دلال البزري عن الإصلاح المردود

أحمد بيضون يفكّك النظام اللبناني
«لبنان: الإصلاح المردود والخراب المنشود»
دلال البزري
ينعى أحمد بيضون في كتابه الأخير لبنان، الذي لم يتوقف نظامه السياسي عن تعميق قاعاته الجهنّمية: نظام «خلود الطوائف»، وتفوق الطائفية على كل من الميثاق والدستور، وعراقتها في تسهيل بناء علاقات تبعية، رسمية و»أهلية»، واستنادها الى قاعدة ضاربة الجذور من أعراف وتقاليد إجتماعية، وتأرجح نظامها بين «حرية مطلقة» وتشريعات طائفية تحدّ منها أو تبطل كل مفاعيلها… يختم كل هذا بتحميل اللبنانيين أنفسهم، فضلا عن سياسييهم مسؤولية الفشل في النهوض من هذا الدرك… أوصاف وملامح هذا النظام تطول. ولو أمكن تنظيم الأوصاف أو الخيوط المجدولة بضفائر رقيقة، المستحكمة بلبنان… لو أمكن ذلك، لوقفنا أمام جملة من الكتاب تضع الخطوط العريضة على هذه الملامح: «الدولة ضعيفة حيث يجب ان تكون قوية، وقوية حيث يجب ان تكون ضعيفة».
فضلُ هذا الكتاب ان قراءته تحثّ على فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات ملحّة، تكاد تجد بعضها في متن الكتاب: من نوع ان اتفاق الطائف (1990)الذي وقّعته القوى المتحاربة منذ ثمانية عشر عاماً، زاد من الطائفية السياسية استعاراً. وهو إستعار يحفزّ على النظر الى هذا الاتفاق، الى محصلته التاريخية، بجوانبه المطبّقة والأخرى المنسية، وصولاً إستعادة الظاهرة الطائفية منذ نشأة لبنان:
خلال العقود الثمانية التي مرّ بها لبنان، بل في أحداث ما قبلها، عندما لم يكن لبنان سوى «جبل لبنان»، إمارة جبلية تتصارع عليها الدولة العلية العثمانية والقوى الغربية الصاعدة، هل كان لهذا النظام خط بياني، ترتفع به الحمى أو تنخفض، أو تضعف أو تختفت؟
هذا الخط الطويل، لو اخذناه بأبعد ما وقع عليه زمنه، كيف كان مساره؟ يدور حول نفسه؟ بحركة مكررة، تشبه رقصة الدراويش، أم يذهب نحو المزيد منه؟ وما هي الشروط هذا الذهاب؟ أي، متى ازدهرت الطوائف ومتى نامت؟ ولا نسأل متى «ماتت»…
أو: هل يمكن اعتبار يقظة الطائفية أو غفلتها نتيجة معطيات بنيوية صلبة؟ خارجية تلتحم بالمحلية؟ ذات علاقة بالوعي بها أو بالمعتقد الذي يزيّنها؟ بتيارات ومناخات وأنواع ثقافات؟ بالـ»مصلحة» وحسب؟ وأية مصلحة؟ أم مجرد تعب، بين كل جولة وأخرى، تتبعه هدنة طويلة، نسبياً، عقود وأنصاف السنوات، تستعيد أنفاسها لتكون متجددة، ديناميكية، تلتقط فرصها، تدخل الى المسرح بأفعال تقلب معادلات وموازين، فتفرض جولة صراع مديدة، دائماً طائفية، ساخنة وباردة؟ ولكن بأبطال مختلفين، أو إنقسامات جديدة، على طبقات من الإنقسامات القديمة، ولغة تضاف الى معجم التاريخ الطائفي غير المشرف؟
ما يطرح معنى أهلية النظام السياسي اللبناني، ناهيك عن شرعيته، كما في هذه الكلمات لبيضون، من ان الطائفية «لا تصلح لحكم البلاد لأنها وصلت الى هذا المنتهى من الجبروت بالذات».
هل تعني كلمة «لا يصلح» فشله؟ أحسب ان جميع السياسيين واللاعبين الكبار والمتوسطين في الشأن السياسي لا يرون الموضوع من زاويتنا هذه. فعلى الرغم من «تعذر التوافق بين الاطراف الطائفية»، ومن صيحاتهم اليومية ضد النظام الطائفي الذي يبغضون، والدولة التي يرْثون…. هم يرون انهم نجحوا، وليسوا على الإطلاق من الفاشلين. أن يدمّروا حياة البلاد ودورتها الاقتصادية والإنسانية واليومية، أن يمتنعوا عن التجديد «الشرعي» عبر الانتخابات…. الخ، فهذه ليست دلائل «فشل» بنظرهم، إنما هي قوة بإمساك زمام الامور، «إستيعاب الصدمات»، بوراثة جماهير التطرف، بتبديل اللسان في المنعطفات… كلها مواهب يتمتع بها من أراد السلطة من بيننا، وهي مواهب تحييها عادة أقوى الإرادات.
نقطة أخرى يثيرها كتاب أحمد بيضون: «تطور» النظام السياسي اللبناني، ليس بالضرورة بمعنى «التقدم» إنما بمعنى تأريخه بالزمن الذي يعبره:
هل «تطوَّر» هذا النظام يفضي بالضرورة الى بلوغه مبلغ الأصولية الدينية، المسيحية أو الإسلامية؟ قد تكشف الإجابة على هذا التساؤل جانباً دقيقاً من سمة الطوائف؛ من ان حضورها السياسي لا يتحقق إلا بدعم خارجي. أي عودة الى التبعية التاريخية، التي يصف بيضون ديناميكيتها الخاصة العابرة للتاريخ اللبناني. الإجابة المقنعة على هذا السؤال غير متوفرة، اذ تفترض ان لا يكون هناك ثورة اسلامية في ايران، ولا صعود الاسلامية السنية في الدول العربية، وما نجم عن تجربة الإثنتين، على تفاوت نجاحهما، من إختبارات، قاسية ورجْراجة، حتى الآن على الأقل.
إذن لو لم ينْوجد الاثنان في التاريخ، الإيراني الشيعي والعربي السني، وكل ما يفيض عنهما من ملحقات ومزايدات وتعبئات… فعلى أي وجه ستكون الطائفية اللبنانية، ساعتئذ؟ ربما هو سؤال لا يؤكد غير المعروف: لبنان بلد حساس، عطوب، «بوتقة» تندلق بداخلها كل الحِمَم الممكنة.
ثمة شبه جزائري مع لبنان: كأن مجهولين يحكمونه، رغم الحضور الطاغي للرئيس بوتفليقة؛ لا وجه ولا حزب ولا رمز ولا شخصية كاريزماتية يلخّص هذا الحكم؛ فوجوهه من غير قرارات، وقراراته من غير وجوه…
خلف شيء اسمه «النظام»، عش الأفاعي هذا، من يحكم لبنان الآن؟ «حزب الله»؟ السياسيون بمختلف اطيافهم؟ متوافقون أو متصارعون؟ يوحّدهم شغف بالسلطة، هو قاسمهم المشترك مع المجتمع، «محكوميهم»؟
وقّع أحمد بيضون آخر صفحات كتابه بين أيلول وأول تشرين الأول 2011؛ وكان عنوان النص الذي سبقه في شباط 2011، أي مباشرة بعد إطاحة الثورتين المصرية والسورية برأسي نظام بلديهما. يعني ان كتاب بيضون لم يرافق التطورات اللاحقة لهاتين الثورتين، فضلا عن مجريات الثورة السورية نفسها. ولكن كتابه كله يعينك على متابعة التساؤلات على المنوال الذي اعتمده. فبالإتجاه نفسه:
«التدخل» العسكري لـ»حزب الله» في المقاتلة الى جانب قوات الأسد، هل كان حقاً كما يصفه أمينه العام ومعه رجالاته وجهازه الاعلامي، من ان الحزب كان «مضطراً» لذلك؟ مضطرا للدفاع عن نظام هو المجال الحيوي لنظام آخر يتبع حزب الله تعليماته؟
ولكن مهلاً: يجب ان نصدق الحزب عندما يقول ذلك، إنما لأسباب مختلفة عن تلك التي يتقدم بها خطباؤه ومحبّوه. والتي يبدو الحزب، من خلال كلماته، وكأنه يستشعر ذنباً ارتكبه، يطلب عبرها الغفران، لأن من بعده هناء بهناء: «الحفاظ على المقاومة«. القصة ليست انه كان مضطرا، إنما «تدخل» لأن ذلك من صميم تركيبته وتأسيسه وتمويله وأجندته…
هل نتصور ان لا يكون متدخلاً؟ أين تذهب ساعتئذ كل تلك القوة المشحونة المقهورة من قلة التعبير عن نفسها؟ حزب الله لن يكون حزب الله لو لم يفعل، وكذلك النظام السياسي لن يكون طائفيا لو لم يقفز كل مرة حيّ يُرزق من بين الأنقاض، وكذلك السنية السياسية لن تتلقّف الخطاب والرموز السلفيين وتعيد تأهيلهم لينخرطوا في صلب النظام…. الخ.
من هنا استحالة ان تحصل ثورة في لبنان، على الرغم من «الحرية»؛ كلنا رافق، مع بيضون، تظاهرات إسقاط النظام اللبناني، بعيد المفاجأتين التونسية والمصرية، وبرغبة جامحة في المحاكاة، فتظاهر الآلاف من بيننا. وبعد خفوتهم السريع، أمعن لبنان في سبر أغوار التطييف والتمذهب، على مستويي «نخبه» الحاكمة وجماهيريه، الوفية دائماً؛ ولا تعرف بعد حين من يغذي الآخر، لشدة الحمى؛ تلك هي مساهمة لبنان الأساسية في هذه الثورات: انه تطيّف وتمذهب، بدل أن يثور. وهذا استعصاء يتجاوز كل الإرادات، الخيّرة منها والشريرة. وما يضاعف وطأته، ويغذّي محبي الطائفية، هو مآل هذه الثورات نفسها؛ حيث كشفت، في مراحلها الانتقالية، بدوراتها المتداخلة والعشوائية، انها تنحو نحو «التلبْنن»: إنهيار الدولة، فوضى، إحتراب أهلي، عسْكرة، تبعية للخارج؛ كل مركبات النظام اللبناني، مع اختلاف بسيط في المقادير.
عما تكشف تلك الرحلة المعاكسة للتاريخ؟ ذاك «التلبنن» الذي تسير على خطاه المراحل الإنتقالية للثورات؟ عما تكشف لبنانياً.. عربياً؟
ثمة شيء أخير، لم يكن لكتاب بيضون أن يتناوله، وإن تضمّن إرهاصاته: وقوامه ان الحدود القائمة بين لبنان وسوريا قد فُتحت على مصراعيها، جيئة وذهابا، مع النظام وضده، مقاتلين ونازحين وعائدين ومهرّبين، فضلاً عن التداخل الشديد، بعد «التلازم» العتيد، بين أجندات البلدين ومشاريعهما ورؤاهما وشعاراتهما، وبالدور الذي بات يلعبه الواحد تجاه الآخر، وبالعكس. وبما ان الفلسطينيين، ببشرهم وقضيتهم، يشكلون مادة دسمة لمفاعيل هذا التداخل، في لبنان كما في سوريا، فهذا يعني باننا نتجه نحو مستوى جديد من التحليل: مستوى الأراضي المفتوحة على بعضها البعض وإطاره لبنان وسوريا وفلسطين وكل تشعباتهم. ما يدفع الى توسيع النظر والتحليل في إطار هذه الدول وشعوبها.

في مشروع الفراق الأرثوذكسي

في مشروع الفراق الأرثوذكسي

 

أحمد بيضون

 

انكفأت بعض الشيء حدّة الهجمة التي حملت مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” لقانون الانتخاب إلى صدارة المشاريع المطروحة إذ منحته قبولاً رحباً من أكثر القوى الوازنة في المجتمع السياسي اللبناني. فقد التقت على تأييده أوسع التشكيلات المسيحية تمثيلاً نيابياً ونفوذاً شعبياً. وجاراها في التأييد التنظيمان المستأثران، تقريباً، بالتمثيل الشيعي في كلّ من مجلس النواب والحكومة وبالحضور، باسم طائفة الشيعة، على المسرح السياسي اللبناني عموماً. هكذا بدا أن مشروعاً آخر كانت قد وافقت عليه الحكومة التي تضمّ أشدّ القوى منافحة عن مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” قد أصيب بكسوف خطير مع استئثار هذا الأخير بالأضواء. وكان في طليعة من نحا إلى إهمال هذا المشروع (الذي يلقى رضىً من جانب رئيس الجمهورية) أولئك الذين كانوا قد أقرّوه في مجلس الوزراء. لقي المصيرَ نفسَه مشروع الدوائر الخمسين الصغيرة الذي كانت قد اعتمدته المعارضة المسيحية: إذ وضعته على الرفّ أبرز القوى في هذه الأخيرة (أي حزب الكتائب وحزب القوّات اللبنانية، خصوصاً) لتقع مع خصومها المستأثرين بنصيب المسيحيين من الحكم والحكومة في هوى مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” أو ما بات معلوماً أنه مشروع (وائل) خير و(إلياس) الفرزلي.

هذا الحشد من المؤيدين قابلته معارضة كاسحة في الصفين السني والدرزي واجتمع على مواجهته أيضاً، في انسجام يبدو موعوداً بالتنامي وموقف رئيس الجمهورية،  شخصيات مسيحية بينها ثمانية نواب، على الأقل. غير أن المشروع المثير للجدل نال، على الرغم من ذلك، أكثرية الأصوات في اللجنة النيابية الفرعية وبدا أن له أكثرية مضمونة في المجلس النيابي فيما لو عرض على الهيئة العامّة لهذا المجلس…

أفق مريب لخرقٌ جسيم

يستحقّ وقفة طويلة – بل وقفات – هذا الاستقطاب الواسع يتاح لمشروع يمثّل تغييراً غير مسبوق في جسامته لنظام التمثيل النيابي الذي صحب الجمهورية اللبنانية منذ نشأتها الأولى. فقد عرف هذا النظام تغييراً كثير الوجوه شمل عدد النواب وعدد الدوائر وتقسيمها وعدد الطوائف وتوزيع المقاعد بينها والتناسب العامّ بين نصيبي كلّ من المسيحيين والمسلمين في المقاعد… ولكنه (أي النظام) استبقى، فضلاً عن مبدإ توزيع المقاعد إلى أنصبة طائفية مقرّرة سلفاً، مبدأين رئيسين لزمتهما جميع القوانين الانتخابية التي عرفتها البلاد وهما مبدأ الاقتراع الأكثري ومبدأ الهيئة الناخبة الواحدة في كل دائرة انتخابية. فظلّ يفوز بالنيابة من يتفوّق على كلّ من منافسيه ولو بصوت واحد. وظلّ الناخبون، من أيّة طائفة كانوا، مخوّلين أن يقترعوا لمرشحين عن دوائرهم موزّعين بين الطوائف ذات الأنصبة من تمثيل الدائرة. وهذا مع أن أقلام الاقتراع كانت مخصّصة لكلّ من الطوائف بالاسم كما راحت تخصّص، بعد اكتساب النساء حقّ الاقتراع، أقلام للذكور وأخرى للإناث.

نقول إن مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” يمثّل خرقاً جسيماً للأعراف الانتخابية المستقرة في البلاد لأنه يطيح هذين المبدأين: مبدأ الهيئة الناخبة الواحدة ومبدأ الاقتراع الأكثري، دفعةً واحدة. فهو يعتمد الاقتراع النسبي وانتخاب نواب الطائفة الواحدة من جانب المنتمين إليها حصراً. وهو، إلى ذلك، يرى جعل البلاد دائرة انتخابية واحدة، وهذا أيضاً جديد كليّاً على القوانين الانتخابية اللبنانية التي بقيت الدائرة تراوح فيها بين المحافظة والقضاء مع استثناءات وخلطات مختلفة هنا وهناك. على أن “النسبية” و”الدائرة الواحدة” كانتا مطلبين ماثلين في الساحة السياسية تطرحهما أو تطرح أحدهما قوى سياسية ثانوية في الغالب. وأما مبدأ تقسيم الهيئة الناخبة إلى  هيئات بعدد الطوائف فيمكن اعتباره جديداً إذ لم يسبق أن اكتسب حضوراً يذكر أو استوى موضوع جدال جدّي في حومة التداول اللبناني الكثير الأطراف في الصيغ الانتخابية.

يوجز البيان الذي أصدرته الشخصيات المسيحية المعارضة لمشروع “اللقاء الأرثوذكسي”، يوم 10 كانون الثاني، أهمّ ما يثيره هذا المشروع من اعتراضات ومخاوف. أما الاعتراضات فمناطها مخالفة المشروع لتوجّه اتّفاق الطائف والدستور المبني عليه في رفضهما “فرز الشعب” ورهنهما شرعية السلطة بلزومها ما يسميانه “ميثاق العيش المشترك”. وأما المخاوف فتتصل بافضاء هذا المسار الذي يوزّع الهيئة الناخبة في البلاد إلى ثماني عشرة فئة إلى إطاحة المناصفة المسيحية الإسلامية واعتماد المثالثة التي أصبح يغري بها لا الميزان العددي وحده بل حال المواجهة السنية الشيعية السائدة من سنوات والطاغية، في طول البلاد وعرضها، على ما عداها من مواجهات. وهي قد جعلت اعتبار “المسلمين” وحدة سياسية تقابل “المسيحيين” عند البحث في النظام التمثيلي وتقرير الأنصبة أمراً ضعيف السند للغاية.

مصدران قريب وبعيد

فخلافاً لما كانت عليه الحال قبل سنين معدودة، لم يبق في السياسة جامع يُذكر يجمع سنّة لبنان وشيعته. هذا فيما شهد “الصف المسيحي”، في ما يتعدّى انقسامه الراهن بين جبهتي المعارضة والحكم، مساراً معاكساً استغرق العقود القريبة الماضية وأنشأ “مسألة” أو “قضية” مشتركة هي مسألة “المسيحيين” في لبنان فيما يتعدّى كلّ اختلاف بين طوائف هؤلاء الكثيرة ناهيك بالخلاف المستئشري بين قواهم السياسية. ولنشدّد على أن حديثنا كله ههنا يقع فيما وراء التوزّع الذي تعرفه الطوائف بين قوى وزعامات سياسية مختلفة. فإنما نتناول “الشخصية السياسية” لكل من الطوائف أو لكلّ من أهل الديانتين وهي تتحصّل حينما يتحصّل للطائفة الواحدة أو لأتباع الديانة الواحدة موقع مميّز سياسياً ومشترك في تكوين المجتمع السياسي الوطني.

فإذا وضعنا هذه الهواجس الملحّة في مساق التحوّلات الجارية في العالم العربي وحوله وجدنا زحف القوى الإسلامية إلى مواقع السلطة في أقطار العالم المذكور (بعدما كانت قد وصلت إليها في دولتي الجوار الكبريين: إيران وتركيا) يعزّز الخوف من هذا الفرز الذي يفرضه مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” إذ ينذر بإطاحة ما تبقى من أواصر سياسية تبرزها الانتخابات المختلفة ما بين الكتل الناخبة على اختلاف الطوائف. فتصبح الحال حال مواجهة بين طوائف مستغنية بعضها عن بعض بعد حال التداخل النسبي التي كانت تلزم المرشحين والناخبين معاً بإدخال شركائهم من الطوائف الأخرى في كل حساب يحسبونه وتوجب عليهم بالتالي توخي قدر ما من الاعتدال في كل أمر يحتمل الجنوح نحو المنازعة الطائفية. هذا كله يبدو ماثلاً، بهذه العبارات أو بغيرها، في فكر الساسة المسيحيين الذي أصدروا بيان الرفض لمشروع “اللقاء الأرثوذكسي”.

هذه الهموم التي تلبّد بها أفق المشروع المذكور لا تغني – على مشروعيتها المؤكّدة – عن النظر في سبب ما بدا إقبالاً مسيحياً كاسحاً على المشروع اخترق خطّ الفصل القائم بين الكتلتين المسيحيتين الكبريين وتبعه إقبال شيعي لم يقلّ عنه سعة وإن يكن بقي أضعف ميلاً إلى الدفاع ” المبدئي” عن المشروع أي عن “التنظير” له والدخول في موجة الجدل العارمة التي استثارها.

شاع أن تجزئة الهيئة الانتخابية إلى هيئات طائفية تلقى هوى في نفوس جمهور المسيحيين وأن هذا قد أسهم في التفاف قواهم السياسية الكبيرة حول مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” مجتازة في سبيل ذلك خندق الفصل المشار إليه بين جماعتي الثامن من آذار والرابع عشر منه. لا ريب، قبل ذلك، في أن هذه القوى تستريح، على وجه الإجمال، إلى الانفراد بجمهورها الانتخابي الخاص، وهو مجانس لكل منها طائفياً إلى أقصى حدّ. فهذا الانفراد يعفيها من الدَين السياسي، المفروض على من شاء الفوز، لكتل ناخبة تنتمي إلى طوائف أخرى، مسلمة في الغالب بسبب كثرة العدد ولكنها، في حالات كثيرة، مسيحية أيضاً يغاير انتماؤها المذهبي انتماء المرشّح. هذا الدَين الذي يفترض أنه متبادل وإن يكن، في الغالب، غير متكافئ، يفرض على المرشّح المعني أو على التشكيل السياسي الذي ينتمي إليه، ان يراعي اعتبار القرب السياسي من الجهة المغايرة له طائفياً والمؤيدة له انتخابياً.

حكمة ماثلة وانعزالية معدية

والحال أن هذا القرب السياسي هو ما يصنع، على علاته المؤكّدة (والممكنة المداراة إلى هذا الحدّ أو ذاك) ما يشبه أن يكون، في الحالة اللبنانية، حياة سياسية “وطنية”: لا للزومها مصالح الوطن، بالضرورة، بل لمجرّد إنشائها شبكة أو شبكات من الصلات السياسية بين ممثّلي الطوائف فيما يتعدّى الانتماء الطائفي لكل فردٍ او مجموعة منهم. عوض السعي الصعب إلى إصلاح الموازين التي تحكم إنشاء هذه الشبكات، وهذه موازين سياسية – اجتماعية يتعذّر الوصول بها إلى الصحّة المطلقة، تؤثر القوى السياسية المسيحية أن تقامر بوجود حياة سياسية وطنية من أصله ليخلو لها وجه ناخبيها ويخلو لهؤلاء وجهها دون اعتبار لضرورة الإبقاء، في الصيغة الانتخابية، على حوافز لمشاركات تتجاوز حدود الطائفة، أي مثلاً، لإنشاء أحلاف أو كتل سياسية وطنية النطاق والتطلع…

هذا المنحى “الانعزالي” (وهذه فرصة لاستعادة هذا المصطلح الذي ندر أن كان استعماله سائغاً إلى هذا الحدّ)  يصحّ اعتباره تعبيراً فاقعاً من الباب الانتخابي لمساق افتتحته الحرب وشمل جوانب كثيرة من الحياة اللبنانية فأسلمها للطوائف، أساساً، منتزعاً ما كان منها في يد الدولة أو مطوّعاً إياه ونازعاً صفة الاشتراك عمّا كان مشتركاً… انتشر التعازل المشار إليه في السكن، في الأعمال، في التعليم، في الرعاية الاجتماعية بسائر وجوهها، إلخ… ووصل المساق نفسه إلى حدّ اقتسام الدولة نفسها باستتباع أجهزة ومرافق مكوّنة لها من جانب قوى الطوائف وباقتسام أجهزة ومرافق أخرى بين هذه الأخيرة، على نحو يضرب مبدأ “المرفق العامّ” من أصله. هذا الحؤول دون نشوء العامّ وهذا الجنوح إلى إفساده ما أمكن الإفساد حيث ينشأ، إنما هما، في عمق معناهما، نوع من “التعازل” أيضاً يلاقي، من باب آخر، تنابذ الطوائف منذ الحرب: في السكن، في العمل، في التعليم، إلخ.، إلخ… كيف لنا أن نستغرب إذن وصول هذا الاضمحلال لكل ما هو مشترك أو “وطني” في النسيج الاجتماعي اللبناني إلى قانون الانتخابات النيابية؟ وكيف لتشخيص العلة وللبحث في العلاج أن لا يجنحا إلى التشاؤم وهما يكتشفان العمق الاجتماعي الذي تترعرع فيه نوازع يأس هي التي استنبتت مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” ويسعها، عند اللزوم، أن تستنبت ما يعادله في غير مجال؟

وذاك أن الأشاوس من أبناء كلّ طائفة قد يرفضون غداً أن يحتسب الضريبة المستحقة عليهم مأمور في المالية من غير طائفتهم. وقد يطلبون ألاّ يدرّس في المدرسة الرسمية التي يتعلّم فيها المحروس ابنهم معلّم من غير دينهم. وقد يحتجّون إذا دعوا إلى المثول في دعوى مقامة منهم أو عليهم أمام قاضٍ من غير جماعتهم. وقد لا يأمنون أن يحفظ الأمن أو ينظّم السير شرطي من غير ملّتهم أو أن يدافع عن شطرهم من البلاد عسكري لا يقول قولهم في طبيعة المسيح أو في نبوّة محمّد. هذا فضلاً عمّا عرضت وتعرض منه حالات كثيرة من منع لبيع الأرض لغير أبناء الأبرشية أو ردع مباشر أو مداور لمن تحدّثه نفسه بالسكن أو بالزواج في غير ذوي إيمانه. فالواقع أن التعازل في هذا كله أقرب إلى نوازع الانتماء المذهبي من التعازل في السياسة. بل إن السياسة تكاد تكون النطاق الوحيد الذي يفرض التشارك فرضاً وتبدو البرامج المذهبية فيه وكأنما هي بلا موضوع فعلي. وإنما تُتّخذ أقنعةً لتحصيل منافع دنيوية جدّاً وافتعال لحمة تجيز الاستئثار والاستعلاء تعذّر إنشاؤها من مادّة أخرى، صريحة الطابع الحسّي. فإذا كنّا قد وصلنا بهذه الشهوة القويّة للتعازل إلى أكثر الميادين إيجاباً للتداخل، أفلا نكون ماضين قدماً في مفاقمة ما بدأته الحرب من تبلّر وفصل طائفيين في كلّ ميدان آخر؟

فدرالية؟

هذا وقد عاد مصطلح “الفدرالية” إلى الجري على الألسنة وتحت الأقلام بمناسبة ما لقيه قانون “اللقاء الأرثوذكسي” من إقبال. ولم يكن ثابتاً قطّ أن الذين يلجأون إلى هذا المصطلح عنواناً للدعوة أو أداة للتشخيص، في الحالة اللبنانية، يعرفون فعلاً شروط الفدرالية ومعناها. يقال إن الدولة اللبنانية فدرالية طوائف. ويشار (منذ عهد “القائمقاميتين” في القرن التاسع عشر) إلى أننا هنا حيال النوع “الشخصي” من الفدرالية. ويراد بالإشارة أن الفدرالية هنا ليست صيغة للعلاقة بين مناطق من تراب الدولة تسمى “ولايات”، مثلاً، بحيث نصفها بـ”الفدرالية الترابية” أي الجغرافية أو الجهوية. وإنما هي قائمة بين جماعات هي الطوائف لكلّ منها “شخصية” اعتبارية وليس لها قواعد ترابية مرسومة الحدود تفصل بينها مادّياً. والمفروض أن الصفة “الشخصية” هذه تفيد نوعاً من الهزال أو فقر الدم في مضمون الاستقلال المفترض للجماعة. إذ هي (أي الصفة “الشخصية”) تستثني من هذا الاستقلال ما كان ذا صلة بالأرض. وذلك لكون الأرض متاحة للجماعات كلها ولكون التداخل بين الجماعات حاصلاً فعلاً عليها إلى هذا الحدّ أو ذاك. شيء واحد يبدو شديد الأسر في الفدرالية الشخصية هو صعوبة فكّها: وهذه صعوبة تنجم، على وجه الدقّة، من تعذّر تقطيع الأرض قطعاً تطابق كلّ منها “شخصية” من الشخصيات المشار إليها وتحصر بين حدودها جماعة المشمولين بتلك الشخصية.

فضلاً عن ذلك، يبدو المحدّثون بفدرالية لبنانية ما غافلين عمّا هو جوهري في الفدرالية. ففي المخيلة اللبنانية أن الدولة المركزية تكون ضعيفة في الفدرالية فتستكمل الضعف الذي تتواطأ الطوائف على رعايته في الدولة اللبنانية القائمة. وهذا هراء يكفي لبيان غربته عن الوقائع ذكر أسماء الدول الفدرالية القائمة في العالم من صغيرة وكبيرة. وبينها دول كبرى تتيح لها بنى سلطاتها المركزية وما تتصرّف به من موارد وأجهزة أن تتحكّم، ولو في حدود، بدفّة العالم من أقصاه إلى أقصاه. يغفل القائلون بالفدرالية في لبنان عن أمر آخر له في الحالة اللبنانية أهمّية استثنائية. وهو أن السياسة الدفاعية والسياسة الخارجية في الدولة الفدرالية تبقيان بكل متعلّقاتهما في يد السلطة المركزية. وهذا فضلاً عن النقد الوطني وعن صون البنى التحتية والتجهيزات العامة ذات الصفة الوطنية، على اختلافها، وتنميتها. وهو ما يفترض أن المكوّنات المشكّلة لهذه الدولة قادرة على التوصّل إلى رسم موحّد لكل من السياستين الدفاعية والخارجية وقابلة بوضع مقاليدهما في عهدة سلطة موحّدة متمكنة من تنفيذهما. فهل وحدة التخطيط والتنفيذ في هذين المجالين قابلة للتحصيل في الحالة اللبنانية أم أن الخلاف الذي يوجب حديث الفدرالية أصلاً متعلّق بهاتين السياستين قبل كلّ شيء آخر؟ هل تداوى علل التعايش بين الطوائف اللبنانية بما يفترض إمكانه أو استقامته أن يكون الشفاء منها حاصلاً أصلاً؟

توسّع الشعور الأقلّي

لا بدّ أخيراً من عودة إلى صلة الطفرة الانعزالية التي مثّل مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” أصرح رموزها بما هو جارٍ من تحوّلات عاصفة في أقطار عربية مختلفة وفي سورية، بخاصّة. ويمكن إجمال الصلة بالقول إن وصول زحف الإسلاميين (من أهل السنّة) على مواقع السلطة إلى الجوار السوري الدائم الإقامة في متن الشؤون اللبنانية قد أيقظ الشعور الأقليّ بخطر داهم بدأ يدقّ الأبواب وتظهر بوادر قوية منه في ساحات الداخل. اشتدّ أوار هذا الشعور في أوساط المسيحيين، على الأخصّ. ولكن الوسط الشيعي الملتحق بموقف إيران من الأزمة السورية ليس بمنجاة منه قطعاً. هذا الاقتراب الشيعي من نمط الشعور الأقلي يمثّل نكوصاً طارئاً أو مستجدّاً لجماعة تغادر مرحلة اتّسمت فيها مواقف الجماعة الشيعية، لا بالإحباط والإلحاق على الغرار المسيحي، بل بفرط القوّة وبشكوى الأطراف الطائفية الأخرى من استعراض فائضها… يدخل الشيعة اللبنانيون في الظرف السوري الجديد دخولاً راح يزداد شبهاً بالدخول المسيحي فيه. وهو يجد أساساً له، بعد أعوام مضت على انقضاء عهد الإجماع على المقاومة، في جنوح يشبه الجنوح المسيحي أيضاً إلى الاستقلال بشبكات طائفية من المرافق المعدّة لخدمة الجماعة في وجوه حياتها المختلفة. هذا كله قد يمثّل تفسيراً مزدوجاً يرجع في آن إلى الظرف المباشر وإلى التطوّر الطويل المدّة نسبياً لتأييد التشكيلين الشيعيين مشروع “اللقاء الأرثوذكسي”. وهذا فيما يتعدّى الرغبة في ممالأة الحليف المسيحي. غير أن وجود الشيعة في وضع لا يزال إلى الآن قادراً على التحكّم بأقليات انتخابية لا يستهان بها من الطوائف الأخرى، قد يفسّر بدوره  قدراً من الفتور والتردّد خالط التأييد المشار إليه.

والسؤال الذي يطرح نفسه، بشأن المسيحيين خصوصاً وربما بشأن الشيعة أيضاً هو التالي: هل الأسلم للبنان ولكلّ من مكوّناته الطائفية مواجهة الضغوط والأخطار المرتقبة من الجوار السوري بمجتمع متداخل المكوّنات، موحّد المصير بسبب التداخل بين مكوّناته واضطرار كلّ منها إلى مداراة الأخرى، أم مواجهة تلك الضغوط والأخطار  بقبائل متعازلة يبحث كل منها عن سند خارجي (في سوريا أو في غيرها) يسعفه في حرب الجميع على الجميع؟ لم يقدّم مشروع اللقاء الأرثوذكسي جواب العقل المتروّي عن هذا السؤال. قدّم جواب الغريزة المذعورة أو المشرفة على الذعر.

ملاحظتان

تبقى ملاحظتان. الأولى أن معارضة التنظيمين الرئيسين السنّي والدرزي لمشروع اللقاء الأرثوذكسي لا تقلّ طائفية عن موالاة من والاه من مسيحيين وشيعة. وإنما تتحصّل المعارضة هنا من حساب انتخابي بسيط يتعلّق بالكسب والخسارة في انتخابات يرعاها هذا المشروع. وتتوجّه المعارضة نفسها، فيما يظهر، إلى الاقتراع النسبي الذي يوصي به المشروع قبل توجهها إلى التجزئة الطائفية للهيئة الناخبة.

الملاحظة الثانية موضوعها المرجعية الدستورية لمشروع “اللقاء الأرثوذكسي” وقد استغرق الجدل في موافقته ومخالفته للدستور جانباً من المشادّة الجارية بشأنه. هل المشروع موافق للدستور لأنه يحقّق المناصفة الفعلية والعدالة في التمثيل على ما زعم مناصروه أم هو مخالف للدستور لأنه يفرز الشعب ويضرب أساس العيش المشترك على ما زعم خصومه؟ المخالفة الكبرى للدستور في الواقع هي الاستمرار، بعد نيف وعشرين سنة من تعديله، في اعتماد التوزيع الطائفي لمقاعد مجلس النواب والمناصفة فيه بين المسلمين والمسيحيين. فهاتان صيغتان اعتبرهما الدستور المعدّل انتقاليتين وحدّد موعداً ملزماً (يكاد أن يمرّ على حلوله عقدان) لمباشرة الخروج منهما في نطاق ما سمّاه “إلغاء الطائفية السياسية”.

هذا التوجّه الذي تتواطأ القوى الطائفية (إلا ما رحم ربك) والمؤسسات الدستورية المشكّلة منها على تجاهله خلافاً للدستور ليس تفصيلاً أو شأناً يسكت عن إغفاله في نقاش من قبيل النقاش الجاري لقانون الانتخابات. هذا التوجّه يمثّل في مآله تغييراً إلزامياً بموجب الدستور للنظام السياسي اللبناني برمّته. فكيف يصحّ أن يفتح قانون الانتخاب مسلكاً مناقضاً له مناقضة كلية فيما يشبه الوداع للدستور المعتمد ولاتفاق الطائف الذي أملاه؟ إن كانت مناقضة الدستور تمليها مصلحة وطنية تفوقه سموّاً فليبدأ مسارها بتغيير الدستور نفسه وبدفن اتفاق الطائف بالمراسم المفروضة. فليس إلا جبناً ونفاقاً بحتاً أن يبحث للمشروع الأرثوذكسي عن مسوّغ أو عن سبب للبطلان في الدستور فيما الدستور كله، بديناميته العامّة المشتملة على تعديل النظام الانتخابي مع الهيكلة الجديدة للمؤسسات الدستورية، مكوّم بصمت تحت الأقدام الطائفية.

في 20 كانون الثاني 2013

ملحق: كلام في “مشروع الفراق” سبَق ظهوره بـ 17 سنة

ما يلي فقرات أخيرة من ورقة قدّمتُها (بالإنكليزية) في الندوة التي نظّمها مركز الدراسات اللبنانية في أكسفورد حول”إصلاح الأنظمة الانتخابية” وذلك في كانون الثاني 1996 . وقد ظهرت الورقة (بالعربية) في كتابي “الجمهورية المتقطّعة: مصائر الصيغة اللبنانية بعد اتّفاق الطائف”، دار النهار للنشر، بيروت 1999، ص 155-159.

“(…) لا بدّ من الإقرار إذن بأن عِبَر الاختبار التاريخي قد جعلت من الاحتفاظ بالقاعدتين الجغرافية والمذهبية كليهما على أنهما ركنان متساندان للنظام الانتخابي اختياراً واعياً يعبّر عن الحكمة الماثلة في الصيغة السياسية اللبنانية. وقد أمْلت الحكمة نفسها امتناعاً بات تقليدياً عن التضحية – في الظروف العاديّة على الأقلّ – بأي من الركنين عند اختيار أعضاء الحكومات. ونقع على هذه الحكمة نفسها أيضاً في أمرين آخرين متلازمين:

الأمر الأوّل أن الإقرار حاصل بوجود حاجة إلى تمثيل مناسب لكلّ من الطوائف في مؤسّسات الدولة. ولكن الإقرار حاصل أيضاً بوجوب الحؤول دون كلّ من الطوائف والاستقلال بحياة سياسية منعزلة تجسّدها أجهزة منفصلة لا يكون لها ما ترجوه ولا ما تخشاه من الفئات والقوى السياسية المنتمية إلى طوائف أخرى. بل إن الإقرار حاصل، بخلاف ذلك، بأن التمثيل ينبغي له أن يؤول إلى تكتّلات متنوّعة طائفياً ومتداخلة بحيث يحال دون الصراعات السياسية اليومية والجري على خطوط طائفية.

الأمر الثاني أن كون انتخاب ممثّلين لكلّ من الطوائف يتعلّق جزئياً بموقف جماعات تنتمي الطوائف أخرى إنما يعزّز الاعتدال في صفوف المرشّحين. فيكون على المتعصّبين والانعزاليين من هؤلاء أن يخشوا نبذاً كثيفاً من جهة الناخبين المنتمين إلى غير طائفتهم. والتمثيل النيابي، بخاصّة، مصمّم بحيث يغلّب الاختلاط والاعتدال في التكتّل السياسي.

ولقد كان لغياب الحرّية عن انتخابات 1992 نصيب من جعل مجلسنا النيابي، اليوم، بعيداً عن هذين الاختلاط والاعتدال. فإن حالة من الاستقطاب الطائفي الحادّ تسود بلادنا. ولم يكن لمجلس النوّاب الحالي، بتمثيله المحدود، أن يستوي ساحة لتدبير المواجهات السياسية التي هزّت البلاد في خلال السنوات الثلاث الفائتة. فآل الاستقطاب الطائفي إلى  أزمة دائمة في النظام. وغلب على الدولة أنها غنيمة تتنازع وتقتسم لا أنها بنيان يعاد إعلاؤه ويوطّد.(…)

ومهما يكن من شيء فإن الصيغة المذهبية ليست القاعدة الوحيدة التي يسع المجتمع الطائفي – بالمعنى الأعمّ – أن يرسو عليها. بل يمكن أن يتجزّأ المجتمع إلى وحدات قبلية أو إلى أقوام أو إلى قرى أو إلى مزيج من شبكات التضامن هذه جميعاً. في هذه الحالات، يجوز اعتبار دعم الجماعات الواسع للفساد ولاختلاس المال العامّ وما يتّصل بهما من مسالك دالّاً على وجود نوع من نظام المافيا (…).

ولعلنا لم نصل في لبنان بعد إلى اعتماد نظام من أنظمة المافيا تامّ السمات. على أن بعض الدلائل بات لها من القوّة ما يجعل من غير الجائز للآخذين بنصيب من المعرفة الاجتماعية والسياسية مواصلة تجاهلها. ولا بدّ من إعمال أدوات ديمقراطية عدّة – في رأسها قانون الانتخاب – ابتغاء مكافحة التبلّر المفرط لصور التضامن المذهبية والعشيرية وما جرى مجراها من أنواع العصبيات. ذاك همّ يبدو ملحّاً إذا أردنا حماية الحرّيات العامّة واستباق الانقلابات والاتّجاه نحو ديمقراطية تعزّز ما في مجتمعنا من تقاليد مستحسنة وتوطّدها. (…)

حوار مع جهاد بزي (السفير) حول الانتخابات

أحمد بيضون: الحرية بلا دولة القانون تسمح بالقتل وبتأليف السيمفونيات
جهاد بزي
هادئ أحمد بيضون. المثقف واللغوي والأكاديمي والباحث التاريخي والاجتماعي، الدكتور الموسوعي اختصاراً، يجلس في بيته الجميل في رأس بيروت. إذا حكى في السياسة، يرفعها إليه. يجردّها من غايات تحكم السياسيين، ومن مخاوف وأحقاد ومحاباة تحكم مواقفهم، ومن جهل يوصف العديد منهم به، في قضايا من المفترض أنهم خبراؤها.
لا يحكي في مجردات، ولا يعيش في صومعة. القارئ الممتاز للتاريخ كما للحاضر يعرف بمهارة الأستاذ الجامعي كيف يشرح الأفكار، كما يعرف كيف يرى إليها، بعيني المثقف.
الانتخابات ليست شأناً جديداً بالنسبة إليه. لديه أكثر من بحث حولها. وهو، في حواره مع «السفير» ناقش ليس القوانين الانتخابية وتأثيراتها وسلبياتها وإيجابياتها ومفاهيمها فحسب، بل ذهب في النقاش أبعد، إلى نقطتين سابقتين للانتخابات، وأكثر أهمية منها: النظام الطائفي ودولة القانون، أو بالأحرى، دولة غياب القانون.
أحمد بيضون في الحلقة الثانية من الحوار حول شؤون الانتخابات وشجون البلاد.. بعيداً عن حلبة صراع الديكة.

{ لماذا لا يوجد قانون انتخابات ثابت ودائم في لبنان؟
÷ لسنا وحيدين في هذا الموضوع. الدول تعدّل قوانين الانتخاب فيها وهو أمر جار وشائع. لكن الدول الديموقراطية الانموذجية لديها مزيد من الاستقرار في هذا الأمر، كفرنسا او انكلترا. ومع ذلك، فهذه الدول تشهد تغييرات. الحاصل في لبنان أن القوى الغالبة في مرحلة معينة على صعيد السلطة التنفيذية ومجلس النواب تريد الاحتفاظ بولاء الأغلبية اللبنانية لها وهي تلجأ إلى التغيير اذا شعرت ان ثمة خطراً على الأكثرية التي تتمتع بها. وفي حالات الانقسام الشديد في البلاد يصبح الامر حيوياً لكل من الطرفين وموضوع معركة.
{ هل من الصحي ألا يعرف المواطن القانون الذي يقترع على اساسه؟
÷ ليس صحياً بالطبع. يجب ان يكون معروفا ما هو القانون وأن تُشرح مسوّغاته وآلية عمله ويجب أن يفهم المقترع كيف يؤثر صوته في نتيجة الاقتراع. فإذا اعتمدت النسبية، مثلاً، نحن حيال نسبيتين: التمثيل الطائفي هو نسبية قائمة على الأنصبة المحفوظة للطوائف أصلا، وحين نضيف نسبية ثانية مركّبة فوق النسبية الأولى، فهذا أمر سيخضع لقواعد احتساب معقدة بحيث أن الناخب الذي يضع صوته في الصندوق لن يفهم كيف وبأي نتيجة خرج صوته. ويصبح الأمر أكثر تعقيداً بما لا يقاس إذا اعتمدنا قانون الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب (قانون فؤاد بطرس) الذي يقول بصيغة مركّبة، بحيث ينتخب قسم على القاعدة النسبية وقسم آخر على القاعدة الأكثرية، ويكون هناك نوعان من الدوائر متفاوتة الحجم، ويكون هناك صوتان تفضيليان لكل مقترع يعين بواسطتهما الاسمين اللذين يحوزان الأفضلية عنده من بين جميع الأسماء المعروضة. بذلك يصبح الاحتساب وتقرير النتائج معقداً بصورة يستحيل على الناخب غير المتخصص تخصصاً دقيقاً في علم الانتخابات أن يفهم كيف أدى صوته إلى هذه النتيجة.
{ ماذا عن قانون الستين؟
÷ الوحدة الانتخابية في قانون الستين هي القضاء. مشكلته انه يفتت إلى حد كبير التمثيل النيابي خصوصا أن مبدأ الأكثرية هو المعتمد. ويجعل نتائج الاقتراع مرهونة بمدى التلاحم الطائفي الذي يتفاوت بين طائفة وأخرى، وكما ينشئ في بعض الدوائر تبعية لنواب طائفة معينة للقيادة السياسية المنتمية إلى طائفة أخرى. وهذا سببه أن الاقضية غير متساوية في ما بينها وهي متفاوتة التمثيل لجهة عدد النواب فتجد مثلاً أقضية كبرى من قبيل الشوف أو بعلبك ـ الهرمل فيها من 8 إلى 10 نواب، في دائرة مثل جبيل تنتخب ثلاثة نواب فقط. مما يجعل للصوت تأثيراً متبايناً من دائرة إلى أخرى وإذا تمعّنا في الأمر وجدنا أنه يشكّل مطعناً في المساواة بين الناخبين. فان يؤثر ناخب في النتيجة المتعلقة بانتخاب عشرة نواب، بينما يؤثر آخر في انتخاب نائبين (بشري نموذجا) فقط يجعل للأول وزناً اكبر بكثير من الثاني.
أما مشكلته الأخرى فهي إتاحة نوع من التأثير الذي لا تستسيغه القيادات الطائفية لطائفة معينة في تمثيل طائفة أخرى. في بعلبك الهرمل، هناك مقعدان سني وكاثوليكي لكن الشيعة هم من يقررهما.
{ أي قانون هو فعلياً الاكثر تمثيلاً، النسبي او الاكثري؟ وعن أي مصالح يعبر كل منهما؟
÷ من يتوقع التراجع في الانتخابات المقبلة يفضل النسبية لأنها تمنعه من السقوط الذريع أمام خصومه. لكن من لديه تحالف كاسح، كالثنائي «حزب الله» و«حركة أمل»، يعلم أن النسبية لن تؤثر عليه، فيمضي بها، عارفاً ان الحريرية ستخسر من قوتها في حال اعتماد النسبية.
لكن النظام النسبي هو دائماً وفي جميع الحالات الاكثر تمثيلا. والافضل تعبيراً عن تنوع المشهد السياسي الشعبي. لكن تؤخذ أمور أخرى عليه منها أن التمثيل النسبي يضعف قاعدة الحكم، أي السلطة التنفيذية لأنه يمنع تشكيل اكثرية نيابية وطيدة ومستمرة إلى حين معين. ويؤدي إلى تعذر تشكيل حكومات او السقوط المتتابع والمتقارب للحكومات وهذا أمر سيء، لأن عدم استقرار الحكم أمر سيء، كما الاستقرار المفروض فرضاً للحكم أمر سيء.
{ ما هي معوقات التمثيل الانتخابي الحقيقي للبنانيين؟
÷ علّة التمثيل النيابي هي موقعه كتمثيل نيابي اساساً من نظام الحكم الطائفي، والتعديل في قانون الانتخاب يغير الكثير من الوقائع لكن لا يخرج نظام الحكم من مشكلته الرئيسية. لديك نظام انتخابي قائم على جغرافيا وهمية كلياً. انت تعد لوائح الشطب بناء على لوائح النفوس. في بلدة مثل «بنت جبيل» هناك خمسون الف مواطن ونصفهم ينتخب، افتراضاً. وبناء على هذا الرقم يحق لها بهذا العدد من النواب. لكن في الواقع بنت جبيل يقيم فيها 4000 مواطن ومنهم الفان يقترعون. انت قدرت تمثيل هذا البلد بناء على جغرافيا الوهم والآخرون الذين في بيروت او في الضاحية حرمتهم من التصويت في الاماكن التي يتقرر فيها كل شيء مهم يتعلق بحياتهم. ونقل النفوس، المسموح قانوناً، يعد غزواً متبادلاً بين الطوائف، وتقوم إثره ردات فعل طائفية. السبب في هذا الخلل هو الحفاظ على المبدأ الطائفي في التمثيل. اذا ألغيته لا يعود هناك مشكلة في تخيير هذا الشخص في الاقتراع مكان دفنه بعد عمر طويل، او مكان بيته وحياته.
المشكلة الثانية هي أن هناك فرض على كل الناس وتجنيد اجباري لهم في الطوائف، مرشحين كانوا أم ناخبين، مع أن هناك ناخبين ومرشحين لا يرون في الطائفة مرادفاً لتصورهم عن انفسهم. هؤلاء مفروض عليهم أن يترشحوا عن مقاعد طائفية، ويقترعوا في اقلام طائفية، ويكون النائب الفائز نائباً عن الطائفة وعن الامة معاً. كيف تركب هذه؟
{ هل من الممكن التخلص من هذا يوماً؟
÷ اتفاق الطائف قدم صيغة مجلس شيوخ تنطوي على ضمانات للطوائف، وصلاحياته هي ان يكون هيئة تمنع التمييز الطائفي، ليست هيئة طائفية تشرف على التوزيع والانصبة الطائفية بل تمنع التمييز بين الناس على اساس طائفي، يجب ان تكون اساس الصلاحيات التي يتمتع بها مجلس الشيوخ. في ما يتعدى ذلك، مجلس نواب ينتخب على قاعدة النسبية ومن دون توزيع طائفي. في هذه الحالة، سيقل عدد النواب المسيحيين، وفي نظام غير طائفي يجب التسليم بالأمر لأن من مشاكل النظام الحالي مشكلة المناصفة القائمة على وضع وهمي. لديك ثلثا الناخبين لديهم نصف عدد النواب، وهو أمر غير طبيعي. المنافقون يتجنبون التصريح في هذا الأمر، لكن يجب ان يترتب على الأمر مقتضاه: في نظام غير طائفي هو أمر أقرب الى المساواة والعدل ويجنّب كل الاطراف مشاكل في المستقبل، لأن هذه القصة اذا كانت مقبولة الآن فلا أحد يضمن أن تظل مقبولة بعد مدة من الزمن ومن الأفضل أن تحل بالتفاهم والحوار من أن تحل في جو أزمة.
{ هل الانتخابات هي من تقرر اذا كانت الدولة ديموقراطية أم لا؟
÷ لا. الانتخابات ليست وحدها المقررة. السمة الاولى للدولة الديموقراطية هي انها دولة قانون. ولبنان ليس دولة قانون لأن لا محاسبة فيه، وهناك وقائع مفروضة بالقوة على السلطة العامة، وهناك قرارات مهمة جدا لا تؤخذ ديموقراطياً في البلد بينها ما يتعلق بها مصيره. المؤكد ان النظام الانتخابي ليس وحده من يجعل البلد ديموقراطياً.
والنظام، بطائفيته، يحمي الفساد والجريمة وأنواعاً مختلفة من الخروج عن القانون حيث يخبّئ مجرم في مكان لا احد يستطيع أن يطاله، واذا كان مجرماً مهماً كفاية، يمكنه أن يتنزّه حيث يريد ولا يطاله أحد.
الركن الاول للدولة الديموقراطية هو أنها دولة قانون، وليس انها دولة انتخابات. والقانون ينص بين ما ينص عليه على الانتخابات والسيادة وتداول السلطة وحرية الرأي والمعتقد وكل الحريات المدنية والسياسية. كل هذه الامور متماسكة في النظام الديموقراطي. لا يمكنك أن تسحب ركناً اساسياً من هذه الأركان وتقول أنت في دولة ديموقراطية. ونحن لدينا قوانين كثيرة لكن ليس لدينا دولة قانون. هذا يؤدي الى نوع واحد من الحريات، يسمح لك بأن تقتل أو أن تؤلف سيمفونية. الحرية نفسها في لبنان تسمح لك بالأمرين. يمكنك هنا أن تحكي وتكتب بكثير من الحرية، وتجلس في المقهى وتثرثر كما تريد، ولا تتعرض لشيء، لكن ليس لأن القانون يكفلك، بل لأن هناك فوضى. بينما في دولة القانون، الحريات التي تتمتع بها، تظل تتمتع بها، لكن بكفالة القانون.

سمير فرنجية أو الإياب من أقاصي العنف

سمير فرنجية أو الإياب من أقاصي العنف[1]

 

أحمد بيضون

 

ضمير المتكلّم

في المقدمة التي وضعها جان بول سارتر لكتاب فرانز فانون معذّبو الأرض شكا الفيلسوف الفرنسي خلوّ التراث الأوروبي، بعد إنجلز، من تأمل يعتدّ به في العنف وموقعه من التاريخ… باستثناء ما سمّاه “ثرثرة جورج سوريل الفاشستية”. جاءت هذه الشكوى مقترنة بدعوة الأوروبيين إلى قراءة الكتاب: كتاب فانون على أنه كلام الضفة الأخرى، ضفة المقهورين، في مسألة العنف هذه.

حين يفتتح سمير فرنجية كتابه بتأمّل في العنف حفزته خبرته اللبنانية مقترنة بقراءته لرينيه جيرار، يحملنا على السؤال: كلام من هذا الذي نقرأه في الكتاب؟ والحق أنه إذا كانت هوية فانون وموقعه ماثلين لنا منذ الصفحة الأولى من كتابه، فإن شيئاً يصعب تعيينه باسم أو بوصف، في كتاب فرنجية، يغري باعتبار هوية الكاتب وموقعه محصّلة مسار: مسارٍ هو ما يترسّمه الكتاب وهو ما ينجلي الموقع والهوية عبر محطّاته فلا تسطع ملامحهما إلا في خواتيمه. حتى إن القارئ يوشك، بعد الانتهاء من قراءة الكتاب، أن يستشعر رغبة في تصفّح معكوس له يبدأ من آخره وينتهي إلى أوّله: تصفّحٍ ينطلق من الخواتيم الجازمة ليمنح ما يتخلل الصفحات من تردّد وشكّ مكتومين، يتصاعد حضورهما رجوعاً، ما يستحقّانه من إمعان نظر. فهذان التردّد والشكّ يميطان اللثام بأصدائهما النابضة في الجمل والفقرات عن الخبرة التي لا يسعها أن تصل في الجزم إلى حيث يصل التحليل وعن الإنسان الذي يخشى عواقب مقترحاته فيترك فيها من التحسّب ومن توقّع العثرات ما قد يستغني عنه السياسي الداعية أو المصلح المعوّل على القيم المعتمدة وعلى النظر المجرّد.

مع ذلك تتجاوب في صفحات الكتاب قوّة إقناع وشدّة أسر غامرتان. وما هاتان إلا مشاطرة الكاتب القارئ هذا المزيج من الحجّة ومن الشعور الذي أرهفته الخبرة بحدود الحجج كلها. هذا الشعور الأخير يغتذي ممّا يعاينه المتأمل من لبس واختلاط في معالم المشهد اللبناني ومن عسر في استخلاص إرادة جازمة أو إرادات تصح نسبتها إلى اللبنانيين. وهو يغتذي، في ما يلي اللبس والاختلاط هذين، من الصعوبة التي يلقاها من يحاول تعيين الوقع المحتمل لأي تدبير إصلاحي أي ما يمكن أن يفعله اللبنانيون بهذا التدبير وبأنفسهم أو بعضهم ببعض. وذاك أن كل ما يمكن عمله في هذه البلاد يحتمل أن ينقلب إلى شيء مغاير لما أراده الطالبون والملبّون. وهذا في حين لا يمكن فيه ادّعاء القدرة على البقاء بلا حراك، إذ لا يعدو زعم السكون (أو هو قد لا يعدو، في الأقلّ) أن يكون زيادة في سرعة الاندفاع إلى هاوية جديدة.

من هذا الباب، أحبّ أن أصرّح بانجذابي إلى ما في هذه الصفحات من غنائية مُلْجَمة، سارية في ما يتقدّم إلينا على أنه مزيج تتباين، من مسألة إلى مسألة، نِسَبُه من المعاينة أو الملاحظة وما يتبعهما من تركيب المشاهد ومن التفسير ومن تبين السبل المتاحة والإشارة إلى الأمثل من بينها. ولم يكن هذا شأني بالضرورة حين كنت أقع على كلام كتبه سمير فرنجية أو نطق به بما هو سياسي كان، على الدوام، واضح الانتساب إلى وسط معلوم في السياسة اللبنانية أو إلى جماعة بعينها من جماعاتها. كنت أعرف أن كلامه هو كلامه وأنه بعيد عن أن يكون كلام أي كان من وسطه أو من جماعته. وكنت، على الرغم من ذلك، أمضي معه شوطاً يطول أو يقصر ثم أقف غير مسلّم بهذه أو تلك من الحصائل. في هذا الكتاب يبقى الرجل هو نفسه ولا ينكر موقعاً ممّا تداوله من المواقع. ولكنّه يستعيد ههنا تجربة حياة تصبح أشدّ كثافة وأجزل مضامين كلما اقتربنا معه من يومنا هذا. وهو يبدو، في هذه الاستعادة، وقد بات عصيّاً أبلغ العصاوة على الردّ إلى جماعة أو وسط. هو هنا كل ما عاين وخبر وكل ما قال وفعل، ولكنه وجه وشخص لا يقوم مقام أحد (فرداً كان الأحد أم جماعة) ولا يقوم مقامه أحد. هو يمثّل نفسه ههنا فيستوي فوق التمثيل وفي خارج منطقه.

 

في “العنف الحكائي”

هذا وليس مرماي في هذه العجالة إلى إيجاز الكتاب. وإنما مرادي الحضّ على قراءته، وهو ما لا يمنع، في عرفي، من طرح الأسئلة وإبداء الملاحظات. نحن، مع هذا الكتاب، حيال محاولة نادرة لاتّخاذ نظرية بعينها في العنف، هي نظرية رينيه جيرار، دليلاً يُقرأ على هديه تاريخ لبنان المعاصر أو الشطر الأقرب إلينا من هذا التاريخ، في أدنى تقدير. وتقوم القراءة على لحظ اضمحلال أو تضعضع نسبي لفاعلية ما نسميه البنى التقليدية، أي العوائل والطوائف، على التخصيص، في سياسة الهويات والفوارق الجماعية التي كانت حتى أوائل عهود الاستقلال، تنتظم المجتمع اللبناني فتحدّد مسارب التبادل الرمزي فيه وتتحكّم في اقتصاد العنف الذي يطرح إمكانه، بالضرورة، وجود أغراض مشتركة يفترض أن تتشاطرها الجماعات، على اختلافها صفاتٍ وأحجاماً وعلاقات. والفرضية المعتمدة هنا هي أن ما يزكي غلبة العنف وإفلاته من عقاله ليس وجود الفوارق الراسخة التي تسوسها تقاليد مجمع عليها وإنما هو تضعضع الفوارق واستشراء التشابه الواقع بين أفراد متذرّرين يلفون أنفسهم عراة أو شبه عراة مما كانوا ينمازون به من انتماء يخصّهم ويؤمّنهم في نطاق جماعة. ذاك ما خلص إليه جيرار إذ افترض أن “حكائية” الرغبة تفضي، عبر تسلسل البدائل، إلى الاستغناء عن موضوع للرغبة يسوّغ العنف ما خلا ظهور الرغبة نفسها عند الآخر. هذا فيما كانت الماركسية قد استنبتت العنف من الندرة ورجّحت اقترانه بالثورة على خصم طبقي لن يسلّم ما بيده طوعاً فجعل إنجلز العنف، في عبارة شهيرة، قابلة للتاريخ. ثم جاء فرويد ليقرن العنف بالتعبير الغريزي عن الحياة ولينصبه، من الجهة الأخرى، في مواجهة الحياة، واحدة من غريزتين أساسيتين تصل جذورهما إلى أداء الجسم الحي لوظائفه… وإذا وجد ما يشترك فيه هؤلاء النظريون فهو جعلهم كبت العنف أو ضبطه وتنظيمه وظيفة رئيسة للأنظمة الاجتماعية أو، على الأعمّ، لحضارات البشر.

فأما أن تعدّ البنى التقليدية، في حال تماسكها، مقتدرة – على ما يؤكّده سمير فرنجية – في تدبير توزيع للهويات واقتصاد للعنف يحصره ويعقله بأصول وحدود معلومة فهذا أمر لا ريب فيه. ويكفي من هذا القبيل الاطلاع على الأعراف التي تنتظم حياة البداوة فتتحكّم في الغزو وفي الثارات وفي الصلح والديات، إلخ. ويكفي أن نستذكر، على سبيل المثال، ما كان يسمّى أيام العرب في الجاهلية وهي أيام اعتبر بعضها منتظماً في حروب استوت بطول مدّتها مضرب مثل: كحرب البسوس أو حرب داحس والغبراء. هذه الحروب كانت الواحدة منها لا تقتل في سنين ما تقتله اليوم، في ثوانٍ، سيّارة مفخّخة واحدة.

صحيح أيضاً أنه كان من اقتحام سلطة الدولة الجديدة، في بعض الحالات، حصون هذه الجماعات التقليدية في لبنان المعاصر ومن إنشائها صلات مباشرة بأفراد منها ونَظْم هؤلاء في أجهزتها وشبكاتها ما أخذ يمتحن تماسك هذه الجماعات ويهزّه. صحيح أيضاً أن مدّ الهجرة والهجرة الريفية شتّت شمل العائلات وأن بروز المتعلّمين والأثرياء من ذوي الطموح المستجدّ راح يمثّل تحدّياً لبيوت الزعامة والسلطة في العوائل وفي البلدات والقرى وفي أحياء المدن وضواحيها. على أنه يبدو لي أن انتشار “التشابه” بين الأفراد أو عري هؤلاء من فوارق تميّز انتماءهم وتحمي هوياتهم لم يكن غير ظاهرة هامشية، في الحالة اللبنانية، أو هو أقرب إلى أن يكون فرضية حملت الأفراد على استباق تفرّدهم واستفرادهم بإعادة الانتظام.

فإذا صحّ هذا كان علينا أن نضيف ملاحظة أخرى: وهي أن استفحال “التشابه” (بين الأفراد) أو “التسوية” (بمعنى التقارب في المستوى بين الجماعات)، في وجوه بعينها من الحياة الاجتماعية، يكون من شأنه، في حالات (من بينها، بلا ريب، حالة المجتمع اللبناني ابتداء من عشايا الحرب) أن يزيد من بروز التفاوت في وجوه أخرى وأن يشحن هذا التفاوت باحتمال العنف. فما كان الاحتجاج عليه محدوداً، من تفاوت بين مواقع الجماعات في النظام السياسي وكان يسوّغه أصحاب الحظوة بأنواع أخرى من التفاوت، لا يستغرب أن يصبح الاحتجاج عليه عارماً حين تتقارب الحظوظ من التعليم ومن الثروة، إلخ.

 

عوائل وطوائف…

هذا ولم يكن ما أشرنا إليه من إعادة انتظام للأفراد  انقطاعاً عن البنى التقليدية بعمومها. وإنما كانت الإعادة أقرب إلى اعتماد بعض من تلك البنى في مواجهة بعض. وإذا لم يكن من التسمية بدّ فإنه يجوز القول، دون افتراض للعمومية أو للبتّ، إن الطائفة الآخذة بناصية الحياة الحديثة من تعليم متنوع ومن تصرّف رأسمالي بالعمل وبالثروة قد استظهرت على العائلة، في ميزان للقوى متعدّد الأوضاع بتعدّد الحالات والمواقع. لم يتحصّل هذا الاستظهار لجميع الطوائف في الوقت عينه ولا بالنسبة نفسها. وإنما جاءت إليه تباعاً وعلى تفاوت في ما بينها فرضه تباين المسارات التاريخية والدواعي والإمكانات. بقي تبعثر الشبيبة الشيعية بين تنظيمات اليسار والأحزاب القومية، وهو التبعثر الذي يضرب مثلاً مفضّلاً على التذرّر وتداعي البنى التقليدية، ظاهرة أقرب إلى الهامشية في عينِ مَن عاينها وعرف حدودها، إذا هي قورنت بالثبات النسبي للزعامات العائلية، من جهة، وبالتوسّع المتدرّج لزعامة صريحة الصفة المذهبية وغامرة المدى الطائفي هي الزعامة الصدرية، من الجهة الأخرى. ولم تلبث هذه الظاهرة الأخيرة أن راحت تستوعب الأولى (أي التبعثر) ابتداء من أوائل السبعينات…

كانت مركزية سلطة الدولة وضرورة استيعاب ضغوط الهجرة الريفية على العائلات وعجز هذه الأخيرة عن حمل مطامح المتعلمين المسرعين إلى التكاثر، إلخ.، تزكّي كلها أفضلية الطائفة على العائلة، بما هي (أي الأفضلية) ظاهرة متصدّرة للمرحلة ولكن لا يمنع تصدّرُها صمودَ حالاتٍ مجانِبة لها ولا بقاءها هي نفسها عرضة للانتكاس. فإذا وُجد سلوك حكائي، بمصطلح جيرار، في العقد الذي سبق الحرب وفي الحرب نفسها، فإنما هو – في ما أرى – هذا التبلّر المتقابل للطوائف وليس تذرّر الوحدات التقليدية، بما هي حواضن للهويات، ولا ما يلي ذلك من استشراء التشابه بين الأفراد واضطراب بوصلات الهوية عندهم. هذا التقابل الحكائي جالب للعنف بالتأكيد، وهو ما يردّنا إلى جيرار ويزكّي أساس فرْضيّته. فهو (أي التقابل) في الواقع، استنفار يتنازع أطرافه أنصبة غير مقرّرة بأعرافٍ مُجْمَع عليها أو بتقاليد مستقرّة وهي أنصبتهم الخاضعة لموازين قوى متحرّكة في كل من الدولة والمجتمع. أو لنقل: في كل من الدولة والمدينة، فإن هذا أقرب إلى ماجريات النزاع اللبناني.

أقول إن السلوك الحكائي الذي اعتمدته الجماعات الطائفية تعزّز في العقد الذي سبق الحرب (فكان من مظاهره، مثلاً، نشوء الحلف الثلاثي وسقوط الشهابية في انتخابات 1968 النيابية) وظل يتعزّز في الحرب نفسها… والحال أن الحرب، بما هي عنف، كانت قابلة ممتازة لتبلـّر الطوائف. فالحرب، على نطاق البلاد، إنما تخاض بالطوائف أو بالتنظيمات الطائفية، بالأحرى، بما لهذه من بعد متصل بتكوين الدولة ومن مداخل إلى النزاع الإقليمي، فيما يستبعد أن تصلح لخوضها العائلات والأحلاف العائلية. ويستوي تبلّر الطوائف هذا مجلبة محتملة للعنف بعد أن يعزّزه العنف. وقد أشرنا إلى الأمر الأوّل ويكاد الثاني يستغني عن الإشارة. فمن البيّن أن العنف ينشئ الأسوار، من نفسية وحسّية، بين أطراف كانت إلى الأمس متخالطة وأنه، في كثير من حالاته، يتّخذ إنشاء هذه الأسوار وتمتينها أو ردع الرغبة في هدمها هدفاً صريحاً له. وفي الأقوال السائرة أن العنف يجرّ العنف وأن العنف دوّامة أو لولب (spirale بالفرنسية)… وفي هذا الكلام ما فيه من أثر الخبرة التاريخية وليس هو بالقول الذي جعل منه التكرار عادة لفظية فارغة.

 

طائفتان أم ثماني عشرة؟

ولم يكن توطّد الطائفية هذا ليمنع – بل كان يرجّح! – الاقتتال في صفوف كل من المعسكرين المتواجهين. وذاك أن الكلام على ديانتين تهيمنان متواجهتين في لبنان كان، على الدوام، كلام أناس ضعيفي المعرفة بالأرض أو خائفين من التصريح بما يعرفون وأن كثرة الطوائف أَوْقَعُ بكثير من هذه الإثنينية وأن هذا الوقع قد زاده الزمن وحوادثه قوّة. ولقد كان الميزان بين طوائف كل من الديانتين واحداً من الأسئلة التي افتُرِض أن الحرب جعلتها معلّقة ويسعها أن تأتي، في نهاية المطاف، بجواب جديد عنها. لم يكن التشكيل الجديد للبلاد بتظهير البعد الطائفي واستظهاره على ما عداه ليمنع أيضاً نوازع الهيمنة ونشوب الصراع بين المكوّنات السياسية لهذه الطائفة أو تلك. فإن الصراع على الطائفة الواحدة كان، في هذه البلاد، واحداً من المرامي الكبرى والأبعاد المحتومة للحرب الأهلية العامّة. حتى إذا عدتُ، بعد هذا، إلى العنف أو إلى أصله، تراءت لي ضرورته، لا في امّحاء الفوارق بل في ضرورة حملها على التحوّل إلى صوى ومعالم للتنازع. العنف هو ما يتكفل بهذا التحويل أو الغصب للفوارق. وهو يصطنع من هذه الأخيرة خنادق تزداد عمقاً كلما اشتدّ.

هذا يحملني على موافقة سمير فرنجية، بلا تحفّظ، على تقديمه التواصل على أنه هو، أو ما يسميه أهل الحوار بين الأديان، “حوار الحياة”، وليس مجرّد السلام أو المصالحة الإجرائية، نقيض العنف. وإنما أتحفّظ عن تفاؤل سمير فرنجية بما أعدنا تحصيله من هذا التواصل بعد خروجنا من الحرب. لا ريب أن أشياء مهمة قد استعيدت. ولكن الصورة الغالبة بقيت ما جاءت به الحرب من فرز في السكن وفي التعليم وفي الكثرة الكاثرة من مواضع التعامل والعمل وفي الانتظام السياسي ومن إفراط شعائري في مساق الاستعراض العدواني  للتدين، إلخ.، إلخ. بل إن كثيراً من ذلك مضى، بعد الحرب، شوطاً أبعد في التفاقم أو في التوطّد.

هذه الترسيمات التي ألجأ إليها لمحاورة فرضيات هي بمثابة المقدّمات النظرية لكتاب سمير فرنجية ومثلها أيضاً ما يعتمده المؤلف نفسه من ترسيمات لا ينبغي لها أن تعدّ ترياقاً لكلّ استعصاء نظري. فهي لا تستبعد، عند سمير فرنجية، ولا تستبعد في قراءتي لكتابه إبراز ما لهذه أو تلك من الحبكات التي جرّت موجة أو جولة من موجات العنف اللبناني وجولاته من فرادة. ما كان لحزب الله أن ينشأ، مثلاً، ولا أن يطبع بطابعه السنوات الأخيرة من الحرب وما تلاها من أعوام… ما كان له أن يشقّ حركة أمل ثم يرث، بالقوّة الصريحة، مقاومتها لإسرائيل ومقاومة الحركة الوطنية قبلها… ثم يوشك، بعد حين، أن يستتبعها أو هو يستتبعها فعلاً… ما كان له ذلك لولا أن ثورة إسلامية تسلّمت زمام الدولة الشيعية الكبرى في العالم سنة 1979 ثم نشأ محور ضمّها إلى سورية حافظ الأسد وأوصلها إلى موقع وجدت له أهمية جغراسية لا تضاهى هو الموقع الشيعي اللبناني. وليس أقدر من سمير فرنجية على الجمع في نصّ منسجم بين تفعيله للترسيمات العامّة واستعادته استعادة الفاعل المتأمل، للكبريات من وقائع المرحلة ولمكنونات ذاكرته من مبادرات أو معاينات كانت منه أو كان فيها، أخيراً.

 

مآثر…

لا أملك هنا أن أحصي واحدة واحدة جولات يأخذنا فيها هذا الكتاب باسطاً في كلّ منها ضوءاً غامراً على واحد من قطاعات خبراتنا أو محننا المعاصرة أو على وجه من وجوهها. أكتفي بالإشارة إلى مثالين: اللوحة الرفيعة السمت التي تعرضها الصفحات 75 إلى 80 من الطبعة الفرنسية لجلجلة الحياة اليومية في الحرب ولوجوه معاناتنا الحرب… وقبلها اللوحة الأخرى (وهي قد تفوقها بلاغة) لوجوه الدور السوري في الحروب اللبنانية وفي غدواتها ولأطوار هذا الدور، وهي ما نقف عليه في الصفحات 62 إلى 74. هنا وفي مواضع أخرى من الكتاب، نقع على مآثر في الإحاطة وفي دقة الوصف وبراعة التشخيص وفي الإيجاز الذي تعرف به البلاغة أيضاً.

وفي ما يتعدّى هذه الجولة وتلك، يجرؤ الكتاب على بتّ صريح للصلة بأنصار لبنانيين للسلام الأهلي طالما عللوا أنفسهم بالقول إن 4% من أهل البلاد يسألون عن الحرب فيما الباقون “مدنيون أبرياء”. المسؤولية عامّة – يقول فرنجية – ولا منجاة لأحد من وجه ما من وجوهها، وإن تكن الأدوار، ولا ريب، غير متكافئة. أمرٌ آخر أعدّه من مآثر هذا الكتاب هو إبرازه أهميّة ترميم “الذاكرة” العامّة أو تقويمها ليستقيم خروج فعليّ من الحرب. وهذه مهمّة لم تحظ إلى اليوم بما هو متوجّب لها من تبنّي المنابر المختلفة وعناية بؤر التفكير والحوار العاملة في البلاد. وهو ما يحمل فرنجية على  استذكار حارٍّ لمساعٍ، في هذا المضمار، يعلم أنها بقيت، على وجاهتها، متواضعة المدى والأثر…

لا أكتم إعجابي أيضاً بالإشارة إلى الصفة الوهمية لعَقْد يفترض أنه حصل بين الطوائف اللبنانية. وهذه إشارة ينطلق منها فرنجية إلى بسط تصوّره لإصلاح تفرضه حياة مشتركة لا مناص منها للأفراد ولا يأتي إملاءاً سياسياً أو تشريعياً من طوائف تحسب التوافق بينها غاية الغايات. من هذه الإشارة، تنطلق أيضاً قراءة فرنجية (وهي قراءة الخبير المصاحب) لاتفاق الطائف ولمكانة العيش المشترك من هذا الاتفاق وللدينامية التي يوجب هذا الاتفاق أن تضع البلاد على سكّة التحوّل إلى ما بات يسمّى “الدولة المدنية”… وهذا اصطلاح ابتدعه اللبنانيون لصيغة الإصلاح التي تراها ملائمة كثرة من طلاب الإصلاح بينهم. وهو أيضاً اصطلاح راح اليوم يشقّ سبيله بين طلاب التغيير العرب في مختلف أقطارهم حاملاً إلى حركات التغيير الجارية فيها ضرباً من “اللبننة” أحسن طلعة بكثير من “اللبننة” المشؤومة التي طبّق صيتها الآفاق في أعوام الحرب اللبنانية وبعدها.

 

مخالفة الختام

ما سبق يكفي وإن لم يكن مستوفياً كل ما أثارته في خاطري قراءة هذا الكتاب. ومع أن ما سبق يكفي فإنني أحب أن أختم كلامي بتصريح يرضي ميلي الغلاب إلى المخالفة. وهو أنني لا أوافق سمير فرنجية على تشخيصه لما كانته تظاهرة 14 آذار ولما شهدته الحركة المسمّاة باسمها من أطوار وصولاً إلى البؤس والذواء اللذين يسمانها اليوم. هذا التشخيص الذي يستغرق جملة من الصفحات في كتاب فرنجية ويمثّل ركناً فيه لا تصحّ نسبته إلى المؤلف وحده. بل هو، في ما خلا بعض التفاصيل، تشخيص منتشر. وخلاصته نسبة مفاعيل تجديدية عظيمة للتكوين السياسي الاجتماعي اللبناني إلى التظاهرة وإلى ما تلاها. تلك مفاعيل لا أراها، من جهتي، على القدر المنسوب إليها من قوّة التجديد ولا على أقلّ منه. ولأوضح أن هذه المخالفة – مخالفتي – ليست بنت اليوم:  فقد باشرتها في آذار 2005 عينه وأتيحت لي مذّاك أربع مناسبات أو خمس للتعبير عنها وبسط أسانيدها. لذا لن أعود إلى هذا الموضوع هنا. فقد تعبت منه وأحسبني لم أقنع أحداً من أولي الأمر. كذلك تعبت حركة 14 آذار من نفسها ومن دعاواها القديمة أيضاً.

[1]  قراءة لكتاب سمير فرنجية Voyage au Bout de la Violence, L’Orient des Livres et  Actes Sud, Beyrouth Paris 2011

أعدّ ت لندوة انعقدت حول الكتاب في نطاق المهرجان اللبناني للكتاب، أنطلياس في 5 آذار 2012، ونُشرت في فصلية كلمن، العدد 6، ربيع 2012.

أحمد بيضون… علم المعاني والمباني – جريدة الجريدة الكويتية

صدر عن الجامعة الأنطونية في بيروت كتاب «أحمد بيضون علم المعاني والمباني»، ويتضمّن سيرة المفكر الأكاديمية والمهنية ومؤلفاته، بالإضافة إلى دراسات حول نتاجه وشهادات فيه. يندرج الكتاب ضمن «اسم علم»،…
— Read on www.aljarida.com/articles/1461991240572351600/amp

لقاءٌ مع عبّاس بيضون (السفير) حول كتابي: رياض الصلح في زمانه

 أحمد بيضون: كان رياض الصلح زعيماً عربياً وهذا ما يميّزه
 عن زعامات محلية فقيرة تفوقه انتخابياً بأشواط ، أوجدت الانقلابات دمغاً سلبياً لمرحلة ما قبلها بوصفها حالة رجعية مع أنها ليست استثناء
الكاتب: عباس بيضون (السفير)

التّصنيف: لقاء

التاريخ: Friday, April 22

كتاب أحمد بيضون «رياض الصلح في زمانه» بمثابة تاريخ للعهد الاستقلالي في لبنان، لكنه أيضاً هذا العهد الاستقلالي في محيطه وزمانه، أنه ما أنتج بين النضالات الاستقلالية وبخاصة بين لبنان وسوريا اللتين يقع رياض الصلح اللبناني السوري عند نقطة تقاطعهما. إنه أيضاً حرب فلسطين وتأسيس الجامعة العربية ثم انه تكوين لبنان على الصورة التي ارتسمت له بعد ذلك. بما فيها من مشادات طائفية وغير طائفية. نجد هنا البذور الأولى للسباق الديموغرافي والتوجس الديموغرافي. كما نجد هنا، وفي شخصية رياض الصلح بالخصوص واما تجاذب لبنان حتى نهايات الحرب الأهلية الحالية من لبنانية وعروبة وسورنة. سيكون رياض الصلح لذلك مؤسساً حقيقياً للبنان الحالي. بل هو الأكثر جدارة بهذه الصفة، لقد أوجد الجسر بين الهويات الثلاث بقدر ما أوجد الميثاق التأسيسي اللبناني.

كتاب أحمد بيضون هو هذا التاريخ الذي تتقاطع فيه دوائر لبنانية وعربية واقليمية ودولية. بيد أن هذا التقاطع لم يؤثر البتة على إشراق الأسلوب وسلاسته، وهذا التشابك لم يجعل بنيان الكتاب شائكاً فهو كان يرتفع لبنة ولبنة ويتكامل ويتسق بحيث إن «رياض الصلح في زمانه» عمارة حقيقية فيها من السرد ما فيها من التحليل ومن التشعب ما فيها من الوحدة. كتــاب أحمد بيضــون يرينا من قريب أن للبنان تاريخاً وانه تاريخ اولاً لا جملة ملاحم دمويــة متتابــعة متسلسلة، ويكمن لكتاب في نزاهته وقوته ان يكون أيضاً تأسيــسياً لكتابة تاريخ للبنان لا يضيع في مطالب طوائفه وصراعاتها.

÷ إضافة إلى التكليف وما فوق التكليف، ما هو الدافع لدراسة شخصية كرياض الصلح؟

} أولاً لديّ دافع شخصي هو الرغبة بالتجريد. فأنا احب أن ادخل إلى نوع كتابي جديد لم يسبق لي ممارسته. وهذا النوع الآن هو محاولة وضع سيرة. ثانياً يوجد أيضاً دافع مهني، مفاده أنني لما ابتدأت بالاهتمام برياض الصلح منذ أواسط التسعينيات (1995-1997) وُضعت بتصرفي محفوظات هي عبارة عن قصاصات صحف. وكان يبدو ان هذه القصاصات بذل عليها جهد مضنٍ سواء في جمعها ام في نسخها، ويبدو انها أخضعت لبرنامج تقني حاسوبي، في وقت لم يكن شائعاً هذا بين الناس آنذاك. وهذه ببساطة تشكل إغراء كبيراً لباحث سبق له ان اهتم بتاريخ لبنان. وقد بذلتُ لاستكمال هذا البحث مدة سنة ونصف متواصلة، إضافة إلى مساعدين عديدين في ورشة البحث. ثم ان هذه الوثائق تتناول رجلاً من رجالات لبنان وتشكل قاعدة معلومية غنية تستحق العناء خاصة انني أضفت لها بعض وثائق المحفوظات البريطانية والفرنسية التي تعنى بلبنان وتتعلق بمرحلة رياض الصلح وتطال تقريباً النصف الأول من القرن العشرين.

جمعنا آلاف الوثائق المنظمة، وفي الوقت نفسه سعيت لجمع وتكوين مكتبة صغيرة متخصصة بالموضوع. اما فيما يتعلق بالصحف وبتصوير الكتب المتعلقة بالموضوع وغير الموجودة في المكتبات التجارية كنا نعتمد أساساً على مكتبتي الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية واحياناً على غيرهما. كذلك اعتمدنا على مؤسسة المحفوظات الوطنية التي صورنا منها محاضر مجلس النواب في المرحلة التي كان فيها رياض الصلح نائباً. ولاحقاً تم تسجيل تلك المحاضر على أقراص مدمجة اما نحن فاضطررنا لتصوير تلك المحاضر ورقة ورقة.

ثالثاً هناك دافع ثالث هو تأريخ رياض الصلح هذه المرحلة من خلاله في ظل عدم وجود أرشفة موثقة. وهناك حافز لإعادة النظر ومحاولة التجاوز. وهناك ظلم حصل باشرته فترة المحاولات الانقلابية في سوريا ومصر التي حفلت بها فترة ما بين الحربين العالميتين حينذاك واستطالت إلى ما بعد الحرب الثانية بسنوات عدة. وفي لبنان حصل انقلاب سنة 1952 سُّمي «الثورة البيضاء» أزاح رئيس الجمهورية بشارة الخوري من الحكم. وقد أوجدت الانقلابات مناخاً عاماً يشبه إلى حد كبير دمغاً سلبياً لمرحلة ما قبلها، حتى أصبح يسهل تقويمها بوصفها حالة رجعية ظلامية وتبعية وما إلى ذلك، طال هذا الدمغ كل المرحلة السابقة بدءاً من الثورة العربية الأولى مع الشريف حسين إبان الحرب الأولى من دون ان يكون مسموحاً الدخول في التفاصيل والتمييز بين الجوانب السلبية والإيجابية، وهذه عادة حالة تفرزها الانقلابات، لكنها كانت بارزة في مصر اكثر مما في لبنان، حتى اعتبرت المرحلة الملكية فيها وكأنها ألقيت في مكب نفايات.

من ناحيتي كنت اريد من خلال البحث في رياض الصلح ان ارى الوضع على حقيقته، وكما كان يراه هؤلاء الأشخاص في حياتهم في محاولة إنصاف لهم. فالناس عاصروا رياض الصلح في لبنان وفي الجنوب باعتباره جنوبياً ونائباً عن الجنوب، كأبي ومجايليه، كنا نتساءل هل الواقع هو كما أوحي إلينا، من أن هؤلاء السياسيين كانوا بالفعل حينذاك لا قضية لهم سوى مناصبهم ومصالحهم الخاصة؟ او انه يوجد ما يستحق النظر واستعادة الرواية. وأنا توصلت إلى جواب على هذا السؤال.

ذلك الجيل كغيره من الأجيال، ليس أهم ولا أعظم ولا أقل أهمية من جيلنا نحن مثلاً، او من الجيل الذي سبقه. هكذا يجب النظر إليه وإلى الأدوار التي أداها بالقدر الممكن من الموضوعية ومن دون تجنٍّ مبني على مقاييس لاحقة فرضت فرضاً، وشكلت زوايا إجبارية للنظر إلى الأشخاص وإلى المرحلة.

وهناك سبب آخر يتعلق بجاذبية رياض الصلح نفسه. فمنذ بدء النظر في الوثائق التي ذكرت منذ بداية التسعينيات. أثارني الصلح بصفاته كسياسي، وهذا أيضاً سبب مهم لمتابعة هذا الموضوع، منذ تلك الفترة وإن بتقطع، لكن في السنوات الخمس الأخيرة تفرّغت للموضوع.

لماذا رياض الصلح؟

÷ لبنانياً، العودة إلى رياض الصلح، كشخصية وتجسيداً لمرحلة وزمن، هي عودة إلى الزمن الاستقلالي، أي إلى جيل ضمّ آخرين غير رياض الصلح، لماذا لم يتمتع الآخرون بالعناية نفسها؟

} يمكن القول حالياً إن هذا مما أمكن تعويضه في حالات عدة، وليس فقط في حالة رياض الصلح، كذلك يمكن القول إن رياض الصلح هو اكثر الشخصيات المهمة والتي كانت لا تزال مهملة، إذ كان يوجد فقط كتاب صغير عن رياض الصلح كتبه هلال الصلح، وأساسه اطروحة دكتوراه. غير هذا لم يوجد شيء آخر عن رياض الصلح. اما بالنسبة لشخصية مثل بشارة الخوري فقد أنصف نفسه إذ ترك مذكرات من 3 مجلدات، تحكي عنه، لذلك لا توجد مشكلة اسمها بشارة الخوري في هذا المجال.. وأعتقد انه يوجد أشخاص آخرون يتم العمل عليهم الآن. أما رياض الصلح فصدر عنه كتابان أحدهما لباتريك سيل والآخر لكمال الصلح، وهناك كتاب عن عبد الحميد كرامي لنصري الصايغ وكتاب آخر عن مجيد أرسلان.

هناك أيضا السِّيَر إذ نجد اناساً كتبوا الكثير عن هذه المرحلة منهم من كتبوا مذكرات رائعة، كمذكرات عادل أرسلان المنشورة في حوالى 5 مجلدات، وهو معروف بأنه لبناني سوري، منها أيضاً مذكرات خالد العظم، رغم انها اقل ألقاً من سابقتها، لكنها تشكل مصدراً جيداً للمعلومات لمتابعة السياسة السورية والعربية في تلك المرحلة. وكذلك هناك كتب صادرة منها عن هاشم الأتاسي، كذلك عن نوري السعيد..

في هذه الحال ينوجد في المرء شعور عند معالجة مرحلة بهدف إنصافها وإنصاف رجالها ليس لتبجيلهم وتبجيلها بل من الضروري رفع نوع من الحظر على الرغبة المجردة المسبقة في إعدامهم مثلاً. ويبدو أن هذا الشعور ليس خاصاً بي فقط بل هو عام بدرجة ما بدليل كثرة الكتب التي تصدر وتتناول المرحلة نفسها.

÷ هل هذا له علاقة بالظرف اللبناني الحالي؟

} أعتقد ان له علاقة بالظرف اللبناني وبالظرف العربي، ومن المؤكد اننا أصبحنا في واقع يمكن وضعه تحت عنوان عام انه خارج جو المرحلة الناصرية ومقاييسها، ولأن إعادة النظر في المرحلة يستعرض مشاكلها وسوءاتها، من هنا نشأت الحاجة إلى العودة والشعور بالحاجة للبحث في المرحلة الاستقلالية.

÷ هل مقتل رياض الصلح كرئيس وزراء يستدعي في محل ما اغتيال رئيس وزراء آخر هو رفيق الحريري؟

} منذ حوالى شهرين نشرت محاضر عن محادثات كان أجراها رياض الصلح في باريس عام 1948 مع ألياهو سيسون ومساعده طوبيا أرزي، خلال حضوره لدورة الأمم المتحدة في باريس حينذاك وكانت الحرب الفلسطينية لا تزال مستمرة في اواخرها، وخلال تلك المحادثات احتلت إسرائيل جزءاً من الأراضي والمناطق اللبنانية الجنوبية. وفي آخر استعراض أجراه الباحث الذي يعمل في مركز أبحاث يديره عزمي بشارة يوجد سطران مفادهما انه خلال تلك المحادثات أعدت خطة صهيونية لاغتيال رياض الصلح في بيروت استمر إعدادها ومحاولات تنفيذها أشهراً عدة ثم ألغيت لاحقاً. ما يؤدي إلى الاستنتاج أنه إذا كان الصهاينة يريدون اغتيال رياض الصلح ما الذي يمنع أن نقول إنهم قتلوا رفيق الحريري؟

ورأيي أن هذه القفزة فيها خفة كافية، وحتى يقفز الواحد لا بد أن يكون خفيفاً (يضحك)، لذلك لا معنى لها إطلاقاً وغير واردة.

المشروع

÷ في موضع من الكتاب وردت عبارة «مشروع رياض الصلح». هل يمكننا ان نتكلم عن مشروع رياض الصلح؟

} لا أذكر ورود عبارة بهذه الصيغة بالضبط او بالمعنى المستفاد منها، لكني اعتقد أن المقصود هو الكلام عن الزعامة. لكن ما يمكننا الحكي عنه هو وجود رياض الصلح ضمن مشروع كبير أوسع من رياض الصلح، لدخول قادة عديدين فيه. هو مشروع تنفيذ الاستقلالات في البلاد العربية وتحديد موقع العرب في النظام العالمي الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية وشهد ولادة جمعية الأمم المتحدة. وهذه مشكلة مطروحة، على العرب خاصة في السياق التاريخي لعلاقة الدول الغربية الكبرى بالعرب، خاصة بريطانيا التي كانت تاركة مسائل هذا الإرث قيد التصفية، وكذلك في اميركا التي كانت تتقدم بسرعة إلى قيادة نظام عالمي جديد، خاصة انه كان مطروحاً كيفية الدخول في حالة الحرب الباردة، التي بدأت نذرها سنة 1948.

وعلى الصعيد العربي كان واضحاً أن الخيارات كلها هي خيارات استقلال الدول. وأن الجامعة العربية رغم انها كانت في سنواتها الأولى لكنها عند إنشائها كانت مشروعاً بالغ الأهمية وإطاراً يتوخى منه ان يكون بديلاً عن الاتحاد العربي. والحقيقة أن لبنان كدولة كان من الأطراف الأساسية التي لجمت تطور الجامعة العربية عن توليد واقع عربي أرفع وأقوى. لأن لبنان كان مهجوساً بالسيادة والاستقلال بالعلاقة مع المنظومة العربية، كحالة كل الدول الصغيرة التي يبرز فيها الهاجس الاستقلالي، وربما أيضاً بسبب الحالة المسيحية فيه.

دور رياض الصلح كان في هذا الإطار، اتسم بأقصى المرونة وباحتراف كبير جداً، وكما يقال انه سياسي 24 ساعة/ 24، باستقراء لبوصلة الاتجاه الوطني اللبناني مع أفق عربي.

÷ كأنه انتقال من وحدوي إلى استقلالي هل ينبئ هذا عن استشراف للحاضر.

} نعم بكل تأكيد. وهنا يبدو لدينا نمط من انماط العروبة، نزعة استقلالية غلبت في كل الأقطار التي تشكلت منها الجامعة العربية. حتى في سوريا، التي يبدو ان وحدويتها تطرح مشاكل على جيرانها، بروح هجومية في الموضوع الوحدوي، في ذلك الوقت لم تكن تلك الهجومية سائدة إطلاقاً، ولما سادت في مرحلة لاحقة كما في مرحلة انقلاب سامي الحناوي مثلاً فتشكلت الوحدة السورية العراقية التي استمرت أشهراً قليلة، ولاحقاً تمت الإطاحة بالرجل وبفكرته، وعندما أعقبه الشيشكلي بانقلاب مماثل عليه لم يكن بالوارد الوحدوي نفسه.

رياض الصلح تحديداً وبالدرجة الأولى هو من الأشخاص الذين سلموا بالاستقلالية السورية كما كانت مجسدة أيام شكري القوتلي وسعدالله الجابري وجميل مردم، حيث أصبحت سوريا مستقرة بحالة معينة موجودة داخلها وليس في تطلّعها إلى حالة موجودة خارجها أساساً. ورياض الصلح كان طيلة عشرين سنة من حياته السياسية جزءاً من الحركة الوطنية السورية وسيرته في الحكم كانت تقبُّل هذا الأمر. ومنذ اواخر العشرينيات وطيلة الثلاثينيات بدأ يعطي الأولوية للاستقلال كخيار. وعنده في موضوع الوحدة والاستقلال، أن شعار الاستقلال يتقدم على شعار الوحدة، التي هي موضوع خاضع لاختيار الأوطان. الوحدة لا تفرض فرضاً وينظر فيها عند تحقيق الاستقلال. وكان لديه حساب مفاده أن الوجود الصهيوني لن يكون عندئذ غريباً عنه، فإذا غلبت المنظور الوحدوي ستكون النتيجة فعلياً كيانات أقليات ستحتل ساحل بلاد الشام كله: صهاينة في فلسطين، شيعة في جنوب لبنان، دروز شمالي صيدا، علويين في الساحل السوري. أي أن هناك احتمالات ومشاريع عدة يمكنها أن تنهي الكيان الوطني في المنطقة الذي يتمثل بكيانات ثلاثة هي الكيان السوري، الكيان اللبناني والكيان الفلسطيني… فتكون الحصيلة عكس المراد نفسه تماماً من مطلب الوحدة.

هذه التحسبات تبدو واضحة جداً في سيرة رياض الصلح، وكانت اختياراته حكيمة جداً في سياسته.

الزعامة

÷ يلفتني أن هذه الزعامة التي كانت مشتتة بين طوائف ومناطق متعددة ومن دون أي تركيز في منطقة ما او في طائفة ما، جعل منها زعامة وطنية في وقت لم تكن تستطيع فيه ان توصل نائباً إلى الندوة النيابية. إذ انها ضعيفة على المستوى الطائفي والمناطقي.

صحيح. فرياض الصلح كزعيم يرغب بالدخول إلى مؤسسة الحكم في لبنان كان عالة على شخصية مثل أحمد الأسعد. وكان فعلاً أقلوياً في كل المناطق التي يدخل فيها. إنما الذي كان يميزه هو انتشاره ونفوذه في صيدا مثلاً وبيروت وطرابلس والبقاع وفي حلب والشام والقدس، عدا ان لديه كلمة مسموعة من مؤيديه ويعتبرون رأيه ويستقبلونه كزعيم. هذا الانتشار والتشتت بالطبع يؤدي إلى وضع غير متركز وغير قابل للتركز في كتلة ناخبة أو في كتلة نيابية ما، فلم يكن لديه مرة واحدة كتلة نيابية بعد دخوله إلى المجلس النيابي رغم تأخره في الدخول حتى عام 1943، بعد محاولتين عام 1925 وعام 1939 لم يحالفه الحظ فيهما، وفي دورات اخرى لم يترشح إما لأنه كان منفياً وإما لأنه لم يكن له حظ بالترشح.

كان رياض الصلح ينسج شبكة علاقات واسعة جداً مع الطيف السياسي والاجتماعي والاقتصادي العربي، وكان الناس يصنفونه في هذا المستوى من شبكة العلاقات، فهو من دون شك زعيم عربي وليس زعيم منطقة لبنانية او حي في مدينة أو جزء منها أو زعيم «شقفة من بيروت». بل هو قطب من أقطاب بلاد الشام كلها. وقدرته كسياسي والحظ التي توفر له بأن ينفى لسنوات طويلة تمكن خلالها أن ينسج شبكة علاقاته الواسعة في الخارج عربياً في المغرب مثلاً، ودولياً خصوصاً في بريطانيا وفرنسا.

شبكة العلاقات والمعارف التي كانت لزعامة رياض الصلح كانت تميزه تماماً عن زعامة محلية مغلقة وفقيرة في علاقاتها لكنها كانت أقوى منه انتخابياً بأشواط، رغم أنها غير قادرة على تجاوز مناطقها وأفقها المحدود المغلق.

÷ بهذا المعنى كان له ثقل دولي وثقل عربي فضلاً عن نظرته الاستشرافية..

} صحيح. بكل تأكيد. عندما تبنى الزعامة على هذا الأساس الواسع يؤدي إلى تغيير معنى الزعامة وطبيعتها. وهنا فرق كبير بين أن يكون المرء زعيماً في جنوب لبنان ويسوس خلافات عائلات ويطالب بحقوق طائفة فتكون زعامته والحالة هذه بالضرورة زعامة عصبية وفي أحسن الأحوال زعامة طائفية قائمة على توليف لعصبيات اهلية. هذا يختلف جداً عن زعامة اخرى تتعاطى باستقلال الدول العربية وتبني علاقات مع فرنسا وبريطانيا لمتابعة قضايا فلسطين من جنيف سنوات عديدة، وهو ليس فلسطينياً او سورياً بالمعنى الضيق للكلمة، ووضع جهده في مصاف آخر غير العصبيات الأهلية وإرهاصاتها وهو استقلال الدول العربية وإنجازه بعلاقات متكافئة مع الدول الكبرى واستبدال الانتدابات بمعاهدات، هكذا نكون أمام زعامة عربية مختلفة عن الزعامة المحلية. هذا بعض مما كان يميز رياض الصلح.

حتى ان زعماء سياسيين كباراً وجدوا انهم بحاجة للاستعانة بنفوذ رياض الصلح وعلاقاته خلال مناسبة التفاوض على المعاهدة السورية الفرنسية عام 1936، فرافق الوفد السوري للمفاوضات من دون أن يكون بإمكانه ان يكون عضواً فيه لأنه لبناني، ولكون الفرنسيين مؤسسين للبنان الكبير والمستقل حيث لا يقدر لبنانياً أن يتفاوض من ضمن الوفد السوري، لذلك رافق الوفد كناشط وكمستشارـ ولعب من خلال هاتين الصفتين دوراً كبيراً في التجاذبات التفاوضية لإنجاح المفاوضات على المعاهدة.

فلسطين وإعدام سعاده

÷ لو عرجنا على مرحلة الحرب الإسرائيلية الفلسطينية التي استدعت تهم الخيانة والتآمر… أين كان في هذه الحرب رياض الصلح؟

} في الحرب الفلسطينية بذل رياض الصلح جهداً هائلاً، حتى بالمعنى الجسدي تمثل بالتنقل الكثير خلال الحرب، بين بيروت والشام وعمان والقاهرة وبغداد والرياض، رغم صعوبات التنقل حينذاك التي لا تقاس بالتقدم الذي هو اليوم.

في أواخر 1948 بقي في باريس 3 أشهر يتابع ويناضل للاستحصال على قرار من جمعية الأمم المتحدة لمصلحة الفلسطينيين. وهو القرار الذي صدر تحت الرقم 194 الشهير وهو القرار المرجع الأهم لحق العودة المعترف به الآن دولياً. والدور المهم لاستصداره لرياض الصلح ولفارس الخوري الذي كان رئيس الوفد السوري إلى الأمم المتحدة حينذاك.

رياض الصلح بمقدار ما كان شريكاً ناشطاً في الحرب كانت مهمته الرئيسة هي تذليل الخلافات العربية عشية الحرب وأثناءها وبعدها في مهمة وساطة بين أقطاب الحرب وهم رؤساء بلاد إما أهم من لبنان استراتيجياً في الحرب الفلسطينية مثل الأردن، وإما بلاد عربية كبرى مثل مصر والعراق. فكان اهتمامه الرئيس أن يصل القادة معاً أمام كل محطة وامام كل مرحلة في مواجهة الحرب إلى موقف مشترك. لكن لما دنا موقف المحاسبة والمساءلة على الهزيمة، اعتبر رياض الصلح واحداً من رؤساء هذه الدول التي خاضت الحرب وانهزمت وخسرت فلسطين. واختزلت المعادلة في اعتباره واحداً ممن ضيّعوا فلسطين كفاروق في مصر وعبد الإله ونوري السعيد في العراق وشكري القوتلي في سوريا، كما ضيّعها الملك عبدالله في الأردن خصوصاً.

لم ينظر أحد في هذه الحالة إلى رياض الصلح وإمكاناته المحدودة وإلى انه رئيس وزراء لدولة صغيرة في لبنان، لم تستلم جيشها المحدود الإمكانات إلا قبل سنتين او ثلاث من الحرب وهو في طور البناء الأولي والإعداد، ولا يتعدى عديده 4000 عسكري لا تكفي حتى لحفظ الأمن الداخلي، بينما كان الصهاينة قادرين على تجنيد حوالى 90 ألف عسكري في فلسطين في مواجهة جيوش الدول العربية قاطبة.

وقد أصبح واضحاً من الكتب التي صدرت خلال العشرين سنة الماضية ان القدرة الصهيونية العسكرية كانت تتجاوز عدداً وقدرة بأشواط كل الجيوش العربية مجتمعة. ناهيك عن التسليح والتنظيم ووحدة الخطة ووحدة القيادة وغيرها من عوامل التفوق.

هكذا تم الحساب وصار رياض الصلح واحداً من القادة المخذولين المهزومين الذين لم يُعدّوا العدة الكافية للحرب والذين ضيّعوا فلسطين بالنتيجة.

÷ نعود إلى مسألة مهمة تتعلق برياض الصلح هي ما يقال عن مسؤوليته عن إعدام انطون سعاده، فمن الكتاب نفهم أن ليس أكثر من مسؤولية من غيره من أركان الدولة اللبنانية حينذاك، ففي الوقت الذي حرّض حبيب أبو شهلا (روم أرثوذوكس) على الإعدام رفض رياض الصلح إعطاء رأيه.. } صحيح. مسؤولية رياض الصلح في إعدام أنطون سعاده تتشكل في انه المسؤول الأول عن القبض على أنطون سعاده. لكنه ليس المسؤول الأول عن إعدامه. وهذه الخلاصة أثبتتها شهادة فريد شهاب، المدير العام للأمن العام اللبناني، الذي كان الجهة المتابعة تفصيلياً في عملية انطون سعاده، فشهاب هو الذي ذهب لاستلام سعاده من الشام، وهو الذي قام بالتنسيقات والمساعي الأمنية التي أدت للاستلام، وهو الذي يعرف أنطون سعاده أصلاً منذ الثلاثينيات.

روى شهاب في مذكرات كان يحتفظ بها لاستعماله الشخصي وهي ليست معدة للنشر، وعرفت بعد موته، كان هذا واضحاً من طريقة إعدادها وتبويبها غير المتسق بسبب ارتجال التدوين الآني لمعلومات يعرفها فيدوّنها بسرعة من دون تبويب كاف. تظهر تلك المذكرات تنصل الصلح من الإعدام اولاً، لأنه كما قال لرئيس الجمهورية بشارة الخوري حينذاك «أنا لا أحبّ الإعدام، ثم ان الرجل مسيحي، أنتو قرروا انا ما خصّني».

هذا الوضع أكثر وطأة على الجهة التي نفذت اغتيال رياض الصلح، وهو الحزب القومي، رغم ان الحزب القومي كانت لديه لائحة من الأشخاص المسؤولين عن اغتيال أنطون سعاده، منهم بشارة الخوري والمدّعي العام يوسف شربل والذي جرت محاولة اغتياله لكنه جرح من جرائها وأُقعد ولم يمت.

بعد معرفة موقف رياض الصلح الفعلي من إعدام انطون سعاده، يصبح الموقف من اغتيال رياض الصلح أصعب تحمّلاً من الناحية السياسية والتاريخية.

وواضح ان الحزب يمارس إفراطاً لفظياً في تجريم رياض الصلح لجهة مسؤوليته عن إعدام سعاده لتبرير فعل الاغتيال.

أحمد بيضون: كان رياض الصلح زعيماً عربياً وهذا ما يميّزه | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات