في صدَدِ “الرغبة في الديمقراطيّة”
أحمد بيضون
هَيْمَنةٌ أَمْ إجْماع؟
في الكلامِ على الأنظمةِ السياسيّةِ والقِيَمِ المؤسّسةِ لَها وتلكَ المتفرّعةِ عَنْها، تسليمٌ تلقائيٌّ تَقريباً، جامعٌ إلى الحدِّ الأقصى، بأنَّ الديمُقْراطِيّةَ، بِما هيَ نظامٌ للحُكْمِ ولِمؤسّساتِهِ وناظِمٌ للتَعامُلِ بينَ مواطِني الدولةِ الواحدةِ، أفراداً وهيئاتٍ، إنّما هيَ موضِعُ رَغبةٍ جامعة. إلى افْتِراضِ الإجْماعِ، يُفْتَرَضُ أنّ الرَغْبةَ المَذْكورةَ لا تَحْتَمِلُ، بِما هيَ مُسْنَدةٌ إلى التَعَلُّقِ البَشَريِّ بالحُرِّيّةِ، أيَّ اعتِراضٍ على مَبْدَئها. ولا يُبْطِلُ هذا الامْتِناعَ بَقاءُ الاعتِراضُ جائزاً على النَقْصِ في التِزامِ المَبْدَإ أو على الانحِرافِ بِهِ عن الجادّةِ المفتَرَضةِ الأمانةِ لِمَعْناهُ أو على التقصيرِ عن إبْلاغِهِ ما يُفْتَرَضُ أنّهُ يقتضيهِ من عُمْقِ الإعْمالِ وشُمولِه…
والحالُ أنّ التَسْليمَ المُشارَ إليهِ أَمْرٌ حديثُ العَهْدِ نِسْبِيّاً فَضْلاً عن عدَمِ مُجاوَزَتِهِ طرَفَ اللسانِ في مُجْتَمَعاتٍ مُعاصِرةًٍ كثيرةٍ وفي مذاهِبَ سِياسيّةٍ لا تَزالُ راهنةَ الحيويّةِ، عريضةَ الانْتِشارِ، في أيّامِنا هذه…
فَيَصِحُّ القولُ إنّ الديمُقْراطِيّةَ باتَ لَها، في عالَمِنا الحاضِرِ، مَوْقِعُ هَيْمَنةٍ ويبقى بعيداً عن الصَوابِ القَوْلُ إنّها باتَت مَحَلَّ إجْماع… يَصْدُقُ هذا، على أوسَعِ نِطاقٍ، في وَصْفِ الأنْظًمةِ السِياسِيّةِ والهَيْئاتِ الاجْتِماعِيّةِ التي تَتَوَزَّعُ عالَمَ اليَوْمِ، ويَصْدُقُ، على نطاقٍ أَضْيَقَ شَيْئاً ما، في وَصْفِ مَذاهِبِ الكَلامِ في السِياسةِ وقِيَمِها وفي أَنْظِمةِ الاجْتِماعِ والحُكْم.
تاريخٌ سادَهُ النُفور…
هذا ولا بُدّ من التَنْويهِ، إن شِئنا الإلْمامَ بِما تَنْحو إلى تغييبِهِ الهَيْمَنةُ المُشارُ إلَيها من مَعالِمِ المَسارِ التاريخيِّ للمِثالِ الديمُقْراطِيِّ، بأنّ هذا المِثالَ قَد لَبِثَ، إلى أَمْسٍ غَيْرِ بَعيدٍ، بَعيداً عن الحَظوةِ بالتَبْجيلِ المِلْحاحِ الذي يحْظى بِهِ اليوم. وهذا مع طولِ العَهْدِ باسْتِوائهِ مَوْضوعاً للتأمُّلِ والسِجالِ والمُقارنةِ بِنَظائرِهِ مِن أنْظِمةِ الحُكْمِ على التَخْصيص…
فَمِن يَوْمِ وِلادةِ النِظامِ الديمُقْراطِيِّ الأَوَّلِ، المُصَرِّحِ بعُنْوانِهِ هذا، في أثينا القديمةِ، قَبْلَ نَحْوٍ من ٢٥٠٠ سنةٍ، وُجِدَ مَن يَنْبَري لتَفْنيدِه وهِجائهِ، وكانَ في صَدارةِ نُقّادِهِ هؤلاءِ أفلاطون.
ولَم يَكُنْ هؤلاءِ يَأخُذونَ على النِظامِ الأَثِينِيِّ ما قد نأخُذُه عَليهِ اليَوْمَ من قَبيلِ اقْتِصارِهِ على الذُكورِ الأحرارِ البالِغينَ من مُواطِني المَدينةِ الأَصْلِيِّينَ، إلخ… بَلْ كانَ رأسُ ما يَعيبونَهُ عليهِ ما قد نَراهُ نَحْنُ مِيزَتَهُ العُظْمى: أي المُساواةَ المَبْدَئيّةَ بينَ مُواطِنينَ كانَ هَؤلاءِ النُقّادُ يَرَوْنَهُم غَيْرَ مُتَساوِينَ البَتّةَ… فَيَهولُهُمً أن يَتَساوى، عِنْدَ الاقْتِراعِ، صَوْتُ العالِمِ وصَوْتُ الجاهِلِ، صَوْتُ الحَقيرِ وصَوْتُ الخَطيرِ، إلخ.
وفي مُعْظَمِ ما تَلا مِن قُرون، ظَلّت السِيادةُ مَعْقودةَ اللِواءِ لهَذا النَقْدِ، لا بِحُروفِهِ بالضَرورة، ولكنْ في روحِيّتِه. ولَم يَكُن اسْتِلْهامُ الديمُقْراطِيّةِ تَعَلُّقَ البَشَرِ بالحُرِّيّةِ لِيَدْرَأَ عَنْها سِهامَ النَقْد. فَقَد لَبِثَ الرِقُّ قروناّ كَثيرةّ مؤسَّسةََ ساميةَ الاعْتِبارِ، مُشْتَرَكةََ بَيْنَ حضاراتِ العالَمِ الكُبْرى، وبَقِيَ تَمَرُّدُ العَبيدِ، حِينَ يَحْصُلُ، يُقْمَعُ بِلا هَوادةٍ ولا استِنْكارٍ يُعْتَدُّ به. لَيْسَ هذا وحَسْبُ، بَلْ إنّ التَراتُبَ المُنْطوي عَلى أَفْدَحِ الانْتِقاصِ مِن حُرِّيّةِ الأحرار، بِما فيهِ نِظامُ القِنانةِ الرازحُ على السَوادِ الأعْظَمِ مِن قوى الإنتاجِ، في العهودِ الإقطاعِيّةِ، بَقِيَ مُسَلَّماّ بِهِ، في مَدى قُرونٍ أيضاّ، مَبْدَأََ أصيلاََ لِتَنْظيمِ المُجْتَمَعات… وأمّا الذينَ كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهم الاستِبْدادُ فلا يَجِدونَ لَهُم مَناصاً مِن الخُروجِ، فكانَ عَلَيْهِم، في الأَعَمِّ، أنْ يَتَّخِذوا لخُروجِهم قِناعاً مُقَدَّساً، إذْ لَم يَكُنْ لِغَيْرِ المُقَدَّسِ أن يَسْتَوي أَساساً للخُروجِ على سُلْطانٍ كانَ مؤسَّساً عَلى المُقَدَّسِ، هُوَ أَيْضاً.
مَخاضُ التَصَدُّر
وحينَ زُيِّنَ لأتْيان دو لا بُويسي، في مَطْلَعِ الرُبْعِ الأَخيرِ مِن القَرْنِ السادِسَ عَشَرَ، أنّ اطّراحَ الحُرِّيّةِ وقَبولَ السُلْطةِ، بإطلاقِ مَعْناها، إنّما هُوَ أمْرٌ “طَوْعِيٌّ”، كان ذلكَ إيذاناً بِبَدْءِ تَخَلْخُلِ التَسْليمِ بِهذا القَبولِ (باسْمِ حالٍ “طبيعيّةٍ” افْتُرِضَت لَها أَسْبَقِيّةٌ عَلَيْه) عَلى أنّه الواجبُ الأوحَدُ أو المُمْكِنُ الوحيدُ المَشْروعُ، في الأقَلّ. ولكنْ كانَ لا بُدَّ من مَخاضٍ تاريخيٍّ طالَ قرنينِ آخَرَيْن قَبْلَ أن تتَصَدَّرَ الديمُقْراطِيّةُ، مُتَوَّجةً باسْمِها الصريحِ هذا، مع الثورتينِ الأميركيّةِ والفرَنْسِيّةِ، تَيّاراً لتَغْييرِ العالَم ثبَتَ اقْتِدارُهُ وانْتِشارُه. وهَذا فيما يتَعَدّى حالاتِ النُكوصِ والهَزيمةِ، وبَعْضُها مَهولٌ مُتَمادٍ، وهي مُسْتَمِرّةُ المُواكبةِ، في أَيّامِنا، لانتِشارِ التَجارُبِ الديمُقْراطِيّةِ، على اخْتِلافِ صِيَغِها، ولِتوَطُّدِ الهَيْمَنةِ الظاهِرةِ للمِثالِ الديمُقْراطِي.
ذاكَ، في كُلِّ حالٍ، أيْ تاريخُ الديمُقْراطِيّةِ، مَبْحَثٌ شاسعٌ لم يَكنْ لَنا أن نُجاوِزَ مِنْهُ العُنْوانَ ها هُنا. وإنّما أرَدْنا التَخَلُّصَ إلى نَزْعِ ما يَبْدو مِن عَفْويّةٍ جامِعةٍ للتَعَلُّقِ بالديمُقْراطِيّة ولطَلَبِها… أو أيضاً لادِّعاءِ تَبَنِّيها مَعَ التوفُّرِ عَلى صِيَغٍ لَها مُغايِرةٍ، إلى حَدِّ الإبْطالِ، لِتِلْكَ التي تَمَخَّضَت عَنْها التَجارِبُ المؤسِّسةُ لأنْظِمَتِها الحَديثةِ ولِما أَرْسَتْهُ لَها هَذِهِ التَجارِبُ مِنْ مَبادئَ كُبْرى.
نَماذِجُ الإبْطالِ وأَسانيدُ النَبْذ
وأَمّا نَماذِجُ هذا الإبطالُ فهيَ معلومةٌ، تزعُمُ الشيوعيّةُ من بَيْنِها، ومَعَها القَوْمِيّةُ أَحْياناََ، نقضاً لديمقراطيّةٍ تَعِدُّها “صوريّةً”، واعْتِماداََ لِأخرى “شعبيّةٍ” صُلْبُها الحزبُ الواحدُ والرأيُ الواحدُ، فضلاً عن الزعيمِ الواحدِ في الغالب. وهذا معَ الجنوحِ بالانتخابِ إلى الاستفْتاءِ وبالتحريرِ القوميِّ أو بالعدلِ الطبقيِّ إلى امتيازِ “النُخَبِ” البيرقراطيّةِ والعسكريّةِ وسطوةِ أجهزتِها على سُلوكِ البشرِ وعَلى دَواخِلِهِم، وعلى المصائرِ، في آخر المطاف.
لا هذه الأضرابُ الأخيرةُ من الأنظمةِ ولا تلك المجاهِرةُ بنبذِ الديمقراطيّةِ أصلاً: من الدكتاتوريّاتِ الفاشيّةِ إلى متفرّعاتِ ما سُمّيَ “الصحوةَ الإسلاميّةَ”، في معظمها، من حركاتٍ وأنظمةٍ، كان يعْوِزُها الولاءُ “الشعبيُّ”. وَلا أَعْوَزَتْها المُمالَأةُ المعتبَرةُ لقَمْعِها كلَّ معارَضةٍ أو خروجٍ قَمْعاً بلغَ، في حالاتٍ كثيرةٍ تكشّفت تفاصيلُها، ذُرىً مَهولةً من العُنفِ الدمويِّ ومن فُنونِ التنكيلِ أو الاضطهادِ الأخرى كافّة.
وكانَ السندُ لكسبِ هذا الولاءِ والتأييدِ في نبذِ الديمقراطيّةِ الليبراليّةِ، عَلى التَخْصيصِ، مآخذُ مُتشعِّبةٌ أظْهَرُها:
- أنَّ هذِهِ الأخيرة “صوريّةٌ” تَجْهَدُ لإرضاءِ المُسْتَغَلّينَ المَقهورينَ بحُقوقٍ وحُرّيّاتٍ تَزْعمُ مُساواتَهُم بِها بِالقَيِّمِينَ على قَهْرِهِم واستِغلالِهم، فيما هيَ تَحْمي مَصادِرَ القَهْرِ والاستِغْلالِ ومَرافِقَهُما، بَلْ وتَزيدُ في تَرْسيخِهِما حَيْثُ تَتَيسَّرُ الزِيادة.
- أنّ هذه الدِيمُقْراطِيّة اقْتَرَنَت باسْتِواءِ مَوائلِها الكُبْرى إمْبِرْيالِيّاتٍ، ويَنْحو اقْتِراحُها على الدُوَلِ التابِعةِ، بَعْدَ أُفولِ الاسْتِعْمارِ، إلى تَأبيدِ التَبَعِِيّةِ بِوُجوهِها المُخْتَلِفة: الاقْتِصادِيّةِ والسِياسِيّةِ والثَقافِيّةِ والإسْتِراتِيجِيّة…
- أنّ الديمُقْراطِيّةَ نَفْسَها وَجْهٌ رَئيسٌ لِغُرْبةٍ تُجافي تُراثاََ وتاريخاََ مُغايِرَين بِما في ذلكَ مُغايَرةُ الدينِ وما يَنْطَوي عليهِ هذا الأخيرُ مِن مَوارِدَ لِتَنْظيمِ المُجْتَمَعِ والدولةِ يُقَدَّمُ بَعْضُها على أنّه مُلْزمٌ لا مَحِيدَ عَنْه. –
- وعَن هذا الوَجْهِ الأَخيرِ يَتَفَرّعُ النُفورُ مِن الديمُقْراطِيّةِ لِنَخْرِها صِيَغَ التَضامُنِ المَوْروثةَ وتَزْكِيَتِها صِيَغاََ أُخْرى طَوْعِيّةََ أو مَوْروثةََ يَدْخُلُها الفَرْدُ القائمُ بِذاتِهِ باخْتِيارِهِ الحُرِّ، عَلى الإجْمالِ، ولا يَمْتَنِعُ الخُروجُ الحُرُّ مِنْها أيضاّ. هذا فيما لايَزالُ الوَلاءُ التَقْلِيديُّ شاغِلاّ مَوْقِعَ الهَيْمَنةِ بَيْنَ صِيَغِ التَضامُنِ (والتَنازُعِ) المَرْصودةِ في المُجْتَمَعاتِ النابِذةِ للدِيمُقْراطِيّة… إلَخ.
وَجاهةُ النَقْدِ وهَشاشتُه
لا رَيْبَ في انْطِواءِ هذا النَقْدِ بِأَسْرِهِ عَلى قَدْرٍ مَبْدَئيٍّ مُعْتَبَرٍ جِدّاّ مِن الوَجاهة. ولَكِنَّ وَجاهةَ البَعْضِ مِن عَناوِينِهِ تَضْؤلُ، وتَضْمَحِلُّ وَجاهةُ بَعْضِها الآخر، حينَ تُنْصَبُ في وَجْهِ الاعْتِمادِ الحُرِّ للمِثالِ الديمُقْراطِيِّ ويُفْتَرَضُ إمكانٌ مُتاحٌ لِتَكْييفِ هَذا المِثالِ وِفاقاّ لإرادةٍ غالِبةٍ حُرّةٍ أَيْضاّ. هَذا لا يُخْلي المِثالَ المَذْكورَ من مُشْكِلاتٍ ماثِلَةٍ في صُلْبِهِ، بِطَبيعةِ الحالِ، وأَعْسَرُها تَنازُعُهُ وَمِثالَ العَدْلِ الاجتماعيّ. ولَكِنَّ هَذا النَوْعَ مِنَ المُشْكِلاتِ مُشْتَرَكٌ – ولَو اخْتَلَفَت الصِيغُ والدَرَجاتُ – بَينَ مَواطِنِهِ كافّةََ، قَديمِها والجَديد. وهوَ نَوْعٌ مَلْحوظٌ في صُلْبِ نَظَرِيّةِ الديمُقْراطِيّةِ، أَصْلاََ، وفي كُلِّ تَأْريخٍ جادٍّ لِقِرانِها بالليبِرالِيّة. وهوَ، بِهَذِهِ المَثابةِ، مُتَعَذِّرُ الاسْتِئصالِ القَطْعِيِّ لِتَجَذُّرِه في طَبائعِ السِياسةِ وفي خِيارِ الحُرِّيّةِ مَعاّ. ثُمَّ إنّ عَناوين النَقْدِ المُشارُ إلَيْها يَبْلُغُ بِها درَجةَ الخَواءِ ما وُضِعَ ويوضَعُ في وَجْهِ الديمُقْراطِيّةِ مِنْ بَدائلَ حِسِّيّةٍ مُخْتَلِفةٍ ظَهَرَت في طولِ العالَمِ المُعاصِرِ وعَرْضِهِ لِبِناءِ المُجْتَمَعاتِ والدُوَل…
في كُلِّ حالٍ، لَيْسَت المُنافَحةُ عَن المِثالِ الدِيمُقْراطِيِّ بُغْيَتَنا ها هُنا. وإنّما نَبْحَثُ في شُروطٍ نَراها مُحْتَمَلةّ لانْتِشارِ ما نُسَمّيهِ “الرَغْبةَ في الديمُقْراطِيّة” وفي أسْبابٍ تُعَدُّ مُحْتَمَلةّ أيضاّ للنَقْصِ في هَذا الانْتِشارِ أو أَيْضاََ لانْقِلابِ “الرَغْبةِ” إلى عَكْسِها. ما أسْلَفْناهُ من “مَآخِذَ” مُخْتَلِفةٍ على هذا المِثالِ يَسْتَوي – أيّاََ يَكُنْ نَصيبُها الموضوعِيُّ مِن الوَجاهةِ – قاعِدةََ عريضةََ لإعْراضِ المُعْرِضينَ عَنْه أو لِشَنِّ الغاراتِ عَلَيْه. تِلْكَ هِيَ القاعِدةُ العَقَدِيّةُ لهَذِهِ الفئةِ من المَواقِف. ويَشْفَعُها، على المُسْتَوى المادّيِّ، قاعدةُ “المَصالِح”، وهَذِهِ لا تُقْتَصَرُ عَلى الفِئاتِ الضالِعةِ ضُلوعاََ صَرِيحاََ في الاسْتِغْلالِ والقَهْرِ، بَلْ تَدينُ بِمُعْظَمِ سِعَتِها لِفِئاتٍ عَريضةٍ تُوالي النِظامَ القائمَ مَوْضوعِيّاََ، عَلى الرُغْمِ مِنْ بُعْدِها عن مَواطِنِ القِيادةِ فيه. ذاكَ لِمُجَرَّدِ اسْتِواءِ اسْتِقْرارِ النِظامِ المَذْكورِ شَرْطاََ، لا لِفُتاتِ امْتِيازٍ يَكونُ بَعْضُها حاظِياََ بِهِ وَحَسْبُ، بَلْ أَيْضاََ لِصُمودِ مَعاشِها بِأَسْرِه.
مِن القَبيلِ نَفْسِهِ أَيْضاََ “مَخاوِفُ” الجَماعاتِ التَقْليدِيّةِ المُتَصَدِّرة: حَذَرُها مِن نُمُوّ الفَرْدِيّةِ وغَلَبةِ التَضامُنِ الطَوْعِيِّ. وهَذا لِأَيْلولَتِهما المُحْتَمَلةِ إلى تَحَلُّلِها أو لِتَحَدِّيهِما مَكانَتَها، في الأَقَلِّ. ويُزَكّي المَخاوِفَ نُفورٌ مُتَوَقَّعٌ مِنْ إفْلاتِ الزِمامِ: لا زِمامَ تَصَدُّرِ الجماعاتِ المَذْكورةِ المُجْتَمَعَ الكُلِّيَّ وحَسْبُ، بل أيضاّ زِمامَ الدِفاعِ والهُجومِ في التَنازُعِ والتَنافُسِ الجارِيَيْنِ بَيْنَها في مَرافِقِ المُجْتَمَعِ وماجَرياتِ حَياتِهِ كافّةََ.
ما لا يُسْتَغْرَبُ أو يُسْتَهْجَن…
عَلَيْهِ تَتَوَسَّعُ كَثيراََ، في الصَفِّ “التَقْليدِيِّ” مِن المُجْتَمَعاتِ المُعاصِرةِ، قاعِدةُ المُعارَضةِ أو الرَفْضِ للكُلْفةِ – المَجْهولَةِ – التي تتَرَتَّبُ عَلى التَغْييرِ الديمُقْراطِيِّ… بَلْ أيضاّ على أَيِّ تَغْييرٍ آخَرَ لا يَتَيَسّرُ ضَبْطُهُ أو تَوَقُّعُ مَآلِهِ بِداعي انْطِوائهِ عَلى عامِلِ الحُرِّيّة… هَذا النُفورُ لَم يَحُلْ، عَلى اتِّساعِهِ، دُونَ تَكاثُرِ أَنْماطٍ مِن التَغْييرِ زَعَمَت لِنَفْسِها صِفةَ “الثَوْرِيّةِ”، ولَكَنَّها اتَّكَأَتْ على تَشْكيلاتِ الوَلاءِ التَقْليدِيّةِ مُجَدِّدةََ بَعْضَها ومُغَلِّبةّ بَعْضَها على بَعْض. هذا وَكَثِيراََ ما وَجَدَتْ هَذِهِ الأَنْماطُ طاقَتَها المُباشِرةَ في العَداوةِ: العَداوةِ لِخارِجٍ قََرِيبٍ أو بَعِيدٍ يُمِدُّها ماضٍ نِزاعِيُّ لِعَلاقَتِها بِهِ بِأَسْبابٍ جاهِزةٍ لِلْخِصامِ ويَغْلِبُ أن يُمِدَّها السُلوكُ الحاضِرُ لِهذا الخارِجِ أَيْضاّ بِأَسْبابٍ أُخْرى.
وحَيْثُ تُتاحُ تُرْبةٌ مُواتِيةٌ مِنْ حَجْمٍ وتاريخٍ وطاقاتٍ أُخْرى مُخْتَلفةٍ، تَسْتَنْفِرُ العَداوةُ الشُعورَ المُتَوَتِّرَ بِ”عَظَمةِ الأمّةِ”، يَصْحَبُهُ تَصَوُّرٌ مُجَدَّدٌ لِلْمَصالحِ، فَيَغْدو مُرَجَّحاََ، في ظِلِّ هَيمَنةِ “القُطْبِ الواحِدِ” الجاريةِ، يَعْتَوِرُها اضْطِرابٌ مُتَزايِدٌ، عَلى عالَمِنا، بُروزُ واحِدةٍ جَديدةٍ مِن “الإمبريالِيّاتِ” الثانَوِيّةِ أو الفَرْعِيّةِ، وانْطِلاقُ دينامِيّةٍ أُخْرى للسَيْطَرةِ على مُحيطٍ بِعَيْنِه. ذاكَ يُزَكّي خِيارَ الضَبْطِ والرَبْطِ و”وَحْدةِ الجَبْهةِ”، في الداخِلِ، مُسايِراّ انْحِصارَ نِطاقِ الامْتِيازاتِ المُتاحة. فَيُسْتَبْدَلُ بالتَرْسيمةِ الديمُقْراطِيّةِ (وبِاحْتِمالِ حُسْنِ الجِوارِ أَيْضاّ) تَوازٍ عاصِفٌ ما بَيْنَ مَسارَيْنِ، داخِلِيٍّ وخارِجِيٍّ، لِكُلِّ مِنْهُما حَصادُهُ المَنْذورُ لَهُ مِن الخَرابِ والمَوْت…
والخُلاصةُ أنّ هَذِهِ الدينامِيّةَ الوفيرةَ الرَوافِدِ بِرُمَّتِها لا يَصْمُدُ إزاءَها مُسَوِّغٌ، أَيّاّ يَكُنْ، لاسْتِغْرابِ ما تُجْبَهُ بِهِ الديمُقْراطِيّةُ مِنْ إعْراضٍ أو عَداوةٍ أو مِن تَحايُلٍ لِلْإفادةِ مِنْ حَظْوَتِها في العالَمِ المُعاصِرِ بالجَمْعِ ما بَيْنَ ادِّعائها واجْتِنابِ الأَهَمِّ مِن بَيْنِ مَفاعيلِها. ولا يَصْمُدُ أَيْضاّ أَيُّ اسْتِهْجانٍ لِما تَحْظى بِهِ هَذِهِ الأَضْرابُ مِنَ الرَفْضِ مِنْ “شَعْبِيّةٍ” لا نَقَعُ عَلَيْها “جامِعةََ”، بِأيِّ حالٍ، ولَكِنْ يَسَعُها أنْ تَكونَ عَريضةّ جِدّاّ. وهيَ، أيْ هذهِ “الشَعْبِيّةُ”، ما يَسَعُ الطُغْيانَ، الغامِرَ الحُضورِ في عالَمِنا، أنْ يَبْقى مُعَوِّلاّ عَلَيْهِ أو مَوْعوداّ بِهِ، مَهْما يَبْلُغِ الطُغْيانُ مِنَ الشِدّةِ أو الهَمَجِيّة. فَإنّ قُصارى هَذهِ الوِجْهَةٍ أنْ تَكونَ تَجْسيداّ راهِناّ لِما أَطْلَقَ عَلَيْهِ لا بويسي اسْمَ “الرِقِّ الطَوْعِيِّ” أو تَعْبيراّ عَمّا سَمّاهُ مُعاصِرُنا أَريك فْروم “الخوفَ مِن الحُرِّيّة”. تِلْكَ حالٌ تَقَعُ المَسْؤولِيّةُ التَكْوينِيَّةُ عَنْها عَلى صفٍّ عَريضٍ من المُجْتَمَعاتِ، نُعايِنُهُ مُغَطِّياّ مُعْظَمَ صَفْحةِ العالَمِ المُعاصِرِ، وهو لا يَني يَتَقَبَّلُ الحالَ المُشارَ إلَيْها أو يَصْبِرُ عَلَيْها… ولا يَحْتاجُ إلى فَضْلِ بَيانٍ القَوْلُ بأنّهُ لا يَبْرَأُ مِن المَسْؤولِيّةِ نَفْسِها، عَلى أَيِّ وَجْهٍ، صَفُّ الديمُقْراطيّاتِ الذي يَتَصَدَّرُ هذا العالَمَ ويُديرُ دَفَّتَه…
أواسِطُ تَمّوز ٢٠٢٦
