كلمن | “لبنان الاشتراكي”

 

“لبنان الاشتراكي”

ظهور جماعةٍ من شبيبة “اليسار الجديد” ومسارها في لبنان الستّينات[1]

أحمد بيضون

 

في وقتٍ ما من سنة 1964، انعقد اجتماعٌ في بيروت قيّض له أن يستوي نوعاً من خرافةِ أصلٍ لجماعة ماركسية صغيرة نشأت منه: وهي تنظيم “لبنان الاشتراكي”. اشترك في الاجتماع سبعة أشخاص هذه أسماؤهم: وضاح شرارة، فوّاز طرابلسي، وداد شختورة، محمود سويد، الزوجان كريستيان ومادونا غازي، أحمد الزين. بعد ذلك بسنةٍ (أو باثنتين، على الأكثر) كان الأربعة الأوّلون لا يزالون ماضين في السبيل الذي افتتحوه فيما كان الثلاثة الآخرون قد غادروا الركب عملياً. بين هؤلاء الأربعة، بقي وضّاح وفوّاز أكثر الجماعة حرصاً على إبقاء الشعلة المقدّسة موقدةً أي، فوق كلّ شيءٍ، على تدبيج النصوص المؤسّسة للتنظيم وعلى تنشئة القادمين الجدد وعلى متابعة الصلات الآيلة إلى تنمية الجماعة. كان محمود سويد مستغرقاً إلى حدّ بعيد في العمل الصحافي: في أسبوعية الأسبوع العربي أوّلاً ثم في مؤسّسة الدراسات الفلسطينية. لذا بقيت مسؤولياته محدودة في الجماعة التي كانت قد أخذت تدعو نفسها “التنظيم”. وأما وداد شختورة التي كانت تتّخذ التدريس حرفةً لها، فكانت ناشطة في نقابة المعلّمين في المدارس الخاصّة قبل أن تمسي، في آخر مطافٍ امتدّ أعواماً كثيرة، قيادية في التيّار اليساري من الحركة النسائية اللبنانية.

إذا اتّخذْنا مشهد هذا الاجتماع وحده محلّ نظر استوقفنا تنوّع المجموعة المؤسّسة على غير صعيد. فإذا قصرنا انتباهنا على أولئك الذين ثابروا إلى ما بعد مرحلة الانطلاق هذه لم نملك ألا نلاحظ تفرّقهم على الخريطة الطائفية اللبنانية وكذلك بين مناطق البلاد. فشرارة من مواليد العام 1942 في عائلة شيعية. وهو من بنت جبيل في جنوب لبنان أصلاً ولكن والديه، في وسط الستينات الذي ننظر منه، كانا قد انفصلا وتزوّج كلاهما زواجاً ثانياً من زمن طويل وأصبحا مقيمين في بيروت. ويحصى في أسرة والده معمّمون ومعهم أو من بينهم متأدّبون على النهج “الحديث”. وكان والده، في مبتدإ أمره، مدرّساً وكان إلى ذلك كاتباً ومترجماً معروفاً ثمّ أصبح، لعهد طويل، عضواً في الجهاز الفنّي لدار الكتب الوطنية وآلت إليه في أواخر حياته المهنية إدارتها. وأما والدة وضاح فهي عسيرانية من صيدا وكانت مدرّسة في القطاع الرسمي هي الأخرى. وكان وضّاح قد حصّل منحة من الحكومة اللبنانية أتاحت له دراسة لعلم النفس في ليون أنهاها في سنة 1963. وعلى أثر عودته إلى بيروت أصبح مدرّساً متعاقداً في المدرسة العاملية، وهي شيعية التابعية، قبل أن يدخل سلك التعليم الرسمي مدرّساً للفلسفة في الثانويات. وكان يتولّى أيضاً أعمال ترجمة متفرّقة تنشرها دار الطليعة التي كان يملكها بشير الداعوق المنتسب إذ ذاك إلى حزب البعث. وأما طرابلسي فهو من مشغرة في البقاع أصلاً. وتنتمي والدته إلى الفرع الأرثوذكسي الزحلي من آل المعلوف إذ هي ابنة المؤرّخ المشهور عيسى اسكندر وشقيقة الشاعرين فوزي وشفيق. وأما والده، وهو كاثوليكي المذهب، فكان يملك فندقاً معروفاً في بحمدون يقصده مصطافون متنوّعو المصادر من لبنانيين وسوريين وعراقيين ومصريين، إلخ.، ومن بينهم ساسة وفنانون واسعو الشهرة. ولد فوّاز سنة 1941 وأتمّ دراسته ما قبل الجامعية في الثانوية العلمانية الفرنسية في بيروت ثم في مدرسة برمّانا العالية وهذه أسسها الكويكرز الإنكليز في القرن التاسع عشر. وبعد عامين في مانشستر درس فيهما الاقتصاد السياسي، عاد إلى بيروت ودرس العلوم السياسية في جامعتها الأميركية. ولا ريب أن وضاح وفواز (ونصيب الأوّل من هذا أكبر من نصيب الثاني) كانا الشخصين اللذين أملى نشاطهما على الجماعة الصغيرة أبرز سماتها وهو نشاط بُذل في آن معاً في التحليل النظري والسياسي وفي كسب الملتحقين الجدد وتنشئتهم. وأمّا وداد شختورة فهي متحدّرة من أسرة كاثوليكية صيداوية المنبت. وأما “بكر” التنظيم، محمود سويد وهو مولود في سنة 1935، فهو ابن شيخ سنّي من قرية كفرحمام في العرقوب، أي في الطرف الجنوبي الشرقي من البلاد. وكان محمود عند إنشاء التنظيم – وقد أشرنا إلى ذلك – صحافياً متفرّغاً… وكان هو ووضاح وفوّاز قادمين، ثلاثتهم، من “ماضٍ” حزبيّ بعثي.

كان هذا التنوّع في المجموعة التي أطلقت مشروع “لبنان الاشتراكي” يعبّر، على نحوٍ ما، عن مزاجٍ ميّز شبيبة بعينها، تلقّت إعداداً غربيّ المشرب. ولكنّه كان أيضاً، من زوايا أخرى، تنوّعاً خادعاً إلى حدٍّ ما. فهو لا يعكس بأمانة واقع الصورة التي ستتّخذها المجموعة بالتدريج في الأعوام الأربعة أو الخمسة التالية بنتيجة الجهود التي بذلها المؤسّسون. وهذه جهود أسعفها، على الأرجح، ما كانت تضطرب به التشكيلات القومية العربية والحزب الشيوعي اللبناني من هزّات في تلك المرحلة. وفي خريف العام 1966، اتّصلنا بالمجموعة أنا وحسن قبيسي ونصير مروّة وجمعتنا لقاءات قليلة العدد بوضاح شرارة. وكان حسن هو الذي اكتشف وجود المجموعة ومهّد للقاءات. كان نصير بعثياً قديماً اقترب من الحزب الشيوعي قبل سنوات. وقد بقي أثر وضّاح في موقفه محدوداً. وأما أنا وحسن فدخلنا في المجموعة. ولم نلبث أن ضممنا معنا صديقنا وجيه كوثراني. ثم التحق بالمجموعة المتواضعة العديد بتأثير منّا أردناه أحياناً ولم نُرِده أحياناً أخرى نفرٌ آخرون كانوا أصغر منّا سنّاً. كنا، نحن الثلاثة، من مواليد أوائل الأربعينات وكنّا مدرّسين في الثانويات الرسمية وقد خالطنا إلى هذا الحدّ أو ذاك، في أعوام دراستنا الثانوية والجامعية، أوساطاً تدين بالقومية العربية. فكنّا، بالتالي، أشباهاً، على غير صعيد، لوضّاح ولفوّاز. وكان للشبه بيني وبين هذين وجه مضافٌ لم يكن حسن ووجيه قد حصّلاه في تلك المرحلة: وهو أنني كنت قد أمضيت عامين دراسيين في باريس زاد في أهمّيتهما أنني كنت قد كرّستهما لدراسة الماركسية. وسرعان ما دعينا إلى الحلول في مواقع مسؤولية فكان أن أصبحنا، حسن وأنا، عضوين في ما كان يسمّى “هيئة التنسيق” (وهي قيادة التنظيم) وأخذنا نؤمّن، في الشقّة التي أقمنا فيها معاً، ابتداءً من صيف 1967، الإنتاج الماديّ للنشرة التي كان التنظيم يحمل اسمها. وكان حسن قد تعلّم الضرب على الآلة الكاتبة واستخدام آلة الاستنساخ (الستنسل) فيما كنت، من جهتي، أتولّى، مهمة تحرير البعض من النصوص. أصبحنا  من كتّاب النشرة أيضاً وكان العدد الأول منها قد صدر في حوالي الوقت الذي دخلنا فيه التنظيم ولكن المجموعة كانت قد أصدرت قبل ذلك عدداً من النشرات غير الموقّعة وغير المتوّجة باسم “لبنان الاشتراكي”. وإذ أنظر في أمرنا إذ ذاك بعد انقضائه، أرى أن ترقيتنا التي زامنت، على وجه التقريب، ابتعاد أحمد الزين والزوجين غازي قد عزّزت تعزيزاً ملحوظاً موقع العنصر الشيعي الجنوبي في الإدارة الفعلية لنشاط المجموعة. وكانت هذه الغلبة، من قبل هذا الوقت، كاسحة على مستوى “القاعدة”. فالحال أن الحلقتين اللتين تولّيت أمرهما في حيّ اللجا وفي النبعة كانتا مشكّلتين حصراً من شبّان شيعة جنوبيّي المنابت. وكانت هاتان الحلقتان تمثّلان، في سنة 1967، ما يقرب من نصف التنظيم ولم يكن النصف الآخر يختلف عنهما اختلافاً بيّناً لهذه الجهة. وقد أبرز وضاح شرارة هذا الواقع إبرازاً لم يخْلُ من المبالغة في مقالة جميلة نشرها في سنة 1980 وجعل لها عنواناً “الرفاق”. بقي المدينيّو الأصل والمسيحيّون والسنّة قلّة بين العناصر الذين بلغ عددهم أربعين إلى خمسين في منتصف مسار التنظيم. وفي سنة 1967، كانت السنّ المتوسطّة لأعضاء المجموعة “القيادية” نحو 25 سنة. وكان الأعضاء في الحلقات يصغروننا سنّاً بما معدّله خمس سنوات تقريباً. عليه كان يسعهم أن يكونوا (أو هم كانوا فعلاً) تلامذتنا. هل كان ذاك، على ما قرّره تشخيص منتشر، هو الجيل الثاني من كتلة الهجرة الريفية؟ يحتاج الجواب إلى تدقيق. فإن أهالي بعض المنتسبين لم يكونوا قد أصبحوا مقيمين بعد، في تلك الآونة، في بيروت أو في ضواحيها. كانت الشبيبة من ذراري هؤلاء الريفيين الصامدين تسرح وحدها، متحمّلة مسؤولية نفسها، في أرجاء بيروت الكبرى بما كانت هذه تعرضه من أضداد.

لم تكن غلبة البعثيين القدامى بين عناصر النواة المؤسسة محض اتّفاق. بل إنها معطى تعليلي من الدرجة الولى. فنحن إذا شئنا أن نفهم ظاهرة “اليسار الجديد” أو “الأيسرية” العربية، كان علينا أن نرجع، بين ما نرجع إليه، إلى انفصال الوحدة السورية المصرية وما مثّله من زلزلة للجيل الشاب في تلك الحقبة. مهّد لهذه الزلزلة نشوب الأزمة، بُعيد نشوء الجمهورية العربية المتّحدة، في العلاقة ما بين عبد الناصر والبعث. فالذين كانوا في العشرين أو كانوا على مشارفها في سنة 1961، مثّل لهم إفلاس الوحدة صدمةً لم تكن أخفّ وطأةً على الإطلاق من تلك التي مثّلتها لهم ولمن كانوا يلونهم سنّاً هزيمة 1967. فكان أن ذهب البعثيون، على الخصوص، ومعهم آخرون كانوا يدورون في الفلك القومي أيضاً، إلى تجريم الارتجال والطابع الملفّق لهذه الوحدة بما آلت إليه الحال من انحلال لم يكن منه مناص. وسرعان ما نُسب هذا المصاب إلى الفقر النظري الذي اعتبرت الحركة القومية مصابةً به: يصحّ هذا على الحركة الناصرية، بطبيعة الحال، ولكنه يصحّ أيضاً وعلى التخصيص على حزب البعث. من هذا المنطلق، راحت تنتشر كثرةٌ من المجموعات أو أيضاً من المواقف كان يجمع بينها الرغبة في تلافي الأسباب المفترضة للحادث الجلل الذي حدث.

وعلى وجه الإجمال، يجوز القول إن انهيار الجمهورية العربية المتّحدة كان مناسبة لاكتشاف أهمّية “المجتمعات” وضرورة معرفتها لتغييرها وضرورة التوفّر على تجهيز نظري مناسب لهذه الغاية. ولم تلبث الماركسية أن فرضت نفسها. فقد كانت حاظيةً بسمعةٍ أظهرَتْها على أنها الأداة المجرّبة التي أفلحت في إلهام ثورات صمدت في وجه الإمبريالية. وقد سارع كثير من القوميين إلى الانضواء في صفوف الحزب الشيوعي الذي وجدوه على مقربة. ولكن هذا الاختيار لم يبدُ موفور الحجّة دائماً. فإن منظر الأحزاب الشيوعية الوطنية لم يكن فيه ما يغري. كانت ظواهر التصلّب البيرقراطي فيها وتبعيتها في المضمار الدولي تبعث النفور. فوق ذلك، كانت مواقف هذه الأحزاب من مسائل حيوية جدّاً واجهت الحركة العروبية في أثناء العقدين السابقين لا تزال محلّ إشكالٍ، وكان الموقف من تقسيم فلسطين أبرز مثال لهذه المواقف. وفي الحقبة التي نتناول، أي أوائل الستينات، كانت جولات الصراع العنيف لا تزال تدمي العلاقات، في دولٍ عربية عدّة، ما بين الشيوعيين والقوى القومية. فكانت هذه القوى تنازعهم الحكم الذي كانوا مستحوذين على النصيب الأعظم منه هنا أو كانت تأبى إشراكهم فيه هناك. على هذا راح مناضلون كثيرون كان إيمانهم البعثي أو الناصري قد اضطرب يتحدّثون عن “تعريب الماركسية” أو أيضاً عن “تجديد” اليسار العربي. ولم يكن هذا الكلام ابن ساعته. فإن ميشال عفلق نفسه كان قد أعلن رغبته في إنشاء اشتراكية “نابعة من الواقع العربي”. على أن هذه الفكرة التي لم يفلح مؤسس البعث يوماً في منحها قواماً قابلاً للتطبيق لم تكن متّجهة، في تعبيرها العفلقي، إلى اجتراح صيغة معرّبة من الماركسية بل كان همّها تشكيل خيار مواجه جذرياً للخيار الماركسي. وأما الشبيبة من هاجري البعث الذين أقدموا على تأسيس “لبنان الاشتراكي” فكان توجّههم إلى الاستحواذ على الماركسية التي قدّروا أن الأحزاب الشيوعية العربية قد ابتعدت عنها. وكان متاحاً إنكار ملكية هذه الماركسية على الأحزاب الموالية للاتّحاد السوفياتي. كانت هذه الماركسية مبذولة لمن أراد وضع اليد عليها وتطويعها تطويعاً حرّاً للحالة الحسّية التي كان عليه أن يعالجها.

ما سبق لا يعدو أن يكون رسماً بالقلم العريض لمعالم “الحبكة الفورية” التي كانت، في المدّة التي نتناول، تؤهّل أناساً بعينهم للتأمّل في إمكان الاضطلاع بمشروع “اليسار الجديد” و”تعريب الماركسية” الذي ذكرناه. كان هؤلاء البعثيون السابقون قد أنموا إحساسهم بالوقائع العربية وبوقائع بلادهم عبر مساقاتٍ من قبيل حرب الجزائر والصعود الصاعق للناصرية بعد معركة السويس ومقاومة حلف بغداد وانقلاب تمّوز 1958 في بغداد والحرب الأهلية المحدودة في لبنان سنة 1958 وبزوغ الشهابية والاضطراب المواجه للسيطرة البريطانية في جنوب الجزيرة العربية… قابل ذلك، أخيراً لا آخراً، انهيار الجمهورية العربية المتّحدة الذي بدا حاملاً رسالةَ نكوصٍ واضح يَقْلِب وجهةَ المجرى الذي كان يمكن أن تُدْرَج فيه الوقائع الآنفة الذكر طوعاً أو كرهاً.

على أن هذه الحفنة من الشبّان اللبنانيين كانت محتاجةً إلى صفاتٍ أخرى غير صفة البعثيين التائبين ليستقيم لها الاعتقاد أنها قادرة على الاضطلاع بالمهمّة التي نسبت إلى نفسها المسؤولية عنها. أمّا ما كانوا يعدّونه جديراً بأن يستبقى من ماضيهم النضالي فكان هذا النوع من التعلّق بأولوية الحقّ العربي في تقرير المصير، وكانت هذه القضية كفيلة بإبعادهم عن الحزب الشيوعي. على أن هؤلاء الشبّان كانوا يواجهون الحزب المذكور بادّعاءٍ لرهافة الفكر ولتعدّد المراجع الفكرية وللاستقلال المعنوي المشبع باحترام الفردية وهذه كلّها أمور ينبغي الفحص عن مساق تكوّنها وعن مصادرها. فإذا نحن رجعنا اليوم إلى أدبيات “لبنان الاشتراكي” وإذا استذكرنا واقع العلاقات بين الأفراد في المجموعة، لم نجد بدّاً من ملاحظة قدْرٍ من الزيف كانت تنطوي عليه صورة الذات التي كانت تدّعيها الجماعة لنفسها ويدّعيها كلّ فردٍ منها لنفسه أيضاً. على الرغم من ذلك، كانت هذه الصورة تطلق موقفاً وأسلوباً في التصرّف وفي الكلام وتطلق، على الأخصّ، زخماً نضالياً يشي بتصديقٍ لها من جانب من قُيّض لهم الاستمرار في مشروع المجموعة المعلن على الأقلّ. وهذا التصديق هو الأهمّ، في آخر الأمر.

من أين حصّل هؤلاء الشبّان المثقّفون تلك الثقة في جماعتهم، وكانت، في كلّ حال، ثقةً غير مانعةٍ للسخرية من الذات وللخفّة الفَكِهة؟ من أين جاؤوا – في ما يتعدّى المودّة التي كانت تطبع العلاقات بينهم في هذه المرحلة الأولى – بهذا الشعور بالتفوّق الذي كانوا يُمدّون به بعضهم بعضاً وينشرونه في أوساطٍ أتيح لهم أن يخالطوها؟ كان لا بدّ للتوصّل إلى هذا من تضافر استثنائيّ لمعطيات بعينها. من ذلك استقلال فرديّ متقدّم كان قد نال من سلطة عائلية زعزع أركانَها كثيراً ما كان جيل الأبناء قد حصده من شعور بالتفوّق وَجَد مرتكزاً له في إعدادٍ جامعي أخذ من التماسك بنصيب وردَفَتْه معرفةٌ يُعتدّ بها بلغةٍ واحدة على الأقلّ من اللغات الأوروبية. وهذه معرفة كانت تمنح صاحبها حقّ الوصول غير المحدود إلى أنظمة غربية لمعرفة المجتمعات ولفهم التاريخ فضلاً عن إتاحتها المشاركة (عبر السينما والأدب والموسيقى، إلخ.) في أذواق وقِيَمٍ يتشكّل منها العالم الثقافي للّغات المشار إليها. مذ ذاك أصبحَت الماركسية هي المكوّن المركزي وهي موقع القيادة في جملة الأنظمة المستنطَقة فسلّمنا بكونها النظام المؤهّل بين الأنظمة الأخرى لفهم تلك الأنظمة وتقويمها. كنّا صغار السنّ ولم يكن إعدادنا حزبيّ المصدر بقدر ما كان جامعيَّهُ فلم نقتنع قطّ بأن الماركسية تبطل ما يقع خارجها. كنّا نراها، بخلاف ذلك، متقوّية بما يغايرها. وهو ما ولّد ميلاً في التنظيم إلى اتّخاذ مرجعيات عدة: الوجودية، التحليل النفسي، البنيوية، إلخ. وهو ما أتاح لنا أيضاً أن نتخيّر أفكاراً وتوجّهات من تيّارات مختلفة في الفكر الماركسي لم يشتهر بعضها بالميل إلى الاعتراف بتوافقٍ ما بينه وبين البعض الآخر. وهو ما حملَنا أخيراً على استبعاد التمثّل الحَصْري بتجربةٍ ثورية معينة، مع العلم أن هذا التمثّل كان شائعاً في تلك الأيام. كنّا ننشر تعاطفنا على مساحات من العالم نحاذر تنظيمها في فكرنا وكانت تشتمل على الصين وعلى كوبا وأميركا اللاتينية وعلى فييتنام وامتدّت، لاحقاً، إلى ربيع 1968 في براغ وفي باريس. وكانت مجلّة “الأزمنة الحديثة”، التي ضمّ إليها قرّاء الإنكليزية منّا مجلّتي “نيو لفت رفيو” و”منثلي رفيو”، قويّة الحضور في العالم الفكري لمثقّفي “لبنان الاشتراكي” ومعها أسماءُ أعلامٍ اقترنت باسمها: من سارتر ودو بوفوار إلى ميرلو بونتي وغورز. ولم نكن نجهل شيئاً من المبارزات التي كانت المجلّة حلبةً لها. زاد من ذلك أن الستالينية ومعسكرات الاعتقال السوفياتية والانتفاضة المجريّة سنة 1956 والثورة الجزائرية ومكان الماركسية من الفكر المعاصر، وهي كلّها موضوعات كانت مثار أشدّ الاهتمام عند مثقّفي “لبنان الاشتراكي”، قد حلّت في موضع القلب من مواجهات الماضي ما بين كامو وسارتر وما بين هذا الأخير ومرلو بونتي وأخيراً ما بين ليفي ستروس وسارتر. كانت هذه السعة في الآفاق ومعها التعدّد الذي ذكرنا في الأطر المرجعية، تظهر في المبادلات  الشفوية ظهورها في الأدبيات المكتوبة (أو هي كانت أكثر ظهوراً في الأولى منها في الأخيرة). فكان ألتوسير يجاور تروتسكي، ولينين يعايش روزا لوكسمبورغ، وغرامشي يخالط ماو في المشافهة، فيما بقيت الأدبيات تبدي بعض الحذر من الخوض في المصادر غير المكرّسة. وكان هذا كله ينمّ بانفتاح ملحوظ لآفاق التفكير ويشي، في الوقت نفسه، بأمرين آخرين أقلّ إيجابية: الأوّل كثرة معالم التفكّك في العالم الذهني ومعه كثير من الانتقائية ومن السحر الذي كان يصدر من هنا أو هناك عن الحكايات الملحمية وعن الصور الأسطورية، والثاني هذا الظلّ من التكلّف أو من التمحّل الذي يميّز أرباب الوصولية الثقافية.

أجدر من هذا بالإشارة أن السباحة في المياه الثقافية الغربية لم تكن ترادف، في الحالة التي نتناول، انقطاعاً عن عالم الأصل. وكان للتربة العائلية فضل كبيرٌ في جعل هذا الإنجاز ممكناً. كان يمكن الاعتماد، في لبنان الستّينات، على كون هذا الاستقطاب بين “الحديث” و”التقليدي” قد غدا ملطّفاً في الممارسة. على أن هذا لم يكن يحول دون حصول الاحتكاك المولّد للشرر ما بين العالمين في ألف موضعٍ وموضع. وإذا نحن شئنا فهماً لما أبديناه من خفّة الحركة على هذا الصعيد، كان علينا الالتفات، مثلاً، إلى أسرة وضّاح من جهة أبيه وأسرة فوّاز من جهة والدته وإلى سمعةٍ باكرة كسَبْتُها في بنت جبيل هي سمعة الفتى الشاعر والتلميذ المجلّي في اللغة العربية، إلخ. ويثير الدهشة عدد من سيصبحون مترجمين محترفين في النواة القيادية الصغيرة لـ”لبنان الاشتراكي” : وأشير هنا، على التخصيص، إلى حسن قبيسي وفوّاز طرابلسي وأشير أيضاً إلى وضّاح شرارة وإلى نفسي. فوق ذلك، ألّفنا، أنا ووضّاح، كتباً باللغتين العربية والفرنسية. والمعلوم أن الناطقين بالفرنسية والناطقين بالإنكليزية وفيرو العديد في لبنان. وأما من يتوصّلون إلى فرض أنفسهم على أنهم منشئون ذوو كفاءة في لغة الأمّ وفي إحدى اللغات الأوروبية معاً فهم من الندرة بمكان. ولا يخلو توفّرهم المركّز هذا في النواة الصغيرة لـ”لبنان الاشتراكي” من إشارةٍ إلى الصورة الطموحة التي كانت هذه المجموعة الوليدة تراها لمكانها على رقعة السياسة اللبنانية وللدور الذي كانت مدعوّة إلى الاضطلاع به، بحسب مؤسّسيها. فالحال أن هذه السمة الخاصّة، إذا قُرنت بأخرى سبق التنويه بها، كانت تؤيّد “الندرة” النسبية المميّزة إذ ذاك للعناصر القيادية في المجموعة.

عليّ أن أشدّد أيضاً على تنوّع الأوساط التي كان البعض من عناصر النواة القيادية قد خالطوها. فهم، وقد ناهزوا الخامسة والعشرين من أعمارهم في ذلك الحين، كانوا قد أقاموا في القرى. وكانوا قد أمضوا أعواماً دراسية في مدارس داخلية ذات ألوان طائفية مغايرة لألوان منابتهم. وكانوا قد أقاموا في بيروت أيضاً وخالطوا في جامعات العاصمة، لا اللبنانيين الموزّعي الولاء جدّاً وحسب، بل العرب الشبّان الشديدي التسيّس غالباً القادمين من أقطار بعيدة بعد تونس أو اليمن أيضاً. وكان بعضهم قد زاول التدريس في مدارس متباعدة إلى هذا الحدّ أو ذاك واكتسبوا من ذلك أُلْفةً لغير منطقة من مناطق لبنان. كانت هناك أيضاً أعوام الإقامة الدراسية الكلّية الطوبى في الخارج: في مانشستر أو في ليون أو في باريس. ومن هناك كان هؤلاء الأفراد قد سافروا فاطّلعوا على بلاد وبشر وزاروا متاحف، إلخ. وبخلاف التمكّن المتساوي (أو شبه المتساوي) من لغتين، لم يكن هذا التجوال، بما يتيح جَنْيَه من غلالٍ ولا هذه الفرص لإرهاف الحسّ وزيادة الخبرة بالغير، على انحصارهما في القلة، بالشيء النادر الحصول حقّاً لأولاد الأسر البرجوازية الصغيرة في لبنان، ناهيك بأولاد الأثرياء. وهما لم يكونا نادري الحصول أيضاً، إذا ضربنا صفحاً عن المنبت الطبقي، لفتيان عرفوا كيف يقرنون حدّة الذهن والمثابرة بفرصةٍ سنحت لهم.

وعلى كون هؤلاء المناضلين الشبّان لم يضربوا حجاباً دون من أراد لقاءهم وكانوا على جانب من التواضع ومن الاستعداد للخدمة، فإن صورتهم عن أنفسهم، وقد حصّلوها من مسارات شخصية متقاربة نوعاً ما، كانت منطوية على تقديرٍ رفيع لأنفسهم يصل إلى حدّ الشعور الواضح بضربٍ من التفوّق. فهل كانوا متفوّقين فعلاً على صعيد النظرية أو – على الأعمّ – على صعيد الثقافة؟ نجيب بـ”نعم” إذا نحن قارنّا إنتاجهم وتنوّع الحقول التي كان يشتمل عليها فضولهم بفقر الدم الذي كان يسم كلام الحزب الشيوعي اللبناني وبتشنّج لم يكن يخلو من تعبير جسدي ميّز هذا أو ذاك من أركان الحزب في حركاته وسكناته. ونجيب بـ”لا” إذا اعتبَرْنا بالفشل الواضح الذي لازم جهد المجموعة للعثورعلى مدخل إلى نسيج الوقائع اللبنانية من اجتماعية وسياسية وبالعزلة التي لازمت الجماعة عن المسرح السياسي اللبناني باستثناء ما حاولت إنشاءه من علاقاتٍ مع مجموعاتٍ صغيرة أو عناصرَ منشقّة أخرى حتى سنة 1969. فعلى الرغم من جهدٍ فكري تناول مسألة التحالفات من منطلقٍ منسوب إلى اللينينية، كانت الجماعة حابسة نفسها في حذرٍ دائم من تشكيلات اليسار “التقليدي” القائمة (ودعك من غيرها) وهو ما كان يثير حفيظة هذه التشكيلات ويجعل قبول “لبنان الاشتراكي” (الهزيل الحضور، فوق ذلك، في مواقع العمل) في أطر التعبئة المشتركة قريباً إلى المحال. وأما الأقرب إلى الواقع فهو، على ما يبدو لي، افتراض نوع من التفوّق النفسي للأفراد، أعضاء المجموعة. وهذا شعور كانت قلّة الفاعلية شرطاً له. كان التفوّق ناجماً (بخلاف ما يتقبّله نوع من أنواع الماركسية) من شعور قوي بالقيام بالذات راح يوطّده إعجاب من كانوا أحدث سنّاً من بين الرفاق أو كانوا أقلّ اقتداراً في مضمار التحليل السياسي الاجتماعي. فمن حيث الأساس، كان التنظيم، من جهة مؤسسيه، سبيلاً إلى الانعتاق أو تحرير الذات.

ويكفي مصداقاً لذلك تفحّص النصوص المنتجة. فنلحظ فيها من النظرة الأولى ازدراءً غريباً للمنجزات الماديّة وللمكاسب الاجتماعية الاقتصادية التي تتّخذ موضوعاً للمطالبة والنضال. فما هو جوهري، في عُرف المجموعة، إنما هو التقدّم الذي يتحقق بالنضال في الوعي السياسي. وما ينبغي طلبه إنما هو تسييس النضال والمناضلين، تسييس الجمهور أو الجماعة المنخرطة في الحركة. وما عدا ذلك يبقى أقلّ أهمّية أو هو عارٍ من كلّ أهمية. بل إنه قد يكون أولى بأن يُجْتنب إذ قد ينجم عنه وعيٌ منحرف للموقف الإجمالي. وفي كلّ حال، يُفْترض أن يتحصّل تقدّم الوعي السياسي عَبْر صِيَغٍ من التنظيم القاعديّ تنشئ علاقةً جدلية ما بين المناضلين المسيّسين والجماعة المعنية أو الوسط المعنيّ بالنضال. فيمارِس هذا أو تلك، عَبْر الصيغ المشار إليها، حقّهما في التعبير الحرّ، على الأقلّ، إذا فاتتهما المبادرة الحرّة، ويبقى لهما، أيّاً كان الأمر، حقّ الرقابة الديمقراطية على القرارات التي تتّخذها القيادة. على هذا اقتُرحت صيغة “اللجان” لتنظيم النضال الطلابي ولتنمية الدعم الشعبي للمقاومة الفلسطينية، سواءً بسواء…

كان مراد “لبنان الاشتراكي” أن يلزم ماركسيّة ماركس ولم يكن يتردّد في التنويه بما كان آخرون قد ذكّروا به وهو أن ماركس صرّح، في أواخر أيّامه، بأنه ليس ماركسياً. وكانت تلك علامةً من علامات حرصٍ (ضمنيّ، في الأقلّ) اتّسمت به عقلية المجموعة وهو الحرص على استبعاد الاعتقاد بالحتمية باعتباره اعتقاداً يطبع العمليّات العقلية بل يطبع طريقة التفكير برمّتها أيضاً. وأذكر أن رفاقي في حلقة النبعة استهجنوا مني التصريح بأن المادية العلمية وجدلية الطبيعة إنما هما إضافتان متأخرتان إلى العقيدة أضافهما إنجلز ولم يكن ماركس ليقرّهما، على الأرجح. وقد أوصل الاستياء واحداً من الرفاق إلى حدّ مقاطعة الاجتماعات مقاطعةً نهائية بعد أن اتّهم “الرفيق المسؤول” ببذر الشقاق بين الأبوين المؤسّسين.

وقد كان الجهد المتّصل للتنديد بالمواقف السياسية النظرية التي كان يتّخذها الحزب الشيوعي اللبناني هو الطريق الإلزامي إلى ما سمّي “تجديد اليسار”. والواقع أن عمل التقويض الذي كان يفترض أن يتوجّه إلى العدو الطبقي الموصوف (أي إلى “اليمين” اللبناني وإلى الأنظمة العربية الموسومة بـ”الرجعية” وإلى الإمبريالية الغربية) لم تكن آثاره تصل إلى هذا العدوّ إلا بعد أن يكون قد استنفد جلّ قواه في الهجمات على اليسار اللبناني وعلى التشكيلات القومية العربية: على جنبلاط والشهابية وعلى الأنظمة العربية المنسوبة إلى “التقدمية” وعلى الخطّ السياسي الأممي للاتّحاد السوفياتي أخيراً لا آخراً. والحال أن تلك الأهداف كانت تمثّل مجموعاً متراتباً لم يكن يخلو من تماسك. وكان يستمدّ اللحمة الجامعة لأطرافه من العقيدة السوفياتية القائلة بالطابع التقدّمي للبرجوازية الوطنية في أقطار العالم الثالث التي تمكنت من التحرّر من القبضة المباشرة للإمبريالية.

لا جدوى من التوسّع في أمر المآخذ التي كان “لبنان الاشتراكي” يأخذها على الحزب الشيوعي أو في أمر العناية النقدية التي أولاها للتطوّر السياسي لحركة القوميين العرب أو في أمر الجهود التي بذلها لتحديد الموقع الطبقي للسياسة الشهابية ولمكوّنها الجنبلاطي على الخصوص: وهو المكوّن الذي كان يُلزم الحركة الشعبية بموقف الحدّ الأدنى وينشر في صفوفها اضطراباً مؤذياً. وإنما الأمثل، في ما نرى، أن نُبرز ههنا سمةً أخرى من سمات المشروع الذي مثّله “لبنان الاشتراكي” وهي السمة التي تفسّر، جزئيّاً على الأقلّ، هذه الأفضلية التي منحها لنقد الأقربين. ذاك هو هاجس “التميّز”، تميّز المجموعة الذي كانت هذه الأخيرة بالغة الحرص عليه. ففي أقلّ الموضوعات خطراً وأكثرها نثرية كان “لبنان الاشتراكي” يبقى شديد العناية بالخروج على الشائع أو بالوقوف على حدة في تحديده موقفه. يستوي في ذلك ما كان انفراداً عن الحزب الشيوعي، بطبيعة الحال، وما كان افتراقاً عن سائر الأطراف الماثلة في الميدان. وحين كان المسؤول عن حلقة ما يُخفق في إبراز هذا الاختلاف لموقف المجموعة من مسألة مطروحة، كان يغامر بالتعرّض إلى السؤال المحتوم: “ولكن… أين تميّزنا، يا رفيق!؟”

يسعنا الافتراض، على ما يزيّن لي، أن هذا “التميّز” المستولي على صورة التنظيم لنفسه جملةً كان ينتقل، بعد تأسيسه وحدة التنظيم، إلى الأفراد المشكّلين لهذا الأخير. فكان يسهم في بلورة فرديتهم. كانت المجموعة، بضآلة حجمها وبالاسترخاء الذي كان يسودها وبالشعور بأن “خطّ” التنظيم لا يزال في قيد التكوين، تستجمع سماتها هذه لتحصيل هذه النتيجة، وهي مختلفة جدّاً، في الواقع، عمّا تنتهي إليه الفردية في التشكيلات الكبيرة التي يجد فيها التشنّج الأيدلوجي صداه في مناخ التسلّط والانضباط.

ما الذي كان هذا التفريد بواسطة الجماعة يترجمه في وضع النواة المؤسسة لـ”لبنان الاشتراكي”؟ رسمنا بخطوط عريضة صورة الانتماءات الأصلية لهذه الحفنة من الشبّان الذين حوّلوا أنفسهم إلى مجموعةٍ سياسية في بيروت في غضون السنوات الثلاث أو الأربع التي سبقت حرب 1967. في نصّ عنوانه “موادّ من أجل برنامج” أُلْحِق بالعدد العاشر من النشرة الصادر في آذار 1968، يصوغ “لبنان الاشتراكي” بعربية صريحة رأياً كانت نصوص سابقة لا تجاوز أن تشي به من قريب أو من بعيد: وهو أن النظام الاجتماعي السياسي القائم في لبنان، إذا هو قُرِن بالمعطيات الأساسية المتعلّقة باقتصاد البلاد وبدور القطاع الخارجي منه وأهميّته، على الخصوص، يستبعد أفق الثورة الاجتماعية في هذه البلاد طالما بقيت غلبة الاشتراكية على مقاليد السلطة في المحيط العربي غير متحقّقة. بعد أن يدلي الكاتب بهذا الاعتراف، يستعجل القول بوجود مهمّاتِ تنظيمٍ ديمقراطي للنضال يمكن اقتراحها ومهمّاتِ “توعيةٍ” للجماهير: يملي ذلك كلّه أن الحزب الشيوعي (ومن سواه يُلام؟) لا يستنفد إمكانات العمل المتاحة ليسارٍ خليق بهذا الاسم. في هذا السياق الذي بدا فيه ثوريو التنظيم محرومين من إمكان القيام بثورتهم، كان المشروع أقرب إلى استمداد شرعيته من إسهامه في إدراج القائمين به في أوساطٍ كان حضورهم فيها موضع اعتراض وكان موقعهم فيها موضع جدل منه إلى استمدادها من دورٍ سياسي موضوعي يُدعى هؤلاء إلى الاضطلاع به. على الصعيد المباشر، كان الانتماء إلى هذه المجموعة المقيمة على جفاءٍ لكلّ أنواع السلطة الماثلة حولها والمعادية من أعماقها للتسويات – بالرغم من الزعم المخالف في النصوص – يبدو أقرب شيء إلى الثأر من الاستلاب الذي كانت تفرضه على الأعضاء أنشطتهم المهنية (بما هم مدرّسون أو صحافيون) من أمور مخالفة لتوجّهاتهم العقلية والخلقية. وعلى مستوى أعمق، كانت المجموعة تشكّل ردّاً موائماً لقابليات الأعضاء على النَبْذ الذي كانوا يجدون أنفسهم غرضاً له من جانب مدينة هي بيروت بقيت بِناها المولّدة للسلطة مغلقةً إغلاقاً محكماً في وجوههم. في وجه هذه المدينة، رَفَعت المجموعة رمزيّاً سبّابة الماركسية الثورية المتوعّدة. وهو ما كان يتيح لهؤلاء المثقّفين أن يجبهوا رفض المدينة المعاندة لا بموقف الاستعطاف لا ولا بموقف الإغراء أيضاً بل بما هو خلاف ذلك اي بنظرةٍ ملؤها الازدراء لأسلوب الحياة الذي تعرضه ولنمط أدائها لوظائفها ولجداول قيمها. ذاك هو ما سبق أن سمّيناه مشروع “تحرير الذات” منظوراً إليه في مرآة العلاقة بالمدينة.

على أن هذا الموقف النافر لم يكن له أن يصمد لولا دفعة صغار السنّ الذين كانوا يعْمُرون الحلقات تحت أنظار الحفنة الودودة من أركان المجموعة. كانت الغالبية العظمى من الرفاق الفتيان تلفت برتابة موائلها: فجمهرتهم كانت، وقد أشرنا إلى ذلك، من شيعة الجنوب. وكان دورهم في التنظيم متعدّد الوجوه. فقد كان عليهم أن يعدّوا أنفسهم باستيعاب ما كان يظهر في النشرة من تحليل، يضاف إلى ذلك بعض الأمّهات من أعمال ماركس ولينين خصوصاً. وكان عليهم أيضاً أن يكسبوا عناصر جديدة. وفي هذا السياق الأخير، كان دورهم يُقتصر، إجمالاً، على تمهيد السبل ثم على تأمين انعقاد الصلة بين العنصر “الاتّصال” والمسؤول عن الحلقة. أخيراً، كان على الرفاق التدخّل، على قدر المستطاع، في الأعمال النضالية، الحاصلة أو المحتملة، التي كان يمكن أن يشهدها الوسط الذي يعملون فيه أو الحيّ الذي يقيمون فيه. كان يُطلب إليهم، بطبيعة الحال، أن يتعهدوا علاقاتهم، في هذا النطاق، ليزيدوا من تأثيرهم في مجرى العمل في اتّجاه تسييس النضال وتحسين تنظيمه، بالتالي، والوصول بالمعنيّين إلى مستوىً من الوعي أرفع. وعلى الإجمال، كان عمل الإعداد السياسي هو اللون الغالب بين ألوان هذه اللوحة.

والواقع أن هذه الوجوه الظاهرة لعمل الحلقة لم تكن تستنفد وظيفة هذه الأخيرة. فقد كان لهذه الوظيفة أيضاً وجه ذاتيّ مزدوج. فمن جهة المنتسبين الفتيان، كان الانتماء إلى المجموعة يتيح، فضلاً عن الشعور بنوع من المرجعية في وسطهم المباشر، اقتناعاً بالإسهام في مشروعٍ موعود، عَبْر مخاطرَ مفروضةٍ وتضحياتٍ لا بدّ منها، بمستقبلٍ عظيم، ويضع المشتركين فيه من اليوم في وضع انتماءٍ رمزي إلى جميع تلك الدوائر التي كان يُصْنع فيها مستقبلٌ مجيد للعالم. وكان لزوم السرّية التي اعتُبِرت فرضاً ولو ان الطعن في الفائدة العملية منها بقي ممكناً، يسهم في إدامة هذه القناعة. ومن جهة النَواة القيادية، كانت الحلقات لازمةً، بلا ريب، لإيجاد ركيزة للمشروع وإثبات جدّيته. كانت هي مواقعَ اختبار الخطّ المقترح وتركيز النفوذ المفترض للأفكار المقدّمة. وكانت هي، على الأخصّ، مساحةَ التماسّ ما بين التنظيم و”الجماهير”، وهو تماسّ ندر أن حصل ولكنه بقي مأمولاً. بهذه المثابة، كانت الحلقات تجنّب منتجي التحليل والتوجيه في المجموعة مغبّة الشعور بأن كلامهم كان يتبدّد في الهواء. وأما السؤال عمّا إذا كانت النتائج المحصّلة موعودةً بأن تصبح، ذات يوم، ذات قرابة بطموح الأهداف فكان سؤالاً لا يتعذّر إرجاؤه أو الإعراض عنه.

… إلى أن جاءت هزيمة 1967 فأدخلت بالتدريج تحدّياتٍ جديدة إلى عالم المجموعة. وهو عالم كان، حتى ذلك الحين، هادئاً وكانت إدارته سهلةً نسبياً. سرعان ما تحوّلت الثانويات الرسمية والجامعات إلى بؤر للنشاط “القومي”. ومنذ الأشهر الأولى من سنة 1968، أعلن “لبنان الاشتراكي” تأييده الكفاح المسلّح الذي بدأت المنظّمات الفلسطينية تخوضه عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية. بعد ذلك بأشهر، نَقَع على مقالةٍ في النشرة تندّد بانكفاء المتظاهرين المؤيّدين للعمل الفلسطيني استجابةً لمزايدة لفظية من جهة رئيس الحكومة. وكان النشاط الفلسطيني قد أثار، في حينه، صداماتٍ بقيت محدودة بين المنظّمات والجيش. ولكن مسألة الدعم المحسوس للعمل الفلسطيني المسلح تضاعف إلحاحها ابتداءً من النصف الثاني من العالم 1968 وذلك عندما راح الفدائيون ينتشرون نحو الغرب متخطّين منطقة العرقوب القريبة من الحدود السورية وكانوا قد حصروا تمركزهم فيها إلى ذلك الحين. إذ ذاك راحت التظاهرات المؤيّدة للفلسطينيين ترفع شعارات من قبيل تسليح الأهالي في الجنوب وتحصين القرى وإنشاء الملاجئ وإقرار الخدمة العسكرية الإلزامية… وقد بدا “لبنان الاشتراكي” قليل الحماسة لهذه المطالب التي لاحظ أنها تتوجّه إلى الحكومة. ولمّا كان التوجّه إلى الشعب هو المطلوب فقد أطلقت المجموعة فكرةً بديلة هي فكرة “اللجان الشعبية” المساندة للعمل الفلسطيني. وكانت مهمّة هذه اللجان أن تساعد الفدائيين فتؤمّن لهم الحماية والمخابئ للسلاح والمعلومات، إلخ. وكان إنشاء التحصينات والملاجئ انطلاقاً من هذه الصيغة للعلاقات بين الأهالي والمنظمات الفلسطينية والمناضلين اللبنانيين المؤيدين للكفاح الفلسطيني يصبح، بطبيعة الحال، موضوعاً لتقويم إيجابي. ولمّا كان عديد العناصر المنتمين إلى المجموعة قليلاً جدّاً في المنطقة الحدودية (أربعة عناصر أو خمسة، في أرجح الظن) وبالنظر أيضاً إلى الصعوبات الناجمة من طبيعة المهمّة المطروحة، فإن جهود المجموعة، في هذا المضمار، كانت قد أفضت بعد سنة من الزمن إلى نتائج زهيدة. هذا مع أن الرفاق لم يكونوا ادّخروا جهداً وكانوا قد أنشأوا صلات منتظمة مع ممثّلين للمنظمات الفلسطينية ومع مناضلين في تشكيلات لبنانية أخرى. والحقّ أن تحليل المجموعة للوضع القائم حينذاك في الجنوب الحدودي كان قد أدرك المشكل الأساسي فيه: وهو أن نشاط الفدائيين سيجرّ أعمالاً انتقامية إسرائيلية تثير نقمة الأهالي على الفدائيين. ولم تكن علامات التعاطف التي أبداها اللبنانيون الحدوديون حيال المقاتلين الفلسطينيين حائلةً دون هذا التطوّر قطعاً. لم تكن الصيغة المركّزة على “اللجان الشعبية”، وقد صدرت من جانب مثقّفين كان لأكثرهم أهلٌ في الجنوب، إلا مسكّناً. كان هؤلاء المثقفون الذين اكتشفوا “المجتمعات” غداة انفصال الوحدة المصرية السورية يضحّون الآن بواحدٍ من هذه المجتمعات. ولم يكن هذا المجتمع غير مجتمعهم هم الذي كانوا قد جهدوا لتدريب أنفسهم على الإصغاء إليه. صحيحٌ أنهم لم يكونوا يقدرون العامل الطائفي حقّ قدره فلم يتنبّؤوا صراحةً بصَدْعٍ يساير الخطّ التقليدي. ولكن كان يسعهم مذ ذاك أن يتبيّنوا تنامي المشاعر المعادية للفلسطينيين ومعها التفافٌ حول الجيش في سعيه إلى الحؤول دون توسّع الانتشار الفدائي. لم يكن هذا الالتفاف إجماعياً ولكن الصَدْع بدأ يرتسم على نحو مخالفٍ للترسيمة الطبقية المشتهاة إذ كان الأشدّ فقراً هم الأكثر تعرّضاً للخطر وهم الأشدّ عداءً، بالتالي، للقضية “العادلة”. في هذا السياق، وسع “لبنان الاشتراكي” أن يحذو حذو غيره فيلوك الكلام المتعلّق بـ”العداء للإمبريالية” بما هو عداءٌ مشترك بين الشعبين اللبناني والفلسطيني والكلام المتعلّق بإسرائيل بما هي “رأس الجسر” للإمبريالية… كان “التحليل الملموس للواقع الملموس”، وهو الذي أوصى به لينين وكان التنظيم بالِغَ التعلّق به، يشير إلى ضعف الطاقة التعبوية التي كان ينطوي عليها، في حبكة الظروف القائمة فعلاً، هذا الاشتراك في قضية واحدة.

والواقع أن التنظيم كان قد عُني بتخليص خيوط الدور الفلسطيني من خيوط الدور اللبناني في الميدان. كان يوصي بدعم العمل الفلسطيني المسلّح ولكنه كان يلازم القول بوجود أهداف للّبنانيين تخصّهم وحدهم وعليهم أن يسعوا إليها وليس عليهم أن ينخرطوا في النضال المسلّح. وفي نطاق البلاد العربية، كانت المهمّة التي رآها ” لبنان الاشتراكي” سابقةً للجوء إلى العنف الثوري هي مهمّة “بناء الحزب الثوري”. كان الاعتراف قائماً بضرورة اللجوء إلى العنف في نهاية المطاف. ولكن بدا أن حلول هذه الضرورة، في ما يتّصل بلبنان، مرجأٌ إلى أجل غير مسمّى وأن ظهور السلاح الفلسطيني ليس بالعامل الكافي لإدراجها في جدول الأعمال.

حسّياً كانت المجموعة في مأزق. فإن التطوّرات السياسية التي نشأت من تمدّد الحضور الفلسطيني في المنطقة الحدودية وكذلك في مخيمات اللاجئين وفي محيطها المديني ومعها تسارع عملّيات المقاومة وما كان يتبعها من ضربات إسرائيلية كانت تنشئ كلّها في البلاد مناخاً مختلفاً عن مناخ أواسط الستينات، وهو المناخ الذي كانت تكفي فيه حركة إضرابية يمكن وصفها بالمحدودة لتُمثّل تغييراً في وضع الخَدَر الاجتماعي والسياسي الذي ميّز السنوات الأخيرة من عهد فؤاد شهاب. وأما الآن فأخذ يسيطر على البلاد بالتدريج نوع من الاستعجال الذي راح يمثّل امتحاناً عسيراً لـ”أسلوب العيش” الذي اعتمده “لبنان الاشتراكي” وكان يقوم على تدبيج التحليلات وتنشئة الشبّان المناضلين والمبادرات الضئيلة النطاق في بعض المدارس أو الكليات أو الأحياء. كان ذلك كلّه يتسبب في شعورٍ منهِكٍ بضيق الأنفاس وبالإخفاق في التكيّف بحبكة ظروفٍ اتّسمت بتسارع التاريخ.

كان “تحرير الذات” الذي أتاح الشعور به صوغُ خطٍّ يزعم لنفسه الصحة والنقدُ المتعجرف للحزب الشيوعي ولغيره من نسل “البرجوازية الوطنية” و”الطريق السلمي إلى الاشتراكية”، فضلاً عن التوصية باتّخاذ أهداف ذات مردود سياسي وأساليب في النضال والتنظيم ذات مفاعيل تربوية محرّرة… كان هذا كلّه ينقلب الآن إلى شعور بالعجز وبالافتقار إلى الكفاءة للتأثير في مجرى الأحداث الحاسمة التي كانت تتوالى. عاد نشاط المجموعة غير قادرٍ على الاستواء ترياقاً للاستلاب المتمثّل في المزاولة اليومية للمهنة. باتَ هذا  النشاط أقربَ إلى أن يكون مصدراً لوعيٍ شقيّ. كانت النفوس تَثْقُل لمرأى التنظيم في عزلته وفي شبه الشلل الذي حَكَم عليه به لزومه لأسلوبه في العيش.

وما تشي به على الخصوص مطالعة التقارير الواردة من “الرفاق” في الجنوب والتحليلات المكرّسة للعلاقات اللبنانية الفلسطينية أن التنظيم كان عاجزاً عملياً عن الدخول في تحالف. فالواقع أنه كان – على ماسبقت الإشارة إليه – يشكو نفوراً غريزياً من التسويات، وهذا على الرغم من تصريحات تفيد غير ذلك. ولسوف يتبين أن هذا النفور طويل النفس. ففي سنة 1970، أجرى “لبنان الاشتراكي” اندماجاً مع الجناح اليساري من حركة القوميين العرب اللبنانية. كان عديد هذا التشكيل يبلغ خمسة أمثال “لبنان الاشتراكي” (الذي كان عدد أعضائه يراوح حول الخمسين) أو يبلغ ستة أمثاله. وكان التشكيل المذكور قد اعتمد أطروحات بلغت من القرب من أطروحات “لبنان الاشتراكي” مبلغاً جعل القول بالانتحال غير بعيد عن الصواب. وكان قد أطلق على نفسه اسم “منظّمة الاشتراكيين اللبنانيين”. ولقد أُبْرم الاندماج في “مؤتمرٍ” انعقد في نيسان 1971 بعد شهور من الإعداد ومن التحرير المشترك لأسبوعية “الحرّية”. هذه الأسبوعية، وهي الناطقة التاريخية باسم “حركة القوميين العرب”، كانت قد أصبحت إذ ذاك تحت تصرّف “منظمة الاشتراكيين اللبنانيين” وكان لها وضع قانوني تامّ الشرعية وجمهرةُ قرّاءٍ بقيت متواضعة ولكنها كانت أكبرَ بكثيرٍ من الجمهور الذي كانت تصل إليه نشرة “لبنان الاشتراكي” السرّية. عليه مثّلت “الحرّية” إغراءً معتبراً لمثقّفي “لبنان الاشتراكي”. ومن المؤتمر وُلدت “منظمة العمل الشيوعي في لبنان”. ولم يلبث التغيير في المناخ وفي المهمّات الذي أملاه حجم المنظّمة الجديدة ومعه اختلاف الأوّليات بين مناضلي المجموعتين واختلاف تصوّر العمل السياسي بين الأُطُر الذين أصبحوا يعملون معاً في الهيئات القيادية للمنظمة الجديدة أن أخذت تُبرز الطابع الوهمي للاندماج. هكذا راحت “منظمة العمل الشيوعي” تنتقل من أزمة إلى أزمة (وهو ما لم يحُلْ دون تضخّم صفوفها وقدرتها على التعبئة) إلى أن أدركها الانشقاق، في ربيع سنة 1973، إلى شطرين شبه متساويين من حيث الحجم. وكان عديدها يبلغ، في ذلك الوقت، نحواً من 700 عضو. وكانت إحدى الكتلتين تضمّ جميع العناصر القادمة من “لبنان الاشتراكي” على وجه التقريب، أو، على الأصحّ، من لم يكن قد ذهب بهم انشقاقٌ سابق تبع المؤتمر عن كثب. وفي غضون سنة تقريباً، انتهى هذا الجناح الذي كان قد أفصح أخيراً عن اعتماده الماوية، إلى الخروج من حيّز الوجود. وأما الجناح الآخر فصمد وقيّض له الانخراط في الحرب الأهلية. ومن حيث نحن اليوم، يسَعُنا القولُ إن “لبنان الاشتراكي”، بعد أن ضَجِر من الإقامة في المَأْزِق الذي حَبَسَه فيه تصوّرُه الطَموحُ لنفسه، قد أقدَمَ على الانتحار، حوالي سنة 1970، بإلقاء نفسه في ما سمّي لاحقاً “منظّمة العمل الشيوعي”.

 

المصادر

إشتراكيون لبنانيّون: العمل الاشتراكي وتناقضات الوضع اللبناني، دار الطليعة، بيروت 1969.

وضّاح شرارة: “الرفاق”، في: استئناف البدء، دار الحداثة، بيروت 1981.

فوّاز طرابلسي: صورة الفتى بالأحمر، منشورات رياض الريّس، لندن – بيروت 1997.

لبنان الاشتراكي: مجموعة شبه كاملة لأعداد نشرة لبنان الاشتراكي ومعها نشرات ووثائق أخرى أصدرها هذا التنظيم بين عامي 1964 و 1970. مجموعة في مجلّدين، محفوظات أحمد بيضون.

Fadi A. Bardawil: When All this Revolution Melts into Air: The Disenchantment of Levantine Marxist Intellectuals, Submitted in partial fulfillment of the Requirements for the degree of Doctor of Philosophy in the Graduate School of Arts and Sciences, Columbia University 2010.

 

Agnès Favier: Logiques de l’Engagement et Modes de Contestation au Liban (Genèse et Éclatement d’une Génération de Militants Intellectuels), Thèse, ss. dir. d’Yves Schmeil, Université de Paul Cézanne, Aix-Marseille 3, 2004.

 

 

 

[1]  ورقة قدّمت في ندوة بعنوان “أجيالٌ عربية” نظّمتها مؤسسة هوغو التابعة للكوليج دو فرانس وكرسي التاريخ المعاصر للعالم العربي في الكوليج دو فرانس ومؤسسة مولاي هشام العلوي وذلك في باريس، في حزيران 2012.

نازك سابا يارد عن “دفتر الفسبكة”

أحمد بيضون ساخراً بلغة فايسبوكية
نازك سابا يارد
الأحد ٢٢ ديسمبر٢٠١٣، جريدة الحياة

من تعوّد على قراءة أبحاث أحمد بيضون الجدية، الموضوعية، العميقة إلى أقصى الحدود، إن في السياسة أو المجتمع أو اللغة، في كتبه مثل «ما علمتم وذقتم»، «كلمن»، «الجمهورية المتقطعة» أو «لبنان: الإصلاح المردود والخراب المنشود» وغيرها وغيرها، يرى في «دفتر الفسبكة» وجهاً آخر لأحمد بيضون، لا يقلّ عن وجهه المعهود عمقاً، إلا أنه ممهور هذه المرّة بفكاهة وخفة روح، ولو امتزجتا بما عهدنا من فكر جدي رصين.

ككل باحث جدي يستهلّ كتابه بإظهار أهمية الموضوع الذي يتناوله: فبالفايسبوك نتعرّف إلى نواح كثيرة من شخصية الفايسبوكي، ويكون الفايسبوك بمثابة إذاعة شخصية، فضلاً عن أنه يكسر عزلة الإنسان ويزيد من ثقته بنفسه، أو العكس، لأنه يكوّن جماعات حول قضية معيّنة يدور السجال بينهم على مواقعه، فيتجلى من خلالها مدى نفوذ كل منهم.

نرى خفة الروح أول ما نرى في العنوان: «دفتر الفسبكة»، وكثيراً ما سُئلت عن المقصود بهذه اللفظة الغريبة حين ذكرت الكتاب. فإن دلّت على شيء فعلى تمكن الكاتب من التصرف بألفاظ اللغة التي يتقنها خير إتقان، من اشتقاق أو ابتكار أو صهر ألفاظ أجنبية بلفظة عربية، فيبتكر كلمات جديدة تفي بغرضه. وها نحن هنا الآن أمام «الفايسبوك» وما اشتقّ بيضون من اللفظة بعد تحويلها إلى كلمة «عربية».

من هذا القبيل اشتقاقه «الفسبكة» أو «الفايسبوكي» و «الفرند» أو «الصاحب» التي وجدها أنسب من «صديق» التي لا تكون في وضعها هنا. كذلك يستخدم المصطلح الإنكليزي محوّلاً إياه إلى لفظة عربية، مثل «يسيّف» و «يدلّت» و «تشات» و «المسدجات» ((save,delete,chat, messages. ولكنه بتمكنه من اللغة يقترح أحياناً لفظة عربية لترجمة اللفظة الإنكليزية. مثلاً، بدلاً من «ملاحظة» و «ملاحظات» المستخدمة يقترح «فائدة»، «فوائد»، أو «نبذة»، «نُبذ» لترجمة note, notes (ص192). ولا نرى براعته اللغوية في هذا وحده، ففي أحد «مسدجاته» يحاكي أسلوب بديع الزمان الهمذاني في مقاماته ناطقاً باسم راويته عيسى بن هشام فيستخدم «ابو الفتح الفايسبوكي»، راوية أحمد بيضون، أسلوب الهمذاني المسجّع عينه في حواره. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، لا يكتفي الكاتب بمحاكاة الهمذاني، وإنما يضمن «مسدجاته» إشارات كثيرة إلى التاريخ القديم (ص95-96، مثلاً) والأدب الأجنبي، ولا سيما العربي (ص102،110،111،127،147) وقد يحلله (ص149) أو ينقده كنقده نقداً عروضياً بيتاً من أبيات دالية أبي العلاء المعري (ص113-115) أو تحليله بعض ابيات السياب في رائعته «أنشودة المطر» (ص149-150).

غير أن بعض «مسدجاته» يتعلّق بقضايا شخصية كحزنه على غياب أستاذه المستشرق الكبير دومينيك شوفالييه الذي آلمه ألا يكون قد ذكره أحد من طلابه الذين كان له عليهم فضل كبير؛ ولا تغيب عنه ذكرى اغتيال المفكر الحر سمير قصير، أو صديقه القديم نصير الأسعد وفراقه، أو ألمه وإعجابه بوسام الحسن الذي اغتيل نتيجة شجاعته وصدقه في قيامه بواجبه بفضح العملاء.

من هذا يتضح أن الكاتب لا يفصل تأملاته ومواقفه الشخصية عما يحيط به. تعبّر مراسلاته، في ما تعبّر، عن انتقاده الانحطاط الثقافي في العالم العربي. تعليقاً على «تطيير» رأس كل من الأديبين الأعميين، أبي العلاء في المعرّة وطه حسين في المنيا، يقول: «في وحدة حالهما اليوم إشارة إلى وحدة الحال المستشرية بين المحيط والخليج… العمى الآخذ في التوسع… لا يقوى على تحمّل هذين البصيرين… لا يقوى على تحمّل من كان أعمى البصر، في حالتيهما، سخرية حارقة من عمى البصائر المنتشر». (ص163) وهو يرى أن من اسباب ذلك أن لا حرية للبحث الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي أو غيره في مجتمعاتنا (ص22).

وفي التفاته إلى مجتمعاتنا يثيره وضع المرأة المشين فيها، فمن خلال مقارنته بين صورتين التقطتا لفتاتين يفرق بينهما نصف قرن، يعرض بيضون للتغيير الذي طرأ على وضع المرأة التي ساهمت دعوة قاسم أمين في تحريرها، ووضعها اليوم «حيث يقضم النقاب بعض ما كان الحجاب استردّه، في العقود الماضية القريبة، من «أراضٍ» في «قارة النساء» كان السفور قد انتزعها قبل ذلك». وهنا لا يكتفي بهذا التعليق، فهو عبر مقارنته بين الصورتين يحلّل تحليلاً دقيقاً ممتعاً التعابير على وجه كل من المرأتين ودلالتها والمشاعر التي يستشفها منهما. (45-46)، وفي التفاته إلى قضية المرأة ينتقد انتقاداً شديداً النواب ورجال الدين الذين رفضوا تجريم الاغتصاب الزوجي (ص47-51). وليس هذا مأخذ الكاتب الوحيد على السياسة ورجالها في لبنان وعلى رجال الدين. يعرض مفصلاً لإفلاس السياسة في لبنان وأسباب ذلك (ص117-119 )، ولانعدام الروح الديموقراطية انعداماً تاماً، فكل من يخالف الآخر في الرأي يُلجأ إلى اغتياله. ومن أهم مآخذه على إفلاس السياسة في لبنان سيادة الفساد و «اندثار دولة القانون… وفقدان الاستقلال الوطني باستتباع مكوّنات الدولة لقوى الخارج» (ص132) من ايران إلى سورية فالسعودية وأميركا… إلخ. ولا يوفّر انتقاده اللاذع أياً من السياسيين، أياّ كان التيار او الحزب الذي ينتمون إليه. ففي سخرية فكهة من تعاون عون و «حزب الله» يقول: «بعد هذه العشرة الطويلة للشيعة، من يجرؤ على الاعتقاد أن العِماد الرئيس لا يسعى إلى توريث «شعب لبنان العظيم» لصهره الإمام باسيل؟» (ص142) وكأن تحالف عون مع «حزب الله» كان ليضمن لنفسه، أو لصهره، رئاسة الجمهورية حين تنتهي مدة الرئيس الحالي.

وفي صفحات كثيرة يهاجم الطائفية والتعصب والتطرّف والدعاة المزعومين الذين يغلطون في النحو والصرف وفي القرآن والحديث… وقد يكون أكثر ما أثار سخرية الكاتب قانون «مضاجعة الوداع» الذي يراد طرحه على مجلس النواب المصري، قانون يجيز للزوج ان يضاجع زوجته الميتة في غضون ست ساعات بعد وفاتها…

أما في ما يتعلّق بالأحزاب الدينية/السياسية، فينتقد بيضون «حزب الله» لتدخله في حرب سورية، وينتقد أيضاً في صفحات كثيرة، غيره من أنصار النظام السوري، بمقدار انتقاده معارضي ذلك النظام. وأكثر ما ينتقده عند الإثنين الهمجية. همجية النظام افقدته مسوّغ وجوده، وهمجية الثورة تفقدها تفوّقها الأخلاقي والتأييد العالمي، مما يجعلها في نهاية الأمر بحاجة إلى وصي دولي (ص68-69). وليس انتقاده السياسي موجهاً إلى هؤلاء وحدهم، وإنما إلى إسرائيل (طبعاً) وأميركا (أيضاً طبعاً) والفلسطينيين الذين أدّى انشقاقهم وتناحرهم إلى ازدياد تمكّن اسرائيل منهم.

ولكن ليس هذا وحده ما يعطي كتاب بيضون أهميته، فقيمته الفريدة تكمن في فكاهة وسخرية تمهران كل صفحة من صفحات الكتاب، كقوله إنّ نداء «يا حاج» حلّ في السنوات الأخيرة في الأوساط الشيعية محلّ «يا سيّد» حتى لا يبقى غير «سيّد» أوحد، ومحل «يا أستاذ» حتى لا يبقى على وجه البسيطة من أستاذ غير «الإستيذ» (ص57). وتعليقاً على الإشارة إلى «الاتحاد السوفياتي السابق» يسأل: «ليش عيّنوا واحد محلو؟» (ص58)، وفي سخريته من وزير الطاقة جبران باسيل سمّى المولد الذي اشتراه «باسيل» فيقول «أسعد لحظاتي في هذين اليومين حين تنادي عزة (زوجته) من بعيد: «يا أحمد! إطفي باسيل!» (ص99). وفي «أشقاء» لبنان يقول: «على كثرة من نكحوا أم بلادنا، لا نجد لنا إخوة غير أشقاء. كلهم «أشقاء»… «وكلهم عارف مصالحه أحسن المعرفة، ولبنان بينهم القاصر الدائم» (ص139). سخرية ممزوجة بمرارة وألم عميقين.

كتاب أحمد بيضون «دفتر الفسبكة» ممتع بمضمونه، بأسلوبه، بفكاهته، وبسخريته المضحكة حيناً، إلا أنها لا تخفي مرارة الكاتب وألمه في معظم الأحيان.

آخر تحديث:
السبت ٢١ ديسمبر ٢٠١٣

Le Style de Ghassan Tueni

 

Un Style

 

Ahmad Beydoun

 

 

Ghassan Tuéni se plaignait parfois d’avoir été empêché par son métier de journaliste de poursuivre la carrière de chercheur ou de ‘penseur’ à plein temps à laquelle semblait le promettre sa formation académique: c’est-à-dire d’avoir le loisir de s’arracher au quotidien pour produire des ouvrages de longue haleine. Ce regret semble l’avoir obsédé assez pour le pousser à de nombreuses reprises à contourner son activité éditoriale ou à la déserter carrément pendant des périodes plus ou moins longues afin de rapporter au bout de cet éloignement, parfois physique, de son journal un livre ‘proprement dit’… un livre qui serait autre chose ou, pourrait-on dire, plus qu’un recueil d’éditoriaux.

En définitive, Tuéni a pu s’essayer à plus d’un genre situé entre les deux extrêmités de l’éditorial rédigé d’un trait et de l’ouvrage considérable, robustement construit et dûment documenté. Nous lui devons, surtout, une importante somme de conférences dont plusieurs ont été réunies en volume et d’autres éditées en fascicule. On connaissait déjà sa maîtrise remarquable de l’entretien télévisé, lorsque parut Sirr al-Mihna wa Asrâr ukhra : un vrai chef d’œuvre autobiographique revêtant la forme de dialogue où Tuéni répond aux questions de ses interlocuteurs, relatives surtout à sa carrière de journaliste mais aussi à ses aventures d’homme politique et de diplomate et à son parcours d’individu privé aux scansions si souvent tragiques. Tuéni devait récidiver, près d’une décennie plus tard, en participant à un autre ouvrage, dialogué, lui aussi, mais bien différent du précédent. Il s’agit d’Un Siècle pour Rien qu’il signa avec Jean Lacouture et Gérard D. Khoury. Le dialogue y prend la forme, non pas de questions et de réponses, mais de séries d’interventions où les partenaires se relaient pour analyser un thème ou couvrir une période. Enterrer la Haine et la Violence dont la forme dialoguée reste discrète appartient pleinement au genre autobiographique et clôt peu de temps avant le silence de la dernière étape, cette série d’ouvrages de Tuéni où la présence d’une – ou de plus d’une – autre voix met en relief le discours de Tuéni.

À la panoplie des genres fréquentés par Tuéni, nous devons ajouter la littérature épistolaire. Les Rasâ’il ilâ al-Ra’îs Elias Sarkis, pièces tirées de la correspondance diplomatique entretenue par l’auteur pendant les années où il a représenté le Liban à l’ONU, ne constituent peut-être  que le sommet d’un iceberg promis, peut-on espérer, à une progressive émergence posthume. Enfin, l’œuvre de Tuéni, certes dominée par sa production de journaliste, compte au moins un titre appartenant de plein droit à la catégorie du livre de longue haleine : genre auquel Tuéni regrettait – nous l’avons signalé – de ne pas avoir pu dévouer la part la plus considérable de sa carrière d’auteur. Il s’agit d’Une Guerre pour les Autres qui, tablant, par-delà sa forme revendiquée de ‘témoignage, sur une puissante documentation largement exclusive, couvre la première moitié de la guerre du Liban et reste aujourd’hui encore, l’un des ouvrages qui font autorité sur cette guerre mais aussi le livre dont la ‘thèse’ centrale, très sommairement suggérée par un titre souvent mal compris, demeure au cœur de toutes les discussions, polémiques ou raisonnées, sur la ‘nature’ de la guerre analysée.

 

*

 

Cette variété de genres pratiqués correspond-t-elle, chez Tuéni, à une maîtrise égale des styles, forcément divers, qui lui sont attachés ? Une réponse réfléchie à cette question exigerait une analyse stylistique successive d’échantillons plus ou moins représentatifs de la diversité d’une œuvre trilingue, au surplus. Elle exigerait aussi une recherche des modes d’expression de la personnalité tuénienne qui, engagée dans une dynamique aux étapes souvent tourmentées, n’en garde pas moins une évidente unité fondamentale. Les limites de cet essai – celles de notre compétence également, sans doute – nous interdisent pareille aventure. Nous nous contenterons donc d’un examen assez sommaire du style de Ghassan Tuéni tel qu’il se trouve incarné dans l’art qu’il a pratiqué tout au long d’une carrière de plus de 60 ans : celui de l’éditorial. Examen est même un mot trop prétentieux pour les dimensions de notre entreprise. Il s’agit, en effet, de plusieurs milliers d’articles aux sujets si variés qu’ils résisteraient à tout effort de classification. Force nous est, par conséquent, d’avouer qu’il s’agira de notre part d’une série de remarques plus ou moins éparses basée sur l’examen d’un échantillon d’articles bien limité autant en  nombre de spécimens que dans la durée de leur production.

Nous avons eu l’occasion ailleurs de signaler l’étonnement que le lecteur d’aujourd’hui ne manque pas d’éprouver devant la qualité des articles du jeune Tuéni qui, à l’âge de 22 ou de 23 ans, publie déjà dans al-Nahar des éditoriaux qui laissent croire à une expérience prolongée du genre. Cependant, ce constat, s’il vaut pour la cohérence des exposés et la force de l’impact, ne signifie pas que le style est déjà celui, unique, que l’auteur n’acquerra, en fait, que progressivement. Afin d’étayer nos remarques, nous tablerons, principalement mais non exclusivement, sur un choix d’articles appartenant aux années 1980, c’est-à-dire à une période de grande maturité littéraire de l’auteur mais, aussi, de crise politique générale pour le Liban : crise qui, bien naturellement, accaparait l’attention de Tuéni.

 

*

 

En règle générale, Tuéni déploie son discours en trois temps. D’abord, il accumule les indications qui soulignent, contre toute prétention contraire, la ‘vraie’ nature du problème, mettant en relief ses dimensions ou son degré de gravité ; le cas échéant, il énumère les éventuels dangers d’une mesure envisagée tout en dénonçant les velléités de déni qu’il repère ou suspecte dans le camp opposé. En un deuxième temps, il prescrit une orientation de l’action ou, s’il y a lieu, une solution qu’il peut formuler, au besoin, en une série de mesures numérotées. Enfin, il met en garde contre toute tergiversation des responsables en faisant miroiter devant leurs yeux les conséquences de leur éventuelle pusillanimité et le jugement qu’une attitude passive ou négative dont ils se rendraient coupables mériteraient de la part de l’Autorité supérieure compétente (le Peuple, l’Histoire, etc.).

Le mode oratoire le plus emprunté par notre auteur est celui de l’admonestation. Son ‘ton’ est le plus souvent franchement ou implicitement critique, offensif même et railleur au besoin. On le voit rarement ‘envoyer des roses’ et quand il se décide à le faire, l’éloge est toujours discret et tient en  peu de place. La mention même du nom d’un responsable semble calculée, prenant même une allure de faveur particulière accordée à la personne concernée ou d’hommage rendu à son action. La neutralité du ton est également rare. En général, Tuéni n’adopte le mode narratif que lorsqu’il paraît estimer que son discours est sans prise sur les acteurs de son récit, ces derniers étant, par exemple, des personnages historiques ou des hommes politiques étrangers. Le passage aux propositions pratiques peut également occasionner de la part de l’éditorialiste un délaissement, du moins partiel, de sa cargaison de mots émotionnellement chargés et de tournures d’exception. La rareté relative des noms propres dans ses articles est l’un des indicateurs de l’altitude à laquelle le journaliste désire se placer. Elle lui permet également d’éviter des confrontations qui risqueraient d’abaisser ses combats au rang de chicaneries personnelles.

En effet, le souci le plus constant de notre éditorialiste est de rehausser le plan du débat, d’en anoblir les termes et les enjeux. Il repère, au-delà des urgences passagères et des questions de détail, ce qu’il estime être l’essentiel, la question de fond. S’il s’agit de ‘réunifier’ et de ‘libérer’ – déclare-t-il, par exemple – la méthode qu’il conviendrait d’adopter ne devrait pas être celle du ‘marchandage’ permanent mais bien la revitalisation du ‘Pacte’ et du ‘Pouvoir’. Et s’il s’agit de restaurer la démocratie – ajoute-t-il – elle devrait être ‘sociale’ aussi ; sinon les droits politiques se retrouveraient dépourvus de sens et de garanties.  Ailleurs, on le voit nous inviter à abandonner les intitulés traditionnels de portefeuilles ministériels pour faire de ceux-ci une nouvelle liste, sans doute plus courte, où figureraient des termes dénommant les principaux nœuds de problèmes effectifs dans lesquels le pays se débat : la sécurité, le territoire, l’économie, etc. En effet –  lit-on dans un article postérieur – les ministres sont censés représenter les ‘vrais problèmes’ bien plutôt que les forces politiques. Aussi l’auteur voudrait-il instaurer, pour ainsi dire, un rapport métonymique entre la dénomination des ministères et la liste des questions majeures posées au Liban en crise.

Dans la foulée de cette prédilection pour ‘le fond des choses’, Tuéni ne se privait pas de préconiser à tel sommet arabe une ligne de conduite ou une série de résolutions. Il pouvait s’attribuer une ‘place’ assez élevée pour jouer tout naturellement ce rôle de grand conseiller voire de directeur de conscience. En homme de terrain autant qu’en observateur chevronné, il prenait soin, d’autre part, d’expliquer aux Libanais ou, plus généralement, aux Arabes la logique des politiques internationales qui les concernaient. Il leur rappelait que leur ‘unité’ demeurait la condition indispensable d’une bonne réception de toute initiative internationale visant à favoriser le rétablissement de la paix chez eux ou leurs chances de faire valoir leurs droits.

Dans cette même problématique de la ‘place du locuteur’, on peut subsumer le constant souci de Tuéni d’user contre vents et marées, tout au long des années de guerre, de ce ‘Nous’ libanais contre lequel tout semblait, pourtant, comploter. Jamais notre éditorialiste n’a accepté de troquer, fût-ce momentanément, cette identité affichée contre une autre. Aux yeux de ce fervent grec-orthodoxe, si profondément engagé dans la vie communautaire, le ‘Nous’ chrétien rendu si proéminent, entre tous, par la polarisation des années de guerre, n’avait point d’attrait en tant que refuge politique offert. Bien conscient de la crise profonde où le ‘Nous’ libanais n’avait cessé de se débattre depuis des lustres, Tuéni lui attribuait, en l’endossant régulièrement, une sorte d’unité intuitive qui lui permettait d’en faire le sujet d’états ou d’actions bien souhaitables mais dont la réalité restait parfois à prouver. Le ‘vrai Liban’, le ‘Liban réel’, ‘le Liban des gens et du peuple’, ‘Nous’ les Libanais, surtout, avions – apparemment – marre des violences… voulions, par conséquent, en finir… alors que ‘les autres’ désiraient maintenir la ‘place’ embrasée qui servait si bien leurs desseins.

 

*

 

Sur un plan plus formel, des paragraphes courts, faits d’une, de 2 ou de 3 phrases chacun, définissent, pour ainsi dire, la macrostructure de l’article, en contribuant également à lui conférer ce rythme haletant et brisé si caractéristique du style de Tuéni et auquel d’autres facteurs que nous signalons plus loin viennent ajouter leurs souffles respectifs.

Le vocabulaire de Tuéni puise dans le registre courant de l’arabe moderne. Ni le langage commun ni la terminologie proprement politique n’affectent une allure recherchée ou trop spécialisée. Tuéni ne dédaigne même pas le recours aux mots du peuple pour accroître la dose de spontanéité d’un cri ou d’un avertissement (rizq Allah ‘alâ…, min ghayr charr !).  Néanmoins, aucune trace de vulgarité n’est repérable chez ce journaliste que nous savons si prompt à la critique. Bien au contraire, des usages d’un goût suspect, pourtant accrédités par beaucoup, font l’objet de la part de Tuéni, quand il se résout à les rappeler, d’une cinglante grimace de dégoût : par exemple, le mot ‘ifrâz’ (sécrétion) couramment employé pour désigner tel effet d’un processus politique. Les clins d’œil au vocabulaire coranique ou biblique ou encore à celui de tel poète arabe classique ne démentent jamais la clarté de la langue tuénienne. Ceci dit, Tuéni – nous l’avons indiqué – ne dédaigne pas les vocables mobilisateurs ou hauts en couleurs qui font au mieux son affaire d’éternel batailleur et de protestataire. Sa conscience bien rôdée des limites libanaises, et des siennes par conséquent, le préserve, toutefois, de tout élan démagogique.

En vérité, c’est dans les expressions, et non dans les mots, mais aussi dans la composition des phrases, qu’il faut chercher la source de cette impression de profonde originalité, de singularité même, que le style de Ghassan Tuéni fait à ses lecteurs. Quelques mariages inédits (mais non fortuits) de mots ordinaires (de substantifs et de qualificatifs, par exemple) lui suffisent, de par les perspectives de sens qu’ils entrouvrent, pour conférer un lustre exceptionnel à l’article entier. Ce lustre provient, en fait, non pas tant de l’originalité des combinaisons verbales en elles-mêmes, mais surtout de l’intrigue que chaque expression heureuse contient en germe et du message qui en fait une invitation à réfléchir.

Quoique inégalement longues (ce qui contribue à bannir toute monotonie du rythme du texte), les phrases de Tuéni le sont en règle générale. La plupart décrivent, chacune, un périple fort accidenté. C’est là un trait essentiel pour parfaire le mariage de la syntaxe avec le ton vivace, passablement oratoire même, et l’anxiété que reflète le contenu. Plusieurs procédés contribuent à produire cet effet sur le lecteur. L’un des plus fréquents, chez notre auteur, est le recours répété à la forme interrogative. Une question dénonce une idée reçue, une autre rappelle une évidence méconnue, etc. Souvent l’interrogation est déclenchée par un mot qui, soudain, arrête le cours de la phrase en appelant une vérification. On peut parler d’association d’idées ou de mots mais l’on devine aisément qu’elle n’a rien d’automatique. L’interrogation donne lieu à l’une de ces reparties qui, si nombreuses dans les textes de Tuéni, inculquent à son style une nervosité à laquelle ce dernier est reconnaissable. Y transparaît, en fait, l’impatience et l’anxiété de l’auteur, ses amertumes et ses accès de colère. Pour ce faire, la fréquence des questions est secondée par celle des propositions incidentes. Là aussi, c’est un mot qui, le plus souvent, introduit le besoin d’une nuance, d’une réserve ou d’une confirmation… Les incises contribuent, en tout cas, au halètement des phrases et des paragraphes en rendant possible la multiplication des reparties qui font avancer, à coups de brosse saccadés, l’émergence du tableau tuénien.

Quelques autres traits, d’inégale importance, caractéristiques de la syntaxe tuénienne rejoignent, quant à leur effet, ceux que nous venons de souligner et méritent, au moins, d’être signalés. Nous visons, par exemple, le traitement réservé à l’adjectif possessif qui devrait précéder un nom introduit par une conjonction. L’auteur s’abstient de le répéter, laissant implicite l’appartenance de ce nom dont la fonction grammaticale peut varier (yurîdûna istijlâbahu ilâ sumûdihim wa al-intizâr). D’où une impression de vide évité, de freinage au bord d’un gouffre, qui renforce considérablement la sensation provoquée par la phrase. On s’empêche mal de flairer là une allusion répétée au fameux couplet de l’hymne national libanais : Sahlunâ wa-l-jabal (…) qawlunâ wa-l-‘amal !…

Nous visons également ces chaînes de propositions ‘nominales’ (mubtada’ wa khabar) coordonnées ou, encore, de substantifs, flanqués chacun du qualificatif qui lui sied ou d’un complément du nom et reliés les uns aux autres par la conjonction ‘et’ : Tuéni les prolonge à souhait… jusqu’à  toucher parfois au pléonasme. Elles lui servent, le plus souvent, à marquer l’ampleur d’un problème, les dimensions multiples d’une situation. La remarquable abondance des qualificatifs et des compléments déterminatifs du nom marque l’urgence, pour l’auteur, d’affiner les contenus sémantiques qu’il propose ou de les étoffer. De son côté, la fréquence des propositions ‘nominales’, autrement dit attributives, contribue à l’entretien du ton plutôt péremptoire ou ‘définitif’ de Tuéni.

Dans d’autres suites, de verbes en l’occurrence, la relation causale domine de préférence : une action donne ou risque de donner lieu à une suivante : la conjonction ‘fa’ (al-fâ’ al-sababîya) se répète faisant ressortir, d’autant plus énergiquement, une détermination à rechercher ou à éviter. Les effets signalés ou présumés étant parfois des plus inattendus, le rythme devenu répétitif de la phrase, loin de provoquer une sensation de monotonie, conforte effectivement l’impression recherchée. D’autres répétitions remplissent la même fonction de renforcement : celle de l’adverbe de négation, par exemple, qui, en arabe revêt deux formes : là, kallà ! s’écrie souvent Tuéni, les faits et dits dont il ne veut point étant forcément les plus nombreux ! La répétition d’interjections : entre autres hadhâri!, l’équivalent de ‘gare!’, paraît servir également le même propos. Il en va de même de l’accent placé sur un pronom : il met en relief le nom auquel il renvoie (la’allahâ hiya hiya qadâyâ al-hukm wa al-watan). Etc.

Toujours sur le plan de la syntaxe, il convient de signaler le recours fréquent à l’inversion des termes de la phrase : il vise à ajouter au relief de l’élément placé en premier. Par son caractère de procédé d’exception, il contribue aussi et surtout à la complexité du rythme d’un passage ou de l’ensemble d’un article. Rare à son tour chez Tuéni, l’usage de tournures rares (chubbiha lahu an bi-l-harb sayabnî) est un procédé supplémentaire investi au service du même but. Moins intéressants (à notre avis, s’entend), quoique plus ‘voyants’, sont certains raccourcis empruntés au dialecte libanais (ou plus généralement grand-syrien) qui consistent à remplacer par l’article défini arabe (‘al’ al-ta’rîf) un pronom relatif ou, encore, à troquer un pronom personnel ‘séparé’ contre un autre ‘attaché’ (wa ammâ al-asmâ’ al-fî hajm al-barâmij wa akbar fa-ayna ?, ou encore : al-rijâl al-ismuhum bi-mathâbat barnâmaj wa akthar). Proposés au départ par un Sa’îd ‘Aql et adoptés par un Yûsuf al-Khâl, ces raccourcis, plutôt que d’être repris par Tuéni en tant qu’élément d’une réforme de l’écriture arabe, semblent faire figure chez lui de simple agrément de style. Au fil des années, leur apparition dans ses textes devient, d’ailleurs, de plus en plus rare. Toutefois, des traces assez clairsemées d’influence ‘’aqlienne’ restent visibles, chez Tuéni, à ce niveau des tournures ou des structures phrastiques. Par ailleurs, Tuéni résiste mal, parfois, à la facilité de certains jeux de mots, accrédités par la mode du moment : par exemple, celui que rend possible (après la signature du fameux ‘accord’) le double statut de nom propre et de nom commun du mot ‘tâ’if’ et aussi sa parenté morphologique avec le mot ‘tâ’ifa’ (communauté)…etc.

 

*

 

Les barrières entre les strates de notre analyse n’étant nullement étanches, nous avons effleuré, en parlant du vocabulaire et de la syntaxe de Tuéni, quelques particularités de la panoplie rhétorique que déroulent les éditoriaux tuéniens. En effet, une valeur rhétorique évidente se rattache au choix des mots, aux particularités structurelles de la phrase, au rythme induit aux phrases et aux paragraphes, à un certain usage des incises et des interrogatives, etc. Tout en mettant en avant ses arguments proprement dits, Tuéni s’efforce de convoquer le pathos du destinataire de ses discours. Moyennant ses ressources stylistiques, il veut impressionner afin de convaincre. D’où cette allure passablement bouillonnante de tirades dont le noyau logique ou factuel reste, pourtant, transparent. Se faisant polémique, il tend à donner à ses jugements la forme de verdicts : tendance que sert, entre autres – nous l’avons signalé – une préférence assez marquée pour la ‘phrase nominale’. L’adversaire, apparent ou non, devrait se retrouver au pied du mur…

Pour arriver à cette fin, Tuéni use, aussi et surtout, de force paradoxes qu’il repère et formule en maître du genre.  Aux yeux des Arabes – observe-t-il, par exemple – ‘seule l’occupation [ennemie] d’un territoire est susceptible de le rendre sacré et la récupération d’une terre [après l’avoir perdue] paraît récolter plus de suffrages que sa conservation’ ! Ailleurs, il déclare : ‘On en est arrivé à voir les guerres de libération consolider les occupations : tellement sont-elles non-libératrices’. Un exemple encore ? ‘Mais oui !, s’exclame Tuéni, C’est bien ainsi ! On abolit le communautarisme en amadouant les communautés via l’octroi de présidences, de vice-présidences et de fictions de présidences’ ! Etc., etc.

Une certaine prédilection pour les alternatives bipolaires paraît faire pendant à cette passion du paradoxe. Elle entretient la structure en verdict que nous venons de signaler. Elle sert bien aussi cette volonté d’’aller au fond des choses’ dont nous avons fait état. En effet, la bipolarité est souvent traduite par la forme ‘ou bien … ou bien…’, les deux termes de l’alternative ne se valant jamais. Parfois, la structure bipolaire passe par l’invention d’un nouveau couple de contraires. Aussi, devrait-on ‘arrêter la guerre illicite pour mériter [de faire] la guerre licite’. Encore – pour boucler cette boucle – une forme de bipolarité, dévastatrice, cette fois : afin de faire élire Élias Sarkis président de la République, on aurait, affirme Tuéni, ‘kidnappé une partie du quorum parlementaire pour faire venir des députés [à la séance d’élection] et kidnappé l’autre partie pour empêcher d’autres députés de venir’ !

Verdicts, paradoxes, couples bipolaires : ce sont, sans doute, les principaux outils que mobilise notre éditorialiste au service de sa mission d’admonestation. On peut, bien évidemment, énumérer beaucoup d’autres et l’on restera probablement loin du compte. En plus de ceux que nous avons déjà relevés, et aussi de la charge émotionnelle du vocabulaire tuénien, il nous paraît convenable de mentionner quelques autres procédés assez fréquents, sous la plume de notre auteur, ou particulièrement significatifs. Comment ne pas noter, par exemple, le penchant tuénien pour l’accentuation d’une affirmation ou d’une négation moyennant la répétition de l’élément moteur de la phrase ?  Comment ne pas marquer cet emploi de la conjonction ‘bal’ dont la fonction usuelle est de ‘corriger’ l’énoncé positif qui la précède ou de permettre le ‘remplacement’ de l’énoncé négatif mais qui sert, le plus souvent, chez Tuéni, à exagérer la gravité de l’un ou de l’autre ?  Akhta’nâ bal ajramnâ, déclare, par exemple, Tuéni (nous avons commis des fautes voire des crimes). Ou encore : Nasna’u al-anzimat wa al-qawânîn bal nadha’u charî’at-an jadîdat-an wa dustûr-an jadîd-an, rubbamâ, lâ ba’sa (‘Nous confectionnerons des règlements et des lois ou bien nous formulerons plutôt un nouveau droit, une nouvelle constitution, peut-être : pourquoi pas?’).

Ces artifices, et bien d’autres, convergent pour procurer à Tuéni  le style de redresseur de torts (mais fort pondéré) qui était le sien. Ils lui permettent de communiquer à son lecteur, en sus de l’intelligence d’une situation et des mesures susceptibles de la redresser, le sentiment de l’impatience de l’auteur et de son anxiété. Ils confèrent à son texte cette allure où une rationalité sûre d’elle-même livre un combat mouvementé ou lance des cris pétris d’émotion.

 

*

 

L’analyse – on le sait – tue son objet. Ce modeste essai est bien là pour être lu. Il prétend rendre plus sensible le lecteur de Ghassan Tuéni aux secrets de l’écriture de ce dernier.  Toutefois, en vue d’accomplir au mieux cette tâche, notre analyse gagnerait à être déjà oubliée au moment où son  lecteur aura, de nouveau, sous les yeux, quelque texte de l’incomparable et bien vivant Ghassan Tuéni.

 

Bint-Jubayl, Juillet 2013

Contribution a l’ouvrage collectif “Ghassan Tueni, 1926-2012”, Dar Annahar, Beyrouth, 2014.

دلال البزري عن الإصلاح المردود

أحمد بيضون يفكّك النظام اللبناني
«لبنان: الإصلاح المردود والخراب المنشود»
دلال البزري
ينعى أحمد بيضون في كتابه الأخير لبنان، الذي لم يتوقف نظامه السياسي عن تعميق قاعاته الجهنّمية: نظام «خلود الطوائف»، وتفوق الطائفية على كل من الميثاق والدستور، وعراقتها في تسهيل بناء علاقات تبعية، رسمية و»أهلية»، واستنادها الى قاعدة ضاربة الجذور من أعراف وتقاليد إجتماعية، وتأرجح نظامها بين «حرية مطلقة» وتشريعات طائفية تحدّ منها أو تبطل كل مفاعيلها… يختم كل هذا بتحميل اللبنانيين أنفسهم، فضلا عن سياسييهم مسؤولية الفشل في النهوض من هذا الدرك… أوصاف وملامح هذا النظام تطول. ولو أمكن تنظيم الأوصاف أو الخيوط المجدولة بضفائر رقيقة، المستحكمة بلبنان… لو أمكن ذلك، لوقفنا أمام جملة من الكتاب تضع الخطوط العريضة على هذه الملامح: «الدولة ضعيفة حيث يجب ان تكون قوية، وقوية حيث يجب ان تكون ضعيفة».
فضلُ هذا الكتاب ان قراءته تحثّ على فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات ملحّة، تكاد تجد بعضها في متن الكتاب: من نوع ان اتفاق الطائف (1990)الذي وقّعته القوى المتحاربة منذ ثمانية عشر عاماً، زاد من الطائفية السياسية استعاراً. وهو إستعار يحفزّ على النظر الى هذا الاتفاق، الى محصلته التاريخية، بجوانبه المطبّقة والأخرى المنسية، وصولاً إستعادة الظاهرة الطائفية منذ نشأة لبنان:
خلال العقود الثمانية التي مرّ بها لبنان، بل في أحداث ما قبلها، عندما لم يكن لبنان سوى «جبل لبنان»، إمارة جبلية تتصارع عليها الدولة العلية العثمانية والقوى الغربية الصاعدة، هل كان لهذا النظام خط بياني، ترتفع به الحمى أو تنخفض، أو تضعف أو تختفت؟
هذا الخط الطويل، لو اخذناه بأبعد ما وقع عليه زمنه، كيف كان مساره؟ يدور حول نفسه؟ بحركة مكررة، تشبه رقصة الدراويش، أم يذهب نحو المزيد منه؟ وما هي الشروط هذا الذهاب؟ أي، متى ازدهرت الطوائف ومتى نامت؟ ولا نسأل متى «ماتت»…
أو: هل يمكن اعتبار يقظة الطائفية أو غفلتها نتيجة معطيات بنيوية صلبة؟ خارجية تلتحم بالمحلية؟ ذات علاقة بالوعي بها أو بالمعتقد الذي يزيّنها؟ بتيارات ومناخات وأنواع ثقافات؟ بالـ»مصلحة» وحسب؟ وأية مصلحة؟ أم مجرد تعب، بين كل جولة وأخرى، تتبعه هدنة طويلة، نسبياً، عقود وأنصاف السنوات، تستعيد أنفاسها لتكون متجددة، ديناميكية، تلتقط فرصها، تدخل الى المسرح بأفعال تقلب معادلات وموازين، فتفرض جولة صراع مديدة، دائماً طائفية، ساخنة وباردة؟ ولكن بأبطال مختلفين، أو إنقسامات جديدة، على طبقات من الإنقسامات القديمة، ولغة تضاف الى معجم التاريخ الطائفي غير المشرف؟
ما يطرح معنى أهلية النظام السياسي اللبناني، ناهيك عن شرعيته، كما في هذه الكلمات لبيضون، من ان الطائفية «لا تصلح لحكم البلاد لأنها وصلت الى هذا المنتهى من الجبروت بالذات».
هل تعني كلمة «لا يصلح» فشله؟ أحسب ان جميع السياسيين واللاعبين الكبار والمتوسطين في الشأن السياسي لا يرون الموضوع من زاويتنا هذه. فعلى الرغم من «تعذر التوافق بين الاطراف الطائفية»، ومن صيحاتهم اليومية ضد النظام الطائفي الذي يبغضون، والدولة التي يرْثون…. هم يرون انهم نجحوا، وليسوا على الإطلاق من الفاشلين. أن يدمّروا حياة البلاد ودورتها الاقتصادية والإنسانية واليومية، أن يمتنعوا عن التجديد «الشرعي» عبر الانتخابات…. الخ، فهذه ليست دلائل «فشل» بنظرهم، إنما هي قوة بإمساك زمام الامور، «إستيعاب الصدمات»، بوراثة جماهير التطرف، بتبديل اللسان في المنعطفات… كلها مواهب يتمتع بها من أراد السلطة من بيننا، وهي مواهب تحييها عادة أقوى الإرادات.
نقطة أخرى يثيرها كتاب أحمد بيضون: «تطور» النظام السياسي اللبناني، ليس بالضرورة بمعنى «التقدم» إنما بمعنى تأريخه بالزمن الذي يعبره:
هل «تطوَّر» هذا النظام يفضي بالضرورة الى بلوغه مبلغ الأصولية الدينية، المسيحية أو الإسلامية؟ قد تكشف الإجابة على هذا التساؤل جانباً دقيقاً من سمة الطوائف؛ من ان حضورها السياسي لا يتحقق إلا بدعم خارجي. أي عودة الى التبعية التاريخية، التي يصف بيضون ديناميكيتها الخاصة العابرة للتاريخ اللبناني. الإجابة المقنعة على هذا السؤال غير متوفرة، اذ تفترض ان لا يكون هناك ثورة اسلامية في ايران، ولا صعود الاسلامية السنية في الدول العربية، وما نجم عن تجربة الإثنتين، على تفاوت نجاحهما، من إختبارات، قاسية ورجْراجة، حتى الآن على الأقل.
إذن لو لم ينْوجد الاثنان في التاريخ، الإيراني الشيعي والعربي السني، وكل ما يفيض عنهما من ملحقات ومزايدات وتعبئات… فعلى أي وجه ستكون الطائفية اللبنانية، ساعتئذ؟ ربما هو سؤال لا يؤكد غير المعروف: لبنان بلد حساس، عطوب، «بوتقة» تندلق بداخلها كل الحِمَم الممكنة.
ثمة شبه جزائري مع لبنان: كأن مجهولين يحكمونه، رغم الحضور الطاغي للرئيس بوتفليقة؛ لا وجه ولا حزب ولا رمز ولا شخصية كاريزماتية يلخّص هذا الحكم؛ فوجوهه من غير قرارات، وقراراته من غير وجوه…
خلف شيء اسمه «النظام»، عش الأفاعي هذا، من يحكم لبنان الآن؟ «حزب الله»؟ السياسيون بمختلف اطيافهم؟ متوافقون أو متصارعون؟ يوحّدهم شغف بالسلطة، هو قاسمهم المشترك مع المجتمع، «محكوميهم»؟
وقّع أحمد بيضون آخر صفحات كتابه بين أيلول وأول تشرين الأول 2011؛ وكان عنوان النص الذي سبقه في شباط 2011، أي مباشرة بعد إطاحة الثورتين المصرية والسورية برأسي نظام بلديهما. يعني ان كتاب بيضون لم يرافق التطورات اللاحقة لهاتين الثورتين، فضلا عن مجريات الثورة السورية نفسها. ولكن كتابه كله يعينك على متابعة التساؤلات على المنوال الذي اعتمده. فبالإتجاه نفسه:
«التدخل» العسكري لـ»حزب الله» في المقاتلة الى جانب قوات الأسد، هل كان حقاً كما يصفه أمينه العام ومعه رجالاته وجهازه الاعلامي، من ان الحزب كان «مضطراً» لذلك؟ مضطرا للدفاع عن نظام هو المجال الحيوي لنظام آخر يتبع حزب الله تعليماته؟
ولكن مهلاً: يجب ان نصدق الحزب عندما يقول ذلك، إنما لأسباب مختلفة عن تلك التي يتقدم بها خطباؤه ومحبّوه. والتي يبدو الحزب، من خلال كلماته، وكأنه يستشعر ذنباً ارتكبه، يطلب عبرها الغفران، لأن من بعده هناء بهناء: «الحفاظ على المقاومة«. القصة ليست انه كان مضطرا، إنما «تدخل» لأن ذلك من صميم تركيبته وتأسيسه وتمويله وأجندته…
هل نتصور ان لا يكون متدخلاً؟ أين تذهب ساعتئذ كل تلك القوة المشحونة المقهورة من قلة التعبير عن نفسها؟ حزب الله لن يكون حزب الله لو لم يفعل، وكذلك النظام السياسي لن يكون طائفيا لو لم يقفز كل مرة حيّ يُرزق من بين الأنقاض، وكذلك السنية السياسية لن تتلقّف الخطاب والرموز السلفيين وتعيد تأهيلهم لينخرطوا في صلب النظام…. الخ.
من هنا استحالة ان تحصل ثورة في لبنان، على الرغم من «الحرية»؛ كلنا رافق، مع بيضون، تظاهرات إسقاط النظام اللبناني، بعيد المفاجأتين التونسية والمصرية، وبرغبة جامحة في المحاكاة، فتظاهر الآلاف من بيننا. وبعد خفوتهم السريع، أمعن لبنان في سبر أغوار التطييف والتمذهب، على مستويي «نخبه» الحاكمة وجماهيريه، الوفية دائماً؛ ولا تعرف بعد حين من يغذي الآخر، لشدة الحمى؛ تلك هي مساهمة لبنان الأساسية في هذه الثورات: انه تطيّف وتمذهب، بدل أن يثور. وهذا استعصاء يتجاوز كل الإرادات، الخيّرة منها والشريرة. وما يضاعف وطأته، ويغذّي محبي الطائفية، هو مآل هذه الثورات نفسها؛ حيث كشفت، في مراحلها الانتقالية، بدوراتها المتداخلة والعشوائية، انها تنحو نحو «التلبْنن»: إنهيار الدولة، فوضى، إحتراب أهلي، عسْكرة، تبعية للخارج؛ كل مركبات النظام اللبناني، مع اختلاف بسيط في المقادير.
عما تكشف تلك الرحلة المعاكسة للتاريخ؟ ذاك «التلبنن» الذي تسير على خطاه المراحل الإنتقالية للثورات؟ عما تكشف لبنانياً.. عربياً؟
ثمة شيء أخير، لم يكن لكتاب بيضون أن يتناوله، وإن تضمّن إرهاصاته: وقوامه ان الحدود القائمة بين لبنان وسوريا قد فُتحت على مصراعيها، جيئة وذهابا، مع النظام وضده، مقاتلين ونازحين وعائدين ومهرّبين، فضلاً عن التداخل الشديد، بعد «التلازم» العتيد، بين أجندات البلدين ومشاريعهما ورؤاهما وشعاراتهما، وبالدور الذي بات يلعبه الواحد تجاه الآخر، وبالعكس. وبما ان الفلسطينيين، ببشرهم وقضيتهم، يشكلون مادة دسمة لمفاعيل هذا التداخل، في لبنان كما في سوريا، فهذا يعني باننا نتجه نحو مستوى جديد من التحليل: مستوى الأراضي المفتوحة على بعضها البعض وإطاره لبنان وسوريا وفلسطين وكل تشعباتهم. ما يدفع الى توسيع النظر والتحليل في إطار هذه الدول وشعوبها.

كِتابٌ وجائزة

http://www.almodon.com/opinion/b0366731-ae43-43c9-897e-dc7eb6b72916

أحمد بيضون|الخميس20/06/2013

  مساء الأربعاء 19 الجاري، تسلّمتُ، في لقاء اجتمع له أصدقاء ومهتمّون، “جائزة ميشال زكّور”. توّجت الجائزة كتابي الأخير “لبنان: الإصلاح المردود والخراب المنشود” الذي صدر في ربيع السنة الماضية عن دار الساقي في بيروت. والجائزة المرشّحة للاستواء تقليداً سنوياً أنشأتها هذه السنة مؤسسة ميشال زكّور على اسم الصحافي والسياسي الراحل، فكان كتابي أوّل عمل ينالها. وكانت هيئة المحكّمين قد أعلنَت، قبل أشهرٍ، لائحة قصيرة ضمّت ستة عناوين مرشّحة. وستُمنح الجائزة كلّ سنة لعملٍ بحثي موضوعٍ بالعربية أو الفرنسية أو الإنكليزية ومكرّس لموضوع لبناني.

وأمّا كتابي فيتّصل جذره الفكريّ بمقالة صغيرة نسبياً نشرَتها لي جريدة السفير في 25 أيار من سنة 1987 تحت عنوان “وجه الصيغة وقفاها”. تتكئ هذه المقالة على ملاحظتين استعارت أولاهما من كتاب لي أقدم منها عهداً وخلَصت منها إلى الثانية. الملاحظة الأولى أن اعتياد اللبنانيين إعلان المقت لطائفية نظامهم السياسي وإنكار الصفة الطائفية لمواقفهم ولتشكيلات مختلفة لهم أي ما أسمّيه بخفر الطوائف أو الحشمة الطائفية أمرٌ لا يجوز إلحاقه بالرغبة المجرّدة في مجاملة الحداثة وإنكار التعلّق بتقليد يعود إلى عهود بائدة وإنما هو شرطٌ حيوي لتحرير فسحة لا يستغنى عنها وإن تكن محدودة الرقعة ومهدّدة دائماً تظهر فيها الدولة اللبنانية وتزاول وظائفها وهو، في آخر المطاف، ضرورة لوجود هذه الدولة نفسه. معنى هذا أن اللبنانيين حين يجنحون إلى الاستواء طائفيين غير محتشمين، معتدّين، في الاجتماع وفي السياسة، بهويّاتهم الطائفية حصراً وغير مقرّين بدواعٍ تدعوهم إلى النأي عنها، في تناولهم شؤونهم العامّة، وذلك لتكوين مجالٍ وطني لهم، إنما يكونون قد باشروا الجنوح بدولتهم نحو التخلّع والتهاوي وباشروا، بالتالي، التوجّه بجماعاتهم نحو اعتماد العنف في التنازع.
تلك إذن هي الملاحظة الأولى، وعنوانها لزوم لبناني للحشمة في الانتساب إلى المدار الطائفي شرطاً لبقاء الدولة. وأما الملاحظة الثانية فمستقاة من نزوعٍ لبنانيّ معاكس، مكتومٍ عادة إلى هذا الحدّ أو ذاك في حيّز الطائفة. وهو النزوع إلى الشكوى من تفرّق الصفّ الطائفي وإلى إعلان الرغبة في توحيد هذا الصف على غرار ما يراه الداعية أو يتوهمه حاصلاً في طائفة أخرى أو أكثر من طائفة واحدة… وعلى التخصيص، في تلك التي يعُدّها الداعية نفسه مصدر الخطر. ملاحظتي في مواجهة هذه الشكوى من الفُرْقة الطائفية ومن توزّع المواقف في الطائفة الواحدة هي أن تحقق الوحدة السياسية في كلّ من الطوائف إنما هو إعلان نهاية، ولو آجلة، للتجربة الطائفية من أصلها.
أقول: “تحقّق الوحدة في كلّ من الطوائف” ولكن أعلم أن تحققها في واحدة، لا أكثر، من الطوائف الرئيسة يكفي لزلزلة النظام السياسي القائم وذلك بوضع المؤسسات السياسية للدولة أو السلطات العامّة تحت وطأة ابتزاز لا يطاق. فإن الطائفة الممتعة بالوحدة السياسية المشار إليها تصبح قادرة على تخيير الدولة بين التلبية غير المشروطة لمطالب تعصي على التلبية أو  التحمّل غير المحدود لمسلكيات يتعذّر تحمّلها وبين مغادرة الطائفة الموحّدة بقضّها وقضيضها لسفينة الدولة أي لمؤسسات الحكم بادئ بدء. هذا أمر لا يطيقه النظام الطائفي بمبدئه نفسه. وهو ينتهي إلى عطلٍ في الشرعية قد يشفعه، في جهة الطائفة المتراصّة الصف، إغراء بالجنوح إلى القوّة يزكّيه ظرف التفاوت في الحال بينها وبين شقيقاتها الأخريات. هذا التفاوت نفسه لا بدّ أن ينزع إلى الضمور. فهذا يحتّمه منطق الدفاع عن النفس، من جهة الجماعات الأخرى، وفلّ الحديد بالحديد.
أقول هذا مع علمي أن الرغبة في المحاكاة لا توفّر وحدها الطاقة اللازمة ولا الظروف المواتية لمماثلة الخصم الداخلي. ففي الحالة اللبنانية، يحصُل استشعار دائم للمواجهات الدائرة في المحيط وفي ما هو أبعد و يستمدّ من هذا الخارج المركّب، حين تميل به مصالحه إلى الاستجابة أو إلى المبادرة، جانب صالح بل حاسم من الطاقة اللازمة لمواجهة الندّ أو الخصم الطائفي، دفاعاً أو هجوماً. في كلّ حال، لا تبقى “وَحْدة الصفّ الطائفي”، بمفاعيلها المدمّرة، مدّة طويلة امتيازاً لطائفة واحدة. فلا بدّ من استوائها تحريضاً على النزوع إلى المحاكاة ولو بقيت هذه أسيرة معطيات تتعلّق بأوضاع الجماعة الراغبة فيها، أيّة تكن، وبموقعها بين قوى الداخل والخارج.
وحين يعلو منسوب الوحدة السياسية في كلّ من الطوائف (مع بقاء التباين قائماً في هذا المضمار بين هذه وتلك منها ومع التعذّر المؤكّد لتحقق الوحدة المشار إليها تحقّـقاً مطلقاً) تزداد أزمة النظام عسراً ومؤسسات السلطة وغيرها من مؤسسات الدولة تهالكاً. وتعظم أيضاً حظوظ الجنوح إلى القوّة في إدارة التنازع الجاري. فهذه الحظوظ لا ينقصها، في الواقع، بل يزيد فيها التوجّه إلى التكافؤ بين قوى الطوائف المعبّأة حين تزكّيه حبكة الظروف. وذاك أن البديل من العنف ههنا لم يكن غير الرضوخ للقوّة وحصاد الخسائر والمخاطر المترتبة على ذواء سلطة الدولة والمنطق الوطني. الخلاصة أن ما قد يُرى كمالاً لتحقق المبدإ الطائفي المؤسس لنظام لبنان الاجتماعي السياسي إنما هو، في حقيقته، افتتاح لتضعضعٍ عميق: لأزمة قصوى قد تدارى بعض مفاعيلها وقد تتمادى في الزمن ولكنها تتوجّه بهذا المبدإ نحو الإفلاس الكلّي إذ تضرب النظام القائم عليه بعطل يبدو عصيّاً على المعالجة والإصلاح.
وما يجب تسجيله، دون الدخول في كيفياته هنا، هو أن الحرب التي خبرَتها بلادنا عِقْداً ونصف عِقْدٍ هي ما توجّه بكلّ من الطوائف، وبنجاح متباين في ما بينها، نحو الاستواء وحدةً سياسية أو ما هو بهذه المثابة. وهي، أي الحرب، ما ضرب “حشمة الطوائف” أيضاً، فأصبحت الطوائف تميل إلى الاستغناء عن كلّ تمويه لطائفية مسالكها في كلّ أمر تقريباً. وهي، أي الحرب أيضاً، ما أنشأ الخلل الذي بلغ فتكه بالمنطق الدستوري أو المؤسسي بعض ذراه اليوم وأخذ يبدو وكأنه يدفع البلاد دفعاً نحو حربٍ جديدة.
وفي مدى عقدٍ ونصف عقد آخرين تَبِعا الحرب، كانت هيمنة الحاكم السوري على لبنان، بمزاولتها وظيفة التحكيم الداخلي في البلاد، تحجُب عجز المراجع الشرعية المفترضة لها هذه الوظيفة بحكم الدستور. وكانت هذه الهيمنة تتيح ظهور هذا العجز، أحياناً، وتطاول في الحسم لتحمي مسوّغ بقائها. وحين انجلَت الهيمنة مفسحة في المجال لتغيّر متعدّد الوجوه في هندسة المجتمع السياسي التي كانت قد فرضتها على البلاد فرضاً، انكشفت أستار العجز المتهالكة عمّا لا نزال فيه من أزْمة مفتوحة: أصلُها في الطور الذي بلغه النظام الطائفي برمّته وإن تنوّعت مجاليها السياسية واختلفت أطوارها الظرفية.
يُبْرِز هذا الطور، بما ينطوي عليه من مخاطر ومهالك، ضرورةَ الإصلاح. وقد التفت الكتاب إلى هذا الأمر فاقترح عناوين للإصلاح مستوحاةً من كَثَ ب مما أجمله اتّفاق الطائف في باب الإصلاحات وما سمّاه إلغاء الطائفية السياسية. على أن الكتاب يجرؤ على القول أننا نبتعد عن إرادة الإصلاح وإمكانه بمقدار ما تظهر ضرورته. وذاك أن أزمة النظام التي نحن فيها متشكّلة بحيث تزيد في تشقق الشعب وذوائه، بما هو إمكان لذاتٍ مريدة، وتمنع، إلى أجلٍ يتعذّر تعيينه، تشكّل ما يقتضيه إجراء الإصلاح من كتلة شعبية فاعلة، متعدّدة الموارد والمصادر السياسية ولكنها مجمعة على إرادة الإصلاح. تلك هي المحطّة التي أدركناها اليوم: نرى الحاجة إلى الإصلاح ماسّة ولكن نرى ما هو متحصّل لنا من مؤسّسات مسؤولة عن إصلاح نفسها آخذاً في التهاوي.
وإذ أقول إن النظام الطائفي بلغ طوراً جديداً من أطوار مساره أُبْرِزُ ركناً من أركان هذا الكتاب هو اللزوم المثابر للقول إن الطائفية لها تاريخ وإنها، بخلاف الشعور الذي تنشئه هي نفسها أحياناً، ليست شيئاً خالداً ولا هي لبثت، من أيّ وجه من الوجوه، على حالٍ ثابتة عبر تاريخ البلاد الحديث أو المعاصر. وحين أبرزتُ، في نصوص يضم هذا الكتاب بعضها ويرقى بعضها الآخر إلى سنة 2000 ويرقى أوّلها، وقد أشرت إليه، إلى سنة 1987، تباشيرَ هذا الطور الجديد وملامحَ الأزمة التي ينطوي عليها، لم أكن أتنبّأ بشيء. وما أزال أميل إلى البَرَم بمحلّلين لا يرون من الوقائع والحوادث إلا تفرّغها المزعوم لإثبات توقّعاتهم. كانت مهمّتي تقتضي جرأة الإدراك أو الإقدام في القراءة لا صواب التوقّع. ويقتضي حسن الإدراك، فضلاً عن المثابرة وعن بعض المعرفة، دأباً في مناضلة خصم يحاصر عقل اللبناني من كلّ جانب. ذاك هو العصبية، على اختلاف مجاليها والمعاني، وهي ما تتعيّن حماية استقلال العقل من هجماته. وإذا كان ثمّة في هذا الكتاب ما قد يستحقّ جائزة ميشال زكّور، فهو – بقطع النظر عن حظوظ الفلاح والخيبة فيه – هذا الجهد لدحر إغراء العصبية وضغطها ولتحصيل ما أمكن من حصانة للعقل.
بخلاف ذلك، أرى الصورة المكفهرّة التي يرسمها لحالنا هذا الكتاب، وهو يوشك أن يُقْرأ من عنوانه: “الإصلاح المردود والخراب المنشود”، مستحقّة عقوبةً لمؤلّفه لا جائزة. وفي ضوء اللحظة الحاضرة، تستحقّ عقوبةً أيضاً المقالة المسمّاة “أشياعُ السنّة وأسنانُ الشيعة”: تستحقّها (وهي المكتوبة سنة 2007)عنواناً ومضموناً. عوض العقوبة، نال الكتاب جائزة يعتزّ بها مؤلّفه ويشكر لمنشئها تشجيعه ولهيئة محكّميها تقديرها. وقد جاء في الكتب أن سبُل الله لا تدرك وأخمّن بدوري أن الله له في العقوبات وفي الجوائز شؤون.

– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/6/20/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d9%88%d8%ac%d8%a7%d8%a6%d8%b2%d8%a9#sthash.kgfsZTAC.dpuf

قَبْلَ مائة عام: ذلك المؤتَمَرُ العربيُّ الأوّل

http://www.almodon.com/opinion/5e6e6ad6-21d3-4e6f-94ba-714f629f3333

أحمد بيضون|الخميس13/06/2013
تتمّ في هذا الشهر دورة مائة سنة على انعقاد المؤتمر الذي اصبح يسمّى “المؤتمر العربي الأوّل” في باريس. فيُطرح سؤال يتعلّق بمسوّغ الاستذكار: استذكارِ لقاءٍ يسعُ أيّ مركزٍ معتبر للأبحاث اليوم، متّصل بما يسمّى الجهات المموّلة، أن يعقد مثله بل أوسع منه في باريس، لا في غيرها، وعلى جادّة سان جرمان دو بري نفسها إذا لزم الأمر. وقد يسعه أن يجمع لهذا المؤتمر الجديد من هم أظهرُ أمراً من الصحافيين وأعيان المدن والطوائف ووجهاء المهاجر الذين جمعتهم قاعة الجمعية الجغرافية قبل قرن… اليوم لن يُعِدّ أحد نفسَه لتذكّر لقاء من هذا القبيل بعد عشرة أشهر، لا بعد مائة سنة… وهذا إذا وُجد من يرى فائدةً في عقده.
وأما الفارق بين حدث حزيران 1913 وحدث حزيران 2013 (إذا وُجد من يُحْدثه) فهو أن الأخير لن يجد دولة عثمانية متهالكة، مستغرقةً في دوّامة ثورة دستورية وفي حربٍ مصيرية ذات فصول، توجس من انعقاده وتسعى في البداية إلى استيعابه ثم تعمد، بعد ارفضاضه بحين، إلى شنق بعضٍ من أهمّ المشاركين فيه… ولن يجد المؤتمر الجديد المفترض عرباً يتّخذون اللامركزية عنواناً رئيساً لمطالبهم القومية. بل هو قد يقع على اللامركزية مطلباً يرفع هنا أو هناك في وجه العرب من جانب جماعات قومية أخرى ترزح عليها من عقود كثيرة مركزيةُ السلطة العربية. أو هو سيقع على اللامركزية نفسها طموحاً لجماعات استبدلت باللافتة القومية برمّتها ما هو أدنى منها: اللافتات الطائفية مثلاً. وهي قد وضعت في المحلّ الذي كانت تشغله قبل قرن مجابهةُ العرب والترك مواجهاتٍ متحرّكة ما بين الطوائف.
انعقد مؤتمر حزيران 1913 بعد أشهر من الإعداد في خضمّ تسارعٍ للتاريخ العثماني كان يُحسب فيه للأشهر حسابٌ غير قليل إذ كان يصعب أن يصمد الظرف السياسي الذي تُرسم فيه ملامحُ مشروعٍ من قبيل المؤتمر إلى حين تنفيذه فعلاً. والحقّ أن الظرف السياسي تغيّر كثيراً في الحالة التي نحن بصددها ما بين مباشرة الإعداد للمؤتمر وانعقاده فعلاً… ثم واصل الظرف طفراته بعد ذلك نحو حالٍ أصبح العنف والقمع أبرز سماتها، فيما انتقلت الحرب من تسلسل فصولها المتردّد على الأراضي الأوروبية للدولة وعلى ساحلها الإفريقي إلى طورٍ عالميّ أصبح يتناول وجود الدولة من أصله وذلك بعد سنة وبضعة أشهر من انفضاض المؤتمر الباريسي.
بين خريف 1912 وأوائل 1913، كانت الحرب البلقانية تأكل معظم ما كان قد بقي للدولة العثمانية من “ممالك” أوروبية. فتستكمل سيرة من التضعضع والخسارة استغرقت معظم القرن التاسع عشر وأوائل العشرين. وهذا بعد انقضاض إيطاليا على سواحل بنغازي وطرابلس الغرب وقصف اسطولها بيروت في سنة 1911، بحيث انتشر إلى الولايات العربية الشعور بخطر الاجتياح الأوروبي وبعجز الدولة عن حماية أراضيها. كانت الجيوش المعادية قد وصلت إلى أبواب الآستانة إذ استولت على أدرنة، بوّابتها، واحتاج الأمر إلى معجزة ليستردّها جيش السلطان، حين بدا أن المهاجمين الأوروبيين موشكون على التذابح فيما بينهم حول جثمان “الرجل المريض” حالما يُسْلِم الروح. وكانت لندن التي حمت السلطنة طوال القرن السابق قد استضافت، في أثناء حرب البلقان الثانية هذه، مؤتمراً بدت مهمّته ترجمةَ نتائج الحرب على الأرض وفي موازين الدبلوماسية.
حصل هذا كلّه في أعقاب ثورة دستورية شهدها صيف سنة 1908 وتبعَتْها ردّة وارتداد على الردّة في السنة التالية وقد جعل القائمون بالثورة في رأس أهدافهم المعلنة حفظ سلامة الدولة واستعادة عنفوانها المتداعي، إلى الخروج من الاستبداد الحكومي بالعودة إلى الدستور وإلى ما يكفله من حرّيات ومن إصلاح مؤسّسي لهياكل السلطة.
كان العرب قد اغتنموا ظَرْفَ الحرب البلقانية، على التحديد، ليواجهوا بمطلب الإصلاح اللامركزي تباطؤَ التغيير في الوصول إلى ديارهم وما كانوا قد أخذوا يلمسونه لدى ضباط “الاتّحاد والترقّي”، القوّة المحرّكة للثورة، من نزعة تركية إلى الاستئثار حالت دون تحسين الشركة العربية في مؤسسات السلطة والدولة. وهذا في وقتٍ بدا فيه أن الدولة توشك أن تتحوّل من مجالٍ إمبراطوري متعدّد القومية إلى دولة ثنائية القومية تشهد نوعاً من التكافؤ الإجمالي، في أكثر من ميزان واحد، بين الأتراك والعرب.
اغتنم العرب ظرف أواخر العام 1912 وأوائل تاليه إذن ليشكّلوا هيئات إصلاحية موزّعة المراكز ولكنها متضافرةُ الأهداف وعلنيّةُ النشاط. وكان أسرعَها إلى البروز اثنتان: حزب اللامركزية الإدارية في مصر والجمعية الإصلاحية في بيروت. وكان الأوّل من هاتين محصّناً باتّخاذه الملاذَ المصري مقاماً له. وأما الثانية فلم تلبث أن باءت بالحلّ بعد إعلانها برنامجها وهذا على الرغم من الغطاء الذي وفّرته لها المجالس الملّية إذ تولّت اختيار أعضائها بواقع اثنين عن كلّ من الملل المسيحية واثنين عن اليهود وما يعادل مجموع هؤلاء من الأعضاء للمسلمين. فكان أن بلغ العدد الإجمالي نيّفاً وثمانين عضواً اعتُبروا ممتّعين بقوّة تمثيل وطيد للمدينة. وهو ما لم يمنع حلّ الجمعية، على ما سبقت الإشارة إليه، بعد أن أطاحت ظروف الحرب وزارةَ الصدر الأعظم كامل باشا الثانية، وهي التي كان الإصلاحيون العرب يعوّلون على مجاراتها لهم وعلى قوّتهم في حزب “الحرية والائتلاف” المهيمن عليها. أطاح جماعة “الاتّحاد والترقّي” هذه الوزارة وجاؤوا بأخرى أعادت نفوذهم المتوجّس من المطالب العربية والأرمنية خصوصاً والمناوئ لمنحى الإصلاح اللامركزي. فكان أن تغيّر مناخُ الدولة والعاصمة كثيراً في أشهرٍ قليلة فَصَلت ما بين تأسيس الجمعية البيروتية والحزب القاهري والبدء بالإعداد للمؤتمر العربي في باريس.
لم يتجاوز عدد الذين اعتبروا أعضاء رسميين في المؤتمر خمسة وعشرين شخصية. كانت سورية مدار البحث فلم يتمثل العراق إلا بعضوين ألقى أحدهما كلمة قصيرة وأعلن الرئيس أن الشأن المصري غير مطروح للبحث. وكان وفد بيروت (بما هي مدينةٌ “سورية” وعاصمةٌ للولاية المسمّاة باسمها) أكبرَ الوفود إذ ضمّ ستة أعضاء. هذا فيما كان صوت الموالين للسلطات عالياً في دمشق وتعذّر على بعض من أبرز ممثّلي الإصلاحيين فيها السفر إلى باريس لأسباب مالية. ولم يحضر من حزب اللامركزية الإداري سوى عضوين، على الرغم من اعتماد المعدّين للمؤتمر هذا الحزب راعياً لمبادرتهم. وتمثّل في المؤتمر المغتربون من أصقاع شتّى وكان أبرز جماعاتهم تمثيلاً، بطبيعة الحال، سوريو باريس ولبنانيوها.
وقد رئس المؤتمر لاذقيّ هو عبد الحميد الزهراوي أحد الموفَدَين من جانب الحزب وعيّن كاتباً له البيروتي عبد الغني العريسي. وكانت اللجنة التحضيرية الثمانيّة قد توزّعت مناصفة ما بين المسلمين والمسيحيين، وكان هذا التوزيع محبّذاً في تلك المرحلة على ما بدا من تجربة الجمعية البيروتية. وفي الحالتين – حالة الجمعية وحالة المؤتمر – كان الموقف السياسي متبايناً على أساس طائفي. فكان الأعضاء المسيحيون أصرحَ ميلاً إلى المطالبة بحماية فرنسية لسورية لم يكن بعضهم يمانع في وصولها إلى حدّ الاحتلال. هذا فيما كان المسلمون يحصرون همّهم في “الإصلاح” اللامركزي ولكن لا يمانعون في استقدام خبراء أوروبيين يتولّون توجيه دفّة الإصلاح حيث يلزم. ومما تشي به مذاكرات الأعضاء المسيحيين في جمعية بيروت ثم في مؤتمر باريس مع وزارة الخارجية الفرنسية وقنصلياتها، يتبين أن اللغم الطائفي كان مزروعاً في المبادرتين وكان انفجاره محتملاً لو أفلحت أيّ من المبادرتين في الاقتراب من أفق التنفيذ.
هذا وكانت اللامركزية هي العنوان الكاسح للحركة كلها. وكان أهمّ معانيها اعتمادُ اللغة العربية لغةً للتعليم وللمعاملات حيث تكون كثرة الرعايا عربية اللسان وتوسيعُ صلاحية المجلس العمومي للولاية في مواجهة سلطة الوالي وجعلُ الخدمة العسكرية تجري في موطن المجنّد ما لم يستوجب نقلَه داعٍ ملحّ ومنحُ الولايات أفضليّةً في إنفاق الواردات المجبية منها ومنحُ المسلمين الحقّ في إدارة أوقافهم واستثمارها على غرار غير المسلمين… إلخ. ولم يكن هذا البرنامج يمنع المطالبة بتحسين الأنصبة العربية من الوظائف المركزية ومن التمثيل السياسي…
لم يحظ هذا البرنامج بتنفيذ عملي. استبَقَته الدولة بتشريعات اعتُبرت تمويهاً لرفضها إياه وكان أهمّها قانونُ الولايات الجديد. وقد سُلّمت مقرّرات المؤتمر إلى السفير العثماني في باريس وإلى ممثّلي الدول الكبرى ثم سافر إلى الآستانة وفد من المؤتمر لمفاوضة السلطات. وكان عبد الكريم الخليل، وهو المقيم في الآستانة أصلاً، طليعة الساعين لدى جمعية “الاتّحاد والترقي” في سبيل اعتماد المقرّرات ولدى عرب العاصمة لإقناعهم بما توصّل إليه بالمفاوضة. ولكن هذا كلّه لم يَجِدْ طريقه إلى التنفيذ.
مضى التاريخ، بعد المؤتمر، في مسيرته المتسارعة المفضية إلى المزيد من تضعضع الدولة العثمانية ثم إلى الحرب العالمية التي ستلحق فيها الدولة بالجانب الألماني مواجِهةً فرنسا التي كان ظلّها قد هيمن على مؤتمر باريس ومتخلّية، على الأخص، عن مودّة بريطانيا التي كانت قد حالت دون انهيار الدولة الكلّي طوال القرن التاسع عشر. وعِوَضَ اختبار الإصلاح اللامركزي صيغةً لبقاء الدولة جنَح النافذون في إستانبول لمزيد من المركزية ولمواجهة القوميات الناهضة، وأولاها العربية والأرمنية، بالعصبية الطورانية وبالعنف.
وبين ضحايا الديوان العرفي في ساحتي الإعدام البيروتية والدمشقية، علّق ما بين صيف 1915 وربيع 1916 كلّ من رئيس مؤتمر باريس عبد الحميد الزهراوي وكاتب المؤتمر عبد الغني العريسي والمفاوض باسمه عبد الكريم الخليل وعضو هيئته التحضيرية محمد المحمصاني وأحد أبرز خطبائه أحمد طبّارة ومع هؤلاء نفر من الذين بعثوا إلى المؤتمر بتأييدهم أو رغبوا في المشاركة فيه فلم يتيسّر لهم ذلك لسبب عارض. من هؤلاء الذين جهروا من بعيد بولائهم لأهداف المؤتمر، لقي كلّ من صالح حيدر وعبد الوهاب الإنكليزي ورفيق رزق سلّوم حتفهم على أعواد المشانق أيضاً. وإذا كان عدد الضحايا من بين المؤتمرين لم يتجاوز هذا الحدّ فلأن كثيرين من هؤلاء كانوا مقيمين في مصر، متمتّعين بالحماية البريطانية، أو في خارج الأراضي العثمانية فلبثوا بمنجاة من ديوان جمال باشا العرفي ومشانقه.
وفي كلّ حال، لم تلبث الدولة العثمانية برمّتها أن علّقت على أعواد هزيمتها في الحرب ومطامع المنتصرين. فأنشأت فرنسا وبريطانيا ما أنشأته من دول في سورية الطبيعية وصحبتا ما شهدته هذه الدول من أطوار. وتكفّلتا أيضاً برعاية الطوائف والطائفية وما اتّصل بهما من أزماتٍ صغيرة وكبيرة، من طورٍ إلى طور. وذلك إلى حين استقلال سورية ولبنان والأردن ونشوء دولة إسرائيل. وعلى التعميم، برزت في كلّ من هذه الدول، قبل استقلالها وبعده، عصبيةٌ طائفية أو قوميةٌ غالبة رزَحَت بثقلها على غيرها من الجماعات. وكان الذين ورثوا إصلاحيي الهزيع العثماني الأخير، من العرب على الخصوص، أوّلَ من تَسبّب في بقاءِ حديث اللامركزية أو ما يجري مجراه سائراً على ألسنة الراغبين في الإصلاح واليائسين من إمكانه.
– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/6/13/%d9%82%d8%a8%d9%84-%d9%85%d8%a7%d8%a6%d8%a9-%d8%b9%d8%a7%d9%85-%d8%b0%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a4%d8%aa%d9%85%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%88%d9%84#sthash.I0fwS15g.dpuf

ما يستَحِقُّهُ الفسابكة

http://www.almodon.com/opinion/38f72896-2e28-411d-b6ea-fd5614091047

أحمد بيضون|الخميس06/06/2013

 قبل أيّامٍ، غادرتُ الفيسبوك. غادرتُه إلى أمدٍ لا أدري إن كان يقصر أم يطول. هذه ليست أوّل مرّة. فقد سبق أن رحلتُ ثم عدت. مرّةً أو اثنتين. وقد أعود هذه المرّة أيضاً بعد شهرٍ أو شهرين. ولكن لا مانعَ يمنع ألّا أعود أبداً.
أمضيت في زرقة هذا العالم البديل سنتَي نشاطٍ معتدلٍ سبقتهما أعوامٌ ثلاثة من صمتٍ شبه مطبق: صمتٍ لم تكن تقطعه غير مجاملات عابرة كانت تصحب أحياناً قبولَ “صحبةٍ” بادرتُ إلى طلبها أو هي طُلِبت إليّ. وهذه حاشية: أقولُ “صحبة” لأنني في معرض معارضتي لبعض ما شاع من مصطلحٍ عربيّ للفيسبوك، اقترحت “صاحب” أو “صاحبة” مقابلاً للـ”فرند” بدلاً من “صديق” أو “صديقة” التي وجدتها في غير موضعها ههنا.
وما أرغب في قوله بادئ بدءٍ أن شعوري، وقد غادرت هذا “المحيط” أو “الوسط”، يشبه شعور الخارج لتوّه من طاحون. هذا ما ألـِفْنا قوله حين نخرج من موضع فيه ضجيج يصمّ الآذان إلى آخر يُكتم فيه الضجيج بغتة. والكناية ريفية الأصل لأن الريف هو الوسط الذي يكاد لا يصدر فيه الضجيج المفرط إلا عن الطاحون. وما أراه، من جهتي، أن ضجيج الفيسبوك أشبه باللغط الكثيف تارة والمتناثر أخرى نقع عليه أو يقع علينا في أرجاء مطارٍ أو في محطّة قطار…
هي إذن مغادرة لمجالٍ يجري فيه هدرٌ مهول للكلام المكتوب (وللصور والأصوات أيضاً): هدْرٌ يخلّف شعوراً بالغرق في الهذْر، بالتخبّط في لغط يعزّ، في كثير من الأحيان، أن تخرج منه بمعنى. فتوشك أن تتّخذ الموقف الذي تتّخذه عفواً في ردهات المطار أو في محطّة القطار: تستغني عن الإصغاء وعن الفهم. مع ذلك… مع ذلك تفرض نفسها عبارة هنا وصورة هناك وموسيقى هنالك يستدرجك إليها من تعوّل على ذائقته. أغادر هذا كلّه إذن ولكن لا أنكر أن الفضول سيعاودني مراراً إلى معرفة ما قد يكون جرى في غيابي: ما قد يكون نشَره هذا أو ذاك فأثار غباراً مما تبعثه حوافر العصبية في هذه الأيام أو أنزلَ سكينة لا غنى عنها لانبعاث الشعر في النفس… مثلاً.
هذا وأعلم أن الهذر وإن يكن سيد الموقف لا يستنفد ما يتقدّم الفيسبوك مجالاً ووسيلة لعرضه وإذاعته. ولأذهب إلى لبّ المسألة من غير مزيد من الإطالة: يضيف الفيسبوك إلى كلّ فسبوكي معتبر بعداً أو دوراً يدخل، بفاعلية تتباين من حالة إلى أخرى، في رسم شخصية الشخص أو في تعيين وجهه: ولهذا التعيين الأخير وجاهته هنا إذ يدور حديثنا هنا على “كتاب الوجوه”. فإذا كان الشخص المعنيّ مهندساً مقصوداً وزوجاً عنيفاً وأباً مهملاً ومقامراً غير مدمن ومزاولاً بانتظام للمشي في الجبال ومشاهداً مثابراً لأفلام الخمسينات والستينات المصرية فقد يكون عليك أن تضيف إلى  هذه الأدوار تشخيصاً ما لما يصدر عنه بما هو فسبوكيّ حتى تكتمل في خاطرك صورته الشخصية وتحتلّ مكانها بين صور معارفك. إلى هذا الحدّ – بل إلى أبعد منه –  يسع الفيسبوك أن يكون مهمّاً.
أقول هذا مع علمي أن ما تحويه كثرة كاثرة من الصفحات لا يعدو كثيراً ما توحيه تسمية “موقع التواصل الاجتماعي” التي تطْلَق على الفيسبوك وعلى غيره من مواقع شبيهة لم يُكتب لها النجاح نفسه. “التواصل الاجتماعي” أي تبادل المجاملات فوق كلّ شيء. هذا ما نقع عليه فعلاً ولا نقع على غيره تقريباً في صفحات فيسبوكية لا عدّ لها. ولكن الأهميّة الواضحة للموقع وللموضوع توجب إمعان النظر…
ولقد أتاحت لي إمعانَ النظر في ما كانه الفيسبوك في حالتي صاحبةٌ، أي “فرندة”، أجرت تحقيقاً جعلَت موضوعه ما يمثّله الفيسبوك للفسابكة وطرحَت عليّ (في نطاق عيّنة  انتقَتْها لتحقيقها) سؤالها هذا.
قلت لـ”فرندتي” تلك إنني أرى في الفيسبوك وسيلة إعلام شخصية: جريدةً خاصة، مثلاً، لكلّ واحدٍ من مستخدمي الموقع. وهو، في الواقع، أكثر من جريدة: فإن إمكانية نشر التسجيلات الصوتية تجعله شبيهاً بالإذاعة أيضاً. وتجعله إمكانيةُ نشْر الصور وأشرطة الفيديو يشبه محطة التلفزيون. وسيلة الإعلام ههنا هي إذن نوع من “وسيط” عام. وهذا الوسيط نحصل عليه بلا جهد يذكر وبلا كلفة باستثناء كلفة التجهيزات الأساسية والاشتراك في الإنترنت.
بعد امتلاك الوسيط، يصبح كل واحد مسؤولاً إلى حدّ بعيد عما يصنعه به. هكذا توجد صفحات رفيعة المستوى وأخرى ساقطة. وتوجد صفحات وافرة النشاط وصفحات ميتة أو شبه ميتة. يجتذب بعض الصفحات زوّاراً بالألوف ويمتلك نفوذاً هائلاً كذاك الذي ظهر في حركات التغيير العربية. فيما تبقى صفحات أخرى بلا أدنى تأثير. هذا كله يتبع الأشخاص: أمزجتَهم وكفاءاتِهم، والأهدافَ: أي القضايا التي يحدّدونها لوجودهم في الموقع، ويتبع جهودَهم…
وفي كل حال، يشعر صاحب الصفحة بأن له جمهوراً لا يعرف ملامحه إلا معرفة تقريبية وأنه يستطيع مخاطبة هذا الجمهور متوقعاً تأثيراً ما لهذه المخاطبة في أيّ وقت يختاره.
هذا يكسر العزلة التي تفرضها الحياة المعاصرة على أكثرنا ويمنح صاحب الصفحة شعوراً بالأهمية. وقد يحمله على قول أشياء لا يقولها في محيطه المعتاد ويشعره بشجاعة وذكاء لا يعرفهما عادةً في نفسه. وقد يحرّضه أيضاً على الاستنباط لتجديد ما ينشره على صفحته وإرضاء متابعيه الذين قد ينتظرون منه نوعاً من الانتظام في التدخل أو من التفاعل مع أمورٍ بعينها.
بالطبع، تؤثّر درجة التفاعل من قبل المتصفحين في هذا الشعور بأهمّية الذات أو باهتمام الغير فتحبطه أو تؤكّده. مع ذلك، يجب القول أن حيازة منبر وجمهور بهذه السهولة من جانب أيّ كان ليست بالأمر القليل. فهذا كان يقتضي كثيراً من الجهد والكفاءة ومواتاة الفرص قبل أن يوجد الفيسبوك وغيره مما يشبهه فيصبح الأمر في متناول العموم تقريباً ويتحوّل كلّ فردٍ إلى مشروعِ نجمٍ على طريقته.
من جهةٍ أخرى، يتعرّض كلّ واحد منّا لمؤثّرات تصل إليه من الصفحات الأخرى ولا يتحكّم بماهيّتها: منها ما يزيدنا معرفة او يحملنا على التفكير ويرفع سوية أذواقنا ومنها ما يؤذي أو يضلل أو ينحدر بمستوى الذوق. فالفيسبوك الذي هو وسيلة إعلام يستوي وسيلة استعلام ايضاً. وهي وسيلة سيّئة، مثخنة بالثغرات، إذا شئتَ الاستعلام منها عن الأخبار ولكنها أوفر فائدة إذا رغبتَ في الاطّلاع على المواقف. وهي سبيل إلى مُتَعٍ متنوّعة أيضاً بطبيعة الحال، إذا وفّق المتصفح إلى موادّ جميلة (بوجوه ومعانٍ مختلفة للجمال) يعرضها عليه آخرون.
هذا ويتعلق مقدار التعرّض بالوقت الذي نرتضي قضاءَه في التصفّح وباتّساع شبكة معارفنا وتنوعها، إلخ. ويتفاعل بعضنا مع هذا كله أو لا يتفاعل: بالإكثار أو بالإقلال من الـ”لايك”ـات ومن التعليقات. ويورّطنا ما ننشره أحياناً أو التعليق على ما ينشره الغير في مواجهات قد تصبح عنيفة وتخرج بسرعة على قواعد الحوار المفيد أو اللائق. فإذا نحن تجاوزنا عمّا هو ظرفي كان علينا الالتفات إلى أمر أخير جدير بالانتباه فعلاً: وهو أن الفيسبوك أصبح مادّة من موادّ علاقتنا بالمحيطين بنا في خارجه، أي في عالم “الواقع”. فهو واحد من موضوعات الحديث بيننا وبين من نحادثهم ويتّخذ بين أبواب الحوار اليوميّ أهمّية متنامية.
والخلاصة أن وسيلة الإعلام الشخصية هذه يسعها أن تغيّر نظرة مستخدميها إلى أنفسهم فتمنحهم ثقة بالنفس وشعوراً بالأهمية ويسعها أيضاً أن تذكي شعوراً بالنقص ينجم من قياس النفس بالغير. فإن للفسبكة وجوهاً تنافسية مختلفة تؤثّر أحياناً في العلاقة بيننا وبين أناس نعرفهم. وهي تدفع، في كثير من الحالات، إلى التبعية للـ”نجوم” وتكوين الشلل المسلوبة الإرادة واستقلال الفكر حول هذا أو ذاك منهم، إلى هذا الحدّ أو ذاك. وعلى الأعمّ، يفضي قضاء الوقت الطويل في التصفّح إلى شعور بالضيق وبالتبعية يشبه ذاك الذي يصحب أنواع الإدمان كافّة.
 لا أتلبّث هنا عند الصفحات غير الشخصية: تلك التي ترمي إلى إنشاء جماعة حول موضوع ما: قد يكون هواية أو غواية وقد يكون سلعةً وقد يكون قضية. هذا جانبٌ (أو جوانب) على حدةٍ من الفيسبوك. ويقتضي الكلام فيه متابعة واهتماماً لا أدّعيهما. أكتفي بالإشارة إلى الطموح العامّ للصفحات غير الشخصية: طموحها إلى تكوين جماعات متنوّعة. فيكون مدار الجماعة شخصية أو تنظيماً أو تيّاراً في السياسة، موضوعاً أو قضيّة، نوعاً أو مدرسةٌ في الفنّ أو الأدب أو الفكر، مؤسسةً ترغب في تقديم نفسها أو سلعةً تباع، إلخ.، إلخ. وفي كلّ بابٍ من الأبواب تأتي الصفحات غير الشخصية متنوّعة على غرار البرامج في وسيلة للإعلام، تعلو أو تهبط تبعاً للنهج والكفاءة وللهدف.
يبقى مع ذلك أن الفضاء غير المادّي – ومنه الفيسبوك – ليس، على التعميم، أرضاً للخلود. وهذا على الرغم من اتّساعه المهول لحفظ الموادّ الرمزية. الموادّ هنا عابرة، عادةً، على غرار ما يتعاطاه الإعلام، تتراءى لنظر المهتمّ لحظاتٍ أو ساعات، أيّاماً في أحسن الأحوال. ثم تختفي وتصبح العودة إليها محتاجة إلى بحث يزداد المكترثون لإجرائه ندرة كلّما طالت المدّة. هذا وليس ثمة ما هو أسهل من إزالة صفحة فسبوكية من أصلها. تُزال فلا يحفظ منها أثرٌ أو عينٌ في موضع، وهذا بخلاف الكتاب أو قرص التسجيل. وتبدو هذه الهشاشة مجافية لأنواع من الجدّية توحي بها أنواع من الصفحات. فما يستثير الحنينَ أو الحماسةَ أو غبارَ المساجلات اليوم ينطفئ غداً ويصير تذكّره على همّة معنيين قلائل.
وفي هذا درسٌ لمن يحسب أن الفيسبوك يصلح قياساً لقوّة فكرة أو لمستقبل قضية. وقد اختُبر هذا الوهم في الديار العربية في الشهور الثلاثين المنصرمة وكان من أمره ما كان. هذا ونحن نشير هنا إلى ما صارت إليه صفحات جادّة كانت، في أيامها، شاسعة النفوذ. فما بالك بتلك التي يستسهل الفسابكة إنشاءها ويفرطون في انتحال القضايا لها، متفائلين بخير ليس في أيديهم ما يضمنه. فتصمد الصفحة عشية أو ضحاها وقد تسيء حيث أرادت أن تحسن إذ تُظهر قلّةُ الاستجابة عزوفاً لا يكون مردّه إلى البرَم بالقضية المطروحة بل إلى الشكّ في جدّية الموقع الذي تطرح منه.
في هذا كلّه أسباب للإشاحة عن الفسبكة لم يكن شعوري الشخصي بشيء من التعب أو الملل مبتوت الصلة بها. أضيف إلى هذه الأسباب ما يعرفه فسابكتنا من تفاقم العنف في السجال على صفحاتهم هذه الأيام. هذا العنف المستشري سوري ولبنانيّ على التخصيص. وهو طائفيّ أيضاً: أصلاً أو بالتبعية. وهو يتمثّل كثيراً في انحطاط السجال إلى البذاءة. وفي ظروف تتّسم بالحدّة السياسية من قبيل ما نحن فيه في هذه الأيام، تنشُر البذاءة الملازمة لهذا النوع من الحدّة مناخاً ثقيل الوطأة على النفوس ينحطّ أحياناً إلى درجة توشك أن تذهب بالمتصفح الملتزم إلى شفير الغثيان. وتكاد لا تختلف الحال، لهذه الجهة بين أن يكون المتصفّح طرفاً في الجدال وأن يطّلع عليه وهو يتفقّد موادّ منشورة.
ومن كلام “فرند” لي أن الفيسبوك إنما هو، في واحد من تجلّياته، شارع. ويعبُر هذا الشارع أناسٌ من ذوي الأدب ولكن يرابط فيه آخرون أيضاً يصحّ وصفهم بـ”أولاد الشارع”. ولعلّ عبارات صاحبي تصبح أكثر إنصافاً للفيسبوك وأهله إذا أبرزنا قابليتها للقلب رأساً على عقب. ففي وسع “أولاد الشارع” أن يكونوا هم المارّة العابرين لضيقهم بالمتابعة وفي وسع ذوي الأدب أن يكونوا هم المرابطين للزومهم الذودَ عن قضيّة يحرصون عليها. ذاك إذن وصف يصحّ فيه الوجهان على قول النحويين.
…وهذا، أيّاً يكن الأمر، ما ارتأيت تسجيله فيما أنا ذاهب إلى غيبة عن الفيسبوك قد تكون الكبرى وقد لا تكون.

– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/6/6/%d9%85%d8%a7-%d9%8a%d8%b3%d8%aa%d8%ad%d9%82%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d9%83%d8%a9#sthash.dyuzmq45.dpuf

لبنان ودعوى أمومة الأرض للتاريخ

العدد 655 – 2013/6 – تاريخ و اشخاص و تراث – أحمد بيضون لبنان ودعوى أمومة الأرض للتاريخ
لا جدال في أن تاريخ المجتمعات والحضارات الذي تتعاقب فصوله على نطاق معين من الأرض تستجيب ملامحه، على أنحاء مختلفة، لأثر الأرض التي يدور عليها، بموقعها وتضاريسها ومناخها وسائر بناها. فإن العين المجردة – إن جازت العبارة هنا – تبصر ما تتصف به المجتمعات الصحراوية، مثلا، من وجوه شبه تقرّب ما بينها وتميزها عن مجتمعات الجبال – مثلا أيضا – أو عن مجتمعات أحواض الأنهار أو مجتمعات المدن الساحلية.. إلخ.

 

  • منذ استواء المسيحية دينًا للدولة البيزنطية ثم بعد الفتح الإسلامي، تعزّز السكن في الجبل واستقرت فيه، واحدة بعد الأخرى، طوائف لم تكن على دين الدولة أو لم تكن، في الأقلّ، على مذهبها. وهذه صفة معروفة للجبال في الدول الإمبراطورية ولأطراف الصحارى
  • موقع لبنان وتكوينه الجغرافي جعلا منه أرضًا للتنوع. فهو كان أكثر انفتاحًا على المتوسط بحواضر ساحله وأكثر لصوقًا بالداخل السامي بسهله الداخلي. وكان الجبل، إلى عهد غير بعيد، أميل إلى الانطواء على تقاليد سكّانه وانقساماتهم

 

على أن الاعتراف بهذا الأمر، باعتباره معطى بين معطيات جديرة بالنظر لفهم التاريخ، لا يجعل أهل النظر التاريخي يجنحون بالضرورة إلى نوع من الحتمية الجغرافية تحيل الأرض إلى قدر لأهلها لا يترك لفعلهم الحرّ ولا لما يضطرب به تاريخهم من عوامل أخرى دورًا يذكر في توجيه هذا التاريخ ورسم مساراته.

في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، كان الألماني هيردر مؤسسًا لمدرسة الحتمية الجغرافية هذه، فشكّل فكرة ركيزة للقومية الرومنطيقية أو لقومية الأرض في القرن التالي.

ولكن هذه النظرة، بغلوّها المفقر لما في التاريخ من كثرة العوامل وتنوع الممكنات، لم تكن قط محل توافق بين أهل النظر في التاريخ وإن تكن استوت رافدًا فكريًا لبعض عصبيات القرن العشرين القومية وخصوصًا للألمانية منها. وهذا قبل أن يصل أثرها إلى الفكر التاريخي الناطق بالعربية على يد أنطون سعادة خصوصًا.

وعلى العموم، سعى كتّاب التاريخ الراغبون في تأسيس شخصية تاريخية خاصة للبنان وقومية منفردة، بالتالي، لأهله، وسعى خصومهم أيضًا إلى استمداد الأرض حججًا وأسانيد تشهد بصواب رغبتهم وبوار رغبة مناهضيهم. ولعل المؤرخ جواد بولس (الذي كان في مرحلة من مراحل شبابه من محازبي سعادة) أبرز من تظهر عندهم من بين أصحاب النزعة «اللبنانية» هذه الأطروحة الجغرافية في تفسير التاريخ. ولكنه وإن يكن قد ذهب بها إلى نهاية إمكاناتها، لم يكن حاملها الوحيد. فهي قد بقيت ثابتة من الثوابت التي اعتمدها مؤرخون لبنانيون كثيرون ممن حمّلوا أنفسهم مهمة التأسيس لكيان لبناني يستحق الانفراد عن محيطه بدولة مستقلة.

فكيف هي أرض لبنان في علاقتها بتاريخه وما الذي يمكن التوصّل إليه من وصفها دون أن يكون الانحياز المسبق حاديًا للاستدلال؟

 

مفاعيل البحر

تتشكّل أرض لبنان من شريط ساحلي ضيّق يتوسّط الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط, ومن سلسلة جبال موازية للبحر عن كثب، ثم من سهل داخلي أكثر عرضًا بقليل من الساحلي، فمن سلسلة جبال شرقية أقل عمرانًا من الغربية، في شطرها الشمالي على الأخص.

وقد كان موقع لبنان على البحر سببًا، عبر معظم عصور التاريخ، في أمرين: غلبة التجارة على نظام معيشة الجماعات التي أهلّت سواحله واستدراج الغزاة الذين كانوا يرون في السيطرة على ثغوره شرطًا لتوسيع ممالكهم أو لحمايتها. أما التجارة فقد اضطلعت بها في العصور القديمة حواضر الساحل الفينيقية. ومعلوم أن سكّان هذه الحواضر أتقنوا بناء السفن وأسعفتهم في ذلك كثرة الغابات على جبالهم، ونشروا مستعمرات تجارية لهم على ضفتي المتوسط، بل تجاوزوا أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق لاحقًا) إلى سواحل إفريقيا الغربية.

وعندنا ما يشير إلى أنهم قد يكونون داروا حول القارة الإفريقية، من جهة، ووصلوا، من الجهة الأخرى (وهذا لايزال محلّ جدال) إلى السواحل الأمريكية. معلوم أيضا أن حواضرهم كانت أبوابًا لتجارة الإمبراطوريات الداخلية التي سيطرت على بلادهم أحقابًا طويلة من الزمن، وكانت عواصمها في بلاد ما بين النهرين وفي مصر وفي بلاد فارس لاحقًا. ثم انقلبت دائرة السيطرة إلى الشمال الغربي في عهد الإسكندر المقدوني وخلفائه السلوقيين ثم إلى روما فبيزنطة.

ذلك يظهر أهمية هذا الساحل بما هو بوابة مفتوحة على عالمين: متوسطي وآسيوي. وهو كان بهذه المنزلة موقعًا ومنطلقًا للثقافات القديمة ولتفاعل العادات والمعتقدات والخبرات فضلاً عن تبادل السلع. على أن هذه الأهمية نفسها كانت تجعل منه هدفًا للفاتحين وموضوع صراع بينهم.

وكان ذلك سببًا، في بعض المراحل، لدمار حواضره. وكان سببًا أيضًا، في الجانب الأعظم من العصور القديمة، لدخوله تحت حكم الفاتحين القدماء واحدًا بعد آخر. وهو ما تشهد به النقوش الباقية على صخرة نهر الكلب الذي استوى ممرًا تقليديًا للجيوش، عبر التاريخ القديم. وقد تميّزت عصور هذا التاريخ بعضها عن بعض بتعاقب الموجات الغازية ومنها القادمة من بلاد ما بين النهرين ومنها القادمة من وادي النيل. وهذا قبل أن تستقر الغلبة للإمبراطوريات الهندية الأوربية: الفارسية أولا فاليونانية فالرومانية. وقد وجد جيش الفتح الإسلامي نفسه يواجه جيوشا بيزنطية في الداخل السوري وعلى السواحل. ولم يكن قد مضى ربع قرن على دحر البيزنطيين آخر موجة فارسية في أوائل القرن السابع الميلادي حين استولت جيوش المسلمين على بلاد الشام كلّها. وهو الحدث الذي رسم مصيرها منذ نيّف وثلاثة عشر قرنًا إلى اليوم.

كانت حواضر الساحل الفينيقي قد أخذت تفقد خواصّها اللغوية والحضارية بالتدريج وتكتسب خواص الداخل السامي وتتلقى معها آثار الحضارة الهلينستية منذ أوائل العهد السلوقي أي قبل الفتح الإسلامي بنحو ألف سنة. على أن الساحل حفظ دوره التجاري، في ظل السلم الروماني، وعرفت حواضره ازدهارًا عمرانيًا وثقافيًا بارزًا. وهو حفظ هذا الدور على تقطع في معظم العهود الإسلامية، إذ كانت الخلافة الإسلامية قد شكلت عالمًا قائمًا بذاته ضم إليه معظم سواحل المتوسط من الغرب وترامت أطرافه الشرقية إلى الهند وإلى حدود الصين.

وعلى الرغم من أن حال الحرب كانت تحدّ من التبادل التجاري بين الشرق الإسلامي وأوربا و(آسيا الصغرى) المسيحية، في بعض المراحل، فإن هذه الحركة كانت نشطة نسبيًا قبل العهد الفرنجي بقرون عدّة وكان لموانئ الساحل الشامي نصيب مرموق منها.

وقد استولى الفرنج على هذا الساحل كله أو على أجزاء منه مدة قرنين تقريبًا، ابتداء من نهاية القرن الحادي عشر. وطبيعي أن التبادل انتعش كثيرًا في ذلك العهد بين ممالكهم الشرقية والممالك التي جاءوا منها في أوربا. على أن دائرته كانت تتّسع إلى الأقطار الإسلامية المحيطة بهم أيضًا في مراحل الهدنة والمسالمة وهي كانت كثيرة. إلا أن هزيمة الفرنج الأخيرة ورحيلهم عن هذه البلاد أفضيا إلى خمول بعض الحواضر الساحلية وذوائها زمنًا طويلاً، فقد أقدم المماليك على تخريب القلاع والمرافئ في بعض المدن درءًا لغزوات الفرنج الذين لبثوا في جزر المتوسط القريبة مدة غير قصيرة وكانوا يغيرون منها على السواحل. هكذا لم تستعد الحواضر المذكورة حيويتها إلا بالتدريج في العهد العثماني. وكانت بيزنطية قد سقطت وسيطر العثمانيون على حوض المتوسط الشرقي. مذّاك أخذ الساحل يسترد دور حلقة الربط بين الشرق والغرب. وهو دور لبث يتعزّز مع تنامي النفوذ الأوربي بكل منطوياته في الأقطار الشرقية ولايزال مستمرًا إلى اليوم.

 

الوديان وعصبيات الجبليين

هذا عن الساحل. وأما الجبل فكان في القديم ملاذًا دفاعيًا لسكّان الحواضر وكانت غاباته تستثمر لأغراض شتّى, أهمها صناعة السفن. وكانت تجتازه مسالك متجهة نحو الداخل وتقوم على بعض قممه معابد ومنشآت مختلفة. ومنذ استواء المسيحية دينًا للدولة البيزنطية ثم بعد الفتح الإسلامي، تعزّز السكن في الجبل واستقرت فيه، واحدة بعد الأخرى، طوائف لم تكن على دين الدولة أو لم تكن، في الأقلّ، على مذهبها. وهذه صفة معروفة للجبال في الدول الإمبراطورية ولأطراف الصحارى البعيدة، إذ كثيرًا ما يكون الانفراد المذهبي أو الديني سببًا للإقامة فيها وتؤدي هذه الإقامة أحيانًا إلى تعزيز الانفراد المذكور حفظًا لتماسك الجماعة. وقد كانت الدول الإسلامية المتعقبة – شأنها شأن سائر الإمبراطوريات في التاريخ – دولاً متنوعة العناصر والثقافات لا تفترض الاندماج الاجتماعي أو القومي أساسًا لها وتحتمل في العادة وجود جماعات شبه منفصلة تترك لها إدارة شئونها الداخلية بشرط ألا تصل إلى العصيان وأن تحترم العقد القائم بينها وبين الدولة القائمة وكان محوره الأهم، في الأغلب، أداء الضريبة.

هكذا تكوّنت شخصيات أو عصبيات خاصة للطوائف اللبنانية. وكانت هذه الشخصيات أو العصبيات تميل بالجماعات إلى الانغلاق النسبي وتنطوي على عادات وتقاليد بعضها ذو أصل ديني قريب أو بعيد (وثني أحيانًا) وبعضها مستقى من ظروف الحياة في بيئة الجبل الطبيعية وبعضها مستوحى من المحيط الأوسع. وكان أهم ما بقي مشتركًا بين الطوائف وبينها وبين محيطها في السهول وفي الصحارى والسواحل نظام العائلة الأبوي. هذا النظام (وهو عربي وشرقي) استبقاه الإسلام وإن كان نشر فوقه هوية دينية جامعة. وهو استوى، في الجبل وفي غيره، أساسًا للتنظيم الاجتماعي ولسياسة الجماعات ولجانب كبير من قيم السلوك. وهو كان يظهر في الحواضر، بالرغم من الاختلاط الذي ميّز معظمها ومن خصوصية نظام الحياة فيها. وكان يظهر أيضًا في السهول والبوادي فيقسمها بين القبائل والعشائر والأقوام. وكان يظهر في الجبال فيلابس استقلال الطوائف بأجزاء منها. هذا الاستقلال كان، في الأصل، انفصالاً للطوائف بعضها عن بعض. وكان أيضًا حدًا للصلات بالمحيط الأوسع ولم يكن استقلالا عن الدولة كما أسلفنا، إلا في حالات محدودة من الزمن انعقدت فيها ظروف تاريخية استثنائية عزّزت الدواعي إلى العصيان. وأما الانغلاق النسبي دون المحيط فحدّ، مثلاً، لقرون عدة من فعل التعريب في بعض مناطق الجبل، مستبقيًا فيها جزرًا سريانية ترقى إلى العهد الآرامي المتأخر. وكان التعريب قد بدأ في الشام قبل الإسلام بقرون عدة. فحلّت العربية شيئًا فشيئًا محل الآرامية والسريانية بعد مسيرة لا شك أنها كانت متقطعة, ولكن ندرة الأصول لا تسمح برسم مراحلها ترسّمًا تفصليًا.

وأما انفصال الطوائف بعضها عن بعض فبقي غالبًا إلى العهد العثماني وأسعفته طبيعة الجبل الذي تفصل بين أقاليمه وديان عميقة رسمت بفصلها ما بين الجماعات ملمحًا من ملامح لبنان التاريخي شأنها في ذلك شأن الموقع الساحلي والمعتزل الجبلي وانبساط السهل الداخلي وخصوبته. فلا يسعنا أن نتمثّل جغرافية لبنان الطائفية في تطورها التاريخي ما لم ننتبه إلى هذه الوديان التي استوت حدودًا بين الطوائف في مراحل استقرارها وتكوّنها وأخّرت بدء تجربة الحياة المشتركة بينها على نطاق واسع إلى العهود العثمانية.

 

السهل الداخلي وهاجس الأمان

وأما السهل الداخلي ففرضته خصوبته وانبساطه مكانًا للسكن المستقر منذ أقدم العصور. وتدلّ آثاره وأخباره القديمة على عراقة مراكزه الحضرية وأهميته الزراعية. وهو كان أيسر اتصالا، في القديم، بالمجال الآرامي الواسع. فغلب عليه الالتفات إلى الشرق في ما حفظ الساحل، عهودًا طويلة، خصوصيته الكنعانية وانفتاحه على حضارات المتوسط المختلفة. ولكن السهل كان أيضًا ممرًا لقبائل البدو المترحلة وكان أمان سكانه رهنًا بفاعلية الحماية المتاحة له من جانب الدول التي تعاقبت عليه بولاتها وحامياتها. وكان لبعلبك أهمية استراتيجية كبيرة باعتبارها محطة وحامية على الطريق الممتدة من العقبة إلى حمص وحلب. وقد تبع السهل إداريًا مركز دمشق القريب إليه، منذ العهد الروماني على الأقل. وحين عمر الجبل في العهود الإسلامية، تشابكت الصلات بين مناطقه ومناطق السهل. فبات لكثير من العشائر والعائلات مصيف في الجبل ومشتى في السهل، بحسب حاجات الرعي والزراعة. وكان لهذا الأمر انعكاسه على تكوين السلطة الإقطاعية في كل من المنطقتين، فنشأت زعامات إقطاعية مشتركة. وباتت السيطرة على البقاع لاحقًا مطمحًا لأمراء الجبل. على أن الجبل شهد منذ القرن التاسع عشر حركة تحديث ألحقت إنتاجه الزراعي بشبكة الرأسمالية الأوربية وحاجاتها وأثّرت تأثيرًا بالغًا في بناه الاجتماعي. وأما البقاع، لاسيما جروده فبقي إلى عهد قريب – ولايزال من بعض الوجوه – أكثر المناطق اللبنانية محافظة على بنى عشائرية ورثها من غلبة الرعي والزراعة التقليدية على معيشة أهله ومن ألفة هؤلاء للقبائل البدوية ومقتضيات أمنهم في قراهم وأراضيهم.

 

خلاصة: التنوّع والوحدة وحدود النزاعات

والخلاصة أن موقع لبنان وتكوينه الجغرافي جعلا منه أرضًا للتنوع. فهو كان أكثر انفتاحًا على المتوسط بحواضر ساحله وأكثر لصوقًا بالداخل السامي بسهله الداخلي. وكان الجبل، إلى عهد غير بعيد، أميل إلى الانطواء على تقاليد سكّانه وانقساماتهم. ولكن حاجته إلى الساحل والسهل كانت مستمرة وظلّت شبكة العلاقات بينه وبينهما تتنامى وتزداد عضوية منذ أوائل العهد العثماني على الأقل. وكان التنوع الطائفي فيه ينزع بكل قسم من أقسامه إلى المحافظة على شخصية خاصة به. ولكن حركة السكان من طوائف مختلفة بين مناطقه تحوّلت إلى واقع ذي دلالة تاريخية حاسمة منذ العهد المملوكي، على الأقل، فدفعت طوائفه إلى مزيد من الاختلاط وأكسبته موقعًا توحيدي النزعة تدريجيًا. وكان اندراج هذه المناطق اللبنانية في المجال الشامي الأوسع واقعًا مؤكدًا عبر التاريخ.

ولكن هذا المجال اللبناني نفسه، وإن تكن له سمات حضارية غالبة، كان بدوره بالغ التنوع. فلم يشكل بمفرده دولة مستقلة، بل كان في العادة جزءًا من دول أوسع رقعة منه. وشكّلت أجزاء منه، في مراحل تاريخية كثيرة، دويلات أو أشباه دول بقيت تابعة، إلى هذا الحد أو ذاك، للإمبراطوريات الكبيرة. وحين نشأت دولة لبنان سنة 1920، كانت شرائحها الطولية متكاملة في إقليم رائع التوازن، وكانت شبكة العلاقات التاريخية بينها قد بلغت درجات متباينة من الكثافة تبعا لتباين المناطق وتنوع العناصر الطائفية. ثم اكتسبت هذه الشبكة كثافة جديدة، إذ تعزّزت بمؤسسات الدولة الواحدة وبجاذبية العاصمة الواحدة وبسبل التواصل المختلفة. هذا كله حوّل البلاد (برقعتها الصغيرة نسبيًا) إلى جسم واحد وأبطل إلى حد بعيد ما كان للخصائص الجغرافية التي تتميّز بها كل من مناطقها من مفاعيل اجتماعية. فقد انتشر النموذج المدني الواحد من الساحل إلى الجبل والسهل. ولم تعد الوديان حوائل يشعر بها الناس في تنقّلهم اليومي. وإذا كانت قد بقيت، مع ذلك، أسباب تكوينية للنزاع بين الجماعات التي تشكّل منها المجتمع اللبناني تاريخيًا، فهي كانت تتصل بالطموح إلى تحسين شروط الشراكة في الدولة الواحدة وفي المجتمع الحديث الواحد. أي أن النزاع – حين وقع – كان نزاعًا في إطار الوحدة والتحديث ولم يسعه – بالرغم من بعض المظاهر المخالفة لهذا الرأي – أن يكون نزوعًا إلى فكّ الوحدة أو نكوصًا إلى عزلة فات زمانها.

—————————————-

* مؤرخ من لبنان.