|
أحمد بيضون: الحرية بلا دولة القانون تسمح بالقتل وبتأليف السيمفونيات
|
||
هادئ أحمد بيضون. المثقف واللغوي والأكاديمي والباحث التاريخي والاجتماعي، الدكتور الموسوعي اختصاراً، يجلس في بيته الجميل في رأس بيروت. إذا حكى في السياسة، يرفعها إليه. يجردّها من غايات تحكم السياسيين، ومن مخاوف وأحقاد ومحاباة تحكم مواقفهم، ومن جهل يوصف العديد منهم به، في قضايا من المفترض أنهم خبراؤها.
لا يحكي في مجردات، ولا يعيش في صومعة. القارئ الممتاز للتاريخ كما للحاضر يعرف بمهارة الأستاذ الجامعي كيف يشرح الأفكار، كما يعرف كيف يرى إليها، بعيني المثقف. الانتخابات ليست شأناً جديداً بالنسبة إليه. لديه أكثر من بحث حولها. وهو، في حواره مع «السفير» ناقش ليس القوانين الانتخابية وتأثيراتها وسلبياتها وإيجابياتها ومفاهيمها فحسب، بل ذهب في النقاش أبعد، إلى نقطتين سابقتين للانتخابات، وأكثر أهمية منها: النظام الطائفي ودولة القانون، أو بالأحرى، دولة غياب القانون. أحمد بيضون في الحلقة الثانية من الحوار حول شؤون الانتخابات وشجون البلاد.. بعيداً عن حلبة صراع الديكة. { لماذا لا يوجد قانون انتخابات ثابت ودائم في لبنان؟ |
||
خالد غزال عن “الإصلاح المردود…”
لبنان: الإصلاح المردود والخراب المنشود
كلمن | مسيحية بولس الخوري وإسلامه
مسيحية بولس الخوري وإسلامه
Source: كلمن | مسيحية بولس الخوري وإسلامه
الحوار في ما يتعدّى الديانتين[1]
أحمد بيضون
يريدنا كتاب بولس الخوري أن نوغل، عند اختيار مدار للحوار بين الإسلام والمسيحية، نحو ما هو جوهري. وما هو جوهري، في عرف هذا الباحث العارف، إنما هو الإيمان. وهو يرى أن إدراك هذا المدار يقتضي منّا الوصول إلى ما وراء المنظومتين الدينيتين: المسيحية والإسلامية. هاتان المنظومتان ينسبهما المؤلف إلى الثقافة، أي إلى بيئة يستوي فيها الروحي موضوعاً فيعود غير ماثل في الروح أولاً. وإنما هو يَدْخلها – إذا دخل – من أبواب مفتوحة على الخارج ويأتي إليها بحمولات العالم اللاشخصي. ومع أن المؤلف يفسح من كتابه معظم صفحاته لوصف المنظومتين المشار إليهما وبسط ما فيهما من عناصر وما تتشكلان به من علاقات وتنطويان عليه من دلالات، فإن بعض عباراته تعاملهما على أنهما أشبه بعبء على الإيمان وأَوْلى بأن تعتبرا عقبة أو شبكتين من العقبات، بالأحرى، في طريق الحوار. وما ينصبه الباحث في وجه المنظومتين المشار إليهما إنما هو منظومة وقائع ثالثة يراها غلابة ويبدو منه ميل إلى التسليم بسلطانها، وهي ما يسميه، هو وغيره، الحداثة.
المنظومتان الدينيتان تبدوان إذن مأخوذتين بين محنتين تمعنان فيهما طعناً ولكن على نحوين مختلفين. الحداثة تفرض عليهما حالة من عدم التكيف العملي أو من الغربة المشوبة بشعور بالتخلّف عن غايات عاد من غير الجائز التقصير عن إدراكها. هذه الغايات تتمثّل ببنى مادية غامرة الحضور، ولكنها تتمثّل أصلاً، فيما يتعدّى البنى المادّية، ببنية عقلية وبشبكة قيم وأهداف تمثّل كلها انقلاباً صريحاً على تلك التي كان يتحكم بها الدين. والمؤلّف – وإن يكن لا يفر الحداثة من نقد المؤمن المتمسّك بخياره الروحي – ينتهي (أو هو يبدأ) بانحياز إجماليّ إليها على أنها سمة العالم الحاضر. وهذا انحياز يقف به، على نحو غير خفيّ، في مواجهة المنظومتين العمليتين المسيحية والإسلامية ويصحّ اعتباره استعداداً لإعادة نظر جذرية في “العقلية” التي تتبدّى على أنها علّة افتراقهما عن مبادئ الحداثة.
على الجهة الأخرى من المنظومتين الدينيتين، يتراءى الإيمان على أهبة نقد من طراز آخر ومن منبع مغاير، على الأخص. فالإيمان إذ يباشر عمل نقد داخلي لمنظومة دينية يرى انتماءها إلى نسبية الثقافة، إنما يفعل باسم المطلق الذي هو موضوعه. وهو يردّ بالنقد ما كانت المنظومة نفسها قد ابتلته به من وجوه التحوير وهي تسعى إلى تجسيمه في أفعالٍ حسّية وبنى مادّية. على الرغم من هذا التغاير في طبيعة النقدين الإيماني والحداثي ومصدرهما، يتبديان، في حجاج بولس الخوري، متضافري الفاعلية، متآزرين لتطويع المنظومتين الدينيتين لغاية الحوار المثلى ولأغراضه المحدّدة أيضاً. وهما، أي الإيمان والحداثة، إذ يفعلان هذا الفعل ويتآزران هذا التآزر ينتهيان إلى الغضّ الواضح من شأن المنظومة الدينية ومقامها، سواء أكانت مسيحية أم إسلامية، بالقياس إلى سموّ الإيمان وإلى ضرورة الحداثة وحتمية التحديث ولو محتاجين إلى ترشيد .
أوّل الأسئلة التي أجيز لنفسي طرحها على هذا الكتاب يتناول، على وجه التحديد هذا التمييز الذي هو عماده ما بين الإيمان والمنظومة الدينية. لا أسأل عن شرعية التمييز، فلطالما أبرزت شرعيته الخبرة: خبرة أهل الأديان وخبرة نقّادها. ولا أسأل عن الحقّ في امتحان المؤمن صلاح المنظومة الدينية بمحكّ الإيمان، فهذا – فيما يتراءى لي – حقّ يتعذّر الطعن فيه. وإنما أسأل عن الصفة العملانية لهذا التمييز بما هو، في نظر بولس الخوري، الباب الأوسع للحوار المسيحي الإسلامي. هل يبقى الإيمان موضوعاً ممكناً لكلام (هو، في الحالة التي نحن بصددها، حوار ذو طرفين) عندما يحصل عتقه من المنظومة التي تجسّمه منظوراً وتصوغ الصور الموضوعية لتجلّيه؟ ألا يصبح الإيمان، عند تمام هذا العتق، أشبه بالنقطة الهندسية التي لا يعرف لها قِوام إذا خفي الخطّان اللذان هي ملتقاهما؟ هل يسع المتحاورين مباشرة الكلام في إيمانهما من غير أن يباشرا العودة كلّ إلى منظومة تصف الإيمان موضوعاً وخبرة وصيغاً لعلاقة أو لعلاقات وعواقب مستتبعة؟
هذا أوّل الأسئلة وأَوْجَهُها، في نظري، لم أقاوم الرغبة في تقديم طرحه على كلام لي في تقريظ الكتاب أراه لا يقلّ أهمّية عن جملة ما يسعني أن أطرحه عليه من أسئلة. وهو كلام على ما أحبّ تسميته رياضة الإخلاص التي يقدّم هذا الكتاب نفسه وكاتبه على أنهما مثالان لها. وما أسميه رياضة الإخلاص هو هذا الجهد المنتشر في كل فقرة بل في كل عبارة لفهم الغير حقّ فهمه مع حفظ النفس. فلا أثر هنا لظلم يداخل أصل الموقف من الإسلام أو يقع على المسلمين من جانب هذا المسيحي المؤمن. ولا أثر أيضاً لتزلّف يراد به تهوين ما ليس بهيّن أو استدراج من لا يحمله إيمانه على القرب. وفي هذه الرياضة، يبدو المؤمن ضالعاً في إيمانه إلى درجة تسهّل عليه ما ليس يسهل على ذي دين: أي هذه الحرّية في معاملة المنظومة الدينية التي يصدر عنها وفي الكلام عليها وعلى المؤسسة التي تجسّد حضورها في العالم وترعاه. وما أسمّيه ظلماً للغير يبرأ منه هذا المؤلّف، إنما هو خلاف العلم بقدر ما هو خلاف الإنصاف. ويزيّن لي هذا الفهم المعنى القرآني للظلم: وفيه يبدو الأخير، بما هو أخ شقيق للظلام، مرادفاً للجهل وخصيماً للصواب. نحن مع بولس الخوري في حوزة العالم أو، على الأصحّ، في حوزة العارف، وهذا ما يمنح الإخلاص ههنا تمام معناه.
ومن قبيل التشبّه بالكريم الذي هو موضوع حديثي، أمضي قدماً في أسئلة أطرحها على الكتاب. وفي تخميني أن بعضاً من أسئلتي اكتسب بعض مسوّغه من طول الزمن الذي مضى على ظهور هذا الكتاب أوّل مرّة. فمن الصفحات الأولى، نشعر أن المؤلف مقيم في مناخ الحداثة المنتصرة، بما هي نظام لجانب من العالم وبما هي مثال يرتجي تحقيقه الجانب الآخر، وفي مناخ ما واكب ذلك الانتصار من انسحاب غربي (أو ممّا بدا أنه كذلك) من قيم الدين… والراجح عندي أن هذا المناخ كان سيتغير كثيراً أو قليلاً لو أدرك الكتاب ما أطلق عليه، بعد حين، اسم الصحوة الإسلامية وما جرّته هذه الصحوة من عقابيل شرقية وغربية ما نزال نعاين ونعاني نارها ودخانها إلى يومنا الحاضر. يدرك القارئ المتنبّه أن الكتاب الذي ظهرت طبعته الأولى سنة 1973، ألّف في عشايا هذه الصحوة لا في إبّانها وأنه نشر قبل أن يبلغ المثال الحداثي أيضاً ما بلغه في العقود الثلاثة الأخيرة من تضعضع وعجز عن حفظ ما كان ممتّعاً به في المرحلة السابقة من ظاهر الإجماع. ذاك – أي اختلاف الحال بين أمس هذا الكتاب ويومه – أمر كان يحسن تنبيه القارئ، في تصدير الكتاب أو في مقدّمة جديدة له، إلى وقعه على مضامين النص ونَفَسه.
- ●●
وأما الأسئلة التي طال تلويحي بطرحها على هذا الكتاب فقد يجوز لي إجمالها في واحد: هل أخذ التعدّد حقّه في كل من المنظومتين المسيحية والإسلامية عند وضع كل منهما بإزاء الأخرى للنظر فيما يستبقيه منهما حوار يرتكز، في ما يتعدّاهما، على وحدة الإيمان وينظر من علياء هذه الوحدة أو من عمق أفقها، بالأحرى، في أنسابهما الثقافية؟ لم يهمل المؤلف ما في المسيحية من مذاهب كبرى وصل الأمر باثنين منهما (هما الكاثوليكي والبروتستانتي) إلى إطلاق اسم “الديانتين” عليهما، ولو أن هذا نادر في الاستعمال العربي. يكرّس المؤلف فقرات للحديث عما تفترق به الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية. وهي فقرات مشربة إنصافاً وحسن تمييز للجوهري من العرضي، شأنها في هذا شأن سائر الكتاب. ولكن حين ينزل رب المسيحيين ورب المسلمين أو صورتا الرب الواحد بالأحرى إلى ساحة الحوار، فإن الصورة المعتمدة للرب المسيحي، في هذا الكتاب، تعود – في ما يبدو لي – صورة كاثوليكية. وهو ما ييسّر وضع الربّ المتعالي، إله المسلمين، في مواجهة الربّ المتأنّس إله المسيحيين والقول بوجود توق إنساني إلى التأله في المسيحية يراه المؤلف مفقوداً من الإسلام.
وما أراه أن هذا تشخيص تقبل زواياه الكثير الكثير من التدوير وذلك من الجهتين المسيحية والإسلامية معاً. فمن الجهة المسيحية، تبدو الحظوة بالنعمة وبالخلاص، عند البروتستانتيين، مرهونة بإرادة ربانية مطلقة الحرّية، لا تغيرها أعمال البشر. وتبدو القداسة مختصّاً بها الله فلا تعدّ حالّة في مخلوقاته. وتظهر إرادة الله لغزاً عصيّاً على الترجمة أو يبدو صمته أشبه بريح باردة تشيع الوحشة في عالم داخلي أو خارجي ينتظر كلمته ونوره بلا طائل. ظهر هذا الشعور بالشكّ الملازم للإيمان وبالغصص أو بالوحشة حيال صمت الله واستعصاء مشيئته وخططه على فهم البشر في تعبيرات فكرية أو فنية متناهية الروعة عند بروتستانتيين أو ذوي أصول بروتستانتية من أمثال سورين كيركيغارد وبعده فريدريش نيتشه في الفلسفة أو إنغمار برغمان في السينما، إلخ. الإيمان ههنا علاقة شخصية بالخالق، ولكن هذه العلاقة قد يشاء لها الله الاضطراب أو الانقطاع فيبدو الله وكأنه قد خرج من نظام العالم ومن قلب الإنسان حتى ليمكن القول إنه قد مات. زبدة القول أن الله في هذا العالم البروتستانتي، بمرجعيته التوراتية الغامرة الحضور، لا تطّرد فيه تلك الدرجة من القرب والألفة التي يصف بها المؤلف إله المسيحيين وتزكّيها صورة الطفل الإلهي ابن الإنسان.
ولعلّ في غلبة الحضور الأميركي، وقبله البريطاني، على ذاك اللاتيني في العالم الإسلامي، وهي غلبة استغرقت القرنين الفائتين، ما يزيّن الاهتمام الخاص بلاهوت البروتستانتيين وتقاليدهم عند البحث في احتمالات الحوار المسيحي الإسلامي وفي شروطه. فحين بدأ البحث في الردّ على ضربة الحادي عشر من أيلول، قدّم الأميركيون مبدأ الحرب العادلة وكأنه اعتذار مسبق من مسلمي أفغانستان والعراق الذين سيتعين قتلهم في الأعوام التالية. أي أن جانباً من الإعداد للحرب تولاه اللاهوت البروتستانتي، وهذا مع العلم أن المرجع كان أوغسطينوس وتوما الأكويني أي كان مسيحياً سابقاً على الإصلاح اللوثري. هذا يلفت أيضاً إلى الحضور الضئيل، في كتاب بولس الخوري، للحرب وللعنف بما هما موضوعان للحوار بين الديانتين بعد أن ظلا زمناً متمادياً ينشران ظلالاً رهيبة على ساح العلاقة بين العالمين. على التعميم، لا تبدو أميركا بلادأً كشف الدين سحره عنها إلى الحدّ الذي عرفته فرنسا وتكوّن من جرّائه تصوّر بين تصوّرات للحداثة هو الذي يأخذ به المؤلف.
فإذا كان هذا المعبود البروتستانتي قد ارتدّ خطوات نحو ربّ العهد القديم واقترب بذلك خطوة من ربّ القرآن، فإن هذا الأخير ليس مثابراً على التعالي ولا معلياً أسوار التغاير بين ما هو وما هم البشر إلى الحدّ الذي ينسبه إليه المؤلف. الله في الإسلام يحتمل، بما هو المطلق، مطلق التفارق بين صفاته. ويُنْسب إلى علي بن أبي طالب وصف القرآن بأنه “حمّال أوجه”، وهذا وصف يصحّ، أوّل ما يصحّ، في ربّ القرآن. ونكاد لا نحتاج إلى الإشارة إلى أن العزيز الجبار القهار المتكبر هو نفسه الرؤوف الغفّار الرحمن الرحيم. وقد أمكن أن يقول النبي لصاحبه وهما لاجئان في الغار بعد أن خرجا من مكّة وخرج في طلبهما المشركون :”لا تحزن إن الله معنا”. حضور الله هذا يطلبه المؤمن في كل حين، إيناساً لوحشته أو قضاءً لطلبته أو ردّاً لأذيّة يخشاها. وهو عند ذوي الإيمان حضور شخصيّ لله، يحصل في القلب، شأنه شأن ذاك الذي ذكره النبي لأبي بكر في الغار، وليس هو بالمدد غير الشخصي. فالله يقول عن نفسه إنه “قريب” يجيب دعوة الداعي إذا دعاه وإنه الذي بذكره “تطمئن القلوب” وإنه “يحبّ المؤمنين” ويحبّونه. ولا يمنع ذلك أن يكون الله هو من يُرى الجبل “خاشعاً متصدّعاً” إذا نزلت عليه كلمته ولا يمنع أن يأخذ الله المذنب بذنبه إذا لم يشأ أن يغفر له وان يذيقه عذاب النار.
هذا التقابل بين صفات توحي بالمغايرة والبعد وأخرى توحي بالقرب إلى حدّ التشبّع أو الاستغراق ينعكس اختلافاً بين المدارس والمسالك في الإسلام في تقدير الإمكان المتاح لاقتراب البشر من التأله أو القول، بخلاف ذلك، بامتناعه المطلق عليهم وصولاً إلى تكفير القائلين بشيء من قبيله. في الإسلام الشعبي الذي تعرفه مشارق الأرض ومغاربها، يكثر أن يوجد بشر ذوو كرامات وقد تتنزّل الكرامات في الأشياء أيضاً. والكرامة هذه قبس من الحضرة الربّانية يحلّ في الشخص أو في الشيء فيجعله ذا بركة أو شفاعة، وقد يحدث على يديه ما يدخل في باب المعجزات. حين نجيل بصرنا في ما يصحّ أن يسمّى قارّة الباطن في الإسلام، وهي المشتملة على أنحاء متباينة على التشيّع والتصوّف، على العرفان والإشراق، نقع على تداخل لا يخفى أثره، في كلّ حال، ويتعذّر فصمه، في الأحوال القصوى، ما بين الإلهي والبشري.
يبدأ هذا، عند الشيعة مثلاً، بإطلاق ألفاظ من قبيل المتألّه والربّاني والمقدّس على أشخاص وأشياء. ثم يرتفع عندهم درجة مع الأئمة المعصومين الذين لا تبدو سلسلتهم بعيدة، في البعض من أمّهات الكتب الشيعية، عن تمثيل حضور إلهي في نسيج العالم: حضور منصوب، في أطوار متتابعة بغير انقطاع، بين بداية الخلق ونهايته، إذ يبدأ قبل آدم وتقطّعه النبوءات حقباً لكلّ منها ظاهرٌ وباطن ثم يدخل، بعد محمّد، طوراً جديداً هو طور الحقيقة الباطنة مع الأئمة الإثني عشر ويمثله، في عصر الغيبة، المهديّ المنتظر، وهو حيّ وغير ظاهر، وتطلق عليه (بين ما يطلق من أسماء وصفات) صفة “بقية الله”. هذا قول نجد ما يعادله، بمنحاه الحلوليّ عند صوفي كبير من أهل السنّة هو ابن عربي وعند سواه من أصحاب الطرق. وفي كثير من أمّهات النصوص الشيعية، الإيرانية بخاصّة، لا تبدو الحدود محكمة الرسم ، لهذه الجهة، ما بين التشيّع الإثني عشري ومن يوصمون من الفرق الشيعية بالغلوّ في الأئمّة أو في اوّلهم على التخصيص. ولا تعدّ كشفاً الإشارة إلى الشبه بين المهدي والمسيح الذي تشترك أديان التوحيد الثلاثة في القول بظهوره في آخر الزمان. وهذا شبه أفضى بأصحاب العقيدة المهديّة (وهم ليسوا من الشيعة حصراً) بالقول بظهور المهدي والمسيح معاً: يتساندان، بأكثر الصور عنفاً، في ملئها قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.
في هذه الحالات الإسلامية كلها، يتبدّى إمكان استيلاء الله المباشر على قلوب البشر وأيديهم وعمله من خلالهم ما ليس لهم أن يعملوه لو ألزموا حدود طبيعتهم البشرية. يتبدّى ذلك في الإسلام الشعبي وأكثره سنّي وفي التصوّف والعرفان وأكثرهما سنّي أيضاً وفي التشيع بسائر مدارسه وأوساطه. فإذا وقفنا عند هذا المنحى المنتشر في الإسلام وقوله بإمكان نوع ما من الاستدخال البشري للألوهة وقرنّاه إلى استعادة “ربّ القوّات” شيئاً كثيراً من تعاليه وشدّة بأسه في المسيحية البروتستانتية، أصبحت دعوتنا إلى تلطيف مواجهة نراها مفرطة الحدّة بين صورتين للرب ولعلاقته بالبشر، إحداهما مسيحية والثانية إسلامية يراهما له بولس الخوري دعوة غير ظالمة ولا مشتطّة. أو ان هذا ما نأمله، في الأقلّ. وهي، في كل حال، دعوة تؤول إلى تسهيل الحوار ما بين الديانتين إذ تستكثر من مساحات اللقاء بين المنظومتين وتستبعد الإيحاء بلزوم الخروج منهما معاً نصرة لقضية الحوار. أي أن عمل التقريب الذي نقول بابتدائه من صورتي الرب وإمكان تألّه البشر إنما يصبّ مزيداً من الماء في طاحون بولس الخوري. وكيف لهذا أن يكون عندنا إلا مدعاة للغبطة. فهذا، وأيم الحقّ، طاحون مبارك!
لم أكن في هذه القراءة محامياً عن دينٍ أيّاً يكن. فمعاذ الحق أن يحتاج إلى محامٍ دين يتناوله بالتمحيص والتشخيص بولس الخوري. ولا أهلية لي لتمثيل دين ما: فلا هذا يقبل مني ولا أنا طالبه. وإنما كنت مجرّد قارئ لهذا الرجل: لا أنا أيضاً من أهل الصناعة ولا أنا أمّي فيها. لست من أهل التديّن أصلاً ولكن أشغف بالخبرة الدينية، على عمومها، ويجذبني الصدق فيها بما أنا إنسان ولكن يستوقفني الزور حين يظهر فيها أيضاً بما أنا من مزاولي الدرس الاجتماعي. وقد كنت مع بولس الخوري في دائرة الصدق المحبّ حصراً. فعسى أن يتقبّل مني قراءة الإنسان، ويبقى له، بطبيعة الحال، أن يرفض خلاصات الدارس إذا لم يجد فيها ما يقنع أو يفيد.
بيروت في 15-16 أيلول 2011
[1] قراءة لكتاب:
Paul Khoury, Islam et Christianisme, Dialogue religieux et Défi de la Modenité, Collection Pensée religieuse et philosophique arabe, L’Harmattan Paris 2011, 3ème edition ( 1ère edition: 1973 ).
قدّمت في جلسة مناقشة للكتاب وتكريم لصاحبه في سرايا الفنّ، بكفيّا، في 16 أيلول 2011.
سمير فرنجية أو الإياب من أقاصي العنف
سمير فرنجية أو الإياب من أقاصي العنف[1]
أحمد بيضون
ضمير المتكلّم
في المقدمة التي وضعها جان بول سارتر لكتاب فرانز فانون معذّبو الأرض شكا الفيلسوف الفرنسي خلوّ التراث الأوروبي، بعد إنجلز، من تأمل يعتدّ به في العنف وموقعه من التاريخ… باستثناء ما سمّاه “ثرثرة جورج سوريل الفاشستية”. جاءت هذه الشكوى مقترنة بدعوة الأوروبيين إلى قراءة الكتاب: كتاب فانون على أنه كلام الضفة الأخرى، ضفة المقهورين، في مسألة العنف هذه.
حين يفتتح سمير فرنجية كتابه بتأمّل في العنف حفزته خبرته اللبنانية مقترنة بقراءته لرينيه جيرار، يحملنا على السؤال: كلام من هذا الذي نقرأه في الكتاب؟ والحق أنه إذا كانت هوية فانون وموقعه ماثلين لنا منذ الصفحة الأولى من كتابه، فإن شيئاً يصعب تعيينه باسم أو بوصف، في كتاب فرنجية، يغري باعتبار هوية الكاتب وموقعه محصّلة مسار: مسارٍ هو ما يترسّمه الكتاب وهو ما ينجلي الموقع والهوية عبر محطّاته فلا تسطع ملامحهما إلا في خواتيمه. حتى إن القارئ يوشك، بعد الانتهاء من قراءة الكتاب، أن يستشعر رغبة في تصفّح معكوس له يبدأ من آخره وينتهي إلى أوّله: تصفّحٍ ينطلق من الخواتيم الجازمة ليمنح ما يتخلل الصفحات من تردّد وشكّ مكتومين، يتصاعد حضورهما رجوعاً، ما يستحقّانه من إمعان نظر. فهذان التردّد والشكّ يميطان اللثام بأصدائهما النابضة في الجمل والفقرات عن الخبرة التي لا يسعها أن تصل في الجزم إلى حيث يصل التحليل وعن الإنسان الذي يخشى عواقب مقترحاته فيترك فيها من التحسّب ومن توقّع العثرات ما قد يستغني عنه السياسي الداعية أو المصلح المعوّل على القيم المعتمدة وعلى النظر المجرّد.
مع ذلك تتجاوب في صفحات الكتاب قوّة إقناع وشدّة أسر غامرتان. وما هاتان إلا مشاطرة الكاتب القارئ هذا المزيج من الحجّة ومن الشعور الذي أرهفته الخبرة بحدود الحجج كلها. هذا الشعور الأخير يغتذي ممّا يعاينه المتأمل من لبس واختلاط في معالم المشهد اللبناني ومن عسر في استخلاص إرادة جازمة أو إرادات تصح نسبتها إلى اللبنانيين. وهو يغتذي، في ما يلي اللبس والاختلاط هذين، من الصعوبة التي يلقاها من يحاول تعيين الوقع المحتمل لأي تدبير إصلاحي أي ما يمكن أن يفعله اللبنانيون بهذا التدبير وبأنفسهم أو بعضهم ببعض. وذاك أن كل ما يمكن عمله في هذه البلاد يحتمل أن ينقلب إلى شيء مغاير لما أراده الطالبون والملبّون. وهذا في حين لا يمكن فيه ادّعاء القدرة على البقاء بلا حراك، إذ لا يعدو زعم السكون (أو هو قد لا يعدو، في الأقلّ) أن يكون زيادة في سرعة الاندفاع إلى هاوية جديدة.
من هذا الباب، أحبّ أن أصرّح بانجذابي إلى ما في هذه الصفحات من غنائية مُلْجَمة، سارية في ما يتقدّم إلينا على أنه مزيج تتباين، من مسألة إلى مسألة، نِسَبُه من المعاينة أو الملاحظة وما يتبعهما من تركيب المشاهد ومن التفسير ومن تبين السبل المتاحة والإشارة إلى الأمثل من بينها. ولم يكن هذا شأني بالضرورة حين كنت أقع على كلام كتبه سمير فرنجية أو نطق به بما هو سياسي كان، على الدوام، واضح الانتساب إلى وسط معلوم في السياسة اللبنانية أو إلى جماعة بعينها من جماعاتها. كنت أعرف أن كلامه هو كلامه وأنه بعيد عن أن يكون كلام أي كان من وسطه أو من جماعته. وكنت، على الرغم من ذلك، أمضي معه شوطاً يطول أو يقصر ثم أقف غير مسلّم بهذه أو تلك من الحصائل. في هذا الكتاب يبقى الرجل هو نفسه ولا ينكر موقعاً ممّا تداوله من المواقع. ولكنّه يستعيد ههنا تجربة حياة تصبح أشدّ كثافة وأجزل مضامين كلما اقتربنا معه من يومنا هذا. وهو يبدو، في هذه الاستعادة، وقد بات عصيّاً أبلغ العصاوة على الردّ إلى جماعة أو وسط. هو هنا كل ما عاين وخبر وكل ما قال وفعل، ولكنه وجه وشخص لا يقوم مقام أحد (فرداً كان الأحد أم جماعة) ولا يقوم مقامه أحد. هو يمثّل نفسه ههنا فيستوي فوق التمثيل وفي خارج منطقه.
في “العنف الحكائي”
هذا وليس مرماي في هذه العجالة إلى إيجاز الكتاب. وإنما مرادي الحضّ على قراءته، وهو ما لا يمنع، في عرفي، من طرح الأسئلة وإبداء الملاحظات. نحن، مع هذا الكتاب، حيال محاولة نادرة لاتّخاذ نظرية بعينها في العنف، هي نظرية رينيه جيرار، دليلاً يُقرأ على هديه تاريخ لبنان المعاصر أو الشطر الأقرب إلينا من هذا التاريخ، في أدنى تقدير. وتقوم القراءة على لحظ اضمحلال أو تضعضع نسبي لفاعلية ما نسميه البنى التقليدية، أي العوائل والطوائف، على التخصيص، في سياسة الهويات والفوارق الجماعية التي كانت حتى أوائل عهود الاستقلال، تنتظم المجتمع اللبناني فتحدّد مسارب التبادل الرمزي فيه وتتحكّم في اقتصاد العنف الذي يطرح إمكانه، بالضرورة، وجود أغراض مشتركة يفترض أن تتشاطرها الجماعات، على اختلافها صفاتٍ وأحجاماً وعلاقات. والفرضية المعتمدة هنا هي أن ما يزكي غلبة العنف وإفلاته من عقاله ليس وجود الفوارق الراسخة التي تسوسها تقاليد مجمع عليها وإنما هو تضعضع الفوارق واستشراء التشابه الواقع بين أفراد متذرّرين يلفون أنفسهم عراة أو شبه عراة مما كانوا ينمازون به من انتماء يخصّهم ويؤمّنهم في نطاق جماعة. ذاك ما خلص إليه جيرار إذ افترض أن “حكائية” الرغبة تفضي، عبر تسلسل البدائل، إلى الاستغناء عن موضوع للرغبة يسوّغ العنف ما خلا ظهور الرغبة نفسها عند الآخر. هذا فيما كانت الماركسية قد استنبتت العنف من الندرة ورجّحت اقترانه بالثورة على خصم طبقي لن يسلّم ما بيده طوعاً فجعل إنجلز العنف، في عبارة شهيرة، قابلة للتاريخ. ثم جاء فرويد ليقرن العنف بالتعبير الغريزي عن الحياة ولينصبه، من الجهة الأخرى، في مواجهة الحياة، واحدة من غريزتين أساسيتين تصل جذورهما إلى أداء الجسم الحي لوظائفه… وإذا وجد ما يشترك فيه هؤلاء النظريون فهو جعلهم كبت العنف أو ضبطه وتنظيمه وظيفة رئيسة للأنظمة الاجتماعية أو، على الأعمّ، لحضارات البشر.
فأما أن تعدّ البنى التقليدية، في حال تماسكها، مقتدرة – على ما يؤكّده سمير فرنجية – في تدبير توزيع للهويات واقتصاد للعنف يحصره ويعقله بأصول وحدود معلومة فهذا أمر لا ريب فيه. ويكفي من هذا القبيل الاطلاع على الأعراف التي تنتظم حياة البداوة فتتحكّم في الغزو وفي الثارات وفي الصلح والديات، إلخ. ويكفي أن نستذكر، على سبيل المثال، ما كان يسمّى أيام العرب في الجاهلية وهي أيام اعتبر بعضها منتظماً في حروب استوت بطول مدّتها مضرب مثل: كحرب البسوس أو حرب داحس والغبراء. هذه الحروب كانت الواحدة منها لا تقتل في سنين ما تقتله اليوم، في ثوانٍ، سيّارة مفخّخة واحدة.
صحيح أيضاً أنه كان من اقتحام سلطة الدولة الجديدة، في بعض الحالات، حصون هذه الجماعات التقليدية في لبنان المعاصر ومن إنشائها صلات مباشرة بأفراد منها ونَظْم هؤلاء في أجهزتها وشبكاتها ما أخذ يمتحن تماسك هذه الجماعات ويهزّه. صحيح أيضاً أن مدّ الهجرة والهجرة الريفية شتّت شمل العائلات وأن بروز المتعلّمين والأثرياء من ذوي الطموح المستجدّ راح يمثّل تحدّياً لبيوت الزعامة والسلطة في العوائل وفي البلدات والقرى وفي أحياء المدن وضواحيها. على أنه يبدو لي أن انتشار “التشابه” بين الأفراد أو عري هؤلاء من فوارق تميّز انتماءهم وتحمي هوياتهم لم يكن غير ظاهرة هامشية، في الحالة اللبنانية، أو هو أقرب إلى أن يكون فرضية حملت الأفراد على استباق تفرّدهم واستفرادهم بإعادة الانتظام.
فإذا صحّ هذا كان علينا أن نضيف ملاحظة أخرى: وهي أن استفحال “التشابه” (بين الأفراد) أو “التسوية” (بمعنى التقارب في المستوى بين الجماعات)، في وجوه بعينها من الحياة الاجتماعية، يكون من شأنه، في حالات (من بينها، بلا ريب، حالة المجتمع اللبناني ابتداء من عشايا الحرب) أن يزيد من بروز التفاوت في وجوه أخرى وأن يشحن هذا التفاوت باحتمال العنف. فما كان الاحتجاج عليه محدوداً، من تفاوت بين مواقع الجماعات في النظام السياسي وكان يسوّغه أصحاب الحظوة بأنواع أخرى من التفاوت، لا يستغرب أن يصبح الاحتجاج عليه عارماً حين تتقارب الحظوظ من التعليم ومن الثروة، إلخ.
عوائل وطوائف…
هذا ولم يكن ما أشرنا إليه من إعادة انتظام للأفراد انقطاعاً عن البنى التقليدية بعمومها. وإنما كانت الإعادة أقرب إلى اعتماد بعض من تلك البنى في مواجهة بعض. وإذا لم يكن من التسمية بدّ فإنه يجوز القول، دون افتراض للعمومية أو للبتّ، إن الطائفة الآخذة بناصية الحياة الحديثة من تعليم متنوع ومن تصرّف رأسمالي بالعمل وبالثروة قد استظهرت على العائلة، في ميزان للقوى متعدّد الأوضاع بتعدّد الحالات والمواقع. لم يتحصّل هذا الاستظهار لجميع الطوائف في الوقت عينه ولا بالنسبة نفسها. وإنما جاءت إليه تباعاً وعلى تفاوت في ما بينها فرضه تباين المسارات التاريخية والدواعي والإمكانات. بقي تبعثر الشبيبة الشيعية بين تنظيمات اليسار والأحزاب القومية، وهو التبعثر الذي يضرب مثلاً مفضّلاً على التذرّر وتداعي البنى التقليدية، ظاهرة أقرب إلى الهامشية في عينِ مَن عاينها وعرف حدودها، إذا هي قورنت بالثبات النسبي للزعامات العائلية، من جهة، وبالتوسّع المتدرّج لزعامة صريحة الصفة المذهبية وغامرة المدى الطائفي هي الزعامة الصدرية، من الجهة الأخرى. ولم تلبث هذه الظاهرة الأخيرة أن راحت تستوعب الأولى (أي التبعثر) ابتداء من أوائل السبعينات…
كانت مركزية سلطة الدولة وضرورة استيعاب ضغوط الهجرة الريفية على العائلات وعجز هذه الأخيرة عن حمل مطامح المتعلمين المسرعين إلى التكاثر، إلخ.، تزكّي كلها أفضلية الطائفة على العائلة، بما هي (أي الأفضلية) ظاهرة متصدّرة للمرحلة ولكن لا يمنع تصدّرُها صمودَ حالاتٍ مجانِبة لها ولا بقاءها هي نفسها عرضة للانتكاس. فإذا وُجد سلوك حكائي، بمصطلح جيرار، في العقد الذي سبق الحرب وفي الحرب نفسها، فإنما هو – في ما أرى – هذا التبلّر المتقابل للطوائف وليس تذرّر الوحدات التقليدية، بما هي حواضن للهويات، ولا ما يلي ذلك من استشراء التشابه بين الأفراد واضطراب بوصلات الهوية عندهم. هذا التقابل الحكائي جالب للعنف بالتأكيد، وهو ما يردّنا إلى جيرار ويزكّي أساس فرْضيّته. فهو (أي التقابل) في الواقع، استنفار يتنازع أطرافه أنصبة غير مقرّرة بأعرافٍ مُجْمَع عليها أو بتقاليد مستقرّة وهي أنصبتهم الخاضعة لموازين قوى متحرّكة في كل من الدولة والمجتمع. أو لنقل: في كل من الدولة والمدينة، فإن هذا أقرب إلى ماجريات النزاع اللبناني.
أقول إن السلوك الحكائي الذي اعتمدته الجماعات الطائفية تعزّز في العقد الذي سبق الحرب (فكان من مظاهره، مثلاً، نشوء الحلف الثلاثي وسقوط الشهابية في انتخابات 1968 النيابية) وظل يتعزّز في الحرب نفسها… والحال أن الحرب، بما هي عنف، كانت قابلة ممتازة لتبلـّر الطوائف. فالحرب، على نطاق البلاد، إنما تخاض بالطوائف أو بالتنظيمات الطائفية، بالأحرى، بما لهذه من بعد متصل بتكوين الدولة ومن مداخل إلى النزاع الإقليمي، فيما يستبعد أن تصلح لخوضها العائلات والأحلاف العائلية. ويستوي تبلّر الطوائف هذا مجلبة محتملة للعنف بعد أن يعزّزه العنف. وقد أشرنا إلى الأمر الأوّل ويكاد الثاني يستغني عن الإشارة. فمن البيّن أن العنف ينشئ الأسوار، من نفسية وحسّية، بين أطراف كانت إلى الأمس متخالطة وأنه، في كثير من حالاته، يتّخذ إنشاء هذه الأسوار وتمتينها أو ردع الرغبة في هدمها هدفاً صريحاً له. وفي الأقوال السائرة أن العنف يجرّ العنف وأن العنف دوّامة أو لولب (spirale بالفرنسية)… وفي هذا الكلام ما فيه من أثر الخبرة التاريخية وليس هو بالقول الذي جعل منه التكرار عادة لفظية فارغة.
طائفتان أم ثماني عشرة؟
ولم يكن توطّد الطائفية هذا ليمنع – بل كان يرجّح! – الاقتتال في صفوف كل من المعسكرين المتواجهين. وذاك أن الكلام على ديانتين تهيمنان متواجهتين في لبنان كان، على الدوام، كلام أناس ضعيفي المعرفة بالأرض أو خائفين من التصريح بما يعرفون وأن كثرة الطوائف أَوْقَعُ بكثير من هذه الإثنينية وأن هذا الوقع قد زاده الزمن وحوادثه قوّة. ولقد كان الميزان بين طوائف كل من الديانتين واحداً من الأسئلة التي افتُرِض أن الحرب جعلتها معلّقة ويسعها أن تأتي، في نهاية المطاف، بجواب جديد عنها. لم يكن التشكيل الجديد للبلاد بتظهير البعد الطائفي واستظهاره على ما عداه ليمنع أيضاً نوازع الهيمنة ونشوب الصراع بين المكوّنات السياسية لهذه الطائفة أو تلك. فإن الصراع على الطائفة الواحدة كان، في هذه البلاد، واحداً من المرامي الكبرى والأبعاد المحتومة للحرب الأهلية العامّة. حتى إذا عدتُ، بعد هذا، إلى العنف أو إلى أصله، تراءت لي ضرورته، لا في امّحاء الفوارق بل في ضرورة حملها على التحوّل إلى صوى ومعالم للتنازع. العنف هو ما يتكفل بهذا التحويل أو الغصب للفوارق. وهو يصطنع من هذه الأخيرة خنادق تزداد عمقاً كلما اشتدّ.
هذا يحملني على موافقة سمير فرنجية، بلا تحفّظ، على تقديمه التواصل على أنه هو، أو ما يسميه أهل الحوار بين الأديان، “حوار الحياة”، وليس مجرّد السلام أو المصالحة الإجرائية، نقيض العنف. وإنما أتحفّظ عن تفاؤل سمير فرنجية بما أعدنا تحصيله من هذا التواصل بعد خروجنا من الحرب. لا ريب أن أشياء مهمة قد استعيدت. ولكن الصورة الغالبة بقيت ما جاءت به الحرب من فرز في السكن وفي التعليم وفي الكثرة الكاثرة من مواضع التعامل والعمل وفي الانتظام السياسي ومن إفراط شعائري في مساق الاستعراض العدواني للتدين، إلخ.، إلخ. بل إن كثيراً من ذلك مضى، بعد الحرب، شوطاً أبعد في التفاقم أو في التوطّد.
هذه الترسيمات التي ألجأ إليها لمحاورة فرضيات هي بمثابة المقدّمات النظرية لكتاب سمير فرنجية ومثلها أيضاً ما يعتمده المؤلف نفسه من ترسيمات لا ينبغي لها أن تعدّ ترياقاً لكلّ استعصاء نظري. فهي لا تستبعد، عند سمير فرنجية، ولا تستبعد في قراءتي لكتابه إبراز ما لهذه أو تلك من الحبكات التي جرّت موجة أو جولة من موجات العنف اللبناني وجولاته من فرادة. ما كان لحزب الله أن ينشأ، مثلاً، ولا أن يطبع بطابعه السنوات الأخيرة من الحرب وما تلاها من أعوام… ما كان له أن يشقّ حركة أمل ثم يرث، بالقوّة الصريحة، مقاومتها لإسرائيل ومقاومة الحركة الوطنية قبلها… ثم يوشك، بعد حين، أن يستتبعها أو هو يستتبعها فعلاً… ما كان له ذلك لولا أن ثورة إسلامية تسلّمت زمام الدولة الشيعية الكبرى في العالم سنة 1979 ثم نشأ محور ضمّها إلى سورية حافظ الأسد وأوصلها إلى موقع وجدت له أهمية جغراسية لا تضاهى هو الموقع الشيعي اللبناني. وليس أقدر من سمير فرنجية على الجمع في نصّ منسجم بين تفعيله للترسيمات العامّة واستعادته استعادة الفاعل المتأمل، للكبريات من وقائع المرحلة ولمكنونات ذاكرته من مبادرات أو معاينات كانت منه أو كان فيها، أخيراً.
مآثر…
لا أملك هنا أن أحصي واحدة واحدة جولات يأخذنا فيها هذا الكتاب باسطاً في كلّ منها ضوءاً غامراً على واحد من قطاعات خبراتنا أو محننا المعاصرة أو على وجه من وجوهها. أكتفي بالإشارة إلى مثالين: اللوحة الرفيعة السمت التي تعرضها الصفحات 75 إلى 80 من الطبعة الفرنسية لجلجلة الحياة اليومية في الحرب ولوجوه معاناتنا الحرب… وقبلها اللوحة الأخرى (وهي قد تفوقها بلاغة) لوجوه الدور السوري في الحروب اللبنانية وفي غدواتها ولأطوار هذا الدور، وهي ما نقف عليه في الصفحات 62 إلى 74. هنا وفي مواضع أخرى من الكتاب، نقع على مآثر في الإحاطة وفي دقة الوصف وبراعة التشخيص وفي الإيجاز الذي تعرف به البلاغة أيضاً.
وفي ما يتعدّى هذه الجولة وتلك، يجرؤ الكتاب على بتّ صريح للصلة بأنصار لبنانيين للسلام الأهلي طالما عللوا أنفسهم بالقول إن 4% من أهل البلاد يسألون عن الحرب فيما الباقون “مدنيون أبرياء”. المسؤولية عامّة – يقول فرنجية – ولا منجاة لأحد من وجه ما من وجوهها، وإن تكن الأدوار، ولا ريب، غير متكافئة. أمرٌ آخر أعدّه من مآثر هذا الكتاب هو إبرازه أهميّة ترميم “الذاكرة” العامّة أو تقويمها ليستقيم خروج فعليّ من الحرب. وهذه مهمّة لم تحظ إلى اليوم بما هو متوجّب لها من تبنّي المنابر المختلفة وعناية بؤر التفكير والحوار العاملة في البلاد. وهو ما يحمل فرنجية على استذكار حارٍّ لمساعٍ، في هذا المضمار، يعلم أنها بقيت، على وجاهتها، متواضعة المدى والأثر…
لا أكتم إعجابي أيضاً بالإشارة إلى الصفة الوهمية لعَقْد يفترض أنه حصل بين الطوائف اللبنانية. وهذه إشارة ينطلق منها فرنجية إلى بسط تصوّره لإصلاح تفرضه حياة مشتركة لا مناص منها للأفراد ولا يأتي إملاءاً سياسياً أو تشريعياً من طوائف تحسب التوافق بينها غاية الغايات. من هذه الإشارة، تنطلق أيضاً قراءة فرنجية (وهي قراءة الخبير المصاحب) لاتفاق الطائف ولمكانة العيش المشترك من هذا الاتفاق وللدينامية التي يوجب هذا الاتفاق أن تضع البلاد على سكّة التحوّل إلى ما بات يسمّى “الدولة المدنية”… وهذا اصطلاح ابتدعه اللبنانيون لصيغة الإصلاح التي تراها ملائمة كثرة من طلاب الإصلاح بينهم. وهو أيضاً اصطلاح راح اليوم يشقّ سبيله بين طلاب التغيير العرب في مختلف أقطارهم حاملاً إلى حركات التغيير الجارية فيها ضرباً من “اللبننة” أحسن طلعة بكثير من “اللبننة” المشؤومة التي طبّق صيتها الآفاق في أعوام الحرب اللبنانية وبعدها.
مخالفة الختام
ما سبق يكفي وإن لم يكن مستوفياً كل ما أثارته في خاطري قراءة هذا الكتاب. ومع أن ما سبق يكفي فإنني أحب أن أختم كلامي بتصريح يرضي ميلي الغلاب إلى المخالفة. وهو أنني لا أوافق سمير فرنجية على تشخيصه لما كانته تظاهرة 14 آذار ولما شهدته الحركة المسمّاة باسمها من أطوار وصولاً إلى البؤس والذواء اللذين يسمانها اليوم. هذا التشخيص الذي يستغرق جملة من الصفحات في كتاب فرنجية ويمثّل ركناً فيه لا تصحّ نسبته إلى المؤلف وحده. بل هو، في ما خلا بعض التفاصيل، تشخيص منتشر. وخلاصته نسبة مفاعيل تجديدية عظيمة للتكوين السياسي الاجتماعي اللبناني إلى التظاهرة وإلى ما تلاها. تلك مفاعيل لا أراها، من جهتي، على القدر المنسوب إليها من قوّة التجديد ولا على أقلّ منه. ولأوضح أن هذه المخالفة – مخالفتي – ليست بنت اليوم: فقد باشرتها في آذار 2005 عينه وأتيحت لي مذّاك أربع مناسبات أو خمس للتعبير عنها وبسط أسانيدها. لذا لن أعود إلى هذا الموضوع هنا. فقد تعبت منه وأحسبني لم أقنع أحداً من أولي الأمر. كذلك تعبت حركة 14 آذار من نفسها ومن دعاواها القديمة أيضاً.
[1] قراءة لكتاب سمير فرنجية Voyage au Bout de la Violence, L’Orient des Livres et Actes Sud, Beyrouth Paris 2011
أعدّ ت لندوة انعقدت حول الكتاب في نطاق المهرجان اللبناني للكتاب، أنطلياس في 5 آذار 2012، ونُشرت في فصلية كلمن، العدد 6، ربيع 2012.
حديث إلى روجيه عسّاف عن بيروت
المقابلة الثانية مع جريدة الرأي الكويتية
الراي 25 ك1 2011حوار أحمد بيضون ً
بيضون لـ «الراي»: التغيير في سورية أظهر صموداً مُذهلاً والحلف بين طهران ودمشق لا يمكن استبعاد اهتزازهحوار / «البروز الانتخابي لـ (الإخوان) لم يفاجئ… بل الحجم الاقتراعي للسلفيين» |
||||||
حوارات – الأحد، 25 ديسمبر 2011 / 1,365 مشاهدة / 38 |
||||||
|
||||||
|
||||||
|
| بيروت – من ريتا فرج |
قبل نحو عام أجرينا لقاء مع المؤرخ أحمد بيضون ولم يكن العالم العربي دخل انذاك في أوج حراكه الاحتجاجي العابر للدول من المحيط الى الخليج، ولم يكن كثيرون** من المؤرخين العرب توقعوا انتشار عدوى «ثورة الياسمين» المباغتة، رغم أن الاحتقان التاريخي كان كالجمر تحت الرماد. ولعل ما قاله صاحب «الجمهورية المتقطعة» في المقابلة الأولى يعبر بايجاز عمّا جرى ويجري، حينها قال: «حجم الآمال العظيمة التي تمثلها التضحيات لا تكفي، فهي تحتاج الى تنظيم ويتعين عليها مواجهة الحزبية الصلبة الجانحة الى التخاذل». بيضون الذي هجس باكراً بسطوة الأحزاب التقليدية الاسلامية على «الربيع العربي» من بوابة صناديق الاقتراع لم يأتِ توقعه من سراب أو من نبوءة سياسية، كان يدرك بعين الرائي ما يملكه الاسلاميون من قدرة على التنظيم والتغلغل في النسيج المجتمعي والسياسي، ومن هنا يمكن أن نفهم مقاربته لموقع الحركات الاسلامية خصوصاً «حركة النهضة» في تونس و«جماعة الاخوان المسلمين» في مصر، فالحركتان في رأيه «لم تكونا من أطلق التحركات الشعبية أصلاً، وهو لا يمنع أن التنظيم بوسائله وموارده يمكن أن يعزز موقعهما في نهاية المطاف»، وهذا ما حدث. قلة من الكتّاب والمؤرخين العرب تملك هذه القدرة على تفكيك الأحداث وربطها بالماضي والغد، ورغم أن صاحب «الصراع على تاريخ لبنان» شديد الحرص على ترتيب أفكاره ونسجها وفق الوقائع لا التصورات أو الفرضيات الايديولوجية، الاّ أنه يتفرد بخاصية مهمة قوامها قراءة الواقع التاريخي واستباق تجلياته. وليست صدفة معرفية الانذار الذي أطلقه بيضون، فقد أدرك أن مخاض ما يسميه «حركات التغيير» سيفضي الى وصول الاسلاميين، الذين يملكون اطاراً تنظيمياً وعمقاً تقليدياً في المجتمع. من تفجر «الربيع العربي» الى الأزمة السورية، ومن تحقيق «جماعة الاخوان» وأخواتها أعلى نسبة في صناديق الاقتراع الى غياب البورجوازية العربية عن الحراك الاحتجاجي، ومن موقف «حزب الله» من «الربيع الدمشقي» الى الاستقطاب الحاد بين قوى 8 و14 مارس، هذه القضايا وغيرها شكلت محور الحوار الذي أجرته «الراي» مع أحمد بيضون وفي ما يأتي وقائعه: • دخل العالم العربي منذ الثورة التونسية في حراك شعبي احتجاجي يشبه الى حد ما تجربة الديموقراطيات في أوروبا الشرقية. بداية، لماذا تفجر «الربيع العربي» في هذه اللحظات التاريخية؟ |
منذر جابر عن “رياض الصلح في زمانه”
فادي العبد الله في مجلّة كَلَمُن
ظهرت في العدد الرابع من فصلية “كَلَمُن”، خريف 2011
كلمن | غناء فيروز لكلمات زياد
Source: كلمن | غناء فيروز لكلمات زياد
غناء فيروز لكلمات زياد:
قمر الصباح الباكر يحكي بلايا آخر السهرة*
أحمد بيضون**
الصوت ولونه
كثيرا ما قيل إن صوت فيروز خلق للصباح. وتلزم محطات الإذاعة هذا الرأي لزوما إجماليا فتبثّ أغاني فيروز فيما الناس يرشفون فنجان قهوتهم الأول أو يمسحون فوضى الليل عن صور أجسامهم وعن دواخل بيوتهم مفتتحين بذلك منطق النهار. وقد لا تلزم محطات التلفزيون هذه القاعدة لأن التلفزيون آلة ليلية على التغليب. ولم يكن لفيروز نفسها أن تستغني عن السهر بشخصها مع الناس.. فالناس ألفوا، لأسباب لا تعتدّ بلون الصوت، أن يكون الغناء متاعا للسهرات. ولم يحصر الأخوان رحباني شعرهما المغنّى بوقائع النهار أيضا. بل الراجح أن الليل كان أشدّ استدراجا لهما إلى الشعر لأن آية النهار مبصرة والشعر لا يوافقه كثيرا ما يفرضه النهار من مطابقة فظـّة (وإن تكن ظاهرية) بين صور الأشياء وأسمائها. عليه كانت فيروز، في عهد عاصي ومنصور، تغني، بصوتها الحي، في الليل… وهي قد غنت لليل كثيرا، في عهد عاصي ومنصور أيضا. ومع أن مانعا لا يمنع أن يأنس المبكرون للسماع إلى أصناف شتى من الأخيلة الليلية، فإن بين الأغاني التي كتبها عاصي ومنصور (أو كتبها غيرهما) لفيروز ما لا يصلح أصلا لمزاج السابعة صباحا: “بكوخنا يا ابني”، مثلا، أو “تخمين راحت حلوة الحلوين”.
مع ذلك، لا نرى حدس محطات الإذاعة الإجمالي يجانب الصواب. وهو حدس يذهب المتأمل فيه، على الفور، إلى ضده المتعلق بأم كلثوم. فليس صعبا إقناع المنهك أو المتخم بأن شدو هذه السيدة بقول الخيـّام : “فما أطال النوم عمرا…” لا يوافق ساعة القيلولة.
يجد الناس للصوت أوصافا مختلفة، ويستعيرون لتسميتها من مصطلح حواسهم الخمس، وتسوقهم القريحة إلى استعارة مصطلح اللمس، خصوصا، لحاسة السمع. فيقولون: “صوت خشن” ويقولون: “صوت حاد”. وأما أنا فأسأل: هل لصوت فيروز لون؟ ولا أسلـّم إلا مرغما، بأن فيروز سفيرتنا إلى النجوم. فإنما يغلبني الظن أن صوتها هو نور القمر. وليس يذهب خيالي إلى القمر الذي يطلع في أول الليل أو في وقت غير معيّن من أوقاته. وإنما أشير إلى القمر الذي يتأخر إلى ما بعد الفجر بساعة. ذاك هو القمر الذي سأنظر إليه لأتملى فيه من صوت فيروز ولن ألتفت إلى الشمس قط، وإن تكن طلعت. فليس يصحّ في هذا الصوت حديث الحرارة (أو الدفء) وما يخالفهما أي البرودة. هو صوت يلاعب الروح لا غير، فيجب علينا، كرمى لفيروز، أن نسلـّم بوجود الروح. والمعوّل عليه ههنا أنني لا أجد صوت هذه السيدة أصفر ولا برتقاليا. وأما النجوم فهي تلمع أكثر مما يجب بقليل.
تستعار المعادن أيضا لوصف الأصوات. ونهاية ما سبق أنني أجد صوت فيروز فضيا. وهو الفضة جليت من يومين أو ثلاثة لا من دقيقتين. وما هو بالذهب ولا بالماس ولا يزيده إلا عزّا ألا نعتدّ ، حين نصفه، بمقياس الأسعار. فنحن، حتى تاريخه، ننام ونقوم في بيوتنا لا في بورصة دبي.
العِـيّ
هل تركتنا فيروز مقيمين في بيوتنا فعلا طيلة نصف القرن الذي مرّ ونحن نسمع بصوتها ومعه شعر الأخوين رحباني وألحانهما؟ الجواب صعب لأننا كنا معها في أقصى الوحشة وأقصى الألفة، في آن. كنا في العراء ولكن هذا العراء كان هو المنزل الذي ولدنا فيه وبات، من يوم أن ولدنا، غير موجود. فليس غناء فيروز للأخوين رحباني غير هذا الاتحاد شبه التام للوحشة وللألفة. وأقول “شبه التام” لأن ما كان يقوله هذا الغناء هو، على وجه الدقة، أن بيت ولادتنا قد أصبح أطلالا ولكنه كان لا يزال قائما، بمعالمه كله فينا. كنا قد كففنا عن الإقامة فيه، مذ بات غير صالح لسكنانا، ولكنه كان لا يزال مقيما فينا.
الذي حصل حين ترك زياد حضن أمه ليعلـّمها كلاما لم يتعلمه منها أن البيت الذي كانت فيروز ترتبه فينا كل صباح تهدّم هو أيضا وأننا علمنا، في المناسبة نفسها، أن أطلال الخارج قد زالت هي أيضا أو هي أمست على مشارف الزوال. علمنا أيضا، أو وجب علينا أن نعلم، أن هذه سنّة الحياة وأنها سنّة الموت أيضا. فنحن في سنّ قريبة إلى سن فيروز أو إلى سنّ غنائها. وأما زياد وغناؤه فقريبان من سنّ أولادنا. أركن إلى هذا التعليل مؤقتا، عالما بأن الاحتجاج بالسنّ سرعان ما ينكشف ضعفه وأنه لا يعفي أحدا من المسؤولية عن ذوقه.
وقد كنت ذهبت، قبل عشرين سنة، في كلام وجيز على مسرح زياد الرحباني[1]، إلى أن هذا المسرح يؤو ل إلى إخراج العِيّ اللبناني أي عجز اللبنانيين عن الكلام المفيد… أو قصور عبارتهم عن ملابسة المعنى المراد بها. هذا العيّ عيّ مداور. فاللبنانيون يقولون، في نهاية المطاف، ما يريدون قوله ويعرف بعضهم، في نهاية المطاف، ما يريد بعضهم الآخر أن يقول. حتى إن هذه المعرفة قد تسبق القول نفسه. ولكن المطاف المشار إليه يأتي طويلا معقـّدا ويشير، بطوله وبعقده، إلى مقاومة ما للقول السوي، للمختصر المفيد، وإلى عجز عنه. ليس ما يقال ضائعا إذن. ولكن في الاستراتيجيات المتقابلة للقول ما يجعله قولا بدلا من ضائع. وعلة ذلك أن بين اللبنانيين من الحوائل التي قد ينكرون والمكتومات التي يعلمون ما يجعل صراحة القول، في الدقيق والجليل من المسائل وبين الكثير أو القليل من المتخاطبين، بابا لقطع الكلام أصلا وللوصول فورا إلى أقصى التنازع. هذا بينما تقتضي الحال تجزئة التنازع، عبر التطويل في الكلام وليّ مجراه مرارا وتشعيبه هنا وهناك، بحيث يحول التنازع الكبير، القابل للفتح على مصاريعه كلها، إلى منازعات تفصيلية تطيقها حياة كل يوم.
هل بقي لعيّ اللبنانيين أو للحُبْسة في نطقهم هذا المثول نفسه في كلام الأغاني الذي كتبه زياد لفيروز؟ نعم و لا. في خانة نعم، أن زيادا لا ينتظر اجتهادنا في موضوع العي والحبسة وإنما يعلن حصولهما إعلانا مباشرا:
“وهيدا جارو ما بيفهّم شي.
بيحكيلي خبريات
وبيحكي عموميات
وبيبرم ساعة عالكلمة وما بتطلع هي بالذات.
وفي خانة لا، أن العجز عن الإفادة يتكشف عن إستراتيجية قائمة برأسها. تتمثل المرحلة الأولى من هذه الإستراتيجية في فرض النسيان على المحاور (أي ما هو عكس إفادته)
وبياخدني وبيرجّعني وبينسّيني
نسّاني والله نسيت.
(…)
وهذا قبل أن تنتهي الإستراتيجية نفسها إلى فرض الانهيار على محاور أعيته الحيلة:
خبِّرني إنـّو جارو شو دبّارو
معقولي هالشي؟
بيحكي بين شفافو
وبيجاوب بكتافو
يعني الحكي مش متل الشوفي
فعلا لو حدا شافو…
بيتعّبني وبينكّدلي العيشي
وديني بكّاني، والله بكيت!
هي الحرب إذن، لا مدافع فيها ولا راجمات. فإنما يكفي منظر الخصم لتقع الهزيمة. ومنظر الخصم منظر واجهة لا تخرق. فهو أشبه بالحصن يحجبه ساتر هائل الصفاقة من مكعـّبات الإسمنت وأكياس الرمل. وأما الهزيمة فما هي غير خيبة الجهد لحمل الخصم على تقبل غاية مشتركة للكلام، أوّلا، ولحمله، ثانيا، على اعتماد مصطلح للكلام ومسالك وقواعد لتداول الكلام تفضي به إلى هذه الغاية لا إلى غيرها ولا إلى ضدها.
الفعل الناقص وفعل القول
ومن وجوه العيّ أيضا أن زيادا، إذ يحاول تعيين معالم بارزة لفقر الكلام اللبناني، لا يجد أمثل من الأفعال الناقصة، وخصوصا منها “كان” و”صار”. وهي أفعال يسعها أن تكون تامة أيضا فلا يزداد مدلولها غنى أو تعيينا. ينشئ زياد أو يستعيد تراكيب تتكرر فيها هذه الأفعال وتطغى. ومن قبيل ذلك “مش كاين هيك تكون” وريتو عمرو ما يكون” و” ما بعرف شو صاير لك”… ويضاف إلى تكرار الأفعال الناقصة تكرار أفعال القول من قبيل “قال” و “حكى” و”خبّر”. وهذه أفعال لا تقلّ نقصا عن سابقتها. هي متعدية تحتاج إلى مفعول. ولكن قد يكون المفعول الذي تحتاج إليه مفعولا لا كالمفاعيل. فأنت إذا قلت: “أكل حسن” كفاك أن تضيف التفاحة إلى الجملة ليتمّ المعنى وإن لم يشبع حسن. وأما إذا قلت: “قال حسن” فستجد نفسك، على الفور، تحت رحمة حسن الذي يمكن أن يحتاج إلى يومين ليقول ما عنده. لذا صحّ أن نعتبر أفعال القول، بحد ذاتها، بين أفقر أفعال اللغة مدلولا… فيتنوع مدلولها ويتشعّب، بحسب المفاعيل، إلى غير نهاية. وقد يكون مفعول فعل القول، عند زياد، ظاهرا ومحصورا: “اشتقتلك” أو” اشتقتلّي” مثلا. فيتكرر في جمل من قبيل: “اشتقتلّك، اشتقتلّي… بعرف مش رح بتقلّي”، و “طيب مش قصة ما تقلّي” و “طيّب أنا عم قلّك”. وقد يبقى المفعول مقدّرا وعامّا، من قبيل “بتحكي وبتصير ما بتسمع”. وفي الحالتين (وفي حالة الأفعال الناقصة أيضا)، نجدنا أمام نزاع أو خيبة أو غضب أو يأس ضمرت ملكة التعبير عنها إلى أدنى حدودها واقتصر زادها على المدقع من الألفاظ. ويتكرر فعل “فهم” أيضا مع أفعال القول ولكن ليعلن أن القول لا يصادف فهما وأن هذا الأمر إنما هو صورة النزاع والخيبة وما إليهما، أو هو أول ملامح الصورة، على الأقل.
تبقى الجمل مفتوحة، طبعا، أمام مخيلة السامع. فيسعه أن يودع في “مش كاين هيك تكون” أو في “ما بعرف شو صايرلك” حكايات وروايات. ويسعه أن يودع مثل ذلك في “بعرف مش رح بتقللي” وحتى في “قال عم بيقولو صار عندك ولاد”. وذاك أن القراءة في الغيوم ممكنة لمن شاء. وأما فضل الغيوم في إمكانها فيبقى محل نقاش.
بين الحُبْسة والإفراط
أعود إلى العيّ والحبسة. هذان قد يتخذان أيضا، عند زياد، صورة الإفراط في دفق الألفاظ والإيقاع السريع لتتابعها. قد أذهب لبيان هذا الأمر إلى أغان ذكرتها دليلا على ضدّه: إلى “اشتقتلّك”، مثلا، أو إلى “مش كاين هيك تكون”. ففي الأولى صفّ طويل من المواقف والعواطف: عمل الزمان وحصول النسيان، والغلط وعدم المواساة والإحساس بالعلّة و”العيشة عالهلّة” والاستفقاد… والشوق، طبعا. وفي الثانية ركام عجيب من الأشياء الحسية: الزيتون والصابون والليمون واليانسون والصالون والبلكون والكميون وسائر ما “يخلص بحرف النون”. في الحالين، يجري عرض لحالة طارئة على عالم تسعى كلمات الأغنية إلى تفصيله. وهذا العالم، في الأغنية الأولى، عالم عواطف ومواقف، وهو، في الثانية، عالم أشياء حسية. في أغنية ثالثة (ذكرتها أيضا)، وهي “انشالله ما بو شي”، نقع على حشد غير ضئيل من البشر: على المشكو إليه وعلى الشاكية وصاحبها طبعا، وعلى “جارو” الآنف الذكر، ولكن أيضا، على “الدكنجي” وعلى “اللي بالأول” وعلى “أهل” الحبيب وأصحابه، أخيرا. في كل من هذه الحالات، إذن، تتبدّل المادّة التي أنشئ منها الديكور ويتغير معها الحقل الذي تستمد منه الألفاظ. يتخذ الشوق المضطرب الموقع موقعَه في قاموس العواطف، ويجد ذواء الحب ديوانه في نصول ألوان العالم وضمور أبعاده وتعثـّر حركاته، وتعبـّر اللهفة عن نفسها في تصفـّح لإعراض البشر عن إغاثة الملهوف. وهذا كله حسن وإن كان يحسن بنا أن نعود إلى العلـّة المحتملة لملازمة الهزء والضحك هذا كله.
قبل ذلك، أحب أن أذهب، لاستقصاء الإفراط اللفظي، بما هو أسلوب مواجهة مرادف للعيّ عند اللبنانيين، إلى أغنية أخرى هي آية آيات الإفراط المذكور، وهي “لا والله”. ههنا نقع على امرأة ذات ثروة عريضة من مفردات الكلام وتراكيبه وموهبة فذّّة في إطلاقه بسرعة وقوّة. وأما المدار الأول لكلا مها (وهو كلام احتجاج وتعنيف) فهو، على وجه الدقّة، أن حبيبها الذي تخاطبه يضارعها ثروة وموهبة في المضمار نفسه: مضمار الكلام. بل إنه لا يملك غير هذه الثروة إذ إن موضوع البيت وتأثيثه ما يزال معلقا. وخلاصة المبارزة (التي نسمع من طرفيها طرفا واحدا) أن “الحبيبة” تريد أن “تأكل رأس” الحبيب الذي يواظب بدوره على “أكل رأسها”.
كلمة كلمة يا حبيبي تا إفهم عليك
أو فتـّش عن غيري يفهم إذا رح تبقى هيك
يكون بيحكي بسرعة قّدّك ما يسمع عليك
بتشارع ضيعة يا حبيبي وما بتقدر عليك
بدّك دولة أو شي أمة أو أكبر من هيك
يمكن كوكب أو شي أكبر تا يستوعب ليك!
ولأتجاوز هنا عن سطرين (سأعود إليهما) من كلمات الأغنية لأصل إلى ختام هذا المقطع الذي ننتقل بعده إلى قسم آخر من الأغنية يصبح فيه البيت والفلوس (لا الكلام نفسه) مدارا للكلام. ختام المقطع إذن:
بتحكي فوقي وبحكي فوقك شو رح نستفيد؟
صدّقني يوماً عن يومٍ حَكْيك غم يزيد
بتقللي بتضلـّي تعيدي وإنت العم تعيد
ومأكّد دايما من كل شي وما في شي أكيد!
هذه “الحرب الصغيرة” تكشح، أوّلا، كل أثر لصورة السعادة البطولية التي تفترض تربية تزعم لنفسها الشيوع عندنا أن اقتران الحب بالفقر يفتح أمام الزوجين المتحابين أبوابها (وهي نفسها أبواب الكفاح الصعب لـ”تحقيق الطموح” أو “للقناعة بالمقسوم”، على الأقل). لا أثر للقناعة ههنا ولا أمل يواكب الطموح. ولا تشنّ الحرب على خصم ما يعترض طريق الحبيبين، بل تدور الحرب بين زوجين نخمـّن أن عمر الحب في بيتهما كان قصيرا. وأهم ما يقوله الكلام الكثير من الجهتين أنه كلام لا طائل تحته ولا هو مفهوم أصلا ولا هو يغيّر شيئا من سوء الحال. يردّنا هذا، من باب آخر، إلى مسألة العيّ والحبسة. فهذا ن لا تعالجهما كثرة الكلام، بحد ذاتها. وسواء أكنّا أمام الذي “بيحكي بين شفافو وبيجاوب بكتافو” أم أمام الذي “بيشارع ضيعة”، بداية، لينتهي إلى مشارعة الكوكب أو ما أصبحنا نسميه، بعد ماك لوهان، “الضيعة الكوكبية”، فنحن أمام انسجام مفقود أو نزاع مفتوح، وبيننا وبين “التفاهم” (ولنسمّه “التوافق”، إن شئنا، ولنسمّه “الحوار”) عرض السموات والأرض. ما الذي يجعل الحوار سرابا؟ إنها الحبكة المحكمة حبكها كل لنفسه وحبس فيها نفسه وحبس غريمه أو شريكه فيها أيضا. هذه الحبكة يمكن أن تكون حبكة الزوجة أو الزوج لما يراه (أو تراه) صورة لمستقبل البيت. ويمكن أيضا أن تكون رواية لتاريخ البلاد أو تصورا لمباني نظامها الاجتماعي السياسي ولخط سلوكها في مسائل المصير. في هذه الأحوال جميعا يستوي “الحكي بين الشفاف” و”المشارعة” التي يعلو فيها الصوت ويكثر الكلام ممسكا بتلابيب بعضه بعضا بحيث لا يتميز ولا يفهم. في الحالين، في البلاد وفي البيت، يكثر أن تبدو القدرة على الكلام مرادفة للعجز عنه أو لكتمانه.
ولكن “شو بدّي بالبلاد” على ما يقول زياد، بصوت فيروز، في أغنية أخرى. و”خلينا بالبيت”، على ما تأمر فيروز في أغنية كتب كلامها جوزف حرب. إذا صحّ أن الكلام القيّم لا يستغني عن نقض كلام سبقه (من قبيل أن”الإسلام يجبّ ما قبله”، في رأي ذوي ملـّته) فأيّ كلام هو ذاك الذي تنقضه فيروز وهي تغني كلام زياد؟ مرّة أخرى، يوفـّر علينا زياد نفسه عناء البحث. “ما تبحثو… ما تبحثو”، تقول فيروز في “سلـّملي عليه!”. أمرك سيدتي! لن نبحث!… في “لا والله” التي وقفت مع نصها طويلا، تشدو فيروز بمطلع أغنيتها القديمة: “ياريت! إنت وأنا بالبيت!” ثم تستدرك على الفور:
“بس كل واحد ببيت!
فعلا حلوي هالغنية بس جدّ انسمّيت!”
وهذه الإلماحات الهازئة إلى قديم فيروز تتكرر في ما تغنيه من كلمات زياد. من “كيف طلّ الورد بشبّاكي مع إنو ما دقّيت!”، في الأغنية نفسها، إلى ” مش سامع غنّية راحوا؟” فإلى
“كاين راقي وحنون
أو مايل عالغصون”،
في أغنية “مش كاين هيك تكون!”، إلخ.
الرومانسية ووجه الآب
فمن يوم أن وضع زياد مسرحيته “شي فاشل”، وأخرجها وعرضها على خشبة مسرح جان دارك، في سنة 1983، لم يتعب من مناكدة أمه وأبيه وعمّه. وهو “يمون”، بطبيعة الحال. فموقعه لا يشبه في شيء موقع أي “إنسانة” “تمرق وتفرق وتصير تمون”! فإنما هو، مع فيروز والرحبانيين، في بيته، وهذا هو عالمه، وهو يعلم ذلك، لا ريب، وقد كرّس حياته، بما هو فنان، للخروج من هذا العالم وعليه، وهو حر في ذلك… بل إن هذا الخروج هو حريته عينها وليس لأحد أن يقترح عليه غيرها.
ومأخذ زياد على عالم الرحبانيين أن أصداء العالم الذي نروح فيه ونغدو ونتعايش ونتنازع، يفوته أهمها. فهو لا يصلح، بالتالي، مرجعا يردّ إلينا، بلغة أخرى خاصة، عالمنا الذي نحن فيه فيسعفنا في إدراكه حقا وقد يسعفنا في تغييره. ولكن ما هو عالم الأخوين رحباني؟ إنه، بالعبارة الوجيزة، عالم الرومانسية. توجد “أنا”، هي حينا لجماعة وأحيانا لفرد، تفرض نفسها بؤرة لهذا العالم وترتجل لها مخيلتها أو عزيمتها حقا في تسخيره وإلحاقه بها، بسائر مكوناته: من العشبة الطفيفة إلى المجرّة، ومن العناية الإلهية إلى العفاريت الصغيرة الداجنة، المقيمة في الجوار والمستعدة دائما للأخذ والعطاء… فإلى الشياطين الكبيرة القابلة، بثمن ما، للإقصاء إلى كهوفها البعيدة، ولو بعد حين.. عليه تملك الأنا أن تسترد توازنها كلما اختل. هي تستردّه حتى من الموت الذي هو شهادة، عند الرحبانيين، أي تركة باقية واستثمار مضمون، أو هو، على الأقل، مولـّد، بتوسط الألم وفي ما يتعدّاه، للرقّة البديعة وللاعتبار الثرّ في نفوس الأحياء. وقد كان طلال حيدر، لا عاصي ومنصور الرحباني، هو من أجرى، بصوت فيروز وتلحين زياد، كلام اللارجعة ووحشة الموت الذئبية والزمن الذي يعصي على الترتيب ولا يردّ منه طرف على طرف:
يا زمان!
ياعشب داشر فوق هالحيطان
(…)
يارايحين التلج!
ما عاد بدكن ترجعوا!
صوّت عليهن بالشتي، يا ديب!
بركي بيسمعوا!
الريف الداخلي
وإذا كانت الرومانسية آلة لإنتاج هذا العالم، فإن الريف اللبناني، بمعالمه المطبوعة والمصنوعة وبأهله، كان المسرح الأول (وبقي الأهم، وإن يكن توسّع لاحقا) لاستعراض العالم نفسه في فن الرحبانيين، أو لاستعراض صورة مركّبة له، بالأحرى. أقول: صورة مركّبة لأن هذا العالم لم يكن قائما على الصورة الرحبانية، في عهد من العهود، ولأنه كفّ عن الشبه بنفسه وضؤل حضوره في نفسه في زمن لم يدركه الرحبانيان، في كل حال. فقبل ربع قرن، تقريبا، من الوقت الذي ولد فيه الرحبانيان، كان الخوري يوسف تاتي يباشر جمع ما تيسر من تقاليد ريفنا الجبلي[2]، منبـّها إلى أن هذه التقاليد، إن لم تجمع ضاعت لا محالة. وفي أواسط الخمسينات، أي حوالى الوقت الذي التقى فيه الرحبانيان نهاد حدّاد، نشر أنيس فريحة كتابا له تحت عنوان: “القرية اللبنانية: حضارة في طريق الزوال[3]“. وفي مطلع السبعينات، أي بُعيد أن كانت “دبكة لبنان عالملقى”ّ قد هزّت معبد جوبيتير من أركانه، استأنف سلام الراسي مهمة إنقاذ التقاليد نفسها فنشر، وهو في سن متقدمة نسبيا، كتابه الأول: “لئلاّ تضيع[4]“. كانت هذه التقاليد ولم تزل، على الأرجح، لا تفرغ من ضياعها. وكان التقليد اختراعا للتقليد، على ما يشير إليه فواز طرابلسي[5] مقتفيا أثر أريك هوبسبوم. فإن ريف التقاليد، بما في ذلك طبيعته، عالم داخلي بالدرجة الأولى. ولولا أن الطبيعة يسعها أن تكون عالما داخليا، لكانت أجلّ النجوم أتفه، في إدراك البشر، من مصابيح السيارات.
وعلى غرار القول: “فلك ما تحت القمر”، نقول إن ذلك العالم كان، بعجره وبجره، “عالم ما تحت السيطرة”. ولقد أوضح فواز طرابلسي[6] مجرى الأمور، في العالم الرحباني، بقريته ومدينته ودولته، إيضاحا ليس وراءه مزيد. يقع النزاع ولكن الصلح والنهضة التي تلي الوئام آتيان، لا محالة. يرزحون على صدورنا فنقدّم الشهداء ونزيحهم. ويكون العدل سلاحا للضعيف فينال من جبروت السلطة. إلخ.، إلخ. وفي مضمار الحب وأماني اللقاء ولوعة الفراق المحتوم، وهو مضمار للأفراد، أيّ نص يفوق الأغنية التي تعلـّق عليها فيروز، بلسان زياد، قائلة: “فعلا حلوي هالغنيي، بس جدّ انسميت”؟… أيّ نص يفوق هذه الأغنية في تسخير قوى الطبيعة وظواهرها لكبح الزمن الذي يذهب بالسعادة؟
ياريت!
إنت وأنا بالبيت،
شي بيت أبعد بيت،
ممحي ورا حدود العتم والريح،
والتلج نازل بالدني تجريح،
يضيّع طريقك ما تعود تفلّ
وتضل حدّي تضلّ حدّي تضلّ
وما يضلّ بالقنديل نقطة زيت!
معنيان للهواء
يتحد سوء الحالة الجوية، إذن، وسوء المواصلات وغياب النور في نشر اللحظة – التي هي أمنية – إلى مدى الزمن كله. وأما لو كان زمام الأغنية في يد زياد لفقد الأمل في أن تقول الأغنية: “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”. لكانت الحبيبة لفتت نظر متيـّمها إلى أن الطريق مقطوعة والكهرباء مقطوعة وأنها طلبت إليه، من أول النهار، جالون كاز للمدفأة فقال إن النهار صاح ودافئ… وها هو الثلج يملأ الوديان وليس في قنديل الكاز نفسه نقطة كاز. وأما عن الموقد فـ “جب لنا موقدي من غناني أمك”. ولكان اشتعل “النقار” بنقطة الكاز تلك واستذكر كل من الطرفين ما يذكره، حصرا، من القرارات السابقة ذات الصلة ثم ضاع الموضوع بين الصوتين المذعورين… ومال طرف إلى جهة العولمة والآخر إلى جهة العولمة البديلة وتعصب طرف لأربعة أطراف إقليمية، سويـّة أو على التوالي، وتعصّب الآخر لطرف لبناني واحد وطرف دولي واحد أيضا، ولكانت الروايتان المحكمتان دارتا على محوريهما المتوازيين طيلة الليل:
بتقلـّلي بتضلـّي تعيدي وإنت العم تعيد.
سينسى الحبيبان خطر الموت، إذن، في هذا الليل القطبي الطويل… وسينجوان من الموت فنبقى مدينين بهذه النهاية السعيدة لغليان الدم في العروق. هؤلاء هم البشر، عند زياد، وهذه هي الطبيعة أيضا. عند عاصي ومنصور، كانت شراسة الطبيعة نفسها ممكنة التسخير لأحلام البشر، واقفة على خدمة أمانيهم أو مظهرة لجلال سعيهم. عند زياد، يكفي أن يظهر شيئان خرجا من الأرض ليظهر معهما التنافر بين الناس:
واحد عم ياكل خس
وواحد عم ياكل تين!
وإذا كانت فيروز قد غنّت مع عاصي ومنصور:
نسّم علينا الهوا
من مفرق الوادي
يا هوا دخل الهوا
خذني على بلادي!
فهي ستغني بعد زياد:
الهوا، يا معلـّم!
رح يسفقنا الهوا، يامعلـّم!
الهوا، يا معلـّم!
لو بتسكّر هالشباك، يا معلـّم!
التمرين السابق (أي تخيـّلي ما قد يقوله زياد وصاحبته في بيت معزول تحت الثلج، ودعنا مما قد يفعلانه) هو، في كل حال، “شي فاشل” بما هو تمرين على الكتابة الزيادية. فإن رأس شروط الأخيرة، فضلا عن الموهبة، أن تكون عاميّة وأن يتخللها، بين الحين والحين، عزل لعبارة فصيحة يحوّل هذه العبارة، في السياق، إلى فضيحة كلامية. وهذا نفسه ما يفعله زياد بعبارات من أغان قديمة لفيروز. فإن شعر الرحبانيين فصيح التشكيل جدّا وإن يكن عاميّ اللهجة بمعظمه. وهو ابن نظرة صريحة هادفة في ما عليه العالم وفي ما يجب أن يكون عليه. قد لا توجد “لمبة” في شعر الرحبانيين كله ويصعب أن توجد فيه غسالة ما لم تكن من لحم ودم. وقد ينطفئ ألف قنديل أو سراج في ما تغنيه فيروز من شعرهما ولا تنقطع الكهرباء مرّة واحدة. وأما زياد فأحال “بريز أبو وئام” إلى شخص من شخوص مسرحه و”بطل” من “أبطال” الحرب اللبنانية. وهو قد عمد إلى الآليات السيارة من البوسطة (وهذه قد لا يمانع في تبنيها عاصي ومنصور) إلى “الكميون الموزون” وقبله “السيترن”، فأعادها إلى الغناء أو دفعها إلى المسرح… وكانت قد غابت، تقريبا، على ما أرجّح، بعد “يا وابور قلّـي” و “وقفّ خدني بأوتومبيلك”، أي بعد أن اكتمل دخولها في نسيج طرقاتنا ومسالك حياتنا اليومية.
“كان به”
هذا ولا توجد شهوة في شعر الأخوين رحباني لأن سموّ المعجم الشعري لا يترك منها شيئا ويردّها غير ما هي. وأما زياد فهو لا يتورع عن النزول إلى ما دون اللغة. وقد كنت تجاوزت عن سطرين من أغنية “لا والله” وجاءت مناسبتهما الآن:
ولك بس هوه هاي وين… بعلمي العقل كبير!
مش سمّ وهمّ وغمّ وذمّ وقَدْح وتشهير
نزول إلى ما دون اللغة إذن… إلى مجرّد التنويع على الصياح وعلى حروف الزجر، وهذا في السطر الأول. يلي ذلك، في السطر الثاني، إفراط معجمي… وسأعود إلى كليهما. وفي ما خصّ الشهوة، لا نقع عند زياد أيضا على ما يوحي بالميل إلى اتخاذها موضوعا قائما بذاته. (أتخيل أنه لو قرأ هذا النص لقصّ عبارة “قائما بذاته” ووضعها في جيبه). يحلو لزياد – وهو على المزلق نفسه إلى ما دون اللغة – أن يتخذ من كلام الشهوة كنايات يعزّز بها بلاغة كلامه في السياسة:
يا زمان الطائفيي
طائفيي وطائفيك!
خلـّي إيدك عالهويـّي
شدّ عليها قد ما فيك!
ليس هذا كلام “أزعر” تلقاه في أي زقاق كان. هذا كلام أزعر ماكر. ماكر أي فنّان. ومن ذلك أن الإشارة الفاجرة في” طائفيك” سريعة العدوى، ينتقل مفعولها فورا إلى “الهوية”.. فنعود غير مستيقنين من الموضع الذي يريدنا زياد أن نشدّ عليه.
ومن القبيل نفسه، أن زيادا علـّق، في أوائل الثمانينات، (إن لم أخطئ التقدير) إعلانات مربعة على أعمدة الكهرباء المزروعة في رصيفي نزلة البيكاديللي (وهو المسرح الذي قدّم فيه مسرحياته الحربية). كان الإعلان إعلانا عن مسرحية لم يشاهدها أحد بعد ذلك ولا قبله، وكان عنوانها “كان به”. وأول ما تنبهت إليه، وأنا أنظر إلى هذا الإعلان، أنني لم أكن فكرت قط، طوال عشرات من السنين مضت، في كيفية تكوّن هذه العبارة وتلبـّسها المعنى الذي لها ولا في إعرابها. فأدركت أن مكر زياد وطرافته واقعان هنا بالضبط: في هذه القدرة على إقلاق الكلام المستقر فينا… على إزاحته شيئا ما عن مستقرّه… وعلى إلزامنا الكشف عن أحواله ومندرجاته وذيوله.
على أنني لما طال الأمر بهذا الإعلان، لعب الفأر في عبّي (أو دون ذلك بقليل). فغادرت همّ التمحيص اللغوي وأخذت أنظر في إخراج المشهد كله. قلت: إن تعليق هذا الإعلان على الأعمدة قد يكون صدفة محضة… ولكن… من يضمن هذا؟ من يضمن لي فعلا – ونحن معلـّقون من أعوام على خوازيق الحرب – ألا يكون العمود هو “اسم كان” المحذوف في العبارة؟ فيكون تمامها: “كان العمود به”. ويكون العمود قد أكمل العبارة “بشخصه” عوض إكمالها باسمه. وكان عليّ أن أسأل، بعد ذلك، عن الضمير المتصل في “به”: إلى من يعود؟ واستبعدت أن يكون زياد قد خصّني شخصيا بواحد من تلك الأعمدة، إذ لم يكن بيني وبينه معرفة (ولا هي حصلت حتى اليوم). فلم يبق إلا أن أفترض للعبارة تتمة أخرى بحيث تقرأ: “من قرأ هذا الإعلان كان العمود به”. بقيت، بعد هذه الدورة، معنيـّا بالهاء في “به”. فقد كنت قرأت الإعلان مرارا وكان به! ولكن تعزيت – شأن أيّ لبناني لا يحترم نفسه – بأن العمود كان أيضا “بـ” أهل الحي جميعا وزواره أيضا، وهم قطعة كبيرة من شعبنا… “شعبنا العنيد” آنذاك إلى الحد الذي تعلمون.
أوديب ونقيضه
لم تغنّ فيروز “يا زمان الطائفيي” ولم تمثل في مسرحية ما لزياد. فما من أحد يكتب لأمـّه بعض ما كان يكتبه زياد لنفسه أو لجوزف صقر من الأغاني. تلك أغاني ذكور أوّلا. وكانت فيروز قد جاءت إلى زياد وذيل ثوبها تراث باذخ تجرّه. ولعله ألزمها نصف التفاتة فألقت نظرة فاحصة على ذيل الثوب ذاك. ولكن لم يكن لزياد أن يلد أمه خلقا جديدا. وكان يكفيها تضحية أنها ربّته هذه التربية السيئة ليكون هذا من حسن فأله وفألنا. وتقول زوجتي، ثانيا، إن زيادا واحد من قلـّة بيننا اجتازوا “أوديبا” موفـّقا. فكان أنه أجهز على أبيه، فنيـّا، وأنشأ مع أمه شركة رمزية متغايرة الطرفين. وتزعم زوجتي أن السائد في مجتمعاتنا هو “الأنتي-أوديب”… أي أن الأهل يأكلون أولادهم، عادة، ليؤمـّنوا لأنفسهم الاستمرار بهؤلاء، على غرار القطط. لا أتقبل، من جهتي، المسؤولية عن هذا الرأي، وأعتقد أن صحته –إذا صحّ – لا تسهـّل طرق الحياة للقلـّة ولا للكثرة.
في كل حال، لا يوافق كلام زياد صوت فيروز، وهذا رأيي. فليس هذا اللون القارص المرّ لون الصباح الباكر ولا يسخر قمر هذا الصباح من أحد وإن تكن بالقمر خفّة لا تنكر… فيمكن أن يمازحنا باحتشام. غير أنني لا أرى في عدم التوافق هذا أدنى عيب. وإنما هو أقرب إلى مزج غير منتظر: إلى بعض أصناف الصلصة التي يبتكرها كبار الطهاة. أو إن امتزاج اللونين – إذا غادرنا الطعوم – يشبه أداء الرجل ذي الشاربين المفتولين دور الصبيـّة الصغيرة على المسرح. فهو قد يكون مقنعا جدا إذا كان… مقنعا. ههنا يحكي قمر الصباح الباكر بلايا آخر السهرة.
هوامش للجمهورية المتقطّعة
بقي عليّ أن أسأل: أين يقع عالم زياد إن صحّ أن عالم عاصي ومنصور يقع في ريف الجبل اللبناني وفي زمانه الذي لا يزال يبيد؟ هل يقع هذا العالم في المدينة؟ قد لا نجد له مدينة هنا. وكان عصام عبد الله، شريك زياد في أوائل عهده الإذاعي وأوائل الحرب، قد أعلن من تلك الأيام:
ما في مديني إسمها بيروت!
بيروت عنقود الضيع!
هذا كلام ينفذ إلى لبّ المشكل البيروتي (واللبناني) ولكن ليس شأنه أن يحيط بالمشكل المذكور. قد لا تكون بيروت مدينة وقد تكون تجسيما حرفيا لعنوان الديوان الأول الذي نشره أحمد عبد المعطي حجازي: “مدينة بلا قلب”. وهي قد ظلت بلا قلب، حقيقة ومجازا، مدّة عشرين سنة هي، تقريبا، ثلثا العمر الفني الذي اجتازه زياد الرحباني إلى الآن. ولكن بيروت مدينة تتألف كلها – اليوم وقبل اليوم – من ضواح وهوامش. وهي، حين عاد إليها قلبها، عاد معدّا لغير أهلها، ولكن هؤلاء احتلّوه بقوة التنزّه والأكل والشرب فيه. وإن لم تكن بيروت مدينة البتة فهي ضواح وهوامش لمدينة غير موجودة وليست عنقود قرى لأن القرى عادت غير موجودة، هي نفسها، حيث كانت ومالت إلى التبدّل ضواحي وهوامش تبدّلا تتباين سرعته وتتنوع مجاليه. وما بدّله زياد الرحباني في تراث عائلته أنه أصبح لا يتخذ مرجعا لمخيلته ذاك الريف: الريف الذي كان عاصي ومنصور لا يزالان يقيمان فيه بالمخيلة حين كان قد زال من الوجود وبقي، مع ذلك، يطاول في الزوال. وقد كشف زياد بؤس الحياة في الضواحي والهوامش وكشف أن هذا البؤس لا يملك منفذا إلى عالم الخيال أي أملا حقـّا. فهذا البؤس إن حلم حلم بالمدينة، وهذه كان وجودها ناقصا، على الدوام، فاستقرت مساحة شبه عمياء للحلم ولم تتحصل له منها أشكال ولا ألوان ولا قواعد ولا أنماط سلوك ومعاشرة ومعاش. حتى الكورنيش والبحر ليسا أفقا. هل معنى هذا أن زياد الرحباني لا يحلم؟ بلى هو يحلم ولكنه فنان أحلام مكسورة. يقال إن زيادا شيوعي وإنه يحب ستالين. الثوريان الحقـّان هما عاصي ومنصور وإن تكن ثورتهما رجعية بمعنى أن مرجعها وراءها. وأما زياد فهو رجل وحيد ومرّ. وهو إن وحّدنا وحّدنا في الإقرار بما بيننا من تعازل ومرارات. هذا كثير طبعا ولكن هذا الكثير ليس مخرجا بحدّ ذاته ولا يدلّ شيء على أنه بدء لبحث، من جانبنا، عن طريق أو عن مخرج. وليس على زياد ملامة في افتقاد الطريق أو المخرج وليس شأنه أن يهدينا إليهما (فهذا يكون مملا جدا في العادة). وإنما يكفيه أن يثير فينا حاجة ما إلى البحث. في أغنية “صبحي الجيز”، وهي أغنية شيوعية، يشتكي زياد:
رفيقي صبحي الجيز تركني عالأرض وراح
رفيقي صبحي الجيز حطّ المكنسة وراح
وما قللي شو بقدر أعمل لملايين المساكين
رفيق، يا رفيق!
وينك، يا رفيق!
إلى أن يختم:
عم فتـّش عا واحد غيرك، عم فتـّش عا واحد متلك
يمشي يمشي، بمشي نمشي، نمشي ونكفّي الطريق!
فلا تغرّنا، بعد السماع، “ال” التعريف التي للـ”طريق”. إذ لو كان صبحي الجيز ما يزال يعرفها، بعد كل ما جرى، لدلّ عليها الرفيق زيادا. على أن شيئا بقي برغم هذا الذي جرى. وهو أن الرفيق زيادا يريد رفيقا (واحدا، على الأقل) وأنه يريد أن يعمل شيئا لملايين المساكين. وقد يكفيه أن يمشي مع نفر منهم، على الأقل، نحو شيء ما وقد يخترعون طريقا إلى ذاك الشيء أو شطرا من طريق.
ولا يستغني أمر هذا الطريق أن يكون طريقا إلى المدينة وإلى الدولة معا. فهاتان متلازمتان، عندنا، في الحضور الذي يستوي غيابا، على الفور تقريبا، أو يستوي على شاكلة تفوق الغياب سوءا وهي شاكلة التنازع في جلد الدب المشهور والتناهش طلبا للصمود في انتظار صيده. وهذا مع العلم أنه لا يصاد بل يربّى وأنه، شأن الباندا، قد يعزف عن التوالد. أعود إلى “عدّية” فيروز في “لا والله”:
مش سمّ وهمّ وغمّ وذمّ وقدح وتشهير!
فأما السمّ والهمّ فيوجد منهما كثير في القرى والمدن سواء بسواء. لذا لا يقودان خطانا إلى مكان بعينه. وأما الغمّ فاحترت في أمره قليلا ثم استقرّ ظني على أنه يجب أن يكون مولودا في بلدة جردية – بلدة إذن، لا قرية ولا مدينة – توجد فيها مدرسة ثانوية ليلعب معلموها الغرباء بالورق، بعد الدوام، مع التلاميذ الكبار. وأما الذمّ والقدح والتشهير فلها شأن آخر. هذا مصطلح شرائع وصحف. فلا بد إذن أن الدولة والمدينة موجودتان… أو لا بد أن الدولة-المدينة موجودة على نحو ما. على أي نحو؟ يفيد الحضور المحتمل للقرية في أول “العدّية” ومجاورتها البلدة قبل إفضائها إلى المدينة أن الحيرة قويّة. أو أن هذا ما أخمـّنه في أواخر هذا النص الذي لم أغادر فيه مناخ التخمين. فإذا صح تخميني، كنـّا حيال شيء لا يزال يراوح ما بين اتحاد الروابط العائلية (مع افتراض النزاع حاصلا بينها) ودولة القانون التامّة الأسنان. أو قل إن شئت إنها اتحاد لروابط الضواحي التي لم يصمد عندنا غيرها، بعد حروبنا. وذلك “رغم العيل والناس”، بمعنى من المعاني، وبالمواطأة في ما بينهم، بمعنى آخر… فماذا بعد؟
“إتسمّع عالموسيقى…موسيقى!”
كلمة أخيرة لغيري في موسيقى زياد. لغيري هي لأنني لست من أهل الكلام في الموسيقى، وإن يكن لي حظ (متواضع) من سماعها، وقد حصرتني صناعتي في الكلام على الكلام. مع ذلك أجازف بالقول إن موسيقى زياد تسهر وإنها، بخلاف كلامه، تنتشر على الجزء الأنيق الألـِق من السهرة. وهو الجزء الذي يلي الكأس الأولى حين يكون الساهرون جميعا ما زالوا أذكياء، ولمـّا تنطفئ الشموع في رأس أيـّهم. لا تجاري هذه الألحان كلام زياد، فهي تبقى حنونا وخفرة ولو ان الإيقاع يجهد، في بعض الحالات (من غير مبالغة في الجهد)، للموافقة على الكلام. ولا تجاري هذه الألحان صوت فيروز لأنها ألحان تسهر… تسهر بنوعها وتسهر بآلاتها أيضا. هذا فيما يبدو صوت فيروز وقد بكّر إلى اليقظة من راحة ليلية طويلة. على أنني لا أرى من عيب ههنا أيضا. فإن الصوت واللحن والكلام تتحاور ههنا من أوديتها (أو من قممها) الثلاث. وهي تجيد الحوار فيأتي جميلا أيضا ويهزّنا ويقلقنا ويسلّينا.
فهل علينا أن نختار ما بين هذا الجمال وذاك الذي كان يتفتق عنه الانسجام ما بين الصوت القمري والشعر الألمعي والموسيقى المشرقة في عهد الشركة بين فيروز والرحبانيين الكبيرين أو أيضا بينها وبين زكي ناصيف أو، أخيرا لا آخرا، بينها وبين فيلمون وهبي؟ وما علينا إن أبينا الاختيار؟ من شاء فله أن يضيّق ملونة أذنه. وهو إذا اختار فيروز زياد، يكون قد غصب زيادا موقعه الفريد. فقد كان على الرجل أن يخرج على الرحبانية الأولى ليقول جديدا أو لينشئ بالكلام وبالموسيقى زمنا آخر. كان عليه أن يؤلف “شي فاشل” وسائر أعماله مما تلاها. وأما نحن فليس شأننا أن ننازعه ذلك. وهذا مع حفظ الحق لكل في ذوقه، طبعا، ومع استبعاد التعميم أيضا.
في ميدان آخر، ما يزال يسع كثيرين منتشرين عبر العالم أن يحبوا “ألف ليلة وليلة”. وهذا مع أن عوالم للحكاية نشأت، من بعد تلك “الليالي”، فوق عوالم. وبقيت القاعدة أن من ابتغى مزاولة فن الحكاية مبدعا فلا بدّ له أن يمقت تلك “الليالي” من وجه ما. ولولا أن ذلك يحصل كل يوم لنضب الفن، والعياذ بالله.
بقيت إذن كلمة غيري في موسيقى زياد. وقد كنت بدأت كلامي على صوت فيروز بشيء من حديث الروح. وزوجتي تقول إن موسيقى زياد لفيروز “تأخذ الروح” معها. وأوافقها، من جهتي، على هذا من غير حاجة إلى التخصص. وأزيد أن الذي يكتب مثل هذه الموسيقى كان لزاما عليه أن يغادر في الكلام، بين وقت وآخر، لغة “ولك بس هو هاي وين” ليكتب كلاما تكون فيروز على سجية صوتها في أدائه ويكون (أي الكلام) منتميا أيضا إلى مناخ ألحانه. وقد فعل زياد هذا أحيانا، ولم يترك خاطر زوجتي مكسورا، فلحّن بالموسيقى التي “تأخذ الروح” معها كلاما يشير إلى ذلك:
بعتـّلك، يا حبيب الروح!
بعتـّلك روحي!
وقلتلك: ما دام حتروح
خذ معك روحي!
بيروت في 20-24 نيسان 2006
* ورقة قدّمت في المؤتمر الذي نظمه برنامج أنيس المقدسي للآداب في الجامعة الأميركية في بيروت حول أعمال فيروز وزياد الرحباني وذلك في 27-29 نيسان 2006.
** من أساتذة علم اجتماع الثقافة في الجامعة اللبنانية.
[1] – را. “ثقافة للحرب، ثقافة للسلام” في: أحمد بيضون، ما علمتم وذقتم: مسالك في الحرب اللبنانية، بيروت 1990، ص 65-89، وبخاصة الكلام على مسرح زياد، ص 87-88.
[2] – الأب يوسف تاتي، “العوائد اللبنانية” في المشرق، مج 2 (1899) ، ج 1 وما يليه.
[3] – ط1: بيروت 1957.
[4] – ط1: بيروت ل. ت. (حوالي 1970).
[5] – فواز طرابلسي، فيروز والرحابنة: مسرح الغريب والكنز والأعجوبة، بيروت 2006، ص 18-19.
[6] – طرابلسي، م م، فصول مختلفة من الكتاب.


