مع كلّ فَصْلٍ مَضى من فُصولِ الحَرْبِ، ازدادَ الاحتِلالُ اتّساعاً وازدادَ اللبنانيّونَ انْقِساماً – بل تَشَتُّتاً – فضلاً عن الموتِ والخسارةِ، وازدادَ لُبْنانُ بأسْرِهِ تَهالُكاً…
وابتِداءً من تشرين الثاني ٢٠٢٤، عُقِدَت اتّفاقاتٌ تبارَت في السوءِ ففاقَ كلٌّ منها ما سَبَقَهُ سوءاً. وهذا مع أنّ المسؤولينَ عنْها لم يكونوا في جهةٍ واحدةٍ من جِهَتي الجبهةِ الداخليّة…والأخيرُ من هذه الاتّفاقاتِ أسْوَؤها، لا مَراءَ، وحُظوظَه في الديمومةِ أو النَفاذِ، مع ذلكَ، أضْألُ مِن إضرارِهِ بموقعِ البلادِ في مَسارِ المواجَهةِ العامّةِ وبحصانةِ اللبنانيّينَ على العُنْفِ الأهلِيّ.
وأمّا القَولُ أنّ المفاوضةَ الإيرانيّةَ الأميركيّةَ كانَ يسَعُها أن تُلْزِمَ المُحْتَلَّ بالجلاءِ عن الجنوبِ فيُهْمِلُ، أوّلاً، كونَ هذا الجَلاءِ شيئاً أعْسَرَ بِما لا يُقاسُ من وقفِ نارٍ يعرِفُ المحتلُّ أنّ في وسعِهِ خَرْقَهُ كلَّ يومٍ، بل إسقاطَهُ كلّيّاً حالَما يَلْزَمُ الأمرُ أو تَسْنَحُ الفُرصة. فَلا يُتَوقّعُ البتّةَ أن يلتَزمَ المًحْتَلُّ بالجلاءِ، بعْدَ مُفاوَضةٍ لا يرى نَفْسَهُ طَرَفاً فيها، وهذا من غيرِ ثمَنٍ يَتَحَصَّلُ له، في نِطاقِ مطامعِهِ اللبنانيّةِ، ومن غيرِ مفاوضةٍ للجهةِ المُرَشّحةِ لأداءِ الثَمَنِ المذكور.
إلى هذا، لا بُدَّ من التَنويهِ بأنّ التعويلَ على مفاوضةٍ ليسَت السُلُطاتُ اللبنانيّةُ طَرَفاً فيها ليسَ إضراراً جَسيماً بمَوقِعِ الدولةِ المُتَهاوي أصلاً وحَسْبُ، بل هُوَ أيضاً مَيْلٌ بِميزانِ القُوى الداخليِّ، الأهليِّ منهُ والرَسْميِّ، نحوَ جهةٍ يُخاصِمُها الحْكْمُ الحالِيُّ وتُخاصِمُهُ، وإن تَكُنْ شَريكةً فيه. هذا الاعتبارُ الأخيرُ واضحُ الحُضورِ في مسالكِ الحكْمِ القائمِ وفي مَسالِكِ خُصومِهِ قَبْلَ المفاوضةِ الأخيرةِ وفيها وهو باقي الحضورِ بَعْدَها.
وأمّا تَفاصيلُ الاتّفاقِ الجَديدِ – وقد تَناوَلها كثيرونَ بِما يُناسِبُ وما لا يُناسِب – ففيها تَعابيرُ مُذِلّةٌ فاقعةٌ عن هزيمةٍ لبنانيّةٍ لا لَبْسَ فيها ولا يُنْذِرُ اسْتِمرارُ الحرْبِ إلّا بتَفاقُمِها وبانْتِشارِ ما تَضُخُّه من سُمومٍ في صفوفِ اللبنانيّينَ أيضاً.
يجوزُ القولُ إذَنْ – إذا جازَ اسْتيحاءُ الآيةِ – أنّه “كُلّما دَخَلَ اتّفاقٌ لَعَنَ أخاه”!… ولا بَراءةَ من هذه النكبةِ لأحَدٍ: لا لِمن زَجّ لبنان في الحَرْبِ ولا لِمن يَتَخَبّطُ ويُفَرِّطُ دونَ اقْتِدارٍ يُذْكَرُ على إخراجِهِ مِنْها. لا بَراءةَ، على الأخَصِّ، لمَن سَيَدّعي نَقْداً ذاتِيّاً، بَعْدَ عشرِ سَنَواتٍ أو عِشرينَ، زاعِماً، مَثَلاً، أنّه لم يُدْرِكْ، حينَ كانَ يَنْفَعُ الإدراكَ، أنّه ماضٍ في تَحْميلِ لُبْنانَ ما لا طاقةَ للُبْنانَ بِحَمْلِه!…
فاتَ الأوانُ… بَل فاتَت آوِنةٌ كثيرةٌ، في مَدى السنينِ: أواناً يَنْطَحُ أواناً.