هذه صورةٌ وكلمةٌ في رثاءِ ما يُقالُ لَنا ألّا نأبَهَ لضَياعِه…
هذه مقاعِدُ وجَدتُها عام ٢٠٠٠ في غرفةٍ “صَمَدَت” من بيتِنا الوالديّ الذي كانَ قد زلزلهُ عامانِ من القصفِ المتكَرِّر تلاهُما ٢٢ سنةً من الاحتلالِ والهُجران.
كانت مكسوّةً بغُبارٍ سميكٍ وقد هتَكَ كسوتَها الأصلِيّةَ الزمنُ والجُرذان… ولكنّ خَشَبَها الصُلبَ (وهو القطرانيُّ الثقيلُ الذي كانت تُتّخذُ منه جُسورُ السُقوفِ القديمة) لم يَكن مَسّه أدنى ضَرَر…
جَدّدتُ كسوَتَها بما يَليقُ وجعَلْتُها في صَدارة بيتِنا الجديد. وجعَلتُ، في مواضعَ أخرى من البيتِ، “مَواعينَ”وأشياءَ قليلةً، متواضِعةً جدّاّ، كانت، مع المقاعدِ، كلَّ ما تبقّى في بيتِ أهلي، الفَسيحِ في أيّامِهِ، الذي كان كلُّ ما (ومَنْ) فيه متواضِعاً أصلاً.
هذه المقاعدُ صَنَعَها لِمَضافةِ والدي، في مطلَع الخَمسيناتِ من القرنِ الماضي، نَجّارٌ من بنت جبيل كان يُدعى يوسف محمود بَزّي. فتكونُ قد بَلَغَت، في هذه الأيّام، ثلاثةَ أرباعِ القرنِ من عُمْرِها الذي قَصَفَتْهُ نَكْبَتُنا الجارية.
هذه المَقاعدُ ما كانَ أيٌّ من تُجّارِ العَتيقِ لِيشتريها بما يَتَعدّى تُرابَ الفُلوس…
هذه المقاعدُ عُنْصُرٌ واحِدٌ من عناصِرَ لا تُحْصى، ولا تُحَدُّ صُورُها وأنواعُها، يتشَكّلُ منها ما يُسَمّيهِ البعضُ من أصحابِ البُيوتِ المهدورةِ “روح البيت”.
وحين يشعرُ صاحبُ البيتِ بروحِ بيتِه ساكنةً في روحِه، يصبِحُ عاجزاً كلّيّاً – إي وحَياتِكُم! – عن تصديقِ القولِ السائرِ: “سنُعيدُها أحسنَ مِمّا كانت”!
الشهر: أفريل 2026
النيتشويّون الماركسيّون ونكبة بنت جبيل
هو إذن عَوْدٌ على بدء!
هذه (في ذروة فجيعتنا) هديّةٌ فَكِهةٌ مُستعادةٌ، أرسِلُها إلى نيتشويّينا الماركسيّين من أصحابِ “العَوْدِ الأبَديّ”، القائلين بأنّه لا بُدَّ ممّا ليس منه بُدُّ وأنّهم لا يستقدِمون ساعةّ ولا يستأخرون، والقادرين – مع ذلك – على الإتيان بمعجزةِ توقُّعِ الأشياءِ بَعْدَ حُصولِها… نَجّى اللهُ بلادَنا من كلّ احتلالٍ وجنّبها شرّ مؤازريه، عَمْداً أو اتّفاقاً، طَوْعاً أو كُرْهاً، بالنَظَر أو بالعمل:
هيذي مْدينة بنت جبيلْ / عنوان بْلاد بشارة
إجاها نيجر باللَيْل / وْحَكّم فيها الطيّارة
حَكَمْ عليها بالويل / وْعَلّمْها كيف الغارة
أكَلَتْها كِمّ وْذَيْل / شو كان بَدْها بهالعلْقة؟
(الشيخ محمّد نجيب مروّة العاملي – ١٩٢٠)
-بلاد بشارة: اسمٌ تاريخيٌّ للشطر الجنوبيّ من جبل عامل (أي – تقريباً – لما يُسمّى اليوم “جنوب الليطاني”).
- الكولونيل Émile Nieger : قائد الحملة الفرنسيّة على جبل عامل، في ربيع ١٩٢٠. وكان سببها المُعْلَن أحداثُ عنفٍ طائفيٍّ وقعَت، أبرزها مجزرة عين إبل. وفيها قُصِفت بنت جبيل بالطيران. وحين دخلها العسكر و”المتطوّعة”، كان أهلها قد هجروها إلى قرى الجليل القريبة، فنُهِبَت وأحرِقت. وكان نصيبها وحدها عشرة آلافٍ من مائة ألف ذهبيّةٍ فُرِضت غَرامةً على الجبل وانتهى الفساد والطمع إلى جبايتِها مُثَقَّلةً، فأفقرَت أهله.
- “أكَلَتْها كِمّ وْذَيل: نُكِبَت من أدناها إلى أقصاها…
عقل العويط عن مثقّفي جبل عامل
رسالة إلى أهلي وأرضي في جبل عامل
عقل العويط
إلى أحمد بيضون، عبّاس بيضون، جهاد الزين، علي حرب، علي الأمين، حسن جوني، علويّة صبح، منى فيلض، أنيسة الأمين، جمانة حدّاد، حسن داوود، شوقي بزيع، وضّاح شرارة، محمّد أبي سمرا، حمزة عبود، يوسف بزي، يحيى جابر…
وإنّما أنتم عينةٌ من بحرٍ، ونبعٌ من ينابيع، ونهرٌ من أنهارٍ، وسهلٌ من سهولٍ، وعلاماتٌ مضيئةٌ في حلكةٍ، وإشاراتٌ رمزيّةٌ تنفتح وتمتدّ إلى جيلٍ وأجيال، وعمرٍ وأعمار، وغمرٍ وأغمار، إلى آخرين يستحقّون أنْ يُذكَروا معكم بوقار؛ كثيراتٍ وكثرًا، مواطنين وأفرادًا عاديّين وفلّاحين ومزارعين ورؤيويّين ومفكّرين وكتّابًا وشعراء وفنّانين ونقّادًا وعارفين وعقلاء وحكماء وأحرارًا، وعابرين في الظلال، أحياءً وموتى (منكم حسين مروّة ومهدي عامل وكامل مروّة وحبيب صادق وهاني فحص وكريم مروّة ومحمّد دكروب ومحمّد حسين شمس الدين ومحمّد العبدالله وحسن العبدالله…)، من أعمال جبل عامل، كنايةً عن عباقرته وأهله أجمعين.
أنتم لستم تفصيلًا في زمنٍ عابرٍ، ولا هوامش تُقاسُ على تحوّلات القوى والرايات. وُجِدتم قبل كلّ تسمية، وعشتم خلالها، وستبقون بعدها، لأنّ ما يصنعكم لا يُختَصر بانتماءٍ، ولا يُستنفد في خطاب. قيمتكم في ذواتكم؛ في قدرتكم على أن تكونوا أفرادًا كاملين ونبلاء وأشاوس في أرضٍ تُغري بالذوبان في الجماعة، وفي وفائكم لما لا يُرى ولا يُكافأ.
أكرّر: إليكم أنتم، كنايةً عن أهل جبل عامل، شعرائه وكتّابه وفنّانيه ومفكّريه وعشّاقه وناسه الطيّبين المزروعين في الوعر، وإلى كلّ من صان مسافةً بينه وبين “الجموع”، ولم يُسلّم صوته لليقينيّات الجاهزة، يليق بكم احترامٌ يوازي وقوفكم العظيم في العاصفة الهوجاء، ويليق بكم تكريمٌ يلاقي صمتكم، وتوقيرٌ لا يحتاج إلى إعلان.
أنتم لستم صدًى لمرحلة، بل نبرةٌ نبيلةٌ وفريدةٌ وخاصّة رفضتْ أنْ تُختَزَل. كتبتم وشهدتم لا لتؤكّدوا ما هو قائمٌ، بل لتُبقوا المعنى ممكنًا حين يضيق.
لم تغرّكم الرايات والأسلحة والدعوات القياميّة، ولا أغرتكم السلطة الرمزيّة التي تمنحها الجماعات لأبنائها المطيعين. اخترتم الطريق الأصعب: أنْ تكونوا أنفسكم، وأنْ تكونوا فحسب، وأن تدفعوا ثمن ذلك، بلا شكوى وبلا ادّعاء. وفي هذا، يكمن جوهر ما يستحقّ الاحترام: استقلالٌ دفينٌ وبنيويٌّ وعضويٌّ لا يعلو صوته، لكنّه لا ينحني ولا ينكسر.
تحيّةٌ إليكم، لا تُلقي عليكم عبءَ تمثيلِ أحدٍ، بل تُعيد إليكم ما هو لكم أصلًا: حقّكم في أنْ تُقرأ حيواتكم وكلماتكم وأفعالكم وتجاربكم وآراؤكم وأفكاركم وشهاداتكم وحضوركم الإنسانيّ، بوصفها أفعالَ حريّة، وأنْ تُرى كاختبارٍ دائمٍ للمعنى، لا كملحقٍ لأيِّ زمنٍ أو سلطةٍ، أو وليٍّ وزعيم.
أنتم لستم “قبل” أو “بعد”. أنتم في صميم ما يبقى، حين يمرّ كلّ شيء.
هذه هي أرضكم، هذه الأرض اللبنانيّة الأصيلة، حين تُذكَر بلا ادّعاء، لا تطلب سوى أن تُرى كما هي: طبقةً من كرامةٍ وإبداعٍٍ وتمايزٍ وتعبٍ وجهدٍ، متراكمة، وذاكرةً لا تنطفئ، ونَفَسًا رقراقًا ومزهرًا يعاند الانمحاء.
هي أرضٌ، هي أرضٌ، وليست في حاجةٍ إلى مديحٍٍٍ صاخبٍ، ولا إلى خطاباتٍ تُثقِلها بما ليس فيها. يكفي أن تُلمَس برفقٍ، وأن يُصغى إليها كما يُصغى إلى جرحٍ قديمٍ، إلى عشقٍ تعلّم أن يشهد بصمت.
هناك، في جبل عامل، حيث تتعاشق الأنسام والشموس والأقمار والنظرات والأفئدة والقرى والسهول والوديان والأنهر والظلال كأنّها بقايا صلاةٍ طويلة، ليس الشعرُ فيها، والأدبُ، والفنّ، والثقافة، والفكرُ، والعقلُ، والأنسنة، زينةً، بل ضرورة.
الكلماتُ هناك، لا تُكتَب لتُقال، بل لتبقى، كترابٍ لا ينشف ولا يجفّ ولا يزول، كموهبةٍ قصوى، كحجارةٍ في جدارٍ يعرفُ أنّه قد ينهار، لكنّه يتغاوى بما فيه من معنى.
أنتم يا عشّاق الحياة والأرض، يا شعراءها، وكتّابها، وفنّانيها، ومفكّريها، الذين لم تُسلّموا أرواحكم لليقينيّات المغلقة، ولم تختبئوا خلف أيديولوجيّاتٍ تُميت السؤال، أنتم لستم استثناءً، بل أنتم، في كراماتكم الأليمة، في أوجاعكم الوجوديّة، وفي حضوركم الأبيّ، القاعدةُ التي لا تُعلن نفسها.، ولا تتباهى بنفسها.
تعرفون أنّ الانتماء ليس شعارًا، بل امتحانٌ يوميّ: أنْ تبقى وفيًّا لما لا يُكافئكَ، وأنْ تُنصت لما لا يُسمَع، وأنْ تكتب كما لو أن الكتابةَ شكلٌ من أشكال البقاء، لا التزيين.
ولأنّكم كذلك، لا تحتاجون إلى تحيّةٍ رسميّة، ولا إلى احتفاءٍ يُشبه المناسبات.
تحيّتي أنْ تُترَك البيوتُ لكم، والأمكنةُ، والأهل، والمعاني، والأفكارُ، والقيمُ، والمعاييرُ، والماضي، والحاضرُ والمستقبلُ، وأنْ تُترَكوا إلى بيوتكم، إلى أهلكم، إلى صدقكم، إلى نبلكم، إلى كبريائكم، وأنْ يُعترَف بأنّكم ضمير الأرض ووجدانها، وحَمَلةُ ما تبقّى من خيطٍ دقيقٍ يربط الإنسانَ بوجوده، دون أنْ يخنقَه بها. تحيّتي إليكم أنْ يُقال، بهدوءٍ: إنّكم، في هذا الزمن الخطير والملتبس، لم تساوموا على المعنى.
الأرضُ اللبنانيةُ لا تُكافئ كثيرًا. لكنّها، في لحظاتٍ نادرة، تعطي مَن يشبهها: قسوةً صافية، ونورًا خافتًا يكفي لكي لا يضيع الطريق تمامًا.
أنتم لا تطلبون أكثر من ذلك. وأنتم تستحقّون أكثر.
سلامي إليكم.
قصيدة عبّاس بيضون
https://www.almodon.com/culture/2026/04/17/%D8%A8%D9%84%D8%AF-%D8%A3%D8%A8%D9%8A
بلد ابي
الى احمد بيضون
بنت جبيل بلد ابي
لا ينام في ثراها ولن انام
دمارها هو كل ما ورثناه
كانت لنا حياة
لكنها الأن بلا اثر
كان لنا بيت لم نسمه
وخرجنا منه بلا اسم
الذكريات لا كلمات لها
فقط رسوم واحيانا مجرد شطوب
ورائحة بارود
هذه صفحة ملائمة للحقيقة
التي تستمر خرساء
تستمر بضلع ناقص
وباستعداد لتكون غائمة
لتكون حجرا وراء الغيم
او شكل حجر
صوتا لا نعرف متى يتوقف
او متى يملك حجما
الزوال له ايضا جسم
الاسماء الغاربة
تترك انقاضا في كل مكان
لا احجار لاعادة هذه الرجمة
ولا عائلة لهذا الدخان
اذ نشتري كل هذا الخراب برأس واحد
اذ نترك للبقية تلك الكسرة الزائدة
اذ ينهض من الركام ذلك الشفق الساكت
لقد بقي هناك روح للمنزل
للكاميرات والقمصان
والألات على الشرفة وبطاقات الزوار
الا عودوا
ان كان هناك باب بعد
عودوا بدون ان تدري الجدران
ولا الكتب التي سكناها في يوم
السجاجيد التي اطعمناها عيوننا
او الذكريات التي طارت الى السقف
عودوا باسمائكم وحدها
بقبور أبائكم التي سرقوها
عودوا الى حيث لن تناموا
لن تتركوا ظلا او خبرا
الى حيث عاشت الاشجار اكثر
الى حيث للطرائد ذات الرائحة
وللقناصين ذات الفم
ملاحظات على اتّفاق ١٦ نيسان
تكفي قراءةٌ أولى لاتّفاق أمس لملاحظة ما يلي:
حفظ الاتّفاق حقّ إسرائيل الشهير وحدها في “الدفاع عن النفس”، (الحقّ نفسه الذي غطّى الإبادة في غزّة) فلم ينصّ على “حقّ كلٍّ من الدولتين في الدفاع عن النفس”، لا سمح الله!
أعلن الاتّفاق أنّ الدولتين “ليستا في حالة حربٍ” وهذا إعلانٌ تخطف جِدّتُه البصَر لأنّ الدولتين في حالة هدنة منذ عام ١٩٤٩، وهو ما يعني قانوناً (على حدّ علمي القاصر) أنّهما باقيتان في حالة حربٍ ولكن تفاهمتا على وقفِ الأعمال الحربيّة إلى أجلٍ غير مسمّى… ولو كان الأمر غير هذا لبطلت الحاجة إلى التوجّه نحو عقد اتّفاق سلام، على ما يؤكّده الاتّفاق.
عاود الاتّفاق تأكيد حقّ الاستنساب الإسرائيليّ المطلق في “مواجهة أيّ هجّمات مخطّطةٍ أو وشيكةٍ أو جارية”، وهو ما كان اتّفاق ٢٧ تشرين ٢٠٢٤ الذليل قد نوّه بما يشبهه ولكن مع شيءٍ من التقييد بتبليغ “الميكانيزم” المعلوم الذي خلا من ذكره الاتّفاق الحالي. وهو أيضاً ما انتهى إلى أزيدَ من ٤٠٠ لبنانيٍّ اغتيلوا، فضلاً عن جرحى أوفر عدداً ودمارٍ مضاف. وهو أخيراً ما كان السبب الثاني لاستئناف القتال من الجهة اللبنانيّة (السبب الأوّل – بترتيب الإعلان – كان الثأر للمرشد الإيراني)…
عاود الاتّفاق تأكيد مسؤوليّة دولتنا عن حصر السلاح بيد ما سمّاه “الأجهزة الأمنية اللبنانيّة” (جاعلاً الجيش واحداً منها!) وعن منع النشاط المسلّح لأيّة جهةٍ أخرى… جاعلاً الحصر والمنع مطلقين هذه المرّة، غير مقيّدين لا ب”جنوب الليطاني” ابتداءً ولا بمرجعيّة القرار ١٧٠١…
كانت مدّة اتّفاق ٢٧ تشرين ستّين يوماً فيما مدّة اتّفاق أمس (المقدّم على أنّه “بادرة حسن نيّة من قِبَل حكومة إسرائيل”!) عشرة أيّام. وكان الاتّفاق السابق ينصّ على الانسحاب الإسرائيليّ التامّ من الأراضي اللبنانيّة في مدّته المشار إليها فيما يخلو الاتّفاق الحاليّ من أدنى ذِكرٍ للاحتلال الذي توسّع كثيراً وتوطّد واستكمل معه (في مَساق إنشاء “المنطقة العازلة”) تدمير مدينة الخيام ودُمّرت مدينة بنت جبيل وقرى وبلداتٌ عزيزةٌ أخرى. هذا إلى إعلان رئيس الحكومة الإسرائيليّ، مع إعلان الاتّفاق، أنّ جيشه باقٍ حيث هو.
هذا – حتّى إشعارٍ آخر – أبرز ما وجدته مستأهلاً الإشارة في نصّ هذا الاتّفاق الذي كلّف ما أحصاه عشرات الفسابكة غيري فلا أحتاج إلى تكراره.
هذا الاتّفاق هو الذي بصمت عليه الدولة اللبنانيّة وسائر القوى السياسيّة في لبنان وأوّلها الحزب المقاتل (وأبصم عليه بدوري “أنا العبد الحقير الذي ليس بطريرك إنطاكية وسائر المشرق”). وهو أخيراً الذي أطلقت قذائف الـ b7. ابتهاجاً به في ضاحية بيروت، فيما لا يزال القتلى تحت دمار بيوتِنا والاحتلال جاثماً حيث هو… هل هؤلاء بشرٌ أم بلاط قبور؟
الاحتلال
الاحتلال
بدمائنا اشْتَرينا هذا الاحتلال،
كنّا نعلمُ أنّنا بالِغوهُ، لا بُدّ!
بالِغوه ولو بشِقّ الأنفُس
طالَ بنا عهدُ خُسرانِه وها قد اسْتَعدْناه
مِراراً أشَرْنا له بالسبّابةِ وبالوسطى:
أنْ عُدْ لا تألَفْ فِراقَنا
عُدْ هَجِّرْنا مرّةً أخرى
من هذه البيوتِ التي أنشأناها مرّةً أخرى
أو هَجِّر البُيوتَ مرّةً أخرى مِن صُوَرِها وصُوَرِنا!
هَجِّرْها أشْلاءً فَوْقَ أَشْلائنا!…
بَلى! حَصَّلْناهُ مُجَدّداً: هذا القَبيحُ المُشْتهى
تقلَّصَ وتمدَّد كثيراً ونحنُ مستَميتونَ في مُعانَدَتِه
فَكانَ أن حَصّلْناهُ بفخرٍ لا مزيدَ عليه
هو المِسْخُ الذي اتّخَذْناه معنىً لِحياتِنا
قَريناً لسَرائرنا،
أحْكَم وِثاقَنا وأخَذَ بخِناقِنا شاكراً
قُلْنا: نَدْحَرُه بعدَ حينٍ
أو يَدْحَرُه أولادُنا،
نقولُ: ذاكَ ما يُقالُ لهُ المستقبل،
ونقولُ: باتَ يُقالُ لهُ الماضي أيضاً…
بأعمارٍ وأرضٍ وعمرانٍ قايَضْنا الاحتِلالَ الآن،
ولأولادِنا نغادر أمجاداً ادَّخَرْناها
وأخرى لَفَّقْناها…
في رُبعِ عَقْدٍ أو في رُبْعِ قرنٍ
أو في أزيَدَ من نصفِ قرنٍ
أو في قرنٍ أو يزيدُ قليلاً
لم نتعب فيها من اسْتِضافةِ الموتِ في صدارةِ البيوتِ والساحات،
مِن اسْتِعجالِهِ بِما يُصِمُّ أُذُنَيه إذا أبْطَأ…
ولأولادنا نغادر أمجاداً وخرائب،
نغادر لهم خرائبَ دِيارٍ وخرائبَ أعمار
ومَدافنَ عامرةً لأيّامِ البَطالة
وأرصفةً تؤويهم على مضض…