المقابلة الثالثة مع الرأي الكويتية

الراي الثالثة 5 ك1 2012

 

أحمد بيضون لـ «الراي»: في لبنان … لا أحد يتعلم من تاريخه

المؤرخ اللبناني يعتبر أن أهم ما في «الربيع العربي» محاولة الشباب فتح المستقبل حتى بدا كأنه محرك للتاريخ

حوارات – الخميس، 6 ديسمبر 2012  /  572 مشاهدة   /   20
أحمد بيضون
×
1 / 1

| بيروت – من ريتا فرج  |
يبدو المؤرّخ اللبناني أحمد بيضون شديد الحرص والدقة على كل كلمة ينطق بها. حين تجالسه تشعر بأنك أمام حال معرفية متفردة في ذاتها يحار المرء من أين يبدأ معها، من السؤال أم الاستفسار أم الاستماع أم التلقي.
هدوء صاحب «الصراع على تاريخ لبنان» خلال الحديث معه يضفي عليه مواصفات العالِم العارف واللطيف. ورغم الصخب الذي يدور حوله وسط ضجيج العالم العربي وفوراته الاحتجاجية الا ان مؤرخنا لا يحبّذ الإطلالات الكثيرة وهو من الشخصيات التي قلّما تجدها تقدم حواراً لوسيلة إعلامية مرئية أو مكتوبة.
للمرة الثالثة ضربنا الموعد مع أحمد بيضون. في العامين الماضييْن، كان لنا حوار معه حول شؤون لبنانية وعربية سياسية وثقافية في رحاب عالم عربي متحول وثوري. سألناه في المقابلة الأولى عن تجربته اليسارية وعن أحلام جيله في التغيير في حقبة الستينات من القرن الماضي، وعن إنتمائه للبنان الافتراضي، وعن ثورة 14 آذار وعن الحراك العربي. وفي الحديث الثاني تحدّث صاحب «رياض الصلح في زمانه» عن ثورة الياسمين والشعارات التي رفعها الثوريون في الميدان، وعن رمزية الجمعة والجامع في الثورات العربية ووصول الاسلاميين الى الحكم والاصلاح الديني والثورة السورية التي قال عنها إنها أظهرت «صموداً مذهلاً حتى تاريخه».
وها نحن اليوم ندشّن لحديث ثالث مع المؤرخ النقديّ والسجاليّ لنسأله عن كتابه الصادر حديثاً وهو تحت عنوان «الإصلاح المردود والخراب المنشود» إنطلاقاً من أزمة النظام اللبناني وتطرقه الى مفاهيم جديدة كـ «الطوائف المتخصصة» وما المقصود من «المساواة الكارثية» التي أخذها عن الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه بالإضافة الى قضايا أخرى تتعلق بالهوية اللبنانية الوطنية وأزماتها وملامح الصراع السنيّ ـ الشيعي في لبنان و«التبلّر الطائفي» والتأسيس لذاكرة التوبة القومية والأزمة السورية وأوضاع الأقليات مع وصول الاسلاميين الى السلطة في بعض دول الربيع العربي.
وفي ما يأتي وقائع الحوار:

• أشرت في كتابك «الاصلاح المردود والخراب المنشود» إلى نقطة مركزية حين تحدثتَ عن المساواة الكارثية. إلى ماذا ستفضي هذه المساواة الكارثية في المدى المنظور؟
ـ المساواة الكارثية عبارة أخذتها من الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه في أثناء حوار أجراه معي حول الوضع اللبناني. كنتُ أعرض له أن ما كان قائماً في تاريخ لبنان المعاصر، منذ نشوء الدولة اللبنانية، من هيمنة طائفية قد فُقد بعد الحرب ولم يعد ثمّة تسليم بأولوية طائفة من الطوائف من جانب الطوائف الأخرى. وهو ما كان حاصلاً في ما مضى، ولو في حدود، في ما يتعلق بالطائفة المارونية وكان له أساس سكاني واقتصادي وثقافي. الطوائف الصغيرة بعد الحرب أصبحت ترى نفسها مساوية في الموقع لما يسمى الطوائف الكبرى وهذه الأخيرة أصبحت مقتنعة بوجود نوع من المساواة المبدئية في ما بينها، وبات المسرح السياسي ومسرح السلطة مركبيّن، بحيث أن حَرَد أي طائفة من الكبريات أو حتى ممن هي أقلّ من ذلك، يؤدي إلى قَدْر من التعثّر العام في عمل النظام السياسي.
إذاً أصبح هناك نوع من المساواة بين الطوائف في شعورها بنفسها يقطع الطريق على ما يسمى «الهيمنة». وهذا أمر يزداد صحة إذا اعتبرنا أن الهيمنة لا يكفي لممارستها مجرد القوة والتفوق، وإنما تفترض، على نحو ما، تسليماً من الجماعات المُهيمَن عليها. وبما أن هذا التسليم قد أصبح غير قائم، أياً كانت موازين القوى الراهنة بين الطوائف التي يتشكل منها المجتمع اللبناني، فإننا قد وصلنا إلى وضع جديد، وهو أن تكوين قيادة سياسية في البلاد، على نحو يضمن الفعالية للنظام والممارسة المسلّم بشرعيتها للسلطة قد أصبح يبدو، في معظم الظروف، وكأنما هو أمر مستحيل. تسمية «المساواة الكارثية» ليست سوى تعبير عن هذه الاستحالة، وعن التعذّر المتمادي لتكوين قيادة فاعلة، أي لجعل النظام المعدّ لحكم البلاد وقيادتها نظاماً عاملاً. هذا الوضع يسعنا أن نعتبره، في المدى المنظور، وضعاً مستعصياً. فليس هناك ما يدل على أننا سنفضي إلى تسليم جديد بهيمنة طائفية جديدة، ما دامت الوحدات السياسية التي يعتبر المجتمع مشكلاً منها هي الطوائف. وهذه الحال التي تجعل نوعاً من اللاشرعية يهيمن على طواقم الحكم، مهيأة، على ما يبدو لي، للاستمرار. ولا يوجد مخرج منها إلاّ بنتيجة ما نسمّيه الإصلاح أي بعد تعديل أساسي في تكوين النظام السياسي يتعلق، قبل كل شيء، بالطائفية السياسية، وبفرص تجاوزها. وهذه فرص لا تبدو ميسورة فعلاً إذا نظرنا بعين الاعتبار إلى موازين المجتمع اللبناني الحالية والطغيان البادي للطائفية على ساحة البلاد السياسية.
• يتحدث الكثيرون عن قلق الطوائف اللبنانية. ألا تعتقد أن هذه الطوائف هي جماعات قاهرة وليست جماعات مقهورة أو قلقة، وخصوصاً إذا قاربنا هذه المسألة من جهة مصادرة الطوائف للدولة؟
ـ المشكلة الأصلية في موضوع الطوائف اللبنانية هي اعتبار الطوائف نفسها وحدات سياسية. ليست هناك مشكلة في أن تكون الطوائف موجودة بما هي مذاهب، ولا توجد مشكلة في أن تكون للطوائف قواعد جهوية وأن تتكوّن أفضليات اجتماعية واقتصادية داخل صفوف كل طائفة لأبناء هذه الطائفة، بحيث يعاملون بعضهم البعض بالأفضلية في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي، فيتساكنون ويتزاوجون ويتعاملون في أمور المعاش في ما بينهم بالأفضلية. ولكن المشكلة تبدأ حين تعتبر كل طائفة أنها وحدة سياسية ذات حقوق، بما هي طائفة، على الصعيد السياسي، وترفض أن تخلي المستوى السياسي لأنواع أخرى من التضامن، ولفئات أخرى من المصالح. من هنا نشوء هذا التقابل الذي نعرفه في الحالة اللبنانية: تستوي الطوائف قوى سياسية متقابلة، عيونها مركّزة باستمرار على موازين القوى بين بعضها البعض. فكل طائفة تنظر إلى وضعها بقياسه إلى أوضاع الطوائف الاخرى في المجال السياسي والصراع الطائفي مفتوح في هذا المجال، أوّلاً. وضع الصراع على هذا الصعيد بالذات جعل الطوائف في تاريخ لبنان المعاصر تتجه نحو نوع من التوحد السياسي أي إلى اختزال تمثيلها السياسي بقوّة أو قوّتين رئيسيتين. هذا أمر حاولتُ أن أُظهر كم أفقد النظام السياسي مرونته وكم جعل تكوين السلطة هشاً ومعرّضاً للتعثر في كل وقت. يتمثل ذلك بمقاطعة هذه الطائفة أو تلك للسلطة في إطار منطق للنظام لا يتحمل مسلكاً من هذا القبيل وهو المنطق الطائفي بالتحديد.
مشكلة أخرى تنشأ عن تحوُّل الطوائف إلى وحدات سياسية وهي أن الطوائف تجد نفسها ذات امتداد على الصعيد الاقليمي خصوصاً وربما، في بعض الحالات، على الصعيد الدولي. يأتي هذا الشعور إما من التجانس المذهبي أو من مجرد الشعور بأن ثمة مساحة مشتركة للمصالح تجعل طائفة من الطوائف اللبنانية تحالف دولة من الدول في الخارج. هذا حصل باستمرار في تاريخ هذه البلاد المعاصر والحديث، وهو يؤدي إلى عواقب صعبة المعالجة من بينها التضخيم المصطنع لأحجام الطوائف اللبنانية وأوزانها. فأحياناً تبدو طائفة هي في الواقع جماعة بشرية متواضعة من حيث الحجم والامكانات وكأنها قد تحولت إلى قوة دولية وإلى لاعب من الطبقة الأولى في المجال الإقليمي بطوله وعرضه.
• تحدثت عن الامتداد الاقليمي والدولي للطوائف. مَن هي الطائفة التي تعكس هذا الامتداد؟
ـ في الواقع الطائفتان الكبريان اللتان تتصدران الصراع اللبناني الجاري على السلطة حالياً، وتتناقض مواقفهما في المجال السياسي الداخلي والخارجي، هما الطائفة الشيعية والطائفة السنيّة. الطائفة الشيعية هي اليوم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتشيع الايراني وهي تبعاً لذلك ولأسباب أخرى أيضاً حليفة في المجال الأقرب للنظام السوري، في حين أن الطائفة السنيّة مرتبطة بالمملكة العربية السعودية وهي في كتلتها العظمى سائرة في الخط السعودي وفي المجال الذي تنفتح عليه السعودية إقليمياً ودولياً.
• هل ثمة عمود فقري يجمع بين اللبنانيين؟ والى أي مدى بإمكان الجماعات الطائفية التأسيس لأمة مندمجة؟
– أعتقد أن ثمة قبولاً للبنان بما هو وطن ودولة قد نما في صفوف الجماعات اللبنانية عبر العقود التي مضت من تأسيس الدولة اللبنانية المعاصرة إلى اليوم. كانت هذه الدولة مرفوضة من قبل جماعات تشكّل أكثر من نصف المجتمع. كان الوطن اللبناني يُعتبر نوعاً من المرحلة التي يجب الانتقال منها إلى تأسيس وطن أوسع. في حالات أوسع تمثيلاً كان هو الوطن العربي، وفي بعض الحالات كان يسمى الوطن السوري، وأحياناً كان ثمة جهات تفكر أيضاً في الأمة الإسلامية وفي نوع من الوحدة لهذه الأمة.
ما حصل بالتدريج بعد 1920 هو أن قبولاً أخذ يحصل داخل هذه الأوساط الرافضة للبنان الكبير وأن هذا القبول كان يمرّ أحياناً في أزمات وأحياناً كان المضيّ به قدماً يستدعي صدامات كبرى آخرها الحرب التي حصلت بدءاً من العام 1975.
هذه الخبرة التاريخية هي ما يمكن اعتباره العمود الفقري لهذا الكائن السياسي الذي نسميه لبنان. القبول المشترك والشعور بأن هذا الوطن لا بديل له. وهذا بالطبع أمر لم يكن داخلياً فحسب، وإنما كلف مثلاً انهيار الحلم العربي والحركة القومية العربية. ولا يعني هذا القبول المشترك أن أمة مندمجة قد قامت. هو في الواقع أقرب إلى السلبية، لأنه يعني تسليماً يمكن أن نعتبره إلزامياً بوضع لا بديل منه. ما أريد قوله ان الدول التي يتشكل منها العالم اليوم في معظمها لا تتأسس على أمة مندمجة بمعنى أن كل بلد ينطوي على قدْر من التنويعات الإثنية أو الدينية أو اللغوية. ولكن الدول الناجحة تتدبّر أمرها حين تفلح في الفصل بين الفوارق الأولية هذه ومنطق عمل الدولة والنظام السياسي، أي حين تفلح في إنشاء سلطة محايدة غير منحازة لعرق أو دين أو لغة، وتحفظ بالتالي حقوق الجماعات دون أن تحوّل هذه الجماعات إلى وحدات سياسية. وعندما تصبح الوحدات الأولية وحدات سياسية للدولة نكون قد فتحنا باباً واسعاً على الأزمات المتكررة وربما على النزاعات المسلحة. ما هو حاصل في لبنان هو هذه المطابقة الواسعة النطاق بين المجتمع السياسي ومجتمع الطوائف.
• تحدثت عن ملامح الصراع السنّي ـ الشيعي في لبنان. لماذا تبدو متشائماً؟ والى أين سيتجّه هذا الصراع؟
ـ الوضع يحمل على التشاؤم بسبب ارتهان هذا الصراع بالمدى الاقليمي: بالمواجهة الحاصلة على الصعيد الاقليمي، وهي مواجهة ذات امتدادات دولية واضحة. المؤسف أن ما أصبحنا نسميه اليوم صراعاً سنياً ـ شيعياً تكوّن إلى حد ما على فراغ. العلاقات السنية ـ الشيعية في هذه البلاد لم تكن قط تاريخياً علاقات مدموغة بسمة النزاع. كانت هذه العلاقات على وجه الاجمال حسنة، وإذا وُجد تنافس ما فكان يُعتبر طبيعياً ومقصوراً على دوائر محدودة، ولم يكن يُعتبر، بأي حال، مواجهة عامة بين طائفتين على ما تُنذر به أحوالنا اليوم.
الاتجاه العام إلى ما أسميه «تبلّر الطوائف» في الحرب هو ما جعل السُنّة والشيعة في لبنان يبدون كجماعتين سياسيتين متواجهتين. حصل ذلك في هذا العقد الاخير فقط، ولم يكن حاصلاً قبل ذلك. ولا شك في أن النزاع الجاري على الصعيد الاقليمي أي المشكلة الايرانية والخلل الذي تخشى منه دول عربية من تنامي القوة الايرانية ومن بلوغها المحتمل للطور النووي، وكذلك الصف الذي تمثله إسرائيل والولايات المتحدة والغرب عموماً، والتحسب الحاصل في هذا النطاق من القوة الايرانية، كل هذه المعطيات رسمت خريطة للتنازع على الصعيد الاقليمي تبعها عن كثب وضع جديد في الداخل اللبناني. فأخذت المواجهة السنية ـ الشيعية تدمغ هذا الداخل وتحوّلت إلى سمة رئيسة.
• لماذا لا يتعلم اللبنانيون من تاريخهم؟ وإلى أي مدى هم قادرون على تأسيس ذاكرة قومية أو ذاكرة التوبة القومية كما يسميها البعض؟
ـ يرى هيغل أن أحداً لا يتعلم من التاريخ. وقد اخترتُ أن أثبت كلاماً له يفيد هذا المعنى في صدر الكتاب. ليس هناك جماعة تتعلم من تاريخها. في الحالة اللبنانية يمكن أن نلاحظ وقعاً لأمر بعينه، مشترك بين البشر، وهو سرعة تعاقب الأجيال. إذا كان مستحسناً أن نتعلم اليوم من تجربة الحرب التي عانيناها ونأخذ منها عبراً، فلا يجب أن يفوتنا أن نحواً من نصف اللبنانيين الذين هم الآن على قيد الحياة لم يكونوا قد ولدوا في الحرب. وإذا أضفنا إلى هؤلاء من كانوا صغاراً في الحرب ولم تكن سنّهم تتيح لهم أن يكوِّنوا صورة عمّا جرى، فإننا نصل إلى أكثر بكثير من النصف، وتصبح هذه الجماعة العمرية من اللبنانيين مشتملة على نسبة كبيرة ممن هم مؤثرون ومَن هم أصحاب أدوار في مجتمعنا اليوم.
لا يتعلم الناس من تاريخهم وتعاقُب الأجيال هذا واحد من الأسباب. وقد أخذتُ بوجهة نظر هيغل الذي لم يكن يشير إلى اللبنانيين أو العرب وصدّرت كتابي بهذه العبارة على وجه التحديد. أحد الأمور التي منعت ما تطلقين عليه في سؤالك اسم ذاكرة التوبة القومية هو الحيلولة دون تكوّن ذاكرة فعلية لتجربة الحرب. فإن أي مراجعة تقف على سويّة مرضية من الشمول والموضوعية لم تحصل لهذه التجربة واقتصرت المراجعات والتواريخ على جهود الأفراد. والسبب واضح وهو أن أمراء الحرب هم مَن تسلموا مقاليد البلاد بعد الحرب وقد جُعلت البلاد مرعىً لهم ولم يكن وارداً أن يعيدوا النظر في تجربة كانت ستفضي إلى دينونة مؤكدة لهم. أعتقد أن هذا الجيل من القادة يصل اليوم إلى نهايات دوره لأسباب بعضها سياسي وبعضها عمري. وأرى أنه سيكون ثمة صعوبة في أن يرسي هؤلاء شرعية لورَثتهم تقوم على المنطق نفسه، أي منطق طمس الحرب ومنع تكوّن ذاكرة وطنية لهذه المرحلة.
• ثمة سؤال يطرح في شكل دائم: لماذا يكرّر النظام اللبناني إنتاج أزماته؟ في رأيك هل تكمن المعضلة في طبيعة النظام الطائفي نفسه أم في غياب الإمكانات التي تؤهل الجماعات للانخراط في مشروع الدولة الحديثة؟
ـ دخل النظام اللبناني في أزمات متعاقبة ولكن هذه الأزمات ـ على ما حاولت أن أوضحه في الكتاب ـ لم تكن كل منها تكراراً لأخرى. كل أزمة حملت، في الواقع، جديداً. وفي نظري أن الخيط الذي يمكن تتبّعه من أزمة إلى أخرى هو أن حظوظ النظام في تجاوز الازمة بشيء من التماسك المضاف أو في استعادة تماسكه بدرجته السابقة للأزمة، على الأقل، كانت صائرة إلى التضاؤل.
وفي اعتقادي أن الازمة الراهنة تميّزها سمة رئيسية يمكن التوصّل إلى تعيينها. وهي، في الواقع، أزمة مستمرة منذ أعوام كثيرة ويمكن أن نعتبرها متّحدة بالحرب نفسها بحيث تصبح كل هذه المرحلة التي تمتدّ منذ ما يقارب 40 سنة مرحلة أزمة واحدة بمعنى من المعاني. وأما السمة الرئيسية لهذه المرحلة فهي أن النظام الطائفي استكمل صفته الطائفية فأصبح نظام طوائف بالمعنى الفعلي الدقيق للكلمة ولم يعد نظاماً متسعاً لأدوار معتبرة تقوم بها جماعات واقعة في ما دون الطوائف أي، مثلاً، العائلات السياسية والأحزاب التي يريد بعضها نفسه عابراً للطوائف وبعضها الآخر يمثل أجزاء محدودة جهوياً من طائفة من الطوائف أو أكثر.
منذ أعوام وصلنا إلى حالة برزت فيها الطوائف إلى الميدان بما هي طوائف. وهذا الواقع (كما سبق أن أشرت) يكاد يُعدم مرونة النظام السياسي، فننتهي إذن من حيث بدأنا. لا يمكن أن نعود إلى صيغة فاعلة للنظام السياسي في هذه البلاد إلاّ اذا سلكنا طريق تجاوز الطائفية السياسية وهو أمر لا يتعارض مطلقاً مع لحظ ضمانات معينة للجماعات، وعلى الخصوص للجماعات الطائفية، تمنع الهيمنة التعسفية لجماعة كبيرة على جماعة صغيرة، ويمكن أن تُلحظ هذه الضمانات في النظام السياسي. وفي رأيي أن اتفاق الطائف كان قريباً إلى هذا الهمّ في صيغته لتجاوز الطائفية السياسية، وأنه يمكن أن نستعيد الصيغة الاصلاحية التي جاء بها هذا الاتفاق وهي التي أدرجت عناوينها في الدستور ولا يزال يوجد تسليم مبدئي بها من مختلف الاطراف. فتعاد دراستها وتحدَّد الصيغ المناسبة للمرحلة التي أصبحنا فيها اليوم إنطلاقاً منها.
• هل من الضروري تدوين تاريخ الحرب الأهلية بكل تفاصيلها في كتب التاريخ المدرسية بما يشكله هذا التدوين من صدمة ايجابية كي لا تدخل الأجيال في دورة عنف أهلي جديدة؟
– لا بدّ أن يعرض تاريخ المرحلة الماضية من عمر الدولة اللبنانية، بما فيه تاريخ الحرب الأهلية منظوراً إليها بعين النقد التاريخي. لا بدّ أن يُفسح المجال لعملية نقدية واسعة، وأن يوضع هذا كله تحت أنظار الجيل الصاعد الذي لم يشهد تلك الحوادث. هذه عملية تربوية لا ريب في أهميتها ولعلها تستوجب لحظ الخلاف في وجهات النظر، والتنازع بين الصور التي بقيت من مرحلة الحرب، مثلاً، في مخيلة الذين عاشوها والذين جاءوا بعدهم أيضاً. في رأيي يجب ان لا يُستبعد تنازع الصور ولا تنازع الذاكرات بل يجب تركه يشتغل ويعبّر عن نفسه، مع التسليم بأن الذاكرات ليست هي التاريخ وإنما يستوعبها التاريخ ويعلو عليها راويته ليمتحنها بالنقد ويفهم المجابهة بينها. حين يوجد هذا الراوية، الذي لا يفترض أن يكون واحداً، فقد يحصل من جرّاء البناء المتعدّد للتاريخ الوطني ما تسمينه الصدمة الايجابية.
• لماذا لم يُجرِ أمراء الطوائف الذين شاركوا في الحرب الأهلية مراجعة نقدية؟ ولماذا لم يحاسبوا أو يعتذروا للبنانيين؟
ـ هم كانوا بعيدين جداً عن همّ المراجعة النقدية وعن قبول المحاسبة. جاءوا إلى السلطة بعد الحرب وكل واحد منهم يعتبر نفسه بطلاً. وكان لكل منهم جماعة تساهم بمواقفها في تكريس هذه الصورة. لم يكن وارداً أن يقوموا بأي نقد ذاتي. وأما السبب الذي جعلهم لا يُحاسبون فهو أن عملية إنهاء الحرب تمت برعاية دولية واقليمية وجدت أن وضع هؤلاء بالذات، أي أمراء الحرب، في سدة السلطة هو الصيغة التي يمكن أن تسمح للبلاد بالتوصل إلى نوع من السلم وبإقلاع عملية إعادة البناء.
• كيف تقارب ما آلت اليه قوى 8 و 14 آذار وهل تعتقد أن هذه القوى ما عادت قادرة على إدارة شؤون البلاد بسبب حدة الشرخ بينها؟
ـ منذ تشكُّل هذه الثنائية: 8 و 14 آذار، وهي عاجزة في الواقع عن إدارة شؤون البلاد. كلٌ من الطرفين عاجز عن إدارة هذه الشؤون بمفرده، والطرفان عاجزان عن إدارة شؤون البلاد معاً. وليس أدلّ على ذلك من التجارب الحكومية التي شهدها لبنان منذ العام 2005 إلى الآن. فقد عرفنا الصيغة الحكومية التي تكون الهيمنة فيها لقوى 14 آذار، وعرفنا حكومات «اتّحاد وطني»، وعرفنا حكومة يهيمن عليها الآن فريق 8 آذار.
جميع هذه الحكومات كانت متعثرة تعثّراً استثنائياً. كانت تبدو من أيامها الأولى عاجزة عن تسيير شؤون البلاد بطريقة فاعلة وبحدٍ من التفاهم الذي تفترضه عملية الحكم وممارسة السلطة.
السلطة التنفيذية ليست مكاناً للتنازع بل للتوافق على خيارات وبرامج وأساليب بعينها لادارة الشأن العام. هذا لم يكن حاصلاً في أيّ من هذه الحكومات. وحين كانت الحكومة ممثلة لطرف واحد كان هناك طعن في شرعيتها وليس فقط في أسلوبها. والسبب في ذلك أن الانقسام بين الفريقين في أساسه طائفي، وأن عزل 8 أو 14 آذار يعني عزل طائفة معينة أو أكثر. وهذا لا يتحمله منطق النظام اللبناني، ويكفّ هذا النظام عن العمل بصورة سوية حين يحصل مثل هذا الامر. من جهة، هناك طابع طائفي لهذا الاصطفاف لا يبطله توزع المسيحيين بين الجهتين، ومن جهة ثانية ليس هناك في الظروف الاقليمية والدولية السائدة من إمكان لتفاهم يعتدّ به بين ممثلي الطائفتين المسلمتين الكبريين. فإن التعارض بينهما لتعلّق كل منهما وإرتهان قوتها وحجمها وقدرتها بأحلافها الاقليمية وخياراتها الدولية أمر لا يبدو منه فكاك في الوقت الحاضر.
• في ظل الانقسام العمودي بين القوى المتصارعة على الحكم في لبنان، هل نحتاج إلى طريق ثالث حيادي ومدني؟
ـ نحتاج بكل تأكيد إلى تشكّل قوى سياسية ومدنية تحسم أمرها باتجاه الخروج من طائفية النظام. يبدو التوتر السائد حالياً قامعاً لتكوُّن هذه القوى ويبدو معزّزاً للخوف الطائفي الذي لا يمثل بيئة صالحة لتكوُّن قوى غير طائفية. حين تكون الطوائف خائفة وقلقة من بعضها البعض لا تكون حظوظ تشكُّل هذه القوى كبيرة. ولكن من الواضح أيضاً أن ثمة قدراً من السأم والتعب قد بدأ يصيب الناس من هذه المواجهة العقيمة، بل البالغة الضرر، على صعيد المصالح الوطنية وعلى صعيد مصالح جزئية للبشر أيضاً. أخذ السأم والتعب يدبّان من هذه المواجهة بين الفريقين ومن الفريقين معاً. هذان السأم والتعب بحد ذاتهما إيجابيان، ولكن علينا أن ننتظر وقتاً لنرى ماذا سيكون لهما من نتائج على الأرض.
• يدعم «حزب الله» النظام السوري ويعتبر ما تتعرض له سورية مؤامرة علماً أنه دعا النظام إلى الاصلاح. كيف تقرأون هذا الدعم؟ وهل يمكن القول إن الحزب يضع شيعة لبنان في مواجهة الأكثرية السنية؟
ـ هذا الدعم يفسره البُعد الاقليمي لدور «حزب الله» وعلاقة الحزب بإيران وموقف طهران من الثورة السورية. أما القول إن الحزب يضع شيعة لبنان في مواجهة الأكثرية السنية فهذا وجه آخر للمسألة نفسها اي مسألة العلاقة بين «حزب الله» وايران ولموقع ايران في المواجهة الاقليمية. والمؤكّد أن هامش الاستقلال السياسي المتاح لـ «حزب الله» يضيق (وقد يضمحل) مع اشتداد التوتّر في المجال الإقليمي. ولذا يتحمّل الحزب أكلافاً ثقيلة عليه بالمنطق اللبناني وبما يتعدى هذا المنطق أيضاً لاضطراره إلى دعم الموقف الإيراني في المواجهة السورية.
• الثورة السورية انتقلت من الطابع السلمي إلى الطابع العسكري. إلى أين سينتهي هذا الصراع وسط الحديث عن طائف سوري يجمع الأطراف كافة من أجل إنهاء الأزمة؟
ـ توجد مشكلة في معرفة مَن هي الأطراف التي يجب جمعها في سورية. هناك عدد من الأطراف يمكن اعتبارها غير تمثيلية، أو هي أطراف لم يُمتحن تمثيلها بقياس ما لها من قدرة على التعبئة الداخلية. الساسة السوريون يسبحون في نوع من الفراغ أو الغموض على الصعيد التمثيلي، والثورة الجارية تتولى أمرها قيادات عسكرية في المرحلة التي دخلتها منذ أشهر عدّة. وكانت تتولى أمرها قبل ذلك التنسيقيات العاملة على الأرض، حين كانت لا تزال في مرحلة التظاهر. وقد دفعت العسكرة الحركة الشعبية التي شكلت وجه الثورة في بدايتها ومنحتها صفتها الديموقراطية البالغة الوضوح نحو الهوامش، ومنعتها من التعبير عن نفسها إلى حد كبير. بدأ الأمر بحماية فرضتها شراسة القمع فرضاً للتظاهرات ثم انتقلنا بعد ذلك إلى حرب بين العسكر المنشق وعسكر النظام ولم يبق عملياً دور واضح لجماهير شعبية منتفضة.
في الحالة اللبنانية كانت قيادات الحرب واضحة العناوين، معلومة. والطائف الذي حصل وجد مدخلاً له في مجلس النواب الذي كان لا يزال له نوع من التمثيل الطائفي والحضور المؤسسي القائم. فكان أن اتُخذت هذه المؤسسة مدخلاً للانتقال إلى تطبيق للاتفاق أدخل إلى الحلبة السياسية والى حلبة السلطة أهمّ الأطراف المتقاتلة. في حالة سورية ليس هناك شيء من هذا القبيل. ليست هناك تشكيلة محتملة، مماثلة للتشكيلة التي انتهى اليها اتفاق الطائف اللبناني على مرحلتين: مرحلته النيابية، ومرحلته التطبيقية. فإلى أن يتطوّر وضع المعارضة السورية على نحو يؤكّد استواءها قيادة سياسية فعلية للثورة الجارية، أعتقد أن كل تشكيلة سورية توقّع صيغة ما للخروج بالبلاد من المحنة الجارية ستكون معرضة للطعن في شرعيتها. يقابل هذا أن النظام نفسه كطرف مفاوض هو طرف أصبح مرفوضاً من معظم السوريين، ومرفوضا التفاوض معه من جانب أكثرية مَن يتصدّون اليوم لتمثيل الثورة السورية.
• يشير البعض إلى أن سورية أمام خيارين إمّا الحرب الأهلية أو التقسيم. ألا تعتقد أن هناك مبالغة في هذا الطرح؟
– تواجه سورية اليوم نوعاً من الاستعصاء السياسي يجعل من المتعذّر القطع باستبعاد أيّ من هذين الاحتمالين. النزاع الجاري حالياً يقترب من الحرب الأهلية، وكلما طغى الطابع الطائفي، على النظام من جهة وعلى من يواجهونه من جهة أخرى، أصبح سيناريو الحرب الأهلية أقرب احتمالاً، وكلما ابتعد النظام عن كونه نظام حكم للبلاد ونظام دولة وتحول إلى أداة لجماعة طائفية اقتربنا من وضع الحرب الأهلية. كذلك كلما اشتدّت العصبية واستُبعد التنوع المعبّر عن المجتمع في معسكر الثورة نقترب من الحرب الأهلية. ومع أن الصفة الطائفية المتنامية في صفوف الثورة السورية هي صفة الأكثرية من الشعب السوري فهذا لا يكفي قطعاً لمنع التوجه نحو وضع الحرب الأهلية.
ليس هناك في الواقع من أبواب مفتوحة، في الوقت الحاضر، للتفاؤل بمخرج قريب من الأزمة السورية يرسي للبلاد قيادة تسترشد ما حملته الثورة من قيم وأهداف. والكلام عن التوجه نحو الحرب الاهلية كلام لا يمكن رفضه. أما التقسيم فمسألة أخرى. التقسيم يطرح مسألة الشرعية الدولية، ويطرح مسائل داخلية كبرى من نوع مصير المدن المختلطة، ومصير المؤسسات العامة. فهو بالتالي مسألة أكثر تعقيداً بكثير إذا حملناه على محمل الواقعة الدولية. ليس تأسيس أكثر من دولة في سورية بالأمر السهل. يمكن حصول نوع من التعازل بين المناطق إذا تكرس الطابع الطائفي والجهوي للنزاع الجاري ولكن يُستبعد أن ينتهي ذلك إلى تقسيم بالمعنى المؤسسي: أي قيام دولتين أو أكثر.
• بعد وصول الإسلاميين إلى الحكم في دول الربيع العربي هل تتخوفون على مستقبل الأقليات؟
ـ أتخوف على مستقبل الأقليات، بادئ ذي بدء، حين تأخذ الاقليات في وعي نفسها على أنها حصراً أقليات وليست شيئاً آخر. وأتخوّف على كل بلد من اتخاذ الأكثرية لنفسها فيه صفة قومية أو طائفية على المستوى السياسي. هذا مخيف طبعاً. وأخاف، في الواقع، من حصول هذا بفعلٍ من وصول الإسلاميين إلى الحكم في بعض دول الربيع العربي.
هؤلاء الإسلاميون يختلف وضعهم أصلاً من دولة إلى أخرى وتختلف إمكانات مواجهة الاجراءات التي قد يتخذونها وتكون ماسّة بحقوق ما يسميه السؤال الاقليات. لستُ محبذاً لاعتبار الإسلاميين المصريين في الوضع نفسه هم والإسلاميون التونسيون، مثلاً. ولكن أخشى على الاقليات وعلى الأوطان نفسها من المعارضة الإسلامية الجذرية للإسلاميين الذين وصلوا إلى الحكم. الجماعات السلفية يمكن أن تسلك خط إِيذاء الاقليات وحملها بالتالي على التكتل بهدف إحراج الإسلاميين الحاكمين بإظهار عجزهم عن تأمين السلام الأهلي في البلاد وبإظهارهم وكأنهم مقصّرون في إضفاء الطابع الإسلامي على السلطة والمجتمع.
• هل يمكن القول إن الجمهور العربي في ظل الثورات العربية هو المحرك للتاريخ؟
ـ بدا الجمهور العربي، وخصوصاً جمهور الشباب عند نهوضه، محركاً للتاريخ. هذا سيبقى له أثر بعيد في مستقبل الأوطان التي شهدت هذه التحولات. سيبقى لهذا النهوض أثره بغض النظر عن الحالة المؤسسية التي أثمرها هذا الربيع العربي. الأمر الأهمّ في الربيع العربي هو محاولة الشباب فتح المستقبل. وما يمكن ترجيحه هو أن هؤلاء الشباب ومن سيخلفهم لن يقبلوا بسهولة، على الاقل، أن يُغلق المستقبل في وجوههم مرة أخرى.

 

ريتا فرج عن “الإصلاح المردود…”

قراءة نقدية وسوسيولوجية عن مأزق الإصلاح يقدّمها كتاب «لبنان ـــ الإصلاح المردود والخراب المنشود» (دار الساقي). المؤرخ المعروف يجترح هنا مصطلحات جديدة أهمّها «الطوائف المتخصّصة» للدلالة على المشروع الموكل إلى كلّ فئة، فنجده يتحدث عن التحرير الشيعي، والإعمار السُّني، والسيادة المارونية

ريتا فرج

ينهض كتاب أحمد بيضون «لبنان ـــ الإصلاح المردود والخراب المنشود» (دار الساقي) على مفصلين أساسيين: الأول هو أزمة الهوية الوطنية اللبنانية ومأزق بناء الدولة الحديثة، والثاني تحديد معالم الشيعية السياسية وتمثلاتها كإحدى الجماعات الطائفية المتغالبة والمتصارعة على الحكم.
يتضمن الكتاب مجموعة دراسات منشورة سابقاً أضاف إليها المؤرخ دراسات جديدة تنشر للمرة الأولى. القسم الأول الأشد تماسكاً، والأكثر أهمية يعالج أزمة الجماعات الطائفية كهويات قبلية عاجزة عن التأسيس لمشروع الدولة الحديثة. وإذ يركز بيضون على ضرورات الإصلاح المنشود انطلاقاً من خطاب المواطنَة باعتباره أسّ أي عملية إصلاحية في أي نظام سياسي عاجز عن بناء أمة مندمجة، يعمل على تفكيك الاعتصاب الطائفي، الانشطاري/ التغالبي، ساعياً إلى تأطير أبرز مولّداته في ما أطلق عليه «التبلّر الطائفي» مقابل «التبلّر المواطني». يدرس بيضون اتفاق الطائف من زاويتين: إلغاء الطائفية السياسية وخفة التعامل مع الدستور اللبناني.

يقدم صاحب «الصيغة، الميثاق، الدستور» مادة علمية استقرائية مهمة وجديدة، فهو لا يهدف إلى تأريخ الأحداث، ولو استخدم المادة التاريخية، بل يقرأ مآزق هذا التاريخ اللبناني في أبعاده الثلاثية: استتباع الطوائف، عجز النظام السياسي المولّد للأزمات، وانفلاش الهويات الطائفية المتخصصة.
وفي موازاة «التبلّر المواطني»، يأتي الاعتصاب الطائفي ليعطل نشوء الأمة بعدما تحول التطيّف من الركائز المنتجة لانغلاقات الطوائف ومشروعاتها البديلة. فكيف يستقيم للمواطنين وجود بما هم أفراد عامون أي أعضاء في الأمة؟ لعل هذه الإشكالية تشكل مدماكاً أساسياً للأفكار التي عالجها بيضون في القسم الأول، وتضعنا أمام العجز البنيوي في نمو ثقافة المواطنَة. ولا شك في أنّ للطوائف في لبنان شروطاً ومضادات ورهانات، لا تقل خطورة عن الإخفاقات الدورية والمتتالية للنظام السياسي نفسه، بعدما ثبت إخفاق المبدأ الطائفي، كمعطى سياسي مكرّس وبديل من خطاب المواطنة.
ينتقل بيضون إلى مستوى آخر من التحليل والتفكيك التاريخي. يرصد مفاعيل الوجود السوري على الطوائف نفسها، فما الذي أنتجه هذا الوجود بعد اتفاق الطائف؟ يشير صاحب «بنت جبيل ـــ ميشيغان» إلى أربعة مفاعيل: الأول إضعاف القوى السياسية المسيحية؛ والثاني العهد بمهمة الإعمار وإنعاش الحياة المدنية إلى زعامة سنية صاعدة جسدها رفيق الحريري؛ والثالث توزيع النشاط السوري بين همّين: أولهما همّ الإفادة من موارد الدولة وهمّ المقاومة في الجنوب المحتل وتحريره الذي حظي برعاية سورية وإيرانية، ورابع هذه المفاعيل، إنعاش الثنائية الدرزية التي كانت الحرب قد دفعت بأحد طرفيها إلى الظل.
وعلى إيقاع التضافر الوظيفي بين قوى الطوائف والقوى الخارجية الذي اشتد بعد الحرب الأهلية، يجترح بيضون مصطلحاً سياسياً جديداً أطلق عليه «الطوائف المتخصّصة». أراد بهذا المصطلح الدلالة على المشروع الموكل إلى كل طائفة، فنجده يتحدث عن التحرير الشيعي، والإعمار السُّني، والسيادة المارونية.
يستخدم بيضون مفهوم «المساواة الكارثية» للإشارة إلى المساواة بين الطوائف في لبنان. وبناءً على ذلك، يفكك لعبة الاستحواذ السياسي والطائفي المتبادلة بين الجماعات المتصارعة على الحكم. والحاصل أنّ لبنان أصبح على حد تعبير المؤرخ الراحل كمال الصليبي «بيت بمنازل كثيرة»، وأمسى كما يقول الكاتب «قريب الشبه بميزان بكفات كثيرة». إلامَ سيفضي هذا الاحتراب التغالبي الطائفي؟ وهل يشي بانفجار أهلي أو مذهبي؟ لا يبدو بيضون متفائلاً بفعل تداعيات الصيغة السياسية الراهنة الممتدة عبر التاريخ وجغرافيا الطوائف القلقة على ذاتها ومن ذاتها والخائفة من الآخر وعلى الآخر. تحت عنوان عريض «أشياع السنّة وأسنان الشيعة: كيف حلّ بلبنان هذا البلاء؟»، يدرس بيضون طبيعة الصراع المذهبي الشيعي ــ السنّي الراهن، بعدما شهد لبنان احتراباً إسلامياً مسيحياً. هو لا يكتفي في دراسة مولدات الصراع الجديد وامتداداته الإقليمية، بل يقدّم قراءة جديدة للهوية الشيعية المتشكلة سياسياً وجماهيرياً، بما تحمله من مفاعيل ورموز في المجالين السياسي والديني. وفي ظل الاحتراب المذهبي المباشر والخفي، إلى أين يتجه لبنان؟ لا يخفي بيضون هواجسه من نشوب اقتتال جديد. وهنا، يستعير مصطلح «الفتنة الكبرى» بمدلولها التاريخي والإسلامي بغية قرع جرس الإنذار من تكرار تجربة «الجمل» و«صفين».
ثمة دراسات أخرى في الكتاب، لكنّ الجزء الأول هو الأهم، إذ يقدّم بيضون قراءة نقدية وسوسيولوجية لمأزق الإصلاح في لبنان المحاصر بالخراب المنشود. وتأتي أهمية الكتاب أيضاً من اجتراح مؤرخنا لمصطلحات جديدة يجب إدخالها إلى معجمنا السياسي. عمل بيضون على تعرية الأنا الطائفي القاتل والأكثر حدة في تمزيق الهوية الوطنية الجامعة التي تقطع مع أنموذج دولة الطوائف بعدما أصبح لكل طائفة مشروع قضية.

ادب وفنون
العدد ١٨٤٩ الجمعة ٢ تشرين الثاني ٢٠١٢

كلمن | عامان في مقاصد صيدا

عامان في مقاصد صيدا

أحمد بيضون

Source: كلمن | عامان في مقاصد صيدا

عامان في مقاصد صيدا

 

برد الدير وغليان السياسة

جئت إلى «كلية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا» تلميذاً داخلياً في خريف العام 1958. كنت داخلاً إلى صف البكالوريا الأولى وأنا دون السادسة عشرة بقليل. كان أمامي سنتان إذن قبل أن أقف على باب الجامعة إذا كان النجاح حليفي، وقد أمضيت هاتين السنتين مقاصدياً. قبل ذلك، كنت تلميذاً داخلياً لسنتين أيضاً في دير سيدة مشموشة قرب جزين. هناك حصلت على الشهادة التكميلية وأنهيت السنة الأولى من المرحلة الثانوية. وأما الشوط الأطول من حياتي المدرسية، وهو ثماني سنوات، فكنت قد أمضيته في المدرسة الرسمية في بنت جبيل، بلدتي التي شهدت ولادتي ونشأتي الأولى على الطرف الجنوبي من جبل عامل. كنت قد وصلت من دراستي إلى أقصى المتاح في بنت جبيل، أي في بيت والديّ وبين أترابي وفي العالم الصغير الذي فتحت عيني عليه. فكان لا بدّ من الرحيل بعد ذلك إلى مدرسة أبعد مرمىً أواصل فيها سعيي إذا أردت أو أريد لي أن أحظى بالنصيب المأمول مما كنا نسمّيه المستقبل.

كنت معزّزأً مكرّماً في دير مشموشة، يخصّني الأب المدير برعاية رفَع من سويّتها انتماؤه إلى قرية مجاورة لبنت جبيل وصداقة جمعت بينه وبين والدي. وقد تبوّأت بسرعة بين أقراني مكانة فرضها تمكّني الاستثنائي من اللغة العربية وروايتي الكثير من الشعر فيها وإقبالي على كتابة الشعر أيضاً بحيث أصبحت شاعر المدرسة المتوّج. مع ذلك، كنت مستوحشاً في تلك الأعالي تستولي علي كلما خلوت إلى نفسي كآبة موصولة بالشوق إلى بنت جبيل… كان الدير ديراً أي معتزلاً يقيم أهله، ومن بينهم تلاميذ القسم الداخلي، في شبه خلوة وانقطاع عن سائر الدنيا، وهذه حال لا يألفها من لم يكن قد جعلها مشروع حياته. كان الخروج إلى بكاسين أو إلى جزين في النزهة الأسبوعية حدثاً لا تفهم أهمّيته إلا في ضوء احتباسنا في الدير لبقية الأسبوع. يزيد ذلك صحة أن بكاسين وجزّين كانتا شبه مقفرتين في شهور العام الدراسي. وأما الذهاب إلى المنزل حين يتوفّر يوما عطلة متتابعان أو أكثر فكان متعة عظيمة وعيداً. كان عيداً تُطوى صفحته حال ركوب السيارة للعودة إلى المدرسة. ولا أزال أذكر نوبة سرور باغتتني حين ثُقبت في صفاريه واحدة من عجلات السيارة العائدة بي إلى مشموشة. كانت تلك نصف ساعة تضاف إلى عطلة خلّف انتهاؤها في نفسي ذلك الانقباض الذي كنت قد ألفته وأصبحت أتوقعه وأنا أقترب من نهاية العطلة، أية عطلة، بل حتى من نهاية النزهة الأسبوعية.

كان في برد مشموشة وأيام الثلج غير النادرة في شتائها ما يزيد من هذا الشعور بالوحشة وقد يلغي النزهة في بعض الأسابيع. وكنت قد جئت من بنت جبيل محتسباً نفسي على «حركة القوميين العرب» ولو ان هذا الاحتساب لم يكن له أيّ معنى تنظيمي ولم تكن الحركة نفسها تشعر أو تدري به إذا استثنينا منها المعلّم البنتجبيلي الذي حَمَلني عليه. وكانت تلك أيام حرب السويس وحلف بغداد ومبدأ أيزنهاور والوحدة السورية المصرية و «ثورة» 1958 اللبنانية… وكانت مشاعرنا المتعلقة بفلسطين لا تزال على تأجّجها، يعزّزها وجود الفلسطينيين بيننا وما كنا قد عانيناه هناك في الجنوب الحدودي من حرب 1948 وعواقبها. ولم تكن مشموشة، بما هي معتزل، موضعاً صالحاً للتعبير عن هذا الغليان الذي أطلقه في نفوسنا مسلسل الأحداث المتداخلة الكبيرة التي شهدتها تلك السنوات. بل إن ما كان يتردّد في الدير من رَجْع شبه مكتوم لما كان يحصل في آفاق قريبة وبعيدة لم يكن ليرضيني أو يساير اتجاه مشاعري. فسواء أتعلّق الأمر بالرهبان أم بالتلامذة الخارجيين، أبناء جزين وقراها (وهؤلاء من كانوا يُمْلون على المدرسة مناخها السياسي الغالب، ولو من غير نشاط سياسي ظاهر من جانبهم) فإن تحسّسي وجهة الرياح المحلية كان يرجّح عندي كَبْتَ ما في نفسي. لم يكن الفتى «القومي العربي» الذي كنتُه يجد في المحيط المشموشي ذاك متنفّساً لما في صدره من عواطف ومن مواقف. وإلى البرد والسياسة، كان ثمة الغرام… الغرام الذي بكّرت إلى الوقوع فيه في بنت جبيل أشقاني كثيراً في مشموشة!

 

القسم الداخلي والمدينة

حين حللت في المقاصد تحسّنَت حالتي المعنوية تحسّناً بيّناً قد لا أغالي إذا اعتبرته انقلاباً. كان ذلك فِعْلَ المدينة مبطلاً فعل الدير. فمع أنني جئت إلى القسم الداخلي هنا أيضاً، لم يكن الانقطاع عن المدينة باتّاً بل لم يكن محسوساً في كثير من الأوقات. كنا نتمتع، نحن التلامذة الكبار، بقدر من حرّية الحركة يجيز لنا الخروج من المدرسة إذا وجدنا ذريعة مناسبة في بعض أوقات الفراغ من أيام الدراسة، فضلاً عن قضائنا العطلة الأسبوعية في رحاب المدينة. ولم نكن لنتورّع عن تجاوز هامش الحريّة المشروع هذا. فكنّا، في بعض الليالي، نتسلّق سور الملعب من جهة الجامع ونجتاز المدينة إلى البساتين لنملأ أكياس غسيلنا البيضاء بالإكّي دنيا. بل إن أحدنا حوّل خزانة ثيابه إلى مخمر ينضج فيه قرط الموز الأخضر الذي كان الإياب به، في غزوة ليلية، يعدّ فتحاً من الفتوح ويرفع فاعله إلى مصافّ المقدّمين والقادة بين الأقران.

لم تكن صيدا أوفر أنساً من مشموشة وحدها بل كانت تبزّ في هذا المضمار بنت جبيل نفسها. ولم يكن في هذا معجزة ولا كان يعني حيازة صيدا ميزات خارقة. ولكن البون كان كافي الاتساع في عين الفتى الريفي الذي كنته لإشعاري بالارتياح المؤكّد إلى وجودي في مدرستي الجديدة. كان الشتاء هنا أرفق من شتاء مشموشة. ومن ساحة ظهر المير حيث المدرسة إلى شارع رياض الصلح أو شارع الأوقاف حيث السينما كنا نقطع صيدا القديمة ومعظم الجديدة في تلك الأيام. وكانت هذه الرحلة رياضة داخلية تتحرك لها الحواس فتتسرّب إلى النفس منها متعة خفيفة يحدثها اقتران المشاهد والأصوات والروائح في الأسواق والشوارع المتتالية: في المتاجر وفي المحترفات وفي زحمة الأزقّة… وكان التنزّہ بما يتخلله من فرجة أكثر ما نفعله بأوقاتنا في المدينة. لكن أهمّ ما في صيدا كان، في نظري، السينما. فكنت أقصد الريفولي أو الشهرزاد مرّة في الأسبوع على الأقل… وبعد السينما يأتي المقهى (كنعان في جهة ورجال الأربعين في الجهة الأخرى)… هذا مع أننا لم نكن مثابرين على زيارة المقهى لضيق الوقت عن ذلك ولضيق ذات اليد أيضاً. إلى ذلك، كان يكفي القادم من الدير مثلي أن تقع عيناه ههنا على بشر من الجنسين وبينهم فتيات من جيلي يُشِرْن بمجرّد مرآهن هنا وهناك في نواحي المدينة إلى أن الأمل من هذه الدنيا غير مقطوع ويلطّف منظرهن من حدّة الشوق إلى الشعر الطويل الأسود الذي كان يلعب به نسيم بنت جبيل.

 

الطريق إلى نشرة أخرى

وفي السياسة لم تعدم المقاصد، في تلك المرحلة، مناسبات يثبت فيها تلامذتها أنهم طليعة الشارع الصيداوي وروّاد حركة التظاهر فيه بمزاجها القومي العربي. كانت البلاد، في خريف 1958، لا تزال تخرج من «الثورة» لتدخل في «الثورة المضادّة» وكانت المدرسة لا تزال تستذكر حوادث الربيع والصيف السابقين غير مستنكفة عن إضفاء مسحةٍ من الهزل على دعاوى البطولة والعبقرية القتالية. وكان التلامذة البعثيون يتصدّرون المشهد الحزبي في المدرسة ويديرون دفّة السياسة والتظاهر فيها. لم يكن حزب البعث وحده في الساحة بل كان ثمة تمثيل لأحزاب أخرى منها الشيوعي ومنها السوري القومي. ولكن معارضة هذين الحزبين للمدّ الناصري منعت أنصارهما من إظهار نشاطهم بين التلامذة. ولم أكن مصنّفاً في خانة البعثيين بل كنت أدخل مع بعضهم في سجال لا ينتهي لنعلم أي الاثنتين يجب أن تتقدّم الأخرى: «الوحدة العربية» التي كان يقول بأسبقيتها «القوميون العرب» أم «الاشتراكية» التي كان يستعجلها البعثيون؟! وهذا قبل أن يعلم الجانبان أن العرب – بهمّتهما معاً ولدواعٍ أخرى أيضاً! – لن يحصلوا على شيء من هذه ولا من تلك.

في كل حال، لم يمنع اختلاف الرأي أن يكون أقرب أصدقائي من البعثيين. وكان أهمّ ما شهدته صيدا من تظاهرات، في تلك الآونة، يرمي إلى نصرة القوميين في العراق بعد أن انشقّت القيادة التي قلبت النظام الملكي في 14 تموز 1958 إلى كتلتين: واحدة يتصدرها عبد الكريم قاسم ويدعمه الشيوعيون والأخرى يتقدّمها عبد السلام عارف ويسنده البعثيون. وكنت قد وجدت لتوّي حقلاً أستثمر فيه «شاعريتي» وهو نظم الهتافات للتظاهرات. وهذه مهمّة سيظلّ «الرفاق» يعهدون بها إليّ لعقد ونصف عقد تلوا أيام المقاصد. ومما وضعته لتظاهرات صيدا المؤازرة لناصريي العراق وبعثيّيه، أذكر هذه الأبيات، وهي عمل مبتدئ كان لا يزال قليل الدراية بما يصلح لغرض «الهتاف»:

الشعب أقسمَ لا يضامْ

وعلى المذلّة لن ينامْ

مهما طغوا وتجبّروا

فالركْبُ يزحف للأمامْ

والشعب يهتف ثائراً

لبّيكَ يا عبد السلام!

 
   
   

على أن أقرب شيء إلى الحُلُم أو إلى السحر خَبِرْتُه في سياسة تلك الأيام كان رحلة قمنا بها، نحن تلامذة المقاصد، إلى دمشق في الذكرى الأولى لقيام الوحدة المصرية السورية ووقفنا فيها بين ألوف مؤلفة من الناس ننظر إلى جمال عبد الناصر ونستمع إليه وهو يخطب فينا من على شرفة قصر المهاجرين محوطاً بساسة لبنانيين زحفوا معنا في ذلك اليوم مباركين ومجددين البيعة!.

ولا بدّ هنا من القول إن أصدقائي البعثيين السالفي الذكر لم يبق أيّ منهم بعثيّاً بعد سنتين – لا أكثر – من مغادرتنا صيدا. عانينا سويّة صدمة الخلاف بين عبد الناصر والبعث في دولة الوحدة ثم الصدمة الكبرى التي كانها سقوط دولة الوحدة برمّتها. مذ ذاك بدأ القوم يتلمّسون سبيلهم في شعاب الماركسية اللينينية ولم يلبث بعضهم أن انخرط في الحزب الشيوعي اللبناني. ومع أنهم ظلّوا أقرب أصدقائي إليّ وتوسّعت مع دخولهم الحزبَ شبكةُ علاقاتي بالشيوعيين فإنني ظللت أقاوم دواعي الانتساب إلى الحزب مقاومتي قبل ذلك دواعي التحوّل إلى البعث. وفي خريف 1963، غادرتُ الجامعة اللبنانية إلى جامعة باريس لإعداد شهادة الدكتوراه… وهذه قصة أخرى. وبعد سنتين عدت من باريس بلا شهادة ولكن بمعارف ماركسية وارفة. ولم ألبث أن بدأت الخوض مع آخرين في مخاض سياسي مغاير هو ما دعي في تلك الأيام باليسار الجديد، وكنّا فيه شديدي النفور من الحزب الشيوعي، على الخصوص، ومن رعاته في العالم. في عشر سنوات (أي بين سنّ الثالثة عشرة وسنّ الثالثة والعشرين) كان هذا هو المسار الذي توسَطَتْه مرحلتي المقاصدية وأوصلني من «حركة القوميين العرب» ونشرة «الثأر» إلى «اليسار الثوري» ونشرة «لبنان الاشتراكي»…

 

المقاصد وجوهاً ومسالك

في عاميّ المقاصديين، كان صلاح طه البابا هو مدير المدرسة. وكنّا قليلاً ما نقابله أو نكلّمه إذ كان الأمر محتاجاً إلى داعٍ وجيه. وكنّا نهابه ونصغي إليه صامتين إذا خطب فينا في مناسبة من المناسبات. أذكر من ذلك أننا كنّا مصممين على الإضراب ذات صباح في ذكرى قرار الأمم المتحدة الذي قضى بتقسيم فلسطين. فخاطبنا المدير من أعلى الدرجات القليلة التي تفصل بين الملعب والرواق المقنطر وقال لنا إن قرار التقسيم رفضه العرب ولم يرض به اليهود، ففي وجه من نضرب؟

ومن النظّار أذكر سليم المجذوب الذي كان دمثاً وظاهر الأناقة وكنّا قليلاً ما نحتاج إلى مخاطبته. وأذكر ناظرَي القسم الداخلي محي الدين حشيشو وحسين شريف وكانا مرجعينا المباشرين في معظم ما يعرض لنا من شؤون. حشيشو كان صارماً وكنا نعلم أنه شيوعي فنبادله تحفّظاً بتحفّظ. وأما شريف فكان ملايناً حريصاً على مودّة الكبار من التلاميذ: فيأذن لهذا بالخروج ساعة إلى المدينة، بعد دوام المدرسة، ويغضّ الطرف عن سيجارة يدخّنها ذاك، إلخ.

ومن المعلّمين، أذكر شعبان بركات الذي درسنا عليه الأدب العربي وعفيف الشريف الذي درّسنا الأدب الفرنسي وسلّوم الدحداح مدرّس الرياضيات وسعد الدين عوكل مدرّس العلوم. كان بركات صورة للمعلم المحافظ المتقشّف، المتعلّق بأهداب الواجب والنظام والمتبتّل للمهنة. وكانت للشريف، بخلاف ذلك، طريقة في التعبير ولغةُ جسدٍ خاصتين به وكنا نحبّ أن نخرج معه عن نطاق الأدب الفرنسي لنستفتيه في مسائل ما بعد الطبيعة! وأما الدحداح وعوكل فكان كلاهما يتّسم بحيوية وبشاشة محبّبتين وداعيتين إلى رفع الكلفة وكانا يشتركان، إلى ذلك، في الضجر الظاهر من التدريس وتبعاته. وكان في المدرسة بعثة من المدرّسين المصريين درست على واحد منهم الجغرافيا وكان اسمه رأفت الحنّاوي. وكان فيها أيضاً أزهريّ معمّم لا يكبرنا، نحن تلاميذ الصفوف الأخيرة، إلا ببضع سنوات وقد تلقينا عنه دروساً في الدين. كان شيخنا هذا يوزّع علينا دروسه مطبوعة جاعلاً لها عناوين من تلك الرائجة في تلك الأيام: «الإسلام والحرّية»… «الإسلام والاشتراكية»…، إلخ. ولكن قدرة الشيخ على جذب اهتمامنا بدروسه بقيت جدّ محدودة. لم يكن المناخ كلّه يعزّز جاذبية الدروس ولم يكن للمادّة وزن مرجّح في الامتحان الأخير ولا كانت من موادّ الامتحان الرسميّ أصلاً. ومهما يكن من شيء فإن أبرز أعضاء البعثة المصرية كان محمود الدوّة مدرّس الأدب العربي في القسم الإنكليزي من المدرسة. وقد أصبح، إلى مهمّته هذه، يلقي خطبة الجمعة في الجامع العمري الملاصق الذي كان مفروضاً أن نقصده للصلاة ظهر الجمعة ولكن كان كثيرون منا ينسلّون منه قبل الصلاة مبكّرين إلى التنزه في المدينة. هذه كانت أيضاً حال واحد من نظّار المدرسة هو عبد الله الشريف، فقد توزّع نشاطه بين غرفة النظارة ومنبر الجامع.

هذا، تقريباً، كل ما كان ظاهراً من معالم إسلامية في المقاصد الإسلامية. وفي وسط التلامذة أيضاً، لم تكن المثابرة على أداء الفروض باديةً ولا كان التوجه الإسلامي ذا مكانة ملحوظة بين الانتماءات السياسية. يستثنى من ذلك أن تلامذة القسم الداخلي كانوا يُحْملون على صيام رمضان بحجب وجبة الغداء من المطعم طوال الشهر المذكور وبتقديم وجبة السحور للراغبين. وكان غير الراغبين في الصيام (وهم كثر) يحتالون على هذه الحال بما ملكت أيديهم. فكانت أمّي، مثلاً، (وهي نفسها صائمة ولكنها مسلّمة بعزوفي عن الصيام) ترسل إليّ، كلّ أسبوع، مع بوسطة بنت جبيل – بيروت التي كان أبي شريكاً في ملكيتها، سلّة مليئة بالأطايب. فكان أصحابي المفطرون يتجمّعون حول السلّة فنأتي، في وجبة واحدة، على كل ما فيها باستثناء البيض. وعليه كان غدائي يصبح مقتصراً تقريباً على البيض لبقية الأسبوع. وهو ما كان يجعلني، بعد رمضان، أصاب بنفور طويل الأمد من البيض فلا أقربه لشهور تلي… ولا بدّ لي من الإشارة هنا إلى أن مطعمنا التقي الورع وطبّاخنا حيدر كانا يتساهلان كثيراً في أمور من قبيل قلي البيض ويساعدان بما يجب لإتمامها.

هذا وليس لي أن أغادر حديث المعلمين دون تنويه أخير لا آخِر. وهو أن المعلّم الذي لقيته في المقاصد ولبث حاضراً في حياتي سنين كثيرة بعد ذلك أستاذاً لي في الجامعة اللبنانية ثم زميلاً لي فيها وصديقاً ناصحاً على الدوام كان نزار الزين. فحين انتقلت إلى السنة النهائية أصبح هو مدرّس الفلسفة العامّة لثلاثة أو أربعة من التلامذة كانوا يشكّلون صف الفلسفة في القسم الفرنسي وكنت أحدهم. وكان هو نفسه مدرّس الفلسفة الإسلامية التي كنا ننضمّ لدروسها إلى تلامذة القسم الإنكليزي وكانوا أوفر عدداً منّا بكثير. فكنا نلازم نزار الزين ما لا يقل عن 15 ساعة من الأسبوع أي معظم الدوام. وهو ما أنشأ بيني وبينه صلة متعددة الوجوه كانت تشتمل أحياناً على النصح الطبّي أو الغذائي حين يراني هزيل الجسم، شاحب السحنة، وعلى أحاديث السياسة وعلى استمداد معارفه بمسائل وبأهل فكرٍ مما لم يكن ملحوظاً في المنهاج المعلوم، إلخ.

 

أصحاب لـصاحب صيدا والمقاصد…

نفعني الشعر والتمكّن اللغوي (ولو انه كان نسبياً بالتأكيد) ههنا أيضاً. بوّآني في المقاصد مكانة شبيهة لتلك التي كانت لي في مشموشة. أصبحت «وجيهاً» أدبياً في المدرسة وعُهد إليّ بتحرير وحي الكلّية، مجلّة المدرسة، وجنيت من هذا العمل متعة كان شريكي الأول فيها صديقي نصير مروة. ولم تخل المجلّة التي خرجت من بين أيدينا من نقد هازل اغتاظ منه بعض المعلمين. وفي نهاية مطافي المقاصدي خرجت بشهادات متنوّعة: ثلاث بكالوريات أولى: المدرسية واللبنانية والفرنسية! وواحدة ثانية لا غير: اللبنانية. نلتها في الدورة الثانية لأن بيتنا في بنت جبيل كانت قد استبدّت به حين جئته في عشايا الدورة الأولى فوضى عارمة من جرّاء انتخابات 1960 النيابية، فتعذّر عليّ التحضير. رسبت في امتحانات الفلسفة ورسب أبي في الانتخابات… كان على أبي أن ينتظر أربع سنوات قبل أن يعاود الكرّة. وأما أنا فنلت مطلوبي بعد ثلاثة أشهر ولكن تعيّن عليّ أن أختصره آسفاً إلى شهادة واحدة من ثلاث.

وفي باب الصداقة، عادت عليّ سنتاي المقاصديتان بعلاقات كثيرة صمد بعضها إلى اليوم ولبثت كلها عزيزة على قلبي ولو ان الصلة الحسية انقطعت بعد مدّة طويلة أو قصيرة. وما يميّز نسيج الصداقة المقاصدية أنه يكون منتشراً على بقاع مختلفة من الجمهورية هي تلك التي كان يأتي منها المقاصديون. بعض هؤلاء وهم نصير مروة ونزار سكرية ومحمد عبد الله (المعروف بمحمد المفتي) وأنطوان عبدو شاطرتهم السكن الجامعي في بيروت بعد أن تخرّجنا من المقاصد أو توطّدت صلتي بهم في الجامعة. وبعضهم من أمثال غسان التنوخي ومحمد بكّار أسرعوا إلى الهجرة ثم باتت تنقضي سنوات قبل أن أعلم من أمر أحدهم جديداً. وبعضهم أيضاً من أمثال نهاد حشيشو وغازي قهوجي وحسين صبّاح لا يندر إلى الآن أن ألقاهم في مقهى بيروتي أزوره في بعض الأيام. وبعضهم، أخيراً، من أمثال محمود أبو طعام ونعيم مرتضى وعبد الهادي هادي أضعت آثارهم كلياً بعد رحيلنا عن صيدا ولكن لا تزال وجوههم الودودة تملأ مخيلتي على غير موعد بين حين وحين… وقد مضى على فراقنا اليوم أزيد من نصف قرن.

ازددت «علماً» أو معارفَ من مقاصد صيدا: لا ريب في ذلك. ولكن بقي لي منها ما أجده أغلى من تلك المعارف وأهمّ. حين أقول إن المقاصد مدرستي يبعث فيّ هذا القول شعوراً بأنني صاحبها كلها، على نحو ما، بشراً وحجراً! وقد كان من المقاصد أنها جعلت صيدا مدينتي. فمن تلك الأيام بقيتُ صاحب صيدا أيضاً بشراً وحجراً! لذا يلازمني الأسف لأنني لا أزور صيدا والمقاصد أكثر مما أزورهما فعلاً. ولذا أظل أذكر بالخير لقاءين أو ثلاثة نظمّتها لنا رابطة الخريجين وأسأل أين هي اليوم رابطة الخريجين ولمَ لا تمتّعنا بلقاءات أخرى؟ سواي مقصّر وأنا مقصّر أيضاً.

بيروت في 22-23 شباط 2012

[1] كلمة أعدّت إسهاماً في كتاب مقاصد صيدا بأقلام متخرّجيها، الجزء الثاني، وهو سيصدر بعناية المهندس محمد راجي البساط.

 

 

 

حوار مع جهاد بزي (السفير) حول الانتخابات

أحمد بيضون: الحرية بلا دولة القانون تسمح بالقتل وبتأليف السيمفونيات
جهاد بزي
هادئ أحمد بيضون. المثقف واللغوي والأكاديمي والباحث التاريخي والاجتماعي، الدكتور الموسوعي اختصاراً، يجلس في بيته الجميل في رأس بيروت. إذا حكى في السياسة، يرفعها إليه. يجردّها من غايات تحكم السياسيين، ومن مخاوف وأحقاد ومحاباة تحكم مواقفهم، ومن جهل يوصف العديد منهم به، في قضايا من المفترض أنهم خبراؤها.
لا يحكي في مجردات، ولا يعيش في صومعة. القارئ الممتاز للتاريخ كما للحاضر يعرف بمهارة الأستاذ الجامعي كيف يشرح الأفكار، كما يعرف كيف يرى إليها، بعيني المثقف.
الانتخابات ليست شأناً جديداً بالنسبة إليه. لديه أكثر من بحث حولها. وهو، في حواره مع «السفير» ناقش ليس القوانين الانتخابية وتأثيراتها وسلبياتها وإيجابياتها ومفاهيمها فحسب، بل ذهب في النقاش أبعد، إلى نقطتين سابقتين للانتخابات، وأكثر أهمية منها: النظام الطائفي ودولة القانون، أو بالأحرى، دولة غياب القانون.
أحمد بيضون في الحلقة الثانية من الحوار حول شؤون الانتخابات وشجون البلاد.. بعيداً عن حلبة صراع الديكة.

{ لماذا لا يوجد قانون انتخابات ثابت ودائم في لبنان؟
÷ لسنا وحيدين في هذا الموضوع. الدول تعدّل قوانين الانتخاب فيها وهو أمر جار وشائع. لكن الدول الديموقراطية الانموذجية لديها مزيد من الاستقرار في هذا الأمر، كفرنسا او انكلترا. ومع ذلك، فهذه الدول تشهد تغييرات. الحاصل في لبنان أن القوى الغالبة في مرحلة معينة على صعيد السلطة التنفيذية ومجلس النواب تريد الاحتفاظ بولاء الأغلبية اللبنانية لها وهي تلجأ إلى التغيير اذا شعرت ان ثمة خطراً على الأكثرية التي تتمتع بها. وفي حالات الانقسام الشديد في البلاد يصبح الامر حيوياً لكل من الطرفين وموضوع معركة.
{ هل من الصحي ألا يعرف المواطن القانون الذي يقترع على اساسه؟
÷ ليس صحياً بالطبع. يجب ان يكون معروفا ما هو القانون وأن تُشرح مسوّغاته وآلية عمله ويجب أن يفهم المقترع كيف يؤثر صوته في نتيجة الاقتراع. فإذا اعتمدت النسبية، مثلاً، نحن حيال نسبيتين: التمثيل الطائفي هو نسبية قائمة على الأنصبة المحفوظة للطوائف أصلا، وحين نضيف نسبية ثانية مركّبة فوق النسبية الأولى، فهذا أمر سيخضع لقواعد احتساب معقدة بحيث أن الناخب الذي يضع صوته في الصندوق لن يفهم كيف وبأي نتيجة خرج صوته. ويصبح الأمر أكثر تعقيداً بما لا يقاس إذا اعتمدنا قانون الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب (قانون فؤاد بطرس) الذي يقول بصيغة مركّبة، بحيث ينتخب قسم على القاعدة النسبية وقسم آخر على القاعدة الأكثرية، ويكون هناك نوعان من الدوائر متفاوتة الحجم، ويكون هناك صوتان تفضيليان لكل مقترع يعين بواسطتهما الاسمين اللذين يحوزان الأفضلية عنده من بين جميع الأسماء المعروضة. بذلك يصبح الاحتساب وتقرير النتائج معقداً بصورة يستحيل على الناخب غير المتخصص تخصصاً دقيقاً في علم الانتخابات أن يفهم كيف أدى صوته إلى هذه النتيجة.
{ ماذا عن قانون الستين؟
÷ الوحدة الانتخابية في قانون الستين هي القضاء. مشكلته انه يفتت إلى حد كبير التمثيل النيابي خصوصا أن مبدأ الأكثرية هو المعتمد. ويجعل نتائج الاقتراع مرهونة بمدى التلاحم الطائفي الذي يتفاوت بين طائفة وأخرى، وكما ينشئ في بعض الدوائر تبعية لنواب طائفة معينة للقيادة السياسية المنتمية إلى طائفة أخرى. وهذا سببه أن الاقضية غير متساوية في ما بينها وهي متفاوتة التمثيل لجهة عدد النواب فتجد مثلاً أقضية كبرى من قبيل الشوف أو بعلبك ـ الهرمل فيها من 8 إلى 10 نواب، في دائرة مثل جبيل تنتخب ثلاثة نواب فقط. مما يجعل للصوت تأثيراً متبايناً من دائرة إلى أخرى وإذا تمعّنا في الأمر وجدنا أنه يشكّل مطعناً في المساواة بين الناخبين. فان يؤثر ناخب في النتيجة المتعلقة بانتخاب عشرة نواب، بينما يؤثر آخر في انتخاب نائبين (بشري نموذجا) فقط يجعل للأول وزناً اكبر بكثير من الثاني.
أما مشكلته الأخرى فهي إتاحة نوع من التأثير الذي لا تستسيغه القيادات الطائفية لطائفة معينة في تمثيل طائفة أخرى. في بعلبك الهرمل، هناك مقعدان سني وكاثوليكي لكن الشيعة هم من يقررهما.
{ أي قانون هو فعلياً الاكثر تمثيلاً، النسبي او الاكثري؟ وعن أي مصالح يعبر كل منهما؟
÷ من يتوقع التراجع في الانتخابات المقبلة يفضل النسبية لأنها تمنعه من السقوط الذريع أمام خصومه. لكن من لديه تحالف كاسح، كالثنائي «حزب الله» و«حركة أمل»، يعلم أن النسبية لن تؤثر عليه، فيمضي بها، عارفاً ان الحريرية ستخسر من قوتها في حال اعتماد النسبية.
لكن النظام النسبي هو دائماً وفي جميع الحالات الاكثر تمثيلا. والافضل تعبيراً عن تنوع المشهد السياسي الشعبي. لكن تؤخذ أمور أخرى عليه منها أن التمثيل النسبي يضعف قاعدة الحكم، أي السلطة التنفيذية لأنه يمنع تشكيل اكثرية نيابية وطيدة ومستمرة إلى حين معين. ويؤدي إلى تعذر تشكيل حكومات او السقوط المتتابع والمتقارب للحكومات وهذا أمر سيء، لأن عدم استقرار الحكم أمر سيء، كما الاستقرار المفروض فرضاً للحكم أمر سيء.
{ ما هي معوقات التمثيل الانتخابي الحقيقي للبنانيين؟
÷ علّة التمثيل النيابي هي موقعه كتمثيل نيابي اساساً من نظام الحكم الطائفي، والتعديل في قانون الانتخاب يغير الكثير من الوقائع لكن لا يخرج نظام الحكم من مشكلته الرئيسية. لديك نظام انتخابي قائم على جغرافيا وهمية كلياً. انت تعد لوائح الشطب بناء على لوائح النفوس. في بلدة مثل «بنت جبيل» هناك خمسون الف مواطن ونصفهم ينتخب، افتراضاً. وبناء على هذا الرقم يحق لها بهذا العدد من النواب. لكن في الواقع بنت جبيل يقيم فيها 4000 مواطن ومنهم الفان يقترعون. انت قدرت تمثيل هذا البلد بناء على جغرافيا الوهم والآخرون الذين في بيروت او في الضاحية حرمتهم من التصويت في الاماكن التي يتقرر فيها كل شيء مهم يتعلق بحياتهم. ونقل النفوس، المسموح قانوناً، يعد غزواً متبادلاً بين الطوائف، وتقوم إثره ردات فعل طائفية. السبب في هذا الخلل هو الحفاظ على المبدأ الطائفي في التمثيل. اذا ألغيته لا يعود هناك مشكلة في تخيير هذا الشخص في الاقتراع مكان دفنه بعد عمر طويل، او مكان بيته وحياته.
المشكلة الثانية هي أن هناك فرض على كل الناس وتجنيد اجباري لهم في الطوائف، مرشحين كانوا أم ناخبين، مع أن هناك ناخبين ومرشحين لا يرون في الطائفة مرادفاً لتصورهم عن انفسهم. هؤلاء مفروض عليهم أن يترشحوا عن مقاعد طائفية، ويقترعوا في اقلام طائفية، ويكون النائب الفائز نائباً عن الطائفة وعن الامة معاً. كيف تركب هذه؟
{ هل من الممكن التخلص من هذا يوماً؟
÷ اتفاق الطائف قدم صيغة مجلس شيوخ تنطوي على ضمانات للطوائف، وصلاحياته هي ان يكون هيئة تمنع التمييز الطائفي، ليست هيئة طائفية تشرف على التوزيع والانصبة الطائفية بل تمنع التمييز بين الناس على اساس طائفي، يجب ان تكون اساس الصلاحيات التي يتمتع بها مجلس الشيوخ. في ما يتعدى ذلك، مجلس نواب ينتخب على قاعدة النسبية ومن دون توزيع طائفي. في هذه الحالة، سيقل عدد النواب المسيحيين، وفي نظام غير طائفي يجب التسليم بالأمر لأن من مشاكل النظام الحالي مشكلة المناصفة القائمة على وضع وهمي. لديك ثلثا الناخبين لديهم نصف عدد النواب، وهو أمر غير طبيعي. المنافقون يتجنبون التصريح في هذا الأمر، لكن يجب ان يترتب على الأمر مقتضاه: في نظام غير طائفي هو أمر أقرب الى المساواة والعدل ويجنّب كل الاطراف مشاكل في المستقبل، لأن هذه القصة اذا كانت مقبولة الآن فلا أحد يضمن أن تظل مقبولة بعد مدة من الزمن ومن الأفضل أن تحل بالتفاهم والحوار من أن تحل في جو أزمة.
{ هل الانتخابات هي من تقرر اذا كانت الدولة ديموقراطية أم لا؟
÷ لا. الانتخابات ليست وحدها المقررة. السمة الاولى للدولة الديموقراطية هي انها دولة قانون. ولبنان ليس دولة قانون لأن لا محاسبة فيه، وهناك وقائع مفروضة بالقوة على السلطة العامة، وهناك قرارات مهمة جدا لا تؤخذ ديموقراطياً في البلد بينها ما يتعلق بها مصيره. المؤكد ان النظام الانتخابي ليس وحده من يجعل البلد ديموقراطياً.
والنظام، بطائفيته، يحمي الفساد والجريمة وأنواعاً مختلفة من الخروج عن القانون حيث يخبّئ مجرم في مكان لا احد يستطيع أن يطاله، واذا كان مجرماً مهماً كفاية، يمكنه أن يتنزّه حيث يريد ولا يطاله أحد.
الركن الاول للدولة الديموقراطية هو أنها دولة قانون، وليس انها دولة انتخابات. والقانون ينص بين ما ينص عليه على الانتخابات والسيادة وتداول السلطة وحرية الرأي والمعتقد وكل الحريات المدنية والسياسية. كل هذه الامور متماسكة في النظام الديموقراطي. لا يمكنك أن تسحب ركناً اساسياً من هذه الأركان وتقول أنت في دولة ديموقراطية. ونحن لدينا قوانين كثيرة لكن ليس لدينا دولة قانون. هذا يؤدي الى نوع واحد من الحريات، يسمح لك بأن تقتل أو أن تؤلف سيمفونية. الحرية نفسها في لبنان تسمح لك بالأمرين. يمكنك هنا أن تحكي وتكتب بكثير من الحرية، وتجلس في المقهى وتثرثر كما تريد، ولا تتعرض لشيء، لكن ليس لأن القانون يكفلك، بل لأن هناك فوضى. بينما في دولة القانون، الحريات التي تتمتع بها، تظل تتمتع بها، لكن بكفالة القانون.

كلمن | مسيحية بولس الخوري وإسلامه

مسيحية بولس الخوري وإسلامه

Source: كلمن | مسيحية بولس الخوري وإسلامه

 

 الحوار في ما يتعدّى الديانتين[1]

أحمد بيضون

 

يريدنا كتاب بولس الخوري أن نوغل، عند اختيار مدار للحوار بين الإسلام والمسيحية، نحو ما هو جوهري. وما هو جوهري، في عرف هذا الباحث العارف، إنما هو الإيمان. وهو يرى أن إدراك هذا المدار يقتضي منّا الوصول إلى ما وراء المنظومتين الدينيتين: المسيحية والإسلامية. هاتان المنظومتان ينسبهما المؤلف إلى الثقافة، أي إلى بيئة يستوي فيها الروحي موضوعاً فيعود غير ماثل في الروح أولاً. وإنما هو يَدْخلها – إذا دخل – من أبواب مفتوحة على الخارج ويأتي إليها بحمولات العالم اللاشخصي. ومع أن المؤلف يفسح من كتابه معظم صفحاته لوصف المنظومتين المشار إليهما وبسط ما فيهما من عناصر وما تتشكلان به من علاقات وتنطويان عليه من دلالات، فإن بعض عباراته تعاملهما على أنهما أشبه بعبء على الإيمان وأَوْلى بأن تعتبرا عقبة أو شبكتين من العقبات، بالأحرى، في طريق الحوار. وما ينصبه الباحث في وجه المنظومتين المشار إليهما إنما هو منظومة وقائع ثالثة يراها غلابة ويبدو منه ميل إلى التسليم بسلطانها، وهي ما يسميه، هو وغيره، الحداثة.

المنظومتان الدينيتان تبدوان إذن مأخوذتين بين محنتين تمعنان فيهما طعناً ولكن على نحوين مختلفين. الحداثة تفرض عليهما حالة من عدم التكيف العملي أو من الغربة المشوبة بشعور بالتخلّف عن غايات عاد من غير الجائز التقصير عن إدراكها. هذه الغايات تتمثّل ببنى مادية غامرة الحضور، ولكنها تتمثّل أصلاً، فيما يتعدّى البنى المادّية، ببنية عقلية وبشبكة قيم وأهداف تمثّل كلها انقلاباً صريحاً على تلك التي كان يتحكم بها الدين. والمؤلّف – وإن يكن لا يفر الحداثة من نقد المؤمن المتمسّك بخياره الروحي –  ينتهي (أو هو يبدأ) بانحياز إجماليّ إليها على أنها سمة العالم الحاضر. وهذا انحياز يقف به، على نحو غير خفيّ، في مواجهة المنظومتين العمليتين المسيحية والإسلامية ويصحّ اعتباره استعداداً لإعادة نظر جذرية في “العقلية” التي تتبدّى على أنها علّة افتراقهما عن مبادئ الحداثة.

على الجهة الأخرى من المنظومتين الدينيتين، يتراءى الإيمان على أهبة نقد من طراز آخر ومن منبع مغاير، على الأخص. فالإيمان إذ يباشر عمل نقد داخلي لمنظومة دينية يرى انتماءها إلى نسبية الثقافة، إنما يفعل باسم المطلق الذي هو موضوعه. وهو يردّ بالنقد ما كانت المنظومة نفسها قد ابتلته به من وجوه التحوير وهي تسعى إلى تجسيمه في أفعالٍ حسّية وبنى مادّية. على الرغم من  هذا التغاير في طبيعة النقدين الإيماني والحداثي ومصدرهما، يتبديان، في حجاج بولس الخوري، متضافري الفاعلية، متآزرين لتطويع المنظومتين الدينيتين لغاية الحوار المثلى ولأغراضه المحدّدة أيضاً. وهما، أي الإيمان والحداثة، إذ يفعلان هذا الفعل ويتآزران هذا التآزر ينتهيان إلى الغضّ الواضح من شأن المنظومة الدينية ومقامها، سواء أكانت مسيحية أم إسلامية، بالقياس إلى سموّ الإيمان وإلى ضرورة الحداثة وحتمية التحديث ولو محتاجين إلى ترشيد .

أوّل الأسئلة التي أجيز لنفسي طرحها على هذا الكتاب يتناول، على وجه التحديد هذا التمييز الذي هو عماده ما بين الإيمان والمنظومة الدينية. لا أسأل عن شرعية التمييز، فلطالما أبرزت شرعيته الخبرة: خبرة أهل الأديان وخبرة نقّادها. ولا أسأل عن الحقّ في امتحان المؤمن صلاح المنظومة الدينية بمحكّ الإيمان، فهذا – فيما يتراءى لي – حقّ يتعذّر الطعن فيه. وإنما أسأل عن الصفة العملانية لهذا التمييز بما هو، في نظر بولس الخوري، الباب الأوسع للحوار المسيحي الإسلامي. هل يبقى الإيمان موضوعاً ممكناً لكلام (هو، في الحالة التي نحن بصددها، حوار ذو طرفين) عندما يحصل عتقه من المنظومة التي تجسّمه منظوراً وتصوغ الصور الموضوعية لتجلّيه؟ ألا يصبح الإيمان، عند تمام هذا العتق، أشبه بالنقطة الهندسية التي لا يعرف لها قِوام إذا خفي الخطّان اللذان هي ملتقاهما؟ هل يسع المتحاورين مباشرة الكلام في إيمانهما من غير أن يباشرا العودة كلّ إلى منظومة تصف الإيمان موضوعاً وخبرة وصيغاً لعلاقة أو لعلاقات وعواقب مستتبعة؟

هذا أوّل الأسئلة وأَوْجَهُها، في نظري، لم أقاوم الرغبة في تقديم طرحه على كلام لي في تقريظ الكتاب أراه لا يقلّ أهمّية عن جملة ما يسعني أن  أطرحه عليه من أسئلة. وهو كلام على ما أحبّ تسميته رياضة الإخلاص التي يقدّم هذا الكتاب نفسه وكاتبه على أنهما مثالان لها. وما أسميه رياضة الإخلاص هو هذا الجهد المنتشر في كل فقرة بل في كل عبارة لفهم الغير حقّ فهمه مع حفظ النفس. فلا أثر هنا لظلم يداخل أصل الموقف من الإسلام أو يقع على المسلمين من جانب هذا المسيحي المؤمن. ولا أثر أيضاً لتزلّف يراد به تهوين ما ليس بهيّن أو استدراج من لا يحمله إيمانه على القرب. وفي هذه الرياضة، يبدو المؤمن ضالعاً في إيمانه إلى درجة تسهّل عليه ما ليس يسهل على ذي دين: أي هذه الحرّية في معاملة المنظومة الدينية التي يصدر عنها وفي الكلام عليها وعلى المؤسسة التي تجسّد حضورها في العالم وترعاه. وما أسمّيه ظلماً للغير يبرأ منه هذا المؤلّف، إنما هو خلاف العلم بقدر ما هو خلاف الإنصاف. ويزيّن لي هذا الفهم المعنى القرآني للظلم: وفيه يبدو الأخير، بما هو أخ شقيق للظلام، مرادفاً للجهل وخصيماً للصواب. نحن مع بولس الخوري في حوزة العالم أو، على الأصحّ، في حوزة العارف، وهذا ما يمنح الإخلاص ههنا تمام معناه.

ومن قبيل التشبّه بالكريم الذي هو موضوع حديثي، أمضي قدماً في أسئلة أطرحها على الكتاب. وفي تخميني أن بعضاً من أسئلتي اكتسب بعض مسوّغه من طول الزمن الذي مضى على ظهور هذا الكتاب أوّل مرّة. فمن الصفحات الأولى، نشعر أن المؤلف مقيم في مناخ الحداثة المنتصرة، بما هي نظام لجانب من العالم وبما هي مثال يرتجي تحقيقه الجانب الآخر، وفي مناخ ما واكب ذلك الانتصار من انسحاب غربي (أو ممّا بدا أنه كذلك) من قيم الدين… والراجح عندي أن هذا المناخ كان سيتغير كثيراً أو قليلاً لو أدرك الكتاب ما أطلق عليه، بعد حين، اسم الصحوة الإسلامية وما جرّته هذه الصحوة من عقابيل شرقية وغربية ما نزال نعاين ونعاني نارها ودخانها إلى يومنا الحاضر. يدرك القارئ المتنبّه أن الكتاب الذي ظهرت طبعته الأولى سنة 1973، ألّف في عشايا هذه الصحوة لا في إبّانها وأنه نشر قبل أن يبلغ المثال الحداثي أيضاً ما بلغه في العقود الثلاثة الأخيرة من تضعضع وعجز عن حفظ ما كان ممتّعاً به في المرحلة السابقة من ظاهر الإجماع. ذاك – أي اختلاف الحال بين أمس هذا الكتاب ويومه – أمر كان يحسن تنبيه القارئ، في تصدير الكتاب أو في مقدّمة جديدة له، إلى وقعه على مضامين النص ونَفَسه.

 

  • ●●

 

وأما الأسئلة التي طال تلويحي بطرحها على هذا الكتاب فقد يجوز لي إجمالها في واحد: هل أخذ التعدّد حقّه في كل من المنظومتين المسيحية والإسلامية عند وضع كل منهما بإزاء الأخرى للنظر فيما يستبقيه منهما حوار يرتكز، في ما يتعدّاهما، على وحدة الإيمان وينظر من علياء هذه الوحدة أو من عمق أفقها، بالأحرى، في أنسابهما الثقافية؟ لم يهمل المؤلف ما في المسيحية من مذاهب كبرى وصل الأمر باثنين منهما (هما الكاثوليكي والبروتستانتي) إلى إطلاق اسم “الديانتين” عليهما، ولو أن هذا نادر في الاستعمال العربي. يكرّس المؤلف فقرات للحديث عما تفترق به الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية. وهي فقرات مشربة إنصافاً وحسن تمييز للجوهري من العرضي، شأنها في هذا شأن سائر الكتاب. ولكن حين ينزل رب المسيحيين ورب المسلمين أو صورتا الرب الواحد بالأحرى إلى ساحة الحوار، فإن الصورة المعتمدة للرب المسيحي، في هذا الكتاب، تعود – في ما يبدو لي – صورة كاثوليكية. وهو ما ييسّر وضع الربّ المتعالي، إله المسلمين، في مواجهة الربّ المتأنّس إله المسيحيين والقول بوجود توق إنساني إلى التأله في المسيحية يراه المؤلف مفقوداً من الإسلام.

وما أراه أن هذا تشخيص تقبل زواياه الكثير الكثير من التدوير وذلك من الجهتين المسيحية والإسلامية معاً. فمن الجهة المسيحية، تبدو الحظوة بالنعمة وبالخلاص، عند البروتستانتيين، مرهونة بإرادة ربانية مطلقة الحرّية، لا تغيرها أعمال البشر. وتبدو القداسة مختصّاً بها الله فلا تعدّ حالّة في مخلوقاته. وتظهر إرادة الله لغزاً عصيّاً على الترجمة أو يبدو صمته أشبه بريح باردة تشيع الوحشة في عالم داخلي أو خارجي ينتظر كلمته ونوره بلا طائل. ظهر هذا الشعور بالشكّ الملازم للإيمان وبالغصص أو بالوحشة حيال صمت الله واستعصاء مشيئته وخططه على فهم البشر في تعبيرات فكرية أو فنية متناهية الروعة عند بروتستانتيين أو ذوي أصول بروتستانتية من أمثال سورين كيركيغارد وبعده فريدريش نيتشه في الفلسفة أو إنغمار برغمان في السينما، إلخ. الإيمان ههنا علاقة شخصية بالخالق، ولكن هذه العلاقة قد يشاء لها الله الاضطراب أو الانقطاع فيبدو الله وكأنه قد خرج من نظام العالم ومن قلب الإنسان حتى ليمكن القول إنه قد مات. زبدة القول أن الله في هذا العالم البروتستانتي، بمرجعيته التوراتية الغامرة الحضور، لا تطّرد فيه تلك الدرجة من القرب والألفة التي يصف بها المؤلف إله المسيحيين وتزكّيها صورة الطفل الإلهي ابن الإنسان.

ولعلّ في غلبة الحضور الأميركي، وقبله البريطاني، على ذاك اللاتيني في العالم الإسلامي، وهي غلبة استغرقت القرنين الفائتين، ما يزيّن الاهتمام الخاص بلاهوت البروتستانتيين وتقاليدهم عند البحث في احتمالات الحوار المسيحي الإسلامي وفي شروطه. فحين بدأ البحث في الردّ على ضربة الحادي عشر من أيلول، قدّم الأميركيون مبدأ الحرب العادلة وكأنه اعتذار مسبق من مسلمي أفغانستان والعراق الذين سيتعين قتلهم في الأعوام التالية. أي أن جانباً من الإعداد للحرب تولاه اللاهوت البروتستانتي، وهذا مع العلم أن المرجع كان أوغسطينوس وتوما الأكويني أي كان مسيحياً سابقاً على الإصلاح اللوثري. هذا يلفت أيضاً إلى الحضور الضئيل، في كتاب بولس الخوري، للحرب وللعنف بما هما موضوعان للحوار بين الديانتين بعد أن ظلا زمناً متمادياً ينشران ظلالاً رهيبة على ساح العلاقة بين العالمين. على التعميم، لا تبدو أميركا بلادأً كشف الدين سحره عنها إلى الحدّ الذي عرفته فرنسا وتكوّن من جرّائه تصوّر بين تصوّرات للحداثة هو الذي يأخذ به المؤلف.

فإذا كان هذا المعبود البروتستانتي قد ارتدّ خطوات نحو ربّ العهد القديم واقترب بذلك خطوة من ربّ القرآن، فإن هذا الأخير ليس مثابراً على التعالي ولا معلياً أسوار التغاير بين ما هو وما هم البشر إلى الحدّ الذي ينسبه إليه المؤلف. الله في الإسلام يحتمل، بما هو المطلق، مطلق التفارق بين صفاته. ويُنْسب إلى علي بن أبي طالب وصف القرآن بأنه “حمّال أوجه”، وهذا وصف يصحّ، أوّل ما يصحّ، في ربّ القرآن. ونكاد لا نحتاج إلى الإشارة إلى أن العزيز الجبار القهار المتكبر هو نفسه الرؤوف الغفّار الرحمن الرحيم. وقد أمكن أن يقول النبي لصاحبه وهما لاجئان في الغار بعد أن خرجا من مكّة وخرج في طلبهما المشركون :”لا تحزن إن الله معنا”. حضور الله هذا يطلبه المؤمن في كل حين، إيناساً لوحشته أو قضاءً لطلبته أو ردّاً لأذيّة يخشاها. وهو عند ذوي الإيمان حضور شخصيّ لله، يحصل في القلب، شأنه شأن ذاك الذي ذكره النبي لأبي بكر في الغار، وليس هو بالمدد غير الشخصي. فالله يقول عن نفسه إنه “قريب” يجيب دعوة الداعي إذا دعاه وإنه الذي بذكره “تطمئن القلوب” وإنه “يحبّ المؤمنين” ويحبّونه. ولا يمنع ذلك أن يكون الله هو من يُرى الجبل “خاشعاً متصدّعاً” إذا نزلت عليه كلمته ولا يمنع أن يأخذ الله المذنب بذنبه إذا لم يشأ أن يغفر له وان يذيقه عذاب النار.

هذا التقابل بين صفات توحي بالمغايرة والبعد وأخرى توحي بالقرب إلى حدّ التشبّع أو الاستغراق ينعكس اختلافاً بين المدارس والمسالك في الإسلام في تقدير الإمكان المتاح لاقتراب البشر من التأله أو القول، بخلاف ذلك، بامتناعه المطلق عليهم وصولاً إلى تكفير القائلين بشيء من قبيله. في الإسلام الشعبي الذي تعرفه مشارق الأرض ومغاربها، يكثر أن يوجد بشر ذوو كرامات وقد تتنزّل الكرامات في الأشياء أيضاً. والكرامة هذه قبس من الحضرة الربّانية يحلّ في الشخص أو في الشيء فيجعله ذا بركة أو شفاعة، وقد يحدث على يديه ما يدخل في باب المعجزات. حين نجيل بصرنا في ما يصحّ أن يسمّى قارّة الباطن في الإسلام، وهي المشتملة على أنحاء متباينة على التشيّع والتصوّف، على العرفان والإشراق، نقع على تداخل لا يخفى أثره، في كلّ حال، ويتعذّر فصمه، في الأحوال القصوى، ما بين الإلهي والبشري.

يبدأ هذا، عند الشيعة مثلاً، بإطلاق ألفاظ من قبيل المتألّه والربّاني والمقدّس على أشخاص وأشياء. ثم يرتفع عندهم درجة مع الأئمة المعصومين الذين لا تبدو سلسلتهم بعيدة، في البعض من أمّهات الكتب الشيعية، عن تمثيل حضور إلهي في نسيج العالم: حضور منصوب، في أطوار متتابعة بغير انقطاع، بين بداية الخلق ونهايته، إذ يبدأ قبل آدم وتقطّعه النبوءات حقباً لكلّ منها ظاهرٌ وباطن ثم يدخل، بعد محمّد، طوراً جديداً هو طور الحقيقة الباطنة مع الأئمة الإثني عشر ويمثله، في عصر الغيبة، المهديّ المنتظر، وهو حيّ وغير ظاهر، وتطلق عليه (بين ما يطلق من أسماء وصفات) صفة “بقية الله”. هذا قول نجد ما يعادله، بمنحاه الحلوليّ عند صوفي كبير من أهل السنّة هو ابن عربي وعند سواه من أصحاب الطرق. وفي كثير من أمّهات النصوص الشيعية، الإيرانية بخاصّة، لا تبدو الحدود محكمة الرسم ، لهذه الجهة، ما بين التشيّع الإثني عشري ومن يوصمون من الفرق الشيعية بالغلوّ في الأئمّة أو في اوّلهم على التخصيص. ولا تعدّ كشفاً الإشارة إلى الشبه بين المهدي والمسيح الذي تشترك أديان التوحيد الثلاثة في القول بظهوره في آخر الزمان. وهذا شبه أفضى بأصحاب العقيدة المهديّة (وهم ليسوا من الشيعة حصراً) بالقول بظهور المهدي والمسيح معاً: يتساندان، بأكثر الصور عنفاً، في ملئها قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.

في هذه الحالات الإسلامية كلها، يتبدّى إمكان استيلاء الله المباشر على قلوب البشر وأيديهم وعمله من خلالهم ما ليس لهم أن يعملوه لو ألزموا حدود طبيعتهم البشرية. يتبدّى ذلك في الإسلام الشعبي وأكثره سنّي وفي التصوّف والعرفان وأكثرهما سنّي أيضاً وفي التشيع بسائر مدارسه وأوساطه. فإذا وقفنا عند هذا المنحى المنتشر في الإسلام وقوله بإمكان نوع ما من الاستدخال البشري للألوهة وقرنّاه إلى استعادة “ربّ القوّات” شيئاً كثيراً من تعاليه وشدّة بأسه في المسيحية البروتستانتية، أصبحت دعوتنا إلى تلطيف مواجهة نراها مفرطة الحدّة بين صورتين للرب ولعلاقته بالبشر، إحداهما مسيحية والثانية إسلامية يراهما له بولس الخوري دعوة غير ظالمة ولا مشتطّة. أو ان هذا ما نأمله، في الأقلّ. وهي، في كل حال، دعوة تؤول إلى تسهيل الحوار ما بين الديانتين إذ تستكثر من مساحات اللقاء بين المنظومتين وتستبعد الإيحاء بلزوم الخروج منهما معاً نصرة لقضية الحوار. أي أن عمل التقريب الذي نقول بابتدائه من صورتي الرب وإمكان تألّه البشر إنما يصبّ مزيداً من الماء في طاحون بولس الخوري. وكيف لهذا أن يكون عندنا إلا مدعاة للغبطة. فهذا، وأيم الحقّ، طاحون مبارك!

لم أكن في هذه القراءة محامياً عن دينٍ أيّاً يكن. فمعاذ الحق أن يحتاج إلى محامٍ دين يتناوله بالتمحيص والتشخيص بولس الخوري. ولا أهلية لي لتمثيل دين ما: فلا هذا يقبل مني ولا أنا طالبه. وإنما كنت مجرّد قارئ لهذا الرجل: لا أنا أيضاً من أهل الصناعة ولا أنا أمّي فيها. لست من أهل التديّن أصلاً ولكن أشغف بالخبرة الدينية، على عمومها، ويجذبني الصدق فيها بما أنا إنسان ولكن يستوقفني الزور حين يظهر فيها أيضاً بما أنا من مزاولي الدرس الاجتماعي. وقد كنت مع بولس الخوري في دائرة الصدق المحبّ حصراً. فعسى أن يتقبّل مني قراءة الإنسان، ويبقى له، بطبيعة الحال، أن يرفض خلاصات الدارس إذا لم يجد فيها ما يقنع أو يفيد.

بيروت في 15-16 أيلول 2011

[1]  قراءة لكتاب:

Paul Khoury, Islam et Christianisme, Dialogue religieux et Défi de la Modenité, Collection Pensée religieuse et philosophique arabe, L’Harmattan Paris 2011, 3ème edition ( 1ère edition: 1973 ).

قدّمت في جلسة مناقشة للكتاب وتكريم لصاحبه في سرايا الفنّ، بكفيّا، في 16 أيلول 2011.