Dans “l’Orient Litteraire”
التصنيف: مراجَعات وشَهادات
أنطوان جوكي عن “La Degenerescence…”
أحمد بيضون يقرأ تاريخ لبنان المعاصر: مرض الطائفية المزمن ومحاصرة أسبابه
صدر للمؤرّخ وعالم الاجتماع اللبناني أحمد بيضون كتابٌ جديد باللغة الفرنسية (دار «أكت سود» – سلسلة «سندباد») يحمل عنوان «انحطاط لبنان أو الإصلاح اليتيم» ويتألف من محاضرات ألقاها في فرنسا خلال شهر أيار (مايو) الماضي، وتشكّل قراءة جريئة لتاريخ لبنان المعاصر يتخللها تشخيص دقيق للمشاكل السياسية والاجتماعية التي يتخبّط بها هذا البلد منذ ولادته الى اليوم. من هنا أهميته البالغة.
في الفصل الأول، يُظهر بيضون أن طريقة تطبيق اتفاق الطائف لا تبرّر مقولة شائعة مفادها أن هذا الاتفاق متّن الطائفية السياسية عبر تكريسٍ دستوري للطابع الطائفي للتمثيل النيابي، نظراً إلى تضمّنه إشارة واضحة إلى ضرورة إلغاء الطائفية وفقاً لسيرورة محدّدة بدقة. وحدها تغيّر الظروف التي جاءت بهذا الاتفاق حالت دون تطبيقه كاملاً. أما بالنسبة إلى الطائفية «المدنية»، وبعد التوقف عند قوانينها الدستورية، يبيّن بيضون طابعها الجائر بحق المواطن، والمرأة في شكلٍ خاص، وضرورة استبدالها بقانون علماني وحيد يضمن حقوق الجميع، مشيراً إلى أن اتفاق الطائف يتضمن أيضاً قانوناً لتشريع الزواج المدني الذي لا يزال مجمّداً، ويلحظ مسألة انتخاب مجلسٍ دستوري وتأسيس المحكمة العليا (لمحاكمة رؤساء الجمهورية والوزراء) اللذين بقيا حبراً على ورق.
في الفصل الثاني، ينتقل بيضون إلى موضوع «الميثاق الوطني» الذي يُعتَبر على خطأ السبب في دفع المواطنين اللبنانيين إلى التقوقع داخل طوائفهم، مشيراً أولاً إلى أن كسل ذاكرتنا هو الذي يشرح تحديد تاريخه بعام 1943، بينما الحقيقة أنه لم يظهر داخل مفردات الطبقة السياسية إلا بعد أربعة أعوام من استقلال لبنان، مع تقليص مضمونه إلى النفيين الشهيرَين اللذين أشار إليهما جورج نقّاش وتحويله فيما بعد إلى «ميثاق العيش المشترك» وتجاهُل الفقرة التي وضعها رياض الصلح داخله كهدف وطني وتدعو إلى إلغاء الطائفية، وحاول عبثاً فتح فجوةٍ في جدار الطائفية خلال السنوات اللاحقة. ويُبيّن بيضون أن التقاسم الطائفي للسلطة بسلسلة تعقيداته وأزماته، لا علاقة له بمضمون الميثاق المذكور، بل بما عُرف «بالصيغة» التي هي أقدم منه ومن دستور 1926 وأكثر تجذّراً في التقاليد السياسية، بالتالي أكثر فعالية، وقد استطاعت شل الدستور ومعه حقوق المواطنين ومنحت الطوائف الفرصة للتجهّز بمؤسسات مختلفة تسيطر عليها التشكيلات السياسية الطائفية، ما أدّى إلى نتيجتين: تقوقع متصاعد للطوائف وبلوغها نوعاً من الاكتفاء الذاتي، وتجميد انبثاق الدولة اللبنانية كسلطة وحيدة تلعب دور الحَكم أثناء الصراعات وانقسامات المجتمع السياسي، الأمر الذي ترك الباب مشرّعاً للتدخّلات الأجنبية المعروفة. ثم يندد بيضون بعبارة «إصلاح النفوس قبل النصوص» المستخدمة في لبنان للإيحاء بأنه لا بد من عقودٍ طويلة قبل التفكير بإصلاح هدفه تحرير مؤسسات الدولة من المنطق الطائفي، مظهراً أن هذه المؤسسات والقوانين التي تتحكّم بعملها هي الأكثر قدرة على بث روح المواطنة المفقودة، ومتوقفاً عند خطر تحوّل النظام التوافقي اللبناني خلال السنوات الثلاث الأخيرة إلى إجماعٍ إجباري يقود إلى حكومة وحدة وطنية تنحل داخلها المعارضة… والحكومة أيضاً!
في الفصل الثالث، يكشف بيضون الأسباب التاريخية التي أوصلت اللبنانيين إلى هذه الحال، بدءاً بمعركة ميسلون مروراً بزمن الانتداب الفرنسي ثم حلول بريطانيا مكان فرنسا عام 1940 فنكبة 1948 وثورة 1958 واتفاق القاهرة عام 1969 والحرب الأهلية اللبنانية، وانتهاءً بوضع سورية يدها على لبنان كاملاً بمباركة أميركية. بعد ذلك، يبيّن أن الأطراف التي رفضت الكيان اللبناني لدى تكوينه لم ترغب جدّياً في إلغائه بل شكّل سلوكها مناورة لتحسين موقعها داخل المعادلة اللبنانية. ومع الوقت، أدّت مناورات كل طائفة في هذا الاتجاه إلى استهلاك الدعوات إلى الأطراف الخارجية للتدخّل في لبنان وإلى التوقف عن تقديم هذا التدخّل كضرورة وطنية، كما أدّت الحرب الأهلية إلى حصر تمثيل كل طائفة بشخصيةٍ واحدة أو شخصيتين، بالتالي إلى تواري التنوع السياسي داخلها، مما أوصل النظام الطائفي إلى أزمةٍ مصيرية. في الفصل الرابع، يشير بيضون إلى أن وجود انقساماتٍ عمودية داخل مجتمعٍ ما لا يفرض على أبنائه تبنّي النموذج الديموقراطي المطبّق في لبنان ويُعرف تحت تسمية «consociationnisme». فهذه الانقسامات موجودة في جميع المجتمعات، بأشكالٍ مختلفة. والمشكلة التي تستدعي الحل المذكور هي تسييس هذه الانقسامات. لكن تكريس هذا النموذج يؤدّي حتماً إلى ترسيخ الصيغة التوافقية والتمهيد إلى اضطرابات مدنية عند كل تغيير مهم في ميزان القوى بين الأطراف المتعايشة. ولهذا يعتبر بيضون أن التوافق بين أطرافٍ يكون تمثيلها ثمرة اندفاعٍ شعبي أو تقاليدٍ استبدادية لا يمكن نعته بالديموقراطي.
ففي الحال اللبنانية، أدّى توزيع المناصب النيابية والحقائب الوزارية وفقاً لحجم كل طائفة إلى تحصّن الطوائف، الواحدة ضد الأخرى، خلال المحن، وإلى ترسيخ الصبغة الطائفية على التشكيلات السياسية، وإلى تطويع المواطنين، طوعاً أو إكراهاً، داخل طوائفهم وإخضاع حقهم في الوجود السياسي إلى شرط قبولهم بهذا التطويع. في الفصل الخامس، يستعرض بيضون الانجازات الثلاثة الكبيرة التي حققها اللبنانيون بعد الحرب الأهلية، أي إعادة إعمار البلد في التسعينات، تحرير الجنوب المحتل عام 2000 وفك قبضة النظام السوري عن لبنان عام 2005، ليبيّن أن كل واحد من هذه الانجازات مصبوغٌ طائفياً (ورشة الإعمار سنّية ومعركة التحرير شيعية ومواجهة النظام السوري مسيحية أوّلاً)، وأن ثمن هذه الانجازات وثمارها تم توزيعها بشكلٍ غير متساوٍ ووفقاً لمنطقٍ طائفي أيضاً.
في الفصل السادس، يتوقف بيضون عند المجتمع المدني اللبناني في مختلف وجوهه والناشط في المجال الاقتصادي – الاجتماعي وفي دفاعه عن الحقوق المدنية وحمايته الحرّيات الديموقراطية، كالمنظمات غير الحكومية (ONG) والحركات الاجتماعية وخصوصاً النقابات، مشيراً إلى الخطر الذي يتهدد هذه الحركات في تحويل مطاليبها لمصلحة مراكز تأثير سياسية – طائفية، كما حصل مع النقابات أثناء الوجود السوري في لبنان التي تم ترويضها واستيعابها من قبل التشكيلات السياسية – الطائفية.
في الفصل السابع، يكشف بيضون السبل الثلاثة التي اعتمدتها القوى الخارجية للإمساك بأحد أطراف المجتمع السياسي اللبناني: المساعدة المادية والتقنية التي تتخذ طابع الدعم المالي أو التجهيز والتدريب العسكري، وتصل أحياناً إلى حد التدخل العسكري المباشر، المساعدة السياسية عبر وضع في تصرّف الطرف اللبناني تأثير هذه القوى السياسية وشبكاتها المحلية والدولية، الإتباع التربوي أو الرمزي للطرف اللبناني عبر أنظمة قيَمٍ وطقوسٍ وسلوكٍ فكري وعاطفي مقولب. وفي هذا السياق، يتوقف بيضون عند العلاقة التي قامت خلال الحرب بين دولة إسرائيل ومنظمات مسلحة مسيحية أو ميليشيا لحد في جنوب لبنان، وعند العلاقة القائمة بين «حزب الله» والنظام الإيراني.
أما الفصل الثامن والأخير فخصصه بيضون لموضوع الإصلاح الديموقراطي الذي يبدو اليوم في نظره كحلمٍ بعيد المنال نظراً إلى استفحال الطائفية وإمساكها بجميع مفاصل المجتمع السياسي. ومع ذلك، يدعونا إلى العودة إلى اتفاق الطائف كونه ينصّ على ضرورة تأليف لجنة وطنية مهمتها إلغاء الطائفية، مذكّراً بالاقتراح الذي وضعه قبل سنوات لإنجاح مهمة هذه اللجنة ويتضمّن مجموعة نقاط لا بد من أخذها في الاعتبار، وهي: وضع قانون جديد للجنسية اللبنانية، إعادة إحياء مشروع القانون المدني المتعلق بالاحوال الشخصية بعد مراجعته وإكماله، القيام بتقسيمٍ إداري جديد للبلد، وضع قانون انتخابي جديد ينتفي فيه التوزيع الطائفي للمقاعد، إلغاء الصبغة الطائفية عن المناصب الرئاسية الثلاثة والمناصب الوزارية، اتخاذ إجراءات لتطبيق إلغاء الطائفية في الوظائف العامة، والعمل على المستويين الاجتماعي والسياسي لتقوية الرابط الوطني.
فارس ساسين في حفل أنطلياس
Jabbour Douaihy sur “Bint Jbeil Michigan”
Bechir Oubary La Marginalite Glorieuse
In Middle East Transparent
بلال خبيز عن “الصيغة، الميثاق، الدستور…”
بلال خبيز – ملحق النهـار الثقافي
يروي غابرييل غارسيا ماركيز في “الجنرال في متاهته” ان سيمون بوليفار التقى الى طاولة طعام، احد الثوريين الفرنسيين الذي راح يكيل النصائح للبوليفيين ومنهم بوليفار نفسه في السبل الأنجع لتحقيق النصر الثوري المؤزر الذي يجاهدون من اجله، فما كان من بوليفار إلا ان قال له: لقد تجاوزتم قرونكم الوسطى ببحور من الدماء، فدعونا ننجز قروننا من دون إزعاج”. مثل هذا الرد الثابت ليس امراً يمكن تبنيه تماماً. لكنه إلى هذا الحد او ذاك، قد يكون رداً مناسباً في لحظة ما على شخص ما.
ينطلق احمد بيضون في بحثه “الصيغة”، الميثاق، الدستور” الصادر لدى “دار النهار”، من “مطالعة محكمة وضعها بين ايدينا آلان كاييه”، معرضاً عن المجادلة فيها وليس عنها. فالبحث الذي قدمه كاييه حول اهلية الديموقراطية لدرء النزاعات محكم ولا يترك للباحث سبيلاً للمجادلة. لكن المطالعة تلاقي ميلاً في نفس احمد بيضون فيقترح ان يقدم مساهمة في التجربة اللبنانية في ضوء المطالعة نفسها. كاييه والحال هذه ليس الفرنسي امام بوليفار، لكن احمد بيضون بلغ من اختبار المحن حداً لا يجعله يقبل المطالعات على حرفها ولا يتبناها مثلما جاءت من دون زيادة ونقصان.
اول ما يلفت في اشارة احمد بيضون التي يستهل بها بحثه في “الصيغة، الميثاق، الدستور” هدؤوه المطمئن. ليست هذه اولى اشاراته على هذا المستوى. لكنه في هذا البحث يعبّر عن هدوئه صراحة. ليس ثمة ما يدفعه لاستعجال الحلول وتقديم الأجوبة الناجزة. ليس لأن الأخطار مستبعدة، ولا لأن مزاج الكاتب والباحث لا يتأثر بما حوله، ويقرر ان يكون راهباً متنسكاً في معبد البحث العلمي لا تثنيه الخطوب الجليلة عن بحثه او تصرفه عنه. بل لأن بيضون بلغ رشده في اختبار المحن، فلا يلهث وراء الحلول ما ان تطل من شاهق معابد العلوم، ولا تبهره الأفكار الفاتنة فيجد نفسه امامها من دون حيل. انه يعرف بالخبرة والمراس، ان استعجال الحلول قد يكون اسوأ حلول المشكلة. ويعرف ايضاً ان المرء لا يتمسك بالحلول المعروضة أمامه على حرفها إلا يائساً ومحبطاً وغير ذي حول او قوة. وبخلاف ما يظهر من مرارة في خاتمة البحث فإن نظره في ما حوله وخلاصاته لا يدفعانه إلى الاعتذار عما يقول في آخر جملة من جمل البحث.
صفتان لا يمكن قارىء بيضون تجاهلهما: أولاهما انه متصل بماضيه، ليس وفاء ولا تبنياً أعمى وليس تنكراً واعتذاراً أيضاً. ضرب من الاتصال ينزع عن الماضي أميته وجهله ولا يقر للحاضر بسهولة إصدار الأحكام.
وثانيتهما أن بيضون، رغم ضمور الأمل، أقرب المتأملين إلى لب المعضلات، وأكثرهم تمسكاً بالأمل.
تسجيل هاتين الصفتين لا يستوي مدحاً ولا ذماً. هو، على الأرجح، تقديم مناسب ليستطيع المرء ان يقرأ بيضون حقاً. أسوأ قرائه، في ما أحسب، من يكتفي بتسجيل الإعجاب والقول: لقد أصاب في ما ذهب إليه. فنصه لا يمسك المرء من يده ويدله الى الدرب الذي يجب سلوكه. ايها القارئ هذا النص “إنزع عنك كل أمل”. فهو يهدي بحثه لابنته: ” إلى مي، عسى ألا يقطعها عنا طيب مقامها في خارج الصيغة والميثاق”. اي أن “هذه البلاد التي لا يكن ولاء لغيرها” ليست مستحيلة لمجرد ان الناظر في أحوالها قد يعترض على “صيغتها” اعتراضاً ثاقباً. وليست مستحيلة لأن العيش يطيب خارج صيغتها وميثاقها أيضاً. قارئ بيضون والحال هذه، امام تحدّ ينبغي أن يعد العدة له. كيف يستطيع القارئ ان لا يستخلص مستريحاً وثملاً، ان هذه البلاد لا تستحق التعب من أجلها، وأنه ينبغي لابنائها بذل كل الجهود لمغادرتها والتوطن خارج صيغتها وميثاقها؟
سؤال أول لكنه شائك ومحيّر، وينبغي لقارىء بيضون أن يزداد حيرة عن متجاهله، فلا يستسهل الحلول. فهو إذ يطوي مدار بحثه على اختبار يضع : “على المحك إمكان فرض الديموقراطية مع افتراض كفالتها للسلم الأهلي، بخاصة، بقوة القوانين المناسبة وحدها”، ينهيه، أي البحث، بالقول: ان “ما سبق عرضه بيان لما فعلناه بهذا الدستور في 77 سنة. فكان – لعوامل نحمل جل تبعتها – اننا لم نحصل على كثير من الديموقراطية ولا على كثير من السلام. وكان – وهذا هو الأهم اليوم – اننا لم نضمن مزيداً من السلام ومن الديموقراطية للغد”.
سؤال ثان قد يبدو أصعب مورداً: كيف يستطيع القارئ الذي قرر أن لا يكن ولاء لغير هذه البلاد، على غرار ما يعلن بيضون، أن يبقى موالياً لها لا خصماً؟ في وقت يجد نفسه مسوقاً، “طوعاً أو قسراً، إلى الطائفة التي هي منبته”. فتصادر الصيغة المواطن وتسوقه إلى حضن الطائفة “في المهد واللحد وفي الكامخ بينهما”.
سؤال ثالث يتعلق بالسؤالين الأولين: كيف يستمر المرء معانداً خارج الطوائف، عارياً ومهدداً؟ تهدده الطائفة إذا خرج عنها بحرمانه ما تستطيع تأمينه من خروج على العام ومصادرة له، وتهدده الليبيرالية الجديدة التي تسوق الديموقراطية في ركابها بتدمير دولة الرعاية أو ما تبقّى منها.
يقرر الكاتب ان التعارض بين الصيغة والدستور والميثاق يكاد يحجز امكان تطور البلد الديموقراطي، فيبدو ما يصطلح على تسميته الفساد الإداري في الأنظمة الديموقراطية ملازماً لسياسة البلد ومنيخاً بثقله على ساسته مهما اجتهدوا في تجاوزه. فينجم عن هذه كلها ان من يتولى واحدة من السلطات و”يختار الدأب في تغليب المصلحة العامة – ملتزماً، بذلك، ما يفترضه الدستور هماً وحيداً لهذه السلطات – لا يلبث ان يجد نفسه وقد جعلته الصيغة موضوعاً لشبهة التفريط بحق طائفته. وهذه شبهة لا يحلو لساسة الطوائف، عادة، ان تلازمهم ملازمة متمادية”. فلا يعود الانتصار للدستور ممكناً إلا حينما يكون اعتداء على مصالح الطوائف الأخرى حين يحمى وطيس المعارك بين ممثلي الطوائف. تجاوز الدستور همّ مقيم من هموم الساسة اللبنانيين، ولا يصبحون غيارى عليه إلا حين تطال منافع تجاوزه الطوائف الأخرى. اما الهدوء الذي يعقب عواصف الدفاع عن الدستور فهو يخفي، من غير نجاح، التواطؤ في التطاول عليه وغلبة القبيلة والعائلة والطائفة على الدولة بأشخاص ممثليها الرسميين.
ليس في بحث بيضون دليل مرشد للقارىء يخلّصه من حيرة هذه الأسئلة وصعوبتها، لكن مجرد أن يطرحها المرء على نفسه تجعله يفكر في خياراته كفرد ومواطن أولاً. وفي هذا التفكير والتمعن فرصة للمرء أن يقرر، واعياً وغير متشنج، انه يتمسك بهذه البلاد ويكن لها الولاء، في وصفها بلاداً وليست مجرد حيز جغرافي لتجاور طوائف متنازعة، وانه يريد ان يفكر ويسلك ويتصرف ملياً في وصفه مواطناً ولو أبت الصيغة أن تحترمه وهو يلتزم قوانين السير ولم تستطع القوانين ان تحميه وهو يلتزمها. والأرجح ان القارئ الحصيف لا بد أن يقلع عن وهم افتراض أن العلة في القوانين وان القوانين وحدها كفيلة بناء الأوطان واستقلال الدول والحفاظ على السيادة.
أنطون شمّاس: عائدٌ إلى بيروت
شماس: عائدٌ إلى بيروت