عقل العويط عن مثقّفي جبل عامل

https://annah.ar/301524

رسالة إلى أهلي وأرضي في جبل عامل
عقل العويط

إلى أحمد بيضون، عبّاس بيضون، جهاد الزين، علي حرب، علي الأمين، حسن جوني، علويّة صبح، منى فيلض، أنيسة الأمين، جمانة حدّاد، حسن داوود، شوقي بزيع، وضّاح شرارة، محمّد أبي سمرا، حمزة عبود، يوسف بزي، يحيى جابر…
وإنّما أنتم عينةٌ من بحرٍ، ونبعٌ من ينابيع، ونهرٌ من أنهارٍ، وسهلٌ من سهولٍ، وعلاماتٌ مضيئةٌ في حلكةٍ، وإشاراتٌ رمزيّةٌ تنفتح وتمتدّ إلى جيلٍ وأجيال، وعمرٍ وأعمار، وغمرٍ وأغمار، إلى آخرين يستحقّون أنْ يُذكَروا معكم بوقار؛ كثيراتٍ وكثرًا، مواطنين وأفرادًا عاديّين وفلّاحين ومزارعين ورؤيويّين ومفكّرين وكتّابًا وشعراء وفنّانين ونقّادًا وعارفين وعقلاء وحكماء وأحرارًا، وعابرين في الظلال، أحياءً وموتى (منكم حسين مروّة ومهدي عامل وكامل مروّة وحبيب صادق وهاني فحص وكريم مروّة ومحمّد دكروب ومحمّد حسين شمس الدين ومحمّد العبدالله وحسن العبدالله…)، من أعمال جبل عامل، كنايةً عن عباقرته وأهله أجمعين.

أنتم لستم تفصيلًا في زمنٍ عابرٍ، ولا هوامش تُقاسُ على تحوّلات القوى والرايات. وُجِدتم قبل كلّ تسمية، وعشتم خلالها، وستبقون بعدها، لأنّ ما يصنعكم لا يُختَصر بانتماءٍ، ولا يُستنفد في خطاب. قيمتكم في ذواتكم؛ في قدرتكم على أن تكونوا أفرادًا كاملين ونبلاء وأشاوس في أرضٍ تُغري بالذوبان في الجماعة، وفي وفائكم لما لا يُرى ولا يُكافأ.
أكرّر: إليكم أنتم، كنايةً عن أهل جبل عامل، شعرائه وكتّابه وفنّانيه ومفكّريه وعشّاقه وناسه الطيّبين المزروعين في الوعر، وإلى كلّ من صان مسافةً بينه وبين “الجموع”، ولم يُسلّم صوته لليقينيّات الجاهزة، يليق بكم احترامٌ يوازي وقوفكم العظيم في العاصفة الهوجاء، ويليق بكم تكريمٌ يلاقي صمتكم، وتوقيرٌ لا يحتاج إلى إعلان.
أنتم لستم صدًى لمرحلة، بل نبرةٌ نبيلةٌ وفريدةٌ وخاصّة رفضتْ أنْ تُختَزَل. كتبتم وشهدتم لا لتؤكّدوا ما هو قائمٌ، بل لتُبقوا المعنى ممكنًا حين يضيق.
لم تغرّكم الرايات والأسلحة والدعوات القياميّة، ولا أغرتكم السلطة الرمزيّة التي تمنحها الجماعات لأبنائها المطيعين. اخترتم الطريق الأصعب: أنْ تكونوا أنفسكم، وأنْ تكونوا فحسب، وأن تدفعوا ثمن ذلك، بلا شكوى وبلا ادّعاء. وفي هذا، يكمن جوهر ما يستحقّ الاحترام: استقلالٌ دفينٌ وبنيويٌّ وعضويٌّ لا يعلو صوته، لكنّه لا ينحني ولا ينكسر.
تحيّةٌ إليكم، لا تُلقي عليكم عبءَ تمثيلِ أحدٍ، بل تُعيد إليكم ما هو لكم أصلًا: حقّكم في أنْ تُقرأ حيواتكم وكلماتكم وأفعالكم وتجاربكم وآراؤكم وأفكاركم وشهاداتكم وحضوركم الإنسانيّ، بوصفها أفعالَ حريّة، وأنْ تُرى كاختبارٍ دائمٍ للمعنى، لا كملحقٍ لأيِّ زمنٍ أو سلطةٍ، أو وليٍّ وزعيم.
أنتم لستم “قبل” أو “بعد”. أنتم في صميم ما يبقى، حين يمرّ كلّ شيء.

هذه هي أرضكم، هذه الأرض اللبنانيّة الأصيلة، حين تُذكَر بلا ادّعاء، لا تطلب سوى أن تُرى كما هي: طبقةً من كرامةٍ وإبداعٍٍ وتمايزٍ وتعبٍ وجهدٍ، متراكمة، وذاكرةً لا تنطفئ، ونَفَسًا رقراقًا ومزهرًا يعاند الانمحاء.
هي أرضٌ، هي أرضٌ، وليست في حاجةٍ إلى مديحٍٍٍ صاخبٍ، ولا إلى خطاباتٍ تُثقِلها بما ليس فيها. يكفي أن تُلمَس برفقٍ، وأن يُصغى إليها كما يُصغى إلى جرحٍ قديمٍ، إلى عشقٍ تعلّم أن يشهد بصمت.
هناك، في جبل عامل، حيث تتعاشق الأنسام والشموس والأقمار والنظرات والأفئدة والقرى والسهول والوديان والأنهر والظلال كأنّها بقايا صلاةٍ طويلة، ليس الشعرُ فيها، والأدبُ، والفنّ، والثقافة، والفكرُ، والعقلُ، والأنسنة، زينةً، بل ضرورة.
الكلماتُ هناك، لا تُكتَب لتُقال، بل لتبقى، كترابٍ لا ينشف ولا يجفّ ولا يزول، كموهبةٍ قصوى، كحجارةٍ في جدارٍ يعرفُ أنّه قد ينهار، لكنّه يتغاوى بما فيه من معنى.
أنتم يا عشّاق الحياة والأرض، يا شعراءها، وكتّابها، وفنّانيها، ومفكّريها، الذين لم تُسلّموا أرواحكم لليقينيّات المغلقة، ولم تختبئوا خلف أيديولوجيّاتٍ تُميت السؤال، أنتم لستم استثناءً، بل أنتم، في كراماتكم الأليمة، في أوجاعكم الوجوديّة، وفي حضوركم الأبيّ، القاعدةُ التي لا تُعلن نفسها.، ولا تتباهى بنفسها.
تعرفون أنّ الانتماء ليس شعارًا، بل امتحانٌ يوميّ: أنْ تبقى وفيًّا لما لا يُكافئكَ، وأنْ تُنصت لما لا يُسمَع، وأنْ تكتب كما لو أن الكتابةَ شكلٌ من أشكال البقاء، لا التزيين.
ولأنّكم كذلك، لا تحتاجون إلى تحيّةٍ رسميّة، ولا إلى احتفاءٍ يُشبه المناسبات.
تحيّتي أنْ تُترَك البيوتُ لكم، والأمكنةُ، والأهل، والمعاني، والأفكارُ، والقيمُ، والمعاييرُ، والماضي، والحاضرُ والمستقبلُ، وأنْ تُترَكوا إلى بيوتكم، إلى أهلكم، إلى صدقكم، إلى نبلكم، إلى كبريائكم، وأنْ يُعترَف بأنّكم ضمير الأرض ووجدانها، وحَمَلةُ ما تبقّى من خيطٍ دقيقٍ يربط الإنسانَ بوجوده، دون أنْ يخنقَه بها. تحيّتي إليكم أنْ يُقال، بهدوءٍ: إنّكم، في هذا الزمن الخطير والملتبس، لم تساوموا على المعنى.
الأرضُ اللبنانيةُ لا تُكافئ كثيرًا. لكنّها، في لحظاتٍ نادرة، تعطي مَن يشبهها: قسوةً صافية، ونورًا خافتًا يكفي لكي لا يضيع الطريق تمامًا.
أنتم لا تطلبون أكثر من ذلك. وأنتم تستحقّون أكثر.
سلامي إليكم.

قصيدة عبّاس بيضون

https://www.almodon.com/culture/2026/04/17/%D8%A8%D9%84%D8%AF-%D8%A3%D8%A8%D9%8A

بلد ابي
الى احمد بيضون

بنت جبيل بلد ابي
لا ينام في ثراها ولن انام
دمارها هو كل ما ورثناه
كانت لنا حياة
لكنها الأن بلا اثر
كان لنا بيت لم نسمه
وخرجنا منه بلا اسم
الذكريات لا كلمات لها
فقط رسوم واحيانا مجرد شطوب
ورائحة بارود
هذه صفحة ملائمة للحقيقة
التي تستمر خرساء
تستمر بضلع ناقص
وباستعداد لتكون غائمة
لتكون حجرا وراء الغيم
او شكل حجر
صوتا لا نعرف متى يتوقف
او متى يملك حجما
الزوال له ايضا جسم
الاسماء الغاربة
تترك انقاضا في كل مكان
لا احجار لاعادة هذه الرجمة
ولا عائلة لهذا الدخان
اذ نشتري كل هذا الخراب برأس واحد
اذ نترك للبقية تلك الكسرة الزائدة
اذ ينهض من الركام ذلك الشفق الساكت
لقد بقي هناك روح للمنزل
للكاميرات والقمصان
والألات على الشرفة وبطاقات الزوار
الا عودوا
ان كان هناك باب بعد
عودوا بدون ان تدري الجدران
ولا الكتب التي سكناها في يوم
السجاجيد التي اطعمناها عيوننا
او الذكريات التي طارت الى السقف
عودوا باسمائكم وحدها
بقبور أبائكم التي سرقوها
عودوا الى حيث لن تناموا
لن تتركوا ظلا او خبرا
الى حيث عاشت الاشجار اكثر
الى حيث للطرائد ذات الرائحة
وللقناصين ذات الفم

ملاحظات على اتّفاق ١٦ نيسان

https://www.almodon.com/culture/2026/04/18/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%88%D9%86-%D9%87%D8%B0%D8%A7-%D9%87%D9%88-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A5%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B1

تكفي قراءةٌ أولى لاتّفاق أمس لملاحظة ما يلي:
حفظ الاتّفاق حقّ إسرائيل الشهير وحدها في “الدفاع عن النفس”، (الحقّ نفسه الذي غطّى الإبادة في غزّة) فلم ينصّ على “حقّ كلٍّ من الدولتين في الدفاع عن النفس”، لا سمح الله!
أعلن الاتّفاق أنّ الدولتين “ليستا في حالة حربٍ” وهذا إعلانٌ تخطف جِدّتُه البصَر لأنّ الدولتين في حالة هدنة منذ عام ١٩٤٩، وهو ما يعني قانوناً (على حدّ علمي القاصر) أنّهما باقيتان في حالة حربٍ ولكن تفاهمتا على وقفِ الأعمال الحربيّة إلى أجلٍ غير مسمّى… ولو كان الأمر غير هذا لبطلت الحاجة إلى التوجّه نحو عقد اتّفاق سلام، على ما يؤكّده الاتّفاق.
عاود الاتّفاق تأكيد حقّ الاستنساب الإسرائيليّ المطلق في “مواجهة أيّ هجّمات مخطّطةٍ أو وشيكةٍ أو جارية”، وهو ما كان اتّفاق ٢٧ تشرين ٢٠٢٤ الذليل قد نوّه بما يشبهه ولكن مع شيءٍ من التقييد بتبليغ “الميكانيزم” المعلوم الذي خلا من ذكره الاتّفاق الحالي. وهو أيضاً ما انتهى إلى أزيدَ من ٤٠٠ لبنانيٍّ اغتيلوا، فضلاً عن جرحى أوفر عدداً ودمارٍ مضاف. وهو أخيراً ما كان السبب الثاني لاستئناف القتال من الجهة اللبنانيّة (السبب الأوّل – بترتيب الإعلان – كان الثأر للمرشد الإيراني)…
عاود الاتّفاق تأكيد مسؤوليّة دولتنا عن حصر السلاح بيد ما سمّاه “الأجهزة الأمنية اللبنانيّة” (جاعلاً الجيش واحداً منها!) وعن منع النشاط المسلّح لأيّة جهةٍ أخرى… جاعلاً الحصر والمنع مطلقين هذه المرّة، غير مقيّدين لا ب”جنوب الليطاني” ابتداءً ولا بمرجعيّة القرار ١٧٠١…
كانت مدّة اتّفاق ٢٧ تشرين ستّين يوماً فيما مدّة اتّفاق أمس (المقدّم على أنّه “بادرة حسن نيّة من قِبَل حكومة إسرائيل”!) عشرة أيّام. وكان الاتّفاق السابق ينصّ على الانسحاب الإسرائيليّ التامّ من الأراضي اللبنانيّة في مدّته المشار إليها فيما يخلو الاتّفاق الحاليّ من أدنى ذِكرٍ للاحتلال الذي توسّع كثيراً وتوطّد واستكمل معه (في مَساق إنشاء “المنطقة العازلة”) تدمير مدينة الخيام ودُمّرت مدينة بنت جبيل وقرى وبلداتٌ عزيزةٌ أخرى. هذا إلى إعلان رئيس الحكومة الإسرائيليّ، مع إعلان الاتّفاق، أنّ جيشه باقٍ حيث هو.
هذا – حتّى إشعارٍ آخر – أبرز ما وجدته مستأهلاً الإشارة في نصّ هذا الاتّفاق الذي كلّف ما أحصاه عشرات الفسابكة غيري فلا أحتاج إلى تكراره.
هذا الاتّفاق هو الذي بصمت عليه الدولة اللبنانيّة وسائر القوى السياسيّة في لبنان وأوّلها الحزب المقاتل (وأبصم عليه بدوري “أنا العبد الحقير الذي ليس بطريرك إنطاكية وسائر المشرق”). وهو أخيراً الذي أطلقت قذائف الـ b7. ابتهاجاً به في ضاحية بيروت، فيما لا يزال القتلى تحت دمار بيوتِنا والاحتلال جاثماً حيث هو… هل هؤلاء بشرٌ أم بلاط قبور؟

الاحتلال

الاحتلال

بدمائنا اشْتَرينا هذا الاحتلال،
كنّا نعلمُ أنّنا بالِغوهُ، لا بُدّ!
بالِغوه ولو بشِقّ الأنفُس
طالَ بنا عهدُ خُسرانِه وها قد اسْتَعدْناه
مِراراً أشَرْنا له بالسبّابةِ وبالوسطى:
أنْ عُدْ لا تألَفْ فِراقَنا
عُدْ هَجِّرْنا مرّةً أخرى
من هذه البيوتِ التي أنشأناها مرّةً أخرى
أو هَجِّر البُيوتَ مرّةً أخرى مِن صُوَرِها وصُوَرِنا!
هَجِّرْها أشْلاءً فَوْقَ أَشْلائنا!…
بَلى! حَصَّلْناهُ مُجَدّداً: هذا القَبيحُ المُشْتهى
تقلَّصَ وتمدَّد كثيراً ونحنُ مستَميتونَ في مُعانَدَتِه
فَكانَ أن حَصّلْناهُ بفخرٍ لا مزيدَ عليه
هو المِسْخُ الذي اتّخَذْناه معنىً لِحياتِنا
قَريناً لسَرائرنا،
أحْكَم وِثاقَنا وأخَذَ بخِناقِنا شاكراً
قُلْنا: نَدْحَرُه بعدَ حينٍ
أو يَدْحَرُه أولادُنا،
نقولُ: ذاكَ ما يُقالُ لهُ المستقبل،
ونقولُ: باتَ يُقالُ لهُ الماضي أيضاً…
بأعمارٍ وأرضٍ وعمرانٍ قايَضْنا الاحتِلالَ الآن،
ولأولادِنا نغادر أمجاداً ادَّخَرْناها
وأخرى لَفَّقْناها…
في رُبعِ عَقْدٍ أو في رُبْعِ قرنٍ
أو في أزيَدَ من نصفِ قرنٍ
أو في قرنٍ أو يزيدُ قليلاً
لم نتعب فيها من اسْتِضافةِ الموتِ في صدارةِ البيوتِ والساحات،
مِن اسْتِعجالِهِ بِما يُصِمُّ أُذُنَيه إذا أبْطَأ…
ولأولادنا نغادر أمجاداً وخرائب،
نغادر لهم خرائبَ دِيارٍ وخرائبَ أعمار
ومَدافنَ عامرةً لأيّامِ البَطالة
وأرصفةً تؤويهم على مضض…

Ahmad Beydoun and the Shi’ite Lebanese Town of Bint Jubail. Interview with Ahmad Beydoun : IEMed [2008]

Ahmad Beydoun, a lecturer at the Lebanese University, is the author of Le Liban. Itinéraire dans une guerre incivile. In one chapter, he recounts the atmosphere in the southern towns in the summer of 1976 during a war which shocked the world. “Daily life in times of civil war,” he writes, “produces solitude. War snatches […]
— Read on www.iemed.org/publication/ahmad-beydoun-and-the-shiite-lebanese-town-of-bint-jubail-interview-with-ahmad-beydoun/

تقديم “في مهبّ النكبة اللبنانيّة”

تقديم

 

 

لا يأذن لبنان للعالم بنسيانه زمناً طويلاً. تلك حالٌ لا هي مدعاة فخرٍ ولا هي بالضرورة من حسن الطالع. فمعلومٌ أنّ بلاداً تُنسى، بمعنى الخروج من دائرة ما يسمّى “الأخبار”، تكون في العادة مستقرّةً على حالٍ أو ماضيةً على رَسْلها في طريقٍ مرسومٍ، ولا يبعدُ أن تستحقّ النسبة إلى نادي الدول “السعيدة” إن كان لهذه الصفة معنىً يُطْمأَنّ إليه في هذا المعرض. هذه ليست الصورة التي تصحّ فعلاً أو توشك أن تصحّ في لبنان مجتمعاً ودولة. فهو لا يطيل المكث على سكّة التعافي من عاصفةٍ مالت إلى الهدوء قبل أن تعصف به ريحٌ جديدةٌ أو يعاني مرّةً أخرى سكرات القلق على المصير، بما فيها ترقّب ما يحصُلُ له أو لا يحصُل من القريب والبعيد وما يُقْدِمُ عليه أو لا يُقْدِمُ أهلوه في النزاع المستأنف أو الجديد بينهم.

لا يطول نسيان لبنان أو تناسيه بأغيارٍ حافّين به وبآخرين من ذوي البأس موزّعين في أطراف الأرض. فكيف يستقيم التناسي أو النسيان لمن كان من بنيه أي ممّن لا يدعُهم لبنان لشأنهم إن هم صمّموا على أن يتركوه لشؤونه والشجون. والحقّ أنّني، وأنا واحدٌ من هؤلاء، تشاغلتُ أحياناً ولا أزال أتشاغل بهمومٍ ومُتَعٍ تساير مزاجي وبعضَ خبرتي وتقرن إلى هذه المسايرة بعض حلحلةٍ لإسار السياسة والحرب وما يتّصل بهما من أحوالٍ يملي عليّ انتمائي إلى بلادنا هذه مواصلة الاشتغال بما تطرحه من مسائل. على أنّ التشاغل المشار إليه، وإن يكن لم يلبث بلا ثمرةٍ تسوّغه، إلى درجةٍ ما، كان لا يلبث أن يسفر عن وجهه وينتهي إلى حدّه بما هو تشاغلٌ لا أكثر ولا أقلّ. فكنت أرتدّ من التشاغل الوقتيّ إلى الشاغل الدائم: أي إلى أحوال البلاد التي أنا منها مستنطقاً بعضاً من راهنها أو من سالفها يملي عليّ التأمّل فيه إلحاح الظرف أو إغراء الخبرة أو، في الراجح من الحالات، مزيجٌ من هذا وذاك. وكان يصحب ارتدادي إلى هذا المضمار شعورٌ بأنّه هو الأصليّ الذي تحسن بي ملازمته أو العودة إليه، في الأقلّ، طال تجوالي بعيداً عنه أم قَصُر.

في هذا الكتاب أرْجَحُ ما أثمرتْهُ ملازمتي هذا المضمار الأصليّ في عَقْدٍ ونصف عَقْدٍ سلَفا ولا يبدو أنّهما أفضيا إلى ما يصحّ اعتباره خاتمةً لما تكشّفا عنه من هزّاتٍ، ولكن يصحّ القول أنّ جُماعَ ذلك إنّما هو نكبةٌ تامّة الأوصاف وأنّ هذه النكبة لا تزال مفتوحةً، مع ذلك، لا يظهر لها آخِر. هي، في كلّ حالٍ، نحوٌ من ستّين مقالةً يستعيدها هذا الكتاب مواصلاً سيرة كتبٍ عدّةٍ أخرى، لبنانيّة الهمّ، أصدرتُها في أربعين سنةً وقد يصحّ ان يُعَدَّ آخرَها كتابٌ نُشِرَ في سنة ٢٠١٢…

المدّة التي تنتشرُ عليها مقالات هذا الكتاب مديدةٌ إذن بما يكفي ليستقيم تضافرها في صورةٍ شاملةٍ أو قريبةٍ من الشمول وبما يجعل ضمّها في كتابٍ واحدٍ شيئاً بيّن الاختلاف، بالتالي، عن نشرها واحدةً واحدةً في مدى هذه السنين كلّها. أقول هذا من غير أن يفوتني ميلُ الأولى من بينها (وأخرياتٍ تاليةٍ أيضاً ولو إلى درجةٍ أدنى أو على نطاقٍ أضيق) إلى تعمّد الإتيان بجردةٍ عامّةٍ لقرنٍ هو عمر الدولة اللبنانيّة… وهذا فيما يستوقف معظم المقالات الأخرى، القصيرة منها على الخصوص، طورٌ بعينه أو محورٌ متصدّرٌ في طورٍ أو مسألةٌ تحرّكت في وقتٍ ما أو عملٌ مفردٌ ظهر، إلخ.

ضبطتُ صورة هذا التنوّع في تصميمٍ اعتمدته للكتاب وزَّع المقالات بين خمسة أقسامٍ: أوّلها بنيويّ يتناول أحوال النظام والثاني “حركيٌّ” ينظر في ما شهدت البلاد وتشهد من صنوف الاضطراب وويلاته والثالثُ يحصي مسائل أو “قضايا” عَرَضت، في هذه السنين، ولمّا ينتهِ معظمها إلى مخرج… هذا فيما تستوقف مقالات الرابع قارئها أمام “أعمالٍ” مفردةٍ هي، على الإجمال، كتبٌ مختلفة الأنواع والأغراض… وفيما تنتمي مقالات القسم الأخير إلى باب الخبرة الشخصيّة، فيظهر فيها الكاتب فاعلاً مباشراً أو موضوعاً،على اختلاف مناسبات الظهور والأسباب… يلحق بتعدّد الأنواع أو الحقول اتّساعٌ بيّنٌ في مروحة الموضوعات المفردة: من ماجَرَياتِ السياسة والحرب إلى ما تجنحُ له قوى الطوائف من سلوكٍ ماليٍّ، ومن التعليم والأبحاث إلى مجرى العلاقات اللبنانيّة السوريّة، ومن قانون الانتخاب إلى نظام الأحوال الشخصيّة، ومن زمن التاريخ إلى زمن الرواية، إلخ.  هذا وبين المحاضرة المسهبة أو “الورقة” المستتمّة التوثيق والمقالة الأسبوعيّة[1] القصيرة، تنوّعَ في كلّ قسمٍ نطاق المقالات وطولها وزاوية النظر فيها، ولكن على وحدةٍ مؤكّدةٍ في النَفَس وفي المَدار العامّ… وهذا إلى إفضاء مقالات القسم الواحد إلى نوعٍ من التضافر في لوحةٍ جامعةٍ، ولو أنّها تبقى لوحةً ناقصةً مهما تكثرْ عناصرها، بطبيعة الحال.

هاهنا لا بدّ لي من الاعتذار لبعضٍ من التكرار الذي أرجّح أن يستثقله القارئُ من مقالةٍ إلى أخرى في هذا المجموع. تلك سوأةٌ لم يكن منها مناصٌ – في تخميني – حيث المدارُ العامّ واحدٌ والمدّة مديدةٌ والمقاربات تتغاير، ولكن لا تستغني الواحدةُ منها عن التذكير بأظهَر أوصاف الجذع الذي هي فروعه. ولقد نظرتُ في إمكان التفادي من هذا التكرار أو من بعضه. ولكنْ ظهر لي أنّ حذف المشترك من هذا أو ذاك من مواضع ظهوره لا يخلو من إضرارٍ جسيمٍ (ولو مع الإحالة إلى موضعٍ آخر) بتماسك المقالة المعدّلة. وأمّا حذف هذه أو تلك من المقالات من أصلها، بسبب أسطرٍ منها وردَ ما يغني عنها في غير موضعٍ، فلم أجزه لشعوري بما يصيب المجموع بأسره من خسارةٍ من جَرّائه…

 في كلّ حالٍ يحصل معظم التكرار في القسم الأوّل من الكتاب وعنوانه “نظام”. هذا العنوان فيه تفسيرٌ للواقعة إذ لم يكن بدٌّ في مقالاتٍ تتناول البنية: بنيةَ النظام الاجتماعيّ السياسيّ، من التنويه بالتحوّل الأبرز الذي حصلَ فيها في نصف القرن الأخير وهو استتباب الغلبة لصفة النظام الطائفيّة على سائر الأوصاف المميّزة بين أبعاده، وما أورثه هذا الاستتباب الجديد (وهو من جرائر حربنا المديدة على النظام) من أزمةٍ مفتوحةٍ باتت عصيّةً على العلاج، منذورةً للتفاقم.

 

**

هذا وما هو أهمّ، بلا ريبٍ، من الاعتذار لتكرار هذا التنويه إنّما هو التشديد على كون التحوّل المشار إليه آخذٌ بدوره في نوعٍ من الذواء أو التهالك يلاحظه المراقب فيما يُعدّ هذا الكتاب (وهو الحريص على إبرازه) للطبع! ليس مؤدّى هذا الذواء – إذا صحّ خبره – تراجع المقام الذي للطائفيّة في المجتمع أو في الدولة. فهذا بعيدٌ عن واقع الأحوال الجارية، والطائفيّة باقيةٌ سيّدةَ المواقف. وإنّما الجاري تهالكٌ في الداخل اللبنانيّ كلّه: في درجة قيامه بذاته وإحكام قبضه على زمامه، طوائفَ وطائفيّة. معلومٌ أنّ تصرّف الجماعات اللبنانيّة – وقواها السياسيّة على الخصوص – بشؤونها لم تكن مقاليده في أيديها وحدها (بل ولا في أيدي أهمّها بالدرجة الأولى) في ما انقضى من عقودٍ بعد الاستقلال. كانت القوى “الراعية” على مقربةٍ دائماً عند كلّ بادرةٍ ذات بال. ولكن كان يبقى للقيادات اللبنانيّة وللتنازع في ما بينها كثافةُ حضورٍ تجيز لها، في الغالب، زعم الاستقلال عن إمرة الراعي والاستجابة المثابرة لدواعي الداخل. ما حملته الأعوام القليلة الماضية (والأخيران منها، على الخصوص) شيءٌ آخر. فإنّ مقاليد البلاد باتت اليومَ ماثلةً في أيدي قوى العالم والمحيط المتصدّرة توجّهها على هديِ النزاع الإقليميّ الجاري بأشدّ صوره عنفاً وأوثقها اتّصالاً بالصراع الدوليّ في أوسع حلباته. هذه المقاليد باتت فاقعة الألوان غليظةً إلى حدٍّ يحصر في مراقبة حركتها وانتظار توجّهاتها والانفعال بتلك وبهذه جُلَّ ما في البلاد من سياسةٍ وما في أيدي أهلها وقواهم السياسيّة من نصيبٍ من التصرّف بمصيرها.

تلك هي الحالُ اليوم. واختلافها بيّنٌ عمّا كانت الحربُ اللبنانيّةُ قد جاءت به من تحوّلٍ يتكرّر ذكره في مقالات هذا الكتاب. وقد كان للهزيمة التي حاقت بالحزب الخمينيّ في مواجهته لإسرائيل وقعٌ جسيمٌ في رسم الصورة الجديدة لواقع البلاد وسيرورته المحتملة. ولكنّ هذا التهافت الذي حلّ بالداخل اللبنانيّ كلّه دولةً وطوائفَ ليس ابن العامين الأخيرين حصراً. فإنّما هو أيضاً وريث “المناهبة” الموصوفة في بعض هذا الكتاب، وقد خرجت أثقالها إلى الساحة العامّة في سنة ٢٠١٩ وزاد من مفاعيلها (وبين أهمًها ضرب ما كان للداخل من استقلالٍ) دمار الحرب الأخيرة بسائر وجوهه. صحبَ هذا كلّه أو تقدّمه بأعوامٍ قليلةٍ ما أخذت الطوائف الثلاث الكبرى تتلقّاه تباعاً من ضرباتٍ خارجيّة المصدر. فإنّ تضعضع القيادة الحريريّة للسنّة، على وقع التخلّي السعوديّ، بما مثلّه من إنهاكٍ سياسيٍّ للطائفة كلّها، لم يعوّضه شيءٌ يُعْتدّ به. ولم تلبث إحدى القوّتين المارونيّتين الرئيستين أن سلكت في مساق تآكلٍ سياسيٍّ متدرّجٍ زاد في حدّته مغادرة مؤسّسها كرسيّ الرئاسة ثمّ تراخي الحلف بينها وبين القوّة الشيعيّة ذات البأس، وهي التي لم يلبث دخولُها الحرب أن أخذ يجعلُ من الأزمة الماليّة العامّة (بما فيها ما جرّته الحربُ من أضرارٍ) سبيلاً (سهّله سقوطُ النظام الأسديّ) إلى إحكام محاصرتِها. في النطاق المسيحيّ، لا دليلَ ثابتاً على نجاح محور القوّات اللبنانيّة والكتائب (ولو مع قدْرٍ من الحدبِ السعوديّ) في الاستحواذ على ما يخرج من رأسمالٍ سياسيٍّ من حوزة التيّار العونيّ.

أخيراً تستوجب مزيداً من الجلاء، عند النظر في ما لاحظناه من تَهاوٍ للداخل اللبنانيّ، بما فيه تهالك الفاعليّة السياسيّة للطوائف، حالةُ الحزب الشيعيّ المسلّح، إذ هي في موقع القلب من الظاهرة المشار إليها. من إسناده غزّة في وجه الردّ الإسرائيليّ على حملة “حماس” في ٧ أكتوبر، وهو ما راح ينقلب باطّرادٍ إلى حرب إبادةٍ، حصد الحزبُ، والبلادُ معه، هزيمةً مزلزلة… على أنّه لبث رافعاً علامة النصر وكأنّما النصرُ والهزيمةُ شأنٌ نفسيٌّ بحتٌ لا دخلَ له بوقائع الميدان. وهذا موقفٌ لا يعصي على الفهم إذا حفزه الإصرار على ملازمة السيرة نفسها، وعنوانها الأوّل السلاح، ولم يتحصّل اقتناعٌ بالاقتصار على مسارٍ مغايرٍ أو أيضاً لم يتحصّل إمكانٌ ثابتٌ لبقاء الحزب أصلاً إذا هو غادر النهج المسلّح. على أنّ السلاح الذي ألزم الحزب بافتتاح “حرب الإسناد” تحت طائلة اضمحلال العلّة المسوّغة لوجوده، لا يبعد، مع إنكار الحزب الهزيمة، أن يحملَه، ومعه البلاد، مسوقاً بحفزٍ من اغتيال العدوّ اليوميّ لمقاتليه ومن نفاد الصبر على هذا النكال في صفوفه وفي محيطه، على استدراج مقتلةٍ ودمارٍ مستأنفين يرجّح أن يتفوّقا بقبائحهما على ما سلف كلّه. ففي الأشهر التي انقضت على وقف القتال المزعوم بشروطه المشؤومة التي أملت الهزيمة الرضوخ لها، ردّد الحزب أنّه يمنح الدولة مهلةً لتحرير ما بقي محتلّاً من المواقع ولاسترداد الأسرى ووقف أعمال العدوان اليوميّة بالسعي السياسيّ. ولكنّ هذا الأمر بقي بعيداً وبقي الحزب نفسه مستمسكاً بسلاحه ما استمرّ هذا البعد وما لم تبرز الدولة خطّةً ناجزةً للدفاع عن البلاد تستوعب هذا السلاح أو يُستغنى بها عنه. غنيٌّ عن البيان أنّ “الصبر على الدولة” إنّما هو حجابٌ شفّافٌ للعجز الراهن عن القتال وليس إقراراً متأخّراً بحقٍّ أصليٍّ للدولة طالما أُنكر عليها. ولكن كم يصمدُ هذا الإحجام الذي طالَ وطالَ معه إصرار العدوّ الهائج على المضيّ في عدوانه قدماً؟

 

***

ما العمَلُ والحالة هذه؟ ما يزيد الإجابة عسراً حالُ التهالك الجامع التي باتت تسود البلاد بما هي “داخلٌ”، وهي ما وصفنا، وهي ما يقابله العدوان وإسلاس القياد الإلزاميّ للقوّة الأميركيّة، راعية إسرائيل وشريكتها الكبرى، وهي القوْة التي فرضت نفسها، في هذا العهد، بديلاً شبه كلّيٍّ (لا قوّةً غالبةً وحسبُ) لما كنّا نجعلُه مسمّىً لعبارة “المجتمع الدوليّ” ونعوّل عليه كثيراً أو قليلاً. وأمّا التهالك المستشري في ديارنا فبعيدٌ عن أن يثمر شعوراً بوحدة الحال مضيّقاً للفجوات، في الأقلّ. بل هو يثمر المزيد من الجنوح إلى المشاحنة والتفكّك الوطنيّ، وهذه سكةٌ أخرى تسلكها إلى ديارنا أخطارٌ باتت محدقةً بنا من كلّ حدبٍ وصوب. وهي سكّةٌ يوطّدها تَواصُلُ التنازع الأهليّ في سوريا واتّخاذه لبوساً طائفيّاً يفتحه على العبث الخارجيّ، الإسرائيليّ أوّلاً، ويُدرجهُ في التنازع على سوريا… ليس هيّناً أن يطمئنّ واحدنا اليوم إلى تصرّفٍ ذي وجاهةٍ إستراتيجيّةٍ يقترحُه ولا هو هيّنٌ أن يجدَ من يتوجّه إليه بالاقتراح.

هذا ما نحن فيه الآن إذن، وهو ثقيلٌ جدّاً على ما بقي لنا من قوىً. لا يؤملُ فوق هذا أن يتزحزح هذا العبءُ عن كواهلنا ما لم يُزحزحه تغييرٌ جسيمٌ في الحبكة الإقليميّة الدوليّة الآخذة بخناقنا. ذاك تغييرٌ لا نتبيّن له صورةً في يومنا الحاضر ولا نعلم إن كان سيحصل ولا متى. وأمّا الكيفيّة التي انسَقْنا بها إلى حيث نحن الآن فجهدَت مقالات هذا الكتاب في جلاء الكثير من ملامحها والأطوار.

 

بلتيمور، أواخر تمّوز ٢٠٢٥                  


[1] كان بعض المقالات الأسبوعيّة قد نُشر في حلقاتٍ (اثنتين إلى خمسٍ) فأعدتُ إلى كلٍّ منها وحدته في هذا الكتاب.

سهيل الزين عن “في مهبّ النكبة اللبنانيّة”

كنت اهرب من قراءة كتاب احمد بيضون الاخير=مواقف في مهب النكبة اللبنانية= بعدما شعرت بنوع من الإحباط ولا سيما بعد قراءة تعليق لعباس بيضون صاحب مقالة الامة الملعونة يتحدث فيه عن محال تغيير النظام الطائفي حتى قلت ان طالب المحال كطالب الحرب خائب. وهكذا نخوض في أوضاع ليس أمامها سوى الكارثة المفتوحة، حينذاك شعرت انه لا يؤمل أن يتزحزح هذا العبء الثقيل عن كواهلنا ما لم يزحزحه تغيير جسيم في حماية وعلمنة المجتمع المتصدع ودفعه من الاهلي الى المدني دون ان افهم في اي طرف يمكن حسبان جمعية المصارف او قوى اجازت لنفسها بأنها صاحبة الحق في فتح حرب اهلية او اقليمية باسم السيادة وقوى اخرى صنعت طائفيتها من مئات الالاف المهجرين ما بين الحرب الاهلية و الالفين لوراثة سيادة انهارت في الجنوب مع انفراط الجيش بعدما لم يثبت يوما ان اهل الجنوب كانوا قد استشيروا قبل توقيع اتفاق القاهرة وتحويل العرقوب الى ساحة حرب مع العدو.
وما زادني في ذلك الاحباط مؤشرين.
أولهما ما خلص اليه كمال بكداش حين شطرت نحو تعليقه فيقول # يتراءى لي – مع اقتناعي بمعظم تشخيصات أحمد بيضون لنظامنا الطائفي – أن هذا النظام لم يمت في “نفوس شطور راجحة من اللبنانيين” وأحد أدلتي على ذلك كثافة اهتمام أحمد في كتاباته كلها بحوادث هذا النظام وظواهره، مما يوحي أن هذا النظام ما زال حياً، لا بل يتسم بالحيوية في “نصوص” أحمد على الأقل – وهو من هو في عمق بصيرته في أحوالنا – رغم إعلان وفاته في النفوس. وإذا ما أخذنا بالإعتبار “صمود” هذه الصيغة على امتداد قرن ونصف القرن وانتعاشها المتكرّر المرّة تلو المرّة، لا بل استنساخها أو الاستعداد لإستنساخها في بلدان مشرقية كالعراق وسوريا، لخرجنا باستنتاج قد لا يروق لنا – أنصار دولة المواطنة – إن هذه الصيغة هي “الأنسب” على الأرجح لمجتمع مشرقي تعدّدي. هذا الاستنتاج الذي يقول بالواقعية ينسى انها نفسها هي التي تعيد انتاج نفس الحروب الاهلية التي خصص لفهمها احمد بيضون عشرات الصفحات لمدى ما الت اليه الجماعات في التحجر الطائفي الذي بلغ فيما بلغه ولادة حزب الله قرب جبهة لم تقفل حتى لو فتحت جبهات اخرى وهذا ما اكتشفته حين قرات الكتاب الذي يصف في الواقع نكبات يعاد انتاجها باسم الخروج منها على غلبة في وقت لم تغير فيه اطراف الزاع ودخول سوريا واسرائيل فيه لا اهداب «السياسة» وجلدها وروحها او خرجت من طورها وعنه، ولبست جسداً آخر حلت فيه روح أخرى.
ولا ذنب لكمال بكداش في ذلك ولا لاحمد بيضون ولكن حتى المساواة التعددية اصبحت كارثية في تملك مفهوم السيادة والخروج بها علي قياس كل طائفة فلا يصح حينذاك سوى قول المتنبي

لأيّ صُرُوفِ الدّهْرِ فيهِ نُعاتِبُ … وَأيّ رَزاياهُ بوِتْرٍ نُطالِبُ
مَصائِبُ شَتّى جُمّعَتْ في مُصيبَةٍ … ولم يَكفِها حتى قَفَتْها مَصائِبُ
وهنا المؤشر الثاني الذي حصل الان وكان احمد بيضون قد لخصه في كتابه كما يلي.
باتت مقاليد البلاد ماثلة في أيدي قوى العالم والمحيط المتصدّرة، وبكلمة حلّ بالداخل اللبناني كله، دولةً وطوائف، “تهافت”، أو “تهاوٍ”، أو “تهالك” الفاعلية السياسية للطوائف، “شاملاً الحزب الشيعي المسلح” وهو ما يقابله “إسلاس القيادة الإلزامي للقوة الأميركية راعية إسرائيل وشريكتها الكبرى وهي القوة التي فرضت نفسها بديلا لما كنا نسميه القانون الدولي او المجتمع الدولي. وقال ايضا فيما خص اسناد غزة وما انقلبت اليه بحرب الابادة هو حصول هزيمة للحزب وكأنما النصر والهزيمة شأن نفسي بحت لا دخل له بوقائع الميدان. وهذا موقف لا يعصى على الفهم أذاحفزه الاصرار على ملازمة السيرة نفسها ولم يتحصل اقتناع بالاقتصار على مسار مغاير أو ايضا لم يتصل امكان ثابت لبقاء الحزب اصلا اذا هو غادر النهج المسلح. على ان الذي الزم الحزب بافتتاح حرب الاسناد لا يبعد, مع انكار الهزيمة, ان يحمله ومعه البلاد على استدراج مقتلة ودمار مستأنفين يرجح ان يتفوقا بقبائحهما على ما سلف كله,
هذا الكلام قاله في تموز 2025 وغني عن البيان ان الصبر على الدولة انما هو حجاب للعجز عن تغيير ميزان القوى ولم يكن اقرارا متأخرا بحق الدولة الاصلي الذي انكر عليها كما انكر من جهة اسرائيل التي لا تقيم وزنا لمواقف للتاريخ الملحمي وانما لمواقف على ما تسميه المنطقة المعزولة من الشجر والبشر. أما الحق في العودة المعاق بولادة قانون دولي جديد=غير شرعي لانه خارج اطار الامم المتحدة= يشرعن نقل الابادة في غزة الى جنوب لبنان بعدما تخلت الدول الراعية عن مفهوم مسؤلية الحماية الدولية لدروز وشيعة ومسيحي جنوب لبنان بدعمها العملي للحل الاسرائيلي لما يسميه المتمركسون بالمسالة الشيعية. فلا دول راعية له بحق المدنيين الذين نزعت او جردت منهم انسانيتهم لدى الطرفين المتنازعين . وليس سيل النازحين بهدية لدولة مفلسة في كيان قد يتفجر تحت وطأة أزمات تداعيات هذه الحرب الى ما هو ابعد من الدمار المادي في عصر مشحون بالمرارة الوجودية والكراهية الطائفية….
هو موت جديد قادم ينسينا الموت القائم أو يؤسس عليه ونصفق بين الكفين في وقت يصفق فيه العالم الجديد ومسوخه الدولية البارعة في تحضير النفوس التائهة حتى إذا باغتها الموت قالوا هو خلاص في جو من التعسف بكل القيم الكونية والانسانية.
أي ظلمٍ لم يعد مسموحا في بلادنا الذاهبة إلى جحيمها بعيون مفتوحة؟
حتى اذا ما كتب مفكر بما يحل بوطنه يسارعه البعض الى تشويه آرائه يومذاك في هذه الحوادث تسويغاً لوقفات تاريخية ناسية ان التاريخ على خلاف الذكرة مرب قاس جدا ، فلا ينكره ولا يبدو له مفتعلاً ومصطنعاً. وليس مصدر الحكم بالافتعال والاصطناع في حوادث الأمس واليوم وعللها قوة حوادث اليوم على الإقناع والتسويغ. فمزيج الانبهار بالموت والحرب، والتسليم لأصحاب الريع، والقناعة بالإعالة المهينة، والاستماتة في طلب العبودية وإرادتها، هذا المزيج يبدو مصدر حوادث «عظيمة» و«مزلزلة»، ولكنها اذا وقعت على ظهر من حاولوا بناء دولة فلن يفكروا الا بعودة الغلبة بدل ايجاد صيغ للخروج من تفتت الكيان.