فاتَ الأوان!

https://www.almodon.com/culture/2026/06/30/%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A7-%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D9%84%D8%B9%D9%86-%D8%A3%D8%AE%D8%A7%D9%87

مع كلّ فَصْلٍ مَضى من فُصولِ الحَرْبِ، ازدادَ الاحتِلالُ اتّساعاً وازدادَ اللبنانيّونَ انْقِساماً – بل تَشَتُّتاً – فضلاً عن الموتِ والخسارةِ، وازدادَ لُبْنانُ بأسْرِهِ تَهالُكاً…

وابتِداءً من تشرين الثاني ٢٠٢٤، عُقِدَت اتّفاقاتٌ تبارَت في السوءِ ففاقَ كلٌّ منها ما سَبَقَهُ سوءاً. وهذا مع أنّ المسؤولينَ عنْها لم يكونوا في جهةٍ واحدةٍ من جِهَتي الجبهةِ الداخليّة…والأخيرُ من هذه الاتّفاقاتِ أسْوَؤها، لا مَراءَ، وحُظوظَه في الديمومةِ أو النَفاذِ، مع ذلكَ، أضْألُ مِن إضرارِهِ بموقعِ البلادِ في مَسارِ المواجَهةِ العامّةِ وبحصانةِ اللبنانيّينَ على العُنْفِ الأهلِيّ.

وأمّا القَولُ أنّ المفاوضةَ الإيرانيّةَ الأميركيّةَ كانَ يسَعُها أن تُلْزِمَ المُحْتَلَّ بالجلاءِ عن الجنوبِ فيُهْمِلُ، أوّلاً، كونَ هذا الجَلاءِ شيئاً أعْسَرَ بِما لا يُقاسُ من وقفِ نارٍ يعرِفُ المحتلُّ أنّ في وسعِهِ خَرْقَهُ كلَّ يومٍ، بل إسقاطَهُ كلّيّاً حالَما يَلْزَمُ الأمرُ أو تَسْنَحُ الفُرصة. فَلا يُتَوقّعُ البتّةَ أن يلتَزمَ المًحْتَلُّ بالجلاءِ، بعْدَ مُفاوَضةٍ لا يرى نَفْسَهُ طَرَفاً فيها، وهذا من غيرِ ثمَنٍ يَتَحَصَّلُ له، في نِطاقِ مطامعِهِ اللبنانيّةِ، ومن غيرِ مفاوضةٍ للجهةِ المُرَشّحةِ لأداءِ الثَمَنِ المذكور.

إلى هذا، لا بُدَّ من التَنويهِ بأنّ التعويلَ على مفاوضةٍ ليسَت السُلُطاتُ اللبنانيّةُ طَرَفاً فيها ليسَ إضراراً جَسيماً بمَوقِعِ الدولةِ المُتَهاوي أصلاً وحَسْبُ، بل هُوَ أيضاً مَيْلٌ بِميزانِ القُوى الداخليِّ، الأهليِّ منهُ والرَسْميِّ، نحوَ جهةٍ يُخاصِمُها الحْكْمُ الحالِيُّ وتُخاصِمُهُ، وإن تَكُنْ شَريكةً فيه. هذا الاعتبارُ الأخيرُ واضحُ الحُضورِ في مسالكِ الحكْمِ القائمِ وفي مَسالِكِ خُصومِهِ قَبْلَ المفاوضةِ الأخيرةِ وفيها وهو باقي الحضورِ بَعْدَها.

وأمّا تَفاصيلُ الاتّفاقِ الجَديدِ – وقد تَناوَلها كثيرونَ بِما يُناسِبُ وما لا يُناسِب – ففيها تَعابيرُ مُذِلّةٌ فاقعةٌ عن هزيمةٍ لبنانيّةٍ لا لَبْسَ فيها ولا يُنْذِرُ اسْتِمرارُ الحرْبِ إلّا بتَفاقُمِها وبانْتِشارِ ما تَضُخُّه من سُمومٍ في صفوفِ اللبنانيّينَ أيضاً.

يجوزُ القولُ إذَنْ – إذا جازَ اسْتيحاءُ الآيةِ – أنّه “كُلّما دَخَلَ اتّفاقٌ لَعَنَ أخاه”!… ولا بَراءةَ من هذه النكبةِ لأحَدٍ: لا لِمن زَجّ لبنان في الحَرْبِ ولا لِمن يَتَخَبّطُ ويُفَرِّطُ دونَ اقْتِدارٍ يُذْكَرُ على إخراجِهِ مِنْها. لا بَراءةَ، على الأخَصِّ، لمَن سَيَدّعي نَقْداً ذاتِيّاً، بَعْدَ عشرِ سَنَواتٍ أو عِشرينَ، زاعِماً، مَثَلاً، أنّه لم يُدْرِكْ، حينَ كانَ يَنْفَعُ الإدراكَ، أنّه ماضٍ في تَحْميلِ لُبْنانَ ما لا طاقةَ للُبْنانَ بِحَمْلِه!…

فاتَ الأوانُ… بَل فاتَت آوِنةٌ كثيرةٌ، في مَدى السنينِ: أواناً يَنْطَحُ أواناً.

“وإذا وعَيْتُم فانْتَفِعوا!”

https://www.almodon.com/culture/2026/06/27/%D9%88%D8%A5%D8%B0%D8%A7-%D9%88%D8%B9%D9%8A%D8%AA%D9%85-%D9%81%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%81%D8%B9%D9%88%D8%A7

ذاتَ يومٍ لن يكونَ بُدٌّ من إنشاءِ متحفٍ للمعاهداتِ والاتّفاقاتِ والقراراتِ والإعلاناتِ التي خَبِرَها هذا المَشْرِقُ بعْدَ حربِ العامِ ١٩٦٧.

… آخرُ القائمةِ الاتّفاقُ الأميركيُّ الإيرانيُّ الذي بدَأَ يتَرنَّح منذِراً، لا بالسقوطِ، على الأرجحِ، بل بالتعَثُّرِ المُتَمادي… واتّفاقُ غزّة الذي يُراوِحُ مخلّفاً القِطاعَ بأسرِهِ للتعفُّنِ في فجيعتِهِ وفلسطينَ، من خَلْفِهِ، لمزيدٍ من التآكلِ والنَهْب…

هذانِ اتّفاقانِ صحِبَ إعلانَهما من الصَخَبِ والبَهرجةِ ما لم يصحَبْ اتّفاقَ واشنطن اليومَ وكانَ لهُما، وما يَزالُ، من مقوّماتِ النَفاذِ والدواعي إلى الإنفاذِ ما ليس لهذا الاتّفاقِ عُشْرُ مِعْشارِه.

سَلَفاً نأى طرفا القِتالِ بنَفْسيهِما عن نَصٍّ وضعَ أحدُهما توقيعَه عليهِ تَوّاً. فَواحدٌ اسْتَبْعدَ الالتِزامَ بأَوْجَهِ ما يقعُ عليهِ من موجِباتِهِ، أي بالجَلاءِ عن الأرضِ التي احتَلَّها وأخلاها من بَشَرِها وحجَرِها، والآخَرُ قَطَعَ للمرّةِ المائةِ برفْضِهِ ما أوجَبَهُ عليهِ الاتّفاقُ وراحَ يلوِّحُ بِما لا يقلُّ عن حربٍ أهلِيّةٍ إذا صَمَّمَ من يَزْعُمُ التَمَكُّنَ من إلزامِهِ على المِضِيِّ قُدُماً في مَسْعاه.

والحالةُ هذه، سيكونُ الرئيسُ الأميركيُّ قد أضافَ واحدةً أخرى إلى أعاجيبِ تبديدِ النزاعاتِ التي طالت لائحتُه منها. وهي أعاجيبُ جلُّها مفروضٌ فَرْضاً لا يُعالَجُ فيها النِزاعُ بل تُكْتَمُ أنفاسُهُ بلا تسليمٍ من الضالعين فيه. فيَؤولُ الأمرُ، في الغالبِ، إلى تَقَيُّحِهِ وتعَفُّنِهِ، على ما هو جَلِيٌّ في المِثالِ الغَزّي.

لا يستقيمُ الظنُّ، إذن، أنّ هذا النوعَ من السعيِ الأميركيّ لا يَتْرُكُ أثَراً. ولكن لا يسهُلُ التنبُّؤُ، في كلّ حالةٍ، بِما هو هذا الأثرُ، وإن يَكُنْ، على الأَعَمِّ، غيرَ ما يَزْعُمُهُ النَصّ.

في حالتِنا، لا يُزْدَرى أيُّ مَخْرَجٍ يَلوحُ من السِكّةِ العريضةِ المفتوحةِ للمَوتِ والخسارة. لكنّ ما يَتَراءى في نَصِّ الاتّفاقِ المُعًلَنِ من هذا القَبيلِ يَبْدو مبدَئيّاً أو مباشِراً، يَفْتَقِرُ إلى ما يكفَلُ ديمومَتَه أو إفضاءَه إلى محطّةٍ أو محطّاتٍ أخرى تَكونُ أضْمَنَ للمَصْلَحة.

بل إنّ الانتِكاسَ نَحْوَ المَزيدِ من الخَرابِ هو ما يُرَجِّحُه التعَفُّنُ المُتَأتّي من تَعَذُّرِ التطبيقِ، ولَو بَعْدَ حين. إلى ذلك، لا تجوزُ الاسْتِهانةُ باحتِمالِ انطواءِ المَخاضِ المُقْبِلِ على دخولٍ صَريحٍ لبُعْدِ النِزاعِ الأهليِّ بينَ مُقَوّماتِه: لا لأنَّ الجهةَ اللبنانيّةَ المقاتلةَ لَوَّحَت بهذا الاحتِمالِ وحَسْبُ، بل، قَبْلَ ذلكَ، لأنَّ هذا الاحتِمالَ ماثِلٌ أصْلاً في صُلْبِ الحَبْكةِ كُلِّها من أوّلِ يومٍ من أيّامِ “الإسْنادِ”، في التَقْديرِ الأقْرَبِ، وقَبْلَ ذلك بكثيرٍ، في مواريثِ حربِنا الأهليّةِ الماضيةِ وما أَفْضى إليها…

…”وإذا وَعَيْتُم فانْتَفِعوا!” (قُسّ بن ساعدة)

لبنان برمّته تفصيلاً في طوفان التخمين

https://www.almodon.com/culture/2026/06/16/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%B1%D9%85%D8%AA%D9%87-%D8%AA%D9%81%D8%B5%D9%8A%D9%84%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%B7%D9%88%D9%81%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AE%D9%85%D9%8A%D9%86

في موازينِ الرقعةِ الشاسعةِ التي اشتملَت عليها هذه الحربُ، سيطولُ تظهيرُ حصائلِها على الأرضِ ومعه التجاذبُ بيْن أطرافِها ومعهما الجدالُ في هويّةِ كلٍّ من المنتصرِ والمهزومِ وماهيّةِ النصرِ والهزيمةِ، وكلا هذين متعدّدُ الوجوهِ والميادينِ بديهةً. مرَدُّ هذا إلى طبيعةِ هذه الحصائلِ، بالدرجةِ الأولى، وإلى اتّصالِها ببنودِ الاتّفاقِ الذي تُفْتَرَضُ إذاعتُهُ عَمّا قَريبٍ وبتتمّةِ المفاوضاتِ المنتظرةِ، بموجِبِهِ، بالدرجةِ الثانية…

ومن الآنِ قَبَعَ لبنانُ في موقعِ الذَنَبِ من الاتّفاق نفسِهِ الذي خصّهُ بحرفِ عطفٍ واقتُصِرَ من وجوه الحربِ المستَعِرةِ فيه على وقفٍ للنارِ، مباركٍ بلا رَيبٍ، لعَلّهُ لا يَلْحَقَ بسابِقيه… وإلى الاتّفاقِ، جُعِلَ لبنانُ برمّتِهِ تفصيلاً في طوفانِ التخمينِ والتكهّنِ الذي أطلقَهُ الاتّفاقُ وفي إعلاناتِ النصْرِ والهزيمةِ التي تدفّقت بعدَ إعلانِهِ وقَبْلَ إذاعةِ نَصّه.

والمُخْزي – وإن يَكُن منتَظَراً – أن يضلَعَ لبنانيّون في هذا التقزيمِ لبِلادِهِم ولِما حلَّ بِها، وما لا يزالُ متوقّعاً أن يَحِلّ، من الجَرائرِ الفظيعةِ لهذه الحرب. ذاكَ طبيعيٌّ ما دامَت بلادُنا قد عُدّت (بإقْبالٍ عارمٍ من بعضِ بَنيها) مسرحاً “مُسانِداً” ( أي سايد شو) من أوّلِ يومٍ، وعُدَّ الموتُ فيها والاحتِلالُ والدمارُ دَرْءاً لنَظائرِهِا عن المَسْرَحِ الأعظمِ الذي تأخّرَ وصولُ الحربِ إليهِ وتقطّعت فُصولُها كثيراً عليه…

هذا مع أنّ ما نالَتْه بلادُنا من بَلايا الحربِ لا يَفوقُه إلّا ما نالَ غزّة منها، قبْلَ وصولِها إلى إيران، ولا يُدانيهِ (بالنسبةِ إلى “الحَجْمِ” بسائرِ مَعانيهِ) ما حصدَتْهُ الساحةُ الإيرانيّة…

فإلى ألوفٍ من القَتْلى لا يَزالُ عددُها النهائيُّ حائراً (على الرغمِ من بياناتِ وزارةِ الصحّةِ) وإلى ألوفٍ أخرى من الجرحى يرجّحُ أن تكونَ قد شطَحَت نحو الثلاثين، ولا تُعْرَفُ نسبةُ ذوي الإعاقةِ فيها، شهِدَ جنوبُ لبنان ضَرْباً من الاحتِلالِ غيرَ معهودٍ فيهِ بما صَحِبَهُ من الإبادةِ العُمْرانيّةِ طَلَباً لإخلاءِ الأرضِ من أهلِها إخلاءً يُريدُه المحتلُّ نهائيّاً وهذا مع التلويحِ بالضَمّ وبالاستيطان… وهو ما يورِثُ ديمومةً غير معلومةِ المدّةِ لفاجعةِ النُزوح، في جانبٍ منها لا يستهانُ بهِ، على الأقلّ.

تَنْزِلُ هذه النكبةُ ببِلادٍ سبَقَ نهبُها ونسفُ جانبٍ من عاصِمتِها، لتُضيفَ ما قد يبلُغُ عشرين مليار دولارٍ من الخسائرِ إلى ثمانينَ أو تسعينَ أخرى هي حصيلةُ النهبِ والنسفِ السابقينِ، بمن تولّاهُهما أو تواطأَ عليهما من معروفٍ ومجهول…

هذا في إقليمٍ لا تُفْهَمُ فيه الأرقام حقّ الفَهمِ ما لم يُقَس الحجم الإجماليّ لحاجاتِ الإعمارِ والتَعافي إلى المواردِ المتاحةِ لهذه الغايةِ ومَصادِرِها المحتمَلةِ وشروطِ توفّرِها من سياسيّةٍ واقتِصاديّةٍ وغَيْرِها… هذا حديثٌ يطولُ وله أهْلُه. تكفي الإشارةُ الآن إلى أنّ الساحاتِ المرشّحةَ تشتملُ على السودان (أضخمِها) وسوريا وليبيا واليمن وإيران وفلسطين ولبنان… وأنّ الرقمَ الإجماليَّ المتداول هو تريليون واحدٌ وستّمائة مليار… والحبلُ، في بعضِ هذه الساحاتِ، باقٍ علي الجَرّار…

على أنّ ما يجبُ أن يحظى بأكثرِ التوجُّسِ والتحسُّبِ – في ما أرى – قد لا يكونُ شيئاً من هذا كلّهِ، على فداحةِ خطَرِه. قد يكونُ الأهَمُّ وَقْعَ الحربِ وعَواقِبِها على مستقبَلِ بلادِنا السياسيّ. ففي هذا المضمارِ تُخَلّفُ الحربُ لبنانَ في حالِ استِقطابٍ أهليٍّ استثنائيِّ الخطَرِ على استقراره التكويني. وهو أمرٌ يصعبُ الاتّكالُ في مداراتِه على “حكمةِ” ما في البلادِ من قوىً سياسيّةٍ معلومةِ الأصلِ والفصلِ والتاريخِ القريبِ والبعيد.

هذا أيضاً حديثٌ يطول. فَلْيَعْكفْ عليه، من الآنِ، من يحفظُ اعتِباراً لا نفاقَ فيهِ لهذه البلادِ الصغيرةِ المستباحةِ ولأهلها…

يساره “الحقيقيّ” ويسارنا “المغامر” في نعشٍ واحد

— Read on www.almodon.com/amp/culture/2026/05/22/يساره-الحقيقي-ويسارنا-المغامر-في-نعش-واحد

رحل غسّان الرفاعي. نحن من أوحى إليه ب”اليسار الحقيقي واليسار المغامر”. كنّا نحن “اليسار المغامر”… أو أبرزَ من فيه، على الأقلّ. وقد رددنا لغسّان الرفاعي صاعَه صاعين. كان هو “التحريفيّ”، المستتبَع في الداخل من جناحٍ في الإقطاع الطائفيّ، وفي العالم من القيادة البيرقراطيّة للتحريفيّة العالميّة ومن أنظمة الانقلابات، أنظمة برجوازيّة الدولة، محترفة الهزائم، التي كانت تسحل الشيوعيّين ولا تلبث أحزابهم أن تعود إلى أحضانها صاغرة.

لم يلبث رفاقنا أن طردونا… فنجونا من الولوغ في الحرب الأهليّة، أوّلاً، وأسعفتنا الحربُ نفسُها، ثانياً، في إدراك أمرٍ جلل: وهو أنّنا كنّا نسحب مجتمعنا من شعره، في أوهامنا وأحلامنا، ونُحْكِم وثاقَه بترسيماتٍ مستوردةٍ من عالمٍ وعَصْرٍ آخَرين لا تصلُح لفهمه، وأنّ جماعة غسّان الرفاعي كانت تستجيب لدواعي مصالحةٍ عرجاء ما بين ترسيماتها وجاذبيّة البنى الغالبة على ذلك المجتمع. هذا فيما كنّا نؤثر عزلةً متعجرفةً لم يلبث بعضنا أن أنكرها واستنكَر البقاءَ عليها. فكان أن طردنا هؤلاء واستووا هم وجماعة الرفاعي أقرب شبهاً بعضهم ببعضٍ من نقطتي ماء.

في هذه الأثناء، كانت تتهاوى في العالم وتتهالك في المحيط قوىً حملَتنا معارضتُها على الأكفّ وحملَت موالاتُها على الأكفّ جماعة الرفاعي. انهزمت صورةٌ للعالم بقضّها وقضيضها. انهزم من عارضناهم ولكنّنا، ونحن في عزلتنا، لم ننتصر. فإنّ من انتصروا كانوا الأعداء الأصليّين: أعداءنا وأعداء من عارضناهم في ذلك العالم الآفل.

خسرنا ولم يربح غسّان الرفاعي ولا ربح رفاقنا الذي دخلوا في شركته.

فلم نجد في يدنا غير استبقاء عزلتنا لعلّها تسعفنا في فهم العالم الجديد الذي كان يولد نقيضاً لصورة “العالم الجديد” التي عمرت أحلامنا في ما مضى. كرهنا الصورة العامّة لهذا العالم ونحن نجهد في تبيّن ملامحها. كان هذا العالم هو الذي قال فيه كلود ليفي ستروس، وهو يغازلُ المائة من عمره: “ليس هذا عالماً أحبُّه!”. من صميم القلب، أوافقُك يا معلّم! أوافقك مشيّعاً مع غسّان الرفاعي يساره “الحقيقيّ” ويسارنا “المغامر” في نعشٍ واحد…

القتال والمفاوضة، ليس مغامرةً وحسْبُ: هو مقامرة.

https://www.almodon.com/culture/2026/05/09/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AA%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6%D8%A9-%D9%84%D9%8A%D8%B3-%D9%85%D8%BA%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%AD%D8%B3%D8%A8%D9%87%D9%88-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A9

سلوكُ أحد السبيلين المطروقين في لبنان، القتال والمفاوضة، ليس مغامرةً وحسْبُ: هو مقامرة. فعجز كلٍّ من الدولة والفريق المقاتل عن السيطرة، أيّةً كانت درجتُها، على مسرى سلوكه ومآلِه عجزٌ فاقعٌ إلى حدٍّ يَبْدو غير مألوف. وذاك أنّ كُلّاً من “الطرفين” عاد “طموحُه” المعلَن في موضعٍ وقدْرتُه الفعليّةُ في هوّةٍ سحيقةٍ لا يظهر قاعُها من ذاكَ الموضع. أفْلِتَ زمامُ البلاد من نطاق حدودِها، من أيدي مسالميها ومقاتليها سويّةً، وهذا من زمَنٍ تَجُوزُ المجادلةُ في تقديرِه.

هذا والقول بأنّ المسالمةَ والمفاوضةَ أوفَرُ لدمِ اللبنانيّين وعمرانِهم قولٌ لا مُسْكةَ له، مع الأسف. وذاك أنّ الضمان لإفضاء المفاوضةِ إلى الغايةِ المرجوّة ولعدمِ إفضائها، هيَ أيضاً، إلى تفجير البلادِ، أي إلى دمٍ كثيرٍ يسيلُ وعمرانٍ كثيرٍ يَبيدُ، ضمانٌ يكادُ ألّا يقومَ على كفايتِه، في الحالَين، بل على وجودِه نفْسِه، دليل. وأمّا إفضاءُ القتال إلى مزيدٍ، لا نهايةَ ظاهرةً لآخرِه، من الموتِ والدمار اللبنانيّين (ومن الاحتلالِ ، على الأخصّ، بسائرِ عواقِبِه) فهو غيرُ محتاجٍ إلى دليل.

في هذه الأثناء، يسَعُنا أن نمضي قدُماِ في تَعْدادِ السبُلِ المنظورة وتلك المطروقة وفي المفاضلةِ بَينَها. ولكنّ المفاضلةَ لا تُطْعِم خبزاً حين تكون القدرةُ على التحَكُّم في المآلِ متهافتةً أو مفقودة. وحدَهُ رئيسُ مجلسِ النوّاب يبدو، من شُرفة الخبرةِ المديدة، متّعِظاً ببؤسِ حالِنا. يُطالَبُ بحَسْمِ أمْره فلا يُقدِم على ما فيه قَطْعٌ لأيٍّ من الحَبْلَين اللذَين يرقصُ عليهِما. ولا يرشحُ عنهُ سوى أنّه “ينتظر إسلام أباد”!

هذا موقفٌ “واقعيٌّ”: واقعيٌّ بقَدْرِ الإمكان! فمن إسلام أباد، قد يحصُلُ لنا خيرٌ وقد يحصُلُ شرّ! ولكن هذا هو “الممكنُ” الآن: مع مُواصلةِ ما لا مَناصَ من مواصلتِه: أي القتال والمفاوضة… والموت والدمار.

شيءٌ آخر قد تُصْبِحُ المراهنةُ عليه جائزةً، ولكنْ بعدَ حين: تغييرٌ جسيمٌ ما في مسلك واحدٍ من الأطرافِ الثلاثةِ الضالعةِ في نكبتِنا. انقِلابٌ ما! ولكنْ حتّى هذا يسعُه أن يكونَ خيراً لنا أو شرّاً علينا.

تلك حالُ البلادِ الصغيرة حينَ تَرى نفْسَها (أو يرى بعضُ أهلِها أنفُسَهم) غيرَ ما هِي (أو ما هُم) في ميزان الدول.

لاتَ ساعةَ مَنْدَم!

ذهبت مكتبتُنا في ما ذهَب

https://www.almodon.com/culture/2026/05/04/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%88%D9%86-%D8%B0%D9%87%D8%A8%D8%AA-%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%AA%D9%86%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%A7-%D8%B0%D9%87%D8%A8

أبدى أصدقاء عديدون، في الأسبوعين الأخيرين، قلقهم على مكتبتنا، عزّة وأنا، في بنت جبيل. أطلقت الصيحة ناشرتنا المحبوبة رشا الأمير واستجابت لها ناشرتنا المحبوبة الأخرى هند درويش، وهي اليوم سفيرتنا في اليونسكو. وأشار إلى مكتبتنا أيضاً منذر جابر ولم يذكر مكتبته هو التي أعرفها حقّ المعرفة، وفيها كنوزٌ لا يدانيها ما في مكتبتنا من قريبٍ ولا من بعيد، وفيها أيضاً عمرٌ من الكدح في البحث والجري في طلب الوثيقة. على أنّ منذر جابر، وهو العامليّ البنت جبيليّ بئراً وغطاءً، نوّه أيضاً بكثرة المكتبات الشخصيّة في بنت جبيل، وبعض هذه عريقٌ، بمعنى الكلمة كلّه، فيه من المخطوطات والطبعات القديمة ومن الشواهد على تراث الأدب والدين والسياسة في جبل عامل ما يتعذّر تعويضه كلّ التعذّر.
اليوم أيضاً نشرت العزيزة ريتا باروتا مقالةً شائقةً افتتحتها بذكر مكتبتنا وأبرزت فيها حقيقة المكتبة الشخصيّة بما هي تجسيدٌ ل”طبقات” عُمر…
مكتبات بنت جبيل، بل مدينتنا بأسرِها، ذهَبت بها الهمجيّة العنصريّة، في هذه الأثناء، وفَجعَت أهلَها بأعزّاءَ كُثُرٍ، فضلاً عن الأرزاق والمعالم والديار وما تخلّف فيها من الشواهد على أعمارهم، الهشّة دائماً، وعلى عمر المدينة وهو يقاسُ بالقرون، وكانت الهمجيّة نفسها قد أتلفَت كثيراً منه في حرب ٢٠٠٦، ومعه الأمل في استعادتِه.
ذهبت مكتبتنا، في ما ذهبَ، وأدرجناها، مع موقعها الفريد من النفس، بين أقلّ ما ذهبَ وأهونِه. ضاع فيها ما يداني عدده النصف من كتبي (ولا أتحدّث عن نصيب عزّة منها) وسَلِم – إلى الآن! – النصف الآخر القابع في بيروت. وضاع أيضاً (وهذا لا يعوّض فعلاً) ما يداني النصف (وهو النصف الأقدم) من أوراقي وملفّاتي، من محفوظاتي على اختلافها. هذه المحفوظات هي جبل الجليد الذي لا يكون المنشور من الأعمال إلّا قمّته الظاهرة، وهي أيضاً جبل هذا العمر الذي أدرك ارتفاعه الأخير.
وعن “منطق المكتبة” (المكتبة الشخصيّة، على التعميم، ومكتبتي، على التخصيص)، كنت قد نشرتُ مقالةً في “القدس العربي”، سنة ٢٠١٤، أعيد إتاحتَها أدناه لمن له صبرٌ عليّ وعلى الموضوع كلّه.

https://onedrive.live.com/:w:/g/personal/AB1C1522F2801CF5/IQD1HIDyIhUcIICrsBABAAAAAa6BdKR33jRbWIuzgc-6_SM?resid=AB1C1522F2801CF5!69808&ithint=file%2Cdocx&fbclid=IwdGRjcARmG5RleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZAo2NjI4NTY4Mzc5AAEeN5WnZgCF3d6PLToUWNBkkRQwbrILCr_Yiv9FilK3Iwbe-XbkKuBgO-WjxJc_aem_nisQnA2spT85bLjDwias4Q&migratedtospo=true&redeem=aHR0cHM6Ly8xZHJ2Lm1zL3cvYy9hYjFjMTUyMmYyODAxY2Y1L0lRRDFISUR5SWhVY0lJQ3JzQkFCQUFBQUFhNkJkS1IzM2pSYldJdXpnYy02X1NNP2ZiY2xpZD1Jd1pYaDBiZ05oWlcwQ01URUFjM0owWXdaaGNIQmZhV1FLTmpZeU9EVTJPRE0zT1FBQkhqZVZwMllBaGQzZWp5MDZGRmpRWkpFVU1HNnlDd3FfMklyX1JZcFN0eU1HM3ZsMjVDcmdZRHZsbzhTWF9hZW1fbmlzUW5BMnNwVDg1YkxqRHdpYXM0UQ

روح البيت

https://www.almodon.com/culture/2026/04/26/%D9%87%D8%B0%D9%87-%D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D8%AB%D8%A7%D8%A1-%D9%85%D8%A7-%D9%8A%D9%82%D8%A7%D9%84-%D9%84%D9%86%D8%A7-%D8%A3%D9%84%D8%A7-%D9%86%D8%A3%D8%A8%D9%87-%D9%84%D8%B6%D9%8A%D8%A7%D8%B9%D9%87

هذه صورةٌ وكلمةٌ في رثاءِ ما يُقالُ لَنا ألّا نأبَهَ لضَياعِه…
هذه مقاعِدُ وجَدتُها عام ٢٠٠٠ في غرفةٍ “صَمَدَت” من بيتِنا الوالديّ الذي كانَ قد زلزلهُ عامانِ من القصفِ المتكَرِّر تلاهُما ٢٢ سنةً من الاحتلالِ والهُجران.
كانت مكسوّةً بغُبارٍ سميكٍ وقد هتَكَ كسوتَها الأصلِيّةَ الزمنُ والجُرذان… ولكنّ خَشَبَها الصُلبَ (وهو القطرانيُّ الثقيلُ الذي كانت تُتّخذُ منه جُسورُ السُقوفِ القديمة) لم يَكن مَسّه أدنى ضَرَر…
جَدّدتُ كسوَتَها بما يَليقُ وجعَلْتُها في صَدارة بيتِنا الجديد. وجعَلتُ، في مواضعَ أخرى من البيتِ، “مَواعينَ”وأشياءَ قليلةً، متواضِعةً جدّاّ، كانت، مع المقاعدِ، كلَّ ما تبقّى في بيتِ أهلي، الفَسيحِ في أيّامِهِ، الذي كان كلُّ ما (ومَنْ) فيه متواضِعاً أصلاً.
هذه المقاعدُ صَنَعَها لِمَضافةِ والدي، في مطلَع الخَمسيناتِ من القرنِ الماضي، نَجّارٌ من بنت جبيل كان يُدعى يوسف محمود بَزّي. فتكونُ قد بَلَغَت، في هذه الأيّام، ثلاثةَ أرباعِ القرنِ من عُمْرِها الذي قَصَفَتْهُ نَكْبَتُنا الجارية.
هذه المَقاعدُ ما كانَ أيٌّ من تُجّارِ العَتيقِ لِيشتريها بما يَتَعدّى تُرابَ الفُلوس…
هذه المقاعدُ عُنْصُرٌ واحِدٌ من عناصِرَ لا تُحْصى، ولا تُحَدُّ صُورُها وأنواعُها، يتشَكّلُ منها ما يُسَمّيهِ البعضُ من أصحابِ البُيوتِ المهدورةِ “روح البيت”.
وحين يشعرُ صاحبُ البيتِ بروحِ بيتِه ساكنةً في روحِه، يصبِحُ عاجزاً كلّيّاً – إي وحَياتِكُم! – عن تصديقِ القولِ السائرِ: “سنُعيدُها أحسنَ مِمّا كانت”!

النيتشويّون الماركسيّون ونكبة بنت جبيل

https://www.almodon.com/culture/2026/04/22/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%88%D9%86-%D8%A8%D9%86%D8%AA-%D8%AC%D8%A8%D9%8A%D9%84?utm_source=almodon.com&utm_medium=edgs.co&fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTEAc3J0YwZhcHBfaWQKNjYyODU2ODM3OQABHnvnAijitMRTCxhszAKtm86xgvgQSK5yGTRFwr8Ijw4SFZQ-tGyXWtVm5Juc_aem_DF-rQU9pwlBys9LpxBoS1Q

هو إذن عَوْدٌ على بدء!
هذه (في ذروة فجيعتنا) هديّةٌ فَكِهةٌ مُستعادةٌ، أرسِلُها إلى نيتشويّينا الماركسيّين من أصحابِ “العَوْدِ الأبَديّ”، القائلين بأنّه لا بُدَّ ممّا ليس منه بُدُّ وأنّهم لا يستقدِمون ساعةّ ولا يستأخرون، والقادرين – مع ذلك – على الإتيان بمعجزةِ توقُّعِ الأشياءِ بَعْدَ حُصولِها… نَجّى اللهُ بلادَنا من كلّ احتلالٍ وجنّبها شرّ مؤازريه، عَمْداً أو اتّفاقاً، طَوْعاً أو كُرْهاً، بالنَظَر أو بالعمل:

هيذي مْدينة بنت جبيلْ / عنوان بْلاد بشارة
إجاها نيجر باللَيْل / وْحَكّم فيها الطيّارة
حَكَمْ عليها بالويل / وْعَلّمْها كيف الغارة
أكَلَتْها كِمّ وْذَيْل / شو كان بَدْها بهالعلْقة؟

(الشيخ محمّد نجيب مروّة العاملي – ١٩٢٠)

-بلاد بشارة: اسمٌ تاريخيٌّ للشطر الجنوبيّ من جبل عامل (أي – تقريباً – لما يُسمّى اليوم “جنوب الليطاني”).

  • الكولونيل Émile Nieger : قائد الحملة الفرنسيّة على جبل عامل، في ربيع ١٩٢٠. وكان سببها المُعْلَن أحداثُ عنفٍ طائفيٍّ وقعَت، أبرزها مجزرة عين إبل. وفيها قُصِفت بنت جبيل بالطيران. وحين دخلها العسكر و”المتطوّعة”، كان أهلها قد هجروها إلى قرى الجليل القريبة، فنُهِبَت وأحرِقت. وكان نصيبها وحدها عشرة آلافٍ من مائة ألف ذهبيّةٍ فُرِضت غَرامةً على الجبل وانتهى الفساد والطمع إلى جبايتِها مُثَقَّلةً، فأفقرَت أهله.
  • “أكَلَتْها كِمّ وْذَيل: نُكِبَت من أدناها إلى أقصاها…

عقل العويط مستعيداً : “لم يبقَ لنا إلّا نحن”

الشاعر عقل العويط استعاد منشورةً لي ظهرت في فيسبوك قبل أيّام واتّخذها مداراً لمقالته اليوم في “النهار”.

“لم يبقَ لنا إلّا نحن”
عقل العويط

كتب أحمد بيضون ما يأتي على موقعه، تحت عنوان “لم يبقَ لنا الّا نحن”، وأراني أستعيده ليؤخَذ حكمةً نحتاج إليها في ليلنا البهيم هذا، فـ”نرى” جيّدًا ما قد يغفل ويتغافل كثرٌ عن “رؤياه” و”رؤيته” بتمامه: “نرغبُ في الصراخِ ومَنْ قد يتوجَّهُ إليهم صراخُنا لا آذانَ لهم. ليس في يدنا شيءٌ ولن يعطينا أحدٌ شيئاً. لم يبقَ لنا الآنَ إلّا نحنُ: ومن استطاعَ منّا أن يداري شيئاً من وقْعِ المُصابِ على المصابينَ سيفعل.
وأمّا الكلماتُ فعُلِّقتْ معانيها إلى أجَلٍ لا نعْلَمُهُ: منها ما قد نستردّهُ بمعنىً جديدٍ ومنها ما سيلبثُ تائهاً عن كلِّ معنىً فيتعيّنُ الإعراضُ عنه ومنها ما سيكونُ علينا ابتكارُ معنىً له أو ابتكارُهُ لمعنىً يلوحُ في الأفق.
… مع ذلكَ لا بأسَ علينا من الصراخِ في هذا الفراغِ المَهول!”.
اقرأوا جيّدًا: “لم يبقَ لنا إلّا نحن”. وأعتقد أنّه لم يكن لنا، في الأساس، إلّا نحن، وكان ينبغي للعاملين جميعهم أنْ يعملوا بوحيٍ من ذلك. لكنّ ما فات قد فات. والحال هذه، والوقت هو هذا، فليقم العقل الواجب الوجود بواجبه، وليرفع حكمة “لم يبقَ لنا إلّا نحن”، سراجًا في مسرى الحلكة المدلهّمة.
جميعنا في حاجةٍ إليها، هذه الحكمة، وليس فوق أحدٍ منّا خيمةٌ (ولا سماءٌ) تدرأ عنه المجزرة العظمى غير المسبوقة، التي قد تستمرّ ضاريةً في “الأيّام المقبلة”، وفي التي تليها، ولن يدرأ أحدٌ عنّا حجار اللعنة، وألسنتها، وأبابيلها، وهذه كلّها لم تكفّ يومًا، ولن تكفّ، عن رجمنا وبلادنا، ودفننا وإيّاها تحت الركام.
أقدارنا هي القسوة مطلقًا، وعلينا، أنْ نحتملها، ونحتمل حياتنا، بضراوتها التي تزداد، وتنمو، وتتوالد، وتتكاثر. أليس من أفعال العقل أنْ نحتضنها (أقدارنا وحياتنا)، نحن الذين “لم يبقَ لنا إلّا نحن”، وليس لنا، ولم يكن لنا إلّا نحن. ومَن يستدلّ إلى أفعال العقل فـ”يرى” الحكمة متأخّرًا، خيرٌ له من أنْ “لا يرى” مطلقًا. وخيرٌ، سبعين مرّةً سبع مرّات، ممّن “لا يريد أن يرى” في أيٍّ من الأيّام المقبلة.
كتبتُ قبل أسبوع مقالًا عنوانه “اسألوا الأيّام المقبلة”، وكان كثرٌ منّا يعتقدون أنّ أهوال الأيّام التي سبقتْ، كافية لتُعتبَر الحدّ الأقصى. لكنّها، يا للكارثة، لم تكن هي الحدّ الأقصى. وعليه، فلنرَ إلى “الأيّام المقبلة” بالاختبار، وبالحدس، وبالنزر القليل من الحكمة، وبالولاء لإمامة العقل. وها هي مقبلةٌ علينا، وستكون شديدة الهول، ويصعب التكهّن بها كلّها، وبفخاخها، لأنّها متداخلة، ومتشعّبة، وظاهرة، وباطنة. وهي ستكون طويلة الأمد. لكنّها لن تبقى إلى الأبد.
مقنعةٌ هي ولاية العقل حين تُرينا أنّ وحشيّة “الأيّام المقبلة” لن تظلّ تجثم على مصائرنا إلى الأبد، فأراني يجب عليَّ أنْ أرفع عاليًا مقولة أحمد بيضون بعنوانها الفذّ “لم يبقَ لنا إلّا نحن”.
مَن “نحن”؟ الدولة. وجميعنا، ولا استثناء. ولن أتردّد في تعميم هذا “الاقتراح”. والآن، وغدًا، وبعد غدٍ، وفي “الأيّام المقبلة” كلّها. لأنّه ليس لأحدٍ منّا مَن بقي له (وكان له) إلّا نفسه. ونفسه هي “نحن”. جميعنا. وأقول هذا على الإطلاق. وبالمهابة والتهيّب. وبشجاعة. وبالتواضع الرحيب جميعه.
قد يخطّئني بعضٌ هنا وهنالك وهناك، مراهنًا أو معتقدًا أنّه بقي لنا ما (ومَن) ليس “نحن”.
إنّي أصرخ هاتفًا: ليس لنا أحدٌ، ولم يكن ولن يكون لنا أحدٌ إلّا نحن. الدولة. وجميعنا. أوعا الغلط.
akl.awit@annahar.com.lb

تَخاريفُ على هَدْيِ المِزاجِ والقَريحة



أَفْطَنُ إلى ما انْتَهَتْ إليهِ حالُنا فَيَخْطُرُ لي قَوْلُهُم: “تَفَرَّقوا أيْدي سَبَأ!”. ذاكَ ما يَحِلّ بالعائلاتِ اللُبْنانيّةِ عادةً، إذْ تَخْرُجُ مِنْ دِيارِها رَفْساً لا طَوْعا. وقَد راحَت عائلَتُنا تَتَفَرَّقُ أَيْدي سَبَأٍ مِنْ عُقودٍ كَثيرةٍ وكُنْتُ آخِرَ مَن غادَرَ مِن بَيْنِ عَناصِرِها: اغْتَرَبْتُ وأنا على عَتَبةِ الثَمانينَ أي في السِنًِ التي يَكونُ المُغْتَرِبونَ قَدْ آبوا إلى دِيارِهِم، عَلى الإجْمالِ، قَبْلَ بُلوغِها بِزَمَن. تفَرَّقْنا إذَنْ أَيْدي سَبَأ…

وفي الحديثِ أنّ سَبَأ “رَجُلٌ من العَرَبِ وُلِدَ لَهُ عَشَرةٌ: تَيامَنَ مِنْهُم سِتّةٌ وتَشاءَمَ مِنْهُم أَرْبَعة”. وكان سَبَبُ تَفَرُّقِهِم هذا، بَيْنَ جِهاتِ الشامِ وجِهاتِ اليَمَنِ، ما يُسَمّيهِ القُرْآنُ “سَيْلَ العَرِم” وهو انْهِيارُ سَدِّ مَأْرِب. وهذا حَدَثٌ يَبْدو لي أَشْبَهَ الحَوادِثِ القديمةِ بِتَفْجيرِ مَرْفَإ بَيْروت المَعْلوم. هذا وإذا صَحَّ زَعْمُ المُحَدِّثينَ أنّ جُرَذاً نَقَبَ السَدَّ اليَمَنِيَّ العَظيمَ انْتَفى كُلُّ مانِعٍ مَنْطِقِيٍّ أنْ يَكونَ الجُرَذُ نَفْسُهُ وصَلَ إلى مَرْفَإ عاصِمَتِنا، وفي ذَيْلِهِ نارٌ، ذاتَ يَوْمٍ لاهِبٍ مِن صَيْفِ العامِ ٢٠٢٠. هذهِ فَرْضِيّةٌ أحِبُّ أن أُنَبِّهَ إلَيْها المُحَقِّقَ العَدْلِيَّ (الذي نَسيتُ اسمَهُ لِبُعْدِ العَهْدِ بِأَخْبارِهِ) عَسى أن يَجِدَ فيها مَخْرَجاً مِن وَرْطَتِهِ المُسْتَعْصِيةِ فَتُحْفَظَ القَضِيّة ويَنْصَرِفَ المُحَقِّقُ إلى ما يُفيد…

أعودُ إلى التَيامُنِ والتَشاؤم… وخُلاصةُ القَوْلِ فيهِما أنَّ المَعاجِمَ القَديمةَ حَفِظَت للتشاؤمِ هذا المَعْنى المُشارَ إلَيهِ وهو التوَجُّهُ إلى الشامِ، ويُقابِلُهُ التَيامُنُ وهو تَيْميمُ شَطْرِ اليَمَن.

هذا وقد شاعَ اسْتِعْمالُ “التَفاؤلِ” مُقابِلاً للتَشاؤمِ أيضاً. وهو اسْتِعْمالٌ مَقْبولٌ ولَكِنْ لا يَبْدو هذا المَعْنى (أي معنى الاسْتِبْشارِ) أَصْلِيّاً في “التَفاؤلِ” ويَبْقى “التَيامُنُ” أَوْلى بِه. فالتَفاؤلُ مِن “الفَأْلِ” وهذا يكونُ فَألَ خَيْرٍ ويَكونُ فَأْلَ سوء. وقد يَصِحُّ اعْتِبارُ المأثورِ “تَفاءلوا بالخَيْرِ تَجِدوه” مُؤيِّداً لِهذا الرَأْي. فهو قد اضطُرَّ إلى التَصْريحِ بِذِكْرِ الخَيرِ بِما هو مَوْضوعٌ للتَفاؤلِ ولَمْ يَعْتَبِر الخَيْرَ ماثِلاً بالضَرورةِ في مَفْهومِ التَفاؤلِ فَلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِه. وهو لَمْ يَقُلْ مَثَلاً: “تَفاءَلوا تَجِدوا خَيْراً” إذ لا تَسْتَقيمُ هذهِ الصيغةُ ما دامَ التَفاؤلُ جائزاً بالخَيْرِ وبالشَرِّ على حَدٍّ سَواء. على أنّهُ لا رَيْبَ أنّ حَصْرَ التَفاؤلِ بالخَيْرِ والتَشاؤمِ بالشَرِّ قد شاعَ، في كَلامِنا، وذاع…

فّلِماذا فُرِضَت على الشامِ هذه الوَصْمةُ، في كَلامِ القُدَماءِ، واسْتَأْثَرَت اليَمَنُ باليُمْنِ والبَرَكات؟ الراجِحُ عِنْدي أنّ السَبَبَ هو مَوْقِعُ الشامِ إلى الشمالِ من الجزيرةِ، وهذهِ جِهةٌ كانت قَليلةَ الحَظِّ، على الدَوامِ، في عُرْفِهِم. ويقابِلُها اليَمَنُ، في الجَنوبِ، وقَدْ عُدّتْ مُجانِسةً لليمينِ ولليُمْنِ مِنْ ثَمّ. وهذا هو المَبْدَأُ الذي كانَ مُعْتَمَداً في التَطَيُّر: اليمينُ سَعْدٌ والشمالُ نَحْس. وفي عُهودِ التَعَصُّبِ والتَضْييقِ، كانَ يُقالُ للذِمِّيِّ: “أَشْمِلْ يا كافِر!” أي: إلْزَمْ جِهةَ الشمالِ مِن الطَريق.

وكانَ صَباحٌ وكانَ مَساءٌ… وثَبَتَت، في أيّامِنا، وَصْمةُ الشُؤمِ على الشامِ العَظيمةِ، وذلكَ للُزومِ التَعْريجِ المُحْتَمَلِ (والعِياذُ بِالله!) عَلى “فَرْعِ فلسطين”! وهو ما كادَ أنْ يَحْصُلَ لي ذاتَ مَرّةٍ لَوْلا أنَّ سَوّاقَ فرانك مرمييه Franck Mermier (وكُنّا مَعاً)كانَ لهُ مِن النُفوذِ الحُدودِيِّ ما يَفوقُ بِما لا يُقاسُ نُفوذَ نقابةِ السَوّاقينَ بِأَسْرِها. حَتّى أنّني كِدْتُ أنْ أَعْرِضَ عَلى هَذا السَوّاقِ قَيْلولةً في المَقْعَدِ الخَلْفِيِّ الأَيْمَنِ فيما أَتَوَلّى، بَعْدَ إذْنِهِ، سَوْقَ السَيّارة. وقد ازْدَدْتُ مُؤَخَّراً إكْباراً لبُعْدِ نَظَرِ الجِهازِ الذي وَضَعَ في خِدْمةِ ذَلِكَ المَرْكَزِ الفَرَنْسِيِّ سَوّاقاً مُطْلَقَ الصلاحِيّةِ، حَلّالاً للعُقَد: إذْ لَوْلاهُ لَوَجَدْتُ، عَلى الأَرْجَحِ، ما أَشْهَدُ بِهِ أَمامَ تِلْكَ المَحْكَمةِ الباريسِيّةِ التي نَطَقَت بِحُكْمِها قَبْلَ أَيّام…

وأمّا التَيامُنُ فخَرَجَ، مِن جِهَتِهِ، مِن اليَمَنِ السَعيدِ أي من مَمْلكةِ الحوثِيّينَ الحاليّةِ. خَرَجَ قَبْلَ زَمَنِ هؤلاءِ بِدَهْرٍ وَلَمْ يَعُدْ، وكانَ حَقّاً لهُ أن يَخْرُج. فَلَزِمَ أن نَحْمِلَ التَفاؤلَ على مَحْمَلِ الخَيْرِ حَمْلاً مطَّرِداً شاءَ التَفاؤلُ أمْ أبى!

يَبْقى التَمَرُّدُ على هذهِ الحالِ كُلِّها: يَبْقى لِمَن اسْتَطاعَ إليهِ سَبيلاً، بِطَبيعةِ الحال.

وقَد اتّفَقَ أنّ المَعاجِمَ القَديمةَ نَفْسَها أَدْرجَت بَيْنَ مَعاني التَمَرُّدِ التَوَجُّهَ إلى ماردين! وهذهِ، في أيّامِنا، رَمْيةٌ مِن غَيْرِ رامٍ : فَإنّ خَليطَ الكُرْدِ والأَشورِيّينَ والعَرَبِ الذي يَأْهَلُ هذهِ المَدينةَ مُتَمَرِّدٌ تلْقائيّاً بَعْضُهُ على بَعْضٍ وكُلُّهُ على تَرْكيا أردوغان!
نَتَوَجَّهُ إذَنْ إلى ماردين، مَتى اسْتَطَعْنا، مُسْتَهْدينَ ما تُسَوِّلُهُ لَنا مَعاجِمُنا القَديمةُ مِنْ غَيْرِ ميعاد.

أَحْسَنُ GPS مَعاجِمُنا هَذه!