الخاطرة والفيسبوك

أحمد بيضون

ديسمبر 28, 2015

يفتح «الفيسبوك» صدرَه لأنواعٍ كثيرة من الموادّ. فهو يقترح عليك، أوّلَ ما يطالعك حائطك المألوف (الذي تتوجّه منه إلى متابعيك وقد يحاورونك عليه) أن تضيف مادّة من إحدى فئاتٍ ثلاث: فئة التصريح بكلامٍ وفئة الصورة التي يسعها أن تكون واحدة ثابتة أو تكون شريط فيديو بحاله وفئة «الحدث» وموضوعُه مناسبة تُسْتجدّ أو تستذكر في تاريخ بعينه وقد تكون موضوعاً لاحتفالٍ ما في عالم الواقع. ولكن شريطاً يعلو هذه المساحة الثلاثية يبرز احتواء «الحساب» الفيسبوكي على موادّ كثيرةٍ أخرى: على محفوظاتٍ من الصور والأشرطة، على روابط بصفحات «الأصدقاء»، على أغلفة كتبٍ أو ملصقات أفلام أو أعمالا موسيقية، هي من مفضّلات صاحب الحساب، على رموز لمفضّلاتٍ من دنيا الرياضة، على «نُبِذٍ» يسعك أن تحفظ فيها مقالاتٍ أو دراسات: أي نصوصاً أطول من نصوص التصريحات التي قد لا يتجاوز واحدها كلمات معدودة، إلخ. هذا فضلاً عن «صندوق» للرسائل وللتحادث يتيح محاورة «أصدقاء» بأعيانهم، وحداناً وزرافات، بمعزلٍ عن عيون سائر الجمهور.
ولا ريب في أن هذه الموادّ كلّها لا تتساوى فئاتها في الرواج على الفيسبوك: أي في جذب اهتمام المتصفّحين واستثارة ردّ منهم يتخذ صيغة «التلييك» (أي إبداء الرضا عن المادّة… مع أنها قد تكون نعياً لعزيزٍ، أحياناً!) أو صيغة «التعليق» أو صيغة «التشيير» (أي إعادة نشر المادّة على حائط المتصفّح)… ثمّة تراتبٌ في الرواج توحي الإحصاءات أنه تغيّر لمصلحة «الصورة»، الثابتة أو المتحركة، التي تقدّمت على الكلام شأنها، في زمنٍ سبق، في النزاع بين الراديو والتلفزيون.
مع ذلك بقي «التصريح» (الذي اقترحتُ مقابلاً لاسمه الإنكليزي كلمة «عَرْضحال» العثمانية الأصل، على الأرجح) أوّل ما يعرضه عليك الفيسبوك من صور «النشاط» المحتمل من جهتك. وذاك أن «الإنسان» الفيسبوكي (هومو فيسبوكوس!) بقي حيواناً ناطقاً وإن يكن أصبح أيضاً، مع اجتياح الكاميرات للجيوب، حيواناً لا يكفّ عن التعرّض للتصوير… أو عن أخذ الصور لنفسه مؤخّراً.
وأمّا ما نصرّح به من كلامٍ على الفيسبوك فيسعه أن يكون أيّ كلامٍ كان، بل يسعه أيضاً أن يقع في ما دون الكلام فيقتصر على ما يسمّيه الفيسبوك «اللّكْز»… أو على واحدٍ أو أكثر من هذه الرسوم التي تفيد انفعالاً ما: فرحاً أو أسفاً أو تأييداً، إلخ، أو يقتصر على صوتٍ مكتوب لا يرقى إلى مرتبة الكلام المثبت في المعاجم، ولكنه يعبّر عن انفعالٍ أيضاً. وأشيع الأصوات من هذا القبيل، على الفيسبوك، «هههههه» التي تفيد أن محدّثك يمزح أو يسخر أو يضحك أو يأمرك بالضحك! إي والله: تفيد «هههههه» هذا كلّه! ولكنْ… يسع الكلام المذكور أيضاً أن يكون مقطعاً من بديع الشعر!
غير أنه يبقى في وسعنا، بعد إثبات هذا التنوّع، أن ننوّه بغلبة «الشفوية» على عرضحالات الفسابكة. فالكلام المكتوب هنا نائب، في الأغلب، عن كلام منطوق. ولا مغامرة في القول أن الفيسبوكي يكتب وكأنه يحادث. وهو ما يورث حضوراً غامراً للعامّيات وقلّة اكتراثٍ بتصحيح أنواع مختلفة من الأخطاء قد تقع في ما يقال. هذا لا يمنع أن المقارنة (في حالة الناطقين بالعربية) بين ما يرِد في العرضحال وما يقال في الدردشة تثبت أن الميل إلى الفصحى أقوى في الحالة الأولى وأن التوجّه إلى جمهور له قدْرٌ من السعة وقدرٌ من الغفليّة يملي اعتماد ضوابط مختلفة الأصناف في صياغة الكلام يغلب ألّا يعتمدها الكلام الموجّه، على حدةٍ، إلى شخصٍ واحدٍ أو أشخاص بأعيانهم.
هل ثمّة محلٌّ، بعد هذا، لما يسمّى «عمل الكتابة»، أي لمَخاضٍ يبتغي الرفع من سويّة الكلام من وجهٍ أو وجوهٍ: يبتغي البلاغة بالمعنى الأعمّ: أي ما قد يكون ألمعية وقد يكون شدّة إيحاءٍ وقد يكون إحكاماً وقد يكون تمكّناً من الإقناع أو من إثارة انفعالٍ ما؟ هذا معنىً لا يقرن البلاغة بالتمحّل (مع بقاء هذا الأخير غير مستبعد) وإنما يقرّبها من معنى الجمال على اختلاف موارده. ولِمَ قد يختار واحدنا الفيسبوك لمعاطاة غواية الكتابة هذه؟ لِمَ لا يعتمد حواملَ أخرى أرفع كعباً في هذا المضمار: الكتاب، المجلّة، القراءة في مجلس، الصفحة الثقافية، في الأقلّ؟
عند هذا السؤال، يدخل تصوّر «الخاطرة». الخاطرة على أنها فنّ من فنون الكتابة سابقٌ للفيسبوك. والخاطرة على أنها، مع ذلك، فنّ يسع الفيسبوك أن يجدّده فيمدّه بألقٍ مستأنف ويعيد تعيين مكان له ومكانة في الأدب إذ يملي عليه علاقة بالزمن هي غير العلاقة التي يغري بها دفتر «الخواطر». يجعل الفيسبوك «الخواطر» أيضاً في حال توجّه فوري، أي مزامنٍ لصوغها، إلى جمهور، وهو ما يرجّح لها طلاوة المشافهة ولو انّها ناتج عملٍ وصناعة. يتيح الفيسبوك للخواطر، فوق ذلك، تنوّعاً مهولاً في الشواغل وفي سويّة الهموم: فيكون لها أن تتراوح بين استنطاق شعور بتوعّك طارئ مثلاً والإشارة إلى احتمالٍ يراه الفيسبوكي معتبراً لنشوب حربٍ عالمية، بين رأي في أغنية واستذكار حادثة قديمة… وغير ذلك كثيرٌ – طبعاً – فيتعذّر حصره. وهو ما قد يوحي، أوّل وهلة، بتشظّ مطلق لشريط الخواطر. ولكنه يجعل الخواطر مقتطفات نامّة بسيرة داخلية للشخص، أو بـ»سيرة للبال والخاطر» على ما اقترحتُ تسمية الحصيلة ذات مرّة… هذه وغيرها أبواب مفتوحة على مقارنة لما كانته الخاطرة، بما هي فنّ من فنون الكتابة، قبل الفيسبوك بما يسعها أن تكون معه. وهي مقارنة أعود إليها في عجالةٍ مقبلة.

كاتب لبناني

الخاطرة والفيسبوك

أحمد بيضون

خدعةٌ ما

أحمد بيضون

■ بغير قصدٍ أو – على الأرجح – بقصدٍ، أخذت المبادرة الآيلة إلى ترئيس سليمان فرنجية للجمهورية اللبنانية تبدو أشبه بالخدعة منها بالمبادرة. إذا صحّ هذا التقدير رجَح أن تكون الخدعة قد جاءت من موضع بعيد وسلكت إلى ضحاياها طريقاً متعرّجة.
أوقَعُ ما حصل – ما دامت المبادرة قد أصبحت مستبعدة النفاذ – هو أن «السقف» الرئاسي المفترض لجماعة 14 آذار قد ألصقه المسعى الحريري بالأرض، إذ سلّم بتسليم الرئاسة الأولى للجماعة الأخرى. وهو أمر يزلزل جماعة 14 آذار لنسفه المدار الرئيسي (أو الرئاسي) للعلاقة بين ركنيها السنّي والمسيحي. يزيد الأمرَ سوءاً أن هذا التسليم اقتُصر مقابله على تسلّم رئاسة الحكومة، أي على مطلب يخصّ الركن السنّي الذي بدا وكأنه «باع» بهذه الرئاسة حليفيه المسيحيين: القوّات اللبنانية والكتائب. نقول هذا مع العلم أن التحالف العريض قد يبقى قائماً شكلاً لأسباب شتى تملي ضرورته. ولكنه يخرج من هذه المبادرة وقد ازداد ـ مرّةً أخرى بعد مرّات ـ خلوّاً من روحه، أي من الطاقة التي انشأت له وحدة جمهوره عند قيامه.
في جهة 8 آذار، لا يبدو الأمر على هذا القدر من السوء. حصل هذا المعسكر مجّاناً على التسليم المبدئي له بالرئاسة. صحيحٌ أن الإجماع المعلن حول ميشال عون قد ضُرب. ولكن الضربة جاءت من جهة مسيحية ثانوية في الجماعة في ما بقي الطرف القائد، أي «حزب الله» غير متورّط علناً. يقابل ذلك تورّط كلّي للطرف القائد في المعسكر الآخر (أي تيّار المستقبل). صحيحٌ أيضاً أن جماعة 8 آذار لم تحصل على الرئاسة الأولى فعلاً، ولكن هل يريد الطرف الممسك بزمام الجماعة انتخاب رئيس للبلاد فعلاً؟ هذا سؤالٌ كان معلّقاً في الفضاء من وقتٍ غير قصير ولا يزال.
على أن الخسارة الكبرى من جرّاء الزعزعة الشديدة لـ14 آذار والمحدودة لـ8 آذار حصدها الجانب المسيحي في جملته. فبعد أن كان يبدو منقسماً بنوع من التعادل بين الجماعتين، ظهر بجلاء أنه مقسّمٌ إلى أربع جماعات يوشك ألا يجمع بينها جامع.
في مقابل تمثيلين طائفيين جامعين، على نحوٍ أو آخر، في الجهتين الشيعية والسنّية. هي إذن محطّة جديدة لمسار التضعضع الذي تسلكه المسيحية السياسية في البلاد. وهو تضعضع بات جليّاً أنه يتعدّى السياسة البحتة أصولاً ومفاعيل.
تبقى ملاحظتان، الأولى أن هذا النوع من المبادرات معتاد في أيّ بلاد تشهد حرباً أو تشهد أزمة متمادية. هو ينفع في مداراة اليأس أوّلاً وفي تلطيف ما يجرّ إليه اليأس المبتلين به من أفعالٍ مختلفة، غير مرغوب فيها من قبل ذوي السلطان: أفعالٍ يقدم عليها اليائسون زرافاتٍ ووحداناً. هذه المبادرات التي تنعش المسرح والنفوس، إذ تبدو مخالفة لوجهة التردّي السائدة، لا تلبث أن تتكشف كلّ منها عن خيبة جديدة وعن انتظار جديد لما يتراءى في غيب ينظر إليه المضطرّون على أنه غني باحتمالات شتّى.
الملاحظة الثانية، وهي معلومة إلى حدّ يغري بالاستغناء عنها، هي أن التفاعلات اللبنانية من الطراز الذي سبق وصفه لا حظّ لها، ما دام المجتمع السياسي اللبناني هو هو، بالتفلّت قليلاً أو كثيراً من بعض ما لا ينفكّ يعصف بالمشرق، الذي يقع فيه لبنان، من أعاصير عنيفة، كثيرة المهبّات، لا ينجو منها بشرٌ ولا حجر. وهو ما يجعل المضيّ قدماً في تسويةٍ غير عابرة لأزمة النظام اللبناني، أمراً لا يزال غير مرجّح. وذاك أن المساعي المبذولة، على الخصوص، في مساق الصراع على سورية لا يبدو حتى الساعة أنها اقتربت من منفذٍ ما، إلى الحدّ الذي يبيح التفاهم العامّ على الجانب اللبناني من الصفقة الكبيرة. ذاك لا يمنع أن اللعب الظرفي في الساحة اللبنانية، إذ تحصل فصوله المؤذية بوسائط لبنانية، يترك بعضه ندوباً وتقرّحات لبنانية تصبح المعالجة الآجلة لبعضها صعبة أو متعذّرة حين يراد لها الشفاء من الخارج أو من الداخل.
في المبادرة التي نحن بصددها، حصل أخذ وردّ دبلوماسيّان أغريا بحملها على محمل الجدّ. ولكنّهما بقيا محدودين ثم مالا إلى الخمول. من ساقَ خطى صاحب المبادرة، إذن، إلى هذا الفخّ الذي يستبعد كلّياً أن يكون سعد الحريري قد تحرّك نحوه من تلقاء نفسه؟ الأرجح أن العملية بدأت في خارج جمهورية لبنان المعذّبة. بدأت في مجرى التجاذب الإقليمي وما يفرضه مجرّد السعي إلى تحسين المواقع ـ ناهيك بالبحث عن منفذ ـ من أصناف المناورة. بدأت إذن بخدعةٍ من طرفٍ غير لبناني انطلت على طرفٍ آخر غير لبناني أيضاً.

٭ كاتب لبناني

أحمد بيضون

En définitive, je n’ai lu que des pages éparses de la traduction de ce roman réalisée par Philippe Vigreux*. J’ai préféré relire entièrement le texte arabe dont j’étais déjà familier. Il n’empêche que la traduction s’impose sans peine au lecteur par d’évidentes qualités ; la précision des termes, l’élégance des phrases, la richesse époustouflante du vocabulaire… On reste en admiration surtout devant ces quelques jeux de mots arabes dont le traducteur trouve comme par miracle des équivalents français toujours si heureux.
Je souligne volontiers ces qualités et quelques autres en dépit du fait que le traducteur a supprimé sans sourciller la dédicace imprimée du livre original. C’est, de sa part, un coup bien perfide puisque mon nom figurait en bonne place parmi ceux des dédicataires en la compagnie inespérée de Mohiédine Ibn Arabî et de Abdullah Al-Alâyilî.
Dès ma première lecture de ce roman, j’avais pu admirer le déroulement du récit et la construction d’une aussi énigmatique ambiance. J’ai retrouvé, dans la trame générale, dans l’intrigue, si l’on préfère, des échos d’Ecco. Un ou plusieurs crimes dont le mystère s’abat net au milieu d’un petit monde où tout est mystérieux. C’est la réplique d’un Moyen Âge où la raison est rangée dans le placard des accessoires pratiques : reléguée au rang d’outil d’un savoir profane encore mal autonomisé. La vraie vérité, elle, reste à extraire du carcan épais et poussiéreux de la bêtise commune. L’effort pour atteindre le sens, dans sa fraîcheur oubliée, ne peut être que le fait d’initiés consacrant leur vie à un tête-à-tête laborieux avec les mots du commun que l’on doit faire parler. Leur entreprise est tellement vaste qu’ils n’en viennent jamais à bout, qu’aucune percée effectuée n’est définitive, que, par conséquent, le projet doit passer de génération en génération d’initiés : chacune prenant sur elle de former patiemment la suivante qui se retrouve obligée de tout recommencer. C’est seulement à ce prix qu’elle pourra s’approprier effectivement ce qui, maintes fois, a été trouvé.
Afin d’édifier son récit, Najwa Barakat élit une tradition parmi d’autres de celles qui se proposent de percer les voiles de l’Être. Il s’agit – on l’a deviné – de celle qui y va via l’affrontement de l’épaisseur des mots. Or qu’y a-t-il de plus évident, si l’on veut retrouver le sens ultime que les mots, à la fois, voilent et dévoilent que de le chercher dans leurs éléments premiers : les sons de la langue, les phonèmes, les lettres?
C’est ce projet de cerner les sémantèmes secrets, grouillant dans le tréfonds de chaque lettre, qu’au prix d’un labeur interminable, la confrérie qui se trouve au centre de ce roman veut faire avancer, sinon mener à terme. L’idée qu’une lettre seule est porteuse de sens est si curieuse qu’elle peut précisément alimenter les exercices les plus futiles, susciter des recherches aussi oiseuses qu’interminables. Elle est liée à la question de l’origine des langues dont la Société de Linguistique de Paris a interdit de débattre en 1866 et qui n’est retournée à l’ordre du jour, en France et ailleurs, que plus d’un siècle plus tard.
Cette hypothèse d’un sens ésotérique des lettres est surtout incompatible avec le postulat saussurien de l’arbitraire du signe : pilier, s’il en est, de la linguistique contemporaine et plus généralement de la pensée structuraliste. Ce postulat, solidement assis en apparence sur la pluralité réelle des langues, est de nos jours encore accepté comme préliminaire épistémologique lui-même arbitraire. Il semble, par ailleurs, battu en brèches dès qu’il veut s’imposer comme principe universel de la genèse réelle des langues.
Doit-on pour autant considérer comme acquise l’hypothèse d’une parenté originelle du signifiant et du signifié et, par conséquent, celle d’un noyau sémantique que chacun des éléments phoniques d’une langue inculquerait, pour ainsi dire, à la lettre ou graphème correspondant ? Question difficile, s’il en est… Mais cette dernière hypothèse est celle de la confrérie mise en scène par Najwa Barakat.
Or il s’agit d’une hypothèse très dangereuse ou qui, du moins, peut le devenir. Imaginez, en effet, que chaque mot agite conjointement dans vos oreilles, dans votre bouche et sous vos yeux un nœud ancestral de sens, toujours vivant par-delà les transformations dont le mot présent est la résultante et qui obéissent à bien d’autres contraintes que celle de rendre par le mariage convenable de sons la signification voulue. Ce nœud, depuis si longtemps hors maîtrise, ne ressemblerait-il pas à un nœud de vipères ? Le mot prononcé ne prendrait-il pas une allure de complot ? Et celui qui, poursuivant le labeur de générations d’initiés, arriverait à défaire le nœud, à en isoler les fils pour les renouer selon son inspiration, ne participerait-il pas d’un pouvoir divin sinon de Dieu en personne ? Ce ne peut-être un hasard, en effet, que les adeptes d’un sens ésotérique des lettres soient aussi les hérauts de la langue créée, supra-humaine et soient, d’autre part, des mystiques désireux de se consumer en Dieu.
La jonction de ces trois dimensions est compréhensible et historiquement attestée. Il n’est pas dit qu’elle soit, pour autant, inévitable ni qu’elle soit vouée au succès. Dans le roman de Najwa Barakat, l’entreprise donne une impression d’essoufflement et le poisson est pourri à la tête. C’est le grand maître de la confrérie qui concentre en lui-même la corruption ambiante. On consomme beaucoup de papier pour percer les secrets des lettres et, de temps en temps, on en déchire. Plus radicalement encore, la proximité de la Table sacrée qui fait le lien entre la confrérie et l’au-delà n’est pas assurée. La corruption frappe ainsi la source même du halo de sainteté qui enveloppe la confrérie et répand ses lueurs sur le village voisin. En vérité, la corruption est la doublure même de ce petit monde ; tout est corrompu ici, sauf peut-être les plus jeunes disciples, la prostituée du village et le jeune garçon dont elle tombe amoureuse.
Il y a une quarantaine d’années, j’étais, moi aussi, obsédé par cette question du sens des lettres. La modestie étant de rigueur dans ce champ miné, mes efforts devaient se limiter à l’alphabet arabe et même, de préférence, à quelques-unes de ses lettres. Il en est sorti un article assez considérable que j’ai couplé avec une interview fort mémorable de Abdullah Al-Alayili. Ces deux textes sont devenus plus tard le noyau de mon livre intitulé Kalamon et c’est cet ouvrage qui me valut l’orgueil de voir figurer mon nom dans la dédicace de Najwa Barakat supprimée par son traducteur…
J’ai beaucoup aimé La langue du secret. Lors de sa parution, j’avais déjà dit mon admiration du roman précédent de Najwa, Le bus des gens bien. J’y avais apprécié le déchaînement de bassesse et de fausseté qu’occasionne le voisinage de ces gens qui se découvrent agglutinées autour d’une tête coupée enfouie au fond d’un sac d’olives. En plus des réactions en chaîne déclenchées par un crime assez énigmatique dont l’élucidation échoue à faire consensus, j’ai retrouvé dans La langue du secret la même incertitude des lieux et du temps, le même décor aux relents médiévaux qu’étalait son prédécesseur. Dans les deux romans, le monde en place m’a rappelé l’échoppe disparue, il y a plus de 50 ans, d’un droguiste ancienne mode qui vous vendait sur la place de mon village des ingrédients médicamenteux et d’autres (ou bien les mêmes) nécessaires aux pratiques de magie noire. Je reste tout étonné devant la maîtrise par Najwa Barakat de ce monde révolu. Car il s’agit, dans ses romans, de tout un monde qui ressurgit et nous enveloppe dans sa poussière et non seulement d’une constellation d’objets poussiéreux.
Ce monde, la romancière arrive à l’incarner, moyennant le vocabulaire et la syntaxe, dans un style entier et dans un art du récit. C’est au chapitre 8 – si je ne me trompe – que nous découvrons l’existence dans la contrée où nous avons été introduits de télégrammes et d’automobiles. Nous nous estimons être probablement quelque part dans l’entre-deux-guerres… ou bien – pourquoi pas ? – aux abords du 21eme siècle. Quand à assigner des coordonnées spatiales à l’action, on s’aperçoit vite qu’il vaut mieux y renoncer. A tous les niveaux, l’incertitude est reine.
Le style de Najwa Barakat – pour en revenir à lui – nous ballotte constamment entre archaïsmes et anachronismes. Ce qui provoque force grincements dans le texte original. Nous nous apercevons vite, toutefois, de la nécessité de nous y résigner : ce sont les gonds de notre univers et non pas les mots de l’auteure qui n’arrêtent pas de grincer. En revanche, par l’élégance même de ses phrases et l’homogénéité de son vocabulaire, la traduction de Philippe Vigreux gomme largement cette singularité de l’expression barakatienne. On ne sait si l’on doit s’en plaindre ou en féliciter le traducteur. En voilà une autre incertitude : bien mienne celle-là.
Aux vecteurs qui font avancer le bus des gens bien, la langue du secret ajoute le va-et-vient entre le crime et le sacré. Ce qui nous laisse sur l’impression que, de même que le pire, le sacré n’est pas toujours sûr. Le sens d’une lettre (tout au plus une illusion de similitude, avais-je décrété dans l’article susmentionné, ce qui est beaucoup…) ne peut être sûr non plus. C’est bien cette incertitude qui fait qu’au plus profond de notre être, l’œuvre de Najwa Barakat nous émeut.
Beyrouth, octobre 2015
* Texte de mon intervention a la table ronde reunie le 25 octobre 2015, au Salon du Livre Francophone de Beyrouth,. autour de la traduction francaise du roman de Najwa Barakat “La Langue du Secret”, Sindbad, Actes Sud – L’Orient du Livre, Paris – Beyrouth, 2015.

ثقافة السلام في لبنان: طَفَراتٌ وعَثَرات

 

ثقافة السلام في لبنان: طفراتٌ وعثرات

 

أحمد بيضون

 

في السنوات الأخيرة من حرب لبنان المديدة وفي السنوات الأولى التي أعقبت نهايتها، عكفت مراراً على أحوال الثقافة اللبنانية وعلاقتها بالحرب. كنت أجهد في تبيّن التكاوين الذهنية والتصوّرات التي تتيحها الثقافة للنزاع، بما هي نشاطٌ متجدّد وأعمالٌ متنوّعة،  فتستوي رسوماً عامّة لمواقف الأطراف فيه تمدّها بما يصلح أساساً لها من القيم وتسوّغ بعضها ببعض وتوفّر لها الطاقة التي تبذل في العنف الجاري على اختلاف صوره من مادّية ورمزية. وكنت أبحث، في ما يشبه أن يكون تعرّفاً للضدّ بضدّه أو حركة جيئة وذهاب ما بين القبليات والبعديات، عن سمات لثقافة السلام يتيسّر استخراجها من أعمال ثقافية بعينها أو تفترض ملاءمتها للسلام مسبقاً ثم تستقيم نسبتها إلى تلك الأعمال. لم أكن مهتمّاً – ولا أنا مهتمّ اليوم – بوعظ الواعظين في السلام ولا بدعوة الدعاة إلى المسالمة فهذه خطب ضئيلة الوقع جدّاً، تنفع أصحابها أوّلاً فيما يغفو جمهورها واقفاً إذا وجد لها جمهور.

في هذا البحث المتقطّع الذي  لم يخلُ، كلّما عدت إليه، من تكرار للأسئلة والهموم وأثمر بضع مقالات نشرت في دوريات وأوراق قدّمت في ندوات، ظللتُ أحاذر ما يسمّى الموقف الثقافوي… وقد اتفق أنني كنت أدرّس علم اجتماع الثقافة وكنت مدعوّاً إلى الإلمام بالثقافوية وبنقدها كلّ سنة… ويتمثّل صلب الثقافوية في تفسير أفعال الجماعة أو ردود أفعالها بسماتٍ يفترض لها الثبات تميّز ثقافتها. فتبدو الثقافة في إهاب الماهية ويفترض لسماتها شدّة أسرٍ غلابة بحيث يتعذّر على الجماعة الخروج من تلك السمات أو عليها ويجد المراقب نفسه، إذا كان عارفاً بالسمات المشار إليها، قادراً على توقّع الأفعال أو ردود الأفعال، متوهّماً لنفسه الإحاطة بما كان من أمر الجماعة وما سيكون.

لم أذهب هذا المذهب في النظر إلى ثقافة اللبنانيين، بما تتفرّع إليه من أنواع وما يتشعّب إليه كلّ من أنواعها من توجّهات وتيّارات. كنت واقفاً على درجات التشابك والتعقيد في المشهد الثقافي اللبناني وعلى ما يورثه ذلك من عسر في ردّ هذا المشهد إلى سمات ثابتة معدودة. وأهمّ من التشابك والتعقيد ما كان قد أوقفني عليه، على الخصوص، تتبّع أعمال المؤرّخين اللبنانيين في ثلاثة أرباع القرن تقريباً من تحوّلات في المواقف من أمور كثيرة. كانت التحوّلات التي تنمّ بها أعمال المؤرّخين الأفراد تواكب صراحةً أو ضمناً منعطفات سلكت فيها جماعاتٌ ينتمي إليها الأفراد. وأذكر أن مأخذاً على الكتاب قد تكرّر من جانب نقّاد أكرموه، على وجه العموم، برضاهم: وهو أنني رجعت بانتظام إلى الأصول الطائفية للمؤرخين عند البحث في توجهاتهم العامة وفي المواجهات بينهم. وهذا مأخذ يتبدى جائراً للغاية عند الانتباه إلى الموضوع المقرر للكتاب في عنوانه: وهو الهويات الطائفية والزمن الاجتماعي في أعمال هؤلاء المؤرخين. وهو ما يعني أن أعمال المؤرخين اتخذت مدخلاً أو سبيلاً إلى البحث في موضوع الهويات الطائفية وأنماط انخراطها في الزمن وتحولات تلك الأنماط بين مرحلة وأخرى. وهذا مدخل أو سبيل كان يمكن اعتماد غيره نظرياً إذ كانت الهويات الطائفية لا أعمال المؤرخين هي الموضوع المقرّر للكتاب. عليه كان المأخذ المشار إليه يؤول إلى لوم الكتاب على ملازمته موضوعه!

هذا وقد بقي الخلوص إلى سماتٍ عامّة جدّاً لهويات الطوائف (من قبيل الموقف من الزمن مثلاً) أمراً ممكناً. ولكن هذه السمات كانت حدوداً بعيدة تحتمل تقلّبات يتعذّر حصرها في ما هو دونها عمومية من البنى والتوجّهات. وهي قد بدت لي، إلى ذلك، داخلة في حال مغالبة غامضة المصائر، مع أضداد لها طارئة عليها من مصادر مختلفة بعضها يجد أصله في ثقافة الجماعة نفسها وبعضها الآخر وافد عليها من خارجها ولكنه بات فاعلاً في بعض داخلها أيضاً، معتمداً من بعض أوساطها أو عناصرها.

عليه لم يكن لي أن أردّ أعمال الأفراد إلى الجماعات. وإنما دأبت في تعيين مواقع تلك من هذه ملاحظاً تنوّع المواقع ما بين موالٍ أو مؤالف لوجهة الجماعة الغالبة ولمعالم نهجها في مرحلة من المراحل ومعارض أو مغاير لهذه وتلك. وهو ما كان يأذن لي باستخراج علاقات تبقى دالّة وإن تكن متعارضةً أو غير محتومة. وهو ما كان يتيح أيضاً إبقاء المثقفين (وهم ههنا المؤرخون) في ما هم عليه فعلاً من تواضع الحال بما هم مرايا لشبكات متقاطعة من تصوّرات الجماعة ونوازعها في أوقات بعينها: مرايا تستجمع خيوط هذه التصوّرات وتعيد حياكتها على أنحاء يلازمها التنوّع ولا يفترض خلوّها من التناقض. ولكنّها، أي المرايا، ليست في موقع الخلق ولا في موقع الفرض. فهي تأخذ من الجماعة مادّة ما تردّه إليها مشكّلاً. والجماعة لا تنصاع، فوق ذلك، إلى أوامر المثقفين ونواهيهم… إذ لم يسمع – مثلاً –  بنظرية ذات بعدٍ عملي وضعها مثقف وبقيت في الممارسة ما كانته في الكتاب أو هي أفلحت في الاستحواذ الكلّي على ولاء الجماعة كلّها. بل إن الغالب أن يبقى المثقفون متشائمين بمصير دعواتهم، مستائين من درجة الاستجابة لما يلحّون في اتّباعه…

على أننا حين نذهب هذا المذهب: مذهب التقليل من فاعلية المثقفين في توجيه الجماعات، وتقليص أثرهم في جنوح هذه الأخيرة نحو ما يعزّز أسس السلام بينها أو ما يغلّب احتمال التنازع إنما نخصّ بهذا الترجيح ما تصحّ تسميته “ثقافة المثقفين”. وهذه غير ثقافة الجماعة بعامّة. وذاك أن ثقافة المثقفين تنتهي إلى أعمال معلومة يقدّمها هؤلاء فتتوزّع على أنواع مضبوطة الأوصاف، إلى هذا الحدّ أو ذاك، بينها مثلاً ما نسمّيه الرواية والشعر والفكر السياسي والتاريخ، إلخ. وهذه أعمال تستقي بعض موادّها وبعض قيمها من ثقافة الجماعة بالمعنى الأوسع. ثم إنها تواكب بدورها ثقافة الجماعة وتمدّها ببعض مصطلحها ولغتها، مخلّفة فيها، على الجملة، آثاراً هي ما حذّرنا من المبالغة في تقديره وإن نكن لا ننكرها البتّة. ولا جرم أن خريطة الأنواع الثقافية لا ثبات لها وإنما يعاد النظر فيها في كلّ عصر أو مرحلة. ومن ذلك، في عصرنا، استقلال ما يدعى الإعلام بمنتجاته وأصوله وغلبة الصورة بتوسّط السينما أوّلاً ثم بتوسّط التلفزة ومشتقّاتها، ومنه الأدوار المتنامية التنوّع والسيطرة للإنترنت، إلخ.

ولا نستغني عن الإشارة هنا إلى توزّع المثقفين، لا بين الأنواع وحسب، ولا بين الاتجاهات وحسب بل أيضاً بين المصادر التي ترجّح التوجّهات وقد تؤخذ عنها أنواع برمّتها أو مدارس في النوع الواحد، على الأقل. وما هو جدير بالتسجيل ههنا أن ثقافة الجماعة، بماصدقها الفضفاض، ليست غير مصدر واحد من المصادر التي تستقى منها ثقافة المثقفين. وهو مصدر ذو أهمّية خاصّة، بطبيعة الحال، إذ يسعف ظهوره في الأعمال إحاطة الثقافة، ثقافة الجماعة، إحاطة حسيّة بالمثقف غزيرة الموارد والمنافذ. فإن هذه الإحاطة ما هي، في جملتها، سوى الوجه الرمزي من إحاطة الجماعة نفسها بمثقّفيها ومن انتماء هؤلاء إليها. على أن هذه الإحاطة، إحاطة الجماعة بالمثقف، لا تورث بالضرورة استحواذاً لتلك على هذا أو انصياعاً من هذا لإملاءات تلك. وإنما تبقى درجة الأثر وكيفيات تفاعله مع آثار أخرى لما يتعرض له المثقف أو يعرّض نفسه له من مصادر أخرى هي ما يتفتق عنه العالم المفتوح، قريبه وبعيده، بعد أن بات بعيده شديد القرب ودخلت منه غرائب كثيرة في مألوف الجماعات.

علينا أن نشير، في المساق نفسه، إلى كون ما نسمّيه الجماعة، بصيغة المفرد، لا يستغرق الفرد ولا يستنفد دائرة انتمائه أو هويته. فإن الفرد – وهذا لا يحتاج إلى بيان – يكون موزّع الانتماء والموئل بين جماعات أو هويّاتٍ عديدة تتداخل دائماً وتتراتب ويصعب أن تخلو العلاقات بينها من دواعي التعارض والتناقض ويصعب بالتالي أن تبقى مستقرّة، عبر الزمن، على حالٍ واحدة.

هذا كلّه يجعل العلاقة بين ثقافة المثقف وثقافة جماعته عرضة للتنافر. فليس لزاماً أن يكون ما يظهر من ثقافة في الجماعة كلّه امتثالاً لأوامرها ونواهيها واجتراراً لما هو سائر فيها من أنماط الفكر والشعور والسلوك. بل إن أقرب الأعمال إلى الإبداع – وهذا ما سنعود إلى بيانه في الحالة اللبنانية – يكون أكثر ما يكون ما يضع الفرد المبدع في مواجهة اجترار الجماعة قيمها وأعرافها.

وأمّا ما أردناه من هذا التمييز بين مدلولين للثقافة، ونحن نقارب موضوع ثقافة السلام في لبنان، فهو إبراز حاجتين. الحاجة الأولى هي إلى الوصول بالبحث عن مقوّمات ثقافة السلام تلك ومعوّقاتها في الحالة اللبنانية إلى ما يعتمل من تيارات ودوافع وما ينتصب من موانع في تجليات للثقافة الجماعية تتجاوز، من كلّ الجهات، ما ينتجه أهل الحرف الثقافية من أعمال. وهذا من غير افتراض لأيّ قدر مقدّر يترتب على وجود أصول لما ذكرنا في الذهنيات الجماعية. فإن الذهنيات تتحرّك وتتحوّل، هي أيضاً، وإن يكن تحولها وحركتها موسومين بالصعوبة والبطء عادةً، ويتغير، على الخصوص، ما يعلق بهذا أو ذاك من عناصرها من وظائف وتوجهات. وأما الحاجة الثانية، وهي متممة للسابقة، فهي إلى الحذر من تحميل ثقافة المثقفين مسؤوليات تفيض عن طاقتها ودورها وإلى إدراك ما تتّسم به علاقة المثقف بجماعته أو بما ينتمي إليه من جماعات متداخلة من تعقيد وتباين وتناقض ومن فرادة تتفاوت نسبها ومفاعيلها تبعاً لتفاوت الحالات الفردية ولتفاوت الجماعات.

إن كان ما سبق يسعف في تعيين المواضع التي يصحّ البحث فيها عن مقوّمات لثقافة السلام وعن معوّقات أو نقائض لها، فبمَ تعرف ثقافة السلام نفسها وبم تتميّز عمّا هو مغاير أو مضادّ لها؟ في واحدة من المقالات التي أشرتُ إليها، وقد اخترت لها (أو لشطرٍ منها) مداراً ثقافة الديمقراطية، استوقفني كلام لكلود لوفور ترجمته أن الديمقراطية “تتأسّس وتستديم حيثما تتحلّل المعالم المشيرة إلى اليقين”.  وهو كلامٌ لا يعصي على  الفهم حين نلتفت إلى ما تلزم به الديمقراطية أهلها من قبولٍ للتعدّد والكثرة ولما يليهما من وجوه الانقسام والخلاف في المجتمع  ومن اطّراح لدعاوى احتكار الحقيقة. هذا وافتراض التواؤم بين الديمقراطية والسلام أمر مشهور ودعوى تستعاد في مقالات كثيرة تُبرز، أوّل ما تبرز، كون الدول الديمقراطية لا يحارب بعضها بعضاً. وهو قول لا يمنع خوض هذه الدول حروباً استعمارية أو ذات طابع استعماري مجافية في مبدئها وواقعها للمبدإ الديمقراطي. على أن ما يعنينا، ونحن نحاول مقاربة لثقافة السلام في الحالة اللبنانية، ليس الحروب بين الدول وإنما هو السلام الداخلي أو الأهلي وما قد يهدّده أو يزعزعه من نزاعٍ أهليّ أيضاً. هذا السلام متّصل هو أيضاً بالديمقراطية في ما نرى إذ هو يفترض، وفقاً لعبارات تجري بها ألسنتنا وأقلامنا كل يوم تقبّل التعدّد والاختلاف أو “قبول الآخر ولو مختلفاً”.

وعلى غرار ما يقرره لوفور بصدد الديمقراطية، يسعنا القول، بالتالي، أن السلام الأهلي في مجتمع يعتوره من صور التعدّد والانقسام ما يعتور المجتمع اللبناني يفترض هو أيضاً “تحلل المعالم المشيرة إلى اليقين”. أي إن هذا السلام يفترض البعد عن الاعتقاد بأوحديّة ما للحقيقة أو يفترض، بعبارة أخرى، تشكّك كلّ من الجماعات المشكّلة للمجتمع والفاعلة في سياسته في حقيقتها، على اختلاف الشعاب، وفي صواب نهجها، على اختلاف الوجوه، حيثما يتّصل الأمر بما هو مشترك بينها وبين سواها أي بالمجتمع وبالبلاد. والبيّن، من بعد، أننا حين نشترط هذا التشكّك على الجماعات المشكّلة للبنان دولةً ومجتمعاً إنما نسأل عن حصول مقبولية له في ثقافة هذه الجماعات وفي ثقافة كلّ منها سواءً بسواء. وينظر السؤال إلى المعنى الأوسع للثقافة ههنا أي إلى ثقافة الجماعة بعمومها ولا ينظر إلا استطراداً أو تالياً إلى أعمال المثقفين. وهذا مع أن هذه الأخيرة يتعذّر (أو لا يصحّ) إهمالها بما هي عليه من كثافة في الدلالات وتيسّر للحصر والمقاربة في آن.

التشكّك إذن… التشكّك في النفس الجماعية وفي قيمها وسلامة مسالكها والتسليم بحظوظ من القيمة لجماعات الأغيار. هذا هو الشرط الأعمق الذي ينبغي البحث في درجة تحققه، أي في درجة الاستجابة الثقافية له، في كلّ جماعة وفي كلّ ظرف أو مرحلة. وهذا قبل النظر في كيفيّات تحقق سواه إذ هو، مع كونه الأعمق، شرط غير كافٍ مع كونه واجباً. وهو لا يظهر وحده في واقع الحال التاريخي أو الاجتماعي-السياسي. فهل يعدّ هذا الشرط مرجّح التحقّق في لبنان: في ثقافة مجتمعه الموروثة من تجربته المعاصرة وفي الثقافات الفرعية لجماعاته، وهي – أي الجماعات –  أطول من عمر الدولة اللبنانية أعماراً وإن تكن لا تظهر مبتوتة الصلة بأيّ حال بما يمليه عليها من دلالات حاضرة انخراطها في المجموع ومشكلات هذا الانخراط.

واضحٌ أن ما يقتضيه السلام الأهلي من تشكّك في حقائق الجماعة الواحدة وقيمها ومن تواضع مترتّب على ذلك حيال الأغيار وحقائقهم أو حقوقهم لا ترجّحه الأصول الدينية للجماعات الأساسية المشكّلة اليوم للمجتمع اللبناني أي للطوائف اللبنانية. وذاك أن ما يسمّى التكفير ونتداول ذكره كثيراً في هذه الأيّام إنما هو، عند التحقيق، أصلٌ في العلاقات بين أديان التوحيد. بل إن التكفير تنتشر فاعليّته إلى العلاقات بين مذاهب الدين الواحد. وتهمة الكفر المقصودة في هذا المضمار ليست تهمة الإلحاد وإنما هي الإخلال بركن من أركان الصورة التي تراها جماعة من الجماعات الدينية للمعبود الأوحد. عليه يمكن أن يعدّ الشرك كفراً لمسّه بالوحدانية ويمكن أن يعدّ التثليث شركاً أي كفراً لنفيه في النصّ القرآني ويمكن أن تعدّ الإمامة في بعض التصوّرات الشيعية لها شركاً أي كفراً في النظر السنّي ويمكن أن يعدّ نكران الإمامة بما هي أصل من أصول الدين كفراً في النظر الشيعي، إلخ.

وإذا كنّا نقول “يمكن أن يعدّ” ولا نقول “يعدّ” فلأن جهوداً بذلت ولا تزال تبذل للتلطيف شيئاً ما من حدّة هذه النظرات المتبادلة ولأن العلاقات بين الأديان وكذلك بين مذاهب الدين الواحد لها تاريخ، في جميع الحالات، ولا تبقى – ولا هي بقيت، في أيّة حالة، – على حالٍ واحدة. وترمي جهود التلطيف أو التقريب هذه – بما تعمد إليه من تأوّل للنصوص ومن اجتهاد فيها ومعارضة لبعضها ببعض – إلى التفادي من العواقب المدمّرة لاعتماد لغة التكفير لغة وحيدة يخاطب بها أهل الأديان وأهل المذاهب بعضهم بعضاً. وقد يقتصر هذا التحييد للتكفير على تناسيه. فيجتنب بذلك الغوص في مسألة لا تؤمن عقباها وتترك كلّ جماعة أمر الجماعة الأخرى لربّ العالمين.

مع ذلك يبقى من التكفير ظلّ مخيّم على خلفية الصورة: صورة الجماعة في عين الجماعة. وتبقى هذه الخلفية محتملة التحوّل إلى صدارة للصورة. يحصل ذلك حين تملي شروطٌ تاريخية بعينها استيلاء التشدّد على مقاليد الجماعة ويروح المتشدّدون يستخرجون عدّة التكفير من مدافنها القريبة بل يعمدون أيضاً إلى ابتداع أدوات جديدة يعزّزون بها هذه الترسانة. وكثيراً ما يكون هذا المدّ الذي يعصف بالعلاقة بين جماعتين صادراً عن حاجة إلى التغيير في إحداهما وغير متعلّق بأمر أتته الأخرى التي يقتصر دورها أو ذنبها، في هذه الحالة، على تسهيل الاستنهاض في وجهها تعديلَ الموازين في الجماعة الأولى.

ليس مرمى هذه الملاحظات، في كلّ حال، نسبة ما يبذل من جهود لتعزيز المسالمة والمودّة بين دينين أو بين مذهبين إلى النفاق. فإن السعي في بناء صيغ للدين مؤالفة لغير المؤمنين به ومقرّة لهم بحقّهم وقيمتهم إنما هو بعدٌ جوهري من أبعاد تاريخ الدين. وإنما أردنا القول أن هذا البعد – على أهمّيته – مبتلى بهشاشة أصلية وأن الانتكاس إلى التكفير الصريح احتمال ماثل دائماً في أفق قريب أو بعيد يقوّيه ما في صيغه من بساطة وسهولة جذّابتين للعوامّ ولا تعوزه الأسانيد في الأصول.

إلى ذلك، يتعين الإقرار بأن ما يترتّب على التكفير من مسلك إجرائي يسلكه المؤمنون حيال من يصمونهم بالكفر يختلف كثيراً من دين إلى دين ومن مذهبٍ إلى مذهب. فهذا المسلك يتراوح بين ترك الأمر لخالق المؤمن والكافر وسعي المؤمن إلى هداية الكافر بالحسنى وتصميم الأوّل على استتباع الأخير، على نحوٍ أو آخر، باعتباره دوناً واستحلال الأوّل مال الثاني أو عرضه أو دمه أو هذه الأشياء كلّها.  ويختلف المسلك نفسه أيضاً من مجتمع إلى مجتمع  إذ لا يكون الدين فاعلاً تاريخياً أوحد في أي مجتمع بل يبقى محفوفاً بأعرافٍ وقيم ذات مصادر غير دينية تغالبه وتحدّ، على أنحاء كثيرة، من مفاعيله.

في مجتمع الطوائف الذي هو المجتمع اللبناني لا يطوف الناس في الطرق يجبهون بالكفر بعضهم بعضاً. ولكن صورة للذات مدارها حيازة القيمة والقبض على ناصية الحقّ تبقى ماثلة في خلفية المعاملة التي تخصّ بها كلّ جماعة غيرها من الجماعات. وما هو خاصّ بطراز من المجتمعات ينتمي إليه مجتمعنا ويردّ – في ما أرى – إلى العصور الإسلامية المديدة من تاريخنا هو التسرّب السهل إلى دائرة السياسة لهذه الصورة العفوية ذات الأصل الديني أو المذهبي التي تجعل الجماعة تضمر في طويّتها نوعاً من الثقة باحتكارها الحقّ والحقيقة، في آخر المطاف، في السياسة كما في الدين. أرى هذا مع ما أعلمه ولا أفتأ أردّده من أن المضامين الدينية نزرة جدّاً في النظام الطائفي اللبناني، إذا نحن استثنينا مجال الأحوال الشخصية، وأن الطوائف اللبنانية إنما تعبد نفسها، بما هي جماعات، عبادة لا يعدو مقام الله فيها مقام الذريعة والحجاب.

بيّن أن أسانيد السلام الأهلي وحظوظ توطيده تبقى محدودة في ثقافة تمثّل هذه الصور التي تطوي عليها كلّ من الطوائف سريرتها لنفسها ولغيرها أركانها ومعالمها الكبرى. بيّن أن هذه الثقافة سهلة الاستجابة لدواعي التوتّر حين تدعو ولو ان هذه الدواعي لا تكون ثقافية المصدر عادة. لا تصمد كثيراً جهود لتقريب المواقف وتلطيف الفوارق وطمس النقائض بذلت في مدى تاريخنا المعاصر مغالِبةً ما كان مخالفاً لها في التوجّه والغاية. سرعان ما يبدو كلام المودّة الكثير رخص النسيج سريع العطب بل هزلياً، على نحوٍ ما، وتستأثر بالمقدّس صيغه المتوحشة القديمة. القديمةُ ولو أنها تبرز في إهاب جديد وتنكر جدّة إهابها صدوعاً بدعوى الأصالة في آن.

خلاصة دعواي في هذا الصدد أن تسرّب المطلق الديني إلى مضمار السياسة والاجتماع يقطع الطريق على التشكك في الذات وفي قيمها وعلى استقلال النظر السياسي في الذات وفي الأغيار عن منطق الحقّ والباطل الملازم للدين. وهذان التشكك والقطع لازمان للمسالمة إذ هما يدخلان النسبية على تصوّر الذات بما هي قيمة وحقّ ويفتحان باباً إلى قبول الأغيار بما هم قيمة وحقّ محتملا الشرعية في عيون أنفسهم… فالحال أن السياسة غير الدين علاقةً بالحقيقة أوّلاً. هو يقين بالحقّ الأوحد وهي، حين تكون أخذاً بالديمقراطية وطلباً للسلم بالتالي، مقاربة متعدّدة الطرف، رجراجة الصيغ، تقريبية دائماً، خلافية بالضرورة، تحتمل تبديل القيم والمواقع فضلاً عن الخطط والمواقف، معيارها ما يسمّى الصالح العام وحوافزها تآويل مختلفة لهذا الصالح تتخذ لها منطلقاً صوالح الفاعلين. فلا بدّ من أن يرتّب على الشيء مقتضاه: أي أن يعترف لدائرة السياسة بالانفصال عن دائرة الدين مبدأً للانتظام، أي للتضامن والخلاف، ومعايير في التقدير وطرائق في العمل. لا يتحقّق هذا الفصل دائماً: هذا معلوم. على أنه حيث لا يتحقق يمثل أفق الاستبداد أو الفشل والمذبحة ويمثل أيضاً أفق الانحطاط بالدين.

 

وقد قلتُ وأعيد القول أن منطق تقديس الذات الجماعية يتسرّب عندنا من دائرة الدين إلى دائرة السياسة وأن هذه النقلة كثيراً ما ترجّح انتقال السلام إلى مهبّ الريح. غير أننا مسوقون، عند إمعان النظر، إلى تجاوز هذه الصيغة للسؤال إلى أخرى: هل للسياسة في ثقافتنا دائرة قائمة برأسها؟ بل أيضاً: هل في ثقافتنا دوائر مرسومة الحدود توزّع بينها الوقائع أصنافاً وتستقلّ كلّ دائرة بمنطق لها يترسّمه المحلّلون؟ وهل نرى مؤسسات المجتمع عندنا تزكّي – في ما يتعدّى الثقافة – فصل دائرة الاقتصاد، مثلاً، عن دائرة العائلة وفصل دائرة السياسة أيضاً عن دائرة القرابة؟  هل نرى هذه الدوائر، مع بقائها منتمية إلى الكلّ الاجتماعي، مفتوحة على مفاعيله متفاعلة معه، تملي بدورها على هذا الكل ضوابط أفعاله فيها؟ هل نراها تصدّ بقوّة نواميسها وتماسك تقاليدها ما قد يبدر من خارجها من نوازع إلى استباحتها أو اجتياحها أو استغراقها في سواها؟ تلك أسئلة كبرى مطروحة علينا، في ما أزعم، وهي، مرّةً أخرى، أسئلة السلام الأهلي وثقافته بقدر ما هي أسئلة الديمقراطية وسلطة الحق. كيف ذلك؟

في عملٍ من الأعمال القديمة التي أشرت إلى عكوفي عليها في السنوات الأخيرة من الحرب وفي غدواتها، اقترحت مثالاً لا أزال أجده زاخراً بالمغازي لتفحّص مسألة الدوائر هذه: دوائر المجتمع ودوائر الثقافة، ولبيان ما تخص به ثقافتنا الجماعية الغالبة رسومها من طمس للفواصل وخلطٍ للدوائر.

يفترض مبدأ المواطنة في الفكر الديمقراطي نوعاً من التحييد لصفات يرثها الأفراد بحكم الطبيعة أو بحكم التقليد ولا تكون موضوعاً للاختيار الحرّ. هذا التحييد يخرج الصفات المذكورة من دائرة الفعل أو الترجيح أو التمييز حين يكون الموضوع المطروح متعلّقاً بحقّ أو بواجب من تلك التي تفترض فيها المساواة الحقوقية بين المواطنين. من ذلك، مثلاً، أن عوامل من قبيل الأصل العائلي أو الجنس أو الثروة، يفترض ألا يكون لها أدنى أثر في حقوق متنوّعة من قبيل الحقّ في الانتخاب أو الحق في تسجيل سيارة أو منزل أو الحق في تصديق السلطة المختصة لشهادة يحملها المواطن. فهذه كلّها وسواها شؤون تتحصّل المساواة فيها بالغفلية: لا بمعنى أن المواطن الذي يطلبها لا اسم له بل بمعنى أن اسمه لا يقدّم ولا يؤخّر في حقّه في نيل مبتغاه. في لبنان يكفي أن نتخيّل ما يحصل لمواطن يقف أمام الموظّف المختص مبتغياً تحصيل حقّ له من هذا القبيل من الحقوق لنفطن إلى أن المساواة المشار إليها وما تفترضه من تحييد للطبيعة وللتقليد سراب بعيد المنال. سرابٌ هي المواطنة بالتالي…

وذاك أن الزبون يتقدّم من صاحب السلطة لا باعتباره مواطناً وحسب بل باعتباره إنساناً مدجّجاً بأوصافه كلّها فيسع أيّاً من هذه الأوصاف أن يسعفه أو أن يخونه. وهو يواجه حين يواجه الجالس خلف المكتب إنساناً وصل إلى حيث يجلس ولا يزال يزاول السلطة التي يزاول بفعلٍ من أوصافه كلّها أيضاً. وتتعلّق نتيجة المواجهة بين هذين الإنسانين التامّين لا بما يقضي به القانون وحده بل أيضاً بمحصّلة التفاعل بين اسمين وأسرتين ومنبتين بلديين وآخرين طائفيين ولقبين وميزان منصوب بين المكانة المتصلة بالثروة وتلك المتصلة بالوظيفة وميزان آخر يقيس رسوخ الصلة في الجهتين بمواطن النفوذ المناسبة، إلخ. تلك كلها أطر وعوامل محتملة التدخّل في المفاوضة التي تفضي أو لا تفضي إلى تحصيل الزبون حقّه من الموظف. وما المواطنة والنصوص الحقوقية التي تقرّر المساواة في الحقوق بناء عليها سوى عامل من العوامل قد لا يكون مرجّحاً ناهيك بأن يكون ضامناً الغلبة.

يفيد عجز مبدأ المواطنة عن استبعاد ما يتطفّل عليه من عوامل غريبة عن دائرته التي هي دائرة الحقّ أو القانون أن ما أسمّيه “عمل التجريد السياسي”، وهو العمل الذي يستخرج المواطن المجرّد من الشخص الحسّي عملٌ ضعيف القوام في المجتمع اللبناني لا تصمد حصيلته لاجتياح أنواع شتى من الاعتبارات والانتماءات. ومفاد ذلك أن دائرة السياسة فاقدة الاستقلال بل ضعيفة التشكّل أصلاً إذ ترزح عليها إملاءات الطبيعة والتقليد وتفرض على الحركة فيها منطقاً بعينه. هذا المنطق تتداخل فيه إلزامات العائلة وإلزامات المنبت الجهوي أو البلدي بإلزامات الانتماء الطائفي فضلاً عن إلزامات المهنة والثروة وما إليهما. وقد أصبحت الطائفة غالبة على هذه الهيئات والأصناف كلّها بفعل تحوّلات تمثل، في جملتها، مساق التاريخ المعاصر لبلادنا بمعظم وجوهه. ذاك تاريخ لا نملك العودة إليه الآن ولكن لنا أن نشير إلى اختلاف الحال اليوم عمّا كانت عليه قبل خمسين سنة أو ستين حين كانت المنابت الجهوية والأصول العائلية وما يصدر عنهما من أشكال التضامن لا تزال قادرة على  مغالبة الطوائف وهيئاتها من سياسية واجتماعية واقتصادية ومذهبية وعلى فرض نفوذها فيها وإملاء إرادتها عليها. تغيّر هذا كلّه اليوم وباتت الهيئات الطائفية، على اختلافها هي المهيمنة في الساحات العامّة. وهي إذ هيمنت أدخلت صفاتها القدسية إلى ميدان السياسة وفتحت كلّ مواجهة في هذا الميدان على إمكان التحوّل أو على التحوّل فعلاً إلى مسّ بالمقدّسات وإلى مواجهةٍ دينية او مذهبية من ثمّ.

ما شأن ضعف التجريد السياسي وظهور الشخص التام حيث ينبغي أن يظهر المواطن المجرّد وحده وغلبة الهوية الطائفية على شبكة الانتماءات المعروضة على اللبنانيين وعلى احتمالات التضامن بينهم وصوره بموضوع السلام الأهلي وثقافته؟ الجواب شائع وهو أن المواطنة ضعيفة التشكّل عاجزة عن فرض منطقها ولوازم تعزيزها أو حمايتها على الجماعات والأفراد. وهو، من جهة أخرى، أن كلّ صراع في البلاد يبدو منذوراً للتحوّل إلى مجابهة بين هويات مقفلة عوض أن يبقى أو يكون مجابهة بين تشكيلات للمصالح تتبدّل ويحتمل أن يدخل بعضها في بعض في مساق الصراع. وحيث تكون الهويات الغالبة هويات طائفية يصبح العنف خياراً مرجّحاً في الصراع لأن المقدّس والمسّ بالمقدّس والصفة المطلقة للحق المقترن بصورة الجماعة ترجّح كلّها الإفضاء  إلى العنف.

ترجّح الهويّات الطائفية أيضاً سيادة منطق المحاصّة بما يفترضه من تقاسم لما ينبغي أن يبقى واحداً ومن استئثار للفئة الواحدة بما يفترض أن يكون مشتركاً بين الفئات. وإن أنس لا أنسى ترجيحَ غلبة الطوائف على الحياة العامة سيادة الفساد: فساد السياسة والإدارة وفساد المحاسبة والعدالة. فإن كبار الجناة يتمتعون غالباً بحماية ما، مباشرة أو مداورة من جانب المرجع الصالح. ولا يندر أن تقارن الجرائم والجرائر بعضها ببعض بعد نسبة كل منها إلى طائفة المرتكب. فيُسأل مثلاً كيف يعاقب الماروني وينجو السنّي أو كيف يعاقب السنّي وينجو الشيعي؟ وقد يتمتّع المرتشون بحضانة بيئتهم القريبة فيخصهم بالقبول والعطف أقارب وجيران لهم لقاء استعداد من جانبهم للخدمة بما يستطيعون. وأما الكبار من المجرمين واللصوص فيرجّح أن يلحقهم رشاش من قداسة مذاهبهم فيموتوا، بعد العمر الطويل، برائحة القداسة. والفساد وثقافته مزكّيان للعنف وثقافته، في نهاية المطاف، وإن يكن هذا الأمر يسلك إلى الظهور مسالك معقّدة. ويزداد هذا الاقتران قوّة حيث يكون طريق العدالة إلى الحقوق مسدوداً أو مزروعاً بالعثرات.

أخيراً لا آخراً، يزكّي الولاء الطائفي – على ما هو معلوم – خروج حركات طائفية ذات اقتدار على الوطن برمّته مع احتفاظها باسمه غطاء لاتّخاذها وليّ أمرٍ من خارجه. وقد وصل هذا الخروج تكراراً في العقود الستة الماضية إلى حدّ الإقدام من جانب هذه القوّة الطائفية اللبنانية أو تلك على عقد حلفٍ متعدّد الوجوه مع دولة من دول المحيط (أو شبه دولة) من غير استثناء للوجه العسكري من بين وجوهه. وكان الطرف اللبناني دوناً، على الدوام، في هذا الحلف، مقرّاً بالسيادة لحليفه. وكانت عينه على الدوام على قوّة لبنانية تقابله يخشاها أو يريدها أن تخشاه. وهذا نوع من التقابل يبرّر فيها الخصم خصمه وتجعله صفته الطائفية والقبض الخارجي على زمامه مفضياً إلى تفسّخ وطني غير معلوم الأفق. والتفسّخ، في هذه الحالة، منذرٌ بالعنف، لا يلوح في أفقه مثال معلوم من أمثلة النظم الاجتماعية السياسية. وإنما هو يعد، إذا وعد بشيء بعد الخراب العميم، بنقل الغلبة من جهة طائفية إلى أخرى ثم بمستقبل هو دورة أخرى من القبيل نفسه.

عُقد هذا النوع من الأحلاف المتقابلة، غير المتناظرة الطرفين، تباعاً مع مصر الناصرية وقرينها السوري ومع الثورة الفلسطينية ثم مع إسرائيل ومع سوريا مجدداً ومع المملكة السعودية ومع إيران الإسلامية في المرحلة نفسها. وقد وصل الحلف، في حالات عدّة، إلى حدّ استدعاء قوّات الحليف أو السيّد لاحتلال أقسام من البلاد أو إلى تزكية هذا الاحتلال حين يبادر إليه الحليف. وها هو الحلف نفسه قد وصل اليوم إلى حدّ الزجّ بقوّات طائفية مسلّحة في الحرب الدائرة على أرض دولة مجاورة… إذ اكتشف طرف لبناني أن في وسعه إسعاف حليفه في ضائقته عوض الاكتفاء بطلب النجدة من الحليف. ويسعني أن أزعم، مستذكراً حالة قديمة لا تخلو من شبه بهذه، أن الميزان الطائفي، لا غيره، هو ما أباح لأحزاب لبنانية علمانية أن تزجّ مقاتليها في حرب بعيدة كانت دائرة، في وسط الثمانينات من القرن الماضي، على الحدود الليبية  التشادية… لا يدهشنا هذا العجب العجاب كلّه كثيراً، على الرغم من إيجابه الدهشة. وذلك أن التكرار (الذي لا يمنع التصعيد من حالة إلى تاليتها) قد أخمد فينا ملكة الدهشة. هذا وتجري هذه الغرائب كلّها تحت رايات الوطنية المرفوعة. وهي، في الحق، تجلّيات فساد لاحق بالفساد الذي ذكرناه ينخر البعد الوطني من ثقافة الجماعات اللبنانية.

أعود أخيراً إلى المواجهة التي بدأت منها بين ثقافة الجماعة وثقافة المثقفين. في واحدة أخرى من المقالات التي أشرت إليها عرضتُ لثلاث روايات كان قد نشرها في التسعينات ثلاثة من روائيينا المجيدين هم نجوى بركات وعلوية صبح ومحمد أبي سمرا. وقد أبرزت ما وجدته فيها “استعداءً للمجتمع” و”استيلاداً للأفراد” وما سمّيته أيضاً إنكاراً لـ”مداراة الأعراض بالـpolicies” . وكنت أريد الإشارة بهذا كلّه إلى تركّز الانحياز إلى السلام في من يجبهون المجتمع – واعذروا فرنسية العبارة – بحقائقه الأربع. تتركّز قوّة هذا الانحياز وحدّته في ثقافة هي عمل بعض المثقفين حيث تشكو الثقافة الجماعية ضعفه وتراخيه. والثقافة الأولى، في ما أشير إليه من أعمال، نقدٌ موجع للثانية مسند إلى معرفة باهرة بها. تلك حضّ على مواجهة هذه وعلى الفكّ الفردي للأسر الذي تفرضه علينا شبكات في هذا المجتمع لا تدع للأفراد كلمة في مصائرهم وترسل الناس زرافات ووحداناً، بين حين وآخر، إلى مجزرة هنا ومجزرة هناك.

ثقافة السلام ههنا هي، على وجه التحديد، نقد المجتمع بالحدّة المناسبة، المقترنة بتسديد الرماية الفردية إلى مقاتل صيغته الشهيرة. هي فضح لمّاح لما تغضي عنه ثقافة النظام الاجتماعي وثقافات المجتمع الفرعية من بلايا وقذر.  ثقافة السلام بعيدة أبعد ما يكون البعد عن الغزل بالصيغة العبقرية والنوم على أمجاد واقعية أو مبتدعة بانتظار اليقظة على كارثة مقبلة. ثقافة السلام ثقافة أفراد هم مواطنون أحرار أو يريدون لأنفسهم الحرّية بما ينشئونه من أعمال. هؤلاء الأفراد أراهم تكاثروا، في صيغة ظهور أخرى شهدتها الشوارع في الشهرين الأخيرين، حين بدت أقذارنا لأنظارنا المذهولة تضارع أكوامها المباني وكأنما خرجت فجاة، على غرار جرذان الطاعون في رواية ألبير كامو، لا من بيوتنا والمنشآت، بل من أعماق نظامنا الاجتماعي- السياسي تاريخاً وحاضراً.

لطالما اعتقدت، من بعد، أن المبدعين من روائيينا ينشرون معرفة بهذا المجتمع أوقع بكثير وأهمّ ممّا ننشره نحن أهل العلوم الاجتماعية أو مزاولي التاريخ. الروايات أوقع وأهمّ لا لجهة ضبطها الوقائع، بطبيعة الحال، ولكن لجهة ضبطها المغازي. وقد اتّفق أنني قرأت تباعاً في السنة الماضية كتابين تناولا المجزرة التي شهدتها كنيسة مزيارة في حزيران من سنة 1957. أوّل الكتابين رواية لجبّور الدويهي مضى على صدورها سنوات. والثاني سيرة عائلية سياسية لصونيا فرنجية الراسي كانت قد صدرت توّاً. وعند المقارنة، استوقفني، من جهة الرواية، هذا العالم المسحور الذي تفلح في تشكيله فيستولي موقف النقد والاستنكار على القارئ لا بفعل من عبارات نقد أو استنكار لا وجود لها في الرواية بل بفعل من عصاوة الوقائع المروية على التصديق وبفعل من قدرتها، على الرغم من مسايرتها عن كثب ما حصل فعلاً، على توليد الدهشة. هذا فيما يبدو كلّ شيء طبيعياً جدّاً، مألوفاً جدّاً، منتظراً جدّاً، في السيرة السياسية، ويبدو موضع الاستنكار معلوماً سلفاً وموقع التحبيذ مقرّراً سلفاً حين تعرض راوية السيرة شريط الوقائع نفسها التي يعرضها الروائي، على الإجمال. عليه اقترحت على منظمي هذه السلسلة من المحاضرات في الألبا ان يستحكوا الروائيين في موضوع ثقافة السلام. وهذا مع أنني لا اضمن أن يجيد الروائي في المحاضرة إجادته في الرواية.

فإن سألتموني بعد هذا الكلام كله: ما حال ثقافة السلام في بلادنا؟ فسأقول لكم: تعالوا إلى المحاضرات المقبلة.

بنت جبيل، أواخر أيلول 2015

 

 

كلمن | شُرورُ ما بَعْدَ الربيع

Source: كلمن | شُرورُ ما بَعْدَ الربيع

 

 

شُرورُ ما بَعْدَ الربيع

(لمحةٌ في المصلحة والقيمة)

 أحمد بيضون

في المبدإ، تبدو السياسة قرينةً للانحياز. وذاك أن العملَ السياسي يجد نفْسَه، حالما يتفكّر في ماهيته وشروط أمانته لها، طرفاً في منازعةٍ أو منازعات. ويقتضي الاستواءُ طرفاً في نزاع أن يسعى من يرى لنفسه هذا الموقع إلى التأثير في وجهة النزاع متوخّياً إتاحة الغلَبة للصفّ الذي اتّخذ لنفسه موقعاً فيه. فإذا كانت موازين النزاع لا تبيح الأملَ في الغلبة، كان توجيه السعي إلى تحقيق المتاح، في كلّ مرحلة من مراحل النزاع، ممّا فيه صالِحُ الصفّ الذي اعتمده الطرف المعنيّ صفّاً له أو صالِحُ القضية التي شاءها قضية له في هذا النزاع. في كلّ حال، لا يستغني من يتّخذ لنفسه صفة الفاعل في ساحة من ساحات السياسة  عن التصميم على تَرْكِ أثرٍ يتعمّده ويقدّر طبيعتَه في موازين الصراع الذي يخوض…

على أن هذا المبدأ الذي يبدو حليفاً لنوعٍ من البديهة لا يلبث أن يتبدّى، عند التفكّر، أضعفَ مُسْكةً ممّا يوحي مشهدُه أوّلَ وهلة. فحتّى في الحرب الخارجية التي يتبين فيها المعتدي من المعتدى عليه من غير لَبْسٍ ولا إبهام، لا يُستبعد أن يدبّ الشقاقُ في صفّ المعتدى عليهم بسببٍ من تباينٍ في كيفيات خوض النزاع أو توقّعاتٍ متعلّقة بما بعد النزاع يتسلّط بمقتضاها فريق من أفرقاء الداخل على آخر محوّلاً الانتصار في النزاع الخارجي إلى سلاح ينفرد باستعماله في الصراع الداخلي. لا تمنح هذه الحالة مشروعيةً تلقائية لموقف يُبْنى حصراً على حساب الميزان الداخلي المتوقّع ولكنها تُدخل هذا الموقف في باب المحتمل وتحمل على الروية في محاكمته.

هذا في حالة تبدو فيها المصلحة والقيمة ماثلتين للنظر الإجمالي في جهةٍ واحدة. فما بالك بحالات تضطرب فيها العلاقة كثيراً أو قليلاً بين القيمة والمصلحة فينشأ خلاف مثلاً بين مستوياتٍ للمصلحة لا يخلو أيّ منها من قيمة: يدخل حساب السلامة الشخصية، مثلاً، ويقابله حساب المصلحة العامّة بما يتضمّنه من تصوّر للنظام السياسي ولحقوق الجماعات والأفراد وقد يقابله أيضاً  حسابٌ أممي يتعلّق بمواجهةٍ دائرة (أو يفترض أنها دائرة) بين أحلافٍ ثابتة أو متحرّكة تشقّ شطراً من العالم أو تشقّ العالم بأسره…

هذا ولا يخلو همّ الموقف الذي يطرحه هذا الاختلاف في الأوضاع وفي طبيعة المنازعات ونطاقها وفي ما تمليه من صلة ائتلاف أو اختلاف بين القيمة والمصلحة من أثرٍ للموقع من النزاع المتّخذ موضوعاً للموقف. فلا يمكن افتراض المساواة في الفضل أو في الجريرة بين من يقيم في ساحة النزاع ويمثّل له الموقف الذي يتّخذه مسألة حياةٍ أو موت ومن يبدي تضامناً مع طرفٍ من أطراف نزاعٍ بعيد فلا يحمّله التضامن عبئاً مباشراً ولا يعود عليه بمكسبٍ أيضاً باستثناء ما كان رِضاً معنوياً من الشخص عن نفسه ومن الغير عنه.

نلمّ بمشكل الانحياز في السياسة هذا وبتنوّع احتمالاته لجهة المصالح والقيم ونحن ننظر فيما آلت إليه حركات التغيير التي شهدتها الأعوام الأربعة الأخيرة في بلدان عربية مختلفة. ولا ريب أن المآلات قد تنوّعت وأن ما بدا، في أوائله، حركاتٍ ذاتَ إلهامٍ متقارب الوجهات قد تفرّقت بها السبل. وهذا يُردّ بحدّ ذاته إلى فوارقَ كثيرةٍ بين المجتمعات نَحَتْ حركاتُ التغيير في مرحلتها الأولى نحو طمسها أو أغرت بتحييدها.

يسود شعورٌ مشروعٌ بالخيبة صفوفَ من أبدوا تضامناً مع هذه الحركات في المرحلة التي يمكن أن يطلق عليها اسم إجمالي هو اسم المرحلة “الشعبية”. وهي قد اتّسمت بضخامة الحشود الشعبية وغلبة الأشكال السلمية من تظاهرٍ واعتصامٍ على العمل ووضوح الأهداف المعلنة وانعقاد قدْرٍ مرموق من الإجماع عليها. وهو ما كان يسمح بالاشتمال على كلٍّ من هذه الحركات على أنها وحدةٌ يُنْظر إليها في جملتها بل كان يتيح النظر إلى المشهد العام الذي تحصّل بعد تدحرج الموجة إلى بلدان عديدة على أن له هو أيضاً صفة تنضوي تحتها ساحاته  كلّها وتبيح اعتبارها، على نحوٍ ما، تجلّياتٍ لقوّة تغييرية واحدة. أسعف هذا التصوّرَ انبلاجُ الحركات المعنية هنا في أوقات متقاربة إلى حدّ بدت معه وكأنّها خرجت تباعاً من بؤرة واحدة.

ويمكن القول أن ما جرى مذّاك أورث كثرةً في مواضع الوحدة المفترضة على غير صعيد واحد. فقد انكفأ العمل السلمي في كلّ من الساحات وانكفأت معه قوىً ذواتُ أوزان اجتماعية لا تجد لنفسها مكاناً حيث يسود العنف وتتعين مواجهتُه بمثله. في الوقت نفسه، برزَت، في كلّ من الحركات، قوىً متعارضة إلى حدٍّ أمكنت مُداراتُه بالسياسة في حالاتٍ ومراحلً وتعذّرَت في حالاتٍ ومراحل اخرى وحلّ محلّها الجنوحُ إلى العنف. وراح المنظرُ العامّ لِما كان قد أمكن أن يطلقَ عليه اسمٌ واحد هو “الربيع العربي” يتكسّر إلى صورٍ متباينة… راحت الإحاطة بالملامح الدقيقة لكلّ من هذه الصور تغدو أمراً عسيراً أيضاً وتحمل المهتمّ على نوعٍ من اليأس من جلاء عوامل الغموض والاختلاط (ولو تباينت شدّتها وتنوّعت مصادرها من حالة إلى حالة) في الصور التي أخذَت تعرضها على ناظريه الساحات المختلفة.

فقدت الحركات، إذن، صفتها الشعبية وفقدت وحدتها العامّة، أي، على الأخصّ، وحدة المعنى والوجهة، وفقدت كلٌّ منها كلّ وضوحٍ في صيغة الصلة التي تنطوي عليها بالمستقبل وتريد إملاءها عليه. فإذا كان قد بقي شيء من هذا فإنما هي صيغة التخبّط أو صيغة الارتداد على العصر كلّه والبحثِ لا عن مكانٍ في العالَم بل عن مخرجٍ منه. هذه النكسات المتراكبة هي مصدر الشعور الذي ذكرناه بالخيبة. ولا ريب أن هذه الخيبة تُصْدي، حين يعبِّر عنها من اقتُصر أمرُه على إبداء التضامن من قريبٍ أو بعيد، لخيبةِ مَن كانوا مادّةَ القوى الضالعة في المرحلة الأولى من حركات التغيير واضطرّوا، لأسباب يقترن فيها التنوّع بالوضوح، إلى الانكفاء عن الساحات في أوقاتٍ مختلفة.

هؤلاء ليسوا وهَمْاً بصرياً وإنما هم قوىً عظيمة الشأن أيّاً يكن ما انتهت إليه أدوارها. نقول هذا مدركين أن الأوهام البصرية كانت ولا تزال، في الحالات التي نحن بصددها، محتملة الحصول في الماضي والحاضر وأن حصولها ليس شيئاً وهمياً هو نفسه. بل إن علينا البحث عن بعض مصادر الوهم في الصفاقة التي تبقى عليها الأحوال والأوضاع في مجتمعات كان تحصيل المعرفة بأوضاعها وأحوالها أمراً لا تستطيبه الأنظمة السياسية القائمة ويكرهه غيرها من السلطات أيضاً. وكانت هذه وتلك تملك ما يلزم من وسائل الردع للحدّ من حركة التحصيل المشار إليه ناهيك بتزييف معطياتٍ بديلة لحصائله.

يفضي التكسّرُ أو تكاثرُ الشقوق الذي انتهت إليه كلّ من الساحات إلى جبه ما يستشعره الفاعل السياسي من حاجةٍ إلى الانحياز طلباً للفاعلية (هي ما بدأنا بذكره) بعسْرٍ في اختيار الصيغ والأحلاف لم يكن ليعرض له في ما سمّيناه المرحلة “الشعبية” من حركات التغيير. وهي أيضاً مرحلةُ تلبُّسِ الحركاتِ المذكورة معنىً عامّاً واحداً (أشرْنا إليه) ووجهةً ينحو تيّارها نحو توحيد القوى في كلّ من الساحات. فحيث عاينّا ما صمد من الأنظمة القديمة أو ما قام من الأنظمة، لا تلبيةً لحركات التغيير بل طلباً للَجْمها، يستوي النظامُ طرفاً في النزاع الأهلي فيتعذّر أن تفترض له شرعية الدولة ويصبح سؤالُ الشرعية مطروحاً عليه بالصيغة نفسها التي يطرح بها على غيره من الأطراف.

فحين كانت المطابقة تبدو واضحة بين المُعْلَن والواقع، حيث اتّحدا في القول أن “الشعب يريد إسقاط النظام”، بدا الخيار غايةً في البساطة، مقصوراً على نُصْرةِ الشعب أو نصرة النظام. وأما الحال بعد استئثار القبائل والطوائف بالساحات تتصدّرها الفصائل المسلّحة وقد أصبحت تحصى بالمئات، في بعض البلاد، فمَفادُها أن التمثّلَ بجهةٍ من هذه الجهات يصبح متعذّراً، عمليّاً، حين لا يكون المتمثّل منتمياً إلى إحداها أو تكون سلامته وسائر مصالحه الحسّية رهناً بالولاء لها. بل إن المتابعةَ لتقدير موقفٍ يحيط بجوانب الوضع كلّه وبدعاوى أطرافه تصبح هي نفسها متعذّرة أو قريبة من التعذّر حتى على من كان من أهل البلاد المعرّضين لأخطار النزاع الجاري. فكيف على من كان في خارج الميدان يبتغي تقديم المعونة بما يستطيع وإبداء التضامن مع الجهة المستحقّة بعد أن يطمئن إلى حسن تقديره للاستحقاق؟

مَنْ له اليومَ أن يدّعي الإحاطة، مثلاً، بما يحرّك مئاتٍ من الفصائل المسلّحة تتوزّع الأرضَ السورية وتستَدْرِج إليها التدخلَ الخارجي بحُمولاته المتعارضة؟ وهذا مع العلم أن النظام الأسدي قد أصبح، من حيث التمثيل، واحداً من هذه الفصائل لا ريبَ أنه أكبرُ حجماً وأعقد تكويناً وأشدّ أذىً أيضاً من كلٍّ من الأخريات؟ وهل الحال مختلفة في غير التفاصيل في ليبيا أو في اليمن أو في العراق إذا نحن نظرنا إليها بمنظار الأسئلة المتعلّقة بإمكان الإحاطة وبإمكان التوصـّل إلى موقف في النزاع ذي شرعية عامّة؟ وهل لا يزال التسليمُ مقبولاً في مصر بحَصْرِ الخيار ما بين الارتداد الزاحف نحو الحكم العسكري والعودة إلى حكم الإخوان المسلمين بسعيهم المتكالب إلى مصادرة الدولة وإرساء طرازٍ خاصّ بهم من الاستبداد؟

اليوم لا تمثّل محالفةُ النظام بحدّ ذاتها، قديماً كان النظام أم مستجَدّاً، مستنداً لاقتران الفاعلية التي يطلبها الفاعل السياسي بالانحياز بالقيمة المتّسقة مع زَعْم الولاء لمُثُلٍ عامّة أو لمصالحَ تتعلّق بمستقبل الشعوب وحقّها في الحرّية والرخاء. بل يرجّح أن تمثّل محالفةُ النظام تلك عكس هذا كله. يرجّح أيضاً أن يُنْظر إلى كلّ طرفٍ على أنه باتَ لا يمثّل سوى مطامحه ومصالحه وأن الصلةَ بين هذا التمثيل وبين مصالح عليا للبلاد أو للشعب هي نفسها تجسيد لقيم مقررة السموّ إنّما تبقى موضوعَ رِيبة ونظرٍ دائمين.

في هذا التفتّت المستشري في كلّ ساحةٍ تُطرح على كلّ جماعةٍ متّصلة بالميدان (بل أيضاً على كلّ فردٍ معرّضٍ لأخطاره) مسألةُ السلامة ومسألة المكانة أيضاً، في ضوء التطوّر المحتمل لميزان القوى والمآل المقدّر للمواجهة. ويصبح مرجّحاً أن يدخل اعتبار المصلحة المتعلّقة بالسلامة أو بالمكانة في تقرير الموقف المتّخذ أي في تقرير الانحياز ووجهة المبادرة مهما يكن صعيد التعبير عنهما. ويصبح منطقُ “أهْوَنِ الشرّين” أو “أهونِ الشرور” وارداً أو غالباً. ولكن اعتبار المصلحة، إذ يملي فهماً للموقف أيّاً يكن، لا يسعه الاستواء أساساً لشرعيةٍ تنسبُ إلى الموقف. فحتى العدوّ تُفهم مواقفُه  ويَكْتسب سلوكُه منطقاً حين يسلَّط عليها ضوء المصلحة مجرّداً. وهو ما لا يبطل الطعن في شرعية تلك المواقف وهذا السلوك ولا يمنع اتّخاذ هذا الطعن أساساً لشرعية العداوة. فمن أفضال العدوّ (حيثُ توجَد) أن وجوده يفرض وجود مثالٍ يتعدّى المصلحة، وإن يكن يستوعبها، يبنى عليه الموقف منه. لا يجوز إذن أن يعتبر فهم الموقف تبريراً تلقائياً له ولا سبيل إلى اعتماد المصلحة وحدها شرطاً كافياً للتبرير.

لنا أن نخرج، من بعدُ، من نطاق الأفراد أو الجماعات، في اتّصال هذه أو أولئك بالساحات المضطربة اليوم بالمواجهات الأهلية من سورية إلى ليبيا ومن العراق إلى اليمن. نخرُجُ مبتغين النظرَ في مواقف الدول الأخرى الضالعة في هذه النزاعات إلى حدّ المسؤولية عن إدامتها، في بعض الحالات. إذّاك نجد أنفسَنا غيرَ مستغنين، على هذا المستوى أيضاً، عن مقياسٍ يتخطّى التقدير المباشر لمصالح هذه الدول طلباً لموقفٍ نتّخذه من مواقفها ومسالكها. معلومٌ أن المواقف تفترق، على هذا المستوى، بين تغليبٍ لما يُعْتَبر مصالحَ إستراتيجية (يجب النظرُ في سلامة تقديرها) وما يُعتبر مصالحَ للشعوب بما هي جماعاتُ بَشَرٍ أحياءٍ أو مجتمعات.

هذه المصالح الأخيرة هي ما ظهَرَ أن حركاتِ التغيير غلّبَتْه في مرحلتها الأولى معتبرةً، في ما بدا، أن تحقيقَ الغلبة لها شرطٌ لإحقاق كلّ حقّ، أيّاً يكن، يتعدّى نطاق هذا المجتمع أو ذاك. على هذا المستوى أيضاً، نجد أنفسنا غير مطمئنين إلى حساب المصالح مقياساً نعتمده منفرداً، محتاجين إلى قيمةٍ عليا نتّخذها أساساً عامّاً لمواقفنا.  ههنا أيضاً تسوّي المصالح ما بين الصديق والعدوّ. ويتبدّى لزاماً أن نسأل عن أساس صداقة الصديق وعمّا إذا كان هذا الأساسُ يبيح له أن يفعل ما يفعله أم لا يبيح… هذا فضلاً عن السؤال الذي تطرحه الأزمات من تلقائها إذ تخرجنا من تلقائية التسليم بالصداقة لتلزمنا بتجديد البحث في أساس تلك الصداقة وحقيقتها.

لا بديلَ من اعتبار البشر الذين ملأوا الميادين لشهورٍ من الزمن في هذه الكثرة من العواصم والمدن المنتشرة بين المحيط والخليج حقائق. كانوا ولا يزالون حقائق، مهما تكن عيوبُ العُدّةِ البصريّة التي شاهدناهم بها، ولم يصبحوا أوهاماً عَبَرت. بل إنهم هم الحقيقة الغامرة وهم القيمة الكبرى التي تتأسس عليها المواقف والسياسات. ولا ينتقص من حقيقتهم هذه أن قوّة  القمع الموصوفة من هنا واستشراءَ التسلّح من هناك والنجدةَ الخارجية للأنظمة وتألّبَ الدول ذات المصلحة على الحركات الشعبية من هنالك قد ألزَمت هؤلاء البشر بالانكفاء عن ساحاتهم وحجبت معظم أصواتهم. لا ينتقص من هذه الحقيقة أيضاً أننا لا نعرف نسبةَ من حَمَلَهم تغيّرُ الظرف من بينهم على الارتداد إلى انتماءاتٍ كانوا قد باشروا خروجاً من قيدها وعلى تغيير مواقعهم في هذا الاتّجاه أو ذاك. لا ينتقص منها، على الأعمّ، أنهم أصبحوا يبدون (أو هم بَدوا من البداية) مفتقرين جدّاً إلى تمثيلٍ سياسيّ يناسب ما ظهر أنه أحجامُهم في أوائل حركاتهم. هذا يرتّب مهامَّ يجب أن تكون طويلة النفس، على الأرجح، ولا بدّ أن تكون ثقيلةً على حامليها. ولكنّ هذا لا ينبغي أن يُعْمي عن موضع الشرعية مَنْ كان متجرّداً للبحث عنه.

أواخر كانون الثاني 2015

عصبية المذهب

أحمد بيضون

مايو 9, 2015

يتعرّض المذهب في حركته، بما هي مواجهة لخصومه وبما هي مواجهة بين أطرافه، إلى نوع من «التصنيع» بما هو جماعة اجتماعية اقتصادية واجتماعية سياسية. فهو لا يكون موجوداً بهذه الصفة في مستهلّ حركته بل تكون حركته، بالدرجة الأولى، حركةً نحو الانوجاد. ليس أهل السنّة أو أهل الشيعة، وهم الموزّعون في أطراف الأرض وبين دولها، جماعتين اجتماعيتين متمايزتين ولا مستتمتي الأوصاف. بل هما متداخلتان في كثير من المجتمعات توجدان فيها معاً وكلّ منهما شتات بين مجتمعات كثيرة… ولن يصبح أهل هذا المذهب ولا ذاك مماثلين بجماعتهم لما كانت عليه الجماعة القومية المسايرة للتعريف المدرسي. ولكن جماعة المذهب تبدو، وهي ماضية في نزوعها الجديد إلى التكوّن، مبطنةً طموحاً دون تحقيقه الأهوال إلى مزاحمة الجماعة القومية والتجمّع الأممي، بما هما مبدآن لاجتماع البشر السياسي، في آن معاً. بل إن هذه الجماعة تبدو صيغة راهنة للشبكة الأممية تتآزر أطرافها في الهمجية وفي غيرها.
غير أن ما لا يستغنى عنه لفهم المواجهة الجارية أن ثمّة مصالح يحدسها المنتمي إلى هذا أو ذاك من المذهبين، تتعلّق بمصائر المجابهة ويناله منها كثير أو قليل. وعلى غرار ما كانت الحال في الحروب الرهيبة بين القوميات، لا يختصر جواب المسألة المطروحة بالقول أن «الفقراء» لا شأن لهم بما يجري وأنهم ليسوا سوى اللحم الذي تستهلكه المدافع وأن أهل السلطة الاجتماعية السياسية من حلف الطبقات المسيطرة هم من يرث أرض الحرب الخراب ومن عليها.
وذاك أن المواجهة التي تحفز اتّجاه المذهب إلى التكوّن بما هو وحدةٌ سياسية أوّلاً تحدث تغييراً بالغاً في كلّ من مكوّناته المعرّفة بأوطانها أي الطوائف. فيتقدّم، على التعميم، ضعاف الشأن، على اختلاف المستويات والنِسب، ويبرز المتديّنون والمتظاهرون بالتديّن والمستجدّون فيه ويُختصر طريق التصدّر للجيل الفتيّ القادر على القتال وللقادرين على مساندته ويفسح في مجال البروز لمتطلّعين جدد إلى مزاولة السلطة، على اختلاف صورها، وللمستعدّين لطاعتها. وينتشر من المركز (أو المراكز) نحو الأطراف تيّارُ أعرافٍ وطقوس وأنواع سلوكٍ أخرى ومسلّماتٍ يعزّز التشابه والامتثال وينفُر من التفرّد، على أنواعه، ومن النقد. ويعزّز هذا التيّار تيّارٌ من المعونات والمنافع قد يسفر عن رفعٍ من إمكانات الجماعة غير مناسب لطاقاتها الأصلية قطعياً. فيكون من ذلك أن يزيدها تبعية وأن يجعل كلّ زوغان تبديه عن الخطّ المركزي محفوفاً بخطر الانكماش الصاعق.
هذا التغيير كلّه، إذ يقدّم قوماً في الجماعة، يؤخّر قوماً آخرين ويعيد شقّ الصفّ بحسب خطوط جديدة. ولكنّه يرجّح غلبة التيّار المركزي وينحو إلى طمس ما يخالفه أو قمعه. ولا تنفع الترسيمة الطبقية وحدها في فهم ما يواكب تكوّن المذهب بما هو جماعةٌ كبرى من تحوّل في أوضاع الجماعات الفرعية. بل الأَوْلى تصوّر ترسيمة تولي اهتماماً مركّباً للصراع في كلّ فئة أو قطاع من فئات الجماعة وقطاعاتها وللصراع بين الأجيال وللأفق الذي يرسم حدّه المجتمعُ الكلّي ونظامُه للجيل الناشئ ولمنظومات القيم المعتمدة في التربية على اختلافها. هذا فضلاً عن خطوطٍ تقليدية يجري عليها تَشَقّق الطائفة الأصلي من قبيل العشائر والعوائل والمناطق وما جرى هذا المجرى… في كلّ حال، يبقى التتبّع الحسيّ لمسار التحوّل هو الواجب الملاحظة من غير اختزالٍ جائر ولا افتراض لتوجّهٍ جامعٍ ما يخرج من مخيّلة المحلّل جاهزاً.
وأما الذي ينبغي أن يبقى ماثلاً للعيان فهو أن لعصبية المذهب قواماً مستتمّ الأبعاد وأن المنتمين إليه يسعهم أن يجدوا لأنفسهم، حينما يشتدّ وطيس المجابهة، أسباباً لا تقبل الإهمال ولا الإلحاق بغيرها للخوض في المجابهة مع الخائضين. وهذه أسباب تختلف باختلاف الفئات والشرائح، لا ريب في ذلك، ولكنها تقوّي العصب الجامع وترهف حسّ الانتماء إلى الجماعة المذهبية، بعمومها، والتضامن بين أجنحتها. وهي، أي الأسباب، لا تستثني نوعاً من المصالح. فتتجاور، في الحساب القريب، الحميّة الدينية والرغبة في النهب أو السبي مثلاً. ولا ننْسَى الاستيطان الذي ظهرت له بوادر قويّة (من إخلاء لجماعات ومن حلول محلّها في مواطنها) في الحروب الجارية تحيل إلى المثال الصهيوني وإلى ما كانت قد ارهصت ببعضه الحرب الأهلية اللبنانية أيضاً.
في الحساب البعيد، يتداخل ما تتيحه الغلبة المذهبية من استعلاءٍ يستشعره الغنيّ والفقير أو خذلان يحيق بالجماعة كلّها أيضاً وما يتوقّف على الخذلان أو الاستعلاء من منافع بعضها ماديّ جدّاً ومن فرص ترقٍّ متنوع الصور للجيل الخائض في الصراع ولأجيالٍ تليه. وهذا مع العلم أن البشر قد يقدّمون الاعتبار المتعلّق بعنفوان الجماعة أو ما جرى مجراه من اعتبارات معنوية على كلّ انتفاعٍ ذي طابع ماديّ حاصلٍ أو ممكن وقد يجدون أنفسهم في حال دفاعٍ عن النفس أيضاً. هذا كلّه يستدرج إقبالاً على التضحية لا تلمّ به الصيغ القاصرة من الفكر الماديّ ولا تكفي للاحتيال في تفسيره الصيغ الرهيفة منه.
هل نبقى، والحالة هذه، على القول الماديّ، بأن جمهور الحرب المذهبية جمهورٌ مخدوعٌ أو مضلّل يجرّه إلى حتفه «الاستقلال النسبي» للبنية الفوقية؟ نعم نبقى، بمعنى ما، على هذا القول… فإن التعبئة المذهبية تعمي عن التراتب المستمرّ في المذهب الواحد بين المراكز والأطراف وعن تفاوت المصائر الراهن أو المقبل بين أطراف مختلفة الموائل والقوّة وعن أفق القهر والقمع الذي تعد به سلطة مذهبية تخرج منتصرةً من حرب وعمّا يلي ذلك من تمييز وفساد شنيعين. وهي، أي التعبئة، تعمي عن سواد المصير العامّ لكلّ مجتمع تهدمه الحرب الأهلية فيخرج منها – أو يخرج ما بقي منه – عارضاً الديار الخربة التي يقيم فيها للاستتباع والبيع لقاء الحماية والإعمار. قلتم: تحرّر واستقلال؟ قلتم: نموّ وعدل؟ قلتم: كرامة أيضاً؟!!!
٭ (بعد هذه المقالة، أنقطع أشهرا معدودة عن إرسال مقالتي الأسبوعية إلى «القدس العربي». أشكر لإدارة الجريدة تفهمها رغبتي في التفرغ لإنجاز عمل آخر تأخر كثيرا. وأرجو أن أحظى من قراء هذه الزاوية برحابة صدر مماثلة. إلى اللقاء!).

عصبية المذهب

أحمد بيضون

المذهب ـ ليس رفّ كتب صفراء

أحمد بيضون
مايو 2، 2015

يأبى أهل الماديّة التاريخية وأقاربها أن يقرّوا للمذهب الديني بالقدرة على اجتراح الهول الذي يعصف بمجتمعات هذه المنطقة من العالم في الحال وفي الاستقبال. فهم يرون المذهب رفّاً من الكتب الصفراء ينفث أفكاراً وانفعالات أقلّ مطابقةً لمواصفات الوقود المناسب لعربة التاريخ من مآكل بعض المطاعم اللبنانية لمواصفات الوزير بو فاعور. فليس تاريخاً يستحق الاحترام، في نظرهم، ولا هو تاريخ أصلاً هذا الذي توجّهه أوهام متعلّقة بالحقّ في الخلافة في القرن الهجري الأوّل أو بالحقّ في تقديس القبور وتشفيع الأئمّة والأولياء.
في نظر أصحابنا هؤلاء، تستأهل مصائبنا الجارية والمستقبلة – وهي تاريخية بكلّ معنى الكلمة، لا شكّ في ذلك ولا ريب – أسباباً أوفر جدّيةً من تلك: أسباباً من قبيل الخلاص من الإمبريالية – بما هي أعلى مراحل الرأسمالية: يا رعاك الله! – أو ترشيد إنفاق العائدات النفطية، في أقلّ تقدير، بحيث يحوّل إلى الإنماء السويّ ورفع سويّة الخدمات الاجتماعية المهيّاة للفقراء ما يستهلكه اليوم بذخ سفيه ينصرف إليه الأمراء والشيوخ إذ يعمدون – مثلاً – إلى نثر أوراق المئة على راقصاتٍ تعوزهنّ الموهبة.
ولكن المذاهب ليست – مع الأسف! – رفوف كتب ولا هي «بنىً فوقية» (إن لم يكن بدّ من استهداء هذا المصطلح). وإنّما يرتكب أهل الماديّة التاريخية بصددها خطأً هو نفسه الذي ارتكبوه بصدد الأمم والقوميّات… فاضطرّت هذه الأخيرة (آسفةً) إلى تكذيبهم بإثبات قدرتها على إقناع عشرات الملايين من بنيها بالموت ذوداً عنها، في الحرب العالمية، وعلى تغيير وجه العالم، بعد ذلك، بإملاء نفسها عليه مبدأً عامّاً لتشكيله. وقد وصل الأمر، في بعض تلك الآونة، إلى حدّ حمل الدولة- المنارة التي كانت دولة الماديّة التاريخية على استنفار ما كان تحت يدها من طاقات الولاء القوميّ أحياناً (باسم الماديّة الجدلية، على الأرجح) وذلك للدفاع عن نفسها في وجه قوميّة أخرى هائجة. مع ذلك استمرّت معاملة المبدأ القومي بشيء من الإنكار أو التحقير ولو انّ التحقير كان قد أصبح مشوباً بشيء من التحوّط والحياء.
المذهب اليوم جماعةٌ بشريّة وليس رفّ كتبٍ صفراء. هو جماعةٌ اجتماعية اقتصادية واجتماعية سياسية أو هو ينزع إلى أن يصبح شيئاً من هذا القبيل، على غرار الأمّة أو منظومة الأمم. وهو لا يحتاج، من بعدُ، للوصول إلى هذه الغاية إلى اجتماع بنيه فوق أرض واحدة مسوّرة بحدود معلومة. والشبكة العالمية ومتعلّقاتها من تلفزة فضائية وهاتف خلوي وبريد إلكتروني وفيسبوك وما جرى هذا المجرى هي ما يبعد المذهب (أو يزيده بعداً) عن حال الرفّ المحمّل كتباً صفراء (وهذه لم تكن حال المذاهب في أيّ وقتٍ ولكن يصحّ الاهتداء بدرجة البعد المتغيرة عنها).
تلك العوامل الفائقة الحداثة، ومعها الدفق الكثيف للبشر والموادّ والخدمات، هي إذن ما استجدّته المذاهب في سعيها إلى الصيرورة جماعاتٍ اجتماعية- اقتصادية واجتماعية سياسية فائضة عن حدود الدول. وهي عوامل قد ينبغي النظر إليها لفهم «أعلى المراحل» التي تبتغي الجماعة المذهبية أن تصل إليها قبل النظر في «رسائل» ابن تيمية أو في «بحار الأنوار» للمجلسي. أو أن علينا، في الأقل، أن نعيّن لكلّ من هذين المركّبين موقعه الفعلي، لا تردعنا عن ذلك مسبقات مدرسية مهما تكن. فندرك إذ ذاك أن الطوسي وابن حنبل يقدّمان رسماً للسور المتخيّل الذي تعرَّف الجماعة بإقامتها في ظلّه وبمواجهتها، بالتالي، من هم في خارجه على أنحاء مختلفة تتّصف كلّها بأقدار من الغربة. وإنما تتباين هذه الأقدار قرباً من العداوة أو بعداً عنها بتباين الجماعات وظروف الزمان والمكان.
وذاك أن المذهب، بما هو جماعة اجتماعية اقتصادية واجتماعية سياسية، قائمةٌ قياماً مكبوحاً في الواقع، وماثلةٌ، بعد تلمّس الإمكان، في الطموح والسعي، لا يبقى ثابتاً ولا هو يرتدّ إلى صورةٍ لماضيه بلا سبب يسوّغ اختيارها من حاضره. هو يتحرّك، بإملاء من التزاوج المتحرّك ما بين المطامح والممكنات، بين أقطاب تصوّرية فيه: يهمل بعضاً منها ويعتمد بعضاً… وهو يتغيّر، في كلّ حال، طلباً للتحقّق وفي أثناء تحقّقه. والواقع أن المراحل المتّسمة بارتفاع الحرارة المصاحب للتغيير أو لطلبه (ومنها المرحلة التي نحن فيها) يميّزها اشتداد النضال ما بين الحدود التي ترسمها الأصول المقرّرة للمذهب (أي ما تبطنه الكتب الصفراء) واللوازم الفكرية (بل النفسية، على الأعمّ) للمواجهة الجارية. وهو ما يملي خيارات في نطاق القديم وتطويعاً له صريحاً أو مضمراً وهو ما لا يمكن أن يحصل بلا أخذٍ وردّ بين مراجع المذهب يتفاوت خطرهما على الحركة الجارية بين حالة وحالة.

كاتب لبناني

المذهب ـ ليس رفّ كتب صفراء

أحمد بيضون

مُثُلٌ ناقصة

أحمد بيضون

ثمّةَ شَبَهٌ بين مِثالِ الموضوعية في عُلوم الإنسانِ والمجتمعِ وبين التزامِ الديمقراطية في حُكْمِ المجتمعات. وكذلك بين هذين وبين الإنصافِ في أحكامِ القانون الدولي وفي تطبيقه. قد لا يبدو هذا الشبه جليّاً لأوّل وهلة ولكن بعض التمعّن يكفي لإظهاره من جهتين لا من جهة واحدة. فهذه المثل تفترض كلّها، من جهة أولى، درجةً من التجريد لموضوعها تحيل هذا الموضوع صناعةً عقلية. تستلهم هذه الصناعة طلباً واقعياً، ولا ريب، ولكنها تلبث مستقرّة في سماء الكلّيات فلا يقع الباحث على تجسيد لها يسعه ادعاء المطابقة للمثال في عالم الجزئيات أو الحسّيات.
من جهة ثانية، متّصلة بالأولى أشدّ الاتّصال، يقترن وجوب النقص في التجلّيات العيانية لهذه المثل بوجوب الاحتجاج الدائم عليه والدعوة إلى إصلاحه وتجاوزه وإلى اتّخاذ المثال قدوةً لا يصحّ الاستغناء عنها أو نسيانها. ولا يمنع هذا كلَّه ولا يسوّغ اليأسَ من مواصلته أن يلاحَظَ بقاءُ النقص الذي يحدثه التقصير أو التسويات الناجمة عن مصالح واعتبارات تقاوم الاستجابة التامّة للمثال. إذ يعود هذا النقص إلى الحصول ـ ولو تباينَتْ وتائرُ حصوله أو تفاوتَتْ درجاتُه ـ عند كلّ تجسيد حسّي لواحد من هذه المثل.
ويمكن إلقاء الحبل على الغارب شيئاً ما في اختيار أمثلة يستعان بها على إظهار هذا الشبه بين المثل الثلاثة بوجهيه: وجهِ النقص المتكرر في التحقق ووجهِ الاستمرار الواجب في السعي إلى تجاوزه.
في الكتاب الذي أراده ريمون آرون مدخلاً إلى فلسفة التاريخ وجعل همّه تعيين حدود الموضوعية التاريخية (وهو كتابٌ لا يزال يشاد بألمعيته من وقت صدوره سنة 1948 إلى اليوم) يرى المؤلّف ثلاث صيغ لمعاملة المؤرّخ موضوعه. فهو إما أن يعتبر التاريخ واقعاً موضوعياً فيجعل الإحاطة همّاً له ولكنه لا ينجو من الجزئية ولا من النسبية. وإما أن يريد، باعتباره هو نفسه ممثّلاً للروح الحيّ، تمثّلاً لأعمال الروح الماضية فتأتي استعادة الماضي الروحي متعلّقةً بتمثّل الفرد لمصيره التاريخي. وإمّا أن يتّخذ وجودَ الفرد البشري صورةً يقارن بها التاريخ فتبدو وجهة هذا الأخير رهناً بقرار متّجه نحو المستقبل ولا يُفْهَم الغيرُ إلا بتعيين موقعه من الذات. في كلّ حالٍ تبقى الذات حاضرةً، من خلال المؤرّخ وحمولته الوجودية، وهذا مع كون التاريخ يصبح موضوعاً بالضرورة بسعي المؤرّخ وبالنسبة إليه.
تلك حالاتٌ لا يصعب العثور على نظائر لها في أعمال الذين أرّخوا لهذه المنطقة من العالم من بين أهلها، على التخصيص. بل إن ما يشهد لطغيان هذه الحالات هو الطاغي على أعمال هؤلاء. فالسائد أن ينطلق المؤرّخ من غبن ما طاول جماعته في حاضر يرجى الخروج منه أو في ماضٍ تمادى واعتبار مهمة المؤرّخ جمع الأسانيد المفضية إلى ما يعدّه المؤرّخ إنصافاً للجماعة. هذا دليل للرواية لا يمكن أن ينجو من واحدة من العلل التي أحصاها آرون ولا يستقيم معه ما يسمّى الموضوعية.
في صدد الديمقراطية، اقترحنا قبل عقود تصوّراً جعلنا «عمل التجريد السياسي» اسماً له واعتبرناه العمل المهيئ للديمقراطية أو شرط الإفضاء إليها على صعيد الفرد-المواطن وعلى صعيد الأمّة سواءً بسواء. والمقصود بالتجريد السياسي تحييد الهويّات الموسومة بـ»الأوّلية» أو بـ»الجزئية» توصّلاً إلى إدراك الفرد نفسه بما هو مواطن أي فرد ذو وجود سياسي يتعين وجوده هذا بانتمائه المباشر إلى دولة ويعرّف بحقوقه وواجباته السياسية التي يعينها دستور يمثّل تصوّر المواطنة هذا، أي التصوّر الذي يحفظ ميزان العلاقة بين المواطن والأمة مستوياً، مرشد أحكامه. استواء الميزان هذا ما بين قطبي الوجود الديمقراطي أي المواطن والأمة هو غاية السعي الذي يفترض له حظّ معتبر من النجاح ليصحّ القول بوجود نظامٍ ديمقراطي. وفي أفق هذا السعي، يمثل تصوّر «الإنسان» بما هو الغاية القصوى للسياسة مقياساً لا تجوز الغفلة عنه.
هذا وينطوي «عمل التجريد السياسي» ذاك على نقد للنقد السائد للديمقراطية السياسية بما هي نظامٌ «حقوق صورية» يعوزه إحقاق الحقوق المادّية أو الإجتماعية ـ على الأعمّ ـ ولا يقدّم علاجاً للقهر والاستغلال الإجتماعيين ولا للتفاوت بين البشر. فإذ لا يمسّ هذا التصوّر، بأيّة صورة من الصور، شرعية النضال الإجتماعي ولا قيمه، يؤكّد وجود مستوىً حقوقي لا يستغنى عنه هو مستوى حقوق المواطنة أي مستوى «المساواة الصورية» بين المواطنين أمام القانون. وذاك أن هذا المستوى، إلى كونه قيمة تتعلّق بحرّيات ذات اعتبار، يمثّل نموّه وسلامته شرطاً للسعي المتّصل إلى إحقاق الحقوق الإجتماعية أو تلك التي تعدّ، على اختلافها، «حسيّةً» وتوضَع بإزاء تلك الموصوفة بـ»الصورية».
يفترض «عمل التجريد السياسي» قدراً من إمكان التحييد للهويّات الأوّلية أو الجزئية عندما تُرى في حال منازعةٍ لقيم المواطنة. أي إن هذه الأخيرة توجب من جانب المواطن ومن قبل جماعات المواطنين قدرةً ما على لجم نوازع مختلفة، عصبية أو أنانية، تعارض ما يتوجب اعتباره «مصلحةً عامّة» أو قيمة أو قاعدة للسلوك المواطني حاظية بتكريس شرعي. والحال أن هذا التحييد أو اللجم لا يبلغ تمامه، عادةً، في أي مضمار من مضامير التصرّف الفردي أو الجماعي، ولا هو يجد رعاية تامّة لموجباته من جانب الفاعل المقابل أي الدولة، بسائر هيئاتها. هذا كله يجعل الديمقراطية تبدو ناقصة التحقق دائماً معرّضة للمَطاعن من قبل الذي يريدون لها مزيداً من الفلاح ومن قبل الذين يريدون سقوطها سواءً بسواء.
وأما القانون الدولي، بأوضاع نصوصه وأحوال هيئاته وصيغ تطبيقه، فيلقى بين ظهرانينا من النقد اليومي ما يغني عن التبسط في الأمثلة. يكفي تاريخ القرارت المتعلّقة بحقوق الفلسطينيين أو بإسرائيل في مجلس الأمن دليلاً على ما في النظام الدولي من انحراف يتحكّم في ما يشترعه وما يقرّره وتصل مفاعيله إلى تعطيل القرارت أو الحدّ من تنفيذها إذا هي جاءت منصفة أو قريبة من الإنصاف. وما يتيح هذا الانحراف إنما هو بقاء القوّة محكّمة في مصير الحقوق وفي درجة الأخذ بما يحفظها في الشرائع وفي قرارت الهيئات المسؤولة. ويتيسّر للقوّة، حين تبلغ مداها، أن تسخّر الشرائع لحماية الحلفاء ولإضعاف الأعداء بقطع النظر عن موضع الحقّ في هذين المعسكرين. ويتيسّر لها، في هذا المساق، أن تملي على الهيئات الدولية ما اعتدنا تسميته سياسة المعايير المزدوجة. فما العمل حيال هذا النوع من الطغيان؟
تَسْتحقّ أحوالُ هذه المُثُل كلّها أشَدّ النقد ولا تتّجه أمورُها نحو شيءٍ من الاستقامة أصلاً إلا بالنقد وطَلَبِ التغيير. ولكن حين يتّجه النقد إلى محالفة أعدائها المعلومين ويوحي باستحسانٍ ما للاستغناء عنها يصبح النقدُ المزعوم تزكيةً للكذب في محلّ الموضوعية وللاستبداد في موضع الديمقراطية وللهمجية في تصريف العلاقات الدولية.
هذا مع العلم أن التسليم بالضرورة التي تتّصف بها هذه المثل لا يجوز أن يُجعل دليلاً على لزوم الاستسلام لنقائصها أو لمُراد الذين يسخّرونها لما يغاير روحها أو يحيلون الأخذ بها إلى ملهاة لا تفضي إلى إحقاق أي حقّ. وإنما هي تنفع ستاراً لتوظيف الزمن في تبديد الحقوق وفي توسيع نطاق المظالم. فإن هذه، في كلّ حالٍ، مُثُلٌ يلازِم النَقْصُ كلّ تجسيدٍ لها. ولا ريبَ أن السُكوت عن هذا النَقْصِ يُعْتَبَر خيانةً لها أو مجافاةً لروحها. ولكن هذا النقصَ – مهما يَبْلُغْ – لا يَسْتَقيم حُجّةً للإعراض عنها… دَعْ عنك مُعاداتَها. بل هو دافِعٌ لطَلَبِ المَزيدِ منها دائماً.

كاتب لبناني

أحمد بيضون