بيْنَ اللبنانيّين: أيُّ ميثاق؟

أحمد بيضون

Oct 17, 2016

عاد «الميثاق الوطنيّ» وما يمليه وما لا يمليه من قواعد وتصرّفات يشغل ساحة السياسة في لبنان مع تمادي الفراغ في كرسيّ الرئاسة الأولى وتطوّر الصراع الدائر في أفق هذا الفراغ.
وكان قد حَمَلني الاشتغالُ بسيرة سياسية ضافية لرياض الصلح (نشرتُها قبلَ بضع سنوات) على التدقيق مليّاً في ما يسمّيه اللبنانيون «الميثاق الوطني». فإن هذا العهد المفترض الذي يقال إنه بقي غير مكتوب قد داخله، في ما يقارب ثلاثة أرباع القرن مضت على استقلال الجمهورية، كثير من التخليط في المضمون والتغيير في الفحوى من مرحلة إلى مرحلة وبين فريق وفريق.
ولا غرو أن يكون غياب النصّ المكتوب (أو زعْمُ هذا الغياب) قد أسعف في اختلاف الروايات وسهّل لكلّ فريق تحميل «الميثاق»، بما افترض له من جلال التأسيس، ما قد يحتمل من المنطويات وما قد لا يحتمل. وأمّا أن يوجبَ النظرُ في سيرة رياض الصلح السياسية إعادةَ نظر في حقيقة الميثاق فأمرٌ لا يحتاج إلى تسويغ. ذاك أن «الميثاق» الذي يفترض أنه اختَتَم، بمعنىً ما، مساقاً للعلاقة بين مسيحيي لبنان ومسلميه وافتتح مساقاً آخر، يُفترض أنه أبرم بين شخصيتين هما بشارة الخوري، الذي أصبح أوّل رئيس للجمهورية في عهد الاستقلال ورياض الصلح الذي ألّف أوّل حكومة في العهد نفسه. يفترض أيضاً أن «الميثاق» وحّد نسبيّاً جبهة المعركة التي خاضها الرجلان وأقرانٌ لهما وكثرةٌ من اللبنانيين معهما بُعَيد تولّيهما مقاليد الحكم وانتهت بهما إلى اعتقال قصير المدّة ثم انتهت بالبلاد إلى نيل الاستقلال.
عليه تبيّن لي من فحص ركامٍ من النصوص السياسية المعاصرة لولادة «الميثاق» المفترضة والمفروض فيها ذكره لو كان موجوداً أن هذه التسمية لم تشع (بل لم تعتمد أصلاً) لأيّ عهد من النوع الذي افتُرِض إبرامُه لا في سنة 1943 ولا في السنوات الثلاث او الأربع التي تلتها. وقعتُ على مقالة يتيمة في جريدة «النهار» علّقت على البيان الوزاري لحكومة رياض الصلح الأولى لدى تقديمه إلى مجلس النوّاب فرأت فيه «عهداً أو ميثاقاً أخذَتْه البلادُ على نفسها بإجماع نوّابها على قبوله، لتُثْبِتَ وجودها كأمّةٍ مستقلّة تأخذ حقوقَها في الحكم الذاتيّ أخْذَ عزيزٍ مقتدِر».
ولقد كان على الباحث أن يجتاز ستة اشهرٍ أخرى تقريباً ليقع على ذكرٍ آخر (أو أوّل، بالأحرى)، لا يُستبعد أن يكون صدىً لسابقه، لـ»لميثاق الوطني» باسمه الكامل هذا، وذلك في خطبتين ألقى أولاهما المفتي محمّد توفيق خالد وردّ عليه بالثانية رئيس الجمهورية الذي كان قد حضر، ومعه رياض الصلح، للتهنئة بعيد المولد النبوي. وما سمّاه المفتي «الميثاق الوطني» ونال موافقة على التسمية من الرئيس لم يكن سوى البيان الوزاري (المكتوب والمنشور) لحكومة رياض الصلح، هذا البيان لم يكن مكتوباً وحسب، بل كانت شكواه من الصيغة الطائفية وتوجّهه إلى «معالجتـ»ها والقضاء على مساوئها» معلنَيْن فيه. وقد زادهما إعلاناً تصريح البيان بأن «الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية هي ساعة يقظةٍ وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان». ولم يكن هذا الكلام لغواً، بل كان له ما بعده. ففي رواية فيرلونغ، ركنِ البعثة البريطانية القديم العهد ببيروت، أن الصلح «صرّح لنا مراراً بنيّته إعداد مشروعٍ لإلغاء الطائفية قبل انعقاد المجلس النيابي في اكتوبر 1944. ولكن الرئيس (الخوري) وسائر أعضاء الحكومة يرون جميعاً أن هذا الإصلاح، وإن يكن مرغوباً فيه، يفضي إلى اضطراب».
يسعنا إذن، بعد التنويه بأن ما سمّي «الميثاق الوطني» في حينه كان نصّاً مكتوباً، أن نؤكّد أن هذا الميثاق لم يكن يتعلّق من قريب ولا من بعيد بتمثيل الطوائف في مؤسّسات الدولة والحكم، على اختلافها، ولا بالقواعد التي ينبغي اتّباعها في هذا التمثيل. هذا التمثيل وقواعده كان له، في تلك الأيام، اسمٌ بسيط هو الطائفية وكان ينسب – إذا نُسب – إلى تقليد مستمرّ، من عهد القائمقاميّتين في وسط القرن التاسع عشر، ولم يكن أحد ينسبه إلى ميثاق من أيّ نوع. يشهد لذلك أن الرئيس الخوري الذي لم يكن يضمر عداءً مبدئيّاً للطائفية يسمّيها باسمها مراراً في خطبه ويسمّي منها نوعاً يرفضه هو «الطائفية العمياء» ولا يزعم قطعاً أنه كان طرفاً في «ميثاق» نظّم «المبصرة» أو «العمياء». كان بعض هذه الصيغة الطائفية قد أصبح منصوصاً على إنفاذه «بصورة مؤقّتة» في دستور 1926 وبعضٌ آخر قد أدرج في قانون الانتخاب، قبيل ذلك، اي منذ أنشئ للبنان الكبير مجلسٌ منتخب، وبعضٌ أخير (هو المتعلّق بالرئاسات الثلاث) قد تبينت ملامحه مع تكوين السلطات التي خاضت معركة الاستقلال، ولكنه لبث، بما هو «عرفٌ»، قابلاً للخرق وخُرِق فعلاً، ولو استثناءً… ولم يكن لهذا كلّه شأن بـ»ميثاقٍ» ما أبرمه الخوري والصلح في سنة 1943.
ما الذي جاء إذن في بيان حكومة الاستقلال الأولى واستحقّ أن يسميه معاصروها «ميثاقاً»؟ هو – بشهادة نصّ البيان وما أشرنا إليه من نصوص أخرى وبشهادات كثيرة لاحقة – ممكن الحصر في مقايضتين: الأولى هي مقايضة المسيحيين الحمايةَ الأوروبية (أو الفرنسيةَ بالأحرى) بوطنٍ منفتح «على الخيّر النافع من حضارة الغرب». والثانية مقايضة المسلمين الوحدةَ العربية (أو السوريةَ، بالأحرى) بوطن «ذي وجهٍ عربي» لا يكون للاستعمار «مَمَرّاً» ولا «مَقَرّاً». وأمّا محصّلة التوافق بين هاتين المقايضتين فهي أن يكون الوطن المذكور «وطناً عزيزاً مستقلّاً سيّداً حرّاً»، وهذا باعتراف الدول العربية وأطراف «التعاون الدولي». (كتابي: «رياض الصلح في زمانه»).
خلاصة هذا كلّه أن مدار «الميثاق» (إذا أصررنا على هذه التسمية!) ليس سوى الاستقلال نفسه. فلا شيء يضاف هنا إلى المعنى الأعمّ للاستقلال سوى الإيحاء بهويّة الطرفين «المتعاقدين» عليه (أي مسيحيي لبنان ومسلميه) وتعداد الأبعاد الخاصّة بالاستقلال اللبناني من عربية وغربية، في النطاق الحضاري، ومن عربية ودولية في النطاق السياسي. فأين تراه «الميثاق» الذي يقال اليوم أنه حدّد مبدأً لاختيار رئيس الجمهورية (أو أيّ رئيسٍ غيره) من بين أعيان طائفته؟ ومتى أبرم هذا الميثاق؟
تبقى إشارتان. أولاهما إيضاحٌ لما لمحنا إليه من أن توزيع الرئاسات الثلاث على الطوائف خُرِق مراراً بعد سنة 1943. حصل الخرق في حالتي الرئاستين الثانية والثالثة. وهو خرق يمكن نسبته إلى الظرف الاستثنائي في حالة الرئاسة الثالثة ولكنه حصل، غداةَ الاستقلال، في ظرفٍ عادي جدّاً في حالة الثانية. الإشارة الثانية هي أن تسمية «الميثاق الوطني»، على الرغم من حالات أحصيناها وبقيت عابرة، لم ترسخ، بالمعنى الذي حدّدناه، في الكلام الرسمي إلا بعد سنوات من الاستقلال وبيانه الوزاري.
كانت عبارة «الميثاق الوطني» مألوفة، من قَبْلُ، في المحيط السوري اللبناني. فهي قد أطلقت على عهد أبرمه قادة الثورة السورية الكبرى في سنة 1926 ثم أصبح مرجعاً لما عرف باسم «الكتلة الوطنية» في سورية. وفي الثلاثينيات، تكرّر في لبنان إطلاق اسم «الميثاق الوطني» على نصوص وضعها أصحاب أقلامٍ موزّعو الهمّ بين الصحافة والسياسة. وأما ميثاق 1943 فبقيت خطب رئيس الجمهورية والبيانات الوزارية المتعاقبة خالية من ذكره بالاسم (وإن لم تخلُ من فحواه) حتى سنة 1948. في تمّوز من تلك السنة، ألقى رياض الصلح بيان حكومته الجديدة في مجلس النوّاب جاعلاً فيه «الميثاق الوطني» مرجعاً صريحاً لسياسة الحكومة. وكانت التسمية قد وردت في كلام للصلح نفسه (في مجلس النوّاب أيضاً) في السنة السابقة. وكان رئيس الجمهورية قد عاد، بدوره، إلى حديث «الميثاق الوطني» للمرّة الأولى بعد فلتة عام 1944 التي ذكرنا مناسبتها. حصل ذلك في الخطبة التي ألقاها في مجلس النوّاب يوم 27 مايو 1948 لمناسبة انتخابه لولايةٍ رئاسية ثانية.
بعد ذلك (وليس قبله!)، أصبح ذكر «الميثاق» منتظماً في خطب الرئيس. وهو، إذ أصبح يجعل مرجعاً لهذا الميثاق خطبته يوم انتخابه في 21 سبتمبر 1943، لم يكن يجد، في معظم الحالات، حاجة إلى تعريفه إذ كان السياق واضح الدلالة على فحواه: ذاك إجماع الطائفتين على الاستقلال، بإعراضهما عمّا كان ماسّاً به في الماضي: أي عن الوحدة مع هؤلاء، من جهة، وعن وصاية أولئك من الجهة الأخرى. على هذه وعلى تلك، آثر اللبنانيون – في اعتبار الرئيس – توطيد الوحدة والسلام فيما بينهم. ولعلّ ما يرسّخ هذا المعنى الاستقلالي للميثاق اعتبار الرئيس (في خطبتين من خطبه) عاميّة انطلياس التي وحّدت ممثّلي الطوائف في وجه الاحتلال المصري سنة 1840 «ميثاقاً» هو نفسه الذي تكرر عقده بعد مئة سنة.
عليه يتبدّى أن جورج نقّاش، حين ندّد في افتتاحية مشهورة نشرها في 10 مارس 1949 بالـ»نَفْيين» اللذين «لا يصنعان أمّة»، إنّما كان يندّد بشيء عاد إلى التداول باسمه الجديد، «الميثاق الوطني»، قبل مدّة غير طويلة. وإذا كان للدارس أن يعيّن سبباً او أكثر لتلك العودة فإن نظره يجب أن يذهب – في ما أرى – نحو الانقسام الذي أخذ يستشري في البلاد مع تزوير الانتخابات النيابية في مايو 1947 ثم مع نشوب الحرب الفلسطينية وتجديد الولاية لبشارة الخوري (بعد شكري القوّتلي) في أوائلها ومع بدء تدفّق اللاجئين الفلسطينيين على لبنان وما صحبه من هواجس طائفية. كان في ذلك كلّه ما يستدعي تحصين «العهد» المضطرب الأركان بالعودة إلى «الميثاق الوطني» ولكن بالمعنى الاستقلالي الذي كان في يد الخوري والصلح أن يبرزاه في وجه المعارضة المتحفّزة.
«الميثاق الوطني» شيء إذن و»الصيغة الطائفية» شيء آخر. وكانت نية الأوّل، في سنة 1943، متّجهة إلى إطاحة الثانية! ذاك ما يصرّح به بيان حكومة الاستقلال من غير لَبْس! ولا عجب يبقى في هذا الأمر إذا انتبهنا إلى أن الطائفية كانت وما تزال رأس أمراض الاستقلال… يصحّ هذا المعنى الاستقلالي للميثاق (ولا يصحّ غيره) ما لم يكن جبران باسيل قد ارتأى أن يضع يده على ميراث كمال الصليبي بعد أن أبطأَتْ عليه تَرِكةٌ أخرى هي محطّ آماله!
كاتب لبناني

 

أحمد بيضون

لبنان وسوريّة: الغريبان الحميمان (حاشيةٌ نقديّة على كتاب)

http://www.alquds.co.uk/?p=61093

أحمد بيضون

Oct 10, 2016

بذلت وسعي، في عجالات سبق نشرها هنا، لإنصاف العمل النفيس الذي أهدته إلينا الباحثة الفرنسية أليزابيث بيكار في موضوع العلاقة السورية اللبنانية. فاجتهدت في تقديم خلاصات لما وجدته أهمّ مندرجات كتابها الصادر مؤخّراً بالفرنسية، وهو ما لا يغني عن قراءته قطعاً.
وإذا كان لي من نقد إجماليّ للكتاب يتجاوز عن مآخذ تفصيلية (نادرة في كلّ حال) فلعلّ هذا النقد يقبل الاختزال في نقطة واحدة. لا تجهل المؤلّفة أن «على المسيرة أن تساير الطريق» بل هي تذكّر بهذه الضرورة حيث يلزم التذكير. وهي تخصّ لبنان وسوريا بمقارنة عامّة، سبق أن وقفتُ عندها، تستغرق صفحات من الكتاب. تظهر هذه المقارنة ما بين البلادين من تفاوت جسيم، متعدّد الوجوه، يجعل الكفّة السورية راجحةً جدّاً عند المغالبة. على الرغم من عناصر تعويض ينطوي عليها المجتمع اللبناني بما تحصّل له من تقاليد تمنحه قدرة على مداورة التفاوت.
على أن المؤلّفة لا تفعّل ـ في تقديري ـ هذا التفاوت بمقدار حقّه من التفعيل في ما تعالجه من فصول المواجهة والتداخل بين البلادين. وهي لو فعلت لظهرت حصائل هذين، المواجهة والتداخل أقلّ فرادةً ممّا يبدو لقارئ الكتاب وأوثق ملازمة لقانون القوّة المألوف في الأخذ والردّ بين الدول المتجاورة، وبين المتفاوت القوّة منها على التخصيص. وهذا بالطبع إذا لم يكن في الموقع الإقليمي للدولتين المتجاورتين أو في النظام الدولي ما يحدّ كثيراً أو قليلاً من مفعول التفاوت.
ولا ريب أن ما نراه جديراً بالاعتبار، في هذا المساق، لا يختصر في مساحة كلّ من القطرين السوري واللبناني وعدد سكّانه وما جرى هذا المجرى من معطيات وصفية أولى. فإنّما تجزئة المجتمع اللبناني وما تنطوي عليه من عوامل التنازع، القائمة أو الممكنة الاستثارة، واقعة شديدة الوقع على مسار العلاقة اللبنانية السورية. ويقال الشيء نفسه في طبيعة النظام السياسي الذي فرض نفسه عقوداً مديدةً في سوريا وهو نظام مونوقراطي يسفر عن وحدة في القيادة تسجّلها المؤلّفة فيبدو مؤهلاً تلقائيّاً للسعي الدائم إلى وضع يدٍ متعدّد الصيغ على الدولة المجاورة.
لا ريب أن التقابل بين هاتين الحالين لا يستنفد صورة التفاعل غير المتكافئ بين سوريا ولبنان في نصف قرن مضى أو يزيد. فثمّة مطالب ومقتضيات للنظام الدولي في حركته الدائبة وثمّة قوىً أخرى في الإقليم يحسب لها القوي والضعيف في المواجهة حساباً يطمئنّ إليه أو يقلق له. هذا كلّه تعرفه المؤلّفة حقّ العلم. ولكن الأساس المتمثل في معطيات التقابل الذي أبرزناه للتوّ يبقى هو المستحقّ الظهور في تحليل مسار العلاقة ويبقى الكفيل بإظهار امتثال هذا المسار لعوامل «عاديّة» تبعد محلّله أو واصفه عن الإيغال المفرط في منطق «الخصوصية» ناهيك من «الفرادة».
ولقد كان يكفي المؤلّفة الالتفات إلى بعد الشقّة بين ما كان قد حصل حين جرى الانفصال الاقتصادي لسوريا عن لبنان في سنة 1950، بعد إجراءات مهّدت له، وما حصل حين دخلت القوّات السورية لبنان من باب الحرب الأهلية في سنة 1976. ففي الحالة الأولى، لم تفلح السلطات السورية في تفعيل واحد من امتيازاتها الإستراتيجية، وهو استئثارها بمنافذ التجارة البريّة اللبنانية، على نحوٍ يلزم السلطات اللبنانية بقبول شروطها. وذاك أن تكوين السلطة في سوريا لم يكن ليطلق يدها في اتخاذ ما ترتئيه من إجراءات. ولا كان السياق الإقليمي يبيح لها ذلك. هذا فيما كان تطويع المنظّمات الفلسطينية وتحمّل المسؤولية عن مسلكها من جانب دولة خاضعة للمساءلة يمنح النظام الأسدي فرصةً معتبرة، أمريكية وإسرائيلية على الخصوص، لوضع يد مشروطٍ على معظم لبنان. تحت هذا الفارق، كان التفاوت الأساسي بين البلادين معطىً ثابتاً لا يقبل الإبطال وإن يكن يقبل اللجم والإطلاق وفقاً لاتّجاه محصّلة تستعلي عليه بما لها من قوّة الإلزام.
مقارنة أخرى نرى لها وجاهة لا يستهان بها حين نريد الإفضاء إلى تقديرٍ لما هو مستمرّ الفاعلية (وإن لم يكن يتّصف بالخلود أبداً) في توجيه العلاقة السورية اللبنانية. تلك هي المقارنة ما بين مجرى هذه العلاقة، من جهة، ومجرى العلاقة السورية الأردنية، من الجهة الأخرى. ولا نجاوز هنا لفت النظر إلى هذا الإمكان. فنكتفي من ذلك بالتنويه بأن سوريا، على ما بينها وبين الأردن من تفاوت لصالحها قد لا يقلّ مقداره عن مقدار ما بينها وبين لبنان، ولو اختلفت العناصر، كانت في السنوات الأولى التي تلت استقلالها تخشى، على نحوٍ ما، أن «يَضُمّ»ـها الأردن فيما يُفترض حصول الخشية من جانب هذا الأخير.
وحين حاول نظام البعث، في زمن لاحق، إرسال دبّاباته إلى الأردن، في أثناء المواجهة بين السلطة هناك والمنظمات الفلسطينية، كان ذلك، في مطلع السبعينيات، نوعاً من التمرين على ما فعله النظام الأسدي، في وسط العقد نفسه، في لبنان. ولكن الحصيلة كانت مختلفة غاية الاختلاف. وهو ما يفسّره اختلاف الأردن التكويني، سلطةً ومجتمعاً، عن لبنان. ذاك اختلاف زوّد الأردن موقفاً عامّاً من التدخل السوري مختلفاً عن ذاك الذي لقيه التدخل نفسه في لبنان، حيث لم يكن يوجد موقف عامّ من أيّ أمر.
مرّةً أخرى، كان من شأن الإقدام على هذا النوع من المقارنة، لو عمدت إليه بيكار، أن يسعفنا في التوصّل إلى توزيع حسن للفاعلية بين ما هو ثابت لجهة قوامه المادّي، طويل الأجل، لجهة مفعوله، وما هو متغيّر، بهذا القدْر من السرعة أو ذاك، من معطيات العلاقة اللبنانية السورية…
بات رتيباً، في الختام، كلما عرضت كتاباً ذا قيمة، موضوعاً بغير العربية، أن أوصي بنقله إلى لغتنا. ولكن أجد سروراً في ارتكاب هذا الأمر الرتيب مرّة أخرى بصدد كتاب إليزابيث بيكار الذي نحن موضوعه.

كاتب لبناني

أحمد بيضون

بين سورية ولبنان: ما تحتَ الوطني وما فوقَه

أحمد بيضون

Oct 04, 2016

تعتمد إليزابيث بيكار مداراً للقسم الثالث (الأخير) من كتابها الجديد مسألةَ «التمايز» ما بين طرفي «الثنائي» الذي يمثّله سوريا ولبنان. وهي تركّز هنا على ماجريات المرحلة التي بدأت نحو سنة 2000 وشهدت انقلاباً في مجرى العلاقة سنة 2005، في أعقاب اغتيال رفيق الحريري، ثم شهدت انقلاباً آخر مع اندلاع الثورة السورية في سنة 2011.
وهي تنفذ إلى البحث في هذا «التمايز» من مدخلين أ- إشكال الديمقراطية التي فرضت نفسها، مع أفول القرن الماضي، على أنها الصورة الشرعية للعلاقة بين الحكّام والمحكومين. ب- وإشكال المنازعات الإقليمية واختراقها حدود الدول وما يسفر عنه ذلك من تغيير في صيغة العلاقة السورية اللبنانية.
ويستوقف المؤلفة ما شهدته هذه السنوات من أخذ وردّ بين مثقفين من البلادين. فترى في ذلك عبارة من العبارات عمّا تسمّيه «التذاوت» – وسبق أن أشرنا إليه – أي عن بلوغ التبادل حدّ التداخل أو التخالط بين «الذاتين» بخلاف ما يكون عليه الأمر في ما قد يعرض من حالات حوار أو تبادل يجري بين ذاتين ناجزتي الاستقلال. وهي تشير ههنا إلى ظواهر الانفعال في أوساط من المثقفين اللبنانيين بما أطلق عليه اسم «ربيع دمشق» وإلى استمرار هذا الانفعال (الذي أصبح تفاعلاً) بعد خروج القوّات السورية من لبنان في ربيع 2005 وتجسيده على الخصوص في نوع من التصوّر المشترك للعلاقة السورية اللبنانية جسّده «بيان بيروت دمشق – دمشق بيروت» الذي صدر في أيّار/مايو 2006 وانتهى إلى حمل مئات من التواقيع.
وإذ تتوقّف بيكار عند ما تسمّيه «التفارق الديمقراطي» بين النظامين اللبناني والسوري تنكر، متحدّية الشائع وبعض الظاهر، أن يكون النظام القائم في لبنان نظاماً ديمقراطيّاً، موضحة أن انتفاء هذه الصفة عنه تَعمّق في عهد الوصاية السورية واستمرّ بعد جلائها. وهي قد كانت اعتمدت لتعريف الديمقراطية سمتين أخذتهما عن راي هنبوش وهما «التنافس المفتوح» و»الاستيعاب». وهي تأخذ عن هنبوش أيضاً حصر الثقافة السياسية، بالمعنى الاجتماعي، في دور «المتغيّر المتدّخل» فتوضح أن أثر هذه الثقافة يكون مدرجاً على الدوام في أنظمة زمنية وسياقات تحوّل محمولاتها وتوجّهاتها بلا انقطاع. لذا كان من غير المناسب أن تعزى للتمثلات الدينية أو العائلية للسلطة ولما تبديه الولاءات ما دون الوطنية أو ما فوق الوطنية من مجافاةٍ لنظام الدولة فاعليةٌ مستقرّة من طور إلى طور. وأما ما يبدو للمؤلفة مفقوداً من شرائط الديمقراطية فهو ما يسمّيه ميشال كامو التكامل ما بين المجتمعين المدني والسياسي، إذ لا يستقيم بغيره الاستيعاب ولا التنافس المفتوح. وذاك أن «النخبة السياسية» في لبنان تنفذ إلى الهيمنة على الجمهور من البنى الأهلية. وهو ما يترك الباب مفتوحاً لتسلّط الحاكمين. وهو ما يترك أيضاً فراغاً ما بين الدفاع عن الخصوصيات والقبول بنظام سياسي مشترك.
هذه الخانة الفارغة ليست سوى الرابط المدني الذي ينشئ أساساً معنوياً لاحترام الأقلية في اختلافها وللاعتراف، في الآن نفسه، بحدود هذا الاحترام في الممارسة السياسية. عليه أمكن أن تنقل «لوموند» عن لبنانيين ما مفاده أنه ليس عندهم ديكتاتور واحد بل حوالي عشرين!
عليه أيضاً أمكن أن ينقلب الزعماء اللبنانيون بمنتهى السرعة على الحركة التي شهدها آذار/مارس من سنة 2005 ليتبادلوا، في انتخابات ذلك العام، تأمين بقائهم في مؤسسة السلطة. مع ذلك لا تغفل بيكار خصائص للحركة الشعبية في لبنان تفتح لها أفقاً ديمقراطيّاً. فإن كان لا يستقيم ادّعاءُ اللبنانيين أبوّةَ ما سمّي «ثورة الأرز» لما سمّي «الربيع العربي» فإنه يبقى أن مروحة المطالب التي تتسع لها الحركة اللبنانية (بما فيها، مثلاً، إقرار المثليين على حقوقهم) لا يوجد نظير لها في أيّ من المجتمعات العربية الأخرى.
وأما في سوريا فإن علمانيةً مزعومة تحجب نظام تفضيل واستبعاد أكثر حدّة من الطائفية المؤسّسية إذ هو بمنجاة من التنظيم الدستوري. ولا تعدو المؤسّسات السياسية أن تكون أدوات لتأبيد هذا النظام الذي يصحّ وصفه بـ»الشعبوي التسلّطي» إذ يبقى تعريفها القانوني أدنى أهمّيةً من سلوك المستأثرين بها في الممارسة. ولقد أمكن لـ»ربيع دمشق» الذي تخصّه المؤلّفة بتقدير رفيع أن يمثّل، بديناميّاته وبإخفاقاته أيضاً وبصموده «الدفين» طوال العقد الأوّل من القرن، منطلقاً لتعبئة مدنية مستعادة كان يصعب تخيلها بعد إبعاد السوريين مدّة عقدين عن السياسة شرطاً لاتّقاء دولتهم «اللاوثانية». قليل جدّاً أن يقال، والحالة هذه، أن التبادل السياسي بين دائرتي الحكم والمجتمع كان معطّلاً شأنه في الحالة اللبنانية.
لا يستقيم، بعد هذا، أن يعدّ التزامن ما بين التحرّك السيادي في لبنان والتعبئة من أجل الديمقراطية في سوريا محض اتّفاق، بل هو يدلّ على توافق في الأثر لتحوّلات مختلفة أهمّها الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وموت حافظ الأسد ومبادرات «التدمير الخلاق» الأمريكية. فضلاً عن تطوير الوسائط الجديدة للتواصل وهي قد رفعت نسب التلقي في كلّ من البلادين لما يجري في الآخر. وهذا في ظرف بات فيه التفاعل أكثر تسيّساً بالنظر إلى وحدة السلطة مما كانت عليه حال التأثّر العائلي أو الطائفي المألوف.
على أن أهمّ ما في هذا القسم الأخير من كتاب بيكار اختيارُها تفريدَ ما تراه حاصلاً من توتّر مباشر بين طرفَي الثنائي المتشكّل من «المحلّي»، أي ما دون الدولة، و»الإقليمي»، أي ما فوق الدولة، وجعلَ علاقة التوتّر هذه موضوعاً للتحليل تُنحّى منه الدولة نفسها وسلطتها. وهي تنتقي لهذه الغاية حالتين طرفيتين هما حالة مزارع شبعا وحالة وادي العاصي ومرتفعات القلمون. ويقتضي هذا البحث إعداد صفّين من الأدوات: أنثروبولوجي للنطاق المحلّي واستراتيجي للمستوى الإقليمي. فالحالة الأولى تنصب في مواجهة المثال الوستفالي وشرع الدول كسوراً في السيادة وفجوات في الوثائق وتناقضاً في تأويل الوقائع. وهي تنصب، وهذا هو الأهمّ، التعدّد في انتماء الجماعة وما في هذا الانتماء من سيولة تميّزه في هذا المشرق. وإلى الشمال، تنمّ حالة بلدة عرسال، مثلاً، بما في العلاقة السورية اللبنانية من اختلاط يُحصى بين مفاعيله التعدّد في تصوّر الحدود وتبعية هذا التصوّر للبعد الاجتماعي للنظرة. ذاك يشهد، في آن، لقوة الانتماءات الأوّلية وللمرونة الممكنة في معالجتها. ذاك يردّنا أيضاً إلى ما جرّته قسمة 1920 من لَبْس لا يزال يتجدد بصور شتى. وحين نضع بإزاء هذا النطاق المحلّي عمقَ الأفق الإقليمي يسعنا الافتراض، في ما ترى بيكار، أن دول الشرق الأوسط ومجتمعاته متّحدة في تشكيل إقليمي ذي صفة تنازعية. وهو ما يسوّغ القول أن الحرب الجارية في سوريا لم «تَفِض» على لبنان بل بدأت، بهذا المعنى، في البلادين معاً.
مع ذلك، تبقى بيكار بعيدة عن إنكار حقيقة «الدولة» في البلادين إذ أثمرت هذه في نحو من مئة سنة بنى ومرتكزات هي من الضخامة والتعقيد بحيث يتعذّر تخطّيها. وفي الراهن، لا تحول الدولة دون نموّ الشبكات الإسلامية، وهذه تقرن المحلّي بالإقليمي مباشرة. ولكن الدولة قد تسخّرها وقد تقاومها بمقادير من النجاح متباينة. هكذا خرقت الاستخباراتُ السورية شبكاتٍ سنّية لبنانية بينها التنظيم المنتسب إلى «الإخوان» ومن أُطلق عليهم اسم «الأحباش» وعَقدت صلاتٍ في المخيّمات الفلسطينية مع سلفيين منهم «عصبة الأنصار» و»جند الشام» واجهوا زعامة رفيق الحريري… إلخ.
في خاتمة الكتاب، تعود بيكار إلى الدولة ورسوخ مقامها في ما يتعدّى ما ذكرنا من صور اللَبْس والسيولة. فترى أن تعوّدَ الجماعات المحلّية نظامَ الدولة وتَدرُّبَ «النخب» على تدبيرها ليسا مساقاً تقانيّاً ومكتسباً مادياً وحسب، وإنما آلا إلى استدخالٍ أثمره الإكراه في كثير من الأحيان لصيغ من العلاقة بالآخر وللتصرّف في الفضاء العمومي ولتمثّل ما هو جماعي بما يعرّفه من حدود وقواعد ومراتب. ولا موجب، بعد ما سبق كلّه، للتذكير بأن هذا كلّه، في ما ترى بيكار، قد تعرّض، على ما له من رسوخ نسبي، وما يزال يتعرّض اليوم لتحدّياتٍ مزلزلة… وعلى ما يمليه الزلزال الجاري من توقّعاتٍ متشائمة أوضحُ أسبابها حركاتُ السكّان الحاصلة والمتوقعة في ظروف الحرب وما بعدها، فإن المؤلّفة تجد ما يكفي من العزيمة لصياغة مبدأ توصي برعايته وهو يترتب على تناولها للنظامين السوري واللبناني برمّته. ذاك هو جعلُ المحلّي بما يتمخّض عنه من تطلّعات ومبادرات بمثابة القاعدة لشرعية السلطة وإحلالُ المجتمع في قلب السياسة. وهو في نظر المؤلفة ما يمثّل ردعاً لاستئثار الحكّام وزبانيتهم ويعيد «من الأسفل» تأسيس «الجماعة السياسية»…
لم يبق بعد هذا سوى حاشية نقديّة نعلّقها على هذا الكتاب في عجالتنا المقبلة…
كاتب لبناني

أحمد بيضون

مَسارُ العلاقة السورية اللبنانية: الاقتصاد السياسي للسيطرة

أحمد بيضون

Sep 27, 2016

ما هو من بعدُ هذا «الاقتصاد السياسي للسيطرة السورية» على لبنان الذي تكرّس له اليزابيث بيكار ذاك الفصل الألمعيّ من كتابها الأخير؟
تقول المؤلّفة إنها لا تقصر المقاربة الاقتصادية على ما هو مادّي من وسائل وغايات، وإنما تلحظ المساق الاجتماعي والتجربة التاريخية في معاينتها تكوين الهويّات وتشكّل التصرّفات والمصالح. فهي تقتفي أثر كارل بولانيي في النظر إلى الاقتصاد على أنه بعدٌ من أبعاد الاجتماعي، بل هي تصل أيضاً إلى الاعتراف بقيمة معرفية لما يسمّيه جيمس ياسبرز وبرتراند بادي «البعد العاطفي» من الاقتصاد السياسي.
عليه تقرّر المؤلّفة أن السيطرة السورية على لبنان غادرت في الأعوام 1990 – 2005 حال الثمرة المباشرة للتدخل السوري في الحرب اللبنانية لتتخذ لها مرتكزاً شبكاتٍ اجتماعية وسياسية واقتصادية فيها لبنانيون وسوريون وفيها فلسطينيون أيضاً.
كانت الحرب اللبنانية، على ما سبقت الإشارة إليه في عجالتنا الماضية، قد أسهمت في تحويل المعايير والممارسات الاقتصادية تحويلاً مرشّحاً للدوام عقوداً بعدها. فإذ فتّتت المشهد العام وعسكرَتْه خرّجت أيضاً مقاولين للسياسة من عداد السلك المقاتل مدخلةً العنف الصريح في الضبط الاجتماعي. والأهمّ أن الخروج من الحرب حكمه سياق سياسي ومؤسّسي كان أبرز معالمه الخروج السوري من اشتراكية الدولة ومغادرة سورية الخيار العسكري في مواجهة إسرائيل. كانت الساعة الأمريكية تدقّ في العراق وفلسطين فيما كان اتّفاق الطائف يتّخذ مساراً التبس فيه التطبيق بالتحوير. ويستوقف المؤلّفة «سَيْلُ» الاتفاقات التي تبعت «معاهدة الأخوة والتضامن والتنسيق» بين لبنان وسورية. وهذه اتفاقات تَصاحَب في صياغتها وإقرارها قدْرٌ من الاستعجال وقدْرٌ من قلّة الاكتراث. ولكن يستوقف المؤلّفة، على الأخصّ، ما نشأ من شبكات سورية لبنانية، في تلك المرحلة، مثّلت نسيجاً للمجال السوري اللبناني الجديد. داخلت هذه الشبكاتُ الهياكلَ المؤسّسية ولابس عملُها التشغيلَ البيرقراطي وعدّل إوالاته.
كانت الحرب قد مهّدت لهذا كلّه بإفقاد السلطات اللبنانية سيطرتها على الأرض وعلى الحدود. وهو ما أسفر في المنطقة المحاذية للحدود السورية عن مضاعفة زراعة الحشيش بين عامي 1975 و1984. وفي سنة 1984، أَحلّت القيادةُ السورية في جُرْد بعلبك مجموعاتٍ مسلّحة منها الفلسطيني (فتح المجلس الثوري لصاحبها أبو نضال) ومنها الأرمني (الجيش الأرمني السرّي-ASALA) ومنها الكردي (حزب العمّال الكردستاني) فبدأت، في المنطقة، زراعة الخشخاش. وموّل تصديرُ مشتقّاته شراءَ الأسلحة وأرضى شيئاً من جشع قادة الحرب وشركائهم من «المدنيين».
هكذا شهد أصحاب الثروات الموروثة الذين مالأوا المليشيات مضطرّين أو مختارين ظهورَ مقاولين جدد كثيراً ما كانوا ذوي اختصاص حقوقي أو هندسي وقد راكموا بعض الثروة من هجرات حديثة مختلفة الآفاق. وضع هؤلاء، على وجه السرعة، أيديهم على الفرص التي أتاحها تعطّل التموين العمومي (بالحبوب والمحروقات خصوصاً) وأفادوا بلا خوفٍ من حسابٍ من تلف السجلّات العقارية أو تعذّر الوصول إليها واستثمروا عجز الشرطة عن قمع الاستهلاك الهمجي للمياه والمقالع والرمول. في حمّى الاستعجال وفقدان الضوابط هذين، تكوّنت الثروات الجديدة بفعل أنشطة مضاربية وريعية غيّرت تكوينَ الرأسمالية اللبنانية ووجوهَ ممارستها. وفي جميع الطوائف، قَلَب ظهورُ الأغنياء الجدد ما كان معروفاً من تراتباتٍ اجتماعية منذ زوال الدولة العثمانية.
ذاك هو الوضع الذي انطلقت منه الوصاية السورية على لبنان بعد اتّفاق الطائف. فمذ ذاك استوى الاقتصاد اللبناني أرض «افتراس» سلّمت به أوساطٌ من المجتمع اللبناني أعرَضُ بكثير من تلك المؤيّدة أصلاً للنظام السوري. ومثّل تكوين «الشبكات» جواباً على قصور سلطة الدولة. فالشبكات، بتكثيرها فرص التفاعل، تُصرّف ما لا يسع المؤسسات استقطابَه من ولاءات الأفراد، ولكن هذا كان يقتضي، في الحالة التي نتناول، ما سمّاه جوزف مايلا انتقالاً لبنانيّاً «من الخضوع إلى الخنوع»…
في ختام هذا الاستعراض لجوانب السيطرة السورية على لبنان وصيغها، تتوقّف بيكار عند المعالجة الأسدية لأوضاع القوّات المسلّحة اللبنانية. وخلاصة الأمر ههنا أن الجيش اللبناني حُمِلَ على اعتماد النموذج الذي ميّز ما كان يسمّى «الجيوش الوطنية» في عددٍ من الدول العربية. وهذا في حينٍ كانت فيه الجيوش المذكورة في سبيلها إلى مجافاة هذا النموذج. والسمة الرئيسة لهذا النموذج هي شركة الجيوش الوثيقة في حماية الأنظمة السلطوية القائمة. وهذا يقتضي وفرةَ العديد ويقتضي الأفضليةَ الإجمالية في المعاملة على أسلاك الوظيفة المدنية إلى إخضاع العسكر، مع ذلك، لرقابة أجهزة أمنية مختلفة وجعل مهمّات الجيش شبه محصورة في النطاق المعتاد لعمل الشرطة. في هذا المساق، أعيد تنظيم ما كان يطلَق عليه اسم «المكتب الثاني» واختير قائد الجيش لرئاسة الجمهورية وتوالى اختيار وزراء الدفاع من بين المقرّبين إلى دمشق وأصبح ضابطٌ سوريّ رفيع الرتبة يحضر اجتماعات مجلس الدفاع اللبناني وبوشر السعي إلى «تطبيع» الضبّاط اللبنانيين في دورات مدفوعة البدل من 18 شهراً في المدارس الحربية السورية وأفاد هؤلاء أيضاً من إقامات في منتجعات مخصّصة للضبّاط على الشاطئ السوري. وتستذكر بيكار من بين أصناف النشاط «العسكري» أن رفعت الأسد الذي كانت مليشياه قد ضلعت في النهب والمصادرة منذ الثمانينيات، في أرجاء لبنانية مختلفة، قد بسط حمايته على فريق من رجال الأعمال وهذا قبل أن يتحول إلى الاستثمار المباشر شريكاً لبعض أسر الشمال اللبناني. وعلى الإجمال، أصبحت كلّ شبكة لبنانية تحظى برعاية ضابطٍ سوري يعاونه رديفٌ لبناني عند اللزوم. فيما بقيت الشبكات ذات الطابع الدولي كتلك المختصة بتهريب الهيرويين الأفغاني خاضعة حصراً لإشراف القادة الكبار، تعرف طريقها المباشر من البرّ السوري إلى المرافئ اللبنانية. كان تعدّد الرؤوس هذا في العلاقة اللبنانية السورية، كما في توزّع الأجهزة الاستخبارية في سورية نفسها، مناسباً لحافظ الأسد الذي كان غضُّ النظر عن الإثراء الشخصي لمعاونيه يضمن له ولاءهم ويمثّل، في الوقت نفسه، ذريعة لإزاحة من يظهر داعٍ لإزاحته بدعوى مكافحة الفساد! هذا يستوفي عناصرَ ما تطلق عليه بيكار اسم «التذاوت» أي إسفار علاقة التداخل الموضوعي عن نوعٍ من الامتزاج التفاعلي بين الذاتين السورية واللبنانية. على أن هذا «التذاوت» استبقى عناصر «تمايز» هي التي يصفها القسم الثالث (الأخير) من كتاب بيكار. وهو القسم الذي نكرّس له ولخلاصة الكتاب عجالتنا المقبلة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

الحربُ ضابطاً للعلاقة السورية اللبنانية

أحمد بيضون

Sep 20, 2016

لا تجد إليزابيت بيكار ما هو أولى من العنف بصدارة العوامل التي صاغت العلاقة اللبنانية السورية في نصف قرنٍ انقضى بين أواسط القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الجاري. كان العنف سيّداً، في هذه المدّة، بما هو أسلوب للعلاقة بين الدولتين وبما هو تغليب للقوّة على القانون وبما هو إرساء لاقتصادٍ افتراسي سيطر عليه حملة السلاح وبما هو ثمرة في العلاقات الاجتماعية لتأويلها بلغة العداء بين هويّات. ولم يكن مسارا البلادين متشابهين ولكنّهما تداخلا إلى حدّ الاستواء في نظام واحد والانخراط، وهما في حال التداخل ذاك، في النظام الإقليمي.
تنتظم هذا التحليل البيكاري ثلاثة تصوّرات هي «السيادة» و»الأمن» و»العنف». ولكن الأخير هو ما يقبع في قلب ديناميّات العلاقة الثنائية وهو ما يستوي «صَرْفاً ونحواً» للاجتماع هنا وهناك وكاشفاً للسياسة بما هي «مواصلة للحرب بوسائل أخرى» بخلاف عبارة كلاوسفيتس التي استوقفت ميشال فوكو بعد قلبها رأساً على عقِب. وليس أقلّ ما تفعله الحرب أنها تحوّل الاقتصاد بعمومه وعلاقات الإنتاج على الخصوص إذ تطلق العنان لنموّ القطاع غير النظامي وتبيح الفساد الكبير الذي يتحكّم فيه أهل السلاح أيضاً وتستدرج، في المواجهة، نشوء إستراتيجيات شعبية مدارها البقاء. تعبث الحرب بالمراتب الاجتماعية أيضاً فتخفض وترفع وتنشئ علاقة متفاوتة بالسلطة وبالعدالة تضع فَعَلة العنف في القمّة وتمكّنهم، إلى هذا الحدّ أو ذاك، من إلحاق الجهازين الديني والثقافي بركابهم. هذا التغيير العميق في المعايير الاجتماعية يأتي موعوداً ببقاء مديد وتصبح معه القطيعة مع دولة القانون عسيرة المعالجة ويسود لتبرير الممارسات المستجدّة خطابُ الذاكرة القائم على إبراز موقع الضحية التاريخي وطلب الثأر.
تباشر بيكار تتبعّها لوطأة الحرب هذه على العلاقة السورية اللبنانية بمقارنة بين البلادين تواجه ما بين المعالم الرئيسية لهذه ولتلك على أصعدة الأرض والسكّان والدخل والنموّ… ولا غرو أن تختتم هذه المقارنة بالمعطيات المتعلّقة هنا وهناك بالقوّات المسلّحة. ولا غرو أيضاً أن تظهر جليّة حدّة التفاوت في القوة بين الدولتين. ولكن هذا التفاوت تعوّضه شيئاً ما، في ما ترى المؤلّفة، فاعلية استثنائية للقوّة «الناعمة» في الحالة اللبنانية. تتمثّل هذه القوّة في ما يتمتّع به النموذج اللبناني من جاذبية ثقافية بالمعنى الأعمّ أي، على الخصوص، بما هو أسلوب حياة رخيّة لا يناظرها في الدنيا العربية لجهة مسايرة التنوّع ووفرة المبادلات الاجتماعية سوى مكانة التمتع في الحياة المغربية. وهو ما جعل قادة القوّات السورية التي طالت مرابطتها في لبنان يقلقون على عناصرهم لا من اعتياد التجاوز على الحقوق ومن الفساد بل من الرخاوة اللبنانية. وهو ما جعل القوّة السورية أيضاً تعمد إلى وضع حدّ قطعي لحالات لبنانية اكتسبت وهجاً غير متناسب ومقتضيات السيطرة السورية وأبرزها حالتا كمال جنبلاط ورفيق الحريري.
وأما السيادة بما هي مدار نزاع في العلاقة السورية اللبنانية فينبغي إدراج مصيرها، في العقود الأخيرة، في مسارٍ يتجاوز الدولتين. لا بدّ للسيادة من مقوّمات موضوعية أهمّها الحدود الثابتة والإدارة المستقرّة والهويّة المواطنية. ولكن تعاظمت الحاجة إلى احتساب الدلالات التي يسبغها الفاعلون الاجتماعيون على هذه المقوّمات في مبادلاتهم المختلفة. وهو ما يسوّغ للمؤلّفة اعتبار السيادة حالةً «ذاتية» أيضاً يتحوّل التعلق بها بما هي كذلك.
ولمقاربة إشكالية السيادة هذه تختار المؤلّفة ثلاثة تشكّلات تتقدّم فيها العلاقة السورية اللبنانية. الأوّل في النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي وقد اندرجت هذه العلاقة في أثنائه في التجاذب الأمريكي المصري لموازين الشرق الأوسط وهذا في ظلال الحرب الباردة. والثاني في مطلع السبعينات أي بعد أن أصبحت الأرض اللبنانية محلا للتنازع بين الكفاح الوطني الفلسطيني والمطامح السورية. وهو ما أفضى بالعلاقة بين كلّ من هذين الطرفين ولبنان إلى علاقة أكثر نزاعية وأكثر حميمية في آن. وهذا في ظرف تنازع الدولتين العظميين للقواعد والموارد وتعاظم أهمّية الشرق الأوسط. وهو ما أفضى إلى توزّع إجماليّ للنخب، في الإقليم، ما بين نوعين من الأنظمة: «اشتراكية» و»محافظة». وأما التشكل الثالث فوافق نهاية حرب لبنان في آخر الثمانينات وذلك في مناخ دولي تبدّل تبدّلاً جذريّاً وأفضى تبدّله إلى فتح أفق لمفاوضات فلسطينية إسرائيلية وإلى تهميش القوّة العراقية. وهو ما انتهى أيضاً إلى إرساء وصاية سورية على لبنان كان لها وجه السيطرة العسكرية الفجّة وكان لها أيضاً وجه تمثّل في مكاسب اقتصادية بقيت حتى ذلك الحين غير مأمولة.
تخصّ المؤلّفة كلا من هذه التشكّلات بصفحات تبدي تغيّراً حصل من حالة إلى حالة في «صيغة تأطير العلاقة الثنائية بالإطار الدولي». وهذه مقاربة تظهر ما لكلّ من هذه التشكّلات من فرادة وتوضح ملامح الأفق الذي دخل فيه. فبينما حُسمت أزمة 1958 اللبنانية على وجه السرعة في أعقاب الانقلاب العراقي بفعل التفاهم الأمريكي المصري، وذلك في ظرف الهيمنة الناصرية على سوريا، تفاعلت الأزمة اللبنانية أيضاً من عام 1973 إلى عام 1976 على نحو أنشأ علاقة «سلطانية» بين ساسة لبنان وحكّام دمشق. وقد أصبحت هذه العلاقة، بحكم تقبّلها الدولي، أشدّ وقعاً، في ما ترى المؤلّفة، على السيادة اللبنانية من الضربات الإسرائيلية ومن الاجتياح الإسرائيلي. ففي ما يتعدّى محو الحدود بين الدولتين السورية واللبنانية بالدبّابات أدّت مصادرة الحقّ اللبناني في تقرير المصير إلى إنشاء «مجالٍ تَذاوُتيّ» اختلطت فيه السيادتان على تفاوت وطّد خضوع إحداهما للأخرى. وأمّا تشكّل ما بعد الحرب اللبنانية فقد شهد تشدّداً سوريّاً أصبح «تلازم المسارين» عنواناً له وذلك بعد أن لم يبق في يد دمشق غير «الورقة» اللبنانية للضغط والمقايضة في موسم التفاوض.
وكان للتشدّد السوري، فضلاً عن وجه التعسّف السياسي، وجه اقتصادي تكرّس له بيكار فصلاً بالغ الأهمّية هو الخامس من كتابها. على أننا قبل الإفضاء إلى محتوى هذا الفصل، نرى فائدة في إبراز ملاحظات احتوتها الصفحات التي سبقته، وهي عيّنة من حصاد النظر الثاقب ومن القدرة على إجمال لوحة جامعة أو انعطاف كبير في كلام قليل. مثاله تعيين العام 1957 على أنه عام «انقلاب القوّة» الذي باشر نقل سوريا من حال «الموضوع» للصراع الدولي على الشرق الأوسط إلى حال «القوّة الإقليمية» الناشئة. هذا الانقلاب الذي كان الدور السوري في أزمة 1958 اللبنانية من «منجزاته» الأولى، لم يدرأ طفرات عنيفة نزلت بسوريا من الوحدة مع مصر إلى الانفصال فإلى سلطة البعث وما شهدته من صراعات قبل الإفضاء إلى العهد الأسدي. هذا الأخير اجتاز بدوره مرحلة اضطراب وقمع مهولين، فضلاً عن تدخّله في النزاع اللبناني وعن حرب تشرين 1973… قبل أن يستتمّ إطباق قبضته الحديدية على البلاد… بل على البلادين معاً. مثال ثانٍ ملاحظة المؤلّفة أن أيّ قياديّ لبناني من الصفّ الأوّل لم يثبت على ممالأة الدور السوري أو على معارضته مدة الأعوام الـ15 التي استغرقتها حرب لبنان.
مثالٌ ثالث أن تكوين المجتمع اللبناني ظلّ يستبعد وجود قائد يسعه أن يملي خطّاً استراتيجياً واحداً في السياسة وفي الحرب في حين كانت القوّات السورية ومعها وحدات جيش التحرير الفلسطيني منضوية تحت الإمرة الصارمة لقيادة تنتهي إلى الرئاسة السورية. إلخ.
ما قول بيكار بعد هذا في الاقتصاد السياسي للسيطرة السورية على لبنان بعد مرحلة الحرب، على الخصوص؟ نكرّس لهذا الجانب من علاقة السيطرة عجالتنا المقبلة.

٭ كاتب لبناني

سورية ولبنان: مفاعيلُ الانفصال

أحمد بيضون

Sep 08, 2016

لعل «التردد» أو «امتناع القطع» أو «اللايقين» هي الألفاظ الدالّة، مجتمعة أو منفردة، على ما تراه اليزابيث بيكار، في الكتاب الذي كرّسَته للعلاقة السورية اللبنانية، سمةً عامة لهذه الأخيرة بما هي مسارٌ تواصَل منذ انهيار الدولة العثمانية وأيلولة البلادين معاً، بعد مرحلةٍ من السعي المحموم هنا والمقاومة هناك، إلى حجر الانتداب الفرنسي.
فقد ظلّ التوق إلى وحدة بلاد الشام وإلى تحصيل نوع من الاستقلال لها من جهة، والسعي إلى نوع من الانفصال اللبناني من الجهة الأخرى، يتجاذبان مواقف الجماعات في الردح الأخير من القرن التاسع عشر، وفي العقدين الأوّلين من القرن العشرين، أي في مرحلةٍ شهدت أيضاً «اختراع الأمة العربية» على أيدي مثقفين وسياسيين وتشابك هذا المنطلق مع الخيارين الآخرين على نحو أدخل على الساحة نسبة مضافة من اللبس والتردد، فبدا القرار الفرنسي الذي باشر رسم الخرائط الجديدة، بعد ميسلون، ترجيحاً لوجهةٍ على أخرى: ترجيحاً كان التنبّؤ به قد ظلّ إلى عهدٍ غير بعيد مطبوعاً بالمجازفة.
لم يكن القرار الفرنسي، حين اتُّخذ، يعوزه المؤيّدون بين كتل الأهالي. وهو ما كانت أشارت إلى شيء منه (وإلى شيء من خلافه أيضاً) بعثة كينغ كرين الأمريكية في سنة 1919. ولكن القرار، أيّ قرار، لم يكن له أن يفرض على التاريخ الجديد وجهة وحيدة متخلصة من ميراث العهد السابق ومن وَقْع ما كان محمولاً عليه من بنىً ونوازع وحدةٍ وانقسام. يحمل هذا الحدّ المرسوم لفاعلية القرار الذي اتّخذته قوّةٌ أجنبية محتلّة مؤلّفةَ الكتاب على استدعاء تصوّر «العثمانية». وهي توضح أن ما تريده بـ»العثمانية» مفهومها الأنثروبولوجي لا مفهومها التاريخي ولا مفهومها الأيدلوجي، أي أن عثمانيّتها ليست استعادة لمساقٍ طويل المدّة، متقلّب الوجوه والمفاعيل، ولا هي دعوة ذات عبارة سياسية، وإنما هي جملة أعراف تنتظم علاقات التضامن والتنازع في مجتمعات تؤلّف العشيرة والعائلة والطائفة وحداتها الرئيسة وتمثّل العصبية «صَرْفها ونحوها» الإجماليان.
لم تجهل الدولتان الناشئتان أهمّية العصبيّات. ولكن الصورة المستخلصة من جملة تاريخهما المعاصر تفيد بأن الدولة اللبنانية اعتمدت العصبيات قاعدة صريحة، وإن لبثت موضوع شكوى، لنظامها فيما نَحَت الدولة السورية نحو الجمع ما بين إنكارها، في المبدأ، وتسخيرها، في الواقع، لحماية السلطة القائمة. ههنا تنبّه بيكار إلى بُعد هذا التشخيص عن المنزع الثقافوي الذي يعوّل على فاعلية ثابتة لما يسمّيه «البنى التقليدية». فتشدّد على أن هذه البنى إنما تفعل بتوسّط التمثّلات المتغيرة التي تتّخذها مرجعاً. وهي قد بقيت ذات امتياز فعليّ، من هذا الباب، يعاد النظر في دلالاتها وأدوارها ولكنها تفلح في استيعاب المصالح الاقتصادية والمطامح الفردية، مثلاً، حائلة بينها وبين الاستقلال والاستقرار.
وإذا كانت الطائفة هي التي بدت متصدّرة بين الجماعات العصبية حين طرح موضوع النظام السياسي في نطاق الدولة، فإنها بدت أيضاً في وضع منافسة وخلخلة لهذا النظام. هي من جهة سور حماية للأفراد المنتمين إليها، وخصوصاً للفئات الدنيا منهم، وهي بابُ تراكُمٍ للسلك المذهبي وللأعيان، على اختلاف المنابت الفئوية، حيث يفلح هؤلاء في فرض توسّطهم ما بين الطائفة والدولة. ولكن الطائفة، حيث تتخذ قيافة «الجماعة المتراصّة»، على الخصوص، تميل بأتباعها إلى تجاهل الحدود بين الدولتين. وإنما يحدّ من هذا الميل أو يطوّعه، في الحالة التي نعرض لها، وجود استقطاب طائفي أيضاً ما بين الساحل والداخل منح لبنان، في معظم تاريخه المعاصر، مُسْكة مسيحية واجهت المسكة الإسلامية الغالبة على سورية. بل إن التضامن الطائفي نفسه يمكن أن يتراخى – في ما ترى بيكار – بفعل تباين المواقع التي تتوزّع كتل الطائفة في الجغرافيا الإقليمية وتنابذ الزعامات في كلّ طائفة.
في المساق نفسه، لا بدّ من الالتفات إلى عصبية العشيرة أيضاً. وهو ما يملي ملاحظة التآكل الذي أصاب البداوة الشامية في قرن من الزمان بأثر من الحدود السياسية الجديدة ومن تقدّم النقل الذي أتاح جلب العلف إلى الماشية عوض الرحيل بها إليه. على أن ما بقي يخبو وينبعث من عصبية العشيرة زكّى مقاومة بعيدة الغور لسلطة القانون الحديث وبيرقراطية الدولة أساسها اعتياد سلطة الشيخ والعرف. وهو ما تَمثّل في إباء التشكّلات العصبية أن تعتمد في تحرّكاتها المنطق الطبقي أو المصلحة القطاعية وأن تتقبّل إرساء التراتب في مؤسّسات الدولة والمجتمع على مبدأ الكفاءة الذي تعتمده البيرقراطية الحديثة.
مع هذا تبقى إليزابيت بيكار بعيدة عن الاستهانة بالقطع الذي مثّله إنشاء الدولتين. هي ترى أن نظام الدولة الجديد هذا لم يبطل القديم بمثلّثه العصبي. تداخل النظامان وبقي تنافرهما دون عتبة التنافي، إذ لم يكن لهما أن يتنافيا. وقد أورثت هذه الحال نوعاً من اللايقين ذكرناه بقي مخالطاً صفات الدولة حين يدور الحديث على سورية ولبنان، بعد قرن تقريباً مضى على تقسيم الدولة العثمانية. ومع أن العصبيات أعادت تأويل نفسها في ضوء نظام الدولة الجديدة، فإن موقف هذه الأخيرة منها بقي غير مستقرّ. مثلاً، ظلّت الدولـــة تترجّح بين الاعتراف بهذه العصبية أو تلك وبين منازعتها تمثيل المنتمين إليها.. لداعٍ قد يكون أيدلوجيّاً وقد يتعلّق بتقدير كلفة الاعتراف.
من الجهة اللبنانية تتابعت، من غير أن تنسخ كلّ منها الأخريين، ثلاث روايات لتاريخ البلاد كان لكلّ منها وقع خاصّ بها على تمثّل العلاقة اللبنانية السورية. فإن تصوّر «الوطن المسيحي في الشرق الإسلامي» كان يرسم موقعاً من سورية غير ذاك الذي رسمه التوازن الميثاقي اللاحق بين التطلّعات المتعارضة للجماعتين المسيحية والإسلامية. وكان تصوّر النظام التعدّدي القائم على الطائفية السياسية (وهو الأخير) يفتح بدوره منافذ أخرى مغايرة للتفاعل وللتغالب بين النظامين.
ومن الجهة السورية، تواكب في العقود الأخيرة حماسٌ سوري لاجتثاث الطائفية في لبنان ودأبٌ سوريّ أيضاً لتطييف ممارسة السلطة في سورية. وكان مسار العلاقة اللبنانية السورية في أثناء حرب لبنان وفي غدواتها دليلاً على تقصير الميثاق اللبناني عن احتواء تحرّكاتٍ وهويّات بدا لها من التعقيد ما لا تتسع له الثنائية المسيحية الإسلامية. فكان أن تمخّضت التعدّدية الطائفية عن تهميش للرابط الوطني الوليد لمصلحة رابط عمودي يشدّ كلّاً من الكتل الطائفية إلى سيّد وحيد هو النظام السوري. في نطاق أعمّ، كان الخطاب الوحدوي العربي – بين ما كان – تشريعاً للتدخّل السوري في لبنان. وفي ما يتعدّى الفشل الذي لازم تجارب الوحدة العــربية، بقيت وحدة بلاد الشام أفقاً يتطلّع إليه أصحاب السلطة في دمشق ويسهم في رســم إستراتيجيتهم وإملاء ممارستهم السياسية.
تلك هي اللوحة التي اندرج فيها سعي حافظ الأسد، ابتداء من سنة 1970، من جهة أولى إلى تكوين شبكات علوية يسعه التعويل عليها لحماية سلطته وإلى تمكين مواقع لأقاربه وأتباعه تتيح لهم تحكّماً في قطاعات نامية من الاقتصاد السوري، ومن جهةٍ أخرى إلى الاستحواذ على ما بات يسمّى «الورقتين» اللبنانية والفلسطينية. وإذا كان الاحتلال المباشر هو ما أمّن لدمشق سيطرة حاسمة على لبنان إذ جعل معظم مناطقه ومرافقه في متناول قوّاتها وأجهزتها، فإن الولوج إلى دواخل المجتمع اللبناني لم يحصل إلا بتوسط «نُخَب» لبنانية من وسط الأعمال خصوصاً نسّقت أنشطتها مع سلسلة الإمرة العابرة للحدود. وبخلاف ما قد يُظن، ترى إليزابيت بيكار أن هذه المنظومة التي اشتملت على البلادين لم يكن لها مفعولٌ توحيدي هنا أو هناك. لم يمارس حافظ الأسد سلطته على «شعب واحد في دولتين»، بل توسّط التفــتيت الاجتماعي والتنافس بين الشبكات الجزئية فأصبح لبنان وسوريا، في ظلّ هذه السلطة «السلطانية»، قطرين «متشظّيين».
وراء هذا التردّد بين حدّي التوحيد والتجزئة دونما لزوم للحدود الدولية في الحالتين، ترى بيكار نوعاً من الاستمرار لما تسمّيه بالاصطلاح الغرامشي «كتلة تاريخية» اجتازت عهدي الانتداب والاستقلال إلى اليوم بما شهداه من تحوّلات لا تجوز الغفلة عنها. كانت السلطة الانتدابية التي أرست كياني الدولتين الجديدتين، بعد مخاض، قد حفظت الوحدة الاقتصادية بينهما واستبقت في يد أجهزتها صلاحيّات حاسمة في كثير من الحقول. بل إنها استبقت ما سمّته «موازنة عامّة» لسورية ولبنان بجانب الموازنة الخاصّة بكلّ من الدولتين. غير أن هذا كلّه لم يثمر مفاعيل توحيدية إذ بقيت مصالح الدولة المنتدبة، لا مصالح الكتلة المؤلّفة من الدولتين، هي الموجِّهة والمتغلّبة.
وحين سلّمت «الكتلة الوطنية» السورية في سنة 1936 باستقلال لبنان في حدوده القائمة شرطاً فرنسياً لإبرام معاهدة سورية فرنسية تضع حدّاً للانتداب، جاء أركانها إلى لبنان لإقناع شركاء لهم فيه بهذا الخيار. وقد وجد الشركاء المذكورون تعويضاً عن هذه التضحية في المناداة مذ ذاك بـ»عروبة لبنان» بما هي داع إلى استمرار الحضور السوري في صفّهم بين ظهراني دولتهم. وهو ما مثّل لاحقاً، في صعوده وهبوطه، تعبيراً عن وجود تلك الكتلة التاريخية المزاحمة للدولتين والهازئة، بمعنى ما، بسيادتهما. هذا الاستهزاء لم يكن له أن يدوم من غير عقاب. وكان العقاب هو الحرب بما هي مهندس أكبر لم يلبث أن فرض نفسه من لبنان أوّلاً للعلاقة اللبنانية السورية. لأطوار هذه الهندسة الجديدة وتقلّباتها، تكرّس بيكار القسم الثاني من كتابها. وهو ما نعرض له في عجالتنا المقبلة.

٭ كاتب لبناني

أحمد بيضون

سورية ولبنان: حدود الافتراق حدود الوحدة

أحمد بيضون

Aug 31, 2016

أبيح لنفسي القول أن العلاقات السورية اللبنانية حظيت أخيراً بالكتاب الذي يكافئ أهمّيتها في مصائر الشعبين وغناها بدروس لا يستغنى عنها لفهم التاريخ المعاصر للشرق الأدنى كلّه بل أيضاً لما هو أوسع وأبعد. أشير إلى كتاب أليزابيت بيكار «لبنان وسوريا: الغريبان الحميمان. قرنٌ من التفاعل الاجتماعي السياسي». صدر هذا الكتاب مؤخّراً (بالفرنسية) عن سلسلة «سندباد» في دار «آكت سود» ليحتل مكانه الشرعي بين أعمالٍ كبيرة موضوعة ومترجمة أصبحت تضمّها هذه السلسلة الجسر بين ثقافتين وعالمين. المؤلّفة لا هي سورية إذن ولا هي لبنانية. ولكنها تبذل لقرّائها، في هذا الكتاب، زاد خبرة كسبتها في عقود عدّة من تدريس شؤون المشرق في معاهد العلوم السياسية في فرنسا ومن التأليف في هذه الشؤون والإشراف على البحوث فيها ومن الإقامات المديدة في ديار المشرق وتعرّفها بشراً وعمراناً، اجتماعاً وسياسة، ومن المتابعة المثابرة لما ينشر فيها وعنها.
أقول إن الموضوع حاز أخيراً كتابه المرجع هذا، معوّلاً لا على جودة التأليف وحدها، بسائر نواحيها، بل على افتقادنا الفعلي حتى صدور هذا الكتاب عملاً جامعاً في موضوعه، بالعربية أو بغيرها. يتبدى ذلك من اقتصار ما نتداوله بالعربية على مجاميع وثائقية وعلى أعمال تغطّي هذا الجانب أو ذاك أو هذه المرحلة أو تلك من العلاقات بين البلدين. يثبت ذلك، لا بشهادة البحث الشخصي وحدها، بل أيضاً بشهادة ثَبْت المراجع الضافي الذي ألحقته بيكار بكتابها. فإن هذه اللائحة، وهي ثمرة استقصاءٍ دؤوب، توضح أن معظم المتاح من المراجع إنما يخصّ واحدة من البلدين ويعرّج بحكم الضرورة على الأخرى وأن القليل منه يتخذهما معاً موضوعاً له ولكنه يبقى، على ما سبقت الإشارة إليه، عاكفاً على مرحلة محدودة أو أسيراً لزاوية مختارة أو قانعاً بجمع الوثائق، إلخ.
هذا مع أننا لا نريد القول أن كتاب أليزابيت بيكار يمثّل تاريخاً شاملاً، بمعنى العرض المتصل للوقائع، لهذا القرن الذي يوشك أن يكتمل على نشوء الدولتين المنفصلتين السورية واللبنانية. فإن المؤلفة نفسها تنفي أن يكون هذا مرادها. هي تصدّر كتابها بإشكالٍ عامّ تنسجه من خيوط ثلاثة: السيادة بما لها من تآويل عديدة متعارضة والحدود التي راحت فاعليّتها تذوي بعد الخروج من الحرب الباردة بما حمله من تدفّق متنوّع تعاظمت كثافته عبرها والتقابل ما بين التسليم الاجتماعي الصريح بتحوّلات السيادة وبين تشكّل الدولة بما هو مساق تاريخي متناقض وذو بعد لاشعوري يجد عبارته في التفاعل ما بين المجتمع والطبقة الحاكمة.
يفرض هذا الإشكال المثلّث استعاضة عن التتبع الزمني لوقائع العلاقة السورية اللبنانية باصطفاء مدارات منتشرة لا على المرحلة المنقضية من سنة 1920 إلى اليوم وحسب بل أيضاً على مستويات من الواقع التاريخي تستدعي مقاربات معرفية مختلفة، ولو ان المقاربة السياسية من بينها تبقى غالبة الحضور. ولنا أن نحصي، مع المؤلّفة، هذه المدارات، وهي سبعة واضحة العناوين: التشكّل غير المكتمل لدولتين-أمّتين، جدل المنطق الثقافي والتشكيل السياسي، افتراق المسارين في مضمار الاقتصاد السياسي، البناء الوطني وسيادة الدولتين على محك الرهانات الاستراتيجية في النطاق الإقليمي، فرض الوصاية ومنطق الافتراس في إبّان سيطرة النظام السوري على لبنان، ثورة في لبنان وحركة اعتراض في سوريا في السنوات الأولى من القرن الجديد… والختام سؤالٌ عمّا إذا كانت الحرب الجارية في سوريا قد أحالت الدولتين إلى ميدان قتالٍ واحد…
هذه المدارات لا تُستكشف تباعاً بدورها بل يحضر كلّ منها بنسبةِ ما لحضوره من وجاهة في كلّ من الأقسام الثلاثة الكبرى التي تتوزّع فصول الكتاب. هكذا يتّخذ القسم الأوّل عنواناً له «الانفصال»، ولكنه يدور في الحقيقة على نسبية الانفصال الذي مثّله تأسيس الدول التي كانت كثرة في الحالة السورية واحتاج إفضاؤها إلى الوحدة معظم مدّة الانتداب وكانت واحدة، من البدء، في الحالة اللبنانية ولكن تحصيلها ما يكفي من الإجماع الداخلي اخترق مساقُه مرحلتي الانتداب والاستقلال إلى الحرب الأهلية، في الأقلّ. فالحقّ أن ما يوجّه نظر المؤلّفة إدراكها مثولَ التردّد بين الخيارات عند كلّ محطّة إذ لم يكن الممكن وحيداً حاسم الوحدة، حيث احتاج الأمر إلى قرار، ولا كانت الدوافع مؤتلفة الوجهة… وكانت تترتّب على كلّ خيار تضحيات لا يستهان بها وكانت في كلّ خيار وجوه افتعال تقبل المقارنة بما في غيره.
عليه اقتضى «التمييز» بين البلدين (وهذا عنوان القسم الأخير من الكتاب)، عملية معقّدة جاء الاستقلال، بمعناه الحقوقي، ليجدها غير مكتملة وبقي منها إلى اليوم وجوه غير ناجزة الرسم. هذه العمليّة تكرّس لها المؤلّفة القسم الثاني من كتابها وتسمّيها «المواجهة»، متخيرة لدراستها ثلاثة منعطفات أوّلها نهاية الخمسينيات بما حملته من اختلال في السلم الأهلي في لبنان وثانيها الأحداث التي أفضت إلى حرب السنتين في لبنان أيضاً وإلى دخول القوّات السورية أراضيه وثالثها خروج لبنان من حربه المديدة في نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي والتسليم الدولي للنظام السوري بالوصاية عليه. وما يميّز هذه المنعطفات عن مراحل أخرى من العلاقة اللبنانية السورية، في نظر المؤلّفة، إنما هو نوع التأطير الذي فرض نفسه على النزاع الموضعي من جانب تحوّلٍ إقليمي دولي كانت له مسارح رئيسية أخرى. وقد أشرنا توّاً إلى أن القسم الأوّل من الكتاب، وعنوانه «الانفصال»، مداره تأسيس الدولتين (أو الدول، بالأحرى، لأن سوريا، على ما سبقت الإشارة إليه أيضاً، لم تصبح دولة واحدة على الفور في مرحلة الانتداب) وما افترضه هذا التأسيس من كسر للتواصل «العثماني» ومن ثمّ الديناميّات التي أوصلت الانفصال، في غدوات الاستقلال، إلى تصفية ما كان يسمّى «المصالح المشتركة» وإبطال الوحدة الاقتصادية التي كانت السلطة المنتدبة قد استَبْقَتها بين الدولتين. حصل هذا في إثر تطوّر متغاير بين البلادين لتوظيف «صيغ التضامن الأوّلية» أو العصبيات في بنى الدولة والمجتمع، على اختلافها.
وعلى عزوف المؤلّفة عن اعتماد التعاقب الزمني مرشداً لتعاقب أقسام الكتاب وفصوله، فإن هذا التصميم يبقى واضحاً تبسطه مقدّمة الكتاب وتعود إليه المؤلّفة في كلّ فصل بدوره معيّنة موقع الفصل من العمل كلّه وموجزة تصميمه الخاص. وهذا من غير أن تهمل الإشارة إلى تغيّر الإطار المرجعي أو الانتساب العلمي الأبرز من فصلٍ إلى فصلٍ ولا إلى تضافر المقاربات المختلفة الانتماء في الفصل الواحد، منوّهة، عند كلّ محطّة، بمصادر وحيها النظري.
هذا التنظيم يسهّل علينا الإلمام تباعاً بما تبذله لنا أقسام الكتاب الثلاثة من إضاءة لوجوه العلاقة السورية اللبنانية وتحوّلاتها. وهو ما سنحاوله في عجالات مقبلة نجهد فيها لأداء بعضٍ ممّا لهذا العمل الجليل من حقّ علينا… غيرَ مدّخرين، مع ذلك، ما قد يعرض لنا من ملاحظات، إيجابيةً كانت أم سلبيةً، حيث تعرض.

٭ كاتب لبناني

خالد غزال عن “الربيع الفائت”

 آخر تحديث: الخميس، ٢٥ أغسطس/ آب ٢٠١٦ (٠١:٠٠بتوقيت غرينتش)خالد غزال 

 

في كتاب جديد للباحث والأستاذ الجامعي أحمد بيضون بعنوان «الربيع الفائت – في محنة الأوطان العربية أصولاً وفصولاً»، يتناول المؤلف جملة موضوعات سياسية وفكرية كتبت في أزمان متفرقة، يجمع بينها الاستعادة التاريخية لمحطات في التاريخ العربي، وتحليل نظري لخلفيات الأحداث التي تعصف منذ سنوات بالمنطقة، وصولاً إلى قراءة بعض محطات الربيع العربي خصوصاً منها السورية ومفاعيلها في الساحة اللبنانية. صدر الكتاب عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» في بيروت.

على امتداد سبعة فصول ضمتها دفتا الكتاب، ينطلق بيضون في فصل أول «في المطالع والأصول: حركات التغيير العربية»، من إرث السلطانية المحدثة الى التشييد المؤسسي للديموقراطية. في فصل ثان تحت عنوان «معالم الهوية» يتناول قضية الطائفية في تاريخها وتشكلها في وحدات سياسية، كما يتناول الهوية والمذهب الديني والمواطنة. في فصل ثالث بعنوان «الخوف على سورية»، يتوقف أمام الانتفاضة السورية متناولاً إياها من جوانب متعددة، سواء بتحولاتها وبخطر سقوطها وبتدخل روسيا في أحداثها. الفصل الرابع بعنوان «الحلول بما هي مشكلات»، يتطرق إلى كيفية مداواة الأوطان عبر تفكيكها، متناولاً اللبننة وانعكاساتها. أما الفصل الخامس بعنوان «بلايا محيطة» فيتناول الموضوع الفلسطيني والوضع اللبناني من زاوية المجتمع السياسي اللبناني في مهب الربيع العربي. الفصل السادس بعنوان «مشكل المعرفة في مشكل الحل»، حيث يشير الى ان المعرفة تشكّل مادة استبدادية في محطات كثيرة. الفصل السابع «إشارات وتنبيهات» وفيه معالجات حول الدين وهل هو في المجتمع ام العكس؟ إضافة الى بحث عن عبد الرزاق السنهوري، وعن فشل السياسة. أما الخاتمة فقد أعطاها الكاتب عنوان «خاتمة للوقت الحاضر: شرور ما بعد الربيع (لمحة في المصلحة والقيمة)».

إذا كان من الصعوبة بمكان التطرُّق الى محتويات كل الفصول، فإن التوقف أمام الأزمة السورية وانعكاساتها اللبنانية تستحق المعالجة لراهنيتها، فمن بين الانتفاضات التي عصفت بالعالم العربي، تميّزت الانتفاضة السورية بأنها الأكثر عنفاً وإرهاباً من كل ما تشهده المنطقة العربية. منذ انطلاقتها، كان الخوف من مصيرها السلبي ومن نتائجها الداخلية خوفاً مشروعاً، كما كان الأمل بنجاحها واجتثاث أعتى حكم استبدادي، لا يضاهيه في الاستبداد سوى نظام كوريا الشمالية، كان هذا الأمل مشروعاً أيضاً.

كانت الحماسة كبيرة في المراحل الأولى من الانتفاضة التي تميزت بطابعها السلمي وتظاهراتها الحاشدة في شكل لم تعرفه سورية منذ عقود. هذا الطابع السلمي لم يستمر سوى أشهر معدودة انتقلت الانتفاضة بعدها الى مرحلة من العسكرة على يد النظام السوري، الذي كان يرى في تحويلها عن مسارها السلمي وسيلة لإجهاضها بالنظر الى التفاوت في موازين القوى وعدم قدرة الثوار على مجاراة آلة الحرب العسكرية للنظام. شهدت الانتفاضة انشقاقات في الجيش وفي المؤسسات السياسية، لكنها انشقاقات لم تصل الى حد تغيير موازين القوى لمصلحتها. يشير بيضون الى هذه المسألة قائلاً: «بدا، مع تعاقب المجازر، ان المنفذ المتاح من هذا النفق الدموي يتمثل في تشقّق آلة القمع على نحو يضعف ذراع النظام الضاربة مقلصاً قدرته على البطش، من جهة، ويوفر حماية للحركة، من جهة أخرى، وحاجزاً في وجه قمع لا يلوي في تصاعده على شيء. وقد حصل هذا التشقّق وتوسّع، الا انه لم يبلغ حداً تشلّ معه آلة النظام القامعة، وذلك لأسباب تتصل بالتكوين التاريخي لهذه الآلة، وبما أورثه هذا التكوين من تماسك طائفي لمعظم قياداتها ولأهم قطعاتها المقاتلة».

هذا القمع المتزايد أربك والثوار وفرض عليهم مساراً ومسؤوليات ضخمة، لم يكونوا مؤهلين لإدارة مناطق أمكن الاستيلاء عليها، ما جعل العسكرة لا تصب في مصلحة حماية الحركة الشعبية، بل دفع بقسم واسع من الجماهير الى الهامش. نجم عن العسكرة بروز قوى سياسية واجتماعية كان أبرزها التنظيمات الجهادية والسلفية التي وجدت الفرصة مناسبة لتتسلق على الثورة وتستولي عليها. لم يكن لهذه التنظيمات ان تنجح لولا التدخُّل الخارجي الذي تجلى في الدعم الخليجي لهذه التنظيمات، إضافة إلى تسهيل النظام نفسه لولادة تنظيم «داعش»، وسيادة منطق لدى الولايات المتحدة الأميركية والغرب عموماً قال بتسهيل دخول الإرهابيين الى سورية، بحيث يتقاتلون مع بعضهم بعضاً ويفنون أنفسهم. وهو تصوّر ساذج بدأت هذه الدول المشجعة على الإرهاب تدفع ثمنه، فالذي يطلق الوحش، ليس بالضرورة سيكون قادراً على إعادته الى القفص.

يشكل هاجس سقوط الثورة السورية والمآل الذي وصلت إليه بعد مرور خمس سنوات ونيف على اندلاعها، مصدر قلق كبير لدى الكاتب، لكون سورية تشكل مفتاحاً للمنطقة العربية، فنجاح ثورتها نجاح للربيع العربي ينعكس إيجاباً على سائر الأقطار، وفشلها مصدر اضطراب في المنطقة والعالم بالنظر الى كونها أرض إرهاب وعنف يستحيل ان يبقى محصوراً في الساحة السورية. ومصدر القلق ينبع من المحطة الراهنة لهذه الثورة، حيث يدور السؤال مشروعاً عن غاية الثورة وهل هي مجرد إسقاط بشار الأسد وسلطة عصابته وأجهزته، ام ان الهدف هو الحرية والكرامة للشعب السوري، يجيب بيضون عن السؤال قائلاً :»اذا سقط بشار الأسد ولم يفتح سقوطه أفق «الحرية والكرامة» هذا في وجه السوريين، فإن الطاغية يكون قد أسقط الثورة السورية قبل سقوطه الذي هو آت لا ريب فيه. فهل يقيّض لأصحاب الثورة ان يتداركوا ثورتهم: عاجلاً قبل سقوط الطاغية أو آجلاً في صراع مديد قد يلي ذلك السقوط؟».

منذ اليوم الأول لاندلاع الانتفاضة السورية، كانت التقديرات كلها تشير الى ان لبنان يستحيل ان يبقى خارج امتدادات نار هذه الحرب. كان كثيرون يدقون ناقوس الخطر من عواقب تدخل قوى سياسية في الحرب الدائرة، بل كان الهم كيف نبقي على النسيج الاجتماعي اللبناني ونحصّنه من التفكك، بالنظر الى ان الحرب السورية تدور أيضاً على الساحة اللبنانية بمعنى من المعاني. عجز اللبنانيون عن منع الحريق من الامتداد الى أرضهم، فانخرطت القوى المؤيدة والمعارضة في هذه الحرب، وألقت بثقلها على الوضع اللبناني، العسكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، بل ربطت الحرب السورية حلول الأزمات الداخلية بالمآل الذي ستصل إليه، وبالتسويات الإقليمية والدولية التي ستفرض على السوريين. إنها محنة استقلالية جديدة أوقع اللبنانيون أنفسهم وبلدهم في معمعانها.

تصبغ النظرة التشاؤمية معظم فصول الكتاب، بالنظر الى حجم الوقائع والتطورات السلبية التي عصفت بما يسمى الربيع العربي، وحولت التفاؤل الذي لف عقول معظم الشعوب العربية الى حالة سوداوية. لعل ما أورده الكاتب في ختام أبحاثه يشكّل افضل توصيف لهذا الربيع، حيث يقول: «فقدت الحركات اذاً، صفتها الشعبية وفقدت وحدتها العامة، أي، على الأخص، وحدة المعنى والوجهة، وفقدت كل منها كل وضوح في صيغة الصلة التي تنطوي عليها بالمستقبل وتريد املاءها عليه. فإذا كان قد بقي شيء من هذا، فإنما هي صيغة التخبُّط او صيغة الارتداد على العصر كله والبحث عن لا مكان في العالم، بل عن مخرج منه. هذه النكسات المتراكمة هي مصدر الشعور بالخيبة. ولا ريب ان هذه الخيبة تصدي، حين يعبّر عنها من اقتصر أمره على إبداء التضامن من قريب او بعيد، لخيبة من كانوا مادة القوى الضالعة في المرحلة الأولى من حركات التغيير واضطروا، لأسباب يقترن فيها التنوع بالوضوح، الى الانكفاء عن الساحات في أوقات مختلفة».