القيصر وجَوْقَتُه

أحمد بيضون

انتهينا، في مقالتنا الأخيرة، إلى السؤال عمّا تتمخّض عنه خطّة النظام الأسدي لما سمّيناه «هندسة العدوّ المناسب» حين يؤول الدور الأوّل في تنفــــيذ الخطـــّة إلى إيران، بما يلحق بها من تشكيلات تواليها في مختلف البيئات الشيعية، ثمّ إلى روسيا البوتينية…
لم تعتّم أن لاحت، وراءَ الحميّة الإيرانية في نجدة النظام الأسدي المتهالك، أخيلة يتعذّر اعتبارها أوهاماً لذاك الهلال الشيعي الذي بات مذّاك ذائع الصيت… ذاك هلال يسع إيران أن تتصرّف به محوّلة جماعات المشرق العربي الشيعية إلى محميّاتٍ لها تؤدي، طوعاً أو قسراً، أثمان حمايتها الاضطرارية في الخضمّ السنّي الشاسع، الذي أُكْسِبَت عداوتَه لألف سنةٍ مقبلة.
تنمو العداوة تحت أبصارنا من جرّاء استنفار وليّ النعمة الإيراني لتشكيلاتٍ تدين له بالولاء موزّعة ما بين لبنان والعراق وأفغانستان… وفي «هندسة العدوّ المناسب»، كانت «عسكرةُ الثورة» تحت ضغط العنف النظامي عاملاً أوّل أمدّته المؤازرة الشيعية للنظام بزيادة في شدّة الشحن المذهبي، الذي كان المسلك الطائفي للنظام يزكّيه أصلاً. فمن هذا ومن ذاك تغذّت تربةٌ للتشدّد، وللإرهاب في مساقه، بعد أن أُبعدت عن الساحات قوى الثورة ذاتُ المشرب المدني.
وراء ذلك كلّه أيضاً تتبدّى الحاجة إلى قُبّةٍ روسيّة فولاذية يحتمي تحتها الحُماة والمَحْميّون معاً بما يمليه ذلك من ثمنٍ أكبر يؤدّى للحامي الأكبر بدوره. وتُبيّنُ معاهدةُ الصيف الماضي «السريّة» التي نشرتها موسكو مؤخّراً ما يسع «القيصر» الروسيّ أن يفرضه على تابعه الأسدي من خضوعٍ يشي بانتعاشٍ ما لاستعمار القرن التاسع عشر بما هو تفاوتٌ بين موقعين، في الأقلّ. ولا يستغني النظام الإيراني عن هذه القبّة أيضاً بعد أن ثبَتَت لإيران فداحةُ ما يرتّبه الخيار النووي من كُلْفَة ألجَأَتْها إلى استبعاده. ولا تستغني إيران أيضاً عن حليف سياسي رئيس تستقوي به في الساحة الدولية التي تتّجه إلى استعادة موقعٍ فيها.
يصحّ هذا من غير استبعادٍ لسلوك «الشريك المُضارِب» في سورية أو في غيرها من جانب أحد الحليفين أو كليهما. فهذا السلوك من مألوف العلاقات بين الدول. ويبقى أهمّ ما في الأمر أن الغطاء الروسي إنما يراد به استعادةُ المجد القيصري وما يشبه كسبَ حروبٍ فائتة على «السلطنة» الإسلامية وعلى أوروبا… حروبٍ بلغَت أَوْجَاً قصير المدّة لعطائها في العهد السوفييتي، وهي لم تكن حقّقت سوى بعض أغراضها في قرونٍ مَضَت: في ماضٍ لا يريده القيصر الجديد أن يمضي.
هذه الهجمة البوتينية لا يعوزها مؤيدون أو مريدون في ديارنا يستخفّهم الطرب لمرأى «القبضاي» الروسي، يتولّى عنهم ما يخيّل إليهم أنه مواجهةٌ مع الإمبريالية الأمريكية (ومع إسرائيل أيضاً؟… بعد عمرٍ طويل)… لا يلتفت هؤلاء إلى حقائق العلاقات الروسية ـ الأمريكية في طورها الأخير، ولا يهمّهم أن يكون أوباما يجهد مع بوتين للتراضي على وضع يناسب خيارات الطرفين في سورية وغيرها… وضعٍ لا عيبَ فيه سوى أنه لا يناسب أي خيارٍ لشعبٍ من شعوب المنطقة يطمح إلى ما هو حقّه: أي إلى التصرّف المستقلّ ـ بما لا يعــــدو منطــــق العالم الحاضر ـ بمصيره وإلى استتباب الحرّيات والمساواة في الحقوق لمواطنيه وإلى النموّ لمقدّراته. لا يقيم لهذا كلّه وزناً أنصار البوتينية عندنا وهم، عادةً، من أدعياء الوقوف إلى اليسار.
هم لا يقيمون اعتباراً أيضاً لأفق يَعِدُ بالانتقال (الجزئي، بالضرورة) من هيمنةٍ إلى أخرى تدلّ السوابق على أنها لن تكون إلا أدهى وأمرّ. لا يستوقفهم أيضاً كون النظام السوفييتي الذي كانوا يستشعرون فيه مجانسةً ما لقيمهم المزعومة قد بادَ إلى غير رجعة واستقرّ في موضعه اتّحادٌ للمافيات يحالف اليمين الفاشي في أوروبا وينشر في روسيا الفقر ويجرّد الروس من حقوق اجتماعية كانت لهم ويموّه هذا كلّه ـ على جاري العادة ـ (وعلى الغرار الإيراني أيضاً) بسراب الأمجاد الإمبراطورية. من تحصيل الحاصل أن مواطنينا هؤلاء ـ وهم يضمّون إلى دعوى اليسارية دعوى الوطنية أو القومية ـ لا يريدون الانتباه إلى عمق المودّة التي تجمع ما بين الطاقمين الحاكمين في روسيا وإسرائيل.
أخيراً لا آخراً، لا يغادر هؤلاء «الإستراتيجيون» لحظةً منطقهم «الجغراسي» الذي تعتوره هذه المطاعن كلّها. لا يغادرونه ليسألوا عن الثمن الذي ارتضوه حتى الآن لمنازلة هي من بنات خيالهم، إلى حدّ بعيدٍ جدّاً. لا يسألون ـ وهذا هو الأدهى ـ عن بلادٍ انهارت وعن شعبٍ يقول «القيصر» أن طيرانه يوفّر بقصفه أكلافَ التدريب: عن مئات من الألوف قتلوا أو أصيبوا أو اعتقلوا وعن ملايين شرّدوا وعن عمرانٍ وطني دمّر بآلة الحرب «الوطنية» أوّلاً ومعها من اجتاحوا أرض سورية وسماءها من كلّ حدبٍ وصوب.
وذاك أن «البَشَر» كلمة لم يكد يبقى لها من معنىً عند البوتينيين المنتشرين بين ظهرانينا ولا من أثرٍ فيهم. هم يحصرون امتياز المعنى في الخرائط التي يسيئون قراءتها، في الأعمّ الأغلب، وفي أوصافٍ قليلة يطلقونها على القوى المتصارعة قلّما تصدق في موصوفاتها.

٭ كاتب لبناني

أحمد بيضون

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s