كلمن | مائة وثمانون غروبا أم عشرون سنة؟

Source: كلمن | مائة وثمانون غروبا أم عشرون سنة؟

 

 

مائة وثمانون غروبا أم عشرون سنة؟[1]

 

أحمد بيضون

 

تتألف رواية حسن داود هذه من ثمانية فصول يتداول فعل القصّ فيها أربعة رواة. تبدو الزهرانية التي استوطنها هؤلاء الرواة حالة عمرانية تصعب نسبتها إلى فئة من الفئات المألوفة التي تصنف إليها حالات العمران عادة. فلا هي مدينة ولا هي بلدة ولا هي قرية… وإنما هي مقام استحدثه  على قارعة الطريق الساحلي أناس جاؤوا إليه من مواطن مختلفة وإن تكن هذه المواطن تبقى هي أيضا غير محددة. ونحدس أن الطريق كان لها الأثر الأبرز في نشوء هذا المقام إذ هي شجّعت على إنشاء المحلات التجارية. ونخمن أيضا – مجرّد تخمين لا يزكيه أي من الرواة – أن الأرض هناك كانت مباحة أو مستباحة لمن يريد البناء لا ثمن لها. وما يؤكد هذا الاضطراب الذي يشوب هوية هذا العمران المسمى الزهرانية إنما هو افتقاده إلى مقبرة وهو ما يلاحظه الراوي الأول في مستهل الرواية موحيا أنه تأخر كثيرا حتى انتبه إلى هذا الأمر. هذا فيما تنبئنا راوية أخرى نعلم أنها بقيت أمية هي وإخوتها الصغار، أن الزهرانية بلا مدرسة أيضا.

 

هذا الاضطراب لا يعني أن الزهرانية نمت كيفما اتفق. فنحن سرعان ما نعلم أن البيوت المحاذية للبحر هي بيوت المسيحيين. وهذه بيوت قديمة يرجح الراوي الأول نفسه أن شخصا واحدا، على الأقل، كان قد مات في كل منها، حين جاء هو وأخوه قبل عشرين سنة إلى الزهرانية. وهو ما يحمل على السؤال عن هوية الذين تعلو بيوتهم المحلات فوق الطريق وعن هوية آخر القادمين، أولئك المتكاثرين في بنايات أخذت تتكاثر فوق الهضبة. الذين في الوسط فوق الطريق، ومنهم يخرج الرواة الأربعة، نخلص إلى هويتهم بعد تردد منشأه الأسماء الأعلام المحايدة من قبيل عاطف وطاهر وسلمى وكوثر وتيسير وجميل… وحتى وليد. ولا يقطع التردد إلا ولادة طفل لسلمى وطاهر في الدانمارك يسميانه عمر. أخيرا نرجح أن الذين حلوا، على عجل، فوق الهضبة في بنايات تكاثرت على عجل أيضا، هم من الشيعة. ونزداد ترجيحا لذلك حين ينزلون في عرض لكثرتهم إلى الطريق بعد خلاف “حدودي” مع واحد من أصحاب المحلات… ينزلون عشرات أو مئات فتقول السنيّة زوجة أبو عاطف إنهم مائة ألف!

 

لا يرمي تكثير الرواة إلى استحضار وجهات نظر الفئات التي أفضى اختلال موازين العلاقات بينها، مع زحف الحرب، إلى خراب الزهرانية. فإن اثنين من الرواة أخوان والثالثة جارتهما في المبنى الذي يضم محلهما ومنزلهما والرابع قريب إلى هؤلاء أيضا وإن يكن منزله يعلو الطريق شيئا ما ولا نجاوز من معرفتنا بهويته الطائفية تخميننا أنه مسلم هو أيضا. فالذين اضطلعوا بالأدوار الحاسمة، سواء أكانت تسريع العمران بما جلبه من توتّر أم كانت تسليح المسيحيين (الذي لا نعاين ما يثبته فعلا فيبقى أدنى إلى الخبر الطائش أو الشائعة) أم كانت تهجير هؤلاء المسيحيين أنفسهم من طريق البحر بعد أن أصبحوا مهددين أم كانت الانقضاض على بيوتهم ونهبها يبقون، في الرواية، أشبه بجماعات الأشباح فلا نسمع من كلامهم شيئا ولا نلم إلا بالصورة العامة لأفعالهم أو بعناوينها. وأما الذين تناط بهم الروايات المتقاطعة فصولا في هذه الرواية أو المتضافرة على تأليفها فهم بين الأقل فاعلية وإقداما… حتى لتبدو أفعالهم بما فيها ما تحملهم عليه شهواتهم أقرب إلى أن تقع عليهم وقوعا منها إلى أن يكونوا هم المبادرين إليها. هذا إلى أن تقاربهم في القرابة والسكن وتماثلهم في المصدر الطائفي أيضا، على الأرجح، يضيقان كثيرا من مجال رؤيتهم. والمؤكد أن ضعف الفاعلية هذا وضيق التمثيل يوفران المنطلق إلى منح رؤى هؤلاء الرواة صفة المواربة في علاقتها بالمسرح العام، وهي صفة قد يصح اعتبارها مرتكزا لجمال السرد في كل من الفصول وللتكوين البديع الذي ينتهي إليه الهيكل الإجمالي للرواية.

 

وفي موقع الركن من هذه المواربة نفسها يقع الشخص الذي تلتقي عنده معظم الخيوط في نسيج السرد ويبدو أكثر شخوص الرواية حضورا وقوة. فهذا الشخص – واسمه تيسير –  شخص ساهِمٌ، لا يصدر عنه إلا ما يبدو شتات كلمات وفتات أفكار. وكان قد أفضى به حادث إلى شيء من القصور العقلي فضلا عن تشوه خارجي في رأسه. على أن سهوم تيسير ليس عاما، بل هو يبدو إلى النباهة أقرب حين يباشر نصيبه من القص الذي أولاه إياه المؤلف إذ جعله واحدا من الرواة. إذ ذاك يبدو قصوره محصورا في النطق وفي بعض من وجوه السلوك دون غيرها. فهو، على الأخص، حادّ الإدراك لكل حركة أو تغيير في موقعه الرمزي من أبيه أو من إخوته وهو دقيق التمييز للفروق في سلوك من يؤذونه من الشبان المتبطلين حين يكون ذاهبا لبيع عصافيره أو عائدا من رحلته اليومية تلك.

 

وإذ تبدأ النباهة من تيسير (وهو القاصر العقل في نظر المحيطين به) فهي تنتشر إلى سائر الرواة كاشفة همّا مركزيا من هموم هذه الرواية. فكما أن المواربة هي السمة المنظورية وهي الميزة الفنية للسرد هاهنا فإن الصفة الاستراتيجية هي ما يصف سلوك الشخوص بعضهم حيال بعض أي أنها محور الرواية العلائقي. الشخوص هنا ذوو استراتيجيات بمعنى أن الغلبة هي مرمى كل حركة يأتيها أحدهم وهي المعنى الذي ينسبه إلى كل حركة يأتيها سواه. ويشتمل التنازع الدائب هذا على مجال الغرام ولا يقتصر ظهوره على الكلام وحده. فالحوار قليل جدا في هذه الرواية – وهذه القلة ديدن لحسن داود في سائر رواياته – والكلام الذي يقال ينقله كل من الرواة على ذمته – إن جازت هذه العبارة – أو يوجزه، على الأغلب، في الصيغة التي يستنسبها لإيجازه. ولعل حركة العين ومعها تصرّف الأجساد بأوضاعها وبمواقعها هاهنا أوفر من الكلام حمولة بالدلالات في التنازع المشار إليه. فيبدو مصير علاقة برمتها أو تحديد محتواها ومآلها رهنا بنظرة بعينها تطول ثانية أو تقصر ثانية. ويبدو ميزان الانتماء أو عدمه إلى جماعة مستجدة متعلقا بخطوة إلى الأمام أو بأخرى إلى الوراء. أو هو يتعلق بالتلبث لأكثر من طرفة عين حيث يعدّ التلبث استعجالا مفرطا لامتياز ما أو ادعاء في غير أوانه لدرجة من درجات الانتماء لم تستأهل بعد وهي قد لا تستأهل أبدا.

 

في اللعب الاستراتيجي هذا – وهو يتقدم على أنه لعب يعمد إليه البشر بمصائرهم – يجهد الشخوص في استبقاء ما يكونون موجودين بفعله وجودا شخصيا. يجهدون في حيازة شيء خاص بهم مع كونه دائما علاقة بآخر. بل إن هذا الشيء الخاص يقتضي حتى يكون وجوده تاما أن يكون علاقة مباشرة بآخر وعلاقة مداورة بثالث. وأكثر ما يكون الاستحواذ على هذا الشيء الخاص بالنظر ولكنه قد يكون أيضا بتحويل الشهوة وإشباعها إلى منازلة لثالث متخيل. ومن أول الرواية يتقابل في الإيحاء بالمناخ الاستراتيجي موضعان هما قطب ستر وقطب كشف. أما قطب الكشف فهو بيت أبو عاطف الذي يبقى باب مدخله وأبوابه الأخرى مفتوحة لكل ناظر ويقبع صاحبه البصاص على الشرفة لا يعفي شيئا أو أحدا من جولات عينيه النهمتين. والشرفة تبدو مركز البيت الفعلي هي والشباك الذي ستكشف من خلفه سلمى عن صدرها لتيسير وستغلقه بعد ذلك على ما تسميه زوجة أخيها كوثر لعبا معها وما ترى فيه هي شيئا أبعد من اللعب. وأما قطب الستر فهو غرفتان فارغتان خلف المحل الذي يبيع فيه الأخوان الراويتان ألعابا وهو أيضا في بيتهما غرفة احتياطية للنوم وأخرى مهملة يحشر فيها وليد سلمى حين يمكنه من إخضاعها لشهوته افتضاح تعريها لتيسير: افتضاحه للداني، بلا ريب، وللقاصي أيضا، على الأرجح. لا تكاد توجد وظيفة لهذه الغرف سوى افتعال فراغ موحش جعل منه الإهمال موطنا للأسرار وراح يزيد من الوحشة فيه تضافر حرّ الشمس ورطوبة البحر المالحة على تفسيخه ونهشه. وهي وحشة تنتشر لتوحي عبر تفاصيل كثيرة أن الأشخاص إنما يوجدون بقدر ما يسعهم أن يسوّروا مواضع لسرّهم وأن يحجبوها إلا عمن يسلّمون بمشاطرتهم هذا السر حقيقة أو من يشاطرهم إياه في أخيلتهم. الأشخاص يوجدون بقدر ما يسعهم أن يستقلوا بإدارة الشركة التي ينشئونها لأسرارهم وأن يجعلوا من أعمالها أعمال تغلّب على شركاء في هذه الأسرار حاضرين أو غائبين ولكن لا مناص من استحضارهم إذا غابوا.

 

وبين ما يتيحه تكثير الرواة اكتشافنا أن ما يحتسب مستورا قد كشفه الجميع في الواقع. وهذا في مجال ضيق تختزل فيه الغلبة الاستراتيجية إلى توسيع لزاوية الرؤية أو إلى كشف لرقعة شاءها الآخر غير مرئية. فوليد يعلم أن أخاه يشتهي امرأة جاره، خلافا للوصية العاشرة، وهو يمازحه في شأنها من غير أن يسعى إلى تحصيل تصريح قاطع منه أو إلى إفحامه. بل إن سلمى نفسها لا يفوتها اشتهاء “الثخين” الذي لا نعرف له اسما آخر لامرأة أبيها. والشبيبة البطالون الذين يمضون شطورا معتبرة من أيامهم عند عمود الكهرباء يعلمون أن وليد كان قد وصل إلى سلمى، قبل زواجها الإكراهي ورحيلها إلى الدانمرك مسوقة بوقع فضيحتها مع تيسير. وكان وليد يطلق العنان معها، على كره منه وندم يظهران حالما تنقضي لبانته، لضرب من فورة الشهوة المستعجلة فيما هو يحفظ في سره تعلقا ببرناديت المسيحية لم تعتّم الحرب أن  قطعته قبل أن يجرؤ على كشفه.

 

وقد وجد تيسير أيضا، ولكن في المدينة أو البلدة التي يذهب إليها لبيع العصافير، أي في خارج الزهرانية، مطرحا لسره عند امرأة كانت من زبائنه. ولا يخفي تيسير ضيقه حين يشعر بإلحاح تجنح إليه هذه السيدة الخمسينية في السؤال عن التفاصيل. فهذا يخرج السماع من حدّ التوصل إلى ألفة يريدها تيسير لما يفعله هو وسلمى ويجعل منه (أي من السماع) استثمارا جديدا تقبل عليه الزبونة تنشيطا لتهويمها الخاص. فينشأ من ذلك تناسل تهويمي آخر يضاف إلى التناسل السابق للشهوة التيسيرية في شهوة كوثر وسلمى. ثم إن سر تيسير لم يلبث أن جاوز الإثنين بل الأربعة فشاع وذاع. وفي التنازع الاستراتيجي بين شخوص حسن داود، يبدو الهتك أي اقتحام الموضع الذي جعل فيه الآخر سره أقرب شيء إلى ما يسميه الملاكمون الضربة القاضية. ويبدو البصاص أبو عاطف في مطلع الرواية شخصية جامعة بلجاجة وفجاجة لما يحاوله ويجهد فيه بمزيد من الحذق أو من التركيز شخوص الرواية الآخرون. هذا ويستحسن أن نمضي في استنطاق الشبه بالملاكمة إلى حده الأقصى. فقد يوجد ما يشبه تبادل اللكمات والاحتيال للتفادي منها بين شخوص حسن داود في موقف عارض لا يلبث أن ينقضي فيكون أشبه بجولة تزيد أو تنقص في الخلل الذي يسم ميزان العلاقة بين شخصين ولكن من غير حسم… يبدو كافيا، في هذه الحالة، تتبّع أفعال الخصم أي أقواله ونظراته وحركاته لحظات. اليقظة وسرعة البديهة يبدوان كافيين مؤقتا ولا يفوتهما التكفل بشيء من التغيير. وهذا إلى أن يحصل ما يجعل الحسم أو نقل ميزان العلاقة برمته من حال إلى حال أمرا ممكنا.

 

***

 

تداري سلمى افتضاح سرها بالرحيل إلى الدانمرك بعد أن وجدت من مدّ إليها طوق النجاة هذا مشترطا أن يجعل من تكثير الأيدي التي امتدّت إلى جسدها منشطا لشهوته ومرغما زوجته في سبيل ذلك بالتصريح بما حصل وبما لم يحصل من نزهات الأيدي على جسدها. وأما تيسير شريكها في سرها المفتضح فلم يكن له من مهرب غير العنف الأقصى بعد أن تهاوت حصونه كلها. انهارت صورة أبيه الشديد البأس وأصبح يبدو عاجزا عن حمايته فلم يعد مستأهلا خوفه ولا طاعته. كانت قد شاعت أخبار انتشار السلاح في الزهرانية ووصول أكثره إلى أيدي الشبيبة البطّالة. فعادت هذه الزمرة إلى اضطهاد تيسير معتدّة بفقدان والده ما كان له من قدرة على الردع وبتوجسه من الدعم الذي اعتقد أن البطالين يتلقونه من خارج الزهرانية. هكذا لم يبق لتيسير إلا قوة جسده وحقده على ميخا بالذات. وقد أصبح استعداده للدفاع العنيف عن نفسه من غير حدّ إذ كان انكشافه للأذى قد أصبح من غير حدّ أيضا إلا اتّقاد ركام العنف الذي كان مضطهدوه قد ملأوا نفسه به.

 

ولا يفوت المؤلف أن يجعل من ميخا، وهو، في ما مضى من الرواية، أقرب إلى أن يكون أضحوكة رفاقه، أسرع هؤلاء مبادرة إلى مسلك الاستفزاز بما في ذلك العودة إلى اضطهاد تيسير. مع اقتراب أصوات القذائف وما يصحبه من اضطراب في حركة السيارات، كان ميخا، وليس جوزف الذي كان يناكده أول المقبلين على ارتداء السترة العسكرية وعلى استعراض عنجهيته المستجدّة وقد أوكل إلى نفسه حماية الحي. لهذا تعيّن أن يحصل النزال الأخير بين ميخا وتيسير… وهذا بعد أن كان الأخير قد غادر منزله مخالفا رغبة أبيه وأخيه في الاحتباس خلف سور المنزل عسى أن ينفع الاحتباس في دفع المصائب الزاحفة. حصل النزال بأقصى العنف من جهة تيسير بعد أن استقبله ميخا بإيغال في الإهانة جعلها مختلفة عن المعتاد من مناكدة لم تكن تتجاوز، بحسب ما وصفها أبو تيسير، أن تجعل “المنايك” يحسبون أنفسهم رجالا. هكذا قتل تيسير ميخا. قتله بضربه تكرارا على رأسه بحجر كبير. وكما أن اللذة في عالم الزهرانية يشحذها دخول ثالث بين طرفيها، لم يسع تيسير أن يبقي طي الكتمان فعلته التي لم يشهدها أحد. جرى إلى محل الألعاب والحجر في يده وأنبأ الأخوين صاحبي المحل بما فعل.

 

وذاك أن التثليث، هنا، بتكرار لزومه، يبدو مطلبا أصليا للبشر أو ركنا لحالهم في الدنيا أو يبدو وكأنه حال الدنيا. في غرفة ذات نافذة مفتوحة على الخلاء، لا تفلح كوثر وسلمى في استحضار الله لإيقاد الشهوة بالذنب فتكتفيان بتيسير. تأخذان بضرورة هتك السر لشاهد وبضرورة أن ينحصر شهود الهتك بحدّ لا يبطل معه السر من أصله. السرّ ضرورة لوجود الشخص، بما هو فرد، وكشف طرف من ستره ضرورة أيضا ليبدو الفرد شخصا من الشخوص أي لاعبا ذا قناع ودور. اللاعب لا يكفيه من يلعب معه بل لا بدّ له من متفرج.  كذلك يستحضر طاهر زوج سلمى ثالثين يهيجون شهوته حين تتعرى له زوجته ويستكثر من الثالثين مضيفا إليهم من يجوز توهمه. وبالطبع يحيل التثليث إلى التسليم الحاصل في العلوم الاجتماعية باعتبار العلاقة الاجتماعية علاقة بين ثلاثة، على الأقل، ولا تقوم باثنين. والتثليث نفسه يحيل أيضا إلى ما ساقه فرويد في الطوطم والطابو من ضرورة قتل الأب حتى يستقيم للأبناء الذكور أن يكسروا احتكاره الإناث. ففي منطوق هذا الأرختيب أن موضوع المتعة لا بد أن يسلب من آخر وأن الحضارة إنما هي نظام هذا السلب. فيبدو أن التثليث العنيف هو الأصل الذي اشتقت منه ضروب أخرى من التثليث كذاك الذي تزاوله سلمى وكوثر ولا يتكشف عن عنف ظاهر… ما خلا العنف في مناطحته نظام القيم السائد. وهذا عنف يبلغ من الشدة مبلغا يحول بين الشبيبة وبين فهم ما يجري حين يلمح أحدهم كوثر وهي واقفة في الغرفة خلف سلمى المتعرية لتيسير.

 

والحال أن العنف ماثل في كل موضع من رواية حسن داود ذات الطابع الاستراتيجي. في كل حوار يتراءى سعي إلى الغلبة. هي جولات تحصى فيها اللكمات وتلوح في أفقها الضربات القاضية. وكل متعة تؤول إلى طرد من استمتع به بعد استعماله أو هي تتأتى باستخلاصه من يد أخرى بعد ليّ الذراع. هذا والسعي إلى حصر الدائرة التي يسوغ فيها كشف السر جارٍ، طبعا، على قدم وساق في بوادر كل يوم. والسعي إلى هتك الأستار كلها جارٍ أيضا كلما لاحت فرصة. نسجت الحضارة ههنا ما يكفي من الأستار لجعل الاستشفاف الذي يفترضه الفن أمرا ممكنا، إذ هو لازم، لا أمرا محالا. ولكن لا يبدو أن الحضارة نسجت ههنا ما يكفي من الأستار لتمويه أصلها. فلا غرو إن ظهرت الحرب من حواشي العالم الضيق الذي يضطرب فيه شخوص هذه الرواية واجتاحه الخراب من الداخل ومن الخارج.

 

***

 

للوهلة الأولى، تبدو السنون العشرون التي يقول الأخ “الثخين” إنها مضت على وجوده وأخاه في الزهرانية قطعة من الزمن مفرطة الطول بالقياس إلى ما يناسب من زمن لاحتواء سلسلة الحوادث التي تترى حلقاتها في هذه الرواية. فحتى حمْل سلمى بثلاثة أولاد في الدانمرك لا يحتاج إلى هذه المدة. ولولا الإشارة إلى هذا الحمل ومعها إشارة أو اثنتان أخريان لشعرنا أن مائة وثمانين غروبا (وهي ما لا نعلم من الرواية أبدا كيف استوت عنوانا لها) تبقى قصيرة ولكن لا تبدو مفرطة القصر على سلسلة الأحداث تلك. من مجاورة وليد وأخيه لبيت أبي عاطف إلى خمول اشتهاء “الثخين” لزوجة هذا الأخير بعد أن أصبح يتعذر جعلها امرأتين في واحدة: امرأة للشهوة وأخرى للنفور… ومن مباشرة سلمى استثمار تيسير لـ”حرقصة” الشبيبة المتحلقة عند عمود الكهرباء إلى افتضاح تعريها له بعد دخول كوثر اللعبة التي انتقلت من الشرفة إلى الغرفة وزالت عنها صفة اللعب… ومن مباشرة الشبيبة مناكدة تيسير إلى قتل هذا الأخير ميخا مع وصول نذر الحرب إلى الزهرانية… ومن دخول وليد دخولا ملجوما حلقة الشبيبة المسيحيين المترددين على المسبح وتعلقه الخجول ببرناديت إلى انقطاعه عن الحلقة بعد أن أخذت تبدو عليها بوادر الاعتصاب الحربي… ومن تكاثر البنايات التي أنشأها رجل واحد على الهضبة وحل في إحدى شققها الكملجم مروان الذي اشتهته كوثر ضدا يظهر حسنه ضده الذي هو تيسير ويؤدي معه وظيفة وسيط الشهوة نفسها إلى خراب بيوت المسيحيين المحاذية  للبحر ونهبها، إلخ.، إلخ… من هذا إلى ذاك إلى ذلك، يبدو كل شيء قابلا للاحتواء في سنوات أربع أو خمس وغير قابل، في كل حال، للتمدد على عشرين. ففي عشرين سنة، لا يبقى شبيبة عمود الكهرباء شبيبة ولا تبقى البنات قريباتهم بنات قابلات لتحفظ وليد حيالهن ولغرامه المتردد بإحداهن ولا تبقى سلمى هي سلمى وتبقى شهوة زوجها تتقد بملامسات يفترض حصولها في الزهرانية…

 

لعل الرواة الأربعة لا يروون في زمن واحد إذن وإن كانوا يسردون أخبارا متقاطعة. لعل “الثخين”، صاحب محل الألعاب، يروي بعد سنوات كثيرة من أصل العشرين أمضاها وأخاه في صحبة البحر وحده وانتقلت فيها حركة السيارات إلى الأوتوستراد الجديد ومال العمران إلى الابتعاد عن محل الألعاب ومالت التجارة إلى اللحم المشوي. لعلها هذه الخلوة بالبحر سنين كثيرة من أصل العشرين ما احتاج إليه كل شيْ ليصدأ: الحديد وموارد الشهوة في أجسام البشر ومياه الشرب نفسها. ذاك ما انتهت إليه الزهرانية وذاك ما ينتهي إليه كل عمران لا تتولد منه في الأفراد ولا في الجماعة إرادة لدفع غائلة البحر.

 

بيروت في أواسط كانون الثاني 2010

 

 

[1]  كلمة في رواية حسن داود : مائة وثمانون غروبا، دار الساقي، بيروت، 2009.

حازم صاغية عن “رياض الصلح في زمانه”

  • رياض الصلح في زمن أحمد بيضون: السياسي المتحول والانتقالي بين عروبة أولى ولبنانية تجريبية
    الثلاثاء, 05 يناير 2010
    حازم صاغيّة

    ما الذي يُغري مثقّفاً لبنانيّاً كأحمد بيضون، وكلّ من يشاركه أطواراً من حياته وتحوّلات فكره، برياض الصلح؟ وهل لسياسيّ لبنانيّ آخر، غير الصلح، أن يغري بيضون ومن يشاركونه أطواره؟
    تبدأ جاذبيّة رياض الصلح على أحمد بيضون من أنّ واحدهما يشبه الآخر. ذاك أن الاثنين انتقلا، كلاًّ بطريقته وفي مجاله وفي زمنه، من أفكار مدارها الأفكار، المشوبة دائماً بالعواطف، إلى أخرى مدارها الواقع ووقائعه. وهو انتقال، بل انزياح، أفضت إليه التجارب ممّا «علمنا وذقنا»، فأفضى، بدوره، إلى ذاك الشبه الذي لا يتوافر بين بيضون ومشاركيه أطوارَه وبين أيّ من سياسيّي لبنان الحديث، الأموات منهم والأحياء.

    لكنّ العنوان العريض والعامّ هذا لا يغني عن تفاصيل وعناوين فرعيّة تدلّنا إلى الكيفيّة التي بموجبها يعيش رياض الصلح في زمن أحمد بيضون ويحتفظ براهنيّته.

    فرئيس الحكومة الذي قضى اغتيالاً، قبل نيّف ونصف قرن، ليس زعامة جبليّة أو مناطقيّة ضيّقة الأفق. ولا هو بالوجه المقتصر على طائفته الذي تنتهي حدود طموحه عند حدود طموحها.

    فالصلح، على ما يرسمه كاتب سيرته التي امتدّت على مجلّدين*، كان «زعيماً عريض الصيت ولم يكن رئيساً لكتلة نيابيّة. وكان مصدرا قوّته – فضلاً عن شخصيّة مميّزة بحبّ المبادرة والبراعة في تسديدها – استواؤه قبلة لأنظار جمهور متنوّع، كبير ولكنّه غير مركّز في صورة الكتلة الناخبة، وشبكة علاقات شاسعة يبدأ نسيجها كثيفاً جدّاً في لبنان وسوريّة وتنتشر إلى سائر البلاد العربيّة فإلى فرنسا وبريطانيا». وهذا ناهيك عن أصدقاء لازموه ولازمهم «يتعذّر إحصاؤهم (…) من الملل المحيطة كافّة: الشيعة والدروز والعلويّين والنصارى، على اختلاف فرقهم، واليهود».

    والصلح، أهمّ من ذلك ربّما، يرقى إلى عَلَم على القوميّ المتحوّل والانتقاليّ الذي تورّط في العروبة طويلاً قبل أن يتورّط في اللبنانيّة الاستقلاليّة. بيد أنّ انتقاله، المتعرّج والمتدرّج، جاء محكوماً بالتجريب في موازاة انحلال الأمبراطوريّات، ثمّ انحلال كوابيسها، واتّضاح الحقيقة القائلة إنّنا إمّا أن نعيش في دول – أمم أو أن نفنى.

    هكذا أصبح «الاستقلال»، شيئاً فشيئاً، «شعاراً غالباً لرياض الصلح يقدّمه صراحة على شعار الوحدة»، وإذا بـ «استقلال سوريّة ولبنان مقدَّم على الوحدة بينهما». أمّا حظوظ الوحدة صلحيّاً فـ «ستكون موفورة بعد الاستقلال وهي، على كلّ حال، رهن بالاختبار الحرّ لأطراف الأمّة». وهكذا، وفي استخلاص يكاد يكون برنامجيّاً، لا يُجعل «تفكيك الكيان اللبنانيّ، بالتالي، مدخلاً إلى تحقيق الوحدة». فرياض، في مساره، كان «وحدويّاً في شبابه وبقي على هذا المبدأ. لكنّه لم يتردّد في تنحيته من حيث وجده باباً إلى الفرقة وإلى دمار الأوطان». وهو، في صياغة أشدّ مباشرة للمؤلّف، وجد «في استواء لبنان دولة سيّدة خيرَ ما يستطيعه اللبنانيّون لأنفسهم وما يستطيعه العرب للّبنانيّين ولأنفسهم أيضاً».

    ثمّ إنّ الصلح لم يرث اللبنانيّة بالمعنى الطبيعيّ، إن لم نقل الآليّ، الذي ورثها فيه زعماء الجبل – المتصرفيّة من موارنة أو دروز. فقد أتاها سالكاً إليها طريق البراغماتيّة والتجريب، أو الصناعة وإعمال المقارنة. فهو، بالتالي، وفي حدود التأريخ لسياسة لبنان وسياسيّيه، ينتمي إلى الطور العقلانيّ الناضج بعد طور رومنطيقيّ. وفي المعنى هذا نراه يشبه بعض «المرتدّين» وتجاربهم، هم الذين خالوا أنّ العروبة الوعاء الأوحد لمعناهم وطموحهم، ليكتشفوا، وقد أدمتهم البراهين الباهظة، أنّ الاحتمال الوحيد للمعنى، والأفق الوحيد للطموح، يقيمان في بلد ودولة بذاتهما.

    وقد اهتمّ رياض الصلح بالنموذج وبالأقليّات، ما قاده إلى سياسة ذات بُعد ديموقراطيّ مؤكّد بالملموس أكثر منه مُنظّراً في صياغات ومعادلات. فهو أدرك أهميّة طمأنة الأقليّات «بكلّ وسيلة متاحة إبطالاً لحاجتها إلى «الحماية» الأجنبيّة». لكنّه كان يرى أن الاطمئنان يجب أن يقود إلى السويّة الوطنيّة، بحيث «ينتهي إلى تجاوز الموقف الأقليّ نفسه». فالتسوية، التي قادت خطاه دائماً، لا تعني الوقوف في الوسط من كلّ شيء كما لو أنّ محطّة الوسط آخر الأفق، أو كأنّ الحفاظ على الواقع القائم، بعد تسكينه وتشذيبه من العنف، آخر الأحلام. فرياض كان «قد صوّب نظره نحو إلغاء الطائفيّة على أنّه التعبير عن «يقظة وطنيّة» هي وحدها الحاضن الفعّال للاستقلال وللإصلاح معاً».

    يعزّز ذلك عنصرٌ حديث في تكوينه، مفاده أنّ الوظيفة والسلك الإداريّ احتلاّ في حياته وحياة أبيه، بل آبائه، أكثر مما شغلت ملكيّة الأرض، ومن ثمّ فإنّ الرجل صادر عن تقليد ينطق بلسان المدينة لا بألسنة الأرياف. وتبعاً لصنف السياسة التي استهوت ورثة التقليد هذا، كانت الخدمة العامّة مدخل الاهتمام بالشأن العامّ والاندراج فيه كما مارسه واحد منهم بعد آخر.

    ثمّ إنّ سياسيّة رياض انطوت على حركيّة غير مألوفة كثيراً في لبنان، حركيّةٍ لم تُستبعد منها المنافي والسجون، تحاذيها «مسيرة نضاليّة طويلة ومتعدّدة المسارح». وعلى امتداد المسيرة تلك، كان الصلح ينفق من ماله على سياسته، فلا يكون الشأن العامّ، كما هي الحال غالباً، وخصوصاً مؤخّراً، مصدراً لتكثير المال. فهو، مثلاً، «لبث مدقَعاً لسنين، في عقد الثلاثينات ومطلع الأربعينات، وقد أصبح الدَين أليفه. ومن هذا القبيل أنّه كان قد أُخرج، في أوائل الثلاثينات، من مسكنه البيروتيّ الأوّل في حيّ الناصرة لعجزه عن دفع الإجارة (…) وقضى الرجل وهو مثقل بديون باهظة نُشرت لائحة بها، بعد مقتله، كانت في عهدة مفتي الجمهوريّة».

    والصلح، وهذا أيضاً من تعابير حداثيّته وحركيّة فهمه للسياسة، ربطته علاقة حميمة بالتحرّكات المطلبيّة، من إضراب السوّاقين إلى تحرّك مزارعي التبغ. ومن غير أن يكون اشتراكيّاً، أو يساريّاً، بأي معنى كان، لم تشمله القوائم الطويلة للمصابين بالعداء للشيوعيّة، باسم 010411b.jpgالدين أو القوميّة أو التقاليد، بل وجد في الشقّ الاجتماعيّ قاعدة أخرى محتملة للقاء عابر للطوائف. فقد «اقترب من مرشّحي الحزب الشيوعيّ نقولا الشاوي وسعد الدين مومنة. وكان يجمع بين رياض وهذا الحزب اشتراكهما في توجيه حركات المقاطعة والإضراب التي شهدها النصف الأوّل من الثلاثينات. وكانت تجمع أيضاً الصداقة بين رياض ومسؤولي الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ، وهي صداقة تعهّدها منذ إقامته في باريس خلال عامي 1927 و1928».

    والزعيم اللبنانيّ لم يكن أبرشيّاً ضيّقاً وجاهلاً بما يجري في العالم، كحال الأغلبيّة الساحقة من سياسيّي لبنان، يومها والآن. فهو «عريض الأفق شعر بأولويّة المَدارين الدوليّ والعربيّ لمعركة الاستقلال فأولاهما من طاقته ما يستحقّانه». وكان في هذا جميعاً بالغ التعويل على الرأي العامّ وعلى تكييفه وتغييره، أو بلغة الكاتب: كان لديه «تحسّس قد لا يكون بلغه سواه من أقرانه العرب لأهميّة الرأي العامّ وضرورة التوجّه المنتظم إليه». والشيء ذاته يقال في التفاوض وصولاً، في حالاته القصوى، إلى مفاوضة الحركة الصهيونيّة، شأنه في ذلك شأن جميل مردم وفارس الخوري وفخري البارودي وشكري القوتلي وشكيب أرسلان وإحسان الجابري وموسى العلمي وغيرهم. ولئن نفى رياض ذلك، مثلما كان ينفيه زملاؤه، فإن النفي المفهوم الأسباب، آنذاك كما اليوم، لا يلغي الدلالات المعقّدة لهذا النوع من السلوك. فرياض كان كثيراً ما يناوئ رغباته الأولى، ذاهباً في السياسة مذهباً لا يشبه، بالضرورة، أمزجته الأصليّة أو، إذا شئنا، غرائزه. فهو «شخصيّاً، لم يكن متحمّساً لمشروع الهدنة»، بُعيد نشأة إسرائيل، «إلاّ أنّه اقتنع (…) بأنّ قبول دعوة مجلس الأمن إنّما يمليه العقل وتفرضه الحكمة». فهو، من ثمّ، «رجل مفاوضة وتعاقد» و «من أرباب المرونة واجتراح المخارج، لا في التفاصيل الخلافيّة وحدها، بل في ترتيب الأولويّات العامّة أيضاً». غير أن ذلك لم ينفصل، لديه، عن شرط بارز هو اندراج التفاوض مع الإسرائيليّين، في عمل جماعيّ عربيّ، كما لم يغب عنه، ومن داخل الجماعيّة تلك، إيلاء الصدارة للأراضي اللبنانيّة التي احتُلّت، في 1948، ولاسترجاعها.

    فالواقع، عند الصلح، يغلب الموروث الايديولوجيّ والعاطفيّ، تماماً كما أن الديالوغ في التفاعل مع الواقع ومع العالم يغلب المونولوغ. وهو ما تسري نتائجه على عناوين عدّة.

    وكانت عقليّة التسوية الصلحيّة تحتفظ بطاقتها الأكبر للمسيحيّين اللبنانيّين الذين معهم سيُبنى الوطن الجديد ودولته. وهذا ما تنجرّ عنه موازين ومعايير ومعادلات. ذاك أنّ «العاطفة الجيّاشة التي نكبح جماحها في سبيلكم توجب عليكم أن تكبحوا جامح عواطفكم مثلنا وأن تضحّوا كما ضحّينا (…) سنضحّي نحن فضحّوا أنتم وإلاّ فلا حياة لنا بدون تضحية مشتركة ومتقابلة». فسلوكه، بالتالي، لا يفارقه الإدراك الضمنيّ بأنّ السياسة والسلام الأهليّ مغامرة فيها الكثير من الشدّ والإرخاء، وهو ما لا يخلو من تعديل في ثوابت يُظنّ أنّها لا تُمسّ تمهيداً لتأسيس ثوابت جديدة قد تُمسّ، هي الأخرى، إذا ما استدعت التسوية ذلك. وهذا لا يلغي ظهور لحظات تأزّم في السعي التسوويّ يعود فيه أحد الطرفين إلى موقفه الأصليّ الخام فيجرّ الطرف الثاني إلى موقف مماثل إنّما مضادّ، على ما حصل، مثلاً، أثناء الاستقطاب الحادّ الذي شهده العام 1936 والصراع الدائر حول المعاهدة مع فرنسا، أو حين ساقته حرارة السجال مع كميل شمعون إلى التهديد بـ «نقض الميثاق الوطنيّ». ورياض لم يكن دوماً بمنجاة من هذا الانجرار شأنه شأن سائر «المعتدلين» و «العقّال» في تاريخ لبنان السياسيّ الحديث الذي يعنف ويتطرّف مهدّداً بجرف «العقل» و «الاعتدال».

    بيد أنّ الوعي التسوويّ تسلّل إلى سلوكه الشخصيّ، الحديث والمتسامح، و «في مدى عقدين كان فيهما يشنّ حملاته على الانتداب وأعوانه، ثمّ يتولّى الحكم شريكاً لبشارة الخوري والآخرين، بقيت حبال الودّ موصولة بينه وبين أركان الكتلة الوطنيّة في السياسة وفي الصحافة، بمن فيهم إميل إدّة» الذي حماه «في أحرج لحظة سياسيّة (…) من تهمة الخيانة». ولنا أن نفهم ما يعنيه هذا السلوك بالقياس إلى ثقافة التخوين، ثمّ التكفير، التي سبقت الصلح وراحت، بعده، تشتدّ وتقوى.

    وفي استعادة لإنجازات الحكم الثنائيّ لبشارة الخوري ورياض الصلح، في نهاية مجلّده الثاني، يصوّر بيضون، على نحو بليغ، علاقة رياض بالسياسة: فهو توفّر على «إدراك فذّ لأهميّة السياسة ولأسبقيّتها بما هي إدارة حسّيّة للشأن العامّ على كلّ نشاط آخر: على المثالين الوحدويّ والاستقلاليّ بحدّ ذاتهما وعلى قتال الأعداء بحدّ ذاته وعلى إصلاح الدولة بحدّ ذاته وعلى الإصلاح والعمران بحدّ ذاتهما»، وفي السياسة فحسب «يتبيّن اشتباه الخير والشرّ خصوصاً، وإمكان أن يستحيل شرّاً ما يُعدّ بحدّ ذاته خيراً والعكس بالعكس».

    هكذا جاء الميثاق ناهضاً على مقايضتين: «الأولى هي مقايضة المسيحيّين الحماية الأوروبيّة (أو الفرنسيّة، بالأحرى) بوطن منفتح على «الخيّر النافع من حضارة الغرب»، والثانية مقايضة المسلمين الوحدة العربيّة (أو السوريّة، بالأحرى) بوطن «ذي وجه عربيّ»». وكان الصلح قد أعلن، قبيل اغتياله، وفيما المشاريع الوحدويّة العربيّة تهبّ من كلّ حدب وصوب، أن «لبنان يرحّب بكلّ مشروع يوفّق بين الدول العربيّة إلاّ أنّه يعارض كلّ ما ينتقص من السيادة الوطنيّة»، وأنّه «ارتضى لنفسه وضعاً لا يريد له بديلاً».

    أمّا العلاقة مع سوريّة فلبثت الوجه المقابل للعلاقة بمسيحيّي لبنان، إلاّ أنّه وجه مكمّل محكوم بالمنطق التسوويّ إيّاه. فقد ذلّل تحفّظاتِ سعد الله الجابري عن حدود لبنان «سحرٌ ساحر إسمه رياض الصلح»، على ما كتب يوسف سالم ونقل عنه أحمد بيضون. أمّا جميل مردم فأُطلق عليه وعلى الصلح «لقب التوأم»… لكنّ هذا ظلّ ممكناً حين كانت السياسة تفعل فعلها في سوريّة، والأمر ما لبث أن تغيّر منذ انقلاب حسني الزعيم في آذار (مارس) 1949، الذي افتتح طور الانقلابات العسكريّة 010410b.jpgالمتلاحقة والمتسارعة في دمشق: «فقد أصبح رياض الصلح خصماً لحكّام سورية المتتالين (أو لمعظمهم، في الأقلّ) يخصّونه بنفور من شخصه لا لبس فيه وبتوجّس ظاهر من نشاطه السياسيّ ويجاهرون، بين حين وآخر، برغبتهم في تنحيته عن رئاسة الحكومة اللبنانيّة». بل «كان الضبّاط الذين توالوا على حكم سوريّة (…) من الزعيم إلى الحنّاوي إلى الشيشكلي يكنّون عداء استثنائيّ الشدّة لرياض الصلح». غير أنّ «جذر العداء الأعمق»، على ما رأى بيضون، أن هؤلاء العسكريّين الانقلابيّين لم يكفّوا عن اعتبار الصلح «بقيّة جيل عربيّ ظلّ حاضراً في خاطر سوريّين كثيرين، وكان من وجوهه القوتلي ومردم».

    هكذا، مع الطور الإنقلابيّ، فقد رياض الصلح قدرته على التوسّط، إذ لا تسوية من دون تسوويّين، وهكذا تزايدت الأصوات التي تعيّره بأنّه «ليس الرجل الذي يصلح لإصلاح العلاقات بين بيروت الانتخابات – على علاّتها – ودمشق الانقلابات».

    ورياض لم يقتصد في الافتخار بالتجربة اللبنانيّة التي كان أحد أهمّ مهندسيها، وهو افتخار حمله على تقديمها، قبل أن يفعل بيار الجميّل ذلك، بديلاً من النموذج الإسرائيليّ. ويروي المؤلّف أنّه «ضرب لبرنادوت المثل اللبنانيّ لإقناعه بأنّ في وسع العرب واليهود أن يعيشوا سويّة في دولة موحّدة»، وكانت عبارته بحرفيّتها: «ها أنذا أرأس وزارة هذه الدولة بالرغم من أنّني من الطائفة الأقلّ عدداً، وهذا أكبر دليل على أنّه إذا أراد اليهود أن يزول الخلاف الموجود الآن، فما عليهم إلاّ أن ينتزعوا من نفسيّتهم فكرة إنشاء الدولة الموهومة».

    أمّا في الداخل، وتطبيقاً لما يمليه عقله التسوويّ، فآثر التمسّك بوحدة الحكم وتماسك أجزائه: صحيح أنّه في بعض اللحظات الحرجة قال «إنّه لا يحكم لبنان وحده»، أو اعتبر البتّ في موضوع إعدام أنطون سعادة مسألة تخصّ المسيحيّين وحدهم، ما دام سعادة مسيحيّاً. ذاك أنّ الحفاظ على وحدة الحكم صعبة حين لا يكون «جوّ العلاقات بين الطوائف» صافياً، فيما الطوائف، تعريفاً، مدفوعة إلى تعكير هذا الجوّ، مع ما يستجرّه ذلك من «شجار صحف» وصغائر اتّصلت بأسماء كانوا أبطالها أو ضحاياها («السلطان» سليم الخوري ووفيق القصّار وبدري المعوشي وعمر الزعني وناصر رعد وغسّان تويني وحنّا غصن وسعيد فريحة ومحمّد النقّاش وسواهم)، ومن أعياد طائفيّة ومن إطلاق رصاص الترحيب بهذا في مقابل إطلاقه ترحيباً بذاك، وطبعاً التوظيف والتنفيع وحشو الإدارات بالمحاسيب و«التجاذب في نطاق المؤسّسات» الذي سريعاً ما «يتجاوزها بيسر إلى الشوارع والأزقّة المتقابلة»…، كلّ هذا صحيح ومعروف، لكنّ الصحيح أيضاً أن «عادة» رياض كانت «الدفاع عن أعمال الحكم طالما بقي فيه، وتحمّل مسؤوليّة النطق باسم السلطة الحاكمة طالما بقيت هذه المسؤوليّة منوطة به أوّلاً». فهو وصل به الأمر إلى «غضّ الطرف عن كثير من الفساد عاينه من حوله مقدّماً على التصدّي له داعي المحافظة على وحدة الصفّ».

    وأبعد من هذا، وربّما من صنفه السلوكيّ ذاته، أنّه حين فهم أن مندوب حسني الزعيم يحمل إلى بيروت تهديداً باحتلال البلد، اندفع نحوه «كمن يستعدّ لاستعمال قبضته»، بحسب رواية منقولة عن زهير عسيران. فكان أن حدث في عهد حكومته فصم الوحدة الجمركيّة وتصفية المصالح المشتركة مع سوريّة، وقد سبق هذا ورافقه تهديدات سوريّة متنوعة صارت سُنّة في علاقة البلدين اللاحقة مع كلّ اختلاف يطرأ بين الحكومتين. وفي هذا جميعاً وقف الصلح «في وجه جانب كبير من الجمهور الطائفيّ» المؤيّد له.

    فهو كان، إذاً، زعامة وطنيّة، وبمعنى ما، إذا جاز التعبير، ثقافيّة، تلعب القراءة والكتابة والرأي والأصدقاء، لا سيّما في بيئة الصحافيّين، دوراً تكوينيّاً فيها. أمّا أسلوب الرجل في خطبه وأحاديثه فـ «أسلوب حارّ، بعيد عن الموات الخشبيّ، ولكنّه خالٍ أيضاً من محسّنات الهياج والتهييج، ميّال، عوض ذلك، إلى الحِجاج أو الإغراء، ثم إلى ترك باب للخصم يدخل منه أو يخرج».

    وبمعنى ما، لم يكن صدفة أن يحاول الإسرائيليّون، قبل أن تستقرّ دولتهم على حال، قتل الصلح التسوويّ المتباهي بنموذج لبنان. لكنْ لم يكن صدفة، كذلك، أن يقضي اغتيالاً، لا على أيدي الإسرائيليّين، بل على يد السوريّين القوميّين الذين مثّلوا دائماً نقيض ما مثّل، فكان، بقياس زعيمهم أنطون سعادة، «هذا في وادٍ وذاك في واد». ويبدو أن مسؤوليّة الصلح في إعدام زعيم القوميّين كانت أقلّ من مسؤوليّة سواه، خصوصاً من بين السياسيّين المسيحيّين، إذ هو «لا يحبّ الإعدام»، على ما قال هو نفسه، وقد ظلّ ذاك الحدث الأسود «ثقيلاً جدّاً على ضميره». لكنّ الإيحاءات المعاكسة ربّما نجمت عن حزمه في أمر السيادة الوطنيّة، حيث كان القوميّون مخلب القطّ يستخدمه حاكم سوريّة العسكريّ حسني الزعيم، وقد يستخدمه حكّام عرب آخرون. فهو تشدّد سياسيّاً في قضيّة سعادة بعدما سبقها عدد من الانتهاكات السوريّة للحدود اللبنانيّة، كان أهمّها اغتيال جنود سوريّين كامل الحسين اليوسف داخل لبنان بحجّة أنّه «جاسوس». أمّا الشغب الذي أعقب اغتياله على أيدي عبّاد سعادة، وارتسام شبح فتنة مذهبيّة، فكان معناهما «أن رياض الصلح قد مات».

    وهذا جميعاً ما يفسّر سرّ جاذبيّة الأخير على أحمد بيضون، وهو سرّ توثّقه وتقطع فيه كلمات الكاتب نفسه، المتّهَم بالانجذاب إلى السياسيّ الراحل وباستحضاره إلى زمنه.

    * عملُ أحمد بيضون هذا، المعنوَن «رياض الصلح في زمنه»، لم يزل مخطوطة تنتظر النشر، وموقّع هذه الأسطر أحد الذين كان لهم امتياز الاطّلاع عليها. فيها لم يترك بيضون شاردة أو واردة في حياة الصلح، أو أقواله أو ما قيل فيه، إلاّ عاد إليها وضمّنها عمله، فيما تولّت لغته المضيئة التخفيف من وطأة الطول والكتابة الأكاديميّة. وهو اختار أن يستعيد «تقليداً شائعاً في الكتابة العربيّة» هو الجمع بين كتابين على كلّ واحدة من 010409b.jpgالصفحات، واحد أسماه «السياق» (س) أراده الخلفيّة الاقليميّة والدوليّة للرواية الصلحيّة، وآخر أعرض منه أسماه «الموضوع» (م) هو الرواية نفسها. وربّما لبّى هذا التقسيم رغبته في أن يأتي الكتاب «مثاراً للبهجة»، إلاّ أنّ موقّع هذه الأسطر لم يتزحزح عن انحيازه للنصّ الواحد، خصوصاً أنّ الخلفيّة («السياق») أوغلت أحياناً في تفاصيل يصعب وصلها بالرواية («الموضوع»). وهذا ربّما نتج من انئخاذ الكاتب بالكتابة نفسها مما يصاب به الكتّاب عادة. كذلك اعتذر بيضون «مع قدر من الأسف» عن الاستغناء عن الهوامش بسبب «الصيغة الآنفة الوصف». وعلى رغم وجاهة السبب تقنيّاً، فإن ذلك يحرم القارئ والدارس شيئاً ثميناً جدّاً، عسى أن يكون قابلاً للتفادي لدى النشر (إمّا بإدراج المراجع في آخر الكتاب، أو بالاقتصار في أسفل الصفحات على هوامش «الموضوع» دون هوامش «السياق»).

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

Candice Raymond sur “La Degenerscence…”

Ahmad Beydoun, La Dégénérescence du Liban ou la Réforme orpheline, 2009.

in Le Mouvement Social, 21 decembre 2009.

 

Ahmad Beydoun, La Dégénérescence du Liban ou la Réforme orpheline. Arles, Actes Sud, 2009, 172 pages. « L’actuel ».

Que l’on ne se fie à la brièveté de l’essai, car il s’agit là d’un livre dense qui « contient les aboutissements d’une très longue réflexion ». Tiré d’une série de conférences au Collège de France reprenant la substance d’une contribution au Rapport du PNUD sur le développement humain au Liban, le dernier ouvrage d’Ahmad Beydoun marque en effet le temps de la synthèse pour le sociologue libanais. Mais il constitue, tout autant que la synthèse des réflexions d’un des plus brillants universitaires de sa génération, la contribution politique d’un intellectuel dont le parcours est marqué par un sens aigu de la responsabilité du penseur dans la Cité. Or cette contribution intervient dans un contexte de crise profonde du système politique libanais. Au-delà des aspects les plus conjoncturels et les plus médiatisés de la situation de crise politique, institutionnelle et sécuritaire qui secoue le Liban depuis l’assassinat, en 2005, de l’ancien Premier ministre Rafic Hariri, Beydoun cherche à rendre de la profondeur historique à un phénomène, le communautarisme politique, qui constitue pour lui le véritable moteur de cette dynamique du pire donnant son titre à l’opuscule : « la dégénérescence du Liban ». Le constat de crise innervant l’ensemble de la réflexion prend ainsi l’allure d’un cri d’alarme et d’une salutaire piqûre de rappel, tant la déconfessionnalisation du régime politique, serpent de mer de l’histoire contemporaine du Liban, semble avoir disparu des revendications politiques au cours des dernières années. S’insurgeant contre une certaine forme de fatalisme, et encore davantage contre les discours faisant de nécessité vertu, Ahmad Beydoun propose, d’une part, une analyse sans concession du triomphe du communautarisme libanais et de l’impasse mortifère dans laquelle ce succès historique a mené le pays. Il en tire, d’autre part, une série de recommandations devant conduire à la mise en place d’un régime véritablement démocratique fondé sur le principe de citoyenneté.

Le premier temps de la démonstration consiste en une réfutation des accusations de consécration du communautarisme faites à l’encontre du Document d’Entente Nationale (adopté en 1989 dans le cadre des accords de Taëf ayant permis de mettre fin à la guerre, il a été intégré in extenso dans le préambule de la Constitution libanaise en 1990). Il s’agit pour Beydoun de montrer, au contraire, que le principe de citoyenneté est au cœur du Document comme il le fût déjà dans celui de la première Constitution du Liban contemporain, en 1926. Les dispositions constitutionnelles et juridiques qui contredisent cet « esprit » de la Constitution ont trait au système politique (communautarisme politique) et à la gestion du statut personnel et de l’enseignement (communautarisme civil). Ces dispositions ont en commun d’être présentées comme non-exclusives d’un système de droit commun, pour ce qui est du civil, et comme des pis-aller temporaires, pour ce qui est du politique. Concernant ces dernières, l’accord de Taëf va jusqu’à programmer leur démantèlement, dont il prévoit les étapes et instruments. Ce n’est donc pas, selon l’auteur, à la Constitution, ni même au Pacte national de 1943, mais plutôt à une « conduite démissionnaire de l’État » et à une « insoutenable légèreté dans le traitement de la Constitution » qu’il faut attribuer la pérennisation de ces dispositions et l’approfondissement de l’emprise communautaire sur le système politique comme sur les citoyens. Car dans le même temps, l’institutionnalisation progressive des communautés, qui dominent globalement les appareils politiques, leur a permis de s’offrir comme alternative au processus de construction nationale métacommunautaire. Ces communautés, tendant à l’autarcie, limitent « leur besoin de l’État à l’exploitation politique de celui-ci » et l’empêchent de jouer un rôle d’arbitrage des conflits internes, ouvrant ainsi la porte aux ingérences des parties extérieures. Le double blocage de la construction nationale et de la mise en place d’un État souverain ne provient pourtant pas de la diversité communautaire en soi, comme le montrent de nombreux exemples de nations pluriculturelles dans le monde, mais plutôt de la cristallisation des communautés en groupements multifonctionnels exerçant un contrôle de plus en plus exhaustif sur leurs membres.

S’il est absurde de croire en une génération spontanée de l’identité nationale, la « récapitulation hâtive du parcours contemporain » du Liban que propose Beydoun dans un second temps permet pourtant de mettre en lumière le chemin parcouru depuis la création contestée de l’État libanais en 1920 : les « annexés » n’ont cessé de renforcer leur attachement à « l’entité » libanaise et de chercher à améliorer leur position en son sein. Les bases d’une construction nationale étaient donc présentes, mais ce sont les « polarisations communautaires dues aux quêtes de modification des équilibres socio-politiques » qui en empêchèrent l’actualisation. Si « d’être disputé, l’objet qu’on réduisait en lambeaux était paradoxalement confirmé dans son unité », l’aboutissement des cristallisations communautaires est une impasse : le succès du communautarisme l’a mené dans une crise fatale, dont le symptôme principal réside dans son échec à assurer une gestion cohérente et efficace du pays et à prévenir la résurgence périodique de conflits ouverts. Discutant les arguments de ceux qui, prenant acte de la segmentarité de la société, plaident en faveur d’un système consociationniste comme mode de gestion politique de la diversité communautaire, Beydoun défend au contraire « l’option d’États, présents en force dans le camp des démocraties, qui, en charge de sociétés aux nombreux clivages verticaux, assurent la protection des minorités (et, dans un sens, de la majorité aussi) non pas en faisant épouser à la représentation politique les contours primordiaux de la société mais en pénalisant toute discrimination portant atteinte au principe de l’égalité des citoyens. » Cette option lui semble d’autant plus impérative que, dans le cas libanais, le mode de partage du pouvoir entre communautés tendit à dépouiller de certaines de ses prérogatives un pouvoir central que les régimes consociationnistes prennent théoriquement soin de préserver. Beydoun avance ici la notion de « syndrome des communautés spécialisées » pour rendre compte de l’appropriation par certaines communautés, réelle ou perçue comme telle, de missions normalement dévolues à l’État central : la libération du Sud-Liban et la résistance à Israël devint ainsi l’affaire exclusive de la communauté chiite, la reconstruction et l’assainissement des finances publiques celle des sunnites, et la récupération de la souveraineté nationale face à la tutelle syrienne celle des maronites. Mais loin d’être cumulatifs, ces acquis de la période d’après-guerre, du fait de leur cachet communautaire, ont davantage contribué à l’approfondissement des divisions intercommunautaires qu’à la formation du consensus tant vanté par les tenants d’une consociation à la libanaise.

Les pages que Beydoun consacre ensuite à la notion de société civile, notion qui a gagné en visibilité dans la littérature sociopolitique sur le Liban dans la mesure où elle permet de désigner toutes les forces citoyennes susceptibles d’échapper à la société politique communautaire, ne permettent guère d’égayer le sombre tableau dressé jusque là par l’auteur. De la politisation de l’action syndicale à la mise en dépendance des milieux patronaux vis-à-vis des leaderships communautaires, en passant par le repli d’un « mouvement civil » dont la plupart des campagnes de revendication se sont soldées par des échecs, les espoirs fondés sur la société civile s’effacent devant le constat de subordination de la sphère socio-économique au jeu communautaire. Ultime élément de diagnostic, l’analyse que Beydoun propose des modes d’articulation entre ce même jeu communautaire et les logiques d’influence des parties extérieures met en lumière plusieurs paradoxes, notamment entre le patriotisme réel qui anime la plupart des acteurs libanais et leur aptitude à se soumettre aux logiques d’inféodation à l’extérieur venant miner la souveraineté de l’État. L’issue de toute l’analyse est sans appel : la réforme du système libanais représente « une question de vie ou de mort ». Mais il existe un acquis à partir duquel construire cette impérative réforme : le Document d’Entente Nationale, sur la base duquel Beydoun décline une série de propositions susceptibles de donner corps au projet de déconfessionnalisation en favorisant le « passage d’un système basé sur les quotes-parts à un autre fondé sur une logique de garanties antidiscrimination des citoyens » : élaboration d’une nouvelle loi sur la nationalité, remise sur rails du projet de loi civile facultative sur le statut personnel, nouvelle division administrative du pays, nouvelle loi électorale, déconfessionnalisation des trois présidences, des postes ministériels et de la fonction publique, etc. Mais encore faut-il, pour enclencher cette réforme, que les Libanais prennent conscience de l’urgence de la situation et convergent autour d’un consensus minimal sur le rejet du communautarisme. Or, « […] ce refus d’une commune identification du mal est précisément ce qui, jusque-là, rendait ce mal incurable. Le véritable mal, ce n’est autre que ce refus ». Quid d’une réforme sans réformistes ?

Cette dernière interrogation de l’auteur nous inspire deux remarques relatives à la genèse du projet réformiste libanais et à ses promoteurs. Si, comme le souligne Beydoun, « le communautarisme a une histoire », le projet de déconfessionnalisation en a aussi une. Et l’on peut à cet égard regretter la rapidité avec laquelle Beydoun traite de la guerre de 1975-1990, dont la dynamique initiale s’est pourtant nourrie d’une tentative de « réforme par les armes » (pour reprendre ici l’expression de Fawaz Traboulsi) menée en partie par des mouvements d’inspiration laïque sur l’échec desquels on aurait apprécié que Beydoun se penche davantage. En outre, si la réforme est orpheline, comme le stipule le sous-titre de l’ouvrage, peut-on faire dès lors l’impasse sur une lecture de la « paternité » du Document d’Entente Nationale? Beydoun ne mentionne à aucun moment ni les multiples propositions et tentatives de règlement qui ont précédé l’accord de Taëf et en informèrent la genèse, ni qui en furent les rédacteurs (à savoir ce qu’il restait en 1989 du parlement libanais élu en 1972), sans pour autant hésiter à se référer à « l’intention du législateur ». Le plaidoyer de l’auteur cherchant à disculper du pêché communautariste les textes constitutionnels du Liban contemporain ne semble pas complètement convaincant. On peut regretter ici que Beydoun ait abandonné certaines de ses analyses antérieures (son concept de « pudeur des communautés » par exemple) pour expliquer le fait que chaque étape constitutionnelle allant dans le sens d’une reproduction du communautarisme politique soit, dès le départ, allée de pair avec l’affirmation de son caractère provisoire et de la nécessité de son dépassement. Peut-être doit-on voir dans cette évolution la conséquence de ce que nous soulignions en introduction, à savoir que l’ouvrage ici recensé s’avère finalement être la contribution d’un intellectuel engagé, dont le désir d’une plus grande efficace de l’argumentaire paraît parfois affaiblir la portée heuristique de l’analyse. Pourtant, une plus grande historicisation du Document d’Entente Nationale, tout en permettant de mieux saisir les ressorts de l’échec de la réforme annoncée, n’en diminue pas nécessairement le potentiel réformateur, toujours actualisable. Point n’est besoin d’en appeler à « l’esprit de la Constitution » pour justifier l’appel fait aux citoyens à se saisir des opportunités fournies par l’accord de Taëf, aussi conjoncturels que puissent apparaître certains de ses déterminants. Le débat permanent sur les implications de Taëf qui a marqué la scène intellectuelle d’après-guerre et les multiples lectures du Document qui en résultèrent, témoignent bien du fait qu’il ne saurait y en avoir une interprétation exclusive et transcendante, ce qui est une bonne nouvelle : cette ambivalence est précisément ce qui en détermine la plasticité, elle autorise une marge d’interprétation et sa réappropriation par les citoyens. Taëf sera aussi ce que les Libanais décideront d’en faire.

Candice Raymond
Pour citer
Candice Raymond, « Compte rendu de Ahmad Beydoun, La Dégénérescence du Liban ou la Réforme orpheline, 2009. », Le Mouvement Social, et en ligne : http://mouvement-social.univ-paris1.fr/document.php?id=1577.
Mise en ligne le 21 décembre 2009.
© 2001-2007 Le Mouvement Social.

Gilles Paris sur “La Degenerescence…”

June 10

“La Dégénérescence du Liban ou la réforme orpheline”, d’Ahmad Beydoun : le Cèdre entamé

 
Le Liban sera-t-il plus stable après les élections du 7 juin ? Il est permis d’en douter compte tenu des obstacles qui se conjuguent pour rendre ce pays proprement ingouvernable. Ceux que les limites évidentes de cette démocratie théoriquement “consensuelle”, le poids du communautarisme et le jeu pervers des influences extérieures désorientent liront avec profit La Dégénérescence du Liban.
 

Dans ce petit ouvrage exigeant et magistral, l’universitaire Ahmad Beydoun passe en revue plus d’un demi-siècle d’histoire libanaise pour en mettre à nu les évolutions et surtout les impasses : l’échec d’un projet national bâti sur un double renoncement, celui des musulmans au rêve de l’unité arabe et celui des chrétiens à la protection de l’Occident. En sciences politiques, l’addition de négations ne produit pas de résultats positifs.

Le combat entre la consolidation citoyenne et les cristallisations communautaires a commencé bien avant la guerre civile, mais celle-ci l’a accentué à partir de 1989, avant d’être entretenu par le parrain syrien. Ahmad Beydoun ne nie pas les acquis dont peuvent se prévaloir les Libanais depuis la fin de la guerre civile, la reconstruction (par le sunnite Rafic Hariri), la libération du Liban sud de l’occupation israélienne (par le Hezbollah chiite) et le “desserrement de la poigne” syrienne (sous l’effet d’une pression sunnite, chrétienne et druze), mais c’est aussitôt pour démontrer que chacun “porte bien en évidence un stigmate communautaire”. Rien, donc, ne parvient à alimenter les ferments d’un Etat. Au contraire, “chaque acquis peut ajouter une lézarde à celles qui fissurent” le Liban.

Cette faiblesse peut-être consubstantielle, et en tout cas entretenue par les pôles communautaires, permet et rend toujours plus central le jeu des influences étrangères. Toutes les factions libanaises le déplorent, mais toutes font en sorte que la seule digue qui pourrait être dressée pour leur faire obstacle, l’Etat et l’intérêt national, soit consciencieusement rognée et arasée. Toutes font en sorte de maintenir un Etat faible, pour qu’il n’empiète pas sur leurs territoires, économique, symbolique ou militaire, et pour continuer de le piller à loisir. Au terme de ce sombre constat, Ahmad Beydoun propose ses pistes : élaboration d’une nouvelle loi sur la nationalité, nouvelle division administrative du pays, nouvelle loi électorale, déconfessionnalisation des postes stratégiques. Il prône le dynamitage d’un confessionnalisme qui a fait la preuve de son impuissance. Mais, s’interroge-t-il, trouvera-t-on des réformistes pour les porter ?