عقل العويط عن Liberations arabes

ما يُشتَهى للحكم من مواصفات الحكّام في ضوء ثورة 17 تشرين: أحمد بيضون نموذجًا؟

نشر أحمد بيضون للتوّ كتابًا بالفرنسيّة،

liberations arabes en souffrance، يمكن اقتراح هذا العنوان له في العربيّة، بعد الاستئناس برأيه: “وجوهٌ للتحرّر العربيّ .العاثر”

الكتاب الصادر لدى دار “أوريان الكتب/سندباد/أكت سود”، هو عشرة نصوصٍ كان وضعها الباحث خلال حقبةٍ تمتدّ على أكثر من ثلاثين عامًا، يندرج كلٌّ منها ضمن سياقاتٍ وطنيّةٍ، دولتيّةٍ، بنيويّةٍ، ثقافيّةٍ، تاريخيّةٍ، ومجتمعيّةٍ، لبنانيّةٍ وعربيّة. من أهمّيتها، أنّها لا تزال ضرورةً راهنةً، بل مرجعيّةً، في مضامينها ودلالاتها.

فهي بقدْر ما تومئ إلى قضايا وإشكاليّاتٍ وأحداثٍ ولحظاتٍ مستلّةٍ من خبرات هذه الثلاثين عامًا المشار إليها، وبقدْر ما تلفت إلى الموروثات الدوغمائيّة، المصرّة على مواصلة العيش في المنعطفات التاريخيّة، الماثلة أمامنا، تقدّم أجوبةً عن الأسئلة والتحدّيات التي نعيشها الآن وهنا.

الكتاب.

على الغلاف الخلفيّ للكتاب نقرأ ما يأتي: هذه النصوص العشرة امتدّ تأليفها على ثلاثين عامًا ونيف، وهي تقيس وتقيم مقارنةً بين أطر الحياة التي فرضتها الحداثة وبين ترسانة العقائد والتقاليد التي لا تزال حيّةً في الفضاء العربيّ. وهي، أي النصوص، تسعى إلى تبيان إلى أيّ حدٍّ يقدّم التمسك بالمواقف من جهة، والتسويات من جهة ثانية، أجوبةً قابلةً للتطبيق في مواجهة تحدّيات الحاضر. في هذا الاطار تتمّ مساءلة اللغة العربيّة والتبعيّة الطائفيّة وصورة الجسد في الاسلام، ويتمّ بالقدْر نفسه إدراج بروز الفردانيّة والفكر النقديّ والتوق الى الديموقراطية في سياق تحرّر الأفراد. وتستعرض هذه النصوص المعوقات التي تصطدم بها هذه التوجّهات نظرًا الى كونها تتعرّض للتحريف والتشويه وإلى كونها تُمنى بالفشل جزئيًّا أو كلّيًّا. ولكنها لا تزال تطبع الحاضر في انتظار مستقبلٍ أفضل.

فضلًا عن مساءلاتٍ تتعلّق بالشيعيّة والديموقراطيّة، والعلمنة، وبيروت، والفساد الاداريّ في لبنان، وعن “حياتَي” طه حسين، والتوق الدائم إلى تحقيق الديموقراطيّة الذي يتجلّى في التعبيرات المتنوّعة لتحرّر الأفراد.

أجدني، والحال هذه، أمام سؤالَين إثنَين:

الأوّل: هل من أهميّةٍ فعليّةٍ – واقعيّةٍ – راهنةٍ لكتاب أحمد بيضون هذا، في غمرة العواصف الوجوديّة التي تضرب لبنان والعالم العربيّ؟

الثاني: أيُّ فائدةٍ تُرتجى من الكلام عن أحمد بيضون الآن؟

جوابي عن السؤال الأوّل: نعم. وبقوّة.

جوابي عن السؤال الثاني: الفائدة عظمى الآن. الآن خصوصًا. وهنا. أي في لبنان 17 تشرين الأوّل 2019.

أحمد بيضون.

لماذا؟ لأنّي أزعم أنّ أحمد بيضون نموذجٌ يُقاس عليه، ويُحتذى، إذا كان ثمّة مَن يبحث عن خلاصٍ للبنان، من خلال حكومةٍ برئيسها والأعضاء (أكرّر: برئيسها والأعضاء) تكون مَعبرًا إلى إصلاحاتٍ فوريّةٍ، ماليّةٍ واقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ و… قضائيّة، وإلى قانونٍ مشرِّفٍ للانتخابات تُجرى على أساسه انتخاباتٌ مبكرة، تؤدّي ديموقراطيًّا إلى إنتاج مجلسٍ للنوّاب بديلٍ (برئيسه والأعضاء)، وحكومةٍ بديلةٍ (برئيسها والأعضاء)، وحكمٍ بديلٍ (برئيسه والإدارات).

ولأنّي أزعم أنّ أحمد بيضون هو، شأن كثيراتٍ وكثيرين من النساء والرجال اللبنانيّين، يمكنه أنْ يكون نموذجًا للبديل الدولتيّ – الوطنيّ – السياسيّ – الإداريّ الذي يجب أنْ يتولّى الحكم في لبنان، لا الوزارة والنيابة فحسب، بل الرئاسة. وأقصد الرئاسات كلّها.

ولن أتوانى عن امتداح هذا الرجل. فأنا أحبّ أنْ أمتدحه، حيث يمكنني أنْ أخترع، كلّ يوم، سببًا وجيهًا لامتداحه.

ذلك أنّ شخصه، قامته، عقله، فكره، لغته، رؤيته السوسيولوجيّة، أدبه، شِعره، ثقافته، منهجيّته، دماثته، صلابته، قيمه، معاييره، تنوب عن كلّ سببٍ إضافيٍّ طارئ.

وسأضيف: زهده – وزهد مثيلاته وأمثاله – بمراكز السلطة ومناصب الحكم، وترفّعه – ومثيلاته وأمثاله – عن ارتجاء “الفوائد” التي يرتجيها من هذا “المجد”، أهلُ الالتهام والافتراس، بل اللئام وأهل اللؤم مطلقًا.

إنّه يُمدَح لكونه موجودًا. وأيضًا لكونه موجودًا بيننا. وفي ظهرانينا اللبنانيّة والعربيّة.

اليوم بالذات، أي الآن، في غمرة البحث عمّا يستجيب توق اللبنانيين إلى الخروج من عباءات الطبقة السياسيّة الفاسدة، المثقلة بعار المهانات والأوزار والأوساخ والنتانات، بهدف إنتاج حياةٍ وطنيّةٍ مضفورةٍ بالكرامة والأنفة والترفّع والكِبَر، من خلال البحث عن “حكّام” يتمتّعون بالجدارة والفروسيّة والصلابة الروحيّة (الرجولة!) والنزاهة والرؤيا والرؤية والاختصاص والإدارة المحنّكة والاستقلال ومعرفة معنى السياسة وجوهرها، يمكنني أنْ أدلّ على أحمد بيضون الذي مثيلاته وأمثاله كثيراتٌ وكثيرون في الحياة اللبنانيّة – أعرفهنّ وأعرفهم مثلما أعرفه وأكاد، لولا التحفّظ، أنطق بأسمائهنّ وأسمائهم – لتولّي معجزة إنقاذ لبنان واللبنانيّين، لا من الفقر والجوع والإفلاس والانحطاط والجهل والقحط العقليّ والأمّيّة والتخلّف والزبائنيّة والطائفيّة والمذهبيّة فحسب، بل خصوصًا وأيضًا لإنقاذه وإنقاذهم من براثن الوحوش اللاأخلاقيين الذين ينهشون دولة لبنان، ويجعلونها عارًا بين الأمم.

أحمد بيضون من مواليد بنت جبيل، 1943. كاتبٌ وعالِم اجتماع. وضع أكثر من عشرين مؤلَّفًا في العربيّة والفرنسيّة، تتناول في غالبيّتها إمّا مسائل المجتمع والنظام السياسيّ في لبنان، وإمّا بعض مظاهر الثقافة واللغة العربيّتَين. إلى ذلك، هو كاتبُ رحلة، وشاعرٌ، و”منتمٍ” إلى أهل “الفسبكة” المتفكّرة.

أتشرّف بأنْ أشتهي للحكم في لبنان مواصفاتٍ للحكّام، أزعم أنّ أحمد بيضون – مثيلاثه وأمثاله كثرٌ – يمثّل نموذجًا لها.

Akl.awit@annahar.com.lb

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s