صِيَغٌ آلية وحدودٌ للفرادة

أحمد بيضون

حيال ما نعاينه من تداعي الأوطان فوق رؤوس أهلها في هذه المنطقة من العالم، يذهب فكر المتأمّلين، على نحوٍ شبه آليّ، إلى اقتراح صيغةٍ ما تُعتمد للدولة من الصيغ المجرّبة التي تَسْتبعد، مبدئياً، شبحَ التقسيم الناجز. تلك مسألة أبرزنا بعض جوانبها في كلامٍ سابق وننظر اليوم في بعضٍ آخر. فمن ذاك أن التقسيم متعذّر أصلاً في حالة رئيسة هي الحالة المصرية وضخم الكلفة في الحالات الأخرى. عليه تتُّخذ الصيغة الفدرالية، خصوصاً، موضوعاً للتأمّل، وهي تبدو وكأنها قد فرضت نفسها على الأرض في الحالتين العراقية والليبية. على أن استقرار هذه الصيغة افترض، في الحالات المعروفة لها، في العالم الحديث، نشوء سلطة مركزية قوية (بخلاف ما يحسب بعضنا). فتبقى في يد هذه السلطة أمور رئيسة أهمّها الدفاع والسياسة الخارجية والنقد والمياه والطاقة ومرافق المواصلات والاتصالات ذات الصفة الوطنية أو الدولية. وقد يضاف إلى هذه غيرها ممّا يعدّ ذا مساس بالجماعة الوطنية جملةً.
فإذا تأمّلنا في هذه اللائحة ظهر لنا أنها تشتمل على ما يعتبر مواضيع التنازع الرئيسة بين مكوّنات البلاد التي تشهد تنازعاً في المجال العربي. فبعضها (وهي السياسات) موضوعُ توجّهاتٍ متعارضة وبعضها، وهو الموارد أو الثروات، موضوع نزوع واضح إلى الاستئثار.
عند آخرين، نرى الطبيعة العصبية للأطراف المتنازعة وتخالطها أو تجاورها في العواصم وسائر المدن، خصوصاً، يميلان بالبحث في الحلول نحو ما يسمّى «الصيغ التوافقية». ويحظى بحماسة هؤلاء، على التخصيص، نظام «الحصص» المضمونة في السلطة ويُمْنَح أرجحيةً على صيغة الفدرالية الترابية. هذا النظام هو ما تمثّل الحالة اللبنانية نموذجاً له في المشرق. وهو ما يمثّل الفشل التاريخي الواضح للصيغة اللبنانية أيضاً نموذجاً لمستقبله: أي لاعتياد العنف الأهلي والبقاء عرضةً للحروب الخارجية ومعهما توزّع الجماعات بين حالات استبداد ضئيلة الأحجام وتهالك سلطة القانون واستتباب الفساد الهيكلي وهذا فضلاً عن مقايضة الاستقلال الوطني بتوزّع التبعيات لقوى الخارج المتخالفة. ذاك هو، في الواقع، ما توعد به الأوطان المتجهة إلى اعتماد ما يسمّى «التوافقية» أو تقاسم السلطة المسبق حصصاً وأنصبةً تتوزّعها الجماعات في المجال العربي.
في صدد آخر ولكنه وثيق الصلة بالسابق، يشدّد الذين يهوون مخادعة أنفسهم، بلا كلل، على خصوصية الحالة التي يمثّلها كل واحد من المجتمعات التي نتناول هنا وعلى فرادة الحركة الجارية فيه وعلى لزوم الواقعية السياسية في النظر إليها. هذا التشديد الذي يبدو في منطلقه تحصيلَ حاصل يصبح خَطِراً وغيرَ مقبولٍ حين يستحيل إلى تقبّلٍ لأمور واقعة لا تقلّ سوءاً (بل هي قد تزيد سوءاً) عمّا قامت الحركة لتغييره: أي حين يوحي القائلون به أن حركات التغيير تبقى عظيمة بعد أن تتخلّى عن جميع الأهداف العظيمة التي قامت في سبيل تحقيقها وتجنح إلى نقائضها.
توجد معانٍ للـ»حرية» وللـ»ديمقراطية» وللـ»مواطنة» و»الكرامة» ويوجد معنى للـ»خبز» أيضاً. وليس خطأً القول أن الطرُقَ نحو الأخذ بهذه المعاني تختلف. ولكن الخطأ (أو ما هو أسوأ من الخطأ) هو نشر ضباب الفرادة الأسود حول هذه المعاني والتعلل (الساخر أحياناً) بالبعد العبقري عن النماذج الجاهزة: لا لشيءٍ إلا لدعوة أصحاب تلك الأهداف إلى المضي قدماً، باسم الفرادة وتنوّع االصيغ، في سبلٍ توصلهم إلى نقيض ما كانوا يأملون. هذا ما اعتدنا على سماعه ردحاً طويلاً من الزمن في وجه كلّ كلامٍ نقديّ يتناول الثورة السورية مثلاً. وقد بقيت من هذا المزاج بقية إلى الآن على الرغم من الظلمة الواحدة التي باتت تلفّ سورية والعراق معاً. لغة الفرادة هذه، في الواقع، قريبة الشبه مما كنا نسمع به في ماض أصبح بعيداً من «اشتراكية نابعة» من واقعنا و»أصالة قومية» كان أصحابُهما، على وجه التحديد، أسلافَ طغاتنا الحاضرين.
لا تغني عنّا المداورة شيئاً. لا مفرَّ من تحرّر الجماعات التي تتقدّم على أنها أوطانٌ بديلة أو مكوّناتٌ «طبيعية» للأوطان من افتراضها نفسَها وحداتٍ سياسيةً مُصْمَتةً تعْلِن أو تضْمِر رفضاً أصلياً للتعدّد السياسي. لا مفرّ من قبول التعدّد الذي تمليه إرادة المواطنين الحرّة في كلّ جماعة وفي ما يتعدّى الجماعات العصبية إلى المجتمع الوطني. لا مفرّ من تغليب قِيَم المواطنة في السياسة على كلّ انتماء آخر يبقى له أن يتسيّد في مجاله. لا مفرّ من الديمقراطية بأعمّ معانيها المألوفة في العالم.
هذا وقد لا يكون عند التاريخ غير السخرية يردّ بها على ما يبدو له شروطاً تملى عليه. ولكن ما نطلبه ههنا لا نستمدّه من فراغٍ من التاريخ. فقد كان هو فحوى الكلام الذي تجاوبت به لأشهرٍ ساحاتٌ وشوارع كثيرة بين المحيط والخليج. كان هذا قبل نحوٍ من ثلاث سنوات ثم غارَ الكلامُ في عواء المدافع وصرير الثورة المضادّة. مع ذلك لا يضمن شيءٌ أن يعود في مدىً منظور ما بدا صورةً مرغوبة لغد هذه الشعوب. لا تصلُحُ عبارات من قبيل «إرادة الشعوب» و»منطق العصر» و»اتّجاه التاريخ» تمائم تقصّر أمد الكارثة وتضمن عودة قريبة إلى صورة مقبولة للمستقبل. بل يجب النظر في عوامل أخرى: في طبيعة الصدع الذي بات يشقّ المجتمعات وفي السلوك المحتمل للقوى الدولية التي تتحكم في الصراع ولتلك التي تبدو عاجزة عن التحكم الفعلي فيه… فمن قال أنه لا يزال يسعنا أن نصدّق الوعد المغشوش بـ»الغدوات التي تغنّي»؟
كاتب لبناني

أحمد بيضون

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s