في الحاجة إلى موارد التعبير

أحمد بيضون

لا يجوز تصحيحُ أخطاء النحو في رسائل الغرام فهي بعضُ فتنتها. وقد يستحبّ للشاعر أو للأديب المتشاعر أن يسعى في المزاوجةٍ، على نحوٍ ما، بين عبارته، أبنيةً وألفاظاً، وما في الموضوع الذي يقاربه من نقصٍ وتعثّر.
وقد يكون المسرح بلا زيادةٍ أبرز «مسرحٍ» يدرِك فيه استلطاف الانحراف عن الجادّة اللغوية أقصى شرعيّته ويستطاب فيه ثأر الخطأ من الصواب. يصحّ هذا، على الخصوص، حيث يميل المخرج وكاتب النصّ إلى ما يعرف باسم الباروديا…
وأمّا حالة الناقد أو المحلّل فمختلفةٌ جدّاً. إذ هو محتاج إلى أقصى المستطاع من الإحكام والغنى في العبارة ليسبُرَ ما يسفر عنه التشابك بين عدّته النظرية والوقائع من صور اللَبْس والتردد، ومن العِيَ والإلغاز وليجلو أبعاد ذلك ودلالاته.
ولنُضف ههنا أن معرفة اللغة (ونقصد العربية، على التخصيص) أبعدُ شَيْءٍ عن أن تختَصر في معرفة الإعراب أو معرفة إملاء الكلمات. فمع أن الخطأ في علامة الإعراب، في القراءة أو في الكتابة، خطأٌ، لا ريب في ذلك، ما دام يسوق إلى الخلط في وظائف الألفاظ في الجملة، أي، مثلاً، إلى وضع الإبريق في موضع كاسر الإبريق… فإن هذا ليس أسوأ ما في نقص المعرفة باللغة. وقد أوصى لغويّون بالاستغناء عن الإعراب لأن ما يفيده الإعراب يدركه السامع أو القارئ بالحدس في أكثر الحالات. وهذه وجهة نظرٍ جديرة بالاعتبار وإن لم يكن سائغاً، على الأرجح، أن تعتمد برمتها بلا إمعان نظرٍ في الحالات.
لا يُرَدّ صلبُ المعرفة بالعربية أيضاً إلى القدرة على اجتناب الخلط، في الكتابة أو في النطق، ما بين السين والصاد ولا إلى إتقان القواعد المعلومة لكتابة الهمزة. لهذا ولِما كان من بابه اعتباره، بطبيعة الحال، ولكنه ينتمي إلى أوّليات المعرفة بالفصحى ومبادئها وليس إلى لُباب هذه المعرفة. وأما هذا اللباب فيتمثّل في أمور أخرى من قبيل نحو الجُمَل وما يتيحه التقديم والتأخير في عناصر الجملة من لَعِبٍ بموازين الدلالة وما توفّره عشرة المعاجم وكبار المنشئين من معرفةٍ بالفروق الدلالية بين المترادفات، وما تتيحه هذه المعرفة من إحكامٍ ومرونة في التعبير هما– لا التمحّل ولا «المحسّنات»، على اختلافها– ما يستحقّ اسم البلاغة. هذا وتزداد الحاجة إلى الغزارة في موارد التعبير والدقّة فيه كلّما كان المراد قوله أقرب إلى الاحتمال وتشابه الوجوه وإبطان الشكّ منه إلى اليقين الفجّ أو المباشر.
وإذ يبتكر أهل النظر مصطلحاً لهم ولا يزالون يزيدون فيه ويجهدون لإرهافه فلأن اللغة لا تكفيهم وليس لاستغنائهم عن تعلّم اللغة. فلا يستقيم تحليلٌ لمرحلةٍ تاريخية أو لحركةٍ اجتماعية أو لأْزمةٍ نفسية بعُدّة لغوية تقصّر عن وصف حذاءٍ بالٍ. وهذا مع أن الأزمة النفسية، مثلاً، قد تتّخذ مظهراً لها العجزَ عن الكلام!
هذه الحاجة إلى ثروةٍ لغويّة وإلى تمكّن من أصول التعبير شرطاً للإحكام في أداء المعارف، تجعل من الفصل بين ما يسمّى «أدباً»، على اختلاف الأنواع، وما يسمّى «تحليلاً سياسياً» أو «معرفةً اجتماعية» أو «روايةً تاريخية» أمراً يجب النظر في إمكانه، لا إلى صعيد متانة العبارة وجمالها، بل إلى ضوابط أخرى معتمدةٍ لكلّ نوع. فإن النظر عن كثب في أعمال المؤرّخين، مثلاً، يُظهر أن كبارهم، من ابن خلدون إلى فوكو، كانوا منشئين كباراً معتنين بنضارة عبارتهم وبألقها وحسن سبكها. وهذه أيضاً حالُ «نفسيين» و»اجتماعيين» نذكر من بينهم فرويد وليفي ستروس وحال فلاسفةٍ ليس أوّلهم ديكارت ولا آخرهم سارتر، الذي قرن البحث الفلسفي بالرواية والمسرحية، إلخ.
لذا كان مستهجناً أن يرمى الباحث في الفلسفة أو في علوم الإنسان والمجتمع بـ»البلاغة» كأنها تهمة وأن ينسب إلى «الأدب» لا لسبب إلا لجمال عبارته وأسلوبه، وأن تعدّ هذه النسبة حطّاً من موقع الباحث وشأنه في الحقل المعرفي الذي ينتمي إليه. وهذا النوع من «المآخذ» شائع في ديارنا وهو يؤول إلى تخلّص «الناقد» من عبء التدبّر المتروّي لما يقرأ أو يسمع. وذاك أن البلاغة هي ضبطُ الكلام بالمقصود وهي بالتالي أبعدُ الأشياء عن الكلام الفارغ. هذا من جهة… ذاك أيضاً أن الأدب يستدعي التخيّل، في الأعمّ، ولكن ليمضي بتوسّطه شوطاً أبعد في استقصاء الحقائق. وهذا شوطٌ قد لا يفلح في قطعه الكلام الغريب عن الأدب ولو كان يُنسَب إلى العِلْم. الأدب عالَمٌ كلامي مغايرٌ جدّاً، بالتالي، لعالم الكلام الفارغ.
في هذا المعرض نفسه، يحسن التذكير بأن لفظ الأدب يستعار أيضاً لسموّ الخُلُق. فيقالُ فلانٌ مؤدّبٌ أو أديب. وهو ما يشير إلى أن الأدب، بعموم معناه، مشروطٌ بالبعد عن الكذب وعن السَفالة. لذا كان الاكتفاء من النقد بالقول «هذا أدبٌ وبلاغة» هو، لا غيره، الكلام الفارغ. إذ هو يقوم على جهلين: جهلِ معتمديه بما هما الأدب والبلاغة وجهلهم بكيفية الردّ المقنع (أي البليغ!) على رأيٍ لم يوافق رأيهم.
يستحسن التنبيه، أخيراً، إلى أن الكلام، أيّا كانت سويّته، يعبّر، تلقائياً، عن شيءٍ في قائله، ظاهرٍ أو خفيّ، يُدْرِكُ مباشرةً أو يستخلص بالتحليل. وهذا لا يحتاج، بصورته العامّة، إلى براعةٍ استثنائية من أيّ نوع. وأمّا التعبير المتعمّد بالكلام عن حقيقة ذاتية أو موضوعية فهو محتاج إلى دُرْبةٍ وتمكّن. فلا يزداد الكلام تعبيراً عن حقائق الأمور كلّما ازداد تلعثماً في الصياغة أو فقراً في الموارد اللغوية أو البيانية أو سوقيةً في الألفاظ: أي كلّما ازداد بعداً عن الأدب والبلاغة، بل إن هذين أفْعَلُ ما تدْرَكُ به تأتأة العالَم وأصْدَقُ ما تُتَرْجَم به. ليس على أحدٍ ـ إن صحَّ هذا ـ أن يعتذر عن بلاغته وأدبه، بل الأَوْلى تمنّي الازدياد من هذا ومن تلك وبذلُ الجهد في سبيله.
يبقى أن علينا التسليم بأن البلاغة والأدب ليسا واجبين على من لا يريدهما. فإن كلّاً من البشر حرٌّ في اعتماد «الأسلوب» الذي يلائمه أو ذاك الذي يقدر عليه: في الكلام وفي غيره من أشكال السلوك. ولكن ليس لأيّ كان أن يعتبر البلاغة والأدب سُبّةً لغيره من الناس ومطعناً يسفّه به، ولو متظاهراً بالمدح أحياناً، أيّ رأيٍ يراه هذا الغير. هذا بينما يغطّي المنتقد، بهذا الاعتبار، عجْزَه أو تكاسله عن جلاء مآخذه.

كاتب لبناني

أحمد بيضون

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s