لغةٌ مُشْكِلة أم عالَمٌ مُشْكِل؟

أحمد بيضون

هنا أو هناك يقع واحدنا على إشارة (إن لم يقع على مطالعة ضافية) يأخذ صاحبها على العربية عجزها عن مجاراة ما يسمّى الحضارة الحديثة أو المعاصرة، وهذه، في واقع الحال، حضارات. يقابل وجهة النظر هذه موقف آخر ينبري للدفاع عن اللغة بإبراز ثرائها الضخم بالألفاظ والطواعية المؤكّدة لبناها وتمكّنها، في ماضٍ مضى، من الاستواء مركباً لحضارة عظيمة كان بُناتها ناطقين بالضاد ومن مجاراة انفتاحهم، نظراً وترجمةً، على حضاراتٍ عظيمة أيضاً كانت قد سبقت زمانهم.
يشدّد الأوّلون على الفيض من الألفاظ غير العربية (بل ومن التراكيب والبنى الأجنبية أيضاً) ممّا يزخر به كلامنا اليومي ويبرزون كذلك ما يلقاه المترجم العربي، لا في نقل النصوص العلمية أو الفنية وحسب، بل في نقل أعمال من قبيل النثر الروائي أيضاً. ويردّ الآخرون بمدائح يخصّون بها نظام الاشتقاق العربي بما يتميّز به من كثرة الموازين واختصاص كلّ منها بفئة معنوية بحيث يتيسّر للمترجم أن يختار منها ما يناسب اللفظ أو المصطلح الأجنبي الذي يستوقفه وأن يقترح له ما يجده حسناً من الكثير الموجود أو يلجأ إلى الوضع عند الضرورة. ويضيف هؤلاء إلى الاشتقاق سبلاً أخرى من قبيل النحت، وهو الاجتزاء من لفظين لدمجهما في واحد جديد، أو تعريب الألفاظ وهو تبني اللفظ غير العربي بعد تطويعه، إذا لزم الأمر، لواحدٍ مناسب من الأوزان الصرفية. إلخ.
على أن هذين الفريقين من المجادلين يهمل كلاهما، في معظم الحالات، مسألتين حيويتين للغاية لا مسؤولية للفصحى عنهما. أولاهما مسألة غير لغوية أصلاً، بمعنى الكلمة الدقيق، هي ما نرى تسميته «مسألة أصل العالم» الذي بات الناطقون بالعربية مقيمين فيه. وأما الثانية فهي مسألة العاميّات واستوائها مراكب للتعامل الأوّل أو المباشر مع العالم المذكور وأثر ذلك على استعداد الفصحى التي يصل إليها طلب التعامل المشار إليه متأخراً في الغالب… يصل إليها بعد أن تكون استجابة العامّية (أو العامّيات) قد حصلت وفرضت نفسها واقعةً يتعذّر تجاهلها على المقاربة الفصحى للتحدّي نفسه. فالحال أن الفصحى، بما هي نظامٌ وتراث، كثيراً ما تأنف من الحلّ الذي ترتضيه وتفرضه عامّيةٌ من العامّيات لمسألة جديدة من مسائل التسمية التي تطرح على المتحدّث أو تُطرح على مؤلّفٍ أو مترجم.
وما نسمّيه مسألة «أصل العالم» ههنا إنما هو الإشكال الناجم عن سكنانا عالماً بات مستورداً من ألفه إلى يائه تقريباً. ليس علينا إلا التلفّت حولنا لنتحقق من كون الأشياء التي تحفّ بنا من كلّ جانب إنّما هي، في معظمها، أشياء وصلت إلينا من خارج نطاقنا الحضاري ووصل معها أيضاً كثير من وجوه تصرفنا بها وتفاعلنا معها. قد تكون قطعة الأثاث هذه صنعت في معمل غير بعيد عن بيتي. ولكن من أين جاء مثالها الأوّل؟ وأهمّ من هذا، في ما يعنينا هنا، أن نسأل من أين جاء اسمها. ولا يقتصر الأمر على الأشياء المصنوعة التي تتكوّن منها بيئة حياتنا. فحتى المزروعات التي نستنبتها ونعدّها من عطايا الطبيعة وفد علينا كثير منها ومعها أسماؤها من ديار بعيدة. وحتّى مؤسسات المجتمع ونظم الأفكار الجديدة نسجت على منوالاتٍ مستوردةٍ هي أيضاً. وغنيّ عن القول أن ما يحمل، في جملته، اسماً واحداً تحمل أجزاؤه أو مكوّناته أسماء أخرى وتلزم لاستعماله أو للتصرّف به أفعالٌ وعبارات قد يكون بعضها وُضع له، على التخصيص، أو اعتُمد للفئة التي ينتمي إليها في الأقلّ.
فالحال أننا أصبحنا نترجم معظم حياتنا والعالم الذي تندرج فيه هذه الحياة عن عوالم أجنبية ولغاتٍ غريبة. فبات محالاً اعتبار الترجمة أمراً استكمالياً يطرأ على دنيا تامّة الأوصاف أو هي مكتملة العناصر بمعزل عن حصوله. وأمّا منطلق هذه الواقعة الضخمة فهو أن الأشياء المستوردة تفد، في كثير من الحالات، ومعها أسماؤها بلغات المنشأ ومع الأسماء ألفاظ أخرى هي لوازم الاستعمال والتدبّر. وهو ما يمثّل تحدّياً ضخماً، بمعنى الضخامة الحرفي، للغة من يبقى إسهامهم في صنع عالمهم ضئيلاً فتبقى سلطتهم اللغوية عليه مخرّقةً هنا مهزوزةً هناك متهالكةً هنالك. تلك هي المسألة التي سميناها مسألة «اصل العالم».
وأمّا دور العامّيّات أو المحكيّات في مفاقمة المحنة التي تمثّلها للفصحى علاقتها بهذا العالم الممعن في التغير دون توقّف فهو جليّ. وذاك أوّلاً أن العامّيات متساهلة للغاية، مفتوحة الشهية للّفظ الوافد، تسرع إلى اعتماده وإن يكن مخالفاً لأدنى مطالب الفصحى وشروطها. فتقبل العامّية، في ما تقبل، أصواتاً لغوية لا وجود لها في العربية ولا تسأل عن مطاوعة اللفظ الجديد لوزن صرفي عربي يلائم معناه ومبناه ولا يقلقها أن يبدأ اللفظ بحرف صحيح ساكنٍ، مثلاً، أو أن يلتقي فيه ساكنان، إلخ. ثم إن العامّيات كثيرة ويحصل ان تأخذ واحدة منها بحلّ لمسألة من مسائل التسمية تُطْرح عليها وتأخذ الأخرى بحلّ آخر.
وأمّا الفصحى فتصل إلى ساحة الحلول متأخّرة في أكثر الأحوال. وهي تلقى، إذ تواجه ما ترسيه العامّيّات، عناءً في فرض ما تراه مناسباً لذائقتها ولأصولها على الجمهور. وكثيراً ما يخيب سعي الفصحى فتُداخل النصوصَ الموضوعة فيها ألفاظٌ وتراكيب لم تجد اللغة سبيلاً إلى نبذها فيما تُنْبذ بدائلُ فصيحة اقترحها اللغويون. ولا تكاد تحصى محتويات سلّة المهملات اللغوية من حلول أقترحها اللغوي واستبعدها الجمهور، وبعضها ممتازٌ وبعضها أمسى مادّةً لتندّر المتندّرين.
لا أمل في حلّ شامل لمشكلة العلاقة هذه بين الفصحى والعالم المعاصر ما دام أهل الفصحى لا يجدون سبيلاً إلى تحسين موقعهم من هذا العالم وتعظيم نصيبهم من إنشائه المتواصل. فما يخصّ اللغةَ نفسها من هذه المشكلة يبقى محدوداً، على أهمّيته. ولا يُبْطل هذا ضرورة السعي المعزّز لتيسير الفصحى وتوسيع قابليتها لمنافسة العامّيات أو مسايرتها في استقبال كلام العالم المتجدّد والتعبير عن حفاوتها به. وهذه مهمّة عرضنا، في أعمال قديمة، لمقتضيات القيام بأعبائها وقد تكون لنا إليها عودة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

«وطني دائماً على حقّ»!

أحمد بيضون

في نحوٍ من ستمئة صفحة، وفي نسختين: فرنسيّةٍ أصلية وعربية منقولة، رَوت صونيا فرنجية الراسي سيرة والدها رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق سليمان فرنجية. ولكن العائلة كلها حاضرة في هذه السيرة. الكبار حاضرون ابتداءً من جدّ المؤلّفة قبلان الذي يبدأ معه ما يشبه أن يكون سيرةً سياسية للعائلة. ويخلفه ولده الأكبر حميد الذي يُخْرج الزعامة العائلية إلى أفق السياسة الوطنية فعلاً فيصبح نائباً في مجلس الجمهورية الحديثة النشوء ثم وزيراً مؤسساً للدبلوماسية اللبنانية ثم مرشّحاً لرئاسة الجمهورية… أي سياسياً، في جميع هذه الأطوار، لا تعدو زعامة العائلة والوجاهة في الناحية أو في المحافظة أن تمثّلا خلفية له يتعدّاهما مجال حضوره الأهمّ ونشاطه الأبرز بأشواط. بعد حميد الذي أخرجه نزفٌ دماغي من حلبة السياسة قبل الأوان، يتقدّم إلى الواجهة العامّة سليمان، أخوه الوحيد وصاحب هذه السيرة التي تكتبها ابنته. وكان سليمان، قبل انكفاء حميد، حاضراً في البلدة (زغرتا-إهدن) وفي الجوار الذي تبسط عليه هذه البلدة نفوذها، يرعى فيهما مصالح العائلة على اختلافها ومنها – على الخصوص – مصالحُ أخيه الانتخابية.
هل يستنفد هذا الكتاب الضخم أن نعدّه سيرةً سياسية لسليمان فرنجية تلمّ بوقائعَ ومسائلَ ووجوهٍ قريبة وبعيدة على غرار ما يُفترض في سِيَر الشخصيات العامّة؟ يغرينا عنوان الكتاب باعتماد هذه النظرة. «وطني دائماً على حق!» شعارٌ أطلقه سليمان فرنجية، في سنة 1969، أي في ظرفِ تصاعُد الحمّى السياسية التي سبق استبدادُها بلبنان تسلّمَ الرجل رئاسة البلاد. والشعار مستعارٌ (مع كتمان المصدر!) من عبارة أطول منه بقليل ولكنها أقرب إلى الصراحة في العصبية للأديب الفرنسي موريس باريس: «أَجْعَلُ الحقَّ في جانب وطني دائماً وإن يكن على باطل!». غير أن الفضول الذي تستثيره قراءة الكتاب يبدو منبعثاً من مصدرٍ آخر. فهذا الكتاب ليس سيرةً فرديّةً على الرغم من دورانه الواضح حول فرْد. وإنما يجعل منه «موقع الراوية» فيه والعين التي تنظّم بها هذه الأخيرة عالمَها وثيقةً أنثروبولوجية تطرح أوّل ما تطرح شروط إمكانها على الشاكلة التي منحَتها أوصافَها بما هي سيرةٌ ذات طرازٍ مميّز.
وأوّل ما يجعل تصنيف الكتاب على أنه سيرةٌ لشخصية سياسية أمراً مشكلاً أو ملتبساً هو حضور المؤلّفة نفسها فيه. فحين تكون صونيا فرنجية بالقرب من والدها – وهذه هي الحال غالباً – تجعل من نفسها، بما هي شاهدة، طرفاً تامّ الأوصاف من أطراف الحدث. فنُلمّ بالمزاج الذي كانت عليه حين وقع حدثٌ من الأحداث قد يكون جللاً ونقع على ذكرٍ لمناسبة ما كانت ذاهبةً إليها وعلى وصفٍ لثيابها المختارة لتلك المناسبة وعلى استعادةٍ لشعورها ولكلامها وتصرّفها عند وقوع الحدث. وهي تقيم في خارج البلاد، أحياناً، بعيداً عن أسرتها الوالدية، شأنها حين تلتحق بزوجها في الرياض أو حين تكون في سياحةٍ فتتبعها روايتها حيث تكون. فهل هذه سيرة لصونيا فرنجية الراسي إذن يحضر فيها والدها حضور الوالد المعتاد في حياة ابنته وقد يروح ظلّه ينكشف كلّما كبرت هي واستقلّت بأمرها؟
يتعذّر الأخذ بهذه الفرضيّة لأن الإبنة باقية في المدار القريب لوالدها وإن ابتعدت عنه بالجسد، في وقت من الأوقات، ولأن طريقتها في إدراج حياتها في حياته لا تستبقي لها حياةً قائمة بذاتها فعلاً وتنذر بانفراط الكتاب انفراطاً تامّاً لو جازفنا باعتباره سيرة لمؤلّفته. ثم إن الكتاب يوقف روايته قبل ثلاثين سنة من اليوم أي مع مغادرة الوالد حلبة السياسة. فيوحي بذلك أن صاحبته التي لم تكن تبدو ميالة إلى إهمال شخصها ووقائع حياتها، قبل هذا التاريخ، أصبحت لا تجد ما تقوله عن نفسها في ثلاثة عقود انقضت على اعتزال من كان الرأس الفعلي لعائلتها قبل هذا الانسحاب وبعده.
حوْلَ هذا الرأس تنعقد سيرةٌ ليست سيرتَه وحده ولا سيرةَ المؤلّفة وحدها. فإنما تنعقد سيرة العائلة كلّها وتتسرّب هذه في حياة البلدة (زغرتا-إهدن) وفي حياة البلاد كلّها بحيث توشك أن تستوي مداراً لحياة البلاد أو تُبادلها المداريّة دون إمكانٍ سهل لتعيين جهةٍ من الجهتين ينبجس منها المدار وينتمي إليها. ومعنى هذا التسرّب أنّه سيتعذّر علينا أن نستشعر اختلافاً في الحال أو المآل بين الرجل الذي يلعب طاولة الزهر في «نادي» منزله أو يتناول قهوته مع اثنين من رجاله في مقهى من مقاهي طرابلس وذاك الذي يشهر مسدّسه وهو يُهرع للاحتماء من الرصاص بعمود من أعمدة الكنيسة في قرية مزيارة المجاورة وذاك الذي يباشر مهامّه رئيساً للجمهورية بعد أن فاز بالمنصب بأكثرية صوتٍ واحد.
وذاك أن العائلة هي الأصل والأفق هنا وليس الشخصُ إلا عنوانَها ولسانها. بل إن الطائفة والوطن (الذي هو دائماً على حقّ) ليسا إلا مجال العائلة ومضمارها. وما يجعل الكتاب وثيقةً أنثروبولوجية مستحقّةً أن تتّخذ هي نفسها موضوعاً للدرس، إنما هو هذه الحميمية ذات المصدر العائلي تنبعث من العلاقات ومن التصرّفات والأشياء مهما يكن نطاقها أو صعيدها. فالذي يحضر الاجتماع أو يتّخذ القرار أو يستقبل الزوّار هو الوالد طبعاً وهو الزعيم أيضاً وهو الرئيس بلا فصل ولا تمييز.
عليه نطّلع من الكتاب على نظرة المؤلّفة إلى العالم وهي نظرة منتمية إلى بيئة بعينها ودالّة عليها. ولا ريب أن الكتاب يستردّ أيضاً وجهاً مختلف الملامح نسبياً لرئيس غلب على صورته العامّة صيت القسوة والعنف الصادرين من عالمٍ ريفيّ مختصر. غير أن قوّة التشويق التي في النصّ تنبع من حيث أشرنا: أي من اختلاط العامّ والخاصّ في مساكنةٍ غير مؤكّدة الشرعية ومن نزهة طويلة يؤخذ فيها القارئ إلى حياة بيت وأسرة بعينهما فيما تتوالى في المساق نفسه حوادث لم تلبث أن أدمت البيت نفسه حين كانت تسيل الدماء في البلاد أنهاراً.

أحمد بيضون

La Societe politique libanaise a l’epreuve du “printemps arabe”

La société politique libanaise à l’épreuve du « printemps arabe »

Ahmad Beydoun

 

« Vieux débat qui oppose les tenants des réformes

 aux inconditionnels de la souveraineté.

Il court à travers les affrontements interlibanais

 opposant l’establishment musulman désireux

 d’élargir sa participation au pouvoir,

 à la classe politique chrétienne agrippée

 à un système qui garantit son hégémonie. »

Nadine Picaudou, La déchirure Libanaise,

Éditions Complexe, Paris 1989, pp. 222-223.

Plus de 40 mois se sont écoulés depuis le déclenchement des explosions en série tôt baptisées « printemps arabe »[1]. Les attitudes diverses des principales formations qui se partagent la scène politique libanaise vis-à-vis de ces mouvements de révolte survenus dans plusieurs pays arabes ou encore des régimes politiques dont ces mouvements ont jusqu’à présent accouché ont beaucoup évolué. Loin de se faire dans l’ordre et à la lumière des cheminements que les mouvements en question ont connu, cette évolution libanaise a souvent pris des tours partiellement chaotiques, dénotant surtout l’embarras des parties concernées mais soulignant aussi la constance et la prééminence de leurs positions sur l’échiquier libano-régional et de leurs options politiques de base. L’embarras dont faisait montre telle ou telle de ces formations procédait souvent de la nécessité de justifier par des tours de force verbaux des changements d’alliances secondaires dans la bataille régionale engagée ou encore (ce qui est plus significatif) de changer d’attitude ou de comportement vis-à-vis du processus de changement politique engagé dans tel pays affecté par la vague protestataire.

La tempête arabe dans le vide libanais

Au moment de l’éclatement de la révolution tunisienne, le gouvernement libanais d’union nationale se débattait dans une crise qui allait provoquer sa chute quelques jours avant la fuite de Ben Ali. L’objet de la crise était la coopération du gouvernement avec le tribunal spécial pour le Liban chargé par le Conseil de sécurité d’instruire et de juger la série d’assassinats politiques qui avaient culminé, en février 2005, dans l’attentat fatal perpétré, à Beyrouth, contre le cortège de l’ancien premier ministre Rafic Hariri. En démissionnant, les 10 ministres représentant le « bloc du 8 mars » (soit le tiers du cabinet) avaient amené le gouvernement au bord du gouffre. Or, afin de rendre son départ inéluctable, il fallait, aux termes de la constitution, la démission d’un onzième membre. Le Hezbollah obtint sans problème celle d’un ministre chiite supplémentaire, pourtant membre du groupe du Président de la République au sein du gouvernement.

La chute du gouvernement Hariri allait enfoncer le pays dans une nouvelle phase de la crise de régime qui le secouait, au moins depuis l’été 2004. Le Liban est resté sans gouvernement, sinon celui, démissionnaire, de Hariri qui expédiait les affaires courantes, pendant 5 mois entiers. C’est seulement le 13 juin 2011 que Najib Mikati, un milliardaire du nord du pays, réputé alors proche du Président syrien, réussissait à former un gouvernement incluant principalement les formations qui avaient provoqué la chute du cabinet précédent mais excluant les principaux blocs de l’ex-majorité parlementaire, notamment celui de Hariri. Mikati avait pu réaliser cet exploit difficile grâce, surtout, au renfort parlementaire du leader druze Walid Joumblatt dont la défection avait suffi à réduire l’étroite majorité, au pouvoir depuis les élections de 2005, en nouvelle opposition.

Cet intermède a permis au pouvoir libanais de demeurer très largement à l’écart des développements décisifs que 5 ou 6 pays arabes avaient connu ou commencé à connaître entre-temps et qui avaient déjà affecté profondément l’échiquier régional, garant à son tour des équilibres, des alliances et des orientations politiques au Liban. Les mouvements révolutionnaires avaient triomphé en Tunisie puis en Égypte au cours de ce temps mort Libanais. Une situation de guerre civile s’était développée en Libye, bientôt orchestrée par les bombardiers atlantiques venus à la rescousse du mouvement insurrectionnel anti-Kadhafi. Au Yémen, le pouvoir de Saleh s’érodait à vue d’œil mais celui-ci s’accrochait encore et, au prix d’une répression plus ou moins bridée, réussissait à maintenir, sur les places publiques, un équilibre incertain avec l’opposition révoltée. Enfin, le 15 mars, se déclaraient à Déraa, les prémices sanglantes de ce qui allait devenir un long calvaire syrien.

En trois mois, ce ras de marée avait donc submergé d’immenses espaces arabes. Soit : les dernières semaines de la crise qui paralysait le gouvernement Hariri et les deux premiers mois de quasi-vide gouvernemental inauguré par sa chute. Tout décisifs qu’ils aient pu être, les premiers épisodes des soulèvements tunisien et égyptien furent brefs : ils ne comportèrent pas, aux niveaux international et régional, d’occasion mettant le Liban officiel au défi de se prononcer sur des questions susceptibles d’aggraver les tensions de la scène politique libanaise. Dans le cas du Yémen, l’Arabie Saoudite put s’arroger un rôle assez représentatif d’un certain consensus arabe et international. Ce qui épargnait à d’autres, dont le Liban, l’embarras de prendre position. Il en allait autrement de la crise libyenne. Forte du consensus arabe, la délégation libanaise à New York, encore sous l’autorité du gouvernement démissionnaire, put représenter le bloc arabe dans la soumission au Conseil de sécurité du projet de la résolution 1973 qui, adoptée le 18 mars, ouvrit la voie à l’intervention atlantique. Ce fut la première et la dernière occasion où le Liban réussit, dans le contexte des bouleversements en cours, à se placer dans le camp de l’initiative et de l’action. Désormais, face surtout à la crise syrienne, l’État libanais allait, selon la formule qui connaît depuis une certaine fortune locale, adopter une attitude de « prise de distances », c’est-à-dire, à peu près, s’abstenir. Ce sera la tactique adoptée autant au Conseil de sécurité où le Liban restera membre intérimaire jusqu’à la fin de l’année 2011, qu’aux réunions tenues sous la houlette de la Ligue des États arabes. Au sein de la Ligue, le Liban, autant que l’Algérie et souvent l’Irak, se plaçait désormais dans le camp de l’exception.

Des perceptions mouvantes et ambivalentes

En vérité, pour les forces politiques principales du Liban, la vague révolutionnaire arabe, presque dans chacun des pays où elle s’est développée, émettait des messages qui, tout en aiguisant les contradictions intra-libanaises, pouvaient s’avérer contradictoires aux yeux de chacun des récepteurs. Par exemple, le séisme égyptien frappait un régime dont les relations avec le camp libanais dit du 14 mars étaient excellentes. L’écroulement de ce régime foncièrement pro-américain et observant jalousement les exigences de la paix signée avec Israël, devant faire plaisir, en principe, à leurs parrains syro-iraniens, les membres du camp libanais dit du 8 mars étaient sensés l’accueillir favorablement. Or, la réalité devait vite s’avérer trop complexe pour se laisser assujettir automatiquement à ce schéma. Sur le terrain, la révolution égyptienne ne faisait pas montre d’une hostilité particulière à l’encontre d’Israël. Dans leur ensemble, les thèmes de politique étrangère y restaient discrets. Elle gagnait vite un appui américain des plus fermes contre le régime pourtant réputé être le client des États-Unis. Enfin et surtout, les progrès marqués par les Islamistes, au fil des premiers mois écoulés après la chute de Moubarak, ne paraissaient guère rassurants pour les représentants libanais de l’autre Islam : celui d’obédience iranienne… Néanmoins, cet état des choses allait évoluer discrètement, le gouvernement iranien lui-même cherchant, afin de mitiger son isolement arabe, à amadouer le pouvoir des islamistes égyptiens. À vrai dire, le cœur ne semblait pas y être…

En cette même année 2011, le cas de la Libye faisait l’objet aussi de perceptions libanaises ambivalentes. Certes le régime de Kadhafi avait depuis longtemps perdu son aura anti-impérialiste. Au surplus, le chiisme politique libanais reprochait au dirigeant libyen, depuis 1978, la disparition à Tripoli de l’Imam Moussa al-Sadr, son chef charismatique. Il n’empêche que Kadhafi bénéficiait de l’appui du régime syrien, co-parrain avec le pouvoir iranien de ce même chiisme et de ses alliés. De plus, la force de frappe atlantique était, pour ce même camp libanais, un moyen malvenu, quoique indispensable, pour détrôner le leader libyen. Il en allait de même de l’islamisme libyen qui risquait de faire le pont, en Afrique du Nord, entre deux autres révolutions dont l’orientation sunnite, réformiste ou conformiste, se confirmait.

… « Et le Bahrayn, alors ? »

De son côté, la révolte du Bahrayn, lancée le 14 février 2011, mettait dans l’embarras l’autre camp libanais proche de l’Arabie Saoudite. C’était un mouvement populaire comme les autres et le silence vis-à-vis de son écrasement, d’ailleurs avalisé par la Ligue des États Arabes, laissait deviner un jeu de doubles standards. On avait beau évoquer la main secrète de l’Iran dans le soulèvement de la majorité chiite de ce pays : c’était adopter la même logique, bien contestable, dont l’adversaire usait pour discréditer d’autres mouvements. Bien entendu, cet adversaire (soit, en gros, les forces dites du 8-mars) n’allait pas manquer d’exploiter à fond le mutisme d’en face sur la répression au Bahrayn. On prit l’habitude, surtout, de rappeler à ceux qui s’avisaient de dénoncer la répression en cours en Syrie qu’ils n’avaient rien dit des crimes (bien moins massifs, il est vrai) du régime de Manama et de ses alliés!

Progressivement, la scène politique libanaise s’acheminait vers un paradoxe. Refoulant quelque peu sa religiosité affichée, le bloc chiite, maintenant en position de force au sein de la coalition au pouvoir, était amené à dénoncer, directement ou par alliés interposés, le conformisme religieux du « Printemps arabe ». À cause de cette tare –disait-on ici et là – ce printemps n’en serait pas un. À l’extrémité opposée de la scène, les moins pieux (qui n’en sont pas moins communautaristes) se trouvaient amenés à défendre l’islam politique égyptien ou tunisien, mettant en évidence surtout sa représentativité, le potentiel réformiste de certaines de ses tendances et, enfin, son acceptation déclarée de la règle du jeu démocratique qui rendrait possible, le cas échéant, son éviction pacifique du pouvoir.

Le paradigme syrien

En vérité, c’est la crise syrienne qui désormais va servir de moule aux attitudes des forces politiques libanaises vis-à-vis du « vent de liberté » qui a soufflé sur le Monde arabe. Mettant fin aux ambivalences issues des autres soulèvements et aux contradictions qui ont marqué l’attitude vis-à-vis d’eux de chacun des deux camps libanais, le soulèvement syrien alimentera une vision très manichéenne du « Printemps arabe » tout entier. Par-delà quelques nuances, indispensables pour rendre tant soit peu crédible la thèse défendue par chaque camp, la Syrie des trois dernières années, vue à travers les œillères libanaises, sera pour les uns le théâtre d’un complot impérialiste où des régimes arabes fantoches, surtout le qatari et le saoudien, jouent, de concert avec le gouvernement turc d’Erdogan, un rôle d’exécutants très affairés et, pour les autres, une révolution démocratique étonnante par le courage et la persévérance des forces populaires qui y prennent part. Révolution ou complot ? Cette vision des choses que les développements de ces derniers mois semblent de nouveau brouiller, a forcément déteint sur la perception que les uns ou les autres ont désormais de la situation dans d’autres pays affectés par les bouleversements alors en cours.

Par exemple, les adeptes de la théorie du complot ne verront plus sur la nouvelle scène égyptienne des Frères musulmans ou celle tunisienne de la Nahda, pourtant issues d’élections en règle, qu’islamistes rétrogrades qui, tout fermés et fanatiques qu’ils sont, n’opposent aucune résistance conséquente aux intrusions impérialistes. Dans sa version la plus caricaturale, la théorie du complot accorde, par exemple, au « sioniste » Bernard Henri-Lévy un rôle de tout premier plan dans le chambardement libyen ; elle déniche, à partir de là, des signes plus discrets de machinations que ce même monsieur aurait entreprises dans beaucoup d’autres pays, suggérant un rôle moteur du sionisme mondial dans tous les soulèvements arabes en cours. De son côté, le camp d’en face fait prévaloir, pendant longtemps, une attitude de déni devant les dangers qui minent, de l’intérieur et de l’extérieur, les chances d’une évolution démocratique du soulèvement syrien et, plus généralement, des mouvements qui ont abouti à un changement de régime dans d’autres pays arabes : attitude qui tend à bloquer le débat libanais sur des questions dont l’importance est pourtant reconnue par des intellectuels et des forces politiques arabes qui sont parties prenantes des mouvements concernés. Tout se passe comme si, dans la radicalité de leur affrontement autour de la situation en Syrie, les polémistes libanais seraient, à quelques exceptions près, les plus inaptes de tous à tenir compte de la complexité des processus qui se développent en Syrie même et dans d’autres pays arabes.

Précurseur ou modèle ?

Un autre aspect du débat libanais mérite d’être souligné. Aux yeux des porte-parole du rassemblement du 14-Mars, leur mouvement de 2005 baptisé « Révolution du Cèdre » aurait été le précurseur du réveil populaire que le Monde arabe a connu à partir de décembre 2010. Plusieurs données viendraient étoffer cette thèse : la mise en avant par les manifestants libanais de revendications animées d’un souffle puissant de liberté, le caractère multiconfessionnel de l’immense manifestation qui a donné son nom au rassemblement du 14-Mars, la présence massive de jeunes autant dans la manifestation que dans les initiatives qui l’ont préparée ou suivie, le fait que, ce jour-là, la mobilisation a eu lieu sous le seul drapeau national, excluant ainsi la segmentation partisane de la foule mobilisée, le fait aussi que, conjugué avec une pression internationale très importante, ce mouvement a réussi à réaliser un objectif de premier plan qui est le départ des troupes syriennes, présentes alors depuis une trentaine d’années sur le sol libanais, et le desserrement, par voie de conséquence, de la poigne sécuritaire qui tenaillait les libertés, le fait, enfin, que le même mouvement a contribué à lancer l’enquête puis le tribunal international en vue de mettre fin à la série d’assassinats politiques alors en cours et de démasquer ceux qui les ont perpétrés, etc.

Il est évident que cette prétention 14-marsienne d’avoir été l’hirondelle du printemps arabe, table également sur l’ampleur exceptionnelle des masses mobilisées. Force est toutefois de noter que la comparaison se développe au prix d’une omission systématique de l’essentiel. La manifestation libanaise survint en réaction à une autre mobilisée 6 jours plus tôt sous le signe de la « fidélité à la Syrie». Cette dernière, spectaculaire, elle aussi, était conduite par le duo Hezbollah-Amal et avait, en dépit de la participation de petites organisations dites « laïques » et d’autres formations très minoritaires dans leurs milieux communautaires respectifs, une couleur chiite très prononcée. D’avoir polarisé les « blocs hégémoniques » dans 3 ou 4 communautés, la manifestation du 14 mars, à son tour, n’en puisait pas moins le plus clair de ses énergies dans un antagonisme d’options communautaires.

De plus, le mouvement qui culminait dans cette immense manifestation, se contentant d’un remodelage de l’arène politique, ne remit jamais en cause le système politique du pays, basé sur le communautarisme. Il n’occasionna aucun changement notable dans les directions héritées de la période de guerre ou encore plus ancestrales, des formations engagées. Il s’est montré, quant à sa vision des institutions, fort peu réformiste. En dépit d’un effort d’élaboration considérable, il échoua à faire adopter une nouvelle loi électorale relativement plus favorable à l’élargissement de la représentation populaire et à sa diversification. Avec le passage à l’autre camp du « Courant » du Général Aoun, le rassemblement du 14-mars a perdu très tôt une part considérable de sa substance chrétienne. Cet autre camp en gagnait, de son côté, une certaine diversité communautaire. La défection plus tardive de Walid Joumblatt porta un autre coup dur au rassemblement du 14-mars. Toutefois, Joumblatt ne rejoint pas franchement les rangs de l’autre bloc. Cette redistribution des poids politiques aurait, dit-on, mitigé la « contradiction principale » qui clive le pays : contradiction qui d’islamo-chrétienne historiquement, s’est muée, depuis le départ des troupes syriennes, en antagonisme sunnito-chiite. La modification partielle du décor est certaine, sa valeur de garante de la paix civile l’est beaucoup moins. Des réformes concernant la majorité électorale et le vote des émigrés furent effectivement adoptées, mais leur mise en œuvre dut être repoussée et reste douteuse. Les polarisations communautaires ne paraissent pas s’apaiser et accélèrent même leur course à l’institutionnalisation.

Qu’à cela ne tienne, diraient les 14-marsiens ! Si, à tant d’égards, la Révolution du Cèdre n’a pas annoncé le « Printemps arabe », du moins le système libanais s’offre-t-il avec assez d’évidence, en modèle de construction politique et institutionnelle, à suivre par les révolutions arabes en cours. Les pays qui viennent de jeter le masque du monolithisme nationaliste imposé par la dictature, ne se dévoilent-ils pas désormais sous des traits qui rappellent irrésistiblement ceux de la société libanaise ? Du moins la multiplicité communautaire de cette dernière et le modèle politique qui paraît en découler… Des intellectuels et des politiques ressassent ce thème. Il a même fait, pendant l’hiver 2012, l’objet d’un colloque international organisé par un centre de recherches dépendant de l’armée libanaise.

Il est difficile de ne pas réagir en disant que pareil discours recèle une bien triste nouvelle pour les révolutions arabes. En effet, cette suggestion de modèle survient à un moment où la formule libanaise laisse voir des signes d’extrême essoufflement. Les tares du communautarisme paralysent comme jamais avant la gestion politique du pays, laissant libre cours au développement de graves menaces de tout ordre. Au moment où le premier ministre Mikati s’estime forcé de présenter, enfin, sa démission, la machine étatique offre le spectacle d’une désintégration avancée, les pouvoirs en place faisant étalage de leurs incohérences et de leur inefficacité. La corruption bat son plein. La vie chère a englouti à l’avance les augmentations des salaires. Les services publics paraissent croulants. Sur un autre plan, les inféodations contradictoires aux puissances régionales opposées offrent d’office le pays en proie de développements sur lesquels il n’a aucune prise réelle.

Le stade qu’a atteint le communautarisme politique fait qu’aucune formule de gouvernement ne semble plus viable. En effet, les gouvernements dits d’ « union nationale » sont vite paralysés par leurs contradictions et ne tardent pas à voler en éclats. La majorité et l’opposition reflétant chacune une dominante communautaire, les gouvernements de majorité sont nécessairement frappés de déséquilibres communautaires peu tolérables pour la logique du système et, par ailleurs, ne font guère preuve de la cohérence escomptée. En général, les gouvernements, étant formés de parties qui se définissent par leurs appartenances communautaires, les polémiques au sein même du gouvernement restent susceptibles de dégénérer en bras de fer intercommunautaires. C’est donc qu’on maquille en solution exportable ce qui est, en fait, le problème.

Un affaissement général

En vérité, le chambardement arabe en cours frappe déjà d’anachronisme le débat politique libanais et affaiblit conjointement les ténors de la société politique de notre pays, pouvoir et opposition confondus. Au gouvernement Mikati, trônaient des formations (Hezbollah, courant aouniste…) qui, au fil des dernières années, ont vu s’effilocher lamentablement le mythe de haute performance et d’imperméabilité à la corruption dont elles s’étaient enveloppées. La crise syrienne dévoile l’instrumentalisation de ‘la résistance à l’agresseur israélien’ ; on la découvre muée, depuis fort longtemps, en alibi d’une dictature qui est désormais sans fard ; La même crise rend obsédants les doutes libanais sur les motivations réelles du militantisme anti-israélien tel qu’il est pratiqué et entretenu par le régime iranien. La non-centralité de la question palestinienne dans les soulèvements arabes ajoute à l’isolement régional du Hezbollah et, partant, du camp du 8-mars jusqu’à hier au pouvoir.

Le camp du 14-mars ne va pas mieux. Sa formation principale, « le Courant du Futur », pâtit depuis la disparition de Hariri père d’un déficit en leadership. Faisant valoir des dangers pour sa sécurité, Saad Hariri est absent du pays depuis de nombreux mois. Longtemps avant l’apparition des difficultés où se débattent ses finances, le clan Hariri a substantiellement réduit les fonds qu’il consacre à l’entretien de sa clientèle. Cette conduite de retrait était, pendant assez longtemps considérablement aggravée par une apparente désaffection saoudienne vis-à-vis du bourbier libanais : désaffection qui s’était confirmée depuis l’échec, après le sommet tripartite de Baabda en juillet 2010, des efforts syro-saoudiens visant à rapprocher les deux camps qui se partagent la scène politique libanaise. Il est difficile aujourd’hui de parler d’un modèle haririen de développement pour le Liban dans le même sens où il était question d’un modèle haririen de reconstruction, largement contesté d’ailleurs, pendant les années 90. Les composantes chrétiennes du rassemblement du 14-mars s’essoufflent à leur tour dans un discours sur l’État souverain qui, tout en étant fort légitime, s’avère incapable de donner lieu à une quelconque initiative suggérant qu’il s’agit d’un véritable projet politique.

Confrontés à l’effervescence arabe, ces blocages semblent alimenter une lassitude générale. Les forces politiques en place n’ont pas de projet national ou sont dépourvues de moyens adaptés à leur projet. Le piétinement touche au pourrissement. Seules les révolutions arabes, et surtout la crise syrienne, continuent, en lui servant d’objet, à donner un certain lustre à la polarisation libanaise. Certes l’intérêt pour les développements en cours en Tunisie, en Libye et même en Égypte n’est plus à Beyrouth ce qu’il était il y a un an ou deux. Sans décliner, l’attention au développement de la crise syrienne a changé de nature parallèlement aux transformations de cette crise elle-même. Conscient de la profondeur du clivage que l’épreuve syrienne ne cesse de creuser, le gouvernement libanais s’était efforcé de poursuivre sa politique d’abstention. Les forces politiques principales ont semblé d’accord, pendant un premier temps, pour éviter de projeter leur différend dans la rue. Seuls des groupes marginaux ont manifesté en solidarité avec les victimes de la répression en Syrie. Souvent, des formations pro-régime de la même taille leur ont fait face. Des personnalités significatives (par exemple : Joumblatt) ont participé à certains rassemblements ; elles se sont cependant abstenues de mobiliser leurs partisans pour l’occasion. D’ailleurs, ces rassemblements ont pratiquement disparu avec l’escalade de la violence et la mise en veilleuse des manifestations de rue en Syrie même.

Cette stagnation au niveau des forces politiques majeures s’est traduite par des défections dans tous les sens. Dénonçant l’apparente inertie du courant de Hariri, les islamistes de Tripoli aussi bien que les salafistes de Saida ont pris fait et cause pour le soulèvement syrien. Hariri s’était rendu à Damas au lendemain de la formation de son gouvernement d’union nationale, scellant, avec le président syrien, une paix que nombre de ses partisans n’ont pas digérée. Passé à l’opposition, il a opéré une reprise graduelle de son langage hostile au régime syrien, parallèlement à l’expansion de la révolte en Syrie. Cette évolution, d’ailleurs assez réticente à s’exprimer dans des initiatives concrètes de solidarité, ne semble pas suffisante pour traduire l’ébullition que provoque en milieu sunnite libanais la sauvagerie de la répression à Deraa ou à Homs ou encore la mise à contribution contre des zones urbaines de missiles Scud ou de bombardiers Mig. D’où le sentiment que, dépassé sur plus d’un plan, le Courant du Futur est en décroissance de prestige et de crédibilité.

Le tandem à dominante chiite ne parait pas en mesure de tirer partie de cette régression de l’adversaire que d’aucuns pourraient trouver paradoxale au vu du contexte régional. Quelle qu’en soit l’issue, la crise syrienne aura montré, après le mouvement vert en Iran, le pourrissement des bases internes de l’axe de la « Momana’a » (la résistance à la domination israélo-américaine). Les révoltes arabes, même si elles n’arrivent pas à les incarner dans les institutions, ont mis en avant une revendication de libertés démocratiques et de bien-être social : revendication fort peu en phase avec la mobilisation belliqueuse qui, réduisant les peuples en entités géopolitiques, tend à concentrer les énergies dans la bataille contre l’ennemi extérieur. Par ailleurs, sinon les noyaux durs des formations de ce camp, leur environnement populaire comprend souvent mal que des mouvements jadis fondés sur l’idée de libération et, dans le cas du Hezbollah, érigeant la révolte contre l’injustice et l’oppression en dogme fondateur quasiment théologique, puissent se montrer si hostiles à un soulèvement qui fait preuve de tant de détermination et consent un prix si élevé afin d’abattre une dictature.

L’engluement chiite

L’évolution récente du comportement hezbollahi dans la crise syrienne mérite un supplément d’attention. Depuis l’automne 2012, l’implication directe du Hezbollah dans le conflit armé en Syrie n’est plus un secret. Le parti ne pouvait s’en cacher pendant longtemps. Les corps rapatriés de Syrie pour être inhumés chez eux, sans être, au départ, très nombreux, ont induit une nouvelle phase dans la polarisation libano-libanaise sous l’effet du conflit syrien. Officiellement, le parti s’est d’abord dit défendre des villages chiites proches de la frontière et aussi des mausolées vénérés par les Chiites surtout celui de Zaynab bint Ali près de Damas. Léger, le prétexte pouvait servir à faire taire les parents des victimes mais non le camp opposé. Ce dernier a vite attribué au parti un rôle beaucoup plus complexe dans les combats. Ce dont la bataille de Qusayr, verrou proche de la frontière libanaise de la route Damas-Homs, puis celle beaucoup plus complexe de la vaste région montagneuse du Qalamoun également limitrophe du Liban ont montré l’exactitude. Depuis, la milice libanaise, combative et bénéficiant d’un haut niveau d’entraînement, est réputée pallier aux déficiences de l’armée syrienne sur bien des fronts de la Syrie occidentale. Parallèlement, la justification de ce rôle qui, au début de l’été 2014, avait déjà coûté la vie à près de 400 combattants du parti a été reformulée. Désormais, la formation chiite dit combattre pour la survie même de la « Résistance »…

Le fait que des groupes salafistes envoient, de leur côté, des jeunes gens se battre dans les rangs des formations opposées au régime n’est pas contesté. Toutefois, les deux interventions ne sont pas comparables. Les groupuscules intégristes du Nord Liban ou, aussi, ceux des camps palestiniens, ne paraissent pas peser lourd, jusqu’à nouvel ordre, vis-à-vis de l’énorme machine hezbollahi… Au surplus, le Hezbollah est un partenaire majeur dans le gouvernement libanais, tenu, en principe, d’appliquer la politique de non-immixion adoptée par ce dernier. Son refus de se plier à cette obligation paraît être une des raisons ayant entraîné, en mars 2013, la chute du gouvernement Mikati. Indépendamment du rapport de force, le fait que des combattants appartenant aux deux grandes communautés de l’Islam libanais se font pratiquement face sur le territoire syrien est, par ailleurs, très alarmant en lui-même. Il laisse craindre un transfert des accrochages en territoire libanais et, par conséquent, l’inauguration d’affrontements sunnito-chiites susceptibles de dégénérer en guerre civile générale.

Jusqu’à ces développements relatifs à la crise syrienne, on pouvait tenir l’influence iranienne pour un facteur d’apaisement de la scène libanaise ou, tout au moins, d’endiguement des vélléités d’embrasement à grande échelle. L’Iran semblait satisfait de disposer de tant d’impact sur la politique du gouvernement libanais et voulait probablement éviter au Hezbollah l’embourbement dans des affrontements internes de grande envergure ; il entendait, sans doute, réserver l’intégrité de la force de frappe du Hezbollah à un autre usage : celui de facteur de dissuasion que Téhéran pouvait opposer aux plans israéliens (et éventuellement atlantiques) d’intervention militaire contre les implantations nucléaires iraniennes. C’est probablement la dégradation des positions du régime syrien, autre maillon décisif du réseau stratégique iranien, qui a décidé Téhéran à intensifier ses efforts sur le territoire syrien et à inviter le Hezbollah à y participer. La passivité occidentale en Syrie et le desserrement relatif du bras de fer irano-américain dans le Golfe, ne pouvait qu’encourager cette option. La faiblesse, au Liban même, du camp favorable aux islamistes syriens permet, jusqu’à nouvel ordre, d’éviter les dérapages indésirables et le maintien de la tension intercommunautaire à un niveau d’acuité somme toute gérable. Ce ne serait plus le cas, cependant, si le régime de Damas et ses alliés s’avéraient incapable de venir à bout  des forces hostiles à l’influence iranienne dans la région et, en particulier, au Liban… Vu à la lumière de cette éventualité, le coup de main chiite donné au régime affaibli d’Assad parait loin de réserver l’avenir.

Entre-temps, l’affluence de réfugiés à travers la frontière pose des problèmes de secours, mais aussi de sécurité, de plus en plus hallucinants. En ce milieu de 2014, près d’un million-cent-mille réfugiés sont déjà inscrits. Le nombre des non-inscrits est inconnu mais sans doute considérable. Cette masse énorme de réfugiés (l’équivalent, sans doute, de plus de 30% de la population libanaise) promet de croître encore surtout si les combats s’intensifient dans la région de Damas. Les réfugiés ajoutent par leur présence dans le quotidien social, un autre aspect au caractère intra-libanais de la crise syrienne. Cette présence est, en effet, l’objet de débats partisans mouvementés. Les moyens que, dans un contexte de crise socio-économique, le gouvernement et la société libanaise peuvent investir afin de faire face à ce désastre humain sont manifestement insuffisants ; l’aide internationale ne semble pas suivre l’amplification multidimensionnelle du problème…

La crise institutionnelle

Après la démission du gouvernement Mikati, le Liban est resté  sans gouvernement (sinon ce même gouvernement chargé d’expédier les affaires courants) pendant 316 jours : exploit mondial, apparemment, que ne devance que le record belge de 2010-2011 et qui dépasse de près d’un mois le record irakien également récent. Pourtant, la nomination de Tammam Salam pour former un nouveau gouvernement avait bénéficié d’une quasi-unanimité parlementaire. Personnalité modérée s’il en est, Salam, qui est l’héritier d’une « maison politique » beyrouthine fort affaiblie depuis la Guerre du Liban, est un 14-marsien. Il n’appartient cependant pas à la formation politique de Hariri dont il est l’allié électoral. En principe, l’intervention hezbollahie en Syrie, pomme de discorde monumentale, opposant les deux grands rassemblements parlementaires, avait été vite mise à l’écart du débat relatif à la formation du nouveau gouvernement. Les 14-marsiens n’ont pas fait de leur demande réitérée de retrait des combattants chiites du territoire syrien une condition dont la non-réalisation déboucherait sur un refus de siéger avec le Hezbollah au même gouvernement. De son côté, le parti chiite s’est abstenu d’exiger un entérinement officiel par le futur gouvernement de son intervention aux côtés du régime syrien. En vérité, ce compromis était indispensable si l’on ne voulait pas réduire sine die à zéro les chances de doter le pays d’un gouvernement.

Cela étant, le litige qui prolongeait la crise ministérielle avait pour objet apparent la « formule » du nouveau gouvernement : soit le nombre des sièges, les dosages partisans, la répartition des portefeuilles, etc. Mais l’on savait que d’autres calculs d’ordres interne et régional, faisait préférer au Hezbollah – au moins – le vide estimé plus apte à lui laisser les coudées franches. Forcées de siéger avec lui au futur gouvernement, les formations opposées à son aventure syrienne devaient s’abstenir de trop faire monter les enchères.

Dans cette atmosphère de quasi vide exécutif, le Parlement dont le mandat devait expirer le 20 juin 2013, s’est doté d’un supplément de vie de 17 mois prétextant de la sécurité précaire qui rendrait hasardeux le processus électoral. C’est, par conséquent, l’assemblée autoprorogée (dont la légitimité pouvait désormais être questionnée) qui devait introniser le nouveau gouvernement et élire avant le 25 mai 2014 un nouveau président de la République. La formation du gouvernement allait se faire attendre longtemps encore. L’on ne put s’entendre sur une formule qu’à la mi-février 2014 c’est-à-dire peu avant l’entrée du Parlement en période d’élection présidentielle. Très probablement, l’approche de cette dernière échéance expliquait le feu vert (allumé dit-on de l’extérieur du pays) qui mettait fin à la crise gouvernementale. « On » voulait avoir un nouveau gouvernement susceptible d’assumer exceptionnellement les fonctions de la première magistrature au cas où le Parlement échouait à remplacer le Président sortant.

Pendant les derniers mois de son mandat, le Président Sleiman ne ménageait pas ses critiques envers l’aventure syrienne du Hezbollah, ce qui énervait beaucoup ce dernier. Le Président évoquait régulièrement la déclaration de Baabda entérinée, entre autres, par le représentant du Hezbollah le 11 juin 2012. Ce texte officiellement communiqué à l’ONU et à la Ligue des États Arabes, préconisait l’observation d’une attitude de neutralité dans les conflits régionaux. C’était bien avant le changement de cap imposé –  dit-on – au Hezbollah par l’Iran. S’introduisant indirectement dans cette polémique, le roi saoudien donnait un coup de main au Président en faisant un don de trois milliards de dollars à l’armée libanaise au sein de laquelle l’influence hezbollahi ne cesse apparemment de grandir. Cette somme devait servir essentiellement à l’achat d’équipements francais, la France étant un fournisseur habituel de l’armée libanaise. L’initiative saoudienne n’a nullement intimidé le Hezbollah et ses alliés qui l’ont très mal recue…

En définitive, le Parlement échoua à élire un nouveau président. Le vide qui s’est installé au Palais de Baabda ne semble pas près d’être comblé. Il vient s’ajouter à la légitimité problématique du Parlement pour rendre encore plus précaire l’équilibre constitutionnel des Pouvoirs et surtout leur représentativité communautaire. Le gouvernement Salam a passé les premières semaines de vacance présidentielle à discuter laborieusement le modus operandi de l’exercice, prévu par la constitution dans le cas d’espèce, des prérogatives présidentielles par le conseil des ministres. Il s’avère que l’exigence de consensus limite encore, dans cette situation d’exception, la capacité d’initiative de ce gouvernement où se font face les ténors rivaux du pays. Il suffirait d’une recrudescence de la tension politique pour paralyser l’exécutif sans espoir d’arbitrage interne ni de déblocage d’autorité.

Entretemps, la crise sociale n’a pas cessé de s’envenimer ; la revendication d’une nouvelle grille des salaires a engendré une agitation assez soutenue donnant lieu à une série de grèves et à d’énormes manifestations de rue. N’ayant pas obtenu gain de cause, cette mobilisation ne semble bridée que par la dégradation de la sécurité due aux attentats le plus souvent suicidaires perpétrés en réponse aux activités hezbollahi sur les fronts syriens. Les adversaires de la formation chiite ne manquent pas d’occasions de rappeler à celle-ci qu’au lieu d’éloigner le péril jihadiste de la scène libanaise, elle l’y a importé… L’insécurité n’est cependant pas de nature à freiner l’inflation ni le gonflement de l’énorme dette publique. Depuis plus de 2 ans, la découverte de gisements sous-marins de gaz naturel à l’est de la Méditerranée laisse espérer aux Libanais une amélioration de cet aspect de leur sort. L’instabilité politique empêchant, jusqu’à présent, la signature des contrats d’exploitation (d’ailleurs suspects de comporter des irrégularités), le début même du long processus d’exécution se fait encore attendre.

Aspect rassurant du tableau : les forces armées et les services de sécurité font preuve jusque-là d’une certaine efficacité. Ils donnent l’impression de fonctionner assez bien face à un danger qui, pour une fois, inquiète autant le chiisme politique que les sunnites modérés du gouvernement. Toutefois, ils ne sont nullement à l’abri des zizanies confessionnelles ni des dangers qui en découlent pour leur neutralité politique et leur cohérence. L’obédience politico-communautaire, en général haut affichée, du chef de chacun de ces corps déteint sur le corps entier. On fait vite d’entourer d’un halo de quasi-miracle la collaboration de deux services qu’on porte au compte de l’intégrité patriotique de leurs parrains respectifs. Le Hezbollah – nous l’avons déjà signalé –  est réputé disposer de centres d’influence au niveau du haut commandement de l’armée et du service de renseignement militaire. Compte tenu de l’affaissement des pouvoirs politiques, on va même jusqu’à évoquer la possibilité de l’occupation des « trois présidences » du pays par un troika militaire dont les membres bénéficient déjà d’une grande notoriété.

**

En gros, les révoltes arabes et les développements subséquents ont introduit, à des degrés sans doute divers, un sentiment de caducité, sinon une atmosphère de crise, chez les principales formations constitutives de la société politique libanaise. Ainsi que l’ont montré sur la place publique les deux grandes manifestations de mars 2005, ces formations étaient largement représentatives des grandes communautés qui se font face dans le pays. Elles le sont encore, sans doute, mais montrent des signes concordants d’essoufflement. Les phobies communautaires réciproques ralentissent toutefois le développement de forces de renouveau politique proprement dit et entretiennent la bipolarité. Les manifestations anti-communautaristes, lancées avant le déferlement révolutionnaire dans la région, ne paraissent pas avoir été significativement encouragées par ce dernier. L’évolution des révolutions arabes et surtout celle de la révolution syrienne a encore amenuisé les chances dont bénéficieraient les Libanais de desserrer l’étau des adversités communautaires, fondement du système politique en place dans leur pays.

L’État libanais doit faire face à ces développements menacants avec des institutions politiques croulantes affectées autant par l’inoccupation du fauteuil que par leur déficience en légitimité. En effet, la première magistrature de l’État semble devoir rester vacante pendant longtemps. Le Parlement devra se faire reconduire encore une fois avant novembre 2014.  Le conseil des ministres que scinde une tranchée politique profonde ne peut prendre de décisions qu’à l’unanimité. La parfaite entente qui doit y régner n’est évidemment pas fonction de la seule bonne volonté de ses membres ni même exclusivement de consensus politique interlibanais.  En crise permanente depuis de nombreuses années, le système politique du pays donne l’impression d’être entré dans une phase de dysfonctionnement irréparable et d’inaptitude structurelle à faire face aux graves problèmes où se débat le Liban.

Indications bibliographiques 

BEYDOUN, Ahmad, La Dégénérescence du Liban ou la Réforme orpheline, Col. Sindbad, Actes Sud, Paris 2009.

BICHARA, ‘Azmi, Suriyya, Darb al-Âlâm nahwa al-Hurriya  (Syrie : le Calvaire vers la Liberté), Al-Markaz al-‘Arabî lil-Abhâth wa Dirâsat al-Siyâsât, Beyrouth 2013.

FILIU, Jean-Pierre, La Révolution arabe : Dix Lecons sur le Soulèvement démocratique, Fayard, Paris 2011.

HABIB, Camille, Lubnân : al-Hudna bayna Harbayn (Liban : un Intermède entre deux Guerres), Al-Mu’assasa al hadîtha lil-Kitâb, Beyrouth 2014.

INTERNATIONAL CRISIS GROUP, “A Precarious Balancing Act: Lebanon and the Syrian Conflict”, Middle East Report no 132, Nov. 2012.

INTERNATIONAL CRISIS GROUP, “Too Close for comfort: Syrians in Lebanon », Middle East Report no 141, 13 May 2013.

INTERNATIONAL CRISIS GROUP, “Lebanon’s Hizbollah Turns Eastward to Syria”, Middle East Report no 153,  27 May 2014.

MAJED, Ziad, Syrie, la Révolution orpheline, Col. Sindbad, Actes Sud, Paris 2014.

PICAUDOU, Nadine, La Déchirure libanaise, Éditions Complexe, Paris 1989.

SINNO, Abdul-Ra’ouf, Lubnân al-Tawâ’if  fî Dawlat mâ Ba’d al-Tâ’if, (Le Liban des Communautés après Tâ’if), Orient Institute, Beyrouth 2014.

[1] Ce texte a été préparé en mars-avril 2012 sur une invitation de Nadine Picaudou. Resté inédit, j’ai décidé de le lui offrir dans le cadre de ces Mélanges. En attendant la mise en route de la publication, j’ai du procéder à deux mises à jour successives dont la dernière est datée du début juillet 2014.  

ميشال فوكو لا يزال في الثلاثين

أحمد بيضون

يستذكر أهل الفلسفة والتاريخ وسائر علوم الإنسان والمجتمع، في هذه الأيام، ميشال فوكو إذ انقضى على رحيله ثلاثون سنة. يستذكرونه ويخصّونه بالمقالات وهم لم يكونوا قد نسوه. ففي سنة 2007، كانت منشورةٌ مختصّة تشير إلى أنه الأوّل في العالم بين من تُسْتقى الشواهد من أعمالهم في مجال العلوم الإنسانية.
هذا ولم تكن هذه الأعوام الثلاثون خاويةً من أعمال له أصبحت في متناول العموم أو جُمعت وأعيدت إلى متناولهم بعد رحيله. وهي لم تكن خاويةً أيضاً من كتب ومقالات تناولت الشخصَ وأعماله وكتب بعضها كبارٌ من أقرانه أمثال الفيلسوف جيل دولوز والمؤرّخ بول فين. وفضلاً عن الطبعات المتواصلة لمؤلّفاته والترجمات التي حملتها في أربعة رياح الأرض، صدرت مع انقضاء السنة العاشرة على غيابه مجلّداتٌ أربعة يربو مجموع صفحاتها عن ثلاثة آلاف ضمّت تحت عنوانٍ عامّ هو «المقولات والمكتوبات» أعمال الرجل «الصغرى» أي مقالاته وأحاديثه، خصوصاً، مرتّبةً بحسب تواريخ نشرها الأصلي.
وكان فوكو قد أوصى بألا تُنشر له، بعد وفاته، أعمالٌ لم تكن نشرت في حياته أي ـ مثلاً ـ نصوصٌ له بقيت مخطوطة. وكانت المجلّدات الأربعة قد استبعدت نشر الدروس التي ألقاها فوكو في أربعة عشر عاماً (تسقط منها سنةٌ سابعة) كان فيها أستاذاً في «الكولّيج دو فرانس»، وهو «الجامعة المفتوحة» التي بلغ عمرها قروناً ولبثت تعدّ أرفع مؤسسات التعليم العالي والبحث مقاماً في البلاد من غير أن تُجري امتحاناتٍ أو تمنحَ شهادات. فكان أن استوى نشر هذه الدروس مشروعاً على حدة راحت تترى مجلّداته في السنوات اللاحقة ليكتمل عقدها في السنة الجارية بظهور الثالث عشر منها تحت عنوان «الذاتية والحقيقة»، وهو يحوي دروس السنة 1980 ـ 1981. فإن تتابع الصدور لم يراعِ تتابع سنيّ التدريس (التي كانت آخرها سنة 1983-1984) مراعاةً تامّة…
لعلّ نشر هذه الدروس انطوى على مخالفة لوصية فوكو الآنفة الذكر. وقد أخذت نصوصها عن أشرطة المسجّلات التي كان بعض الحضور يضعها على منبر المحاضر. مع ذلك، لا يسعنا إلا أن نعتبر وجودها بين أيدينا محلّ ترحيب. كان مضمون البعض من هذه الدروس قد استعيد في كتبٍ لفوكو صدرت في المدّة نفسها: في «المراقبة والعقاب» وفي «تاريخ الجنس» بالأجزاء الثلاثة التي صدرت منه. ولا يخلو بعضها الآخر من استعادة لمؤلّفات أخرى له سبق صدورها أو تأليفها التحاقه بـ»الكوليج دو فرانس» وخصوصاً لـ»تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» ولـ»الكلمات والأشياء» ولـ»علم آثار المعرفة».
وقد يصحّ الافتراض، بسبب من هذا التكرار، على التحديد، أن فوكو ما كان ليوافق على نشر الدروس… وأما ترحيبنا نحن بنشرها فإن التكرار المشار إليه واحدٌ من الدوافع إليه. ويبقى التكرار بعيداً، في كلّ حال، عن استنفاد ما في هذه الدروس من قوّة الفكر وألمعية العرض والمنطق وغزارة المعارف ومن الخصوصية الشديدة للمصادر أيضاً: (محفوظات السجون والمصحّات، المؤلّفات القديمة في الطبّ، إلخ، إلخ.) . فإذا قرنّاها بالمجلّدات الأربعة التي سبق ذكرها وقفنا على شريط زمني تنتظم على مداه موضوعاتٌ وأنواع من النصوص بالغة الوفرة ولكن يتّصل في مداه أيضاً مخاض فكري متلاطم أو مخاضات. فههنا نقع على النظريات والكشوف التي بسطتها كتب المؤلّف وهي لا تزال تتكوّن ولا يخلو تكوّنها من بعض تعثّر أو تردّد. ثم نقع أيضاً على حالاتِ نزوعٍ إلى الخروج على ما كان الرجل نفسه قد اعتمده أو خلص إليه… أو ان هذا ما يبدو لنا، في الأقل.
وبين أهمّ ما يدخل في باب إعادة النظر مسألة «الذات» التي كان استيعابها في «أنظمة» للفكر تتجاوزها قد طغى على القراءات السائرة لـ»الكلمات والأشياء» وأملى في ما أملى الاسم الذي اختاره فوكو لكرسيّه في «الكوليج دو فرانس»: «تاريخ أنظمة الفكر». هذا كلّه في إبّان ازدهار البنيوية التي أبى فوكو التسليم بنسبته إليها. وأيّاً يكن الأمر، نشهد عودة مسهبة في دروس السنوات الأخيرة وفي «تاريخ الجنس» أيضاً إلى «الذات»: لا لإعادتها إلى عرشها الديكارتي بل لترسّم «شجرة نسبها» في الفكر الغربي وفي نسيج السلطة والمعرفة الذي أثمر الأنظمة المتعاقبة لهذا الفكر. وهذا تعاقب يراه فوكو تقطّعاً فتبدو كلّ نقلة فيه وكأنما هي انقلاب.
هذا النوع من التقلّب، بما فيه من عزيمة فكرية ومن ترجّحٍ وشكٍّ أيضاً، هو ما تكشفه الدروس ومعها المقالات والأحاديث إذا ما هي وضعت بإزاء الكتب الناجزة. وهو ما يمنح فوكو حياةً ونضارة إذ يتيح له (ونحن معه) التنفّس في خارج صورةٍ له بقيت مألوفةً على زيفها: صورة المفكّر القطعي الذي قال بـ»موت الأنسان» وأدرج الفكر الحيّ في شيء سمّاه «الأنظمة» يبدو بتكوينه المرهف وجليديته أشبه بالمركبات الفضائية، مثلاً، منه بالجسم الحيّ.
وهذا مع أن فوكو، وهو ابنٌ لطبيب، لم يستقم له يوماً أن ينسى جسمه هو ولا هو كان جاهلاً ما تطوي المجتمعات البشرية أجنحتها عليه من عنفٍ وشقاء. يشهد لذلك، فضلاً عن مواقفه في السياسة، استئثار أهل الهوامش من مرضى عقليين وغير عقليين ومن سجناء ومن أصحاب رغبة خارجة عن حدّ الشرعية الاجتماعية بجلّ تآليفه. وحيث بدا أن فوكو غادر هذه الهوامش راح يبحث في «الحُكْمانيّة» أي في تتويج الدولة الحديثة سائر بنى السلطة المرتسمة في الفكر والفاعلة في دخائل المجتمع…
وذاك أن الرجل كان يلازمه جرحٌ يصعب الفصل بين همّه والهموم الفكرية لحامله. كان فوكو قد عاش بصيغة الأزْمة المدمّرة والشعور بالعار، في فتوّته على الأقلّ، مِثْليّته الجنسية. وقد أورث هذا الشقاءُ محاولتين للانتحار ومزاجاً عَكِراً وجنوحاً إلى العزلة. وقد شابَهَ آخِرُ هذا المطاف أوّلَه. فرحل، في عداد الموجات الأولى من المرضى بالإيدز، رجلٌ صمدت مكانته بعده باعتباره أوسع أهل التأمّل في نُظُم الفكر والمجتمع نفوذاً في عصرنا هذا.
رحل عن 57 سنة…

أحمد بيضون

منطق المكتبة

أحمد بيضون

باشرْتُ اقتناءَ الكتب قبل نيّفٍ ونصف قرن وأصبح عندي اليوم مكتبة ضخمة. ويصبح للكتب مقام استثنائي التصدّر بين مقتنيات واحدنا إذا اتّفق أنه من فئة الكتّاب أو المؤلفين وممن يزاولون من بين هؤلاء حرفة البحث، على الخصوص… قد تُنسب الكتب، في هذه الحال، إلى لوازم المهنة. ولكن حاجة الباحث في القانون، مثلاً، إلى الكتب ومقامها عنده شيء مختلف عن حاجة محامٍ يَقْصُر همّه على إجادة الدفاع عن مصالح موكّليه. وفي كلّ حال، يفترض أن تبقى «المطالعة» التي كانت فاتحة الطريق إلى تكوين المكتبة مواكبةً لسائر الهموم التي تتدخّل في إنماء المقتنى من الكتب.
تواكب المطالعة تكوين الشخصية العَقَدية، خصوصاً، أي ارتسام الخطّ الفكري الذي يُدْرج المرء في جماعة معنوية أو وجهة انتمائية ويجعل له في الناس نظراء وأضداداً. وتواكب، على الأخصّ، كل انعطاف في هذا الخطّ يفترض البحث عن أسانيد وشواهد كثيراً ما تجبّ ما كان قبلها. وقد يتوزّع هذا بين حقول وهموم متباينة. وعلى غرار الخطّ الفكري، تتكوّن الذائقة بما هي طلبٌ للمتعة وللمعرفة اللانفعية وتروح تتحوّل ويُسْفِر نموّها عن فروعٍ ومراحل. وعليه تستوي المطالعة، بما هي شرطُ نضارةٍ ونَماءٍ، مَلوَنةً لمراحل العمر جميعاً وتتشكّل المكتبة مرآةً أو جسداً لهذه المَلْوَنة.
تستوقفني مكتبتي اليوم لأن شيئاً مقابلاً للكتب، هو الشبكة العنكبوتية بقضّها والقضيض، أخذ يلحّ علينا لاعتبار المكتبة ذات الرفوف ماضياً مضى. لا أظن، وقد أصبحت متقدّماً في العمر، أنني سأبلغ يوماً أعتبر فيه كتبي مقتنياتٍ مُتْحفية. وهذا مع العلم أنني ضالع أشدّ الضلوع في الممارسة الحاسوبية من عقد ونصف عقد. متردّداً أرتضي الوقوف اليوم والنظر إلى مكتبتي، بسببٍ من توزّعي بينها وبين الشبكة، وكأنها باتت على مبعدة…
ما الذي أعدّه وصفاً مناسباً لرفيقة عمري هذه؟ أضيق أحياناً (ويضيق بيتي) بمهمّات إيواء الكتب وتصنيفها والعناية بها ولا يفوق هذا الضيق بالكتب سوى الضجر مما يقتضيه تنظيم الأوراق المحفوظة. ولكن يبقى أقْرَبُ ما يسعني قوله في المكتبة أنني أراها تجسيماً جيولوجياً لما يمكن أن أعتبره «طبقات» العمر. فحين رحت أغادر الماركسية، مثلاً، لم تلبث أعمال ماركس وإنجلز ولينين وسواهم من أضرابهم أن تدرّجت نحو الرفوف العليا، وهي جنّة الكتب التي يرجّح ألا نفتحها بعد اليوم: بالمعنى الذي يقال فيه أن الأسرّة جنّة الأطفال فلا ينبغي اصطحابهم إلى الأعراس!
في الموضع الذي أخلته تلك الكتب، أي في الصدارة، تجاورت أعمالٌ متعلقة بتاريخ لبنان وأخرى موزّعة بين الوجوه الجديدة في الفلسفة الفرنسية وأقاربهم في العلوم الاجتماعية… وأمّا كتب العربية التي جمعتها حين حاولت أن أَضْرِب بسَهْم في بعض مسائل اللغة والمعاجم، فهيّأت لها مصيراً آخر: بقيَت في المتناول ولكن لا أتناولها… أنساها آماداً طويلة ولكن أجدّد التعهّد لنفسي أن هذا الطلاق لن يصبح بائناً أبداً. أقلّ حظوةً من كتب اللغة، كتبٌ كنت أحتاج إليها (أو أتوقّع الاحتياج إليها) في سنوات التدريس المتمادية. هذه غادرت غرفة مكتبي إلى الرفوف التي في الممشى. والشيء نفسه حصل لكتب كثيرة كانت «مكتبات بحث» لهذا أو ذاك من تآليفي. السيرة التي وضعتها لرياض الصلح، مثلاً، تخلّفت منها رفوف عديدة مكتظّة يسعني، إذا شئت، أن أوزّع محمولاتها بين زوايا عدّة متباعدة من خزائن كتبي.
هذا ومن عيوبي أنني لا أستغني عمّا يصل إلى يدي من كتب سفيهة. أقول إن بعضاً من تآليفي وجد معظم مادّته في أعمالٍ لا تعدّ ذاتَ شأنٍ في أبوابها ولكن لا يستغنى عنها بما هي «أدلّة» و»عيّناتّ» ترشد إلى واقع الأحوال في قطاع اجتماعي أو معرفي. وهي، في أدائها هذه الوظيفة، أوفر دلالة، على التعميم، من مؤلّفات العباقرة. هكذا أجدني أداري ضيق شقتي البيروتية بالكتب الجديدة بترحيل السخيفة القديمة إلى منزلي الجبلي الذي استوى، قبل بضع سنوات، متنفّساً لمكتبتي. ولكن غلب على ما أنقله إليه مجاميع الدوريات وما أعدّه قليل القيمة من الكتب ومعها كتب تهدى إليّ ولا أقرأها وثالثة لا يًحْتمل أن أحتاج إليها في بحر السنة التي أمضيها في بيروت باستثناء الفصل القائظ.
الواجهات الزجاجية للكتب الجميلة الإخراج أو لتلك الرفيعة المقام، والخزائن ذات الأبواب الخشبية لتلك التي تجمع إلى قبح المظهر ضعف احتمال العودة إليها: الأطروحات خصوصاً! والرفوف المكشوفة للكتب التي يتعين بقاؤها في متناول اليد، والخزائن المسمّرة بالسقف لعوالم كتبية أمست خلفي، والجبل لمجموعات المجلات وللكتب السقيمة التي يجب الإبقاء عليها احتياطاً ولمُهْدَيات لم تُصبح مثار شهية ولأعمال أدبية تُستبعد العودة إليها بعد القراءة أو يؤمل التفرّغ لها في أماسي الصيف، إلخ، إلخ.
… وما الذي قرأْتَه من هذه التآليف المؤلّفة كلّها يا بنيّ؟ اقتنيتُ كتباً قرأتها لغرضٍ كان يدعو إلى ذلك أو لوجه القراءة. واقتنيت أخرى لم أقرأ منها إلا صفحات أو سطوراً أمْلت قراءتها حاجةٌ ما. واقتنيت كتباً بدافع الشعور الغلاب أن عليّ أن أقراها ولكن حالت دون ذلك حوائل فزاد كلّ منها حسرة على حسرات. واقتنيت كتباً ألزمتني دواعي العمل بالسهر عليها ليالي طويلة ألخّصها وأدوّن ملاحظات وأفكاراً متصلة بها وما كنت لأَقْرُبها لولا دواعي العمل. ولا أعود إلى الهدايا وكان بعضها رائعاَ ولكن وقع في غير أوانه وكان بعضها الآخر رديئاً فتعذّر أن يقع في أوانه.
عليه تتخلل الرفوفَ حسراتٌ لا تُحْصى، متنوعةً البواعث، خَلّف بعضَها الإحجامُ وبعضُها خَلّفه الإقدام. ومن المُتَع، وهي كثيرة أيضاً، ومن الحسرات تكوّنَت كلّ طبقةٍ من طبقات العمر وتمثّلت في رفٍّ أو رفوف. ولكن المكتبة لا تستنفدها طبقاتُ العمر الجيولوجية بل فيها أيضاً مسالكُه وشِعابه وفيها مقاصيره وساحاته وفيها منابره ومخابئه. لذا يبدو الأقرب إلى وفائها حقَّها أن نَرى فيها شيئاً من قبيل شجرةِ الحياة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

مُسَوّداتٌ لأَعْمار

أحمد بيضون

بين الأعمال الكثيرة التي تقدّمها منيرة الصلح في معرض كبير لها لا تزال تستضيفه صفير زملر غاليري في بيروت، استوقفتني مليّاً رسوم كثيرة للاجئين سوريين إلى لبنان معروضة جنباً إلى جنب في صفّ واحد على جدار واحد…
يبلغ عدد الرسوم المذكورة نحو خمسين ولكن الفنّانة قالت إنها ستواصل عملها هذا حتى يجتمع عندها آلاف من هذه الرسوم.
اختارت الصلح حاملاً لرسومها هذه أوراقاً صفراء اللون منتزعة من كرّاسةٍ من تلك التي تستخدم للمسوّدات، وقد ننزع أوراقها واحدةً تلو الأخرى بحركةٍ واحدة تجعل الورقة تنفك عن مثيلاتها من الجهة العليا من الكرّاسة. وقد نلقي هذه الأوراق المنتزعة في القمامة إذ هي ليست ممّا وجد ليُحتفظ به ولا ما يدوّن أو يُخطّ عليها يعتبر قيّماً أو نهائيّاً، في العادة، بحيث يسوغ الحرص عليه. من بين الرسوم الخمسين، ثلاثة أو أربعة استخدمت لها الفنّانة ورقاً أبيض لا يفترق في شيء عن الأصفر سوى باللون أو بغيابه. فيبدو هذا الاستثناء مقصوداً لخرق الرتابة أو يبدو غير مقصودٍ أملاه وجود الكرّاسة الصفراء في خارج المتناول، لا أكثر ولا أقلّ. هذا والداعي إلى كسر الرتابة وجيه: فإن هذه الرسوم، وإن تكن معروضة لينظر إليها وفيها واحداً واحداً، معدّة أيضاً لتشاهد عن بعد خطوات على أنها «حالةٌ» مركّبة وعملٌ واحد.
وأمّا المادّة المستخدمة في الرسم فهي الحبر الأسود وحده غالباً أو هي الفحم أو الحبر الأزرق أحياناً. ويداخل السوادَ شيء من الحبر الأحمر في حالات قليلة، فنقع عليه حيث ينتظر: أي لون للشفتين، مثلاً، أو نقع عليه حيث لا ينتظر أي عنصر في التشكيل قد يشي بجرحٍ ما، داخليّ أو خارجيّ. ولا يذهب الفكر إلى الحبر الصيني الذي لا يحول بل إلى نوع من الحبر أو الفحم يجاري الورق المستعمل في تدنّي القيمة فيبدو وكأنه فقد رونق الجدّة على عجل وأدخل نكهة تعبٍ باهتة لا إلى ملامح الوجوه وحسب بل إلى مادّتها نفسها. وذاك أننا هنا حيال وجوه تتفاوت درجة الاكتمال في بيان ملامحها فيبدو بعضها ملتحياً كثيف القسمات ويكتفي من بعضها بتخطيط ناقص لمحيط الوجه يفترض أن يشي بما تبقّى وأن يعرض بداية لتعبير ما. على أن الوجه لا يظهر وحده غالباً بل يبدو الرأس محمولاً على كتفين وجذع على منوال الصورة النصفية التي تؤخذ لبطاقة الهوية أو لجواز السفر. وتنفع الثياب في الإيحاء بأوضاعٍ لابسيها، وعلى الأخصّ منها ثياب النساء وهنّ قلّةٌ في المجموع المعروض.
هذا وقلّما نقع على خلفية ذات أهمية في التشكيل أو على شيء آخر يسعف في تعيين ملمحٍ ما من ملامح الشخصية. نقع على دفتر هنا ونقع هناك على قناني تشي بأن صاحب الوجه مضيف في خمّارةٍ أو مطعم ونقع في حالاتٍ ثالثة على ازدواج للوجه نفسه: على وجهين يسعف أحدهما الآخر في جهده لقول نفسه. ولكن نقع في كثير من هذه الرسوم على كلام كثير أو قليل يعلن شيئاً متعلّقاً بصاحب الوجه: شيئاً مهمّاً جدّاً. هذا الكلام مكتوب، على الإجمال، بالقلم الرصاص: بالمادّة الرخيصة نفسها التي خطّت بها ملامح الوجه. وهو مكتوب إلى ذلك بخطّ رديء وملقى على الصفحة بلا عناية ظاهرةٍ بالإخراج بحيث يضاعف الشعور بالاستعجال ويزيد ظاهر الصفحة كلّها إهمالاً على إهمال…
ولكنّ الكلام المقروء ههنا مهمّ جدّاً، قلّ أم كثر. بل إن الرسوم التي لا يصحبها كلامٌ البتّة تبدو عرضةً لنوع من العدوى بفحوى الكلام المرافق لوجوهٍ أخرى ماثلة على الجدار نفسه. فهذا الكلام ينشئ بيئةً تُستغرق فيها الشخصيّات. هو لا يبطل ما لكلّ من هذه الشخصيات من فرادة. هو يقول هذه الفرادة، على وجه التحديد، فيحيلها إلى حالةٍ عامّة. نقرأ على إحدى الصفحات: «أبو غابي» ونقرأ: «من ماليزيا على تركيا». ونقرأ على أخرى عبارات متفرّقة كتبت بخطوط وأقلام عدّة وكأن الشخص مشكلٌ أو ملتبس على نحوٍ يجعله موضوعاً جذّاباً لتعليقات سائبة. وعلى ثالثة، نقرأ عبارةً واحدةً مستعارةً من المتنبّي: «كأن الريحَ تحتي»! وتقول المرأة التي على صفحة رابعة أنها «من قلب حلب». وتضيف أنها «خشم عالي» وأن عمرها أربعون وتذكر أسماء أولادها الأربعة: إحسان ومحمد نجم ويوسف وفاطمة الزهراء! إلى أن تذكر شيئاً غير واضح يتعلّق ببلدة الناعمة إلى الجنوب من بيروت وتختم بالقول أن عليها أن تبدأ مجدّداً من الصفر…
نلتقي أيضاً «طبيب أعشاب» يعمل حالياً في الشويفات (إلى الجنوب من بيروت أيضاً) في محلّ للألبسة المستعملة. ثم نصل إلى ولد في نحو العاشرة يقول أنه بلا مدرسة من سنتين قبل أن يتطوع لإطلاعنا على قول يبدو ماثوراً: «بدّك تعرف الحوراني من زرّو الفوقاني»! وأما درّة التاج في المجموعة فهو مضيف الخمّارة الذي يقول: «أنا أردني، أمي من تايلند، ولدت في بيروت وكبرت في حلب. مرتي أجت مبارح من طرطوس بعدما انتقلت من حلب على طرطوس وحالياً في جلّ الديب»… في تلاحق الأمكنة ازدحامٌ للأخطار. ولكن تلوح عبره أيضاً قدرةٌ على ارتجال المخارج لا ينضب معينها.
يُظْهر الكلام إذن وتُظْهر الملامح، شيئاً لا يمكن كسره… ما هو ظاهرٌ أو موضوعيّ، في هذه الحيوات، كلّه هشّ ورخيص قيمته قيمة الحبر والورق اللذين استعملا في رسمه وهو قابلٌ، على غرارهما، للإلقاء في سلّة القمامة. وأما الروح فهي في أغلظ الملامح وفي أدقّها. وهي أيضاً في الكلام، لا يحتاج ظهورها إلى كلمات كثيرة. هي، مثلاً، في «الخشم العالي» لأمّ الأولاد الأربعة وفي الريح التي تحت صاحبنا الآخر.
المزيد يا منيرة!
كاتب لبناني

أحمد بيضون

تشريحُ نظام ملكي

أحمد بيضون

في «المرحلة» الثانية من كتابه، وهي المرحلة التي تغلب فيها تغطية عقدٍ ونصف عقد انقضت من عهد ملك المغرب الحالي محمد السادس، يميل الأمير هشام العلوي، صاحب «المذكّرات» الفريدة التي عرضنا «المرحلة» الأولى منها في مقالتنا السابقة، إلى تغليب الرصد العامّ لمشكلات النظام والمجتمع المغربيين وإلى الوصف المُحْكم، وإن يكن إجمالياً، لمعالم المعالجة الممكنة. عليه نجدنا في هذا القسم حيال مطالعة متينة الإسناد، جيّدة السبك، لحالالمغرب في هذه السنوات الأخيرة ولحدود الإصلاح الذي كان قد باشره الحسن الثاني في نهاية عهده واستأنفه خليفته حتى وصل به إلى مآل دستوري في الاستفتاء الذي انتهت إلى فرضه حركة الاحتجاج المسمّاة حركة 20 فيفري (شباط) 2011. وكانت هذه الحركة نصيب المغرب من المدّ الكبير الذي أطلق عليه اسم «الربيع العربي». ويرى الأمير حدود هذا الإصلاح ضيقة على الحاجات الماثلة التي يبرز اضطرار النظام إلى الاستجابة لها إذا هو شاء المحافظة على نفسه…
وإذ يميل المؤلّف في هذه الفصول الأخيرة من كتابه إلى البحث العامّ في شؤون المغرب ونظامه، لا ينسى ما آل إليه أمره، هو هشام العلوي، مع الملك الجديد، ابن عمّه الذي يكبره بسنة واحدة وكان عشيره في البيت والمدرسة وأحد أقرب الناس إليه في طفولته وفتوّته. وما نقف عليه بهذا الصدد هو أن عهد محمد السادس شهد الانتقال من المحاولات الحثيثة لاسترداد «مولاي هشام» إلى الأسرة المالكة ومنطقها وسلطة رأسها، وهي ما طبع عهد الحسن الثاني، إلى المحاولات المتكررة لتحطيم حياة الأمير وتدمير سمعته وتثبيط مشاريعه في المغرب وخارجه وإخراجه من نطاق الأسرة إخراجاً لم تُستثنَ منه علاقته بأمّه وأخيه، وهي ما طبع المرحلة المنقضية من عهد الملك الحالي… يروي الأمير وقائع المساعي المنحطّة هذه مستنكفاً عن الجزم باتّهام الملك شخصيّاً بها (وعن الجزم ببراءته منها أيضاً) مؤثراً تسليط الضوء على «المخزن» ورجاله أي على النظام…
لا يجنح هذا الكتاب إلى التبجّح بصمود مؤلّفه في وجه ما عاناه. فهو يبقى سيرةً خفرةً لصاحبه تشدّد على ما جرى له ولا تبالغ في التشديد على ما فعل من جهته. بل إن المؤلف يحرص، في مطلع الكتاب، على الإشارة إلى كون ما لقيه يبقى، ولا ريب، دون ما عاناه مغاربة لا يحصون، في نفوسهم وأجسادهم، من بطش عمه الحسن الثاني. عمّه الذي كان، في الآن عينه، شديد التعلّق بالأطفال في أسرته وسريعاً إلى الضحك من فلتات «مجنونه» المفضّل. على أن الأمير لا يلتفت بما فيه الكفاية إلى أدواتٍ تَزَوّدها من منبته نفسه وخاض بها معركة استقلاله عن هذا المنبت…
فلا يماري القارئ المنصف في شجاعة هذا الأمير، وهو يواجه، من نعومة أظفاره، خصوماً لهم كل هذا البأس. ويلمس القارئ صدق سخريةٍ هادئة يخصّ بها المؤلف صورة «الأمير الأحمر» التي رسم له الإعلام ملامحها بحبر الإثارة. فما شأن «الحمرة» برجلٍ أراد لنفسه النجاح في الأعمال بهذا العناد كلّه ويريد لبلاده إصلاحاً يبرز، إذ يعيّن معالمه، عقلنة رأسمالية للنظام يعرف كلفتها الاجتماعية على الريفيين خصوصاً؟ وهو، إلى قوله بتحرير الإرادة الشعبية وتفعيلها، لا يخفي الميل (المنوطَ عنده بالقبول الشعبي) إلى الإبقاء على ترسيمة أساسية للنظام المغربي عمرها قرون ويحتاج الإصلاح نفسه في رأيه إلى ما توفّره من استقرار.
غير أن المؤلّف حين يشير إلى صحبته لذاك الشيخ النهياني من أبو ظبي ولما أنجده به المذكور ومعه نفرٌ آخرون من أصدقاء والده في وقت الشدّة… أو حين يشير إلى منحة عقارية ولَفَتات أخرى خصّه بها رأس الأسرة السعوديةالتي تحصي في عدادها أبناءً بارزين لإحدى خالاته الصلحيات… أو حين يذكر ما حظي به من عناية بجوار الأمير الحسن، ولي عهد الأردن في حينه، وإلى الصلة الوطيدة التي انعقدت بينه وبين الملك حسين… أو حين يشير إلى «جيرة» خالته الكبرى في باريس لقصر الأليزيه وهي «جيرة» أتاحت لها أن تستوقف فرنسوا ميتران لتحصل منه على موعد لابن شقيقتها الذي كان الاضطهاد الملكي يلاحقه في العاصمة الفرنسية… أو حين يشير إلى الحجم الضخم لتركة والده العقارية، ولو أن الاضطهاد نفسه أخّر كثيراً نيل الوَرَثة حقّ التصرّف بهذه التركة…
…أو حين يستعيد هذا الأمير من مخاطبيه أو ذاكريه اسمه: «مولاي هشام» (دون إمكانٍ لفصل اللقب عن الاسم) وهو اسمٌ تجعل «ياءُ النسبة» فيه كلّ متلفّظ به مُقِرّاً شاءَ أم أبى! بالولاء لصاحبه… فلا يبقى هذا «المولى» مولىً بلا تحديد لموضوع ولايته بل يصبح حُكْماً مولى المتكلّم أيّاً يكن! في كلّ من هذه الحالات وفي غيرها، يتراءى، عبْرَ ما يرويه الأمير من وقائع سيرته، فضلُ منبته عليه في ما انتهى إليه أمره من جولات كسبها ضدّ هذا المنبت نفسه. هي جولاتٌ كسبها هشام العلوي في وجه إصرار الملك والمخزن على وضع يدهما عليه والتحكّم بمصيره. غير أن أيّاً من «الأوراق» التي وجدها تحت يده، وهو يناوئ بيئته، ما كانت لتقع إلا تحت يده هو أو يد أمير من طينته. ذلك أمر كان يستحقّ لا ريبَ أن يستوي موضوع تأمّل في هذه «المذكّرات». لكن ذلك لا ينتقص بحال من ملحمة الشجاعة والعناد الشخصيين التي يسجّلها هذا الكتاب بخفرٍ وأناقة، ولا ينتقص بحال، على الأخص، من القيمة الأدبية الرفيعة لهذا الكتاب بما هو شهادة تفوق الوصف والأمل في الأحوال المعاصرة لبلاطٍ ونظامٍ دهريّين…

أحمد بيضون

«مذكّرات أمير مُبْعَد»

أحمد بيضون

في وسط الكتاب غير المسبوق الذي نشره، قبل أسابيع، الأمير هشام العلوي ابن عمّ ملك المغرب الحالي، يذكر المؤلّف أمراً بعينه يوضح أنه فهمه بعد حديث مع عمّه الحسن الثاني جرى في وقتٍ ما من تسعينات القرن الماضي. وذاك أن النظام الملكي في المغرب يمزج مزجاً جوهرياً ما هو ديني وما هو عائلي وما هو سياسي فيجعل من هذا الثالوث أقانيمَ متحدةً ومنفصلة في آن. والحقّ أن هذا المزج يخترق الكتاب من أوّله إلى آخره ملقياً ما يكفي من الضوء على سيرة هذا الأمير التي يتحكّم فيها تنازع بدأ باكراً بين شخصه الآخذ في التكوّن وبين مقتضيات منبته. وهو تنازعٌ أدخل الأمير في مواجهة استغرقت معظم حياته حتى الآن وبقيت لا تعرف المهادنة مع مَلِكين تباعاً هما عمّه وابن عمّه. تلك مواجهة اختلفت طبيعتها من الملك السابق إلى الملك الحالي وجعلت نفَس الكتاب يتغيّر كثيراً تبعاً لهذا الاختلاف فينقسم عمليّاً إلى نصفين تهيمن على كلّ منهما شبكة من الهموم والمشاغل مغايرة لتلك التي تفرض نفسها على النصف الآخر.
فمع أن الشأن المغربي العام يحضر باكراً في مبادرات الأمير المولود سنة 1964 وأحاديثه، فإن سيرته مع الحسن الثاني تبقى، من حيث الأساس، سيرة تحرّر شخصي من القبضة التي يطبقها هذا الملك الجبّار على حياة ابن أخيه حيثما وُجِد. هذا الإطباق فرعٌ، بدوره، من تحكّم الملك، بما هو رأس العشيرة، بأخيه عبد الله، حتى وفاة هذا الأخير، وبأسرة أخيه كلّها، زوجة وأولاداً. والزوجة هي اللبنانية لمياء، ثانية بنات رياض الصلح الخمس، والأولاد صبيّان وبنتٌ بكرهم «مولاي هشام».
في هذا الصدد، يكشف هشام العلوي، بإقدام عزيز النظير، صوراً من حياة البلاط الحَسَني تكاد لا تبقي ستراً على شيء أو أحد. فالملك جادّ في إفساد أخيه وإضعافه إذ هو يخشى تفلّت عبد الله من سلطانه ويتوجّس من بعض القنوات المفتوحة بين هذا الأخير وشخصيات من المعارضة. ولا يستثنى من وسائل الإفساد توجيه الملك أخاه نحو إدمان الخمرة ولا تسهيل ميله إلى الجري وراء نساء مشوبات السيرة بتيسير خروجه من القصر بلا علمٍ من زوجته. حتى أن لمياء الصلح تضطرّ إلى بذل جهود حثيثة معقّدة لإبعاد اثنين من قوّادي البلاط عن القصر في سعيها لاسترداد زوجها إلى بيته. في قصر «أمير المؤمنين» الذي لا يفوته فرض صلاة قوّادون إذن. وفيه «مجانين» يسرّي الملك عن نفسه بتوجّههم إليه بضروب من الكلام والتصرّف لا يُتوجّه بمثلها إلى الملوك. وهي ما يمنح الملك فرصة التحرّر الطوعي للحظة من استواء وجهه قناعاً يفرضه عليه موقعه. وهذا تحرّر يقبض الملك على مقاليده ويرسم له حدّه ومدّته سلفاً. في البلاط حكواتيون أيضاً كانوا لا يزالون مقيمين فيه بعد وصول التلفزة إليه.
هذا وفي القصر «وزير» مكلّف إحصاء أنفاس العباد ووقف كلّ امرئ عند حدّه إن لم يكن بالقمع فبالإفساد. بالقمع الذي بلغ ذرىً مهولة في المرحلة الوسطى من عهد الحسن الثاني المديد، أي في أعقاب محاولتي الانقلاب اللتين قاد أولاهما، في مطلع السبعينات، الجنرال مدبوح، أحد كبار القادة العسكريين، وقاد الثانية، في العام التالي، «وزير» الملك نفسه، أي رأس معاونيه وأقربهم إليه، الجنرال أوفقير. تلك مرحلةٌ أصبح رمزاً لاحقاً لها سجن تزمامرت الرهيب في جنوب البلاد… بالقمع إذن… أو بالإفساد الذي هو الوجه الغالب على حياة «المخزن» كلها أو هو أسلوب «المخزن» في الحياة.
وما أدراك ما «المخزن». «المخزن» شبكة أخطبوطية من الأجهزة والمؤسسات والموارد هي آلة السلطة والحكم المصاحبة للنظام الملكي في المغرب عبر تاريخه. وهي، على التحديد، آلة المُلْك المطلق يقبع المَلِك على رأسها ويتحكّم في موازينها، فيقدّم ويؤخّر ويوزّع المنافع والصلاحيات لقاء الولاء المطلق أوّلاً، بما فيها الاستثناءات من موجبات القوانين، بحيث يحفظ سلطانه المطلق ومن ورائه مؤسسةَ المُلْك. وبالوسائل التي يضعها المخزن بين يدي المَلِك وبما للمَلِك من سلطان على الأسرة العلوية برمّتها، يتحكّم الملك بأفراد أسرته أيضاً. ومن هؤلاء سيدي محمّد، وليّ العهد ومولاي هشام صاحب الكتاب اللذين تُظْهر حالتهما انتباه الملك التفصيلي إلى سيرة كلّ فردٍ من أفراد البيت العلوي، لا يغفل عن شيء منها. فهو يعلم مثلاً أن هشام أمضى سهرة طويلة، في برنستون حيث استقرّ للدراسة بعد معركة خاضها. أمضى السهرة خارج مرمى النظر الملكي فأصبح على الملك أن يبني على الأمر مقتضاه أي أن يحكم طوق المراقبة… ذاك نوع من المراقبة أمضى هذا الأمير فتوّته ومعظم شبابه مجاهداً للتملّص منه. وهو قد توصّل إلى كثير من ذلك مما تملأ تفاصيله النصف الأول من الكتاب.
يشدّد المؤلّف كثيراً على تحكّم المخزن في سياسة البلاد واقتصادها ويرى في «إفراغ المخزن» شرطاً أوّل لإصلاح النظام والتوجّه به نحو الديمقراطية. ويدفعه هذا التوجّه إلى كفاح متعدّد المواقع والمحطّات لبناء وضع مهنيّ لنفسه وموقع في مجال الأعمال يخرجه من التبعية للمخزن، أي من حال التعيّش والطفيلية التي هي الحال المعتادة لأفراد الأسرة المالكة ولرجال الحاشية وسائر الدائرين في فلك الملك. تتواصل جهود البناء الشخصيّ هذه بين عهدي الحسن الثاني ومحمّد السادس. ولكن مولاي هشام يشغله أيضاً، في العهد الجديد، شاغل عامّ هو شاغل النظام المغربي وكيفيّات إصلاحه. وهذا شاغل يستحقّ أن نفرد له عجالتنا المقبلة.

أحمد بيضون

الدراية والوشاية

أحمد بيضون

لا يحتاج المراقب إلى أكثر من نظرة يلقيها على مكتبات البحث في أفضل الأعمال التي كرّسها باحثون مرموقون للمرحلة المعاصرة أو الراهنة في البلاد العربية التي كانت أو هي ما تزال خاضعة لأنظمة سياسية موصومة بالاستبداد ليعلم أن حالة القمع الرازح على الحرّيات، من عامّة وخاصّة، تشتمل آثارها أيضاً على ما ينتجه  الباحثون المكرّسون من أعمال تعرّف المجتمع المدروس بنفسه وتظهّر له إمكاناته ومشكلاته وترسم له سبلاً يسلكها في حركته نحو المستقبل.
فإن هؤلاء الباحثين يكونون موضع متابعة مركّزة من جانب الأجهزة المولجة بالسهر على نفاذ المعايير الرسمية في إنتاج المعرفة بالمجتمع وبالنظام السياسي الاجتماعي. فيظلّون عرضةً لما هو أشدّ ممّا يتعرّض له تلامذتهم، مثلاً، إذا هم حاولوا الدخول إلى الدوائر المسوّرة لاستطلاع الوقائع المفضية إلى طرح المسائل المحظورة وتعزيز الحجج الآيلة إلى طلب التغيير السياسي.
عليه تبدو الأبحاث التي يمكن الرجوع إليها والبناء عليها نزرةً حين يتّصل الأمر بدواخل المجتمعات الخاضعة للاستبداد وبتوجهات النظام السياسي في تصريفه شؤونها وسعيه إلى حفظ هيمنته عليها. وأكثر ما يظهر الشحّ في كلّ ما يقتضي استقصاءً مباشراً للمعطيات المؤثّرة في موازين المجتمع وأعرافه واستطلاعاً موسّعاً للمواقف من حركة هذه المعطيات ومن وقع السياسات المعتمدة في قطاعٍ أو فئةٍ أو جهة أو في ما هو أوسع من ذلك.
ولا يرادف الشحّ الملحوظ في هذا النوع من الأبحاث، أي في ما يتناول حاضر المجتمع، على الأعمّ، شحّاً إجماليّاً في إنتاج الباحثين بالضرورة. فإن الباحثين لا يتوانون في البحث عن مهارب يوجّهون إليها إنتاجهم بحيث لا يستفزّون عيون السلطة وأذرعها (بل هم قد يسترضونها). من ذلك اللجوء إلى البحث المعياري المستغني عن كلّ استطلاع حسّي لأحوال المجتمع الفعلية والمتّجه إلى مناقشة النماذج المجرّدة والمناظرة بشأنها للدعوة إلى هذا أو ذاك منها وللتوصية بالبعد عن غيره. عليه يحلّ الكلام على الديمقراطية بصيغها المجرّدة، مثلاً، محلّ البحث الحقلي الرامي إلى تبيّن الحال الفعلية للتوجه الديمقراطي في بيئة بعينها من بيئات المجتمع الوطني، مثلاً أيضاً. فالباحثون الذين يلبسون لبوس المرشدين يبدون وكأنهم لا يعرفون شيئاً يذكر عن حصائل اللقاء بين ما يلقونه من كلام وبين ما تثمره الأوضاع الحسّية المختلفة في بيئات المجتمع من تطلّعات.
هذا وليس الاستغراق في النماذج المجرّدة: من مضمرات المدارس الإسلامية المختلفة ومعلناتها إلى صيغ الديمقراطية إلى العلمانية وحدودها إلى الأصالة والحداثة إلى مهامّ المثقّف وأصناف المثقّفين إلى أفاعيل الإمبريالية إلى الدولة الوطنية والأمة، إلخ..، هو المهرب الوحيد الذي تتراكم في مسالكه المجلّدات. وإنما يمثّل الماضي، بما هو ماضٍ، مضماراً آخر، يوافق سابقه في كثيرٍ من الحالات، لبحثٍ لا يستفزّ ذوي السلطة أو يبقى ما ينطوي عليه من احتمالات غير محبّذة من جانبهم بعيداً عن دائرة انتباههم.
وبقدْر ما يحضر البحث الاجتماعي السياسي في المكتبات المتعلقة ببلاد هذا المحيط، يُلْجأ، لإجراء الأبحاث، إلى المقابلات الفردية، غالباً،  وإلى كتب المذكّرات وإلى التقارير الدولية أو الرسمية، فيستعاض بها عن أعمال المسح المباشر والاستقصاء الميداني واستطلاع المواقف، إلخ. ذلك كلّه، على فوائده المؤكّدة، رهينٌ لحاجات واضعيه وغاياتهم وبعيد عن الوفاء بحاجات المعرفة المضبوطة لأحوال المجتمع المدروس. ومن آيات ذلك، أن المقابلات تجرى مع أناس أصبحوا في المنفى، على الأغلب، وينشرُ كتبَ المذكّرات منفيون آخرون ويكون البعض من أجود الباحثين إنتاجاً منفيين أيضاً أو يكونون أجانب أصلاً… فهذا كلّه لازم لحرية البحث، موضوعاً ومضموناً. ولكن هذا كلّه يحدّ من قدرة الباحث على ضبط النتائج والخلاصات والنفاذ بها إلى حيث يجب أن تصل.
هذا ولا نحتاج إلى القول إن ما يعتبر تناوله بالوصف والقياس والتحليل والتعليل محظوراُ أو بمثابة المحظور لا يُقْتصر على حركة المواقف السياسية للجماعات، على اختلافها، أي على ما قد يضمر مسّاً مباشراً بسطوة النظام وشرعيته. وإنما تردع أجهزة النظام الساهرة أيضاً كلّ تناول جادّ لمسائل من قبيل بطالة المتعلمين وذواء الأرياف ونسب البطالة فيها، وصيغ النموّ المديني ومشكلاته… وهذا ناهيك بأطوار المسألة الطائفية، في تجلّيها المؤسّسي، على اختلاف القطاعات، وبحركة البنى العشائرية وبآليات الضبط المعتمدة لحماية السلطة: مصادرها وصيغ عملها وحدودها، إلخ. وإلى محاصرة المواضيع المختارة للبحوث، لا يندر أن يصطدم الباحث بمحاصرة النظام دخائل المستجوبين وضمائرهم. ففي المناخ المهيمن، يرجّح أن يميل من يمكن استجوابهم إلى المقبول من الأجوبة وأن يحذروا التصريح بالرأي إذا كان يعرّضهم لشبهة المعارضة أو للمساءلة، وهذا أيّاً يكن ما قد يجرؤ الباحث على التعهّد به من حفاظ على سريّة هويّاتهم.
صفوة القول أن المُقْدم على البحث الاجتماعي السياسي، في ظلّ الاستبداد، يُلْفي نفسه منصرفاً إلى ما هو أشبه بالتجسّس على مجتمعه منه بدرسه. فهو مضطرّ إلى تسقّط الأخبار وجمع نُثار المعطيات عوض التحقيق المنهجي للظواهر. ولا غرو أن محفوظات الاستخبارات تبقى  هي المصدر الرئيس لمعرفة المجتمع  ولو انها لا تكون منظّمة لخدمة الباحثين ولا متاحةً لهم… ذاك ما تنبّه إليه، مثلاً، من اعتبر اطّلاع حنّا بطاطو على محفوظات مديرية الأمن العامّة في العراق الملكي ميزةً بارزة للسِفْر الجليل الذي كرّسه بطاطو للعراق المعاصر. أي أن الوشاية – على ما أشرنا إليه ذات مرّة –  هي، في ظلّ أنظمة الاستبداد، أهمّ مصادر الدراية.

كاتب لبنانيأحمد بيضون

الاستبداد بالمعرفة

أحمد بيضون

أيّامَ راحت تتعاقب حركاتُ التغيير في أقطارٍ عربية مختلفة بين أواخر العام 2010 والأشهر الأولى من تاليه، ردّدَت أقلام كثيرة أن هذه الموجة المهولة التي تصدّرت، إلى حينٍ، مسرحَ السياسة العالمية قد جاءت مباغتة. فلم يكن قد توقّعها أحد من الدارسين أو من متابعي أحوال المنطقة بمن فيهم الضالعون في العمل السياسي، في هذا أو ذاك من المجتمعات المعنية. يستوي في ذلك الناطقون من داخل مجتمعهم والناطقون من المنافي. ولا يخرج عن السويّة نفسها أجانبُ منسوبون إلى الخبرة بشؤون المنطقة من سياسية وغيرها.
على أن الذين أشاروا إلى هذا الفشل في توقّع حركات كان لها هذا العمق وهذه السعة اكتفوا بالإشارة أو شفعوها، في أحسن الحالات، بشيء من التعجّب من ظاهرة الفشل تلك من غير أن يطلبوا لها تفسيراً.
حين ننظر اليوم في ما شهدته السنوات الثلاث التي تلت تلك المرحلة الأولى، يتعين علينا أن نلاحظ أن الفشل في التوقّع لم يكن خاصّاً بظهور الحركات المشار إليها وحده وإنما شمل أيضاً ما آلت إليه كلّ منها وما اجتازته قبل ذلك من أطوار. والواضح أن الميدان الأثير لهذا الفشل إنما هو دواخل المجتمعات والتفاعل المتسلسل الذي شهدته هذه الدواخل وليس المجال الجغراسي أو الخارجي الذي اندرجت فيه حركات التغيير.
فإن توقّع المواقف والإجراءات التي بدرت من القوى الخارجية الضالعة في شؤون المنطقة ومما يسمّى المجتمع الدولي حظيت بالعناية المنتظرة من المحللين، على اختلاف منابتهم، وصحب هذه العناية، على التعميم، قَدْر مقبول من التوفيق في التوقّع المتعلّق بتصرّفها في كلّ ظرف أو طور من تلك التي اجتازتها، حتى اليوم، هذه أو تلك من حركات التغيير العربية. الفشل الأكبر كان وبقي في توقّع أطوار الداخل بأعمّ مصاديقه، أي المجتمع، وما يتمخّض عنه من بوادر ومواقف.
لا يمكن ألا نحمّل المسؤولية عن شطر جسيم من هذا الفشل للعهود البائدة من الاستبداد بشؤون هذه المجتمعات بما هي عهود جهل واسع النطاق بكلّ منها لا من جانب ذوي الاختصاص المزعومين وحدهم بل من جانب المجتمع نفسه الذي حرص النظام المستبدّ بشؤونه على إبقائه جاهلاً بنفسه، لا يستجمع معرفة بما يدور في جنباته ولا يصوغ أو يعلن مواقف صريحةً من تعاقب الأحوال فيه.
بمعنى ما، كانت هذه المجتمعات مجتمعات سرّية: بمعنى أن أحوالها كانت تبقى سرّاً عليها فلا تجتمع لها معرفة بنفسها حيث ينبغي لهذه المعرفة أن تجتمع: أي في المراكز المنوط بها، عرفاً، مهمّات تحصيل المعرفة بالمجتمع وجمعها وتنظيمها ثم نشرها حيث يلزم.
يشدَّد، عادةً، على قمع الأنظمة المستبدّة حرّيات الرأي والتنظيم والعمل السياسي والانتخاب، إلخ. ولكن هذه الأنظمة تقمع أيضاً حرّية تحصيل المعرفة بنفسها وبمجتمعاتها وحرّية نشرها وتداولها. فلا يُتصوّر أن طالباً يعدّ رسالة لنيل شهادةٍ عليا يسعه أن يُجري، بحسب ما يراه ملائماً من أساليب، ما يحتاج إليه بحثه من تحقيق في المحيط الذي يتناوله البحث. ليس منتظراً أن تكون عين الاستخبارات غافلة عمّن يتجوّل في طول البيئة المدروسة وعرضها موزّعاً الاستمارات أو مجرياً المقابلات.
ولا يمكن ألا يتبع تشدّدُ الاستخبارات طَرْداً اقترابَ الباحث من الأمور ‘الحسّاسة’ أي ممّا يمكن أن يدلّ على وقائع في المجتمع تكذّب دعاوى النظام أو على مواقف الأفراد والجماعات من تصرّفات الدولة أو النظام بمختلف جهاته وأجهزته. يرجّح أيضاً أن تحمل أجوبة المستجوَبين شيئاً كثيراً أو قليلاً، بحسب الموضوع، من آثار القمع الذي كان قد لجم أسئلة الباحث أصلاً ورسم نطاقاً لحركته وعيّن له، بمعنىً ما، ما يؤذن له بالوصول إليه من خلاصات وما يتعين عليه تحاشيه.
هذا الذي يتعرّض له مُعِدّ الرسالة الجامعية يصبح أشدّ وضوحاً وأثقلَ وطأةً، على الأرجح، في حالة الباحث المكرّس. قطاع الباحثين هذا وما ينشرونه من أبحاث تتشكّل منها المكتبة المتداولة، المتعلّقة بقطرٍ من الأقطار، يقتضي الإلمامُ بحاله في ظلّ الاستبداد وقفةً خاصّة.
لهذا البحث صلةٌ إذن!
كاتب لبنانيأحمد بيضون