امتيازِ “النُخَبِ” البيرقراطيّةِ والعسكريّةِ وسطوةِ أجهزتِها على سُلوكِ البشرِ وعَلى دَواخِلِهِم، وعلى المصائرِ، في آخر المطاف.

 

لا هذه الأضرابُ الأخيرةُ من الأنظمةِ ولا تلك المجاهِرةُ بنبذِ الديمقراطيّةِ أصلاً: من الدكتاتوريّاتِ الفاشيّةِ إلى متفرّعاتِ ما سُمّيَ “الصحوةَ الإسلاميّةَ”، في معظمها، من حركاتٍ وأنظمةٍ، كان يعْوِزُها الولاءُ “الشعبيُّ”. وَلا أَعْوَزَتْها المُمالَأةُ المعتبَرةُ لقَمْعِها كلَّ معارَضةٍ أو خروجٍ قَمْعاً بلغَ، في حالاتٍ كثيرةٍ تكشّفت تفاصيلُها، ذُرىً مَهولةً من العُنفِ الدمويِّ ومن فُنونِ التنكيلِ أو الاضطهادِ الأخرى كافّة.

 

وكانَ السندُ لكسبِ هذا الولاءِ والتأييدِ في نبذِ الديمقراطيّةِ الليبراليّةِ، عَلى التَخْصيصِ، مآخذُ مُتشعِّبةٌ أظْهَرُها:

  • أنَّ هذِهِ الأخيرة “صوريّةٌ” تَجْهَدُ لإرضاءِ المُسْتَغَلّينَ المَقهورينَ بحُقوقٍ وحُرّيّاتٍ تَزْعمُ مُساواتَهُم بِها بِالقَيِّمِينَ على قَهْرِهِم واستِغلالِهم، فيما هيَ تَحْمي مَصادِرَ القَهْرِ والاستِغْلالِ ومَرافِقَهُما، بَلْ وتَزيدُ في تَرْسيخِهِما حَيْثُ تَتَيسَّرُ الزِيادة.
  • أنّ هذه الدِيمُقْراطِيّة اقْتَرَنَت باسْتِواءِ مَوائلِها الكُبْرى إمْبِرْيالِيّاتٍ، ويَنْحو اقْتِراحُها على الدُوَلِ التابِعةِ، بَعْدَ أُفولِ الاسْتِعْمارِ، إلى تَأبيدِ التَبَعِِيّةِ بِوُجوهِها المُخْتَلِفة: الاقْتِصادِيّةِ والسِياسِيّةِ والثَقافِيّةِ والإسْتِراتِيجِيّة…
  • أنّ الديمُقْراطِيّةَ نَفْسَها وَجْهٌ رَئيسٌ لِغُرْبةٍ تُجافي تُراثاََ وتاريخاََ مُغايِرَين بِما في ذلكَ مُغايَرةُ الدينِ وما يَنْطَوي عليهِ هذا الأخيرُ مِن مَوارِدَ لِتَنْظيمِ المُجْتَمَعِ والدولةِ يُقَدَّمُ بَعْضُها على أنّه مُلْزمٌ لا مَحِيدَ عَنْه. –
  •  وعَن هذا الوَجْهِ الأَخيرِ يَتَفَرّعُ النُفورُ مِن الديمُقْراطِيّةِ لِنَخْرِها صِيَغَ التَضامُنِ المَوْروثةَ وتَزْكِيَتِها صِيَغاََ أُخْرى طَوْعِيّةََ أو مَوْروثةََ يَدْخُلُها الفَرْدُ القائمُ بِذاتِهِ باخْتِيارِهِ الحُرِّ، عَلى الإجْمالِ، ولا يَمْتَنِعُ الخُروجُ الحُرُّ مِنْها أيضاّ. هذا فيما لايَزالُ الوَلاءُ التَقْلِيديُّ شاغِلاّ مَوْقِعَ الهَيْمَنةِ بَيْنَ صِيَغِ التَضامُنِ (والتَنازُعِ) المَرْصودةِ في المُجْتَمَعاتِ النابِذةِ للدِيمُقْراطِيّة… إلَخ.

 

وَجاهةُ النَقْدِ وهَشاشتُه

لا رَيْبَ في انْطِواءِ هذا النَقْدِ بِأَسْرِهِ عَلى قَدْرٍ مَبْدَئيٍّ مُعْتَبَرٍ جِدّاّ مِن الوَجاهة. ولَكِنَّ وَجاهةَ البَعْضِ مِن عَناوِينِهِ تَضْؤلُ، وتَضْمَحِلُّ وَجاهةُ بَعْضِها الآخر، حينَ تُنْصَبُ في وَجْهِ الاعْتِمادِ الحُرِّ للمِثالِ الديمُقْراطِيِّ ويُفْتَرَضُ إمكانٌ مُتاحٌ لِتَكْييفِ هَذا المِثالِ وِفاقاّ لإرادةٍ غالِبةٍ حُرّةٍ أَيْضاّ. هَذا لا يُخْلي المِثالَ المَذْكورَ من مُشْكِلاتٍ ماثِلَةٍ في صُلْبِهِ، بِطَبيعةِ الحالِ، وأَعْسَرُها تَنازُعُهُ وَمِثالَ العَدْلِ الاجتماعيّ. ولَكِنَّ هَذا النَوْعَ مِنَ المُشْكِلاتِ مُشْتَرَكٌ – ولَو اخْتَلَفَت الصِيغُ والدَرَجاتُ – بَينَ مَواطِنِهِ كافّةََ، قَديمِها والجَديد. وهوَ نَوْعٌ مَلْحوظٌ في صُلْبِ نَظَرِيّةِ الديمُقْراطِيّةِ، أَصْلاََ، وفي كُلِّ تَأْريخٍ جادٍّ لِقِرانِها بالليبِرالِيّة. وهوَ، بِهَذِهِ المَثابةِ، مُتَعَذِّرُ الاسْتِئصالِ القَطْعِيِّ لِتَجَذُّرِه في طَبائعِ السِياسةِ وفي خِيارِ الحُرِّيّةِ مَعاّ. ثُمَّ إنّ عَناوين النَقْدِ المُشارُ إلَيْها يَبْلُغُ بِها درَجةَ الخَواءِ ما وُضِعَ ويوضَعُ في وَجْهِ الديمُقْراطِيّةِ مِنْ بَدائلَ حِسِّيّةٍ مُخْتَلِفةٍ ظَهَرَت في طولِ العالَمِ المُعاصِرِ وعَرْضِهِ لِبِناءِ المُجْتَمَعاتِ والدُوَل…

 

في كُلِّ حالٍ، لَيْسَت المُنافَحةُ عَن المِثالِ الدِيمُقْراطِيِّ بُغْيَتَنا ها هُنا. وإنّما نَبْحَثُ في شُروطٍ نَراها مُحْتَمَلةّ لانْتِشارِ ما نُسَمّيهِ “الرَغْبةَ في الديمُقْراطِيّة” وفي أسْبابٍ تُعَدُّ مُحْتَمَلةّ أيضاّ للنَقْصِ في هَذا الانْتِشارِ أو أَيْضاََ لانْقِلابِ “الرَغْبةِ” إلى عَكْسِها. ما أسْلَفْناهُ من “مَآخِذَ” مُخْتَلِفةٍ على هذا المِثالِ يَسْتَوي – أيّاََ يَكُنْ نَصيبُها الموضوعِيُّ مِن الوَجاهةِ – قاعِدةََ عريضةََ لإعْراضِ المُعْرِضينَ عَنْه أو لِشَنِّ الغاراتِ عَلَيْه. تِلْكَ هِيَ القاعِدةُ العَقَدِيّةُ لهَذِهِ الفئةِ من المَواقِف. ويَشْفَعُها، على المُسْتَوى المادّيِّ، قاعدةُ “المَصالِح”، وهَذِهِ لا تُقْتَصَرُ عَلى الفِئاتِ الضالِعةِ ضُلوعاََ صَرِيحاََ في الاسْتِغْلالِ والقَهْرِ، بَلْ تَدينُ بِمُعْظَمِ سِعَتِها لِفِئاتٍ عَريضةٍ تُوالي النِظامَ القائمَ مَوْضوعِيّاََ، عَلى الرُغْمِ مِنْ بُعْدِها عن مَواطِنِ القِيادةِ فيه. ذاكَ لِمُجَرَّدِ اسْتِواءِ اسْتِقْرارِ النِظامِ المَذْكورِ شَرْطاََ، لا لِفُتاتِ امْتِيازٍ يَكونُ بَعْضُها حاظِياََ بِهِ وَحَسْبُ، بَلْ أَيْضاََ لِصُمودِ مَعاشِها بِأَسْرِه.

 

مِن القَبيلِ نَفْسِهِ أَيْضاََ “مَخاوِفُ” الجَماعاتِ التَقْليدِيّةِ المُتَصَدِّرة: حَذَرُها مِن نُمُوّ الفَرْدِيّةِ وغَلَبةِ التَضامُنِ الطَوْعِيِّ. وهَذا لِأَيْلولَتِهما المُحْتَمَلةِ إلى تَحَلُّلِها أو لِتَحَدِّيهِما مَكانَتَها، في الأَقَلِّ. ويُزَكّي المَخاوِفَ نُفورٌ مُتَوَقَّعٌ مِنْ إفْلاتِ الزِمامِ: لا زِمامَ تَصَدُّرِ الجماعاتِ المَذْكورةِ المُجْتَمَعَ الكُلِّيَّ وحَسْبُ، بل أيضاّ زِمامَ الدِفاعِ والهُجومِ في التَنازُعِ والتَنافُسِ الجارِيَيْنِ بَيْنَها في مَرافِقِ المُجْتَمَعِ وماجَرياتِ حَياتِهِ كافّةََ.

 

ما لا يُسْتَغْرَبُ أو يُسْتَهْجَن…

عَلَيْهِ تَتَوَسَّعُ كَثيراََ، في الصَفِّ “التَقْليدِيِّ” مِن المُجْتَمَعاتِ المُعاصِرةِ، قاعِدةُ المُعارَضةِ أو الرَفْضِ للكُلْفةِ – المَجْهولَةِ – التي تتَرَتَّبُ عَلى التَغْييرِ الديمُقْراطِيِّ… بَلْ أيضاّ على أَيِّ تَغْييرٍ آخَرَ لا يَتَيَسّرُ ضَبْطُهُ أو تَوَقُّعُ مَآلِهِ بِداعي انْطِوائهِ عَلى عامِلِ الحُرِّيّة… هَذا النُفورُ لَم يَحُلْ، عَلى اتِّساعِهِ، دُونَ تَكاثُرِ أَنْماطٍ مِن التَغْييرِ زَعَمَت لِنَفْسِها صِفةَ “الثَوْرِيّةِ”، ولَكَنَّها اتَّكَأَتْ على تَشْكيلاتِ الوَلاءِ التَقْليدِيّةِ مُجَدِّدةََ بَعْضَها ومُغَلِّبةّ بَعْضَها على بَعْض. هذا وَكَثِيراََ ما وَجَدَتْ هَذِهِ الأَنْماطُ طاقَتَها المُباشِرةَ في العَداوةِ: العَداوةِ لِخارِجٍ قََرِيبٍ أو بَعِيدٍ يُمِدُّها ماضٍ نِزاعِيُّ لِعَلاقَتِها بِهِ بِأَسْبابٍ جاهِزةٍ لِلْخِصامِ ويَغْلِبُ أن يُمِدَّها السُلوكُ الحاضِرُ لِهذا الخارِجِ أَيْضاّ بِأَسْبابٍ أُخْرى.

 

وحَيْثُ تُتاحُ تُرْبةٌ مُواتِيةٌ مِنْ حَجْمٍ وتاريخٍ وطاقاتٍ أُخْرى مُخْتَلفةٍ، تَسْتَنْفِرُ العَداوةُ الشُعورَ المُتَوَتِّرَ بِ”عَظَمةِ الأمّةِ”، يَصْحَبُهُ تَصَوُّرٌ مُجَدَّدٌ لِلْمَصالحِ، فَيَغْدو مُرَجَّحاََ، في ظِلِّ هَيمَنةِ “القُطْبِ الواحِدِ” الجاريةِ، يَعْتَوِرُها اضْطِرابٌ مُتَزايِدٌ، عَلى عالَمِنا، بُروزُ واحِدةٍ جَديدةٍ مِن “الإمبريالِيّاتِ” الثانَوِيّةِ أو الفَرْعِيّةِ، وانْطِلاقُ دينامِيّةٍ أُخْرى للسَيْطَرةِ على مُحيطٍ بِعَيْنِه. ذاكَ يُزَكّي خِيارَ الضَبْطِ والرَبْطِ و”وَحْدةِ الجَبْهةِ”، في الداخِلِ، مُسايِراّ انْحِصارَ نِطاقِ الامْتِيازاتِ المُتاحة. فَيُسْتَبْدَلُ بالتَرْسيمةِ الديمُقْراطِيّةِ (وبِاحْتِمالِ حُسْنِ الجِوارِ أَيْضاّ) تَوازٍ عاصِفٌ ما بَيْنَ مَسارَيْنِ، داخِلِيٍّ وخارِجِيٍّ، لِكُلِّ مِنْهُما حَصادُهُ المَنْذورُ لَهُ مِن الخَرابِ والمَوْت…

 

والخُلاصةُ أنّ هَذِهِ الدينامِيّةَ الوفيرةَ الرَوافِدِ بِرُمَّتِها لا يَصْمُدُ إزاءَها مُسَوِّغٌ، أَيّاّ يَكُنْ، لاسْتِغْرابِ ما تُجْبَهُ بِهِ الديمُقْراطِيّةُ مِنْ إعْراضٍ أو عَداوةٍ أو مِن تَحايُلٍ لِلْإفادةِ مِنْ حَظْوَتِها في العالَمِ المُعاصِرِ بالجَمْعِ ما بَيْنَ ادِّعائها واجْتِنابِ الأَهَمِّ مِن بَيْنِ مَفاعيلِها. ولا يَصْمُدُ أَيْضاّ أَيُّ اسْتِهْجانٍ لِما تَحْظى بِهِ هَذِهِ الأَضْرابُ مِنَ الرَفْضِ مِنْ “شَعْبِيّةٍ” لا نَقَعُ عَلَيْها “جامِعةََ”، بِأيِّ حالٍ، ولَكِنْ يَسَعُها أنْ تَكونَ عَريضةّ جِدّاّ. وهيَ، أيْ هذهِ “الشَعْبِيّةُ”، ما يَسَعُ الطُغْيانَ، الغامِرَ الحُضورِ في عالَمِنا، أنْ يَبْقى مُعَوِّلاّ عَلَيْهِ أو مَوْعوداّ بِهِ، مَهْما يَبْلُغِ الطُغْيانُ مِنَ الشِدّةِ أو الهَمَجِيّة. فَإنّ قُصارى هَذهِ الوِجْهَةٍ أنْ تَكونَ تَجْسيداّ راهِناّ لِما أَطْلَقَ عَلَيْهِ لا بويسي اسْمَ “الرِقِّ الطَوْعِيِّ” أو تَعْبيراّ عَمّا سَمّاهُ مُعاصِرُنا أَريك فْروم “الخوفَ مِن الحُرِّيّة”. تِلْكَ حالٌ تَقَعُ المَسْؤولِيّةُ التَكْوينِيَّةُ عَنْها عَلى صفٍّ عَريضٍ من المُجْتَمَعاتِ، نُعايِنُهُ مُغَطِّياّ مُعْظَمَ صَفْحةِ العالَمِ المُعاصِرِ، وهو لا يَني يَتَقَبَّلُ الحالَ المُشارَ إلَيْها أو يَصْبِرُ عَلَيْها… ولا يَحْتاجُ إلى فَضْلِ بَيانٍ القَوْلُ بأنّهُ لا يَبْرَأُ مِن المَسْؤولِيّةِ نَفْسِها، عَلى أَيِّ وَجْهٍ، صَفُّ الديمُقْراطيّاتِ الذي يَتَصَدَّرُ هذا العالَمَ ويُديرُ دَفَّتَه…

 

أواسِطُ تَمّوز ٢٠٢٦

فاتَ الأوان!

https://www.almodon.com/culture/2026/06/30/%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A7-%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D9%84%D8%B9%D9%86-%D8%A3%D8%AE%D8%A7%D9%87

مع كلّ فَصْلٍ مَضى من فُصولِ الحَرْبِ، ازدادَ الاحتِلالُ اتّساعاً وازدادَ اللبنانيّونَ انْقِساماً – بل تَشَتُّتاً – فضلاً عن الموتِ والخسارةِ، وازدادَ لُبْنانُ بأسْرِهِ تَهالُكاً…

وابتِداءً من تشرين الثاني ٢٠٢٤، عُقِدَت اتّفاقاتٌ تبارَت في السوءِ ففاقَ كلٌّ منها ما سَبَقَهُ سوءاً. وهذا مع أنّ المسؤولينَ عنْها لم يكونوا في جهةٍ واحدةٍ من جِهَتي الجبهةِ الداخليّة…والأخيرُ من هذه الاتّفاقاتِ أسْوَؤها، لا مَراءَ، وحُظوظَه في الديمومةِ أو النَفاذِ، مع ذلكَ، أضْألُ مِن إضرارِهِ بموقعِ البلادِ في مَسارِ المواجَهةِ العامّةِ وبحصانةِ اللبنانيّينَ على العُنْفِ الأهلِيّ.

وأمّا القَولُ أنّ المفاوضةَ الإيرانيّةَ الأميركيّةَ كانَ يسَعُها أن تُلْزِمَ المُحْتَلَّ بالجلاءِ عن الجنوبِ فيُهْمِلُ، أوّلاً، كونَ هذا الجَلاءِ شيئاً أعْسَرَ بِما لا يُقاسُ من وقفِ نارٍ يعرِفُ المحتلُّ أنّ في وسعِهِ خَرْقَهُ كلَّ يومٍ، بل إسقاطَهُ كلّيّاً حالَما يَلْزَمُ الأمرُ أو تَسْنَحُ الفُرصة. فَلا يُتَوقّعُ البتّةَ أن يلتَزمَ المًحْتَلُّ بالجلاءِ، بعْدَ مُفاوَضةٍ لا يرى نَفْسَهُ طَرَفاً فيها، وهذا من غيرِ ثمَنٍ يَتَحَصَّلُ له، في نِطاقِ مطامعِهِ اللبنانيّةِ، ومن غيرِ مفاوضةٍ للجهةِ المُرَشّحةِ لأداءِ الثَمَنِ المذكور.

إلى هذا، لا بُدَّ من التَنويهِ بأنّ التعويلَ على مفاوضةٍ ليسَت السُلُطاتُ اللبنانيّةُ طَرَفاً فيها ليسَ إضراراً جَسيماً بمَوقِعِ الدولةِ المُتَهاوي أصلاً وحَسْبُ، بل هُوَ أيضاً مَيْلٌ بِميزانِ القُوى الداخليِّ، الأهليِّ منهُ والرَسْميِّ، نحوَ جهةٍ يُخاصِمُها الحْكْمُ الحالِيُّ وتُخاصِمُهُ، وإن تَكُنْ شَريكةً فيه. هذا الاعتبارُ الأخيرُ واضحُ الحُضورِ في مسالكِ الحكْمِ القائمِ وفي مَسالِكِ خُصومِهِ قَبْلَ المفاوضةِ الأخيرةِ وفيها وهو باقي الحضورِ بَعْدَها.

وأمّا تَفاصيلُ الاتّفاقِ الجَديدِ – وقد تَناوَلها كثيرونَ بِما يُناسِبُ وما لا يُناسِب – ففيها تَعابيرُ مُذِلّةٌ فاقعةٌ عن هزيمةٍ لبنانيّةٍ لا لَبْسَ فيها ولا يُنْذِرُ اسْتِمرارُ الحرْبِ إلّا بتَفاقُمِها وبانْتِشارِ ما تَضُخُّه من سُمومٍ في صفوفِ اللبنانيّينَ أيضاً.

يجوزُ القولُ إذَنْ – إذا جازَ اسْتيحاءُ الآيةِ – أنّه “كُلّما دَخَلَ اتّفاقٌ لَعَنَ أخاه”!… ولا بَراءةَ من هذه النكبةِ لأحَدٍ: لا لِمن زَجّ لبنان في الحَرْبِ ولا لِمن يَتَخَبّطُ ويُفَرِّطُ دونَ اقْتِدارٍ يُذْكَرُ على إخراجِهِ مِنْها. لا بَراءةَ، على الأخَصِّ، لمَن سَيَدّعي نَقْداً ذاتِيّاً، بَعْدَ عشرِ سَنَواتٍ أو عِشرينَ، زاعِماً، مَثَلاً، أنّه لم يُدْرِكْ، حينَ كانَ يَنْفَعُ الإدراكَ، أنّه ماضٍ في تَحْميلِ لُبْنانَ ما لا طاقةَ للُبْنانَ بِحَمْلِه!…

فاتَ الأوانُ… بَل فاتَت آوِنةٌ كثيرةٌ، في مَدى السنينِ: أواناً يَنْطَحُ أواناً.

“وإذا وعَيْتُم فانْتَفِعوا!”

https://www.almodon.com/culture/2026/06/27/%D9%88%D8%A5%D8%B0%D8%A7-%D9%88%D8%B9%D9%8A%D8%AA%D9%85-%D9%81%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%81%D8%B9%D9%88%D8%A7

ذاتَ يومٍ لن يكونَ بُدٌّ من إنشاءِ متحفٍ للمعاهداتِ والاتّفاقاتِ والقراراتِ والإعلاناتِ التي خَبِرَها هذا المَشْرِقُ بعْدَ حربِ العامِ ١٩٦٧.

… آخرُ القائمةِ الاتّفاقُ الأميركيُّ الإيرانيُّ الذي بدَأَ يتَرنَّح منذِراً، لا بالسقوطِ، على الأرجحِ، بل بالتعَثُّرِ المُتَمادي… واتّفاقُ غزّة الذي يُراوِحُ مخلّفاً القِطاعَ بأسرِهِ للتعفُّنِ في فجيعتِهِ وفلسطينَ، من خَلْفِهِ، لمزيدٍ من التآكلِ والنَهْب…

هذانِ اتّفاقانِ صحِبَ إعلانَهما من الصَخَبِ والبَهرجةِ ما لم يصحَبْ اتّفاقَ واشنطن اليومَ وكانَ لهُما، وما يَزالُ، من مقوّماتِ النَفاذِ والدواعي إلى الإنفاذِ ما ليس لهذا الاتّفاقِ عُشْرُ مِعْشارِه.

سَلَفاً نأى طرفا القِتالِ بنَفْسيهِما عن نَصٍّ وضعَ أحدُهما توقيعَه عليهِ تَوّاً. فَواحدٌ اسْتَبْعدَ الالتِزامَ بأَوْجَهِ ما يقعُ عليهِ من موجِباتِهِ، أي بالجَلاءِ عن الأرضِ التي احتَلَّها وأخلاها من بَشَرِها وحجَرِها، والآخَرُ قَطَعَ للمرّةِ المائةِ برفْضِهِ ما أوجَبَهُ عليهِ الاتّفاقُ وراحَ يلوِّحُ بِما لا يقلُّ عن حربٍ أهلِيّةٍ إذا صَمَّمَ من يَزْعُمُ التَمَكُّنَ من إلزامِهِ على المِضِيِّ قُدُماً في مَسْعاه.

والحالةُ هذه، سيكونُ الرئيسُ الأميركيُّ قد أضافَ واحدةً أخرى إلى أعاجيبِ تبديدِ النزاعاتِ التي طالت لائحتُه منها. وهي أعاجيبُ جلُّها مفروضٌ فَرْضاً لا يُعالَجُ فيها النِزاعُ بل تُكْتَمُ أنفاسُهُ بلا تسليمٍ من الضالعين فيه. فيَؤولُ الأمرُ، في الغالبِ، إلى تَقَيُّحِهِ وتعَفُّنِهِ، على ما هو جَلِيٌّ في المِثالِ الغَزّي.

لا يستقيمُ الظنُّ، إذن، أنّ هذا النوعَ من السعيِ الأميركيّ لا يَتْرُكُ أثَراً. ولكن لا يسهُلُ التنبُّؤُ، في كلّ حالةٍ، بِما هو هذا الأثرُ، وإن يَكُنْ، على الأَعَمِّ، غيرَ ما يَزْعُمُهُ النَصّ.

في حالتِنا، لا يُزْدَرى أيُّ مَخْرَجٍ يَلوحُ من السِكّةِ العريضةِ المفتوحةِ للمَوتِ والخسارة. لكنّ ما يَتَراءى في نَصِّ الاتّفاقِ المُعًلَنِ من هذا القَبيلِ يَبْدو مبدَئيّاً أو مباشِراً، يَفْتَقِرُ إلى ما يكفَلُ ديمومَتَه أو إفضاءَه إلى محطّةٍ أو محطّاتٍ أخرى تَكونُ أضْمَنَ للمَصْلَحة.

بل إنّ الانتِكاسَ نَحْوَ المَزيدِ من الخَرابِ هو ما يُرَجِّحُه التعَفُّنُ المُتَأتّي من تَعَذُّرِ التطبيقِ، ولَو بَعْدَ حين. إلى ذلك، لا تجوزُ الاسْتِهانةُ باحتِمالِ انطواءِ المَخاضِ المُقْبِلِ على دخولٍ صَريحٍ لبُعْدِ النِزاعِ الأهليِّ بينَ مُقَوّماتِه: لا لأنَّ الجهةَ اللبنانيّةَ المقاتلةَ لَوَّحَت بهذا الاحتِمالِ وحَسْبُ، بل، قَبْلَ ذلكَ، لأنَّ هذا الاحتِمالَ ماثِلٌ أصْلاً في صُلْبِ الحَبْكةِ كُلِّها من أوّلِ يومٍ من أيّامِ “الإسْنادِ”، في التَقْديرِ الأقْرَبِ، وقَبْلَ ذلك بكثيرٍ، في مواريثِ حربِنا الأهليّةِ الماضيةِ وما أَفْضى إليها…

…”وإذا وَعَيْتُم فانْتَفِعوا!” (قُسّ بن ساعدة)

لبنان برمّته تفصيلاً في طوفان التخمين

https://www.almodon.com/culture/2026/06/16/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%B1%D9%85%D8%AA%D9%87-%D8%AA%D9%81%D8%B5%D9%8A%D9%84%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%B7%D9%88%D9%81%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AE%D9%85%D9%8A%D9%86

في موازينِ الرقعةِ الشاسعةِ التي اشتملَت عليها هذه الحربُ، سيطولُ تظهيرُ حصائلِها على الأرضِ ومعه التجاذبُ بيْن أطرافِها ومعهما الجدالُ في هويّةِ كلٍّ من المنتصرِ والمهزومِ وماهيّةِ النصرِ والهزيمةِ، وكلا هذين متعدّدُ الوجوهِ والميادينِ بديهةً. مرَدُّ هذا إلى طبيعةِ هذه الحصائلِ، بالدرجةِ الأولى، وإلى اتّصالِها ببنودِ الاتّفاقِ الذي تُفْتَرَضُ إذاعتُهُ عَمّا قَريبٍ وبتتمّةِ المفاوضاتِ المنتظرةِ، بموجِبِهِ، بالدرجةِ الثانية…

ومن الآنِ قَبَعَ لبنانُ في موقعِ الذَنَبِ من الاتّفاق نفسِهِ الذي خصّهُ بحرفِ عطفٍ واقتُصِرَ من وجوه الحربِ المستَعِرةِ فيه على وقفٍ للنارِ، مباركٍ بلا رَيبٍ، لعَلّهُ لا يَلْحَقَ بسابِقيه… وإلى الاتّفاقِ، جُعِلَ لبنانُ برمّتِهِ تفصيلاً في طوفانِ التخمينِ والتكهّنِ الذي أطلقَهُ الاتّفاقُ وفي إعلاناتِ النصْرِ والهزيمةِ التي تدفّقت بعدَ إعلانِهِ وقَبْلَ إذاعةِ نَصّه.

والمُخْزي – وإن يَكُن منتَظَراً – أن يضلَعَ لبنانيّون في هذا التقزيمِ لبِلادِهِم ولِما حلَّ بِها، وما لا يزالُ متوقّعاً أن يَحِلّ، من الجَرائرِ الفظيعةِ لهذه الحرب. ذاكَ طبيعيٌّ ما دامَت بلادُنا قد عُدّت (بإقْبالٍ عارمٍ من بعضِ بَنيها) مسرحاً “مُسانِداً” ( أي سايد شو) من أوّلِ يومٍ، وعُدَّ الموتُ فيها والاحتِلالُ والدمارُ دَرْءاً لنَظائرِهِا عن المَسْرَحِ الأعظمِ الذي تأخّرَ وصولُ الحربِ إليهِ وتقطّعت فُصولُها كثيراً عليه…

هذا مع أنّ ما نالَتْه بلادُنا من بَلايا الحربِ لا يَفوقُه إلّا ما نالَ غزّة منها، قبْلَ وصولِها إلى إيران، ولا يُدانيهِ (بالنسبةِ إلى “الحَجْمِ” بسائرِ مَعانيهِ) ما حصدَتْهُ الساحةُ الإيرانيّة…

فإلى ألوفٍ من القَتْلى لا يَزالُ عددُها النهائيُّ حائراً (على الرغمِ من بياناتِ وزارةِ الصحّةِ) وإلى ألوفٍ أخرى من الجرحى يرجّحُ أن تكونَ قد شطَحَت نحو الثلاثين، ولا تُعْرَفُ نسبةُ ذوي الإعاقةِ فيها، شهِدَ جنوبُ لبنان ضَرْباً من الاحتِلالِ غيرَ معهودٍ فيهِ بما صَحِبَهُ من الإبادةِ العُمْرانيّةِ طَلَباً لإخلاءِ الأرضِ من أهلِها إخلاءً يُريدُه المحتلُّ نهائيّاً وهذا مع التلويحِ بالضَمّ وبالاستيطان… وهو ما يورِثُ ديمومةً غير معلومةِ المدّةِ لفاجعةِ النُزوح، في جانبٍ منها لا يستهانُ بهِ، على الأقلّ.

تَنْزِلُ هذه النكبةُ ببِلادٍ سبَقَ نهبُها ونسفُ جانبٍ من عاصِمتِها، لتُضيفَ ما قد يبلُغُ عشرين مليار دولارٍ من الخسائرِ إلى ثمانينَ أو تسعينَ أخرى هي حصيلةُ النهبِ والنسفِ السابقينِ، بمن تولّاهُهما أو تواطأَ عليهما من معروفٍ ومجهول…

هذا في إقليمٍ لا تُفْهَمُ فيه الأرقام حقّ الفَهمِ ما لم يُقَس الحجم الإجماليّ لحاجاتِ الإعمارِ والتَعافي إلى المواردِ المتاحةِ لهذه الغايةِ ومَصادِرِها المحتمَلةِ وشروطِ توفّرِها من سياسيّةٍ واقتِصاديّةٍ وغَيْرِها… هذا حديثٌ يطولُ وله أهْلُه. تكفي الإشارةُ الآن إلى أنّ الساحاتِ المرشّحةَ تشتملُ على السودان (أضخمِها) وسوريا وليبيا واليمن وإيران وفلسطين ولبنان… وأنّ الرقمَ الإجماليَّ المتداول هو تريليون واحدٌ وستّمائة مليار… والحبلُ، في بعضِ هذه الساحاتِ، باقٍ علي الجَرّار…

على أنّ ما يجبُ أن يحظى بأكثرِ التوجُّسِ والتحسُّبِ – في ما أرى – قد لا يكونُ شيئاً من هذا كلّهِ، على فداحةِ خطَرِه. قد يكونُ الأهَمُّ وَقْعَ الحربِ وعَواقِبِها على مستقبَلِ بلادِنا السياسيّ. ففي هذا المضمارِ تُخَلّفُ الحربُ لبنانَ في حالِ استِقطابٍ أهليٍّ استثنائيِّ الخطَرِ على استقراره التكويني. وهو أمرٌ يصعبُ الاتّكالُ في مداراتِه على “حكمةِ” ما في البلادِ من قوىً سياسيّةٍ معلومةِ الأصلِ والفصلِ والتاريخِ القريبِ والبعيد.

هذا أيضاً حديثٌ يطول. فَلْيَعْكفْ عليه، من الآنِ، من يحفظُ اعتِباراً لا نفاقَ فيهِ لهذه البلادِ الصغيرةِ المستباحةِ ولأهلها…

يساره “الحقيقيّ” ويسارنا “المغامر” في نعشٍ واحد

— Read on www.almodon.com/amp/culture/2026/05/22/يساره-الحقيقي-ويسارنا-المغامر-في-نعش-واحد

رحل غسّان الرفاعي. نحن من أوحى إليه ب”اليسار الحقيقي واليسار المغامر”. كنّا نحن “اليسار المغامر”… أو أبرزَ من فيه، على الأقلّ. وقد رددنا لغسّان الرفاعي صاعَه صاعين. كان هو “التحريفيّ”، المستتبَع في الداخل من جناحٍ في الإقطاع الطائفيّ، وفي العالم من القيادة البيرقراطيّة للتحريفيّة العالميّة ومن أنظمة الانقلابات، أنظمة برجوازيّة الدولة، محترفة الهزائم، التي كانت تسحل الشيوعيّين ولا تلبث أحزابهم أن تعود إلى أحضانها صاغرة.

لم يلبث رفاقنا أن طردونا… فنجونا من الولوغ في الحرب الأهليّة، أوّلاً، وأسعفتنا الحربُ نفسُها، ثانياً، في إدراك أمرٍ جلل: وهو أنّنا كنّا نسحب مجتمعنا من شعره، في أوهامنا وأحلامنا، ونُحْكِم وثاقَه بترسيماتٍ مستوردةٍ من عالمٍ وعَصْرٍ آخَرين لا تصلُح لفهمه، وأنّ جماعة غسّان الرفاعي كانت تستجيب لدواعي مصالحةٍ عرجاء ما بين ترسيماتها وجاذبيّة البنى الغالبة على ذلك المجتمع. هذا فيما كنّا نؤثر عزلةً متعجرفةً لم يلبث بعضنا أن أنكرها واستنكَر البقاءَ عليها. فكان أن طردنا هؤلاء واستووا هم وجماعة الرفاعي أقرب شبهاً بعضهم ببعضٍ من نقطتي ماء.

في هذه الأثناء، كانت تتهاوى في العالم وتتهالك في المحيط قوىً حملَتنا معارضتُها على الأكفّ وحملَت موالاتُها على الأكفّ جماعة الرفاعي. انهزمت صورةٌ للعالم بقضّها وقضيضها. انهزم من عارضناهم ولكنّنا، ونحن في عزلتنا، لم ننتصر. فإنّ من انتصروا كانوا الأعداء الأصليّين: أعداءنا وأعداء من عارضناهم في ذلك العالم الآفل.

خسرنا ولم يربح غسّان الرفاعي ولا ربح رفاقنا الذي دخلوا في شركته.

فلم نجد في يدنا غير استبقاء عزلتنا لعلّها تسعفنا في فهم العالم الجديد الذي كان يولد نقيضاً لصورة “العالم الجديد” التي عمرت أحلامنا في ما مضى. كرهنا الصورة العامّة لهذا العالم ونحن نجهد في تبيّن ملامحها. كان هذا العالم هو الذي قال فيه كلود ليفي ستروس، وهو يغازلُ المائة من عمره: “ليس هذا عالماً أحبُّه!”. من صميم القلب، أوافقُك يا معلّم! أوافقك مشيّعاً مع غسّان الرفاعي يساره “الحقيقيّ” ويسارنا “المغامر” في نعشٍ واحد…

مقاربة. كلمن،كلمن،كلمن، أحمد بيضون

مقالةٌ للراحل طلال سلمان كرّس الشطر الأوّل منها لتقريظ كتابي “كلمن في مفردات اللغة ومركّبات الثقافة”. المقالة مؤرّخة في ١٤ شباط ١٩٩٧(يوم فالنتاين!) أي في غداة صدور الكتاب… ولا أذكر أنّني قرأتُها قبل اليوم.

كلمن، كلمن، كلمن.. أحمد بيضون/

https://archive.assafir.com/ssr/865942.html

القتال والمفاوضة، ليس مغامرةً وحسْبُ: هو مقامرة.

https://www.almodon.com/culture/2026/05/09/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AA%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6%D8%A9-%D9%84%D9%8A%D8%B3-%D9%85%D8%BA%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%AD%D8%B3%D8%A8%D9%87%D9%88-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A9

سلوكُ أحد السبيلين المطروقين في لبنان، القتال والمفاوضة، ليس مغامرةً وحسْبُ: هو مقامرة. فعجز كلٍّ من الدولة والفريق المقاتل عن السيطرة، أيّةً كانت درجتُها، على مسرى سلوكه ومآلِه عجزٌ فاقعٌ إلى حدٍّ يَبْدو غير مألوف. وذاك أنّ كُلّاً من “الطرفين” عاد “طموحُه” المعلَن في موضعٍ وقدْرتُه الفعليّةُ في هوّةٍ سحيقةٍ لا يظهر قاعُها من ذاكَ الموضع. أفْلِتَ زمامُ البلاد من نطاق حدودِها، من أيدي مسالميها ومقاتليها سويّةً، وهذا من زمَنٍ تَجُوزُ المجادلةُ في تقديرِه.

هذا والقول بأنّ المسالمةَ والمفاوضةَ أوفَرُ لدمِ اللبنانيّين وعمرانِهم قولٌ لا مُسْكةَ له، مع الأسف. وذاك أنّ الضمان لإفضاء المفاوضةِ إلى الغايةِ المرجوّة ولعدمِ إفضائها، هيَ أيضاً، إلى تفجير البلادِ، أي إلى دمٍ كثيرٍ يسيلُ وعمرانٍ كثيرٍ يَبيدُ، ضمانٌ يكادُ ألّا يقومَ على كفايتِه، في الحالَين، بل على وجودِه نفْسِه، دليل. وأمّا إفضاءُ القتال إلى مزيدٍ، لا نهايةَ ظاهرةً لآخرِه، من الموتِ والدمار اللبنانيّين (ومن الاحتلالِ ، على الأخصّ، بسائرِ عواقِبِه) فهو غيرُ محتاجٍ إلى دليل.

في هذه الأثناء، يسَعُنا أن نمضي قدُماِ في تَعْدادِ السبُلِ المنظورة وتلك المطروقة وفي المفاضلةِ بَينَها. ولكنّ المفاضلةَ لا تُطْعِم خبزاً حين تكون القدرةُ على التحَكُّم في المآلِ متهافتةً أو مفقودة. وحدَهُ رئيسُ مجلسِ النوّاب يبدو، من شُرفة الخبرةِ المديدة، متّعِظاً ببؤسِ حالِنا. يُطالَبُ بحَسْمِ أمْره فلا يُقدِم على ما فيه قَطْعٌ لأيٍّ من الحَبْلَين اللذَين يرقصُ عليهِما. ولا يرشحُ عنهُ سوى أنّه “ينتظر إسلام أباد”!

هذا موقفٌ “واقعيٌّ”: واقعيٌّ بقَدْرِ الإمكان! فمن إسلام أباد، قد يحصُلُ لنا خيرٌ وقد يحصُلُ شرّ! ولكن هذا هو “الممكنُ” الآن: مع مُواصلةِ ما لا مَناصَ من مواصلتِه: أي القتال والمفاوضة… والموت والدمار.

شيءٌ آخر قد تُصْبِحُ المراهنةُ عليه جائزةً، ولكنْ بعدَ حين: تغييرٌ جسيمٌ ما في مسلك واحدٍ من الأطرافِ الثلاثةِ الضالعةِ في نكبتِنا. انقِلابٌ ما! ولكنْ حتّى هذا يسعُه أن يكونَ خيراً لنا أو شرّاً علينا.

تلك حالُ البلادِ الصغيرة حينَ تَرى نفْسَها (أو يرى بعضُ أهلِها أنفُسَهم) غيرَ ما هِي (أو ما هُم) في ميزان الدول.

لاتَ ساعةَ مَنْدَم!

ذهبت مكتبتُنا في ما ذهَب

https://www.almodon.com/culture/2026/05/04/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%88%D9%86-%D8%B0%D9%87%D8%A8%D8%AA-%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%AA%D9%86%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%A7-%D8%B0%D9%87%D8%A8

أبدى أصدقاء عديدون، في الأسبوعين الأخيرين، قلقهم على مكتبتنا، عزّة وأنا، في بنت جبيل. أطلقت الصيحة ناشرتنا المحبوبة رشا الأمير واستجابت لها ناشرتنا المحبوبة الأخرى هند درويش، وهي اليوم سفيرتنا في اليونسكو. وأشار إلى مكتبتنا أيضاً منذر جابر ولم يذكر مكتبته هو التي أعرفها حقّ المعرفة، وفيها كنوزٌ لا يدانيها ما في مكتبتنا من قريبٍ ولا من بعيد، وفيها أيضاً عمرٌ من الكدح في البحث والجري في طلب الوثيقة. على أنّ منذر جابر، وهو العامليّ البنت جبيليّ بئراً وغطاءً، نوّه أيضاً بكثرة المكتبات الشخصيّة في بنت جبيل، وبعض هذه عريقٌ، بمعنى الكلمة كلّه، فيه من المخطوطات والطبعات القديمة ومن الشواهد على تراث الأدب والدين والسياسة في جبل عامل ما يتعذّر تعويضه كلّ التعذّر.
اليوم أيضاً نشرت العزيزة ريتا باروتا مقالةً شائقةً افتتحتها بذكر مكتبتنا وأبرزت فيها حقيقة المكتبة الشخصيّة بما هي تجسيدٌ ل”طبقات” عُمر…
مكتبات بنت جبيل، بل مدينتنا بأسرِها، ذهَبت بها الهمجيّة العنصريّة، في هذه الأثناء، وفَجعَت أهلَها بأعزّاءَ كُثُرٍ، فضلاً عن الأرزاق والمعالم والديار وما تخلّف فيها من الشواهد على أعمارهم، الهشّة دائماً، وعلى عمر المدينة وهو يقاسُ بالقرون، وكانت الهمجيّة نفسها قد أتلفَت كثيراً منه في حرب ٢٠٠٦، ومعه الأمل في استعادتِه.
ذهبت مكتبتنا، في ما ذهبَ، وأدرجناها، مع موقعها الفريد من النفس، بين أقلّ ما ذهبَ وأهونِه. ضاع فيها ما يداني عدده النصف من كتبي (ولا أتحدّث عن نصيب عزّة منها) وسَلِم – إلى الآن! – النصف الآخر القابع في بيروت. وضاع أيضاً (وهذا لا يعوّض فعلاً) ما يداني النصف (وهو النصف الأقدم) من أوراقي وملفّاتي، من محفوظاتي على اختلافها. هذه المحفوظات هي جبل الجليد الذي لا يكون المنشور من الأعمال إلّا قمّته الظاهرة، وهي أيضاً جبل هذا العمر الذي أدرك ارتفاعه الأخير.
وعن “منطق المكتبة” (المكتبة الشخصيّة، على التعميم، ومكتبتي، على التخصيص)، كنت قد نشرتُ مقالةً في “القدس العربي”، سنة ٢٠١٤، أعيد إتاحتَها أدناه لمن له صبرٌ عليّ وعلى الموضوع كلّه.

https://onedrive.live.com/:w:/g/personal/AB1C1522F2801CF5/IQD1HIDyIhUcIICrsBABAAAAAa6BdKR33jRbWIuzgc-6_SM?resid=AB1C1522F2801CF5!69808&ithint=file%2Cdocx&fbclid=IwdGRjcARmG5RleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZAo2NjI4NTY4Mzc5AAEeN5WnZgCF3d6PLToUWNBkkRQwbrILCr_Yiv9FilK3Iwbe-XbkKuBgO-WjxJc_aem_nisQnA2spT85bLjDwias4Q&migratedtospo=true&redeem=aHR0cHM6Ly8xZHJ2Lm1zL3cvYy9hYjFjMTUyMmYyODAxY2Y1L0lRRDFISUR5SWhVY0lJQ3JzQkFCQUFBQUFhNkJkS1IzM2pSYldJdXpnYy02X1NNP2ZiY2xpZD1Jd1pYaDBiZ05oWlcwQ01URUFjM0owWXdaaGNIQmZhV1FLTmpZeU9EVTJPRE0zT1FBQkhqZVZwMllBaGQzZWp5MDZGRmpRWkpFVU1HNnlDd3FfMklyX1JZcFN0eU1HM3ZsMjVDcmdZRHZsbzhTWF9hZW1fbmlzUW5BMnNwVDg1YkxqRHdpYXM0UQ