«وطني دائماً على حقّ»!

أحمد بيضون

في نحوٍ من ستمئة صفحة، وفي نسختين: فرنسيّةٍ أصلية وعربية منقولة، رَوت صونيا فرنجية الراسي سيرة والدها رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق سليمان فرنجية. ولكن العائلة كلها حاضرة في هذه السيرة. الكبار حاضرون ابتداءً من جدّ المؤلّفة قبلان الذي يبدأ معه ما يشبه أن يكون سيرةً سياسية للعائلة. ويخلفه ولده الأكبر حميد الذي يُخْرج الزعامة العائلية إلى أفق السياسة الوطنية فعلاً فيصبح نائباً في مجلس الجمهورية الحديثة النشوء ثم وزيراً مؤسساً للدبلوماسية اللبنانية ثم مرشّحاً لرئاسة الجمهورية… أي سياسياً، في جميع هذه الأطوار، لا تعدو زعامة العائلة والوجاهة في الناحية أو في المحافظة أن تمثّلا خلفية له يتعدّاهما مجال حضوره الأهمّ ونشاطه الأبرز بأشواط. بعد حميد الذي أخرجه نزفٌ دماغي من حلبة السياسة قبل الأوان، يتقدّم إلى الواجهة العامّة سليمان، أخوه الوحيد وصاحب هذه السيرة التي تكتبها ابنته. وكان سليمان، قبل انكفاء حميد، حاضراً في البلدة (زغرتا-إهدن) وفي الجوار الذي تبسط عليه هذه البلدة نفوذها، يرعى فيهما مصالح العائلة على اختلافها ومنها – على الخصوص – مصالحُ أخيه الانتخابية.
هل يستنفد هذا الكتاب الضخم أن نعدّه سيرةً سياسية لسليمان فرنجية تلمّ بوقائعَ ومسائلَ ووجوهٍ قريبة وبعيدة على غرار ما يُفترض في سِيَر الشخصيات العامّة؟ يغرينا عنوان الكتاب باعتماد هذه النظرة. «وطني دائماً على حق!» شعارٌ أطلقه سليمان فرنجية، في سنة 1969، أي في ظرفِ تصاعُد الحمّى السياسية التي سبق استبدادُها بلبنان تسلّمَ الرجل رئاسة البلاد. والشعار مستعارٌ (مع كتمان المصدر!) من عبارة أطول منه بقليل ولكنها أقرب إلى الصراحة في العصبية للأديب الفرنسي موريس باريس: «أَجْعَلُ الحقَّ في جانب وطني دائماً وإن يكن على باطل!». غير أن الفضول الذي تستثيره قراءة الكتاب يبدو منبعثاً من مصدرٍ آخر. فهذا الكتاب ليس سيرةً فرديّةً على الرغم من دورانه الواضح حول فرْد. وإنما يجعل منه «موقع الراوية» فيه والعين التي تنظّم بها هذه الأخيرة عالمَها وثيقةً أنثروبولوجية تطرح أوّل ما تطرح شروط إمكانها على الشاكلة التي منحَتها أوصافَها بما هي سيرةٌ ذات طرازٍ مميّز.
وأوّل ما يجعل تصنيف الكتاب على أنه سيرةٌ لشخصية سياسية أمراً مشكلاً أو ملتبساً هو حضور المؤلّفة نفسها فيه. فحين تكون صونيا فرنجية بالقرب من والدها – وهذه هي الحال غالباً – تجعل من نفسها، بما هي شاهدة، طرفاً تامّ الأوصاف من أطراف الحدث. فنُلمّ بالمزاج الذي كانت عليه حين وقع حدثٌ من الأحداث قد يكون جللاً ونقع على ذكرٍ لمناسبة ما كانت ذاهبةً إليها وعلى وصفٍ لثيابها المختارة لتلك المناسبة وعلى استعادةٍ لشعورها ولكلامها وتصرّفها عند وقوع الحدث. وهي تقيم في خارج البلاد، أحياناً، بعيداً عن أسرتها الوالدية، شأنها حين تلتحق بزوجها في الرياض أو حين تكون في سياحةٍ فتتبعها روايتها حيث تكون. فهل هذه سيرة لصونيا فرنجية الراسي إذن يحضر فيها والدها حضور الوالد المعتاد في حياة ابنته وقد يروح ظلّه ينكشف كلّما كبرت هي واستقلّت بأمرها؟
يتعذّر الأخذ بهذه الفرضيّة لأن الإبنة باقية في المدار القريب لوالدها وإن ابتعدت عنه بالجسد، في وقت من الأوقات، ولأن طريقتها في إدراج حياتها في حياته لا تستبقي لها حياةً قائمة بذاتها فعلاً وتنذر بانفراط الكتاب انفراطاً تامّاً لو جازفنا باعتباره سيرة لمؤلّفته. ثم إن الكتاب يوقف روايته قبل ثلاثين سنة من اليوم أي مع مغادرة الوالد حلبة السياسة. فيوحي بذلك أن صاحبته التي لم تكن تبدو ميالة إلى إهمال شخصها ووقائع حياتها، قبل هذا التاريخ، أصبحت لا تجد ما تقوله عن نفسها في ثلاثة عقود انقضت على اعتزال من كان الرأس الفعلي لعائلتها قبل هذا الانسحاب وبعده.
حوْلَ هذا الرأس تنعقد سيرةٌ ليست سيرتَه وحده ولا سيرةَ المؤلّفة وحدها. فإنما تنعقد سيرة العائلة كلّها وتتسرّب هذه في حياة البلدة (زغرتا-إهدن) وفي حياة البلاد كلّها بحيث توشك أن تستوي مداراً لحياة البلاد أو تُبادلها المداريّة دون إمكانٍ سهل لتعيين جهةٍ من الجهتين ينبجس منها المدار وينتمي إليها. ومعنى هذا التسرّب أنّه سيتعذّر علينا أن نستشعر اختلافاً في الحال أو المآل بين الرجل الذي يلعب طاولة الزهر في «نادي» منزله أو يتناول قهوته مع اثنين من رجاله في مقهى من مقاهي طرابلس وذاك الذي يشهر مسدّسه وهو يُهرع للاحتماء من الرصاص بعمود من أعمدة الكنيسة في قرية مزيارة المجاورة وذاك الذي يباشر مهامّه رئيساً للجمهورية بعد أن فاز بالمنصب بأكثرية صوتٍ واحد.
وذاك أن العائلة هي الأصل والأفق هنا وليس الشخصُ إلا عنوانَها ولسانها. بل إن الطائفة والوطن (الذي هو دائماً على حقّ) ليسا إلا مجال العائلة ومضمارها. وما يجعل الكتاب وثيقةً أنثروبولوجية مستحقّةً أن تتّخذ هي نفسها موضوعاً للدرس، إنما هو هذه الحميمية ذات المصدر العائلي تنبعث من العلاقات ومن التصرّفات والأشياء مهما يكن نطاقها أو صعيدها. فالذي يحضر الاجتماع أو يتّخذ القرار أو يستقبل الزوّار هو الوالد طبعاً وهو الزعيم أيضاً وهو الرئيس بلا فصل ولا تمييز.
عليه نطّلع من الكتاب على نظرة المؤلّفة إلى العالم وهي نظرة منتمية إلى بيئة بعينها ودالّة عليها. ولا ريب أن الكتاب يستردّ أيضاً وجهاً مختلف الملامح نسبياً لرئيس غلب على صورته العامّة صيت القسوة والعنف الصادرين من عالمٍ ريفيّ مختصر. غير أن قوّة التشويق التي في النصّ تنبع من حيث أشرنا: أي من اختلاط العامّ والخاصّ في مساكنةٍ غير مؤكّدة الشرعية ومن نزهة طويلة يؤخذ فيها القارئ إلى حياة بيت وأسرة بعينهما فيما تتوالى في المساق نفسه حوادث لم تلبث أن أدمت البيت نفسه حين كانت تسيل الدماء في البلاد أنهاراً.

أحمد بيضون

ميشال فوكو لا يزال في الثلاثين

أحمد بيضون

يستذكر أهل الفلسفة والتاريخ وسائر علوم الإنسان والمجتمع، في هذه الأيام، ميشال فوكو إذ انقضى على رحيله ثلاثون سنة. يستذكرونه ويخصّونه بالمقالات وهم لم يكونوا قد نسوه. ففي سنة 2007، كانت منشورةٌ مختصّة تشير إلى أنه الأوّل في العالم بين من تُسْتقى الشواهد من أعمالهم في مجال العلوم الإنسانية.
هذا ولم تكن هذه الأعوام الثلاثون خاويةً من أعمال له أصبحت في متناول العموم أو جُمعت وأعيدت إلى متناولهم بعد رحيله. وهي لم تكن خاويةً أيضاً من كتب ومقالات تناولت الشخصَ وأعماله وكتب بعضها كبارٌ من أقرانه أمثال الفيلسوف جيل دولوز والمؤرّخ بول فين. وفضلاً عن الطبعات المتواصلة لمؤلّفاته والترجمات التي حملتها في أربعة رياح الأرض، صدرت مع انقضاء السنة العاشرة على غيابه مجلّداتٌ أربعة يربو مجموع صفحاتها عن ثلاثة آلاف ضمّت تحت عنوانٍ عامّ هو «المقولات والمكتوبات» أعمال الرجل «الصغرى» أي مقالاته وأحاديثه، خصوصاً، مرتّبةً بحسب تواريخ نشرها الأصلي.
وكان فوكو قد أوصى بألا تُنشر له، بعد وفاته، أعمالٌ لم تكن نشرت في حياته أي ـ مثلاً ـ نصوصٌ له بقيت مخطوطة. وكانت المجلّدات الأربعة قد استبعدت نشر الدروس التي ألقاها فوكو في أربعة عشر عاماً (تسقط منها سنةٌ سابعة) كان فيها أستاذاً في «الكولّيج دو فرانس»، وهو «الجامعة المفتوحة» التي بلغ عمرها قروناً ولبثت تعدّ أرفع مؤسسات التعليم العالي والبحث مقاماً في البلاد من غير أن تُجري امتحاناتٍ أو تمنحَ شهادات. فكان أن استوى نشر هذه الدروس مشروعاً على حدة راحت تترى مجلّداته في السنوات اللاحقة ليكتمل عقدها في السنة الجارية بظهور الثالث عشر منها تحت عنوان «الذاتية والحقيقة»، وهو يحوي دروس السنة 1980 ـ 1981. فإن تتابع الصدور لم يراعِ تتابع سنيّ التدريس (التي كانت آخرها سنة 1983-1984) مراعاةً تامّة…
لعلّ نشر هذه الدروس انطوى على مخالفة لوصية فوكو الآنفة الذكر. وقد أخذت نصوصها عن أشرطة المسجّلات التي كان بعض الحضور يضعها على منبر المحاضر. مع ذلك، لا يسعنا إلا أن نعتبر وجودها بين أيدينا محلّ ترحيب. كان مضمون البعض من هذه الدروس قد استعيد في كتبٍ لفوكو صدرت في المدّة نفسها: في «المراقبة والعقاب» وفي «تاريخ الجنس» بالأجزاء الثلاثة التي صدرت منه. ولا يخلو بعضها الآخر من استعادة لمؤلّفات أخرى له سبق صدورها أو تأليفها التحاقه بـ»الكوليج دو فرانس» وخصوصاً لـ»تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» ولـ»الكلمات والأشياء» ولـ»علم آثار المعرفة».
وقد يصحّ الافتراض، بسبب من هذا التكرار، على التحديد، أن فوكو ما كان ليوافق على نشر الدروس… وأما ترحيبنا نحن بنشرها فإن التكرار المشار إليه واحدٌ من الدوافع إليه. ويبقى التكرار بعيداً، في كلّ حال، عن استنفاد ما في هذه الدروس من قوّة الفكر وألمعية العرض والمنطق وغزارة المعارف ومن الخصوصية الشديدة للمصادر أيضاً: (محفوظات السجون والمصحّات، المؤلّفات القديمة في الطبّ، إلخ، إلخ.) . فإذا قرنّاها بالمجلّدات الأربعة التي سبق ذكرها وقفنا على شريط زمني تنتظم على مداه موضوعاتٌ وأنواع من النصوص بالغة الوفرة ولكن يتّصل في مداه أيضاً مخاض فكري متلاطم أو مخاضات. فههنا نقع على النظريات والكشوف التي بسطتها كتب المؤلّف وهي لا تزال تتكوّن ولا يخلو تكوّنها من بعض تعثّر أو تردّد. ثم نقع أيضاً على حالاتِ نزوعٍ إلى الخروج على ما كان الرجل نفسه قد اعتمده أو خلص إليه… أو ان هذا ما يبدو لنا، في الأقل.
وبين أهمّ ما يدخل في باب إعادة النظر مسألة «الذات» التي كان استيعابها في «أنظمة» للفكر تتجاوزها قد طغى على القراءات السائرة لـ»الكلمات والأشياء» وأملى في ما أملى الاسم الذي اختاره فوكو لكرسيّه في «الكوليج دو فرانس»: «تاريخ أنظمة الفكر». هذا كلّه في إبّان ازدهار البنيوية التي أبى فوكو التسليم بنسبته إليها. وأيّاً يكن الأمر، نشهد عودة مسهبة في دروس السنوات الأخيرة وفي «تاريخ الجنس» أيضاً إلى «الذات»: لا لإعادتها إلى عرشها الديكارتي بل لترسّم «شجرة نسبها» في الفكر الغربي وفي نسيج السلطة والمعرفة الذي أثمر الأنظمة المتعاقبة لهذا الفكر. وهذا تعاقب يراه فوكو تقطّعاً فتبدو كلّ نقلة فيه وكأنما هي انقلاب.
هذا النوع من التقلّب، بما فيه من عزيمة فكرية ومن ترجّحٍ وشكٍّ أيضاً، هو ما تكشفه الدروس ومعها المقالات والأحاديث إذا ما هي وضعت بإزاء الكتب الناجزة. وهو ما يمنح فوكو حياةً ونضارة إذ يتيح له (ونحن معه) التنفّس في خارج صورةٍ له بقيت مألوفةً على زيفها: صورة المفكّر القطعي الذي قال بـ»موت الأنسان» وأدرج الفكر الحيّ في شيء سمّاه «الأنظمة» يبدو بتكوينه المرهف وجليديته أشبه بالمركبات الفضائية، مثلاً، منه بالجسم الحيّ.
وهذا مع أن فوكو، وهو ابنٌ لطبيب، لم يستقم له يوماً أن ينسى جسمه هو ولا هو كان جاهلاً ما تطوي المجتمعات البشرية أجنحتها عليه من عنفٍ وشقاء. يشهد لذلك، فضلاً عن مواقفه في السياسة، استئثار أهل الهوامش من مرضى عقليين وغير عقليين ومن سجناء ومن أصحاب رغبة خارجة عن حدّ الشرعية الاجتماعية بجلّ تآليفه. وحيث بدا أن فوكو غادر هذه الهوامش راح يبحث في «الحُكْمانيّة» أي في تتويج الدولة الحديثة سائر بنى السلطة المرتسمة في الفكر والفاعلة في دخائل المجتمع…
وذاك أن الرجل كان يلازمه جرحٌ يصعب الفصل بين همّه والهموم الفكرية لحامله. كان فوكو قد عاش بصيغة الأزْمة المدمّرة والشعور بالعار، في فتوّته على الأقلّ، مِثْليّته الجنسية. وقد أورث هذا الشقاءُ محاولتين للانتحار ومزاجاً عَكِراً وجنوحاً إلى العزلة. وقد شابَهَ آخِرُ هذا المطاف أوّلَه. فرحل، في عداد الموجات الأولى من المرضى بالإيدز، رجلٌ صمدت مكانته بعده باعتباره أوسع أهل التأمّل في نُظُم الفكر والمجتمع نفوذاً في عصرنا هذا.
رحل عن 57 سنة…

أحمد بيضون

منطق المكتبة

أحمد بيضون

باشرْتُ اقتناءَ الكتب قبل نيّفٍ ونصف قرن وأصبح عندي اليوم مكتبة ضخمة. ويصبح للكتب مقام استثنائي التصدّر بين مقتنيات واحدنا إذا اتّفق أنه من فئة الكتّاب أو المؤلفين وممن يزاولون من بين هؤلاء حرفة البحث، على الخصوص… قد تُنسب الكتب، في هذه الحال، إلى لوازم المهنة. ولكن حاجة الباحث في القانون، مثلاً، إلى الكتب ومقامها عنده شيء مختلف عن حاجة محامٍ يَقْصُر همّه على إجادة الدفاع عن مصالح موكّليه. وفي كلّ حال، يفترض أن تبقى «المطالعة» التي كانت فاتحة الطريق إلى تكوين المكتبة مواكبةً لسائر الهموم التي تتدخّل في إنماء المقتنى من الكتب.
تواكب المطالعة تكوين الشخصية العَقَدية، خصوصاً، أي ارتسام الخطّ الفكري الذي يُدْرج المرء في جماعة معنوية أو وجهة انتمائية ويجعل له في الناس نظراء وأضداداً. وتواكب، على الأخصّ، كل انعطاف في هذا الخطّ يفترض البحث عن أسانيد وشواهد كثيراً ما تجبّ ما كان قبلها. وقد يتوزّع هذا بين حقول وهموم متباينة. وعلى غرار الخطّ الفكري، تتكوّن الذائقة بما هي طلبٌ للمتعة وللمعرفة اللانفعية وتروح تتحوّل ويُسْفِر نموّها عن فروعٍ ومراحل. وعليه تستوي المطالعة، بما هي شرطُ نضارةٍ ونَماءٍ، مَلوَنةً لمراحل العمر جميعاً وتتشكّل المكتبة مرآةً أو جسداً لهذه المَلْوَنة.
تستوقفني مكتبتي اليوم لأن شيئاً مقابلاً للكتب، هو الشبكة العنكبوتية بقضّها والقضيض، أخذ يلحّ علينا لاعتبار المكتبة ذات الرفوف ماضياً مضى. لا أظن، وقد أصبحت متقدّماً في العمر، أنني سأبلغ يوماً أعتبر فيه كتبي مقتنياتٍ مُتْحفية. وهذا مع العلم أنني ضالع أشدّ الضلوع في الممارسة الحاسوبية من عقد ونصف عقد. متردّداً أرتضي الوقوف اليوم والنظر إلى مكتبتي، بسببٍ من توزّعي بينها وبين الشبكة، وكأنها باتت على مبعدة…
ما الذي أعدّه وصفاً مناسباً لرفيقة عمري هذه؟ أضيق أحياناً (ويضيق بيتي) بمهمّات إيواء الكتب وتصنيفها والعناية بها ولا يفوق هذا الضيق بالكتب سوى الضجر مما يقتضيه تنظيم الأوراق المحفوظة. ولكن يبقى أقْرَبُ ما يسعني قوله في المكتبة أنني أراها تجسيماً جيولوجياً لما يمكن أن أعتبره «طبقات» العمر. فحين رحت أغادر الماركسية، مثلاً، لم تلبث أعمال ماركس وإنجلز ولينين وسواهم من أضرابهم أن تدرّجت نحو الرفوف العليا، وهي جنّة الكتب التي يرجّح ألا نفتحها بعد اليوم: بالمعنى الذي يقال فيه أن الأسرّة جنّة الأطفال فلا ينبغي اصطحابهم إلى الأعراس!
في الموضع الذي أخلته تلك الكتب، أي في الصدارة، تجاورت أعمالٌ متعلقة بتاريخ لبنان وأخرى موزّعة بين الوجوه الجديدة في الفلسفة الفرنسية وأقاربهم في العلوم الاجتماعية… وأمّا كتب العربية التي جمعتها حين حاولت أن أَضْرِب بسَهْم في بعض مسائل اللغة والمعاجم، فهيّأت لها مصيراً آخر: بقيَت في المتناول ولكن لا أتناولها… أنساها آماداً طويلة ولكن أجدّد التعهّد لنفسي أن هذا الطلاق لن يصبح بائناً أبداً. أقلّ حظوةً من كتب اللغة، كتبٌ كنت أحتاج إليها (أو أتوقّع الاحتياج إليها) في سنوات التدريس المتمادية. هذه غادرت غرفة مكتبي إلى الرفوف التي في الممشى. والشيء نفسه حصل لكتب كثيرة كانت «مكتبات بحث» لهذا أو ذاك من تآليفي. السيرة التي وضعتها لرياض الصلح، مثلاً، تخلّفت منها رفوف عديدة مكتظّة يسعني، إذا شئت، أن أوزّع محمولاتها بين زوايا عدّة متباعدة من خزائن كتبي.
هذا ومن عيوبي أنني لا أستغني عمّا يصل إلى يدي من كتب سفيهة. أقول إن بعضاً من تآليفي وجد معظم مادّته في أعمالٍ لا تعدّ ذاتَ شأنٍ في أبوابها ولكن لا يستغنى عنها بما هي «أدلّة» و»عيّناتّ» ترشد إلى واقع الأحوال في قطاع اجتماعي أو معرفي. وهي، في أدائها هذه الوظيفة، أوفر دلالة، على التعميم، من مؤلّفات العباقرة. هكذا أجدني أداري ضيق شقتي البيروتية بالكتب الجديدة بترحيل السخيفة القديمة إلى منزلي الجبلي الذي استوى، قبل بضع سنوات، متنفّساً لمكتبتي. ولكن غلب على ما أنقله إليه مجاميع الدوريات وما أعدّه قليل القيمة من الكتب ومعها كتب تهدى إليّ ولا أقرأها وثالثة لا يًحْتمل أن أحتاج إليها في بحر السنة التي أمضيها في بيروت باستثناء الفصل القائظ.
الواجهات الزجاجية للكتب الجميلة الإخراج أو لتلك الرفيعة المقام، والخزائن ذات الأبواب الخشبية لتلك التي تجمع إلى قبح المظهر ضعف احتمال العودة إليها: الأطروحات خصوصاً! والرفوف المكشوفة للكتب التي يتعين بقاؤها في متناول اليد، والخزائن المسمّرة بالسقف لعوالم كتبية أمست خلفي، والجبل لمجموعات المجلات وللكتب السقيمة التي يجب الإبقاء عليها احتياطاً ولمُهْدَيات لم تُصبح مثار شهية ولأعمال أدبية تُستبعد العودة إليها بعد القراءة أو يؤمل التفرّغ لها في أماسي الصيف، إلخ، إلخ.
… وما الذي قرأْتَه من هذه التآليف المؤلّفة كلّها يا بنيّ؟ اقتنيتُ كتباً قرأتها لغرضٍ كان يدعو إلى ذلك أو لوجه القراءة. واقتنيت أخرى لم أقرأ منها إلا صفحات أو سطوراً أمْلت قراءتها حاجةٌ ما. واقتنيت كتباً بدافع الشعور الغلاب أن عليّ أن أقراها ولكن حالت دون ذلك حوائل فزاد كلّ منها حسرة على حسرات. واقتنيت كتباً ألزمتني دواعي العمل بالسهر عليها ليالي طويلة ألخّصها وأدوّن ملاحظات وأفكاراً متصلة بها وما كنت لأَقْرُبها لولا دواعي العمل. ولا أعود إلى الهدايا وكان بعضها رائعاَ ولكن وقع في غير أوانه وكان بعضها الآخر رديئاً فتعذّر أن يقع في أوانه.
عليه تتخلل الرفوفَ حسراتٌ لا تُحْصى، متنوعةً البواعث، خَلّف بعضَها الإحجامُ وبعضُها خَلّفه الإقدام. ومن المُتَع، وهي كثيرة أيضاً، ومن الحسرات تكوّنَت كلّ طبقةٍ من طبقات العمر وتمثّلت في رفٍّ أو رفوف. ولكن المكتبة لا تستنفدها طبقاتُ العمر الجيولوجية بل فيها أيضاً مسالكُه وشِعابه وفيها مقاصيره وساحاته وفيها منابره ومخابئه. لذا يبدو الأقرب إلى وفائها حقَّها أن نَرى فيها شيئاً من قبيل شجرةِ الحياة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

مُسَوّداتٌ لأَعْمار

أحمد بيضون

بين الأعمال الكثيرة التي تقدّمها منيرة الصلح في معرض كبير لها لا تزال تستضيفه صفير زملر غاليري في بيروت، استوقفتني مليّاً رسوم كثيرة للاجئين سوريين إلى لبنان معروضة جنباً إلى جنب في صفّ واحد على جدار واحد…
يبلغ عدد الرسوم المذكورة نحو خمسين ولكن الفنّانة قالت إنها ستواصل عملها هذا حتى يجتمع عندها آلاف من هذه الرسوم.
اختارت الصلح حاملاً لرسومها هذه أوراقاً صفراء اللون منتزعة من كرّاسةٍ من تلك التي تستخدم للمسوّدات، وقد ننزع أوراقها واحدةً تلو الأخرى بحركةٍ واحدة تجعل الورقة تنفك عن مثيلاتها من الجهة العليا من الكرّاسة. وقد نلقي هذه الأوراق المنتزعة في القمامة إذ هي ليست ممّا وجد ليُحتفظ به ولا ما يدوّن أو يُخطّ عليها يعتبر قيّماً أو نهائيّاً، في العادة، بحيث يسوغ الحرص عليه. من بين الرسوم الخمسين، ثلاثة أو أربعة استخدمت لها الفنّانة ورقاً أبيض لا يفترق في شيء عن الأصفر سوى باللون أو بغيابه. فيبدو هذا الاستثناء مقصوداً لخرق الرتابة أو يبدو غير مقصودٍ أملاه وجود الكرّاسة الصفراء في خارج المتناول، لا أكثر ولا أقلّ. هذا والداعي إلى كسر الرتابة وجيه: فإن هذه الرسوم، وإن تكن معروضة لينظر إليها وفيها واحداً واحداً، معدّة أيضاً لتشاهد عن بعد خطوات على أنها «حالةٌ» مركّبة وعملٌ واحد.
وأمّا المادّة المستخدمة في الرسم فهي الحبر الأسود وحده غالباً أو هي الفحم أو الحبر الأزرق أحياناً. ويداخل السوادَ شيء من الحبر الأحمر في حالات قليلة، فنقع عليه حيث ينتظر: أي لون للشفتين، مثلاً، أو نقع عليه حيث لا ينتظر أي عنصر في التشكيل قد يشي بجرحٍ ما، داخليّ أو خارجيّ. ولا يذهب الفكر إلى الحبر الصيني الذي لا يحول بل إلى نوع من الحبر أو الفحم يجاري الورق المستعمل في تدنّي القيمة فيبدو وكأنه فقد رونق الجدّة على عجل وأدخل نكهة تعبٍ باهتة لا إلى ملامح الوجوه وحسب بل إلى مادّتها نفسها. وذاك أننا هنا حيال وجوه تتفاوت درجة الاكتمال في بيان ملامحها فيبدو بعضها ملتحياً كثيف القسمات ويكتفي من بعضها بتخطيط ناقص لمحيط الوجه يفترض أن يشي بما تبقّى وأن يعرض بداية لتعبير ما. على أن الوجه لا يظهر وحده غالباً بل يبدو الرأس محمولاً على كتفين وجذع على منوال الصورة النصفية التي تؤخذ لبطاقة الهوية أو لجواز السفر. وتنفع الثياب في الإيحاء بأوضاعٍ لابسيها، وعلى الأخصّ منها ثياب النساء وهنّ قلّةٌ في المجموع المعروض.
هذا وقلّما نقع على خلفية ذات أهمية في التشكيل أو على شيء آخر يسعف في تعيين ملمحٍ ما من ملامح الشخصية. نقع على دفتر هنا ونقع هناك على قناني تشي بأن صاحب الوجه مضيف في خمّارةٍ أو مطعم ونقع في حالاتٍ ثالثة على ازدواج للوجه نفسه: على وجهين يسعف أحدهما الآخر في جهده لقول نفسه. ولكن نقع في كثير من هذه الرسوم على كلام كثير أو قليل يعلن شيئاً متعلّقاً بصاحب الوجه: شيئاً مهمّاً جدّاً. هذا الكلام مكتوب، على الإجمال، بالقلم الرصاص: بالمادّة الرخيصة نفسها التي خطّت بها ملامح الوجه. وهو مكتوب إلى ذلك بخطّ رديء وملقى على الصفحة بلا عناية ظاهرةٍ بالإخراج بحيث يضاعف الشعور بالاستعجال ويزيد ظاهر الصفحة كلّها إهمالاً على إهمال…
ولكنّ الكلام المقروء ههنا مهمّ جدّاً، قلّ أم كثر. بل إن الرسوم التي لا يصحبها كلامٌ البتّة تبدو عرضةً لنوع من العدوى بفحوى الكلام المرافق لوجوهٍ أخرى ماثلة على الجدار نفسه. فهذا الكلام ينشئ بيئةً تُستغرق فيها الشخصيّات. هو لا يبطل ما لكلّ من هذه الشخصيات من فرادة. هو يقول هذه الفرادة، على وجه التحديد، فيحيلها إلى حالةٍ عامّة. نقرأ على إحدى الصفحات: «أبو غابي» ونقرأ: «من ماليزيا على تركيا». ونقرأ على أخرى عبارات متفرّقة كتبت بخطوط وأقلام عدّة وكأن الشخص مشكلٌ أو ملتبس على نحوٍ يجعله موضوعاً جذّاباً لتعليقات سائبة. وعلى ثالثة، نقرأ عبارةً واحدةً مستعارةً من المتنبّي: «كأن الريحَ تحتي»! وتقول المرأة التي على صفحة رابعة أنها «من قلب حلب». وتضيف أنها «خشم عالي» وأن عمرها أربعون وتذكر أسماء أولادها الأربعة: إحسان ومحمد نجم ويوسف وفاطمة الزهراء! إلى أن تذكر شيئاً غير واضح يتعلّق ببلدة الناعمة إلى الجنوب من بيروت وتختم بالقول أن عليها أن تبدأ مجدّداً من الصفر…
نلتقي أيضاً «طبيب أعشاب» يعمل حالياً في الشويفات (إلى الجنوب من بيروت أيضاً) في محلّ للألبسة المستعملة. ثم نصل إلى ولد في نحو العاشرة يقول أنه بلا مدرسة من سنتين قبل أن يتطوع لإطلاعنا على قول يبدو ماثوراً: «بدّك تعرف الحوراني من زرّو الفوقاني»! وأما درّة التاج في المجموعة فهو مضيف الخمّارة الذي يقول: «أنا أردني، أمي من تايلند، ولدت في بيروت وكبرت في حلب. مرتي أجت مبارح من طرطوس بعدما انتقلت من حلب على طرطوس وحالياً في جلّ الديب»… في تلاحق الأمكنة ازدحامٌ للأخطار. ولكن تلوح عبره أيضاً قدرةٌ على ارتجال المخارج لا ينضب معينها.
يُظْهر الكلام إذن وتُظْهر الملامح، شيئاً لا يمكن كسره… ما هو ظاهرٌ أو موضوعيّ، في هذه الحيوات، كلّه هشّ ورخيص قيمته قيمة الحبر والورق اللذين استعملا في رسمه وهو قابلٌ، على غرارهما، للإلقاء في سلّة القمامة. وأما الروح فهي في أغلظ الملامح وفي أدقّها. وهي أيضاً في الكلام، لا يحتاج ظهورها إلى كلمات كثيرة. هي، مثلاً، في «الخشم العالي» لأمّ الأولاد الأربعة وفي الريح التي تحت صاحبنا الآخر.
المزيد يا منيرة!
كاتب لبناني

أحمد بيضون

تشريحُ نظام ملكي

أحمد بيضون

في «المرحلة» الثانية من كتابه، وهي المرحلة التي تغلب فيها تغطية عقدٍ ونصف عقد انقضت من عهد ملك المغرب الحالي محمد السادس، يميل الأمير هشام العلوي، صاحب «المذكّرات» الفريدة التي عرضنا «المرحلة» الأولى منها في مقالتنا السابقة، إلى تغليب الرصد العامّ لمشكلات النظام والمجتمع المغربيين وإلى الوصف المُحْكم، وإن يكن إجمالياً، لمعالم المعالجة الممكنة. عليه نجدنا في هذا القسم حيال مطالعة متينة الإسناد، جيّدة السبك، لحالالمغرب في هذه السنوات الأخيرة ولحدود الإصلاح الذي كان قد باشره الحسن الثاني في نهاية عهده واستأنفه خليفته حتى وصل به إلى مآل دستوري في الاستفتاء الذي انتهت إلى فرضه حركة الاحتجاج المسمّاة حركة 20 فيفري (شباط) 2011. وكانت هذه الحركة نصيب المغرب من المدّ الكبير الذي أطلق عليه اسم «الربيع العربي». ويرى الأمير حدود هذا الإصلاح ضيقة على الحاجات الماثلة التي يبرز اضطرار النظام إلى الاستجابة لها إذا هو شاء المحافظة على نفسه…
وإذ يميل المؤلّف في هذه الفصول الأخيرة من كتابه إلى البحث العامّ في شؤون المغرب ونظامه، لا ينسى ما آل إليه أمره، هو هشام العلوي، مع الملك الجديد، ابن عمّه الذي يكبره بسنة واحدة وكان عشيره في البيت والمدرسة وأحد أقرب الناس إليه في طفولته وفتوّته. وما نقف عليه بهذا الصدد هو أن عهد محمد السادس شهد الانتقال من المحاولات الحثيثة لاسترداد «مولاي هشام» إلى الأسرة المالكة ومنطقها وسلطة رأسها، وهي ما طبع عهد الحسن الثاني، إلى المحاولات المتكررة لتحطيم حياة الأمير وتدمير سمعته وتثبيط مشاريعه في المغرب وخارجه وإخراجه من نطاق الأسرة إخراجاً لم تُستثنَ منه علاقته بأمّه وأخيه، وهي ما طبع المرحلة المنقضية من عهد الملك الحالي… يروي الأمير وقائع المساعي المنحطّة هذه مستنكفاً عن الجزم باتّهام الملك شخصيّاً بها (وعن الجزم ببراءته منها أيضاً) مؤثراً تسليط الضوء على «المخزن» ورجاله أي على النظام…
لا يجنح هذا الكتاب إلى التبجّح بصمود مؤلّفه في وجه ما عاناه. فهو يبقى سيرةً خفرةً لصاحبه تشدّد على ما جرى له ولا تبالغ في التشديد على ما فعل من جهته. بل إن المؤلف يحرص، في مطلع الكتاب، على الإشارة إلى كون ما لقيه يبقى، ولا ريب، دون ما عاناه مغاربة لا يحصون، في نفوسهم وأجسادهم، من بطش عمه الحسن الثاني. عمّه الذي كان، في الآن عينه، شديد التعلّق بالأطفال في أسرته وسريعاً إلى الضحك من فلتات «مجنونه» المفضّل. على أن الأمير لا يلتفت بما فيه الكفاية إلى أدواتٍ تَزَوّدها من منبته نفسه وخاض بها معركة استقلاله عن هذا المنبت…
فلا يماري القارئ المنصف في شجاعة هذا الأمير، وهو يواجه، من نعومة أظفاره، خصوماً لهم كل هذا البأس. ويلمس القارئ صدق سخريةٍ هادئة يخصّ بها المؤلف صورة «الأمير الأحمر» التي رسم له الإعلام ملامحها بحبر الإثارة. فما شأن «الحمرة» برجلٍ أراد لنفسه النجاح في الأعمال بهذا العناد كلّه ويريد لبلاده إصلاحاً يبرز، إذ يعيّن معالمه، عقلنة رأسمالية للنظام يعرف كلفتها الاجتماعية على الريفيين خصوصاً؟ وهو، إلى قوله بتحرير الإرادة الشعبية وتفعيلها، لا يخفي الميل (المنوطَ عنده بالقبول الشعبي) إلى الإبقاء على ترسيمة أساسية للنظام المغربي عمرها قرون ويحتاج الإصلاح نفسه في رأيه إلى ما توفّره من استقرار.
غير أن المؤلّف حين يشير إلى صحبته لذاك الشيخ النهياني من أبو ظبي ولما أنجده به المذكور ومعه نفرٌ آخرون من أصدقاء والده في وقت الشدّة… أو حين يشير إلى منحة عقارية ولَفَتات أخرى خصّه بها رأس الأسرة السعوديةالتي تحصي في عدادها أبناءً بارزين لإحدى خالاته الصلحيات… أو حين يذكر ما حظي به من عناية بجوار الأمير الحسن، ولي عهد الأردن في حينه، وإلى الصلة الوطيدة التي انعقدت بينه وبين الملك حسين… أو حين يشير إلى «جيرة» خالته الكبرى في باريس لقصر الأليزيه وهي «جيرة» أتاحت لها أن تستوقف فرنسوا ميتران لتحصل منه على موعد لابن شقيقتها الذي كان الاضطهاد الملكي يلاحقه في العاصمة الفرنسية… أو حين يشير إلى الحجم الضخم لتركة والده العقارية، ولو أن الاضطهاد نفسه أخّر كثيراً نيل الوَرَثة حقّ التصرّف بهذه التركة…
…أو حين يستعيد هذا الأمير من مخاطبيه أو ذاكريه اسمه: «مولاي هشام» (دون إمكانٍ لفصل اللقب عن الاسم) وهو اسمٌ تجعل «ياءُ النسبة» فيه كلّ متلفّظ به مُقِرّاً شاءَ أم أبى! بالولاء لصاحبه… فلا يبقى هذا «المولى» مولىً بلا تحديد لموضوع ولايته بل يصبح حُكْماً مولى المتكلّم أيّاً يكن! في كلّ من هذه الحالات وفي غيرها، يتراءى، عبْرَ ما يرويه الأمير من وقائع سيرته، فضلُ منبته عليه في ما انتهى إليه أمره من جولات كسبها ضدّ هذا المنبت نفسه. هي جولاتٌ كسبها هشام العلوي في وجه إصرار الملك والمخزن على وضع يدهما عليه والتحكّم بمصيره. غير أن أيّاً من «الأوراق» التي وجدها تحت يده، وهو يناوئ بيئته، ما كانت لتقع إلا تحت يده هو أو يد أمير من طينته. ذلك أمر كان يستحقّ لا ريبَ أن يستوي موضوع تأمّل في هذه «المذكّرات». لكن ذلك لا ينتقص بحال من ملحمة الشجاعة والعناد الشخصيين التي يسجّلها هذا الكتاب بخفرٍ وأناقة، ولا ينتقص بحال، على الأخص، من القيمة الأدبية الرفيعة لهذا الكتاب بما هو شهادة تفوق الوصف والأمل في الأحوال المعاصرة لبلاطٍ ونظامٍ دهريّين…

أحمد بيضون

«مذكّرات أمير مُبْعَد»

أحمد بيضون

في وسط الكتاب غير المسبوق الذي نشره، قبل أسابيع، الأمير هشام العلوي ابن عمّ ملك المغرب الحالي، يذكر المؤلّف أمراً بعينه يوضح أنه فهمه بعد حديث مع عمّه الحسن الثاني جرى في وقتٍ ما من تسعينات القرن الماضي. وذاك أن النظام الملكي في المغرب يمزج مزجاً جوهرياً ما هو ديني وما هو عائلي وما هو سياسي فيجعل من هذا الثالوث أقانيمَ متحدةً ومنفصلة في آن. والحقّ أن هذا المزج يخترق الكتاب من أوّله إلى آخره ملقياً ما يكفي من الضوء على سيرة هذا الأمير التي يتحكّم فيها تنازع بدأ باكراً بين شخصه الآخذ في التكوّن وبين مقتضيات منبته. وهو تنازعٌ أدخل الأمير في مواجهة استغرقت معظم حياته حتى الآن وبقيت لا تعرف المهادنة مع مَلِكين تباعاً هما عمّه وابن عمّه. تلك مواجهة اختلفت طبيعتها من الملك السابق إلى الملك الحالي وجعلت نفَس الكتاب يتغيّر كثيراً تبعاً لهذا الاختلاف فينقسم عمليّاً إلى نصفين تهيمن على كلّ منهما شبكة من الهموم والمشاغل مغايرة لتلك التي تفرض نفسها على النصف الآخر.
فمع أن الشأن المغربي العام يحضر باكراً في مبادرات الأمير المولود سنة 1964 وأحاديثه، فإن سيرته مع الحسن الثاني تبقى، من حيث الأساس، سيرة تحرّر شخصي من القبضة التي يطبقها هذا الملك الجبّار على حياة ابن أخيه حيثما وُجِد. هذا الإطباق فرعٌ، بدوره، من تحكّم الملك، بما هو رأس العشيرة، بأخيه عبد الله، حتى وفاة هذا الأخير، وبأسرة أخيه كلّها، زوجة وأولاداً. والزوجة هي اللبنانية لمياء، ثانية بنات رياض الصلح الخمس، والأولاد صبيّان وبنتٌ بكرهم «مولاي هشام».
في هذا الصدد، يكشف هشام العلوي، بإقدام عزيز النظير، صوراً من حياة البلاط الحَسَني تكاد لا تبقي ستراً على شيء أو أحد. فالملك جادّ في إفساد أخيه وإضعافه إذ هو يخشى تفلّت عبد الله من سلطانه ويتوجّس من بعض القنوات المفتوحة بين هذا الأخير وشخصيات من المعارضة. ولا يستثنى من وسائل الإفساد توجيه الملك أخاه نحو إدمان الخمرة ولا تسهيل ميله إلى الجري وراء نساء مشوبات السيرة بتيسير خروجه من القصر بلا علمٍ من زوجته. حتى أن لمياء الصلح تضطرّ إلى بذل جهود حثيثة معقّدة لإبعاد اثنين من قوّادي البلاط عن القصر في سعيها لاسترداد زوجها إلى بيته. في قصر «أمير المؤمنين» الذي لا يفوته فرض صلاة قوّادون إذن. وفيه «مجانين» يسرّي الملك عن نفسه بتوجّههم إليه بضروب من الكلام والتصرّف لا يُتوجّه بمثلها إلى الملوك. وهي ما يمنح الملك فرصة التحرّر الطوعي للحظة من استواء وجهه قناعاً يفرضه عليه موقعه. وهذا تحرّر يقبض الملك على مقاليده ويرسم له حدّه ومدّته سلفاً. في البلاط حكواتيون أيضاً كانوا لا يزالون مقيمين فيه بعد وصول التلفزة إليه.
هذا وفي القصر «وزير» مكلّف إحصاء أنفاس العباد ووقف كلّ امرئ عند حدّه إن لم يكن بالقمع فبالإفساد. بالقمع الذي بلغ ذرىً مهولة في المرحلة الوسطى من عهد الحسن الثاني المديد، أي في أعقاب محاولتي الانقلاب اللتين قاد أولاهما، في مطلع السبعينات، الجنرال مدبوح، أحد كبار القادة العسكريين، وقاد الثانية، في العام التالي، «وزير» الملك نفسه، أي رأس معاونيه وأقربهم إليه، الجنرال أوفقير. تلك مرحلةٌ أصبح رمزاً لاحقاً لها سجن تزمامرت الرهيب في جنوب البلاد… بالقمع إذن… أو بالإفساد الذي هو الوجه الغالب على حياة «المخزن» كلها أو هو أسلوب «المخزن» في الحياة.
وما أدراك ما «المخزن». «المخزن» شبكة أخطبوطية من الأجهزة والمؤسسات والموارد هي آلة السلطة والحكم المصاحبة للنظام الملكي في المغرب عبر تاريخه. وهي، على التحديد، آلة المُلْك المطلق يقبع المَلِك على رأسها ويتحكّم في موازينها، فيقدّم ويؤخّر ويوزّع المنافع والصلاحيات لقاء الولاء المطلق أوّلاً، بما فيها الاستثناءات من موجبات القوانين، بحيث يحفظ سلطانه المطلق ومن ورائه مؤسسةَ المُلْك. وبالوسائل التي يضعها المخزن بين يدي المَلِك وبما للمَلِك من سلطان على الأسرة العلوية برمّتها، يتحكّم الملك بأفراد أسرته أيضاً. ومن هؤلاء سيدي محمّد، وليّ العهد ومولاي هشام صاحب الكتاب اللذين تُظْهر حالتهما انتباه الملك التفصيلي إلى سيرة كلّ فردٍ من أفراد البيت العلوي، لا يغفل عن شيء منها. فهو يعلم مثلاً أن هشام أمضى سهرة طويلة، في برنستون حيث استقرّ للدراسة بعد معركة خاضها. أمضى السهرة خارج مرمى النظر الملكي فأصبح على الملك أن يبني على الأمر مقتضاه أي أن يحكم طوق المراقبة… ذاك نوع من المراقبة أمضى هذا الأمير فتوّته ومعظم شبابه مجاهداً للتملّص منه. وهو قد توصّل إلى كثير من ذلك مما تملأ تفاصيله النصف الأول من الكتاب.
يشدّد المؤلّف كثيراً على تحكّم المخزن في سياسة البلاد واقتصادها ويرى في «إفراغ المخزن» شرطاً أوّل لإصلاح النظام والتوجّه به نحو الديمقراطية. ويدفعه هذا التوجّه إلى كفاح متعدّد المواقع والمحطّات لبناء وضع مهنيّ لنفسه وموقع في مجال الأعمال يخرجه من التبعية للمخزن، أي من حال التعيّش والطفيلية التي هي الحال المعتادة لأفراد الأسرة المالكة ولرجال الحاشية وسائر الدائرين في فلك الملك. تتواصل جهود البناء الشخصيّ هذه بين عهدي الحسن الثاني ومحمّد السادس. ولكن مولاي هشام يشغله أيضاً، في العهد الجديد، شاغل عامّ هو شاغل النظام المغربي وكيفيّات إصلاحه. وهذا شاغل يستحقّ أن نفرد له عجالتنا المقبلة.

أحمد بيضون

الدراية والوشاية

أحمد بيضون

لا يحتاج المراقب إلى أكثر من نظرة يلقيها على مكتبات البحث في أفضل الأعمال التي كرّسها باحثون مرموقون للمرحلة المعاصرة أو الراهنة في البلاد العربية التي كانت أو هي ما تزال خاضعة لأنظمة سياسية موصومة بالاستبداد ليعلم أن حالة القمع الرازح على الحرّيات، من عامّة وخاصّة، تشتمل آثارها أيضاً على ما ينتجه  الباحثون المكرّسون من أعمال تعرّف المجتمع المدروس بنفسه وتظهّر له إمكاناته ومشكلاته وترسم له سبلاً يسلكها في حركته نحو المستقبل.
فإن هؤلاء الباحثين يكونون موضع متابعة مركّزة من جانب الأجهزة المولجة بالسهر على نفاذ المعايير الرسمية في إنتاج المعرفة بالمجتمع وبالنظام السياسي الاجتماعي. فيظلّون عرضةً لما هو أشدّ ممّا يتعرّض له تلامذتهم، مثلاً، إذا هم حاولوا الدخول إلى الدوائر المسوّرة لاستطلاع الوقائع المفضية إلى طرح المسائل المحظورة وتعزيز الحجج الآيلة إلى طلب التغيير السياسي.
عليه تبدو الأبحاث التي يمكن الرجوع إليها والبناء عليها نزرةً حين يتّصل الأمر بدواخل المجتمعات الخاضعة للاستبداد وبتوجهات النظام السياسي في تصريفه شؤونها وسعيه إلى حفظ هيمنته عليها. وأكثر ما يظهر الشحّ في كلّ ما يقتضي استقصاءً مباشراً للمعطيات المؤثّرة في موازين المجتمع وأعرافه واستطلاعاً موسّعاً للمواقف من حركة هذه المعطيات ومن وقع السياسات المعتمدة في قطاعٍ أو فئةٍ أو جهة أو في ما هو أوسع من ذلك.
ولا يرادف الشحّ الملحوظ في هذا النوع من الأبحاث، أي في ما يتناول حاضر المجتمع، على الأعمّ، شحّاً إجماليّاً في إنتاج الباحثين بالضرورة. فإن الباحثين لا يتوانون في البحث عن مهارب يوجّهون إليها إنتاجهم بحيث لا يستفزّون عيون السلطة وأذرعها (بل هم قد يسترضونها). من ذلك اللجوء إلى البحث المعياري المستغني عن كلّ استطلاع حسّي لأحوال المجتمع الفعلية والمتّجه إلى مناقشة النماذج المجرّدة والمناظرة بشأنها للدعوة إلى هذا أو ذاك منها وللتوصية بالبعد عن غيره. عليه يحلّ الكلام على الديمقراطية بصيغها المجرّدة، مثلاً، محلّ البحث الحقلي الرامي إلى تبيّن الحال الفعلية للتوجه الديمقراطي في بيئة بعينها من بيئات المجتمع الوطني، مثلاً أيضاً. فالباحثون الذين يلبسون لبوس المرشدين يبدون وكأنهم لا يعرفون شيئاً يذكر عن حصائل اللقاء بين ما يلقونه من كلام وبين ما تثمره الأوضاع الحسّية المختلفة في بيئات المجتمع من تطلّعات.
هذا وليس الاستغراق في النماذج المجرّدة: من مضمرات المدارس الإسلامية المختلفة ومعلناتها إلى صيغ الديمقراطية إلى العلمانية وحدودها إلى الأصالة والحداثة إلى مهامّ المثقّف وأصناف المثقّفين إلى أفاعيل الإمبريالية إلى الدولة الوطنية والأمة، إلخ..، هو المهرب الوحيد الذي تتراكم في مسالكه المجلّدات. وإنما يمثّل الماضي، بما هو ماضٍ، مضماراً آخر، يوافق سابقه في كثيرٍ من الحالات، لبحثٍ لا يستفزّ ذوي السلطة أو يبقى ما ينطوي عليه من احتمالات غير محبّذة من جانبهم بعيداً عن دائرة انتباههم.
وبقدْر ما يحضر البحث الاجتماعي السياسي في المكتبات المتعلقة ببلاد هذا المحيط، يُلْجأ، لإجراء الأبحاث، إلى المقابلات الفردية، غالباً،  وإلى كتب المذكّرات وإلى التقارير الدولية أو الرسمية، فيستعاض بها عن أعمال المسح المباشر والاستقصاء الميداني واستطلاع المواقف، إلخ. ذلك كلّه، على فوائده المؤكّدة، رهينٌ لحاجات واضعيه وغاياتهم وبعيد عن الوفاء بحاجات المعرفة المضبوطة لأحوال المجتمع المدروس. ومن آيات ذلك، أن المقابلات تجرى مع أناس أصبحوا في المنفى، على الأغلب، وينشرُ كتبَ المذكّرات منفيون آخرون ويكون البعض من أجود الباحثين إنتاجاً منفيين أيضاً أو يكونون أجانب أصلاً… فهذا كلّه لازم لحرية البحث، موضوعاً ومضموناً. ولكن هذا كلّه يحدّ من قدرة الباحث على ضبط النتائج والخلاصات والنفاذ بها إلى حيث يجب أن تصل.
هذا ولا نحتاج إلى القول إن ما يعتبر تناوله بالوصف والقياس والتحليل والتعليل محظوراُ أو بمثابة المحظور لا يُقْتصر على حركة المواقف السياسية للجماعات، على اختلافها، أي على ما قد يضمر مسّاً مباشراً بسطوة النظام وشرعيته. وإنما تردع أجهزة النظام الساهرة أيضاً كلّ تناول جادّ لمسائل من قبيل بطالة المتعلمين وذواء الأرياف ونسب البطالة فيها، وصيغ النموّ المديني ومشكلاته… وهذا ناهيك بأطوار المسألة الطائفية، في تجلّيها المؤسّسي، على اختلاف القطاعات، وبحركة البنى العشائرية وبآليات الضبط المعتمدة لحماية السلطة: مصادرها وصيغ عملها وحدودها، إلخ. وإلى محاصرة المواضيع المختارة للبحوث، لا يندر أن يصطدم الباحث بمحاصرة النظام دخائل المستجوبين وضمائرهم. ففي المناخ المهيمن، يرجّح أن يميل من يمكن استجوابهم إلى المقبول من الأجوبة وأن يحذروا التصريح بالرأي إذا كان يعرّضهم لشبهة المعارضة أو للمساءلة، وهذا أيّاً يكن ما قد يجرؤ الباحث على التعهّد به من حفاظ على سريّة هويّاتهم.
صفوة القول أن المُقْدم على البحث الاجتماعي السياسي، في ظلّ الاستبداد، يُلْفي نفسه منصرفاً إلى ما هو أشبه بالتجسّس على مجتمعه منه بدرسه. فهو مضطرّ إلى تسقّط الأخبار وجمع نُثار المعطيات عوض التحقيق المنهجي للظواهر. ولا غرو أن محفوظات الاستخبارات تبقى  هي المصدر الرئيس لمعرفة المجتمع  ولو انها لا تكون منظّمة لخدمة الباحثين ولا متاحةً لهم… ذاك ما تنبّه إليه، مثلاً، من اعتبر اطّلاع حنّا بطاطو على محفوظات مديرية الأمن العامّة في العراق الملكي ميزةً بارزة للسِفْر الجليل الذي كرّسه بطاطو للعراق المعاصر. أي أن الوشاية – على ما أشرنا إليه ذات مرّة –  هي، في ظلّ أنظمة الاستبداد، أهمّ مصادر الدراية.

كاتب لبنانيأحمد بيضون

الاستبداد بالمعرفة

أحمد بيضون

أيّامَ راحت تتعاقب حركاتُ التغيير في أقطارٍ عربية مختلفة بين أواخر العام 2010 والأشهر الأولى من تاليه، ردّدَت أقلام كثيرة أن هذه الموجة المهولة التي تصدّرت، إلى حينٍ، مسرحَ السياسة العالمية قد جاءت مباغتة. فلم يكن قد توقّعها أحد من الدارسين أو من متابعي أحوال المنطقة بمن فيهم الضالعون في العمل السياسي، في هذا أو ذاك من المجتمعات المعنية. يستوي في ذلك الناطقون من داخل مجتمعهم والناطقون من المنافي. ولا يخرج عن السويّة نفسها أجانبُ منسوبون إلى الخبرة بشؤون المنطقة من سياسية وغيرها.
على أن الذين أشاروا إلى هذا الفشل في توقّع حركات كان لها هذا العمق وهذه السعة اكتفوا بالإشارة أو شفعوها، في أحسن الحالات، بشيء من التعجّب من ظاهرة الفشل تلك من غير أن يطلبوا لها تفسيراً.
حين ننظر اليوم في ما شهدته السنوات الثلاث التي تلت تلك المرحلة الأولى، يتعين علينا أن نلاحظ أن الفشل في التوقّع لم يكن خاصّاً بظهور الحركات المشار إليها وحده وإنما شمل أيضاً ما آلت إليه كلّ منها وما اجتازته قبل ذلك من أطوار. والواضح أن الميدان الأثير لهذا الفشل إنما هو دواخل المجتمعات والتفاعل المتسلسل الذي شهدته هذه الدواخل وليس المجال الجغراسي أو الخارجي الذي اندرجت فيه حركات التغيير.
فإن توقّع المواقف والإجراءات التي بدرت من القوى الخارجية الضالعة في شؤون المنطقة ومما يسمّى المجتمع الدولي حظيت بالعناية المنتظرة من المحللين، على اختلاف منابتهم، وصحب هذه العناية، على التعميم، قَدْر مقبول من التوفيق في التوقّع المتعلّق بتصرّفها في كلّ ظرف أو طور من تلك التي اجتازتها، حتى اليوم، هذه أو تلك من حركات التغيير العربية. الفشل الأكبر كان وبقي في توقّع أطوار الداخل بأعمّ مصاديقه، أي المجتمع، وما يتمخّض عنه من بوادر ومواقف.
لا يمكن ألا نحمّل المسؤولية عن شطر جسيم من هذا الفشل للعهود البائدة من الاستبداد بشؤون هذه المجتمعات بما هي عهود جهل واسع النطاق بكلّ منها لا من جانب ذوي الاختصاص المزعومين وحدهم بل من جانب المجتمع نفسه الذي حرص النظام المستبدّ بشؤونه على إبقائه جاهلاً بنفسه، لا يستجمع معرفة بما يدور في جنباته ولا يصوغ أو يعلن مواقف صريحةً من تعاقب الأحوال فيه.
بمعنى ما، كانت هذه المجتمعات مجتمعات سرّية: بمعنى أن أحوالها كانت تبقى سرّاً عليها فلا تجتمع لها معرفة بنفسها حيث ينبغي لهذه المعرفة أن تجتمع: أي في المراكز المنوط بها، عرفاً، مهمّات تحصيل المعرفة بالمجتمع وجمعها وتنظيمها ثم نشرها حيث يلزم.
يشدَّد، عادةً، على قمع الأنظمة المستبدّة حرّيات الرأي والتنظيم والعمل السياسي والانتخاب، إلخ. ولكن هذه الأنظمة تقمع أيضاً حرّية تحصيل المعرفة بنفسها وبمجتمعاتها وحرّية نشرها وتداولها. فلا يُتصوّر أن طالباً يعدّ رسالة لنيل شهادةٍ عليا يسعه أن يُجري، بحسب ما يراه ملائماً من أساليب، ما يحتاج إليه بحثه من تحقيق في المحيط الذي يتناوله البحث. ليس منتظراً أن تكون عين الاستخبارات غافلة عمّن يتجوّل في طول البيئة المدروسة وعرضها موزّعاً الاستمارات أو مجرياً المقابلات.
ولا يمكن ألا يتبع تشدّدُ الاستخبارات طَرْداً اقترابَ الباحث من الأمور ‘الحسّاسة’ أي ممّا يمكن أن يدلّ على وقائع في المجتمع تكذّب دعاوى النظام أو على مواقف الأفراد والجماعات من تصرّفات الدولة أو النظام بمختلف جهاته وأجهزته. يرجّح أيضاً أن تحمل أجوبة المستجوَبين شيئاً كثيراً أو قليلاً، بحسب الموضوع، من آثار القمع الذي كان قد لجم أسئلة الباحث أصلاً ورسم نطاقاً لحركته وعيّن له، بمعنىً ما، ما يؤذن له بالوصول إليه من خلاصات وما يتعين عليه تحاشيه.
هذا الذي يتعرّض له مُعِدّ الرسالة الجامعية يصبح أشدّ وضوحاً وأثقلَ وطأةً، على الأرجح، في حالة الباحث المكرّس. قطاع الباحثين هذا وما ينشرونه من أبحاث تتشكّل منها المكتبة المتداولة، المتعلّقة بقطرٍ من الأقطار، يقتضي الإلمامُ بحاله في ظلّ الاستبداد وقفةً خاصّة.
لهذا البحث صلةٌ إذن!
كاتب لبنانيأحمد بيضون

بين الكَنْز ورأسِ المال

أحمد بيضون

من زمنٍ بعيد، تُغْويني مقارنةٌ بعينها يوحي بها الاختلاف في النظر إلى الماضي، وإلى الزمن بأبعاده كافّةً، على ما أعاينه في نظرة العرب المعاصرين إلى تواريخهم وما أقع عليه من نظرٍ مغاير في فلسفات غربية للتاريخ ظهر أكثرها اكتمالاً في العصور الحديثة ولكن لها أصولاً في بعض الفلسفة اليونانية القديمة. تلك هي المقارنة ما بين اعتبار الماضي، والزمن كلّه بالتالي، كَنْزاً (يُنْظَر إليه، عادةً، على أنه مفقود) واعتباره رأسَ مال.
ولعلّي أجد ما يوضح هذه المقارنة في التذكير بأن الرأسمالية، بحسب تجلّيها في الممارسة الدائمة لا في الصياغة النظرية وحسب، تبدي كرهاً شديداً للـ ‘كَنْز′ بمعنى المَصْدر الفعليّ (كَنَزَ كَنْزاً): أي للفعل الذي هو الاستكثار من جمع المال أو ما هو بمثابته من موجودات أخرى قيّمة مع الاستنكاف عن استثماره، بمعنى الكلمة الحرفي، أي عن جعله يُخْرج ثماراً. وتحرص القيادات الاقتصادية للدول أو للمجاميع الدولية على تثبيط الميل الذي يظهره المودعون إلى إبقاء أموالهم بمثابة الأمانات لدى المصارف، مستنكفين عن الدفع بها إلى مشاريع تجارية أو صناعية أو غير ذلك، ومكتفين بما يجنونه من فائدة على الوديعة. وهو ما يحمل مراكز القرار المالي على خفض الفوائد، بقَدْر ما تأذن به المنافسة.
هكذا يجد المودعون أنفسهم مضطرين إلى الاستثمار إذ يشهدون ذواء ودائعهم التدريجي بداعي التضخم وقصور الفوائد عن تعويض الخسارة. وقد لا يتجاوز إذعان المودع، في هذه الحالة، تجميد الوديعة لأجَلٍ لقاءَ رفع المصرف لنسبة الفائدة المقرّرة لها وهو ما يتيح للمصرف نفسه أن يستثمرها في السوق في صورة قروض لأصحاب المشاريع أو زيادة لمحفظة أسهم يقتنيها، إلخ. هذا كلّه يمثّل نقلاً للوديعة من حالة الكنز (الذي تعتبر المجوهرات المودعة في صندوق صورته المثلى) إلى حالة رأس المال الذي يتجسد في تجهيزات لازمة للإنتاج أو يصبح دوّاراً بما هو أجور وموادّ أوّلية ويؤول إلى سلعٍ مطروحة لنوعٍ ما من أنواع الاستهلاك… ليبدأ دورة جديدة وقد ازداد حجمه مع تحقق القيمة المنتظرة، في السوق، للسلع المنتجة.
يلازم هذا المسارَ، بالضرورة، مخاطرُ يتحمّلها المستثمر ولا يتحمّل مثلَها المودع الذي لا يرجو من المصرف غير الأمان لأمواله. فإذا كان صاحب الوديعة يتقبل تآكل قيمتها الفعلية حين يبقيها تحت الطلب فإن المستثمر قد يواجه، في خضمّ أطوار للسوق لا سلطان له عليها، خسائر أفدح بكثير وأسرع وقوعاً. وأما صاحب الكنز، بالمعنى المطلق للكلمة، فيستبقي لنفسه القدرة على تفقّد كنزه في خزانته كلّ صباح مطمئنّا إلى بقائه في الحالة المادية التي تركه عليها. ولا يعني الثبات المادّي هذا ثباتاً في القيمة او وقايةً للكنز من منطق السوق. فإن الذهب، مثلاً، تصعد قيمته وتهبط وهو حبيس الخزائن لم يطرأ على حاله المادّية أيّ تبديل… مع ذلك، تكره الرأسمالية بقاء الكنوز في خارج الانتاج وتجهد لجذبها إلى دائرته أي لتحويلها إلى رساميل.
للضدّية القائمة بين الكنز ورأس المال وجاهة مؤكّدة، إذن، وفاعلية مستمرّة.
من هذا كله أردنا الوصول بصدد الزمن، في ما نعتبره عوالمنا وفي ما نعدّه عوالم الغير، إلى ملاحظة يسيرة المظهر ولكنّها فادحة العاقبة. وهي أننا ننظر في أزمنتنا رجوعاً مبتغين العودة منها إلى لحظة بعينها نعدّها موئل القيمة أو إلى عصر أو عصور شهدت تكوّن ما نجد له قيمة ممّا نطلق عليه اسم ‘التراث’. هذا النظر الرجعي – بسائر معاني الصفة – إلى الزمن يسلب الحاضر والمستقبل كلّ قيمة يسعهما أن يكونا، بحدّ ذاتهما، مصدراً لها. فلا توجد قيمةٌ في الحاضر أو المستقبل أو لهما ما لم تكن استعادةً للماضي أي ناشئةً، على وجه التحديد، من الشبه بالأصل أو من الاقتداء بـ’التراث’. هذا والحاضر والمستقبل مقصّران حتماً، في منطق هذه النظرة، عن شأو الماضي-المثال الذي هو ‘منقطع النظير’ بالمعنى التامّ للعبارة. هذا الماضي لا ننفكّ نقصّر عن سويّته كلّما مضى بنا الزمن بعيداً عنه.
عليه كان الماضي، بما هو رأسُ مالٍ، زمناً مُدْرَجاً في الحركة الحاضرة نحو المستقبل، يزيد فيه أصحابه بنتيجة كلّ دورة وينقلونه، بعد أن يخاطروا بما وصل إلى أيديهم منه، من حالٍ إلى حالٍ أخرى. وهم يعتبرون الحال الجديدة، على التعميم، موئلاً لقيمة أسمى من القيمة التي كانت في السابقة. وذاك بقَدْر ما توافق هذه الحال حاجاتِ الأحياء الراهنة وبقَدْر ما تبدو مفتوحةً على مُقْبلٍ يعدّونه أمْثَلَ ممّا سلف. وأما ماضينا- الكنز فيستوي موضوعاً للتأمّل والحسرة، تمتزج في النظرة إليه رغبة في التمثّل بصوَرِه المختزنة وشعور بنكوصٍ تفاقَم مع الزمن دون هذه الغاية. نفتح خزائننا إذن كلما ضاقت بنا السبل ونلقي نظرةً على ‘الأصل’ أو على ‘التراث’: على ما يحلو لنا أن نعدّه عصراً ‘ذهبياً’… ننظر إلى كنزنا محتَسِبين لأنفسنا قيمةً ثابتة عظيمة نستمدّها منه أو من صوره المشغولة في مخيّلاتنا. بل إننا كثيراً ما نشفع التعبّد للكنز الذي هو الماضي بالشعور أنه قد سُرِق منّا ولم يبقَ لنا منه سوى الأخيلة. وهو ما يرجّح موقف النَدْب والحسرة على كلّ موقفٍ آخر حيال الزمن.
وعلى الإجمال، لا ننتبه إلى أن الكنوز أيضاً معرّضة، وهي في خزائنها، لأهوال السوق: لأهوال التاريخ والعالم. فما بالك بأصحاب الكنوز إن كانت صُوَرُها كلَّ ما يملكون؟
كاتب لبناني

فوات الوفَيات

أحمد بيضون

معلوم أن حظوظ الجرائد من الإعلانات لا تكون متساوية. ولا كلفة الإعلان تتساوى أيضاً بين هذه وتلك من الصحف. فلكلي الأمرين تعلّقٌ بتوزيع الصحيفة. ولا تشذ إعلانات الوفاة في صحف بيروت اليومية عن هذه القاعدة. فإن اثنتين منها تكادان تستأثران بأخبار الرحلة الأخيرة وما يليها من مراسم. والراجح أن سمعة التوزيع الواسع كانت في أصل هذا الامتياز. ولكن الأمر استحال إلى عُرْف أو تقليد مع مرور الزمن، فلا تغيّره سمعة التراجع في توزيع هذه الجريدة ولا تنال الحظوة نفسها، في هذا المضمار، صحيفة جديدة يشاع أن توزيعها فاق توزيع كلّ من الجريدتين المستأثرتين بهذا الشطر من السوق. وذاك أن مستطلع المواعيد المتعلقة بالمراسم اعتاد أن يجد بغيته في إحدى هاتين وإليهما بقي يتوجّه ذوو الراحلين، بحكم العادة أيضاً.
هذا ولا تخلو صفحة الوفيات هنا أو هناك من إثارة اللواعج الطائفية. وهو ما لا يستغرب في بلادٍ تنفرد بين دول العالم بالامتناع عن إحصاء سكّانها خشية اضطراب الموازين المفترضة بين طوائفها واضطراب نظامها برمّته تبعاً لذلك. فإن مَنْ يُطالع صفحة الوَفَيات في ‘الجريدة اللبنانية الأولى’ يشعر أن المسيحيين صائرون إلى الانقراض حقّاً فيما يبدو نادراً أن يدخل مَلاكُ الموت بيوتَ المسلمين. ولا يغيّر هذا الشعور إلا تفقّد الصفحة نفسها في الجريدة الثانية. فمن هناك يذهب المسلمون إلى الجنّة زُمَراً فيما يبدو المسيحيون شِبْهَ مخلّدين في هذه الفانية. ولمّا كانت الأولى أكثرَ جذباً للقرّاء المسيحيين والثانية أشدّ إغراءً للقرّاء المسلمين فإن قراءة تلك الصفحة في كلّ من الجريدتين تخلو من كلّ مُتْعة ولا تجلب للمقبلين عليها إلا الغمّ.
وذاك أن القارئ يعاين اضمحلال جماعته في كلّ من الحالتين وبقاء الجماعة الأخرى مكتنزة العديد. هذا فيما تحاول كلّ من الجريدتين ترسيخَ شعورٍ مغاير لهذا في صفحاتها السياسية إذ تروّج هناك لأحلام جمهورها الأعظم وتجهد لتلبية طلباته العاطفية.
فلا يبقى مَخْرجٌ من هذا التناقض المرير إلا شراءُ الجريدتين معاً كلّ يوم (في ظرف الأزمة المعيشية الخانقة) ومطالعةُ الموادّ السياسية في واحدةٍ منهما وصفحةِ الوفيات في الأخرى. وهذا مع اتّباع الهوى الطائفي في الاختيار، بطبيعة الحال، وتجنّب الانسياق مع الفضول السيّء العاقبة.
هكذا تغدو قراءةُ صفحة الوَفَيات مَصْدرَ غبطةٍ طائفية للكلّ إذ يصبح كلّ لبناني مطمئنّاً إلى ازدهار جماعته وذواء الجماعة الأخرى ولو فاتَه، في الغالب، أداءُ ما عليه من واجب التعزية. فإن راحة البال هي الأهمّ.
على أن ما سبق كلّه يمسي غير ذي موضوع تقريباً حين نفطن إلى أن خطّ الفصل أصبح يمرّ اليوم بين الشيعة والسنّة لا بين المسيحيين والمسلمين. فأين يجد صاحب الحاجة جريدتين تفني إحداهما السنّةَ لحساب الشيعة وتفعل الأخرى العكس ما دام أن صفحة الوَفَيات في كلّ من الجريدة الرابعة المنسوبة إلى هؤلاء والخامسة المحتسبة لأولئك تبدو قدوةً في الكَساد. إذ قلّما يُقبل على الموت في هاتين الجريدتين أحد.’.. أقصد الموتَ الطبيعي، بطبيعة الحال.
تبقى الإشارة إلى شيء تتشابه فيه خريطة الصفحة الحزينة في الصحيفتين اللتين بقيت فيهما على ازدهارها: وهو فاعلية العامل الطبقي في تشكيلها بخلاف ما هي عليه الحال في تشكيل الحراك السياسي في لبنان. فإن ذوي المال والسلطة يكثر نُعاتهم. فيحظى الواحد منهم بتكرار خبره مراراً مع أن القارئ يصدّق الخبر من المرّة الأولى. هكذا يضطرّ القارئ، غالباً، إلى مطالعة معظم الصفحة قبل أن يعثر على نعي الفقيد المغمور الذي يرغب في تعزية ذويه. وأمّا السَرِيّ الوجيه فيكرّر نعيَه، بعد عائلته، مستخدمو كلّ من شركاته ومجالسُ الجمعيات التي كان يرأسها، إلخ. وهو ما ينشئ قَدْراً من التشابه بين حالات التكرار تلك.
على أن واحداً بعينه من نوّاب الأمّة، اعتاد أن يخرق هذه الرتابة بانتظامٍ لا يخطئه المتابع. هذا النائب عُرف بإيثار الصمت فلا تحظى منه بهمسةٍ بلايا تضرب البلاد وتذهب بأروح كثيرة. ولكنه يطلّ على ناخبيه من صفحة الوَفَيات، في مواعيد متقاربة، لينعى إليهم ‘ركن الاغتراب’، مثلاً، أو ‘عمود الإدارة’ أو ‘أُسْطون العِلْم’ من بين معارفه.
هذا وبين كبريات الصحف اليومية في بيروت واحدة خامسة لا يحظى الموت فيها بحيّز ثابت. ولعلّ السبب أنها لا تعدّ لبنانية، إلا باعتبار الأصل. صحيح أن هذه الجريدة تفقد صوابها فجأة، كلّ مدّة، فتخصّص صفحة تامّة (بل صفحتين في بعض الحالات!) لميّت واحد. على أن هذا الميّت لا يكون أيّ ميّت بطبيعة الحال. عليه أن يكون أميراً سعودياً أو، في الأقلّ، تاجراً خليجياً من أولئك الذين يُحْتسب بين أسباب وفاتهم تعبُهم في إحصاء أموالهم. ويدرك قارئ الجريدة بلا عسر – ولو ان الجريدة لا تنشر تعرفةً لهذه الفئة الإعلانية – أن الورثة أهدوا إلى هذا الميّت مبلغاً طائلاً من حرّ ماله. أو أن من كان للراحل الفضل في تخمة خزائنهم يردّون إليه عُشْر معشارٍ مما أسدى إليهم راجين أن ينسج الورثة حيالهم على منوال الفقيد.
ولكان الأمر يبلغ بالقارئ من ذوي الدخل المحدود أن يفضّل البقاء في قيد الحياة متناسياً ما هو فيه من شقاء العيش لو لم يكن يوجد للإعلان عن رحيله صيغٌ غير هذه الصيغة الباهظة الكلفة.

كاتب من لبنان