| اللبناني أحمد بيضون يحاول رد الاعتبار للكلام المهدور | |||||
| ‘دفتر الفسبكة’ كتاب شيق لكاتب مثير للجدل يحاول إعادة الاعتبار للكلام المهدور بإنشائه مجموعة من النصوص تستجيب لعالم الـ’فيسبوك’. | |||||
العرب شادي علاء الدين [نُشر في 18/01/2014، العدد: 9442، ص(16)] |
|||||
بيروت- كان الكاتب والباحث الاجتماعي اللبناني أحمد بيضون قد صدّر كتابه “الصراع على تاريخ لبنان” الصادر بالعربية عن “منشورات الجامعة اللبنانية” عام 1989، بعبارة تنسب للمسيح وردت في نسخة من الإنجيل لا تعترف بها الكنيسة وُجدت في صعيد مصر. هذه العبارة /الوصية هي “كن عابرا“. وبعد أكثر من ثلاثين عاما يُصدر مؤخرا كتابا عن دار “شرق الكتاب” بعنوان “دفتر الفسبكة”. يصدّر أحمد بيضون كتابه الجديد الموسوم بـ”دفتر الفسبكة”، بأبيات مختارة للشاعر “هنري ميشو”، قام بترجمتها ووضعها بعنوان “ما يستحقه الفسابكة”، وتقول هذه الأبيات: “أيها العالم الكريه، ليس هيّنا أن يستخرج منك شيء حسن/ مدينة من الأسمال سأبنيها لكم/ أنا أبني لكم بلا تصميم وبلا إسمنت/ عمارة لن تقووا على هدمها/ سيسندها ويزيد من حجمها/ ضرب من البديهة المزبدة/ فتحضر لتنهق تحت أنوفكم/ وتحت الأنوف الجليدية من هياكلكم/ وأنوف فنونكم العربية وأنوف سلالة مينغ أباطرتكم/ من دخان ومن ضباب ذائب/ ومن صدى جلد الطبل/ سأنشئ لكم قلاعا ساحقة رائعة/ قلاعا مبنية من الرجّ والزلزلة حصراً/ وسيسقط دون أسوارها نظامكم الدهري وهندستكم/ سيسقطان في صورة لغو وهراء وغبار رمل لا منطق له”. طاحونة الـ”فيسبوك” وبعد رحلته في العالم الافتراضي، يختم بيضون كتابه بترجمة أخرى لهنري ميشو واضعا لها عنوان “السيرة “، تقول: “انقضى أوان العمل. تم نسج قميص الصوف، في كل موضع تجده/ نزل التوقيع على الورقة الأخيرة، هذا رحيل الفراشات/ انقضى أوان الحلم، الآن يُحلم بنا. سكوتٌ/ عدنا لا نستعجل المعرفة”. يصف أحمد بيضون ولوجه إلى عالم الـ”فيسبوك” بأنه دخول في ضجة طاحونية يتم فيها هدر الكثير من الكلام والأصوات والصور. يحاول أن يجعل لدخوله معنى ما، فيقترح مشروعا لضبط المصطلح الفيسبوكي واستبدال مفرداته الشائعة بما يقابلها في العربية من مفردات يعتبرها أصح وأكثر تعبيرا عن واقع الحال. إذ يقترح مثلا استبدال كلمة صديق بكلمة “صاحب” أو “صاحبة” و”طيب” و”أحسنت” بدلا من “أعجبني” و”فائدة” و”نبذة” بديلا عن “نوت” و”عرضحال” بدلا من “ستاتوس أبدايت”. كما يبادر هو بنفسه وقبل أن يسبقه أحد إلى الإعلان عن عقم هذا المسعى فيعلن أن هذا الجهد يشبه دق الماء. لماذا يقوم به إذن؟ يبدو وكأن الرجل يقوم بواجبه، ولكنه بات في مرحلة من العمر أضحى فيها معفى من القيام بمثل هذا الجهد وخاصة إذا كان هو نفسه يائسا من جدواه. التفسير الذي يمكن أن يضيء هذا النزوع إنما يكمن في ذلك المسار المتواصل الذي سعى الكاتب إلى السير عليه انطلاقا من وصية “كن عابراً” وصولا إلى مقدمة وخاتمة كتابه الحالي “دفتر الفسبكة”.
يتعلق الأمر بالمسؤولية قبل أي شيء آخر، هو يضعها في مواجهة الهدر الفيسبوكي الذي صار فيه كل شيء متخففا بشكل لا يطاق من المسؤولية، حيث أتيحت للمرة الأولى في التاريخ لكل شخص أن يكون بمتناول يده وعبر تجهيزات بسيطة تكاد تقتصر على الاتصال بشبكة الإنترنت شبكة إعلامية خاصة به تجتمع فيها كل إمكانيات التلفزيون والإذاعة والصحافة معا. كل شخص صار نجما يعيش نشوة البث المباشر والمتواصل والمعفى من أي مسؤولية إلى حدّ كبير ما أدّى وفق ما يلاحظه بيضون في الحال اللبنانية والسورية إلى تعميم العنف والطائفية والبذاءة وشيوع تردّي الخطاب غير المسبوق بحيث بات من النادر العثور على صفحات فيسبوكية لا تمارس مثل هذا النوع من الخطاب وتتبناه. فضاء الكلام المهدور محاولة بيضون تكمن بشكل خاص في محاولة إعادة الاعتبار للكلام المهدور عبر إنشائه مجموعة من النصوص تستجيب للطابع البرقي السريع الذي يتطلبه عالم الـ”فيسبوك”، ولكنها تحافظ في الآن نفسه على بنية لغوية وفكرية محكمة مشحونة بسخرية حكيمة وباردة ومنتبهة. يردد دائما أن ما يكتبه إنما يعبر عنه وأنه أناه الخاصة وشخصيته بمعنى أنه كتاب وجهه الفعلي، وأنه يتحمل كامل المسؤولية عنه. معظم الداخلين في عالم الـ”فيسبوك” يعتبرون أن ما يقومون بنشره على صفحاتهم وخاصة التعليقات إنما هو نوع من الكلام الفاقد للوزن أو الذي يعبر عن حالة من التواصل الاجتماعي المشبع باللياقات التي ليست في نهاية المطاف سوى تبادل للمعلن “كتاب الوجه الممنتج” في حين يستقر المخفي “كتاب الوجه الحقيقي” في مكان آخر. من موقع المسؤولية يمكن للكاتب أن يبني سيرة ممكنة له. هو يعلم أن مجالها الوحيد الممكن ليس في ما يتوهمه آلهة الـ”فيسبوك” الجدد وغيرهم ممن يدمنون إتلاف الكلام والمواقف والوجوه وإغراق المعاني تحت فيض مهول من الثرثرة الجوفاء بل في فعل العبور في قلب هذا العالم الكريه ومحاولة استخراج شيء حسن منه. السيرة التي يحاول رسمها لذاته لا تبنى على عملية رصد متسلسل ومحاولة القبض على التفاصيل، فهو لا يرى في ذلك كله سوى نوع من الهدر. تكمن السيرة التي يتبناها ويقوم مشروعه عليها في الدفاع عن اللغة، وتحديدا عن اللغة التي ترتدي هيئة نتف سيبني منها مدينة الأسمال. هذه المدينة ستتضخم برفدها الدائم بضرب خاص يجيده من بديهة مزبدة من شأنها تدمير العمارات المنتظمة والشاهقة والثابتة، وتاليا الراكدة والميتة التي يوحي الـ”فايسبوك” أنه يقاومها في حين أنه يصنعها. يريد بيضون سيرة هي عبارة عن الأثر الذي يخلفه العبور. العمارات الشاهقة والضجيج ليسا سيرة ممكنة له، بل تكمن سيرته في حشد الإضاءات اللامعة المؤلفة من دخان ومن ضباب ذائب. ينهي الكاتب مهمته ويعلن ختاما عن راحة فيسبوكية تتيح المجال للمعرفة أن تتكون في الصمت وفي الهدوء خارج طاحونة الـ”فيسبوك”. يقول بيضون: “لقد تم نسج قميص الصوف. السيرة لا تكمن في القميص المنجز بل في فعل الحياكة نفسه”. |
|||||
التصنيف: مراجَعات وشَهادات
نازك سابا يارد عن “دفتر الفسبكة”
من تعوّد على قراءة أبحاث أحمد بيضون الجدية، الموضوعية، العميقة إلى أقصى الحدود، إن في السياسة أو المجتمع أو اللغة، في كتبه مثل «ما علمتم وذقتم»، «كلمن»، «الجمهورية المتقطعة» أو «لبنان: الإصلاح المردود والخراب المنشود» وغيرها وغيرها، يرى في «دفتر الفسبكة» وجهاً آخر لأحمد بيضون، لا يقلّ عن وجهه المعهود عمقاً، إلا أنه ممهور هذه المرّة بفكاهة وخفة روح، ولو امتزجتا بما عهدنا من فكر جدي رصين.
ككل باحث جدي يستهلّ كتابه بإظهار أهمية الموضوع الذي يتناوله: فبالفايسبوك نتعرّف إلى نواح كثيرة من شخصية الفايسبوكي، ويكون الفايسبوك بمثابة إذاعة شخصية، فضلاً عن أنه يكسر عزلة الإنسان ويزيد من ثقته بنفسه، أو العكس، لأنه يكوّن جماعات حول قضية معيّنة يدور السجال بينهم على مواقعه، فيتجلى من خلالها مدى نفوذ كل منهم.
نرى خفة الروح أول ما نرى في العنوان: «دفتر الفسبكة»، وكثيراً ما سُئلت عن المقصود بهذه اللفظة الغريبة حين ذكرت الكتاب. فإن دلّت على شيء فعلى تمكن الكاتب من التصرف بألفاظ اللغة التي يتقنها خير إتقان، من اشتقاق أو ابتكار أو صهر ألفاظ أجنبية بلفظة عربية، فيبتكر كلمات جديدة تفي بغرضه. وها نحن هنا الآن أمام «الفايسبوك» وما اشتقّ بيضون من اللفظة بعد تحويلها إلى كلمة «عربية».
من هذا القبيل اشتقاقه «الفسبكة» أو «الفايسبوكي» و «الفرند» أو «الصاحب» التي وجدها أنسب من «صديق» التي لا تكون في وضعها هنا. كذلك يستخدم المصطلح الإنكليزي محوّلاً إياه إلى لفظة عربية، مثل «يسيّف» و «يدلّت» و «تشات» و «المسدجات» ((save,delete,chat, messages. ولكنه بتمكنه من اللغة يقترح أحياناً لفظة عربية لترجمة اللفظة الإنكليزية. مثلاً، بدلاً من «ملاحظة» و «ملاحظات» المستخدمة يقترح «فائدة»، «فوائد»، أو «نبذة»، «نُبذ» لترجمة note, notes (ص192). ولا نرى براعته اللغوية في هذا وحده، ففي أحد «مسدجاته» يحاكي أسلوب بديع الزمان الهمذاني في مقاماته ناطقاً باسم راويته عيسى بن هشام فيستخدم «ابو الفتح الفايسبوكي»، راوية أحمد بيضون، أسلوب الهمذاني المسجّع عينه في حواره. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، لا يكتفي الكاتب بمحاكاة الهمذاني، وإنما يضمن «مسدجاته» إشارات كثيرة إلى التاريخ القديم (ص95-96، مثلاً) والأدب الأجنبي، ولا سيما العربي (ص102،110،111،127،147) وقد يحلله (ص149) أو ينقده كنقده نقداً عروضياً بيتاً من أبيات دالية أبي العلاء المعري (ص113-115) أو تحليله بعض ابيات السياب في رائعته «أنشودة المطر» (ص149-150).
غير أن بعض «مسدجاته» يتعلّق بقضايا شخصية كحزنه على غياب أستاذه المستشرق الكبير دومينيك شوفالييه الذي آلمه ألا يكون قد ذكره أحد من طلابه الذين كان له عليهم فضل كبير؛ ولا تغيب عنه ذكرى اغتيال المفكر الحر سمير قصير، أو صديقه القديم نصير الأسعد وفراقه، أو ألمه وإعجابه بوسام الحسن الذي اغتيل نتيجة شجاعته وصدقه في قيامه بواجبه بفضح العملاء.
من هذا يتضح أن الكاتب لا يفصل تأملاته ومواقفه الشخصية عما يحيط به. تعبّر مراسلاته، في ما تعبّر، عن انتقاده الانحطاط الثقافي في العالم العربي. تعليقاً على «تطيير» رأس كل من الأديبين الأعميين، أبي العلاء في المعرّة وطه حسين في المنيا، يقول: «في وحدة حالهما اليوم إشارة إلى وحدة الحال المستشرية بين المحيط والخليج… العمى الآخذ في التوسع… لا يقوى على تحمّل هذين البصيرين… لا يقوى على تحمّل من كان أعمى البصر، في حالتيهما، سخرية حارقة من عمى البصائر المنتشر». (ص163) وهو يرى أن من اسباب ذلك أن لا حرية للبحث الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي أو غيره في مجتمعاتنا (ص22).
وفي التفاته إلى مجتمعاتنا يثيره وضع المرأة المشين فيها، فمن خلال مقارنته بين صورتين التقطتا لفتاتين يفرق بينهما نصف قرن، يعرض بيضون للتغيير الذي طرأ على وضع المرأة التي ساهمت دعوة قاسم أمين في تحريرها، ووضعها اليوم «حيث يقضم النقاب بعض ما كان الحجاب استردّه، في العقود الماضية القريبة، من «أراضٍ» في «قارة النساء» كان السفور قد انتزعها قبل ذلك». وهنا لا يكتفي بهذا التعليق، فهو عبر مقارنته بين الصورتين يحلّل تحليلاً دقيقاً ممتعاً التعابير على وجه كل من المرأتين ودلالتها والمشاعر التي يستشفها منهما. (45-46)، وفي التفاته إلى قضية المرأة ينتقد انتقاداً شديداً النواب ورجال الدين الذين رفضوا تجريم الاغتصاب الزوجي (ص47-51). وليس هذا مأخذ الكاتب الوحيد على السياسة ورجالها في لبنان وعلى رجال الدين. يعرض مفصلاً لإفلاس السياسة في لبنان وأسباب ذلك (ص117-119 )، ولانعدام الروح الديموقراطية انعداماً تاماً، فكل من يخالف الآخر في الرأي يُلجأ إلى اغتياله. ومن أهم مآخذه على إفلاس السياسة في لبنان سيادة الفساد و «اندثار دولة القانون… وفقدان الاستقلال الوطني باستتباع مكوّنات الدولة لقوى الخارج» (ص132) من ايران إلى سورية فالسعودية وأميركا… إلخ. ولا يوفّر انتقاده اللاذع أياً من السياسيين، أياّ كان التيار او الحزب الذي ينتمون إليه. ففي سخرية فكهة من تعاون عون و «حزب الله» يقول: «بعد هذه العشرة الطويلة للشيعة، من يجرؤ على الاعتقاد أن العِماد الرئيس لا يسعى إلى توريث «شعب لبنان العظيم» لصهره الإمام باسيل؟» (ص142) وكأن تحالف عون مع «حزب الله» كان ليضمن لنفسه، أو لصهره، رئاسة الجمهورية حين تنتهي مدة الرئيس الحالي.
وفي صفحات كثيرة يهاجم الطائفية والتعصب والتطرّف والدعاة المزعومين الذين يغلطون في النحو والصرف وفي القرآن والحديث… وقد يكون أكثر ما أثار سخرية الكاتب قانون «مضاجعة الوداع» الذي يراد طرحه على مجلس النواب المصري، قانون يجيز للزوج ان يضاجع زوجته الميتة في غضون ست ساعات بعد وفاتها…
أما في ما يتعلّق بالأحزاب الدينية/السياسية، فينتقد بيضون «حزب الله» لتدخله في حرب سورية، وينتقد أيضاً في صفحات كثيرة، غيره من أنصار النظام السوري، بمقدار انتقاده معارضي ذلك النظام. وأكثر ما ينتقده عند الإثنين الهمجية. همجية النظام افقدته مسوّغ وجوده، وهمجية الثورة تفقدها تفوّقها الأخلاقي والتأييد العالمي، مما يجعلها في نهاية الأمر بحاجة إلى وصي دولي (ص68-69). وليس انتقاده السياسي موجهاً إلى هؤلاء وحدهم، وإنما إلى إسرائيل (طبعاً) وأميركا (أيضاً طبعاً) والفلسطينيين الذين أدّى انشقاقهم وتناحرهم إلى ازدياد تمكّن اسرائيل منهم.
ولكن ليس هذا وحده ما يعطي كتاب بيضون أهميته، فقيمته الفريدة تكمن في فكاهة وسخرية تمهران كل صفحة من صفحات الكتاب، كقوله إنّ نداء «يا حاج» حلّ في السنوات الأخيرة في الأوساط الشيعية محلّ «يا سيّد» حتى لا يبقى غير «سيّد» أوحد، ومحل «يا أستاذ» حتى لا يبقى على وجه البسيطة من أستاذ غير «الإستيذ» (ص57). وتعليقاً على الإشارة إلى «الاتحاد السوفياتي السابق» يسأل: «ليش عيّنوا واحد محلو؟» (ص58)، وفي سخريته من وزير الطاقة جبران باسيل سمّى المولد الذي اشتراه «باسيل» فيقول «أسعد لحظاتي في هذين اليومين حين تنادي عزة (زوجته) من بعيد: «يا أحمد! إطفي باسيل!» (ص99). وفي «أشقاء» لبنان يقول: «على كثرة من نكحوا أم بلادنا، لا نجد لنا إخوة غير أشقاء. كلهم «أشقاء»… «وكلهم عارف مصالحه أحسن المعرفة، ولبنان بينهم القاصر الدائم» (ص139). سخرية ممزوجة بمرارة وألم عميقين.
كتاب أحمد بيضون «دفتر الفسبكة» ممتع بمضمونه، بأسلوبه، بفكاهته، وبسخريته المضحكة حيناً، إلا أنها لا تخفي مرارة الكاتب وألمه في معظم الأحيان.
حسن داود عن “دفتر الفسبكة”
في “المدن”
دلال البزري عن الإصلاح المردود
فضلُ هذا الكتاب ان قراءته تحثّ على فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات ملحّة، تكاد تجد بعضها في متن الكتاب: من نوع ان اتفاق الطائف (1990)الذي وقّعته القوى المتحاربة منذ ثمانية عشر عاماً، زاد من الطائفية السياسية استعاراً. وهو إستعار يحفزّ على النظر الى هذا الاتفاق، الى محصلته التاريخية، بجوانبه المطبّقة والأخرى المنسية، وصولاً إستعادة الظاهرة الطائفية منذ نشأة لبنان:
خلال العقود الثمانية التي مرّ بها لبنان، بل في أحداث ما قبلها، عندما لم يكن لبنان سوى «جبل لبنان»، إمارة جبلية تتصارع عليها الدولة العلية العثمانية والقوى الغربية الصاعدة، هل كان لهذا النظام خط بياني، ترتفع به الحمى أو تنخفض، أو تضعف أو تختفت؟
هذا الخط الطويل، لو اخذناه بأبعد ما وقع عليه زمنه، كيف كان مساره؟ يدور حول نفسه؟ بحركة مكررة، تشبه رقصة الدراويش، أم يذهب نحو المزيد منه؟ وما هي الشروط هذا الذهاب؟ أي، متى ازدهرت الطوائف ومتى نامت؟ ولا نسأل متى «ماتت»…
أو: هل يمكن اعتبار يقظة الطائفية أو غفلتها نتيجة معطيات بنيوية صلبة؟ خارجية تلتحم بالمحلية؟ ذات علاقة بالوعي بها أو بالمعتقد الذي يزيّنها؟ بتيارات ومناخات وأنواع ثقافات؟ بالـ»مصلحة» وحسب؟ وأية مصلحة؟ أم مجرد تعب، بين كل جولة وأخرى، تتبعه هدنة طويلة، نسبياً، عقود وأنصاف السنوات، تستعيد أنفاسها لتكون متجددة، ديناميكية، تلتقط فرصها، تدخل الى المسرح بأفعال تقلب معادلات وموازين، فتفرض جولة صراع مديدة، دائماً طائفية، ساخنة وباردة؟ ولكن بأبطال مختلفين، أو إنقسامات جديدة، على طبقات من الإنقسامات القديمة، ولغة تضاف الى معجم التاريخ الطائفي غير المشرف؟
ما يطرح معنى أهلية النظام السياسي اللبناني، ناهيك عن شرعيته، كما في هذه الكلمات لبيضون، من ان الطائفية «لا تصلح لحكم البلاد لأنها وصلت الى هذا المنتهى من الجبروت بالذات».
هل تعني كلمة «لا يصلح» فشله؟ أحسب ان جميع السياسيين واللاعبين الكبار والمتوسطين في الشأن السياسي لا يرون الموضوع من زاويتنا هذه. فعلى الرغم من «تعذر التوافق بين الاطراف الطائفية»، ومن صيحاتهم اليومية ضد النظام الطائفي الذي يبغضون، والدولة التي يرْثون…. هم يرون انهم نجحوا، وليسوا على الإطلاق من الفاشلين. أن يدمّروا حياة البلاد ودورتها الاقتصادية والإنسانية واليومية، أن يمتنعوا عن التجديد «الشرعي» عبر الانتخابات…. الخ، فهذه ليست دلائل «فشل» بنظرهم، إنما هي قوة بإمساك زمام الامور، «إستيعاب الصدمات»، بوراثة جماهير التطرف، بتبديل اللسان في المنعطفات… كلها مواهب يتمتع بها من أراد السلطة من بيننا، وهي مواهب تحييها عادة أقوى الإرادات.
نقطة أخرى يثيرها كتاب أحمد بيضون: «تطور» النظام السياسي اللبناني، ليس بالضرورة بمعنى «التقدم» إنما بمعنى تأريخه بالزمن الذي يعبره:
هل «تطوَّر» هذا النظام يفضي بالضرورة الى بلوغه مبلغ الأصولية الدينية، المسيحية أو الإسلامية؟ قد تكشف الإجابة على هذا التساؤل جانباً دقيقاً من سمة الطوائف؛ من ان حضورها السياسي لا يتحقق إلا بدعم خارجي. أي عودة الى التبعية التاريخية، التي يصف بيضون ديناميكيتها الخاصة العابرة للتاريخ اللبناني. الإجابة المقنعة على هذا السؤال غير متوفرة، اذ تفترض ان لا يكون هناك ثورة اسلامية في ايران، ولا صعود الاسلامية السنية في الدول العربية، وما نجم عن تجربة الإثنتين، على تفاوت نجاحهما، من إختبارات، قاسية ورجْراجة، حتى الآن على الأقل.
إذن لو لم ينْوجد الاثنان في التاريخ، الإيراني الشيعي والعربي السني، وكل ما يفيض عنهما من ملحقات ومزايدات وتعبئات… فعلى أي وجه ستكون الطائفية اللبنانية، ساعتئذ؟ ربما هو سؤال لا يؤكد غير المعروف: لبنان بلد حساس، عطوب، «بوتقة» تندلق بداخلها كل الحِمَم الممكنة.
ثمة شبه جزائري مع لبنان: كأن مجهولين يحكمونه، رغم الحضور الطاغي للرئيس بوتفليقة؛ لا وجه ولا حزب ولا رمز ولا شخصية كاريزماتية يلخّص هذا الحكم؛ فوجوهه من غير قرارات، وقراراته من غير وجوه…
خلف شيء اسمه «النظام»، عش الأفاعي هذا، من يحكم لبنان الآن؟ «حزب الله»؟ السياسيون بمختلف اطيافهم؟ متوافقون أو متصارعون؟ يوحّدهم شغف بالسلطة، هو قاسمهم المشترك مع المجتمع، «محكوميهم»؟
وقّع أحمد بيضون آخر صفحات كتابه بين أيلول وأول تشرين الأول 2011؛ وكان عنوان النص الذي سبقه في شباط 2011، أي مباشرة بعد إطاحة الثورتين المصرية والسورية برأسي نظام بلديهما. يعني ان كتاب بيضون لم يرافق التطورات اللاحقة لهاتين الثورتين، فضلا عن مجريات الثورة السورية نفسها. ولكن كتابه كله يعينك على متابعة التساؤلات على المنوال الذي اعتمده. فبالإتجاه نفسه:
«التدخل» العسكري لـ»حزب الله» في المقاتلة الى جانب قوات الأسد، هل كان حقاً كما يصفه أمينه العام ومعه رجالاته وجهازه الاعلامي، من ان الحزب كان «مضطراً» لذلك؟ مضطرا للدفاع عن نظام هو المجال الحيوي لنظام آخر يتبع حزب الله تعليماته؟
ولكن مهلاً: يجب ان نصدق الحزب عندما يقول ذلك، إنما لأسباب مختلفة عن تلك التي يتقدم بها خطباؤه ومحبّوه. والتي يبدو الحزب، من خلال كلماته، وكأنه يستشعر ذنباً ارتكبه، يطلب عبرها الغفران، لأن من بعده هناء بهناء: «الحفاظ على المقاومة«. القصة ليست انه كان مضطرا، إنما «تدخل» لأن ذلك من صميم تركيبته وتأسيسه وتمويله وأجندته…
هل نتصور ان لا يكون متدخلاً؟ أين تذهب ساعتئذ كل تلك القوة المشحونة المقهورة من قلة التعبير عن نفسها؟ حزب الله لن يكون حزب الله لو لم يفعل، وكذلك النظام السياسي لن يكون طائفيا لو لم يقفز كل مرة حيّ يُرزق من بين الأنقاض، وكذلك السنية السياسية لن تتلقّف الخطاب والرموز السلفيين وتعيد تأهيلهم لينخرطوا في صلب النظام…. الخ.
من هنا استحالة ان تحصل ثورة في لبنان، على الرغم من «الحرية»؛ كلنا رافق، مع بيضون، تظاهرات إسقاط النظام اللبناني، بعيد المفاجأتين التونسية والمصرية، وبرغبة جامحة في المحاكاة، فتظاهر الآلاف من بيننا. وبعد خفوتهم السريع، أمعن لبنان في سبر أغوار التطييف والتمذهب، على مستويي «نخبه» الحاكمة وجماهيريه، الوفية دائماً؛ ولا تعرف بعد حين من يغذي الآخر، لشدة الحمى؛ تلك هي مساهمة لبنان الأساسية في هذه الثورات: انه تطيّف وتمذهب، بدل أن يثور. وهذا استعصاء يتجاوز كل الإرادات، الخيّرة منها والشريرة. وما يضاعف وطأته، ويغذّي محبي الطائفية، هو مآل هذه الثورات نفسها؛ حيث كشفت، في مراحلها الانتقالية، بدوراتها المتداخلة والعشوائية، انها تنحو نحو «التلبْنن»: إنهيار الدولة، فوضى، إحتراب أهلي، عسْكرة، تبعية للخارج؛ كل مركبات النظام اللبناني، مع اختلاف بسيط في المقادير.
عما تكشف تلك الرحلة المعاكسة للتاريخ؟ ذاك «التلبنن» الذي تسير على خطاه المراحل الإنتقالية للثورات؟ عما تكشف لبنانياً.. عربياً؟
ثمة شيء أخير، لم يكن لكتاب بيضون أن يتناوله، وإن تضمّن إرهاصاته: وقوامه ان الحدود القائمة بين لبنان وسوريا قد فُتحت على مصراعيها، جيئة وذهابا، مع النظام وضده، مقاتلين ونازحين وعائدين ومهرّبين، فضلاً عن التداخل الشديد، بعد «التلازم» العتيد، بين أجندات البلدين ومشاريعهما ورؤاهما وشعاراتهما، وبالدور الذي بات يلعبه الواحد تجاه الآخر، وبالعكس. وبما ان الفلسطينيين، ببشرهم وقضيتهم، يشكلون مادة دسمة لمفاعيل هذا التداخل، في لبنان كما في سوريا، فهذا يعني باننا نتجه نحو مستوى جديد من التحليل: مستوى الأراضي المفتوحة على بعضها البعض وإطاره لبنان وسوريا وفلسطين وكل تشعباتهم. ما يدفع الى توسيع النظر والتحليل في إطار هذه الدول وشعوبها.
فارس ساسين في جائزة ميشال زكّور
ريتا فرج عن “الإصلاح المردود…”
قراءة نقدية وسوسيولوجية عن مأزق الإصلاح يقدّمها كتاب «لبنان ـــ الإصلاح المردود والخراب المنشود» (دار الساقي). المؤرخ المعروف يجترح هنا مصطلحات جديدة أهمّها «الطوائف المتخصّصة» للدلالة على المشروع الموكل إلى كلّ فئة، فنجده يتحدث عن التحرير الشيعي، والإعمار السُّني، والسيادة المارونية
ينهض كتاب أحمد بيضون «لبنان ـــ الإصلاح المردود والخراب المنشود» (دار الساقي) على مفصلين أساسيين: الأول هو أزمة الهوية الوطنية اللبنانية ومأزق بناء الدولة الحديثة، والثاني تحديد معالم الشيعية السياسية وتمثلاتها كإحدى الجماعات الطائفية المتغالبة والمتصارعة على الحكم.
يتضمن الكتاب مجموعة دراسات منشورة سابقاً أضاف إليها المؤرخ دراسات جديدة تنشر للمرة الأولى. القسم الأول الأشد تماسكاً، والأكثر أهمية يعالج أزمة الجماعات الطائفية كهويات قبلية عاجزة عن التأسيس لمشروع الدولة الحديثة. وإذ يركز بيضون على ضرورات الإصلاح المنشود انطلاقاً من خطاب المواطنَة باعتباره أسّ أي عملية إصلاحية في أي نظام سياسي عاجز عن بناء أمة مندمجة، يعمل على تفكيك الاعتصاب الطائفي، الانشطاري/ التغالبي، ساعياً إلى تأطير أبرز مولّداته في ما أطلق عليه «التبلّر الطائفي» مقابل «التبلّر المواطني». يدرس بيضون اتفاق الطائف من زاويتين: إلغاء الطائفية السياسية وخفة التعامل مع الدستور اللبناني.
يقدم صاحب «الصيغة، الميثاق، الدستور» مادة علمية استقرائية مهمة وجديدة، فهو لا يهدف إلى تأريخ الأحداث، ولو استخدم المادة التاريخية، بل يقرأ مآزق هذا التاريخ اللبناني في أبعاده الثلاثية: استتباع الطوائف، عجز النظام السياسي المولّد للأزمات، وانفلاش الهويات الطائفية المتخصصة.
وفي موازاة «التبلّر المواطني»، يأتي الاعتصاب الطائفي ليعطل نشوء الأمة بعدما تحول التطيّف من الركائز المنتجة لانغلاقات الطوائف ومشروعاتها البديلة. فكيف يستقيم للمواطنين وجود بما هم أفراد عامون أي أعضاء في الأمة؟ لعل هذه الإشكالية تشكل مدماكاً أساسياً للأفكار التي عالجها بيضون في القسم الأول، وتضعنا أمام العجز البنيوي في نمو ثقافة المواطنَة. ولا شك في أنّ للطوائف في لبنان شروطاً ومضادات ورهانات، لا تقل خطورة عن الإخفاقات الدورية والمتتالية للنظام السياسي نفسه، بعدما ثبت إخفاق المبدأ الطائفي، كمعطى سياسي مكرّس وبديل من خطاب المواطنة.
ينتقل بيضون إلى مستوى آخر من التحليل والتفكيك التاريخي. يرصد مفاعيل الوجود السوري على الطوائف نفسها، فما الذي أنتجه هذا الوجود بعد اتفاق الطائف؟ يشير صاحب «بنت جبيل ـــ ميشيغان» إلى أربعة مفاعيل: الأول إضعاف القوى السياسية المسيحية؛ والثاني العهد بمهمة الإعمار وإنعاش الحياة المدنية إلى زعامة سنية صاعدة جسدها رفيق الحريري؛ والثالث توزيع النشاط السوري بين همّين: أولهما همّ الإفادة من موارد الدولة وهمّ المقاومة في الجنوب المحتل وتحريره الذي حظي برعاية سورية وإيرانية، ورابع هذه المفاعيل، إنعاش الثنائية الدرزية التي كانت الحرب قد دفعت بأحد طرفيها إلى الظل.
وعلى إيقاع التضافر الوظيفي بين قوى الطوائف والقوى الخارجية الذي اشتد بعد الحرب الأهلية، يجترح بيضون مصطلحاً سياسياً جديداً أطلق عليه «الطوائف المتخصّصة». أراد بهذا المصطلح الدلالة على المشروع الموكل إلى كل طائفة، فنجده يتحدث عن التحرير الشيعي، والإعمار السُّني، والسيادة المارونية.
يستخدم بيضون مفهوم «المساواة الكارثية» للإشارة إلى المساواة بين الطوائف في لبنان. وبناءً على ذلك، يفكك لعبة الاستحواذ السياسي والطائفي المتبادلة بين الجماعات المتصارعة على الحكم. والحاصل أنّ لبنان أصبح على حد تعبير المؤرخ الراحل كمال الصليبي «بيت بمنازل كثيرة»، وأمسى كما يقول الكاتب «قريب الشبه بميزان بكفات كثيرة». إلامَ سيفضي هذا الاحتراب التغالبي الطائفي؟ وهل يشي بانفجار أهلي أو مذهبي؟ لا يبدو بيضون متفائلاً بفعل تداعيات الصيغة السياسية الراهنة الممتدة عبر التاريخ وجغرافيا الطوائف القلقة على ذاتها ومن ذاتها والخائفة من الآخر وعلى الآخر. تحت عنوان عريض «أشياع السنّة وأسنان الشيعة: كيف حلّ بلبنان هذا البلاء؟»، يدرس بيضون طبيعة الصراع المذهبي الشيعي ــ السنّي الراهن، بعدما شهد لبنان احتراباً إسلامياً مسيحياً. هو لا يكتفي في دراسة مولدات الصراع الجديد وامتداداته الإقليمية، بل يقدّم قراءة جديدة للهوية الشيعية المتشكلة سياسياً وجماهيرياً، بما تحمله من مفاعيل ورموز في المجالين السياسي والديني. وفي ظل الاحتراب المذهبي المباشر والخفي، إلى أين يتجه لبنان؟ لا يخفي بيضون هواجسه من نشوب اقتتال جديد. وهنا، يستعير مصطلح «الفتنة الكبرى» بمدلولها التاريخي والإسلامي بغية قرع جرس الإنذار من تكرار تجربة «الجمل» و«صفين».
ثمة دراسات أخرى في الكتاب، لكنّ الجزء الأول هو الأهم، إذ يقدّم بيضون قراءة نقدية وسوسيولوجية لمأزق الإصلاح في لبنان المحاصر بالخراب المنشود. وتأتي أهمية الكتاب أيضاً من اجتراح مؤرخنا لمصطلحات جديدة يجب إدخالها إلى معجمنا السياسي. عمل بيضون على تعرية الأنا الطائفي القاتل والأكثر حدة في تمزيق الهوية الوطنية الجامعة التي تقطع مع أنموذج دولة الطوائف بعدما أصبح لكل طائفة مشروع قضية.
روجيه عوطة عن “الإصلاح المردود…”
Samer Franjieh sur “الإصلاح المردود…”
Dans l’Orient Litteraire

