تقديم
لا يأذن لبنان للعالم بنسيانه زمناً طويلاً. تلك حالٌ لا هي مدعاة فخرٍ ولا هي بالضرورة من حسن الطالع. فمعلومٌ أنّ بلاداً تُنسى، بمعنى الخروج من دائرة ما يسمّى “الأخبار”، تكون في العادة مستقرّةً على حالٍ أو ماضيةً على رَسْلها في طريقٍ مرسومٍ، ولا يبعدُ أن تستحقّ النسبة إلى نادي الدول “السعيدة” إن كان لهذه الصفة معنىً يُطْمأَنّ إليه في هذا المعرض. هذه ليست الصورة التي تصحّ فعلاً أو توشك أن تصحّ في لبنان مجتمعاً ودولة. فهو لا يطيل المكث على سكّة التعافي من عاصفةٍ مالت إلى الهدوء قبل أن تعصف به ريحٌ جديدةٌ أو يعاني مرّةً أخرى سكرات القلق على المصير، بما فيها ترقّب ما يحصُلُ له أو لا يحصُل من القريب والبعيد وما يُقْدِمُ عليه أو لا يُقْدِمُ أهلوه في النزاع المستأنف أو الجديد بينهم.
لا يطول نسيان لبنان أو تناسيه بأغيارٍ حافّين به وبآخرين من ذوي البأس موزّعين في أطراف الأرض. فكيف يستقيم التناسي أو النسيان لمن كان من بنيه أي ممّن لا يدعُهم لبنان لشأنهم إن هم صمّموا على أن يتركوه لشؤونه والشجون. والحقّ أنّني، وأنا واحدٌ من هؤلاء، تشاغلتُ أحياناً ولا أزال أتشاغل بهمومٍ ومُتَعٍ تساير مزاجي وبعضَ خبرتي وتقرن إلى هذه المسايرة بعض حلحلةٍ لإسار السياسة والحرب وما يتّصل بهما من أحوالٍ يملي عليّ انتمائي إلى بلادنا هذه مواصلة الاشتغال بما تطرحه من مسائل. على أنّ التشاغل المشار إليه، وإن يكن لم يلبث بلا ثمرةٍ تسوّغه، إلى درجةٍ ما، كان لا يلبث أن يسفر عن وجهه وينتهي إلى حدّه بما هو تشاغلٌ لا أكثر ولا أقلّ. فكنت أرتدّ من التشاغل الوقتيّ إلى الشاغل الدائم: أي إلى أحوال البلاد التي أنا منها مستنطقاً بعضاً من راهنها أو من سالفها يملي عليّ التأمّل فيه إلحاح الظرف أو إغراء الخبرة أو، في الراجح من الحالات، مزيجٌ من هذا وذاك. وكان يصحب ارتدادي إلى هذا المضمار شعورٌ بأنّه هو الأصليّ الذي تحسن بي ملازمته أو العودة إليه، في الأقلّ، طال تجوالي بعيداً عنه أم قَصُر.
في هذا الكتاب أرْجَحُ ما أثمرتْهُ ملازمتي هذا المضمار الأصليّ في عَقْدٍ ونصف عَقْدٍ سلَفا ولا يبدو أنّهما أفضيا إلى ما يصحّ اعتباره خاتمةً لما تكشّفا عنه من هزّاتٍ، ولكن يصحّ القول أنّ جُماعَ ذلك إنّما هو نكبةٌ تامّة الأوصاف وأنّ هذه النكبة لا تزال مفتوحةً، مع ذلك، لا يظهر لها آخِر. هي، في كلّ حالٍ، نحوٌ من ستّين مقالةً يستعيدها هذا الكتاب مواصلاً سيرة كتبٍ عدّةٍ أخرى، لبنانيّة الهمّ، أصدرتُها في أربعين سنةً وقد يصحّ ان يُعَدَّ آخرَها كتابٌ نُشِرَ في سنة ٢٠١٢…
المدّة التي تنتشرُ عليها مقالات هذا الكتاب مديدةٌ إذن بما يكفي ليستقيم تضافرها في صورةٍ شاملةٍ أو قريبةٍ من الشمول وبما يجعل ضمّها في كتابٍ واحدٍ شيئاً بيّن الاختلاف، بالتالي، عن نشرها واحدةً واحدةً في مدى هذه السنين كلّها. أقول هذا من غير أن يفوتني ميلُ الأولى من بينها (وأخرياتٍ تاليةٍ أيضاً ولو إلى درجةٍ أدنى أو على نطاقٍ أضيق) إلى تعمّد الإتيان بجردةٍ عامّةٍ لقرنٍ هو عمر الدولة اللبنانيّة… وهذا فيما يستوقف معظم المقالات الأخرى، القصيرة منها على الخصوص، طورٌ بعينه أو محورٌ متصدّرٌ في طورٍ أو مسألةٌ تحرّكت في وقتٍ ما أو عملٌ مفردٌ ظهر، إلخ.
ضبطتُ صورة هذا التنوّع في تصميمٍ اعتمدته للكتاب وزَّع المقالات بين خمسة أقسامٍ: أوّلها بنيويّ يتناول أحوال النظام والثاني “حركيٌّ” ينظر في ما شهدت البلاد وتشهد من صنوف الاضطراب وويلاته والثالثُ يحصي مسائل أو “قضايا” عَرَضت، في هذه السنين، ولمّا ينتهِ معظمها إلى مخرج… هذا فيما تستوقف مقالات الرابع قارئها أمام “أعمالٍ” مفردةٍ هي، على الإجمال، كتبٌ مختلفة الأنواع والأغراض… وفيما تنتمي مقالات القسم الأخير إلى باب الخبرة الشخصيّة، فيظهر فيها الكاتب فاعلاً مباشراً أو موضوعاً،على اختلاف مناسبات الظهور والأسباب… يلحق بتعدّد الأنواع أو الحقول اتّساعٌ بيّنٌ في مروحة الموضوعات المفردة: من ماجَرَياتِ السياسة والحرب إلى ما تجنحُ له قوى الطوائف من سلوكٍ ماليٍّ، ومن التعليم والأبحاث إلى مجرى العلاقات اللبنانيّة السوريّة، ومن قانون الانتخاب إلى نظام الأحوال الشخصيّة، ومن زمن التاريخ إلى زمن الرواية، إلخ. هذا وبين المحاضرة المسهبة أو “الورقة” المستتمّة التوثيق والمقالة الأسبوعيّة[1] القصيرة، تنوّعَ في كلّ قسمٍ نطاق المقالات وطولها وزاوية النظر فيها، ولكن على وحدةٍ مؤكّدةٍ في النَفَس وفي المَدار العامّ… وهذا إلى إفضاء مقالات القسم الواحد إلى نوعٍ من التضافر في لوحةٍ جامعةٍ، ولو أنّها تبقى لوحةً ناقصةً مهما تكثرْ عناصرها، بطبيعة الحال.
هاهنا لا بدّ لي من الاعتذار لبعضٍ من التكرار الذي أرجّح أن يستثقله القارئُ من مقالةٍ إلى أخرى في هذا المجموع. تلك سوأةٌ لم يكن منها مناصٌ – في تخميني – حيث المدارُ العامّ واحدٌ والمدّة مديدةٌ والمقاربات تتغاير، ولكن لا تستغني الواحدةُ منها عن التذكير بأظهَر أوصاف الجذع الذي هي فروعه. ولقد نظرتُ في إمكان التفادي من هذا التكرار أو من بعضه. ولكنْ ظهر لي أنّ حذف المشترك من هذا أو ذاك من مواضع ظهوره لا يخلو من إضرارٍ جسيمٍ (ولو مع الإحالة إلى موضعٍ آخر) بتماسك المقالة المعدّلة. وأمّا حذف هذه أو تلك من المقالات من أصلها، بسبب أسطرٍ منها وردَ ما يغني عنها في غير موضعٍ، فلم أجزه لشعوري بما يصيب المجموع بأسره من خسارةٍ من جَرّائه…
في كلّ حالٍ يحصل معظم التكرار في القسم الأوّل من الكتاب وعنوانه “نظام”. هذا العنوان فيه تفسيرٌ للواقعة إذ لم يكن بدٌّ في مقالاتٍ تتناول البنية: بنيةَ النظام الاجتماعيّ السياسيّ، من التنويه بالتحوّل الأبرز الذي حصلَ فيها في نصف القرن الأخير وهو استتباب الغلبة لصفة النظام الطائفيّة على سائر الأوصاف المميّزة بين أبعاده، وما أورثه هذا الاستتباب الجديد (وهو من جرائر حربنا المديدة على النظام) من أزمةٍ مفتوحةٍ باتت عصيّةً على العلاج، منذورةً للتفاقم.
**
هذا وما هو أهمّ، بلا ريبٍ، من الاعتذار لتكرار هذا التنويه إنّما هو التشديد على كون التحوّل المشار إليه آخذٌ بدوره في نوعٍ من الذواء أو التهالك يلاحظه المراقب فيما يُعدّ هذا الكتاب (وهو الحريص على إبرازه) للطبع! ليس مؤدّى هذا الذواء – إذا صحّ خبره – تراجع المقام الذي للطائفيّة في المجتمع أو في الدولة. فهذا بعيدٌ عن واقع الأحوال الجارية، والطائفيّة باقيةٌ سيّدةَ المواقف. وإنّما الجاري تهالكٌ في الداخل اللبنانيّ كلّه: في درجة قيامه بذاته وإحكام قبضه على زمامه، طوائفَ وطائفيّة. معلومٌ أنّ تصرّف الجماعات اللبنانيّة – وقواها السياسيّة على الخصوص – بشؤونها لم تكن مقاليده في أيديها وحدها (بل ولا في أيدي أهمّها بالدرجة الأولى) في ما انقضى من عقودٍ بعد الاستقلال. كانت القوى “الراعية” على مقربةٍ دائماً عند كلّ بادرةٍ ذات بال. ولكن كان يبقى للقيادات اللبنانيّة وللتنازع في ما بينها كثافةُ حضورٍ تجيز لها، في الغالب، زعم الاستقلال عن إمرة الراعي والاستجابة المثابرة لدواعي الداخل. ما حملته الأعوام القليلة الماضية (والأخيران منها، على الخصوص) شيءٌ آخر. فإنّ مقاليد البلاد باتت اليومَ ماثلةً في أيدي قوى العالم والمحيط المتصدّرة توجّهها على هديِ النزاع الإقليميّ الجاري بأشدّ صوره عنفاً وأوثقها اتّصالاً بالصراع الدوليّ في أوسع حلباته. هذه المقاليد باتت فاقعة الألوان غليظةً إلى حدٍّ يحصر في مراقبة حركتها وانتظار توجّهاتها والانفعال بتلك وبهذه جُلَّ ما في البلاد من سياسةٍ وما في أيدي أهلها وقواهم السياسيّة من نصيبٍ من التصرّف بمصيرها.
تلك هي الحالُ اليوم. واختلافها بيّنٌ عمّا كانت الحربُ اللبنانيّةُ قد جاءت به من تحوّلٍ يتكرّر ذكره في مقالات هذا الكتاب. وقد كان للهزيمة التي حاقت بالحزب الخمينيّ في مواجهته لإسرائيل وقعٌ جسيمٌ في رسم الصورة الجديدة لواقع البلاد وسيرورته المحتملة. ولكنّ هذا التهافت الذي حلّ بالداخل اللبنانيّ كلّه دولةً وطوائفَ ليس ابن العامين الأخيرين حصراً. فإنّما هو أيضاً وريث “المناهبة” الموصوفة في بعض هذا الكتاب، وقد خرجت أثقالها إلى الساحة العامّة في سنة ٢٠١٩ وزاد من مفاعيلها (وبين أهمًها ضرب ما كان للداخل من استقلالٍ) دمار الحرب الأخيرة بسائر وجوهه. صحبَ هذا كلّه أو تقدّمه بأعوامٍ قليلةٍ ما أخذت الطوائف الثلاث الكبرى تتلقّاه تباعاً من ضرباتٍ خارجيّة المصدر. فإنّ تضعضع القيادة الحريريّة للسنّة، على وقع التخلّي السعوديّ، بما مثلّه من إنهاكٍ سياسيٍّ للطائفة كلّها، لم يعوّضه شيءٌ يُعْتدّ به. ولم تلبث إحدى القوّتين المارونيّتين الرئيستين أن سلكت في مساق تآكلٍ سياسيٍّ متدرّجٍ زاد في حدّته مغادرة مؤسّسها كرسيّ الرئاسة ثمّ تراخي الحلف بينها وبين القوّة الشيعيّة ذات البأس، وهي التي لم يلبث دخولُها الحرب أن أخذ يجعلُ من الأزمة الماليّة العامّة (بما فيها ما جرّته الحربُ من أضرارٍ) سبيلاً (سهّله سقوطُ النظام الأسديّ) إلى إحكام محاصرتِها. في النطاق المسيحيّ، لا دليلَ ثابتاً على نجاح محور القوّات اللبنانيّة والكتائب (ولو مع قدْرٍ من الحدبِ السعوديّ) في الاستحواذ على ما يخرج من رأسمالٍ سياسيٍّ من حوزة التيّار العونيّ.
أخيراً تستوجب مزيداً من الجلاء، عند النظر في ما لاحظناه من تَهاوٍ للداخل اللبنانيّ، بما فيه تهالك الفاعليّة السياسيّة للطوائف، حالةُ الحزب الشيعيّ المسلّح، إذ هي في موقع القلب من الظاهرة المشار إليها. من إسناده غزّة في وجه الردّ الإسرائيليّ على حملة “حماس” في ٧ أكتوبر، وهو ما راح ينقلب باطّرادٍ إلى حرب إبادةٍ، حصد الحزبُ، والبلادُ معه، هزيمةً مزلزلة… على أنّه لبث رافعاً علامة النصر وكأنّما النصرُ والهزيمةُ شأنٌ نفسيٌّ بحتٌ لا دخلَ له بوقائع الميدان. وهذا موقفٌ لا يعصي على الفهم إذا حفزه الإصرار على ملازمة السيرة نفسها، وعنوانها الأوّل السلاح، ولم يتحصّل اقتناعٌ بالاقتصار على مسارٍ مغايرٍ أو أيضاً لم يتحصّل إمكانٌ ثابتٌ لبقاء الحزب أصلاً إذا هو غادر النهج المسلّح. على أنّ السلاح الذي ألزم الحزب بافتتاح “حرب الإسناد” تحت طائلة اضمحلال العلّة المسوّغة لوجوده، لا يبعد، مع إنكار الحزب الهزيمة، أن يحملَه، ومعه البلاد، مسوقاً بحفزٍ من اغتيال العدوّ اليوميّ لمقاتليه ومن نفاد الصبر على هذا النكال في صفوفه وفي محيطه، على استدراج مقتلةٍ ودمارٍ مستأنفين يرجّح أن يتفوّقا بقبائحهما على ما سلف كلّه. ففي الأشهر التي انقضت على وقف القتال المزعوم بشروطه المشؤومة التي أملت الهزيمة الرضوخ لها، ردّد الحزب أنّه يمنح الدولة مهلةً لتحرير ما بقي محتلّاً من المواقع ولاسترداد الأسرى ووقف أعمال العدوان اليوميّة بالسعي السياسيّ. ولكنّ هذا الأمر بقي بعيداً وبقي الحزب نفسه مستمسكاً بسلاحه ما استمرّ هذا البعد وما لم تبرز الدولة خطّةً ناجزةً للدفاع عن البلاد تستوعب هذا السلاح أو يُستغنى بها عنه. غنيٌّ عن البيان أنّ “الصبر على الدولة” إنّما هو حجابٌ شفّافٌ للعجز الراهن عن القتال وليس إقراراً متأخّراً بحقٍّ أصليٍّ للدولة طالما أُنكر عليها. ولكن كم يصمدُ هذا الإحجام الذي طالَ وطالَ معه إصرار العدوّ الهائج على المضيّ في عدوانه قدماً؟
***
ما العمَلُ والحالة هذه؟ ما يزيد الإجابة عسراً حالُ التهالك الجامع التي باتت تسود البلاد بما هي “داخلٌ”، وهي ما وصفنا، وهي ما يقابله العدوان وإسلاس القياد الإلزاميّ للقوّة الأميركيّة، راعية إسرائيل وشريكتها الكبرى، وهي القوْة التي فرضت نفسها، في هذا العهد، بديلاً شبه كلّيٍّ (لا قوّةً غالبةً وحسبُ) لما كنّا نجعلُه مسمّىً لعبارة “المجتمع الدوليّ” ونعوّل عليه كثيراً أو قليلاً. وأمّا التهالك المستشري في ديارنا فبعيدٌ عن أن يثمر شعوراً بوحدة الحال مضيّقاً للفجوات، في الأقلّ. بل هو يثمر المزيد من الجنوح إلى المشاحنة والتفكّك الوطنيّ، وهذه سكةٌ أخرى تسلكها إلى ديارنا أخطارٌ باتت محدقةً بنا من كلّ حدبٍ وصوب. وهي سكّةٌ يوطّدها تَواصُلُ التنازع الأهليّ في سوريا واتّخاذه لبوساً طائفيّاً يفتحه على العبث الخارجيّ، الإسرائيليّ أوّلاً، ويُدرجهُ في التنازع على سوريا… ليس هيّناً أن يطمئنّ واحدنا اليوم إلى تصرّفٍ ذي وجاهةٍ إستراتيجيّةٍ يقترحُه ولا هو هيّنٌ أن يجدَ من يتوجّه إليه بالاقتراح.
هذا ما نحن فيه الآن إذن، وهو ثقيلٌ جدّاً على ما بقي لنا من قوىً. لا يؤملُ فوق هذا أن يتزحزح هذا العبءُ عن كواهلنا ما لم يُزحزحه تغييرٌ جسيمٌ في الحبكة الإقليميّة الدوليّة الآخذة بخناقنا. ذاك تغييرٌ لا نتبيّن له صورةً في يومنا الحاضر ولا نعلم إن كان سيحصل ولا متى. وأمّا الكيفيّة التي انسَقْنا بها إلى حيث نحن الآن فجهدَت مقالات هذا الكتاب في جلاء الكثير من ملامحها والأطوار.
بلتيمور، أواخر تمّوز ٢٠٢٥
[1] كان بعض المقالات الأسبوعيّة قد نُشر في حلقاتٍ (اثنتين إلى خمسٍ) فأعدتُ إلى كلٍّ منها وحدته في هذا الكتاب.
