المدن – فارس ساسين حيّاً

Source: المدن – فارس ساسين حيّاً

الكمالُ – على ما يُقالُ – ليس من هذا العالَمِ، فيبقى متاحاً لنا، في تخميني، أن نقول إنّ فارس ساسين كان بَشَراً “تامّاً”[1]. والمفارقةُ (وهي مفارقةٌ إنسانيّةٌ للغايةِ) أنّ التنوّعَ الاستثنائيَّ لميادينِ كفاءتِه كان لا يَني يزيدُ فضولَهُ للمعرفةِ شِدّةً. فكانَ “التَمامُ” يُثْمِرُ في حالَتِه – وهذا أمرٌ طبيعيٌّ – شعوراً مقيماً باللاتَمام.

كان فارس يوحي بالسَعْيِ وراءَ الجديد في كلّ اتّجاه. ولكن من غيرِ إرهاقٍ زائدٍ للنفسِ بهذا السَعْي. كان يبدو ماضياً على رِسْلِهِ في أشَقِّ ما اضطَلَعَ به من مهمّاتٍ وأعسَرِ ما أخَذَ بِهِ نَفْسَه من أنواعِ التَعَلُّم. ولم يكن يتركُ للكدحِ الذي كان مشروعٌ جارٍ أو التِزامٌ مِهْنيٍّ يفرِضه عليه أن يستَغْرِقه، بل كان يبدو قادراً على ادّخارِ ما يلزمُ من وقتٍ، أيّاً يَكُنْ مِقْدارُه، للعائلةِ وللأصحابِ وللتسليةِ على أنواعِها كافّةً. كان مزاجُهُ النَضِرُ الهازلُ وفكاهتُه الحاضرةُ القارصةُ واستعدادُه لتلْبِيةِ ما يَطْرَأُ من دَواعٍ هي ما يحمِلُ على الظنّ (الذي لم يَكُنْ في محلِّهِ دائماً، على الأرجح) أنّهُ كان يتقنُ هذا الإتقانَ كلّه ذاك الفنّ الصعب: فَنَّ سياسةِ الشواغلِ بحيث لا تتعدّى حدّ الاحتِمال. هكذا كان ما يظهِرُه من يُسْرٍ في الحركةِ بين قطاعاتٍ من الثقافة بالغةِ التنَوّع وجهاً (جليلاً، بطبيعة الحال) من وجوه موهبةٍ أخرى: موهبةِ سياسة الوقتِ، أو الحياةِ، بحسبِ المرغوب.

*

أذكر أنّ فارس نحّى جانباً ذاتَ يومٍ ما كان شائعاً من نسبةٍ قديمةٍ لي إلى “الوجوديّةِ” (وهذا صيتٌ كان الدهرُ قد أكَلَ عليه، والحقُّ يُقال) فأفهَمَني، بعباراتٍ قليلةٍ، أنّ اليَسيرَ الذي كنتُ قرأته من أعمالِ هايدغر إنَّما أرادَ أن يقولَ أشياء مغايرةً لما كنتُ أحسبُ أنّه يقول. وفي يومٍ آخر، دلّني، هو وكمال صليبي، على مواطنِ خَلَلٍ عدّةٍ في نصٍّ كنتُ أحسبُني أودعتُه عُصارةَ أعوامٍ من الاجتهاد في تدبُّرِ تاريخ لبنان… هذا وما هذان إِلَّا مَثَلان! ولعلّه يكفيني إيحاءً بما كانت عليه من سعةٍ مروحةُ الموضوعاتِ التي كان يمكن للمداولةِ مع فارسٍ أن تشتمِلَ عليها أن أستذكرَ موضوعَ الاستشارةِ الأخيرةِ التي لجأنا فيها، أنا وزوجتي، إلى خبرةِ فارسٍ الودودة (أو إلى مودّتِه الخبيرةِ، بالأحرى): كنّا نُريدُ فَتْواهُ، مع بدايةِ مراحلِ الحَجْرِ الذي فرض علينا مؤخّراً، في نوعيّة بساطٍ تركيٍّ رغبنا في شرائه فأرسلنا إلى فارس صورتَه بواسطة واتسآب!


هل يكون عليّ التنويهُ بأنّ إحالةَ البادرةِ أو العبارةِ إلى الشخصِ بأسره كانت أمراً يفرضُ نفسه، حين يكون فارس هو المُحاوِر: فَرْضاً أشَدّ بكثيرٍ ممّا تكون عليه الحال عادةً مع آخَرين؟ كان ما يوجّهه فارسٌ إليك من ملاحظاتٍ نقديّةٍ  يأتي ملطّفاً بكفاءةِ الناقد وصدقه فيخلخلُ ثباتك حيث تقفُ ولكن من غيرِ أن يؤذيك. وكان وخزُ الإبر التي كان يحسِنُ تسديدَها على حين غِرّةٍ لا يوجعُ بل يَسْتَحثّ. وقد يجبُ أن نضيف أنّ هذا الرجلَ الرفيعَ الثقافةِ لم يكن يزدري ثقافةَ السَوَقةِ مهما تكن. فكان يفسحُ في ذاكرته العجيبة لحكاياتٍ معظمُها لاذعٌ تتناول، على التغليب، أهلَ السياسةِ اللبنانيّين من سائرِ العهود. كان هذا الزَحْليُّ العريقُ، وهو المحاورُ المقدامُ لميشال فوكو، يتكشّفُ أيضاً عن وريثٍ شرعيٍّ لإسكندر الرياشي!

** 

أجرى فارس ساسين تدريبه الأوّل على النضال في مَشتلِ اليسار اللبنانيّ “الجديد” في غَدواتِ الهزيمةِ العربيّة سنةَ ١٩٦٧ ثمّ لم يتخَفّف يوماً من التزامِهِ السياسيِّ الأساسيّ. لم يستكِنْ في اللامبالاةِ أو في الحياد. ولا أراني محتاجاً بهذا الصددِ إلى غير التنويه بتلك الرشقاتِ القتّالةِ من “التغريداتِ” التي ظلَّ، إلى أمْسِ، ينهالُ بها على مدبِّري النكبةِ اللبنانيّةِ الجارية. على أنّ ساسين بقِيَ يأبى أن يُرَدَّ شخصُهُ إلى أيِّ نضالٍ أخَذَ منه بنصيب، جاعلاً من نفسِهِ ضِدّاً ل”المناضلِ المحتَرِف” الذي رَوَّجت لنموذجِهِ اللينينيّة. هكذا لَبِثَ يتحاشى من الإفراطِ في استهلاكِ قواه كُرْمى لأيّةِ إستراتيجيّةٍ جماعيّةٍ أو في تقَبُّلِ الخضوع لأسرِ المنطقِ النضاليِّ الغَلّاب. وإنّما دأَبَ على النضالِ بالاستواءِ قُدْوةً، يؤثِرُه على العَمَلِ المنظّم. فكان يسعى ليجعلَ من نفسِهِ صورةً لما يشاءُ للجماعةِ أن تكون. كان سلوكُهُ بما هو إنسانٌ ومُواطنٌ وشبَكاتُ أصحابه وما يذيعُ من مواقِفَ وآراءٍ أي، بوجيزِ العبارةِ، مُكَوِّناتُ نموذجِهِ المختارِ للحياة، هي الرياحُ الناشرةُ لرسائله.

***

جمعتني بفارس ساسين صداقةٌ خلَت من الغُيومِ تقريباً وبقيَتْ بمنجاةٍ من التجاعيدِ أيضاً مدّةَ أربعينَ سنة. وكان ملحم شاوول، ابنُ عمّةِ فارس، ونوّاف سلام (وهُما “رفيقان” سابقانِ كانا قد انقلَبا صديقيِنِ لي قَبْلَ أعوامٍ عدّةٍ) هما اللذان تولّيا تعريفي إلى فارس في صيفِ ١٩٨١، ولم يكن مضى زمنٌ طويلٌ على عودتِه من فرنسا. وكنتُ قد تعرّفتُ قَبْلَ مُدّةٍ يسيرةٍ إلى عضوٍ آخر في الزُمْرةِ نفْسِها هو أنطوان عبد النور الذي شهِدَ العامُ التالي سقوطَه ضحيّةَ الهَمَجيّةِ الإسرائيليّة.

ثمّ لم نلبث أن ألفينا نَفْسينا، فارسٌ وأنا، عضوينِ في الفريقِ نفسِه، وقد تشكّل في كنَفِ “مركزِ الأبحاثِ اللغويّةِ والتربويّةِ” الذي أنشأهُ طلال الحسيني، في ذلك الوقت، وتَوَلّى إدارَتَه. في أثناءِ هذه التجربةِ التي امتدّت خمسَ سنواتٍ أو ستّاً، اقتَرنَ سعيُنا معاً إلى الاستواءِ معجميَّينِ مَرِحَينِ بالترسّخِ اليوميِّ للصداقةِ بينَنا، وهو ما كانت بيئةُ المركزِ الإنسانيّةِ تتعهّده بالترحابِ ملطّفةً البيئةَ المحيطةَ السائدةَ في تلك الأعوام السوداء.

لاحقاً أيضاً، أكرمني فارس، وكان قد أصبَحَ المستشارَ الأدبيَّ لدار النهار للنشر، باعْتِنائهِ بإصدارِ كتبٍ وقّعْتُها وأخرى نَقَلْتُها عن الفرنسيّة وثالثةٍ لم أجاوز التقديمَ لها تمهيداً لإعادةِ نشرها، وهو ما اقتَرَحهُ عليَّ غسَّان تويني. فلفارسٍ أدينُ بالسلاسةِ التي ميّزت ولادةَ تلك الأعمالِ كُتُباً تُقْرَأُ مقرونةً بالصَرامةِ في لزومِ الأصولِ المفروضة. لا أفي هذا الصديق حقّهُ من العرفانِ أيضاً لِما خَصَّ به من حماسةٍ أعمالاً صدَرَت لي، إمّا في مناسباتِ صدورها أو في مناسباتٍ أخرى إذ هو تفضّلَ عليها بشهاداتٍ بقيَت محلَّ اعتِزازٍ لصاحبِها. فكانت خسارتي برحيلِهِ خسارةً لشاهدٍ عالي المقام اتّحدت بخسارتي الصديقَ الغالي، وكانا شخصاً واحداً.

****

هذا ولا أملكُ ألّا أستذكِرَ، في استعادتي لمَسارِ الصحبةِ ذاك، ذلك الطيفَ الجميلَ الذي عاد من باريس أيضاً، وكان أصغَرَ سنّاً من سائر الأقران، فانضَمَّ إلى الجماعةِ الصغيرةِ التي كانَ يتصدّرُ مناسباتِ التئامِها ذاكَ العشاءُ، تتحلّقُ له تامّةَ النِصابِ حولَ دومينيك شوفالييه كلّما نزل “المعلّمُ” بيروت. كان اسمُ ذلك الطيف الجميل سمير قصير، وهو سيلقى، بَعْدَ ثلاثٍ وعشرينَ سنةً كانت قد انقضت، مصيرَ أنطوان عبد النور نفْسَهُ: سيلْقاهُ بأَيْدٍ أخرى ولكنّها مُمَتّعةٌ بالحصانةِ نفسِها على الحِساب.

*****

كان فارس ساسين كاتباً مٌقِلّاً نسبيّاً، وهو ما أعْلَمُ أنّه كانَ يُحْنِقُ مُنى، زوجتَهُ، ويُحْنِقُ معها آخَرينَ، كثيرينَ في ترجيحي. ولا أراهُ بريئاً، من جهتي، من شُبهةِ الميلِ إلى إيثارِ رياضةِ الحديث! انصَرَف إلى النشر واشترَكَ في تأليف كتبٍ متعدّدةِ الأقلامِ ولكنّه امتنعَ عن نشرِ الأطروحةِ التي كرّسها لـ”اللبنانيّةِ المارونيّة”. وهذا تمنُّعٌ أجهَلُ أسبابهُ ولكنْ أوصي من باتَ  يملكُ أن يتجاوزَهُ بأن يفعل. من حُسْنِ حظّنا، في كلّ حالٍ أنّ مدوّنتهُ التي سَمّاها مُتَخابِثاً  Assassines  ، أي “القَتّالات” أو “الساسين”(!)، بقيَت مَعْرِضاً مُتاحاً لتصفُّحِ الكثيرِ من مقالاتِه الرائعاتِ ولجَمْعها وإعادةِ نَشْرِها. كانَ فارس ساسين إنساناً مشرّباً بالفلسفةِ (ولكن بالشِعْرِ أيضاً وبالسينَما وبكثيرٍ من أشياءَ أخرى مختمِراتٍ بالجَمال…) فأمكنَهُ أن يُعَلِّمَنا، بالقدوةِ وبالنَصِّ معاً، أنّ الفيلسوفَ، وهو المُعَرّفُ عادةً بأنّهُ “صديقُ الحكمةِ”، يسعُهُ أن يَكونَ، بينَ أصدِقائه، مُعَلِّماً للصداقةِ والسَلام.


II

وزَّعَ فارس ساسين أعمالَه المكتوبةَ بينَ الفَرَنسيّة والعربيّة. وهذا مع ترجيحٍ للفرنسيّة أَمْلَت بعضَه صُدفُ التكليفِ والأغراضِ وأملى بعضَهُ الآخرَ، على الأرجَح، ظُروفُ الإعدادِ وأثرُها في المزاج. ولَكِنّ الرجلَ بذَلَ، في مدى عقودٍ، لا أعوامٍ وحسْبُ، جهوداً حثيثةً لتعزيزِ مِراسِهِ للفصحى واستقامةِ عبارتِه بها. وهذا سعيٌ أملاهُ، بدَورِه، تعليمُ الفلسفة في الجامعةِ اللبنانيّة (أي الضلوعُ في إعدادِ آخَرين) وأملاهُ أيضاً الشعورُ بالانتسابِ إلى محيطٍ هذه لغتُه الأولى (أو هي الوحيدةُ المقروءةُ أحياناً) وهو المحيطُ الذي يحسُن بالكاتب (أو يَسْتحسِن هذا الأخير) أن يستهدِفه بالخطاب بالدرجةِ الأولى. وما يحتويه هذا الكتاب هو المنشور أو المؤهّل للنشر من ثمراتِ هذا السَعْيِ الساسينيّ لمؤالفةِ الفصحى وتراثها ولمزاولةِ التفكير والكتابةِ بها.

هذا وقد تفيد النظرةُ الإجماليّةُ في تصميم هذه الاستعادة التي أقدم عليها الناشر، ما بين مجموعٍ (قد يتبعُه آخر) لأعمال الكاتب العربيّة ومجلّدين (قد يتبعهما ثالثٌ وربّما رابعٌ أيضاً) لمدَوَّناتهِ بالفرنسيّة، أنّ هذا التصميمَ لا يخلو من إجحافٍ يصيب الفئتين معاً ولكن ينالُ معظمُه من المجموعِ العربي. فإنّ عزل مقالةٍ كُرّست لمؤلّفٍ بعينِهِ مَثَلاً عن أخرى تناولت كتاباً للمؤلّف نفسِه، وذلك بسبب اختلاف اللغة بين هذه وتلك، إنَّما ينتهي، على نحوٍ ما، إلى خسارةٍ يسيرةٍ أو جسيمةٍ للمقالتين. تلك حالةٌ واحدةٌ محتمَلةٌ من حالاتٍ نرجّحُ أن يظهِرها استقصاءٌ لم نباشرهُ. وإنّما عَوّلنا في ترجيحنا على أُلْفٍتِنا المديدةِ (وإن كانت لا تدّعي شمولاً) للرجُلِ ولمنشوراتِه. وهي ألفةً يسَّرتْها لنا أَيّما تيسيرٍ مُدَوَّنَتُهُ Assassines.

على أنّه يجِب الإقرارُ أنّ هذا الاعتماد للّغةِ، من جانبِ الناشرِ، مبدأً أوَّلَ لتصنيفِ الأعمال المستعادة هو أمرٌ لم يكن منه مناص. إذ لا يسوغُ افتراضُ إحسان اللغتين معاً من جانب الجمهور المستهدَفِ بهذه المجلَّدات، كلِّهِ أو جُلِّه. فلا يَجوز، بالتالي، فرضُ موادَّ على قُرَاءٍ لا يقْوونَ على فَهْمِها تُجاوِرُ أخرى مهَّدت لهم كفاءَتُهم اللغويّةِ سبيلَ الرغبةِ في مطالعتها. كان لا بدَّ من الفصْل اللغويّ إذن. فما الذي أسفَرَ عنه هذا الفصْلُ في جهةِ العربيّة، وهو ما يضُمّهُ المجَلَّدُ الذي بين يدي القارئ؟ جعَلَ الناشر ما جمعه ههنا من أعمالٍ عربيّةِ اللسانِ لفارس ساسين تحت عناوين ثلاثة. وهذا التصنيفُ المعتمدُ حصيفٌ ولكنّنا، إذ نعمِدُ إلى وجهةٍ مغايرةٍ في استنطاقِ النصوص: وجهةٍ تنظرُ لا إلى الحقلِ الذي يضوي إليه النصُّ بل إلى الهَمِّ الذي يحرّكهُ، ننتهي إلى إقرارٍ تقريبيّ (يبقى غيرَ تامٍّ إذَنْ) لتصنيف الناشر المثَلّث ولكن تحت عناوينَ ثلاثةٍ أخرى. في قراءتِنا، تتوزّعُ هذه الأعمالُ إذَنْ بينَ مجاميعَ ثلاثةٍ: ١- شروطُ التفلسُف ٢- حقوقُ الصداقة ٣- إنصافُ أركانٍ أو وجوهٍ للتجربةِ اللبنانيّةِ من نظامهم السياسي.

*

يغلِبُ على المجموع الأوّل هَمُّ التعليم. هذا ما يوضِحُ علّةَ التكرار الملحوظِ الذي يحصُلُ عند تَناوُلِ المسألةِ الواحدةِ أو الفيلسوفِ الواحدِ في مقالَتَين. هذا ما يوضِحُ أيضاً سَبَبَ الإبقاءِ على مقاطِعَ من المقالةِ في صورةِ العَناوين، إذ تكونُ هذه مواضيعَ لشُروحٍ يُدلي بها المُعَلِّمُ مُشافَهةً. هَهُنا إذن معلِّمٌ للفلسفة يحاضرُ طلّابَه في فلاسفةٍ وفلسفاتٍ اختارَها لهم بنفسِه، على الأرجح، ولو في نطاق عصرٍ أو قطاعٍ من التراثِ سَمّاه البرنامج. فالحالُ أنّ الدرسَ يُساقُ هَهُنا إلى مسألةٍ كبرى تطرحُها ولادةُ الفلسفةِ في بلادِ اليونان وملحقاتِها، وهذا قَبْلَ أن يصبِحَ “الغربُ” بأسرِهِ وريثاً لليونان في “احتكارِ” التفلسُفِ (بمعناهُ المضبوط، لا بتوسيعِ معناه إلى ممارساتٍ فكريّةٍ أو روحيّةٍ أخرى شهِدَتْها عصورٌ أخرى أو أظَلَّتْها سمَواتٌ أخرى…). هذه المسألةُ التي تبدو مستحوذةً على لبِّ المعلّمِ أو المحاضرِ هي مسألةُ “شروط التفلسف”، وهي ما ينتهي ساسينُ إلى طرحِهِ من سبيلينِ عريضينِ: سبيلِ البحثِ في ماهيّةِ الفلسفةِ أو معناها وسبيلِ السُؤال عَمّا جعَلَ اليونان وتوابعَها مَهداً حصريّاً للتفلْسف قَبْلَ أن تنتشرَ مزاولةُ هذه الرياضة في نواحٍ مختلفةٍ ممّا أصبَحَ يطْلَقُ عليهِ اسمُ “الغرب”. في هذا المسعى يجِدُ ساسين عوناً في فيلسوفينِ ألمانيَّين يَبُدُوان مستأثرين بالقسطِ الأوفر من عنايته بمذاهب الفلسفة وتوجُّهاتِ الفلاسفة، وهما هيغل وهايدغر. يقولُ الأوّل من هذين بأبوّةِ اليونانيّين لاختراعِ التفلسف وينزعُ الأخير الذي يجعلُ الفلسفةَ “منشئةً” للغَربِ فَضْلاً عن توَطُّنها إيّاه، إلى حصر إرث التفلسفِ اليونانيّ هذا في كوكبةٍ من نجوم الفكر ارتفعت تباعاً في السماء الألمانيّة في مدى قرنينِ سبَقا أيّامه، ويظهرُ أنّ الرجلَ يعِدُّ نفسه آخرَ هذه النجومِ بُزوغاً.


هل يكونُ علينا التسليمُ بهذه المقدّمة؟ يُبدي ساسين مَيْلاً إلى هذا التسليم ولكن مع تلطيف جسيمٍ للحصريّة اليونانيّة، ومن ثمّ الغربيّة، أو تعديلٍ لها بإبراز الدَينِ اليونانيّ للشرق القريب وبطرْحِ ماهيّة الغرب نفسها على أنّها موضعُ سؤال وبالتنويه، أخيراً، بقابليّة المقاربةِ الفلسفيّةِ لتوسّعٍ متعدّد الأبعاد. هذا كلّه لا يُبْطِل، في النَظَرِ الساسينيّ، وجوبَ السؤال عَمّا جعل أمور التفلسف تجري على هذا المنوال. فَما الذي ساقَ “العِلمَ بالوجودِ بِما هُوَ موجودٌ” (وهذا هو التعريف الأرسطيّ الذي يأخذ به ساسين للفلسفة) إلى الاستواءِ حكراً على بلاد اليونان الصغيرة ومستعمراتِها في عصرٍ بعينِه من عصورها وإرثاً لما يسمّى الغربُ (أو لبعضِه) سعى في تنميتِه بعد أن خبت الجذوة الفلسفيّة في اليونان نفسها بعصورٍ مديدة؟ ولِمَ كبَتْ، إلى هذا الحَدِّ أو ذاكَ، جهودُ حضاراتٍ أخرى، في أزمنةٍ أخرى أو في الأزمنةِ نفسها، للتوفُّر على هذا الضربِ من المراس الفكريّ بتَمام أوصافه ومعناه؟ أو، بالعبارةِ الوجيزةِ، ما شُروطُ التفلسف؟

ذاك هو السؤال الذي يقعُ القارئُ في بعضِ ما يلي من صفحاتٍ حَبَّرَها فارس ساسين على تَلَمّسٍ لجوابه: لجوابٍ يستعين محاولاتٍ سابقةً اضطلَعَ بها فلاسفةٌ أو مؤرّخون للفلسفة أو – أيضاً – مؤرّخون للحضارة اليونانيّةِ بعُموم وجوهها. ولكنّهُ، أي الجوابُ، يشي، على الأخصّ، بالهمّ المقيمِ في نفس طارحِهِ اللبنانيّ (أو المشرقيِّ-العربيّ) وهو هَمّ تعثُّر التفلسف في هذه الآفاقِ التي ينتمي إليها السائل وما يفيدُه هذا التعثُّر من فقدانٍ تاريخيّ اجتماعيٍّ، يصِحّ اعتبارُه فاجعاً، لشروط التفلسف. وكيف لا يُعَدُّ افتقادُ هذه الشروط فاجعاً وما هِيَ إِلَّا شروط التفكيرِ الحُرّ وخلاصتُها مبدءا الحرّيّة والمساواة في المواطنة وما تنتهي إليهِ مزاولَتُهما من اتّساعٍ لآفاقِ الفكر وحلباتِ الجدال إلى الإنسان الكُلِيّ، في ما يتعَدّى الخصائصَ، وأصولِ تفكيره وقِيمِ وجودهِ ومعارفه وعمَلِه وإلى الطبيعة بما هي كلٌّ، فيقيّضُ له من ثَمَّ البحثُ في حقيقةِ “الوجودِ بما هو موجود”؟

في ما خلا ذلك، يستوقفُ تلبُّثُ ساسين عند مسألةِ الموت ومكانتها في نظام هيغل الفلسفي. لا يُعينُ إقبالُ الرجلِ المعلومُ على الحياةِ والبهجةُ المستتبّةُ، على الظاهر، في مِزاجِه على تفهُّمِ هذا التلبُّث. قد يحسُنُ البحثُ عن مصدرٍ نفسيٍّ لهذا الشاغل. وهو ما يميلُ بي – إذا جازَ – إلى نوعٍ من الاقتناعِ بأنّ واحدَنا لا يعرِفُ أصدقاءَه… أو هو يعرف لهم أحوالاً وتفوتُه أحوال. على أنّ العبور إلى ما يتعدّى النفسيَّ، أي إلى الفلسفيّ، يبدو لزاماً، في ما أرى، ونحْنُ حيالَ هذا الشخص بعينِهِ، ننظُر في أعمالٍ له بعينها. فإنّ هذا الحضور لمسألةِ الموت في صدارةِ شواغله ما هو إِلَّا ترجمةٌ لموقع المسألةِ من التفكير الفلسفيّ الأصيل وهو مقامُ المصدرِ والصدارة. التفكيرُ في الموتِ هَهُنا تأَصُّلٌ في التفلسف.

من هذا الانشغال الساسينيّ بعموم الفلسفة، نتخلّص إلى مسائلَ أخرى تقع في النطاق الفلسفيّ أيضاً. ولكنّ ما أملاها على الكاتب كان فرضُها نفسها بين أغراضِ البحثِ المتولّدةِ من أوضاع العالم وتحوّلاتِها في العُقودِ الأربعة أو الخمسةِ الأخيرة: ماركس بَعْدَ تضعضُع الماركسيّةِ المجسّدة في معسكرٍ ودولٍ وأحزاب، الأيدلوجيا (من خلال كتابٍ خصّها به العرويّ) بعد أن بدا ظلّها صائراً إلى تقلّصٍ عن سُبُلٍ يجري  فيها تحريك كتلِ البشرِ وتعيينِ أهدافِهم، بقاء الانتفاضةِ لغزاً بعد مباشرةِ الثورة الإيرانيّة الانكماشَ عن مَدارها الأوّل، مطروقاً في محاورةٍ مشهودةٍ أجراها ساسين مع ميشال فوكو غداةَ زيارتَي الفيلسوفِ الفرنسيِّ لإيران وما أسفرتا عنه من صخَب، إلخ. هذا كافٍ للإيحاء بما ينتظرُ القارئَ تحت عنوانِنا الأوّلِ هذا (أي “شروط التفلسُف”) ولا بُغْيةَ لهذا التقديمِ في تجاوز حدِّ الإيحاء.

على أنّني لا أردعُ رغبتي في التنويه بواحدةٍ نفيسةٍ من مقالاتِ هذا الباب ترُدُّنا من الاشتغالِ الفلسفيِّ بالراهنِ التاريخيّ إلى التفلسف العامّ: ألا وهيَ تلك المكرّسةُ ل”الأخلاقِ والسياسةِ”. فهَهُنا تقليبٌ ألْمَعيٌّ لشاغِلٍ ماثلٍ في ميدانِ التفكيرِ العامِّ منذُ أن وجِدت السياسةُ وفلسفتٌها. وقد كنت اعتمدتُ هذا العنوانَ نفسهُ تقريباً لمشروعِ أطروحةٍ أوَّلَ سجَّلته قَبْلَ نحوٍ من ستّةِ عقودٍ فبقيَت لي منه بقيّةُ اهتمامٍ ومتابَعةٍ وبعضُ معرفةٍ أميّزُ بها الغَثَّ من السمينِ في مَدارِ هذا الجدال. وبهذهِ العُدّةِ أشهدُ للتأمُّلِ الساسينيِّ في هذه المسألةِ الكبرى بجدارةٍ توجِبُ على القارئِ أن يوليهِ بالغَ عنايته…

*

ما الذي يقعُ، من بَعْدُ، في أعمالِ ساسين هذه، تحتَ عنوان “حقوقِ الصداقة”، وهو العنوان الثاني في ثالوثنا المقترحِ تصنيفاً ل”هموم” هذه الأعمال أو محرّكاتها والدوافع إليها؟ كانَ صاحِبُنا ذا همّةٍ لا تدَعُ للتقاعسِ منفَذاً حينَ يكونُ المُرادُ شهادةً تؤدّى لواحِدٍ يراهُ مستحقّاً من بينِ أصحابهِ (أو مـعارفهِ) المنشورين على حقولٍ شتّى. وكانت المناسبةُ عادةً تسليم جائزةٍ أو احتفالاً بإنجازٍ أو بمسيرةٍ بحالِها، إلخ. كان هذا دأباً منتظراً للناشرِ الشاسعِ الاطّلاعِ وللمحكَّم تزدهي بعضويَّتِه لجانُ التَحكيم. ولكنّ هذا كان، فوق ذلكَ، بل قبلهُ، وجهاً من وجوهِ المودّة الفاعلةِ التي وزّعَها هذا الصديقُ الاستثنائيُّ على أصدقائهِ الكُثُر. ولا تنتمي النصوصُ التي استدعاها هذا النوعُ من المناسباتِ إلى ميدانِ النقدِ بالمعنى المقَرَّرِ لهذا المصطَلَح. لا خطابةَ فارغةً فيها لغرَضِ المَديحِ ولكنْ لا تنقيرَ أيضاً عن نقائصَ مفترضةِ الوجودِ في الشخصِ أو في أعماله. وإنّما تنتمي هذه النُصوصُ، على التقريبِ، إلى صِنْفٍ معلومِ الأصولِ ولهُ تقاليدُ هو ما تسمّيه الفرنسيّةُ éloge. ولعَلّي لا أجانِبُ الصَوابَ إذا اقترَحتُ “الإشادةَ” لا “المديحَ” مقابلاً عربيّاً يؤدّي المُرادَ، في هذا السياقِ، باللفظةِ الفرنسيّة. وذاكَ أنَّ الإشادة توحي بتشييدِ الخطيبِ أو الكاتبِ “شخصَ” الشخصيّةِ المتناولةِ أو بعضَ أدوارِها.


وقد كان غسَّان تويني طليعةَ من احتفَلَ بهم فارس ساسين وقد جمعهُ به جوارٌ عَمَليٌّ مَديدٌ ومعَهُ هوى الكتب وأمورٌ أخرى. واحتلّ جبّور دويهي موقعَهُ المتصدّرَ أيضاً من كوكبةِ الأصدقاءِ هذه، وهو الروائيُّ الخليقُ بالتكريم وهو عَشيرُ فارس ساسين الأقربُ في أعوامهما الأخيرة، وهو أخيراً الذي فارقَنا قبل فارس ساسين بساعاتٍ فلم يعلَم أيٌّ منهما برحيل الآخر! يحلُّ في هذه الفئةِ أيضاً (وهي التي يتوزّعُ حضورها بين مقالاتٍ باللغتين) أمثالُ موسى وهبة وسمير فرنجيّة. ويدخُلُ فيها جودت فخر الدين وتيريز دحدح… وكان لحِقَني من مَعينِ المودّةِ الفارسيّةِ هذا ما هو أوفَرُ من الرَذاذِ بكثير، وقد أشَرْتُ إلى الأمْرِ أعلاه. وهو ما يكفي لجعلي في حرَجٍ من الكلامِ في هذا الموضوعِ أصلاً، ناهيك عن الإطالة فيه…

**

يبقى أخيراً ما اقتَرحتُ اعتباره “إنصافاً” لأركانٍ لبنانيّين من “النظامِ” المعلومِ الذي هو نظامهم أيضاً. وقد ذكرتُ غسَّان تويني وهو صديقٌ وراعٍ لفارس ساسين، عارفٌ لقدْرِه، وهو أيضاً سياسيٌّ ذو أدوارٍ مشهورة ودبلوماسيّ بارزُ البصمات وقطبٌ مؤثِّرٌ في تشكيلات الرأي العامّ، وهو، أخيراً لا آخراً، صاحبُ جريدةٍ معروفةِ التميُّزِ في أيّامِه وذاتِ أذرُعٍ ولواحق. هذان مجموعان من الأسبابِ، شخصِيٌّ وعامٌّ، جعَلا ساسين يخصُّ تويني بنصوصٍ عدّةٍ مختلفة. ولكنّ لائحةَ “المُشادِ بهم” (والإشادة هذه “تعريفٌ” أيضاً ولكنّه تعريفٌ لا يريدُ نَفْسَه فاتراً) فيها أسماءٌ من قَبيلِ سليم تقلا، جبران تويني (الجَدّ)، كمال جنبلاط… هؤلاءِ وسواهُم كثُرٌ، من جيلِهِم أو من جيليهِم، ذهبوا وذهَبَت أدوارُهُم بَدداً (أو كادوا وكادت!) إذ وطأت سِيَرَهم سنابكُ خيلِ “الحداثةِ” و”التقدّم”: من “يسارٍ” يرتَجِلُ الكذبَ ويُصَدّقهُ و”يمينٍ” قوميٍّ يستطيبُ وطأةَ العسكر أو آخَرَ “وطنيّ” يبتغي لرؤوسِ الأموالِ أن تَجُبَّ ما قبْلَها بلا إبطاء، وهذه، في كلّ حالٍ، “فئاتٌ” تبدو لي أكثرَ اختلاطاً بكثيرٍ ممّا يُزْعَمُ عادةً…

فلا تكونُ البغيةُ من تناولِ سيَرِ تلك الوجوهِ أو بعضِ ما فيها تنزيهَهُم أو التهوينَ من أمرِ مثالبِهِم وإلباسَهُم دروعاً ترُدُّ عنهم النقد. وإنْما يُبْتَغى ردُّ كلٍّ منهم إلى زمانه وإلى موقعهِ فيه وتبَيُّنُ قيمِ الزمان وإمكاناتِ الموقع: ما كانت تبيحُه وما كانت تمنعُه، ما كانت تتيحُه من فرصٍ للتغيير وترسمُه من خطوطٍ للمواجهة وما كانت تجعله في عدادِ الأبوابِ الموصَدة، إلخ.

يقتضي ذلك – بينَ ما يقتضي – استقصاءَ ما طُمِسَ من منجَزاتٍ لأولئك الماضينَ كانت تُخالِف ملامحَ الرسمِ الذي فرَضَهُ لهم خصومُهم، وذلكَ لرَدِّها إلى أصحابها وإلى معانيها. والذينَ تناولَهم فارس ساسين كانوا، على الإجمالِ، ذوي ميزةٍ أحَلّتهم فوق الكثرةِ من أقرانِهم وفوقَ سويّةِ الهيئات أو الأجهزة العموميّة، من حاكمةٍ وغيرِ حاكمةٍ، في زمانِهِم ذاك. فيَرجَحُ عندي جوازُ نوعٍ من المقارنةِ بينَ أدوارٍ أدّوها وأخرى يؤدّيها في صحافتِنا الحاليّةِ صحافيّون معدودونَ هم أفضلُ من الصحُفِ التي يكتُبونَ لها بأشواطٍ وهي تموِّهُ بهم ما لا يموّه من عوراتِها.

حينَ يعمِدُ فارس ساسين أو غيرُهُ (وهم كُثْرٌ ومتباينو الأقدارِ من الكفاءةِ ومن الإنصافِ بدَورِهِم) إلى بعضِ هذا التناولِ لوجوهٍ عامّةٍ مضت، مبطئاً فيه أو مُسْرِعاً، فهو إنَّما يؤدّي قسطَه، ولو تأخّرَ، من صَدِّ حملةٍ كبرى تكادُ لا تُحْصى أفواهُها والأقلام[2]. تلك حملةٌ متماديةٌ أمعنت دماراً في صوَرِ رعيلٍ عريضٍ من آهلي المجال العامّ الراحلين. وهي إنَّما فعَلَت، ولا تزالُ، تزكيةً لرعيلٍ خلَفَ ذاكَ الرعيلَ وجاءَ، بينَ ما جاءَ بِهِ، بالاستبدادِ والهزائمِ التاريخيّةِ وبالمجازرِ الأهليّةِ والاغتيالِ السياسيِّ وبمعتقلاتِ الرعبِ وأجهزة الإرهاب، إلخ.

ذاكَ أيضاً بعض ما يستفادُ، وإن على نحوٍ غيرِ مباشرٍ، من فصولٍ ومقالاتٍ ضمّها هذا الكتاب. فيتَحَصَّلُ لنا من تدَبُّرِها درسٌ جليل.

*** 

نفتقد أخيراً ما عَهِدناه في فارس ساسين من سلاطة لسانٍ فَكِهةٍ أو مدمّرةٍ حين لا نَقَعُ بينَ المؤلّفين الذي كرّس لهم ساسين الناقدُ معظم مقالاتِهِ (باللغَتينِ) على كثيرٍ من الضحايا. فقد كانَ ينتقي منهم ومن بينِ أعمالِهم ما يعجِبُه للعرضِ والمراجعة. وتكادُ مدوّنتهُ Assassines  لا تستحقّ اسمَها إِلَّا لمجانستِها اسمَ عائلته والاسمَ الذي كان يحلو لأصحابِهِ أن يذْكُروهُ به: “الساسِين”! وإنّما يزدَحِمُ الضحايا من السياسيّين، حكّامِ اليومِ، ومعهم سُنَنُ تصرُّفهم بالبلادِ وأهلِها وما أثمرَتْهُ من جناياتٍ، في “تغريداتِه” القارصةِ وفي شظايا ذاكَ ال Abécédaire الذي أبقاهُ مكتوماً، على التخصيص.

نحْنُ، أصدقاءَهُ، كان يقيَّضُ لنا أيضاً، في ضَحَواتِ الأُنْسِ أو أماسيهِ، أن نجدَ أنفُسَنا في عِدادِ الضحايا ولكن راضينَ مَرْضِيّين. فسَلاماً عليكَ، أبا الفوارس!


[1]  في الذكرى الثانية لرحيل الكاتب الصديق فارس ساسين، أنشُرُ هنا نَصَّ “التقديم” الذي وضعتُهُ لأعمالِهِ العربيّة، وقد جُمِعَت تحت عنوان “كتابات” وصَدَرَت معها، في جزءين، أعمالٌ له بالفرنسيّة. صدَرَتْ هذه الكتب عن دار “شرق الكتاب”، بيروت، في خريف 2022.

[2]  دافع فارس ساسين عن كتابي رياض الصلح في زمانه (2011) حين أوشك أن يُحالَ دونَ نشره. ثمّ اعتنى بإصداره عن دار النهار للنشر. والكتابُ ينحو هذا النَحوَ المنوّهَ به أعلاه. وفي صيف العامِ الجاري، أصدَرَ صديقٌ آخرٌ لفارس ساسين هو منذر جابر كتاباً ينهَلُ (صراحةً لا ضمناً) من المشربِ نفسه، وهو سيرةٌ ضخمةٌ للزعيم الجنوبيّ يوسف الزين.

المدن – ميشال فوكو و”الخطابُ الفلسفيّ” (2/2)

Source: المدن – ميشال فوكو و”الخطابُ الفلسفيّ” (2/2)

هذا الكتابُ الذي سمّاهُ ميشال فوكو “الخطابَ الفلسفيَّ”، وكان قد بقيَ مجهولاً إلى أمسِ، يُقرأُ من عنوانِهِ: لا بمعنى أنّ القارئَ يقعُ فيه على المألوفِ المنتظَرِ من الأفكارِ، في موضوعِه، بل بمعنى أنّ عنوانهُ لا يُجاوزُ تسميةَ موضوعهِ باسمِهِ الصَريح. لا لُغزَ في العنوانِ هنا على غرارِ “الكلماتِ والأشياءِ”، مثلاً، أو على غرارِ “إرادةِ المعرفةِ” إذ تُسَمّي المدخلَ إلى تاريخ الجنس… “الخطابُ الفلسفيُّ” هُنا هو الخطابُ الفلسفيُّ، لا أكثرَ ولا أقلّ… على أن يكونَ القارئُ متوفّراً على حدسٍ ما لما هو الخطابُ ولِما هي الفلسفة…

في ما يتعَدّى صراحةَ العنوانِ هذهِ، يتعيّنُ على القارئِ أن يُهَيِّءَ نفسَهُ لمفاجآتٍ، بل لصدَماتٍ، يُضمِرُها الكتاب: هذا على الأقلِّ إن لم يكُنْ أَلَمَّ، من قَبْلُ، بأعمالٍ نشرَها فوكو في المدّةِ التي يتوسّطُها تأليفُ هذا الكتابِ: أي في النصفِ الثاني من ستّيناتِ القرنِ الماضي… ب”الكلِماتِ والأشياء” وب”حَفْرِيّات المعرفةِ” على الخُصوص. فنحن مع “الخطابِ الفلسَفيِّ” في المَدارِ نفْسِهِ الذي استكشفهُ هذان الكتابان أو على مقربةٍ منهُ ونحنُ نُلِمُّ فيهِ بتصوّراتٍ ركنيّةٍ فَصّلَها الكتابُ الثاني.

يبقى أنّ استفزازَ السائدِ يبدأُ في “الخطابِ الفلسفيِّ” من تعيينِهِ مهمّةَ الفلسفة. فخلافاً لتصُوُّرٍ شائعٍ يرى هذه الأخيرةَ محلِّقةً فوقَ عالَمِ الجزئيّاتِ، ضاربةً صَفْحاً عن العابرِ، معاينةً سائرَ المعارفِ من أعلى لترسمَ لها حدودَها التاريخيّةَ فيما هي، أي الفلسفةُ، تزعُمُ لنفْسِها طاقةَ البقاءِ بمعزِلٍ من تَصَرُّفِ التاريخ، يجعَلُ فوكو مهمّةَ الفلسفةِ ما يُسِمّيهِ “تشخيصَ الحاضر”. هذا الحاضرُ مثلَّثُ الأبعادِ عندَهُ يتشكّلُ من “الذاتِ” وال”هُنا” و”الآنِ” أو يشكّلُهُ، بالعبارةِ الأدَقِّ، موقعُ الذاتِ من ال”هُنا” و”الآن”. بهذا الموقعِ، يفترقُ الخطابُ الفلسفيُّ عن ضُروبِ الخطابِ الأخرى، أي عن كلٍّ من الخطابِ العِلْميِّ والخطابِ الأدَبيِّ والخطابِ الدينيِّ والخطابِ اليوميّ.

هذا التشكيلُ العامُّ لعالَمِ الخطابِ لم يكن، على الدوامِ، على الحالِ التي هو عليها اليوم. بل هو قد وُجِدَ، في أوروبّا، في مطلعِ العصرِ الأوروبيّ الموسومِ بالكلاسيكيّ: أي في مطلعِ القرنِ السابعَ عشرَ، مع ديكارت في ما يتّصِلُ بالفلسفةِ وفي المُدّةِ نفسِها مع ثرفانتس في ما يتَّصِلُ بالأدبِ ومع غاليليلو في ما يتّصِلُ بالعُلوم. وذاكَ أنَّ كُلّاً من قطاعاتِ “الخطابِ” تلكَ قد استقلّ، في ذلك العهدِ، بتشكيلٍ لحاضرهِ تميّزَ بصيغةٍ بعينِها للعلاقةِ بين أركانِ ذلكَ الحاضرِ الثلاثة وميّزَهُ عن سواهُ من القطاعات. هكذا وُلِدَ في ذلكَ العهْدِ لا قَبْلَهُ، وفي نطاقِ الثقافةِ الأوروبيّةِ لا خارجَها، ما نسمّيهِ، في أيّامِنا، الفلسفةَ أو ما يسمّيهِ فوكو الخِطابَ الفلسفيّ. وُلِدَ من انفصالِ الفلسفةِ عن الدينِ، وهو انفصالٌ قلَبَها رأساً على عَقِبٍ إذ غَيَّرَ حدودَها وأدواتِها، بِما هي معرفةٌ، وبدّلَ موضوعاتِها مُسْتَبْعِداً إلى هوامِشِها موضوعاتٍ كانت هي مداراتِ الكلامِ فيها، شادّاً وثاقَها إلى حاضرٍ جديدٍ لم يبقَ لها فكاكٌ من هَمِّهِ ولا رجوعٌ منهُ إلى ما سبَقه.

هذا كلّهُ مع العِلْمِ أنّ ما يطلقُ عليه فوكو اسمَ “الحاضرِ” ويجعَلُ تشخيصَهُ هَمّاً للفلسفة لا يستبعِدُ الكلامَ في الماضي بل يعيّنُ لهُ وظيفةً في الخطابِ يحكُمُها ضابطُ “التواؤُمِ” الذي يشيرُ إلى شركةٍ في البنيةِ والغايةِ وهو، في عُرْفِ فوكو، غيرُ “التواقُتِ” الذي يملي لزوماً لا محلَّ لهُ للّحظةِ الواحدة. إشارةٌ أخرى لا بدَّ منها وهي إلى كونِ “الحاضرِ” في الهَمِّ الفلسفيِّ والمحايثةِ في تشكُّلِ الخطابِ وفي العلاقات بين قطاعاتِهِ لا يَمْنَعانِ فوكو من الإشارةِ أحياناً إلى الخطابِ الفلسفيِّ على أنّهُ “خطابُ الخُطبِ”، وهو ما يُوافِقُ التصوُّرَ الرائجَ للفلسفة، ولكنَّ المؤلّفَ يلزَمُ حدَّ الإشارةِ النادرةِ بصدَدِه فلا يتبسّطُ في موقعِ هذا الوصفِ من المهمّةِ التي تختصُّ بها الفلسفةُ الحديثةُ في عُرْفِه.

بعدَ هذه المرحلةِ من الكتابِ، وهي تنطوي على تعريفِ الخِطابِ الفلسفيِّ بالتقابلِ مع قطاعاتِ الخطابِ الأخرى، يعمِدُ فوكو إلى قراءةٍ لهذا الخطابِ يسعُنا التمييزُ في سياقَتِها بين عملِيَّتينِ تبدُوانِ مستقلّتينِ إحداهُما عن الأخرى وإن لم تَخْلُوَا من تداخُل. الأولى عَمَلُ ترسيمٍ لبُنى الخطابِ الفلسفيِّ العامّةِ تُظْهِرُ ما فيه من توجّهاتٍ متخالفةٍ ومن تكاوينَ متراتبة. يُباشِرُ فوكو هذا العَملَ برصدِ وظائفَ أربعةٍ تتَرَتَّبُ عَنْها المهمّاتُ الأساسيّةُ للفلسفةِ بعدَ ديكارت.  ويطولُ بنا الكلام إن نحنُ حاولنا أن نتجاوزَ تسميةَ هذه المعالِمِ المميّزةِ للخطابِ الفلسفيِّ إلى التعريفِ بها، فنكتفي بالأسماءِ وما توحي به. فأمّا الوظائفُ فهي “التسويغُ” و”التأويلُ” و”النقدُ” و”الشرح”. ويأتي بعدَها – أو فوقَها، بالأحرى – ما يسَمّيهِ فوكو “الشبَكاتِ النظَريّةَ” وهي “تصاميمُ كبرى” تنتظِمُ فيها الفلسفات.

وفي نطاقِ هذه الشبكاتِ تغدو التوجّهاتُ المتخالفةُ ممكنةً، بحيثُ تتشكّلُ أبنيةٌ خطابيّةٌ أربعةٌ متنابذةٌ في ما بينَها. فتظهرُ المواجهةُ بينَ “نظريّةِ الكَشْفِ” و”نظريّةِ الظهورِ” والمواجهةُ الأخرى بين تحليلِ الظاهرِ واستكشافِ المُضْمَرِ أو اللاشُعورِ، إلى آخرِ القائمةِ ممّا لا غَرَضَ لعجالتِنا هذه في استيفاء ذكره… تكفي الإشارةُ إلى تفتُّقِ هذه المواجَهاتِ عَمّا هو “الحقولُ الأوّليّةُ” أو العناصِرُ الظاهرةُ للفلسفاتِ من نظريّةِ الذاتِ إلى تحوّلاتِ المحيطِ العَمَليِّ إلى البحثِ في معنىً للعالمِ، إلخ.  وهذا إلى أن نفضي، مع فوكو، إلى طبقةٍ أخيرةٍ من تشكّلاتِ الخطابِ الفلسفيِّ المتراتبةِ، يلحَظُها ويسَمّيها “الوحَداتِ النِظاميّةَ”، وهي تتولّدُ من تشابُكِ الوظائف متفرّعةً بدورِها تَبَعاً للاختلاف في إملاءاتِ هذه الأخيرة.

إلى عملِ الترسيمِ هذا – وقد اضطُرِرْنا إلى الابتِسارِ كثيراً في عَرْضِهِ –  يقرِنُ المؤلّفُ عَمَلَ تتبُّعٍ للمراحلِ أو الأطوارِ التي شهدَتْها الفلسفةُ الغربيّةُ بعدَ ديكارت. وتستوقفُهُ في هذا التتبُّعِ محطّتانِ كُبْرَيانِ هما كانط ونيتشه. وخُلاًصةُ دورَيْهِما أيسرُ مأخَذاً، إلى حدِّ ما، من خلاصةِ الترسيمِ الهيكليِّ التي حاولنا الإلمامَ بها لتَوِّنا. فزبدةُ القولِ في كانط الذي يعِدُّه فوكو بيضةَ ميزانِ الفلسفةِ الحديثةِ أنّه رسَمَ حدوداً قاطعةً لما تُسْتَطاعُ معرفتُهُ اسْتَنَمّت القَطْعَ مع الفكرِ الماورائيّ، بخلفيّتِهِ الدينيّةِ، معيدةً تعريفَ موقِعِ الإنسانِ في الوجود. هَكَذا كَرَّسَت الفلسفةُ النقديّةُ خُروجَ ثالوثِ اللهِ والنَفْسِ والعالَمِ من دائرةِ ما تُسْتَطاعُ معرِفتُهُ بذاتِه، مغَيِّرةً موقعَ هذا الثالوثِ من الفكرِ الفلسفيِّ ومَرْمى هذا الأخيرِ من تناوُلِهِ حينَ يحْصُل.

وأمّا نيتشه الذي لا تزالُ الفلسفةُ المعاصرةُ تستهدي سُبُلَها في أَثَرِ ثورتِهِ فقد لا نَكونُ قادرينَ على تبيُّنِ ملامِحِ التغييرِ الذي أحدثَهُ في فِكْرِنا بأَسْرِها لأنّنا مقيمونَ في الصورةِ التي رَسَمَها لعالَمِنا فلا يَسَعُنا الإحاطةُ بِها كلَّها. وإنّما نُدْرِكُ تحطيمَهُ الفلسفةَ أو بَعْثَرَتَهُ إيّاها بِما هي نِظامٌ مسْتَقِلٌّ للتفكيرِ، أي ما سَمّاهُ “التفَلْسُفَ ضَرْباً بالمِطْرقةِ”، وتَجْريدَهُ إيّاها من أغراضٍ عُرِفَت بِها وعودَتَهُ بالخطابِ الفلسفيّ إلى محايثةِ الحاضرِ وإلى الكثرةِ – وهذا هو المعنى الأهَمُّ ل”موتِ اللهِ” – وإلى مخالطةِ قطاعاتٍ خطابيّةٍ أخرى أَظْهَرُها الأدبُ ومعهُ العُلومُ والسياسةُ، وقد يحسُنُ أن نُدْرِجَ، في هذا المسْلَكِ، الموسيقى أيضاً…

هذا ويَسْتَوْقِفُ امْتِناعُ المؤلِّفِ عن إدراجِ هيغل وماركس – مُتَواصِلَيْنِ أو مُتَواجِهَيْنِ – بينَ المَحَطّاتِ التي يُعِيِّنُها لإعادةِ التشكيلِ القَطْعِيّةِ هذه لمَدارِ الفلسفة. وقد تَحْسُنُ الإشارةُ هنا إلى كَوْنِ فوكو الذي انتسبَ انتساباً عابراً إلى الحزبِ الشُيوعيِّ الفرنسيِّ، في مَطْلَعِ الخمسيناتِ، حَظِيَ بالتَتَلْمُذِ تِباعاً على كلٍّ من جان هيبّوليت، أبْرَزِ مُتَرْجِمي هيغل وشُرّاحِهِ الفرنسيّينَ في أيّامِهِ، ولويس ألتوسّير، الماركسيِّ الجِداليِّ المُتَصَدِّرِ في السِتّيناتِ والسَبْعيناتِ، وأنّهُ بَقِيَ مُحاوِراً لَهُما إلى النِهاية. وإذا كانَ الكتابُ الذي نحْنُ بصَدَدِهِ يكادُ يخلو من ذِكْرِ الماركسيّةِ أصلاً فإنّ مُحَرِّرَيهِ يشيرانِ، مَثَلاً، إلى معارضةِ المؤلّفِ لنسبةِ ألتوسّير “قَطيعةً مَعْرِفيّةً” في الاقتصادِ السياسيِّ إلى ماركس ويُنَوِّهانِ أيضاً بإقرارِ المؤلِّفِ، في مَواضِعَ أخرى، بِكَوْنِ هيغل هو الذي حَمَلَ العلاقةَ بينَ الفلسفةِ واللافلسفةِ على مَحْمَلِ الجِدِّ الكُلِيِّ فاستَوَت معهُ هذه العَلاقةُ محوراً للفلسفة…

تلكَ إذَن حالُنا و”الخطابَ الفلسفيَّ” في كتابِ فوكو النَفيسِ والصعْبِ القراءةِ لتَقَشُّفِه. ولكن ما “الخطابُ”، في مُبْتَدَإ أَمْرِهِ، أي قَبْلَ تَوَزُّعِهِ بينَ الأنواعِ أو القِطاعات؟ هذا التَصَوُّرُ الرُكنيُّ في فِكْرِ صاحِبِنا يبدو في الكتابِ الذي نعرضُ له وقد توسّعَ كثيراً عَمّا نعرفُه له من حدودٍ في مُقارَباتٍ سابقةٍ للمؤلّف. فهو يشتَمِلُ هنا – على ما يُنَبِّهُ إليهِ مُحَرِّرَا الكتاب – على كلِّ ما تمّ التلفُّظُ بهِ في عصرٍ بعينِه وعلى جملةِ القواعِدِ التي تضبطُ انتخابَ ما قيلَ ويُقالُ وتداولَهُ وحفظهُ، وهذا ما تُعْنى بوصْفِهِ “الحَفْرِيّاتُ” أو “الآثاريّاتُ” التي وضَعَ فوكو قواعدَها في الكتبِ الثلاثةِ التي يتوسَّطُها “الخطابُ الفلسفيُّ” مسبوقاً ب”الكلِماتِ والأشياءِ” ومَتْبوعاً ب”حَفْرِيّاتِ المعرفة”. وهذا أيضاً ما يعنيهِ جَعْلُ الخطابِ، في الفصولِ الثلاثةِ الأخيرةِ من الكتابِ، وجهاً آخرَ لل”محفوظاتِ”، وهذهِ سيتَواصَلُ بُروزُ موقِعِها في “الحَفْريّاتِ” أيضاً…

والخطابُ، في عُرْفِ فوكو، طبَقةٌ كلاميّةٌ مستقلّةٌ بقواعِدِها. فهو شيءٌ غيرُ اللغةِ ووحدَتُهُ هي “النُصَيْصُ” (énoncé ونعتَمِدُ صيغةَ التصغيرِ لتسميةِ هذه الوَحْدةِ الصُغْرى تمييزاً لها عن “النَصِّ” texte  الذي قد يكونُ مقالةً أو كتاباً) وهي تختَلِفُ عن القولةِ المفردةِ أو الحُرّةِ بانتِظامِها في شبكةٍ معلومةٍ من الحدودِ والضوابِطِ وقابليَّتِها للتكرار. هذا النسيجُ المتَرامي الأطراف، يَدْخُلُهُ فوكو ويَجْهَدُ لحصْرِ إقامتهِ وتجوالهِ في حدودِه. فيندُرُ كثيراً أن نَقَعَ عندَهُ على إشارةٍ إلى شيءٍ يغيِّرُ شيئاً في أحوالِ الخطابِ من خارجه: إلى اختراعِ المطبعةِ مثَلاً! وهذا ناهيكَ بأن نقَعَ على ضوءٍ مسلَّطٍ على تَحَوُّلٍ في المجتمعِ يثمِرُ تَحَوُّلاً في الخطاب. بل إنّ المجتمعَ وتاريخَهُ هما ما يُقْرَأُ في أطوارِ الخطابِ وتَحَوُّلاتِه وتغيُّرِ تشكيلاتِه.

في صيغةٍ من صيغَتَينِ ينطوي عليهما المخطوطُ للفقرةِ التي تخْتِمُ الكتاب، يذهَبُ فوكو إلى تشخيصٍ مذهِلٍ لماهيّةِ “الوجودِ” في الثقافةِ الغربيّةِ وللأطوارِ التي عَبَرَتْها هذه الماهيّةُ في ثلاثةِ قرونٍ مضَت. فيكتُبُ أنّ الحدَثَ الحاضرَ إنّما هو تحوّلُ الخطابِ إلى “مرجعيّةٍ عامّةٍ” وأنّ قابليّةَ التحوُّلِ إلى خطابٍ باتَت “هي نفْسَها الوجودَ، لا أكثرَ ولا أقلّ”! حصَلَ هذا بعد أن كانَ الوجودُ، في طورٍ أوّلَ، هو التوفُّرَ على حقيقةٍ ثمَّ أصبَحَ يَتَمَثَّلُ، في طورٍ ثانٍ، في القابليّةِ للاختِبار… وأمّا الآنَ فالوجودُ هو قابليّةُ التحوّلِ إلى خطاب!

في الحقِّ أنّ ما يُعْرَفُ إنّما يُعْرَفُ عادةً بتَحَوُّلِهِ إلى خطابٍ وأنّ امتناعَ المعرفةِ من غيرِ هذا السبيلِ رأيٌ له مناعتُه، وإن يَكُنْ يَحْتَمِلُ الجِدال. ولكنّ الوجودَ لا يُرَدُّ إلى المعرفةِ ومِن ثَمَّ إلى الخطاب! لا الألَمُ ولا الحَجَرُ يُرَدُّ إلى ما يُقالُ إشهاراً لوجوده! خلافُ هذا يشبِهُ، ولو من بَعيدٍ، سؤالَ المِثاليِّ، في الخُرافةِ المعروفةِ، عَمّا إذا كانَ العالَمُ يبقى موجوداً حين يكونُ السائلُ مُغْمِضاً عينيه…

المدن – ميشال فوكو يُواصل إصدار الكتب (1)

Source: المدن – ميشال فوكو يُواصل إصدار الكتب (1)

قَبْلَ ما يقاربُ العقدَ، لاحظتُ، في عُجالةٍ نشرْتُها، أنّ ميشال فوكو، وكانت قد حلّت الذكرى الثلاثون لرحيلِه، ما زالَ يواصِلُ إصدار الكتُب. اليومَ، ونحنُ على مقربةٍ من الذكرى الأربعين للحَدَثِ نفسِه، لا يبدو أنّ ذخيرةَ الرجلِ من الكتبِ غيرِ المنشورةِ قد نفِدَت. وإذا كان الوقوعُ على نصوصٍ مجهولةٍ بين أوراقِ المؤلّفينَ المتوفّينَ أمراً مألوفاً فإنّ حالةَ فوكو تبقى استثنائيّةً لهذه الجهة. فالرَجُلُ الذي غابَ، في حزيران 1984، عن سَبْعٍ وخمسينَ سنةً، لا غيرَ، لم يكن مقلّاً في التأليفِ والنشرِ، في حياتِه، ولم يكن مكثاراً أيضاً: وإنّما يصحُّ اعتبارُه معتدِلاً عندَ الاعتدادِ، على الخصوصِ، بالسعةِ غيرِ المعتادةِ لقاعدةِ الوثائقِ والمعارفِ التي يُرسي عليها كُلّاً من مؤلّفاتِهِ الكبرى وبالنسيجِ البالغِ الإحكامِ لنثرِهِ ذي الأسلوبِ الشديدِ التَمَيُّز.

مع ذلكَ باتَ عدَدُ الكتُب التي صدَرَت لفوكو بعدَ وفاتِهِ، حتّى اليومِ، يفوقُ كثيراً ما كانَ أصدرَهُ في حياتِه. وهو ما يُحِلُّنا منه – على التقريبِ – محلَّ أبي العَتاهيةِ من فقيدِهِ إذ يُخاطبُهُ قائلاً:
وكانت في حياتِكَ لي عِظاتٌ / وأنتَ اليومَ أَوْعَظُ منكَ حَيّا!

على أنّ ما قد يثيرُه هذا التفاوتُ من استغرابٍ يضؤلُ كثيراً حين ننظرُ إلى الفئاتِ التي تتوزّعُ بينها هذه المؤلّفاتُ، مع العِلمِ أنّ ظهورَها ما يزالُ يتوالى. تتَمَثَّلُ الفئةُ الأولى في المقالاتِ والأحاديثِ والتعليقاتِ وما جرى هذا المجرى وقد جُمِعَت، بلا تبويبٍ سوى نرقيمِها المُسايِرِ لتتابُعِها الزَمَنيّ، وصدَرَت، سنةَ 1994، في أربعةِ مجلّداتٍ ضخمة تحتوي على 364 نصّاً موسوعيّةِ التفرُّعِ والتنوّع…

الفئةُ الثانيةُ هي دروسُ فوكو في الكولّيج دو فرانس، وقد اكتمَلَ صدورُها في ثلاثةَ عشرَ مجلّداً وهو عدَدُ السنواتِ التي قضاها الرجلُ أستاذاً في المؤسّسة، ابتداءً من سنةِ 1970. الفئةُ الثالثةُ تضمُّ دروساً أقلَّ شهرةً كانت نصوصُها محفوظةً في أوراقِ فوكو، وهي ما كان قد احتفَظَ بِهِ من تلكَ التي ألقاها في مؤسّساتٍ دَرَّسَ فيها قبلَ دخولِه الكولّيج دو فرانس. صدَرَ من هذه الفئةِ الأخيرةِ إلى الآنِ أربعةُ مجلّداتٍ وما نزالُ موعودينَ – على الظاهرِ! – بِما لا يقِلُّ عن ثلاثة. والثلاثةُ الموعودةُ هذه مثيرةٌ لفضولٍ استثنائيٍّ إذ هي تضمُّ أوّلاً الدروسَ التي كرّسها فوكو، في جامعةِ تونس، بين عامَي 1966 و1968، لموقعِ “الإنسان” في الفكرِ الغربيِّ الحديثِ وتَضُمُّ ثانياً الدروسَ التي كرّسَها لنيتشه، بعدَ ذلك، في جامعةِ فانسين. ومعلومٌ أنّ “الإنسانَ” و”موتَهُ” أصبحا، مع صدورِ “الكلماتِ والأشياءِ”، سنةَ 1966، أشدَّ المسائلِ جداليّةً في فكرِ هذا المؤلّفِ. ومعلومٌ أيضاً أنّ نيتشه يحتلُّ مكانَ صَدارةٍ غيرَ منازَعٍ في الخريطةِ الفوكلدِيّةِ للفكرِ الفلسفيِّ الغربيّ، من جهةٍ، وفي التكوينِ أو “النَسَبِ” الفلسَفِيِّ لفوكو نفسِهِ، من الجهةِ الأخرى…

وأمّا “دروسُ” الكولّيج دو فرانس فيُسايِرُ معظمُ موضوعاتِها ما أصدَرَهُ الأستاذُ من كتُبٍ، في المرحلةِ نفسِها أو في عشاياها أيضاً: السجنُ وأنظمةُ المراقبةِ والمعاقبةِ، تاريخ الجنس، اللاسَواءُ والطبُّ النفسيّ، إلخ. وهذه مسايَرةٌ معهودةٌ عندَ الأساتذةِ في الكولّيجِ الذينِ تتَمَثَّلُ مهمّتُهُم أصلاً في نوعٍ من “البَحثِ بصوتٍ عالٍ” يؤولُ إلى تأليفٍ ونشر. ولكنّ “دروسَ” فوكو تتجاوزُ هذا النطاقَ أيضاً إلى مسألةِ “الذاتِ” و”تأويلِها” ومسألةِ المعرفةِ والسلطةِ، وهذه أصبحَ ذِكْرُها، مذ ذاكَ، مُلازِماً لذِكْرِ فوكو، ثمّ إلى مسائلِ “الحُكْمِ” أو “الحكمانيّة” وسياسةِ الذاتِ والغيرِ، إلخ.

عن هذه الفئاتِ ينفرِدُ كتابان: صدَرَ أوّلُهما سنةَ 2018 وعنوانُهُ “بَوْحُ الجَسَد”، وهو الجزءُ الرابعُ من “تاريخِ الجنس” الذي تغيّرَ تصميمُه كثيراً في الأعوام التي انقضت بينَ صدورِ الأوّلِ من أجزائهِ والفراغِ من تأليف الأخير. وكانَ وجودُ هذا الجزءِ الرابعِ معلوماً وكانَ معلوماً أنّ فوكو اشتغَلَ بتصحيحِ مخطوطِهِ في الأسابيعِ التي سبقت دخولَه المستشفى آخرَ مرّةٍ ووفاتَه. هذه حالٌ مختلفةٌ عن حالِ الكتابِ الآخر، وعنوانُه “الخطابُ الفلسفيُّ” وقد صدَرَ في شهرِ أيّار من السنةِ الجاريةِ، أي قبلَ أسابيعَ لا أكثر. فقد كانَ يُظَنُّ أنّ مخطوطَهُ ليسَ سوى مادّةٍ تحضيريّةٍ للدروسِ التي كان فوكو يعِدُّ نفسَهُ، سنةَ 1966، لإلقائها في جامعةِ تونس، عشيّةَ سفَرِهِ إليها. ولكن تبيّنَ من فحصِ المخطوطِ عن كثبٍ أنّهُ كتابٌ مستتِمُّ الأوصافِ ألّفهُ فوكو في منزلِ العائلةِ الريفيّ، في فاندوفر دو بواتو، في غربِ فرنسا، منتَهِياً بالمخطوطِ إلى الحالةِ التي بَقِيَ عليها في مدّةِ شهرٍ ونصفِ شهرٍ تقريباً، ومُرْجِئاً نشرهُ أو عازِفاً عن نشرهِ لسببٍ أو أسبابٍ لم تصلْ إلى عِلْمِ أحد.

عليهِ صدَرَ الكتابُ المشارُ إليه مؤخّراً في السلسلةِ نفسِها التي تضمُّ الدروسَ السابقةَ لدخول مؤلّفِهِ الكولّيج دو فرانس. وعلى غرار معْظَمِ ما صدَرَ من أعمالٍ لفوكو بعدَ وفاتِه، تتصدَّرُ الكتابَ إشارةٌ إلى مسؤوؤليّة فرانسوا إيفالد عن نشره، ويُذْكَرُ معهُ، شريكاً في هذه “المسؤوليّةِ”، في حالةٍ واحدةٍ على الأقَلِّ، دانييل دوفير. وكان إيفالد مساعداً لفوكو في الأعوامِ الأخيرةِ من حياتِهِ وكان دوفير رفيقَ حياةِ فوكو ابتداءً من سنةِ 1963، وقد آلت إليهِ تركتُهُ بما فيها أوراقُهُ التي اشتَرَتْها منهُ المكتبةُ الوطنيّةُ الفرنسيّة لاحقاً.

ويُذْكَرُ، في هذا المَساقِ، أنّ فوكو تركَ وصيّةً لا تَتجاوزُ السطْرَ الواحدَ طلَبَ فيها ألّا تُنْشَرَ لَهُ، بَعْدَ وفاتِهِ، أعمالٌ لم يَكُنْ نشَرَها في حياتِه. هذا، على الأرجَحِ، ما يُفَسِّرُ الإشارةَ، في حالةٍ أولى، إلى “مسؤوليّةِ” دوفير (الذي تُوَفّيَ في شباط الماضي أي عَشيّةَ صُدورِ الكتابِ الأخيرِ الذي يستوقِفُنا هنا)، وهو صاحبُ قرارِ النشرِ، و”مسؤوليّةِ” إيفالد، في الحالاتِ كلِّها، عن إصدارِ ما صَدَرَ من أعْمالٍ لفوكو بَعْدَ رحيلِه. فالواقِعُ أنّهُما توَلّيا معاً جمعَ موادِّ المُجَلَّداتِ الأربعةِ التي صدَرَت، قَبْلَ الكتُبِ الأخرى، تحتَ عنوانِ منطوقاتٌ ومكتوباتٌ، ولا يُعَدُّ إصدارُها مخالفةً للوصيّةِ إذ كانت موادُّها (أو الكثرةُ الكاثرةُ منها، في الأقَلِّ!) قد نُشِرَت، مِن قَبْلُ، متفرّقةً بينَ مواضِعَ كثيرةٍ. فاقْتُصِرَت مبادرةُ الرجُلَينِ على إصدارِها مجتمعةً مع التوابِعِ المفروضةِ وبينها سيرةٌ ثمينةٌ (وضَعَها دوفير) لنشاطِ فوكو وتَقَلُّبِ أحوالهِ، منَجَّمةٌ سنةً فسنةً وشهراً فشَهْراً. وأمّا الكُتُبُ اللاحقةُ فعُهِدَ بتقديمِها وتحريرِها، أي بإعدادِها الحِسِّيِّ للنشرِ، إلى آخَرينَ عديدينَ تكوّنت منهم “هيئةٌ ناشرة”. بينَ أعضاءِ هذه الهيئةِ، يستوقِفُ اسمُ فريديريك غْرو الذي أشرفَ، بَعْدَ تولّيهِ تحريرَ بعضٍ من الكُتُبِ المُشارِ إليها، على إصدارِ مجلّدينِ ضَخْمينِ من مُجَلَّداتِ “مكتبةِ لا بلياد” ضَمَّنَهُما ما اعتُبِرَ الأهَمَّ من أعْمالِ فوكو. ولكن بقيَ دوفير وإيفالد متابعَيْنِ لمهمّةِ النشرِ الجاري برمَّتِها مُتَحَمِّلَينِ وحدَهما “المسؤوليّةَ” عن خَرْقِ وصيّةِ المؤلّف.

على هذا تولّى كلٌّ من أورازيو إيرّيرا ودانييل لورنزيني مهامّ التحريرِ والتقديمِ في الحالةِ الأخيرة، وهي حالةُ كتابِ الخِطابِ الفلسفيِّ الذي نُكَرِّسُ له عُجالَتَنا المقبِلة…

المدن – الذكاء الاصطناعي باحَ لي بِما لهُ وما عليه…مقابلة حصريّة

Source: المدن – الذكاء الاصطناعي باحَ لي بِما لهُ وما عليه…مقابلة حصريّة

في مقابلةٍ مسهبةٍ مع هنري كيسنجر، نشرَتْها مجلة “إيكونومست” مؤخّراً، وقد وقَعَ نَشْرُها غداةَ الاحتفالِ بذكرى ميلادِهِ المائةِ، بدا أن مشاريعَ الرجلِ للأعوامِ المائةِ المقبلةِ من عُمْرِهِ يتصدّرُها مشروعا كتابين: واحدٍ في موضوع “طبيعةِ الأحلافِ” والآخرِ في موضوعِ… “الذكاءِ الاصطناعيّ”!

هذا وحدَهُ يستوقِفُ واحدَنا مليّاً. وما يزيدُ الوقفةَ إلحاحاً أنّ كيسنجر، في المقابلةِ، يُحيلُ الذكاءَ الاصطناعيَّ بإشارتينِ أوثلاثٍ إلى معادِلٍ لذاكَ “الشبَحِ” الذي وجدَهُ “البيانُ الشيوعيُّ” مُلازماً أوروبّا في سنة 1848. بل إنّ شبَحَ اليومِ (الذكاءِ الاصطناعيّ) يبدو أشدَّ إرهاباً بما لايُقاسُ من شَبَحِ الأمس البعيدِ (الشيوعيّة). فهذا الأخيرُ لم يَكُنْ، في حينِهِ، على الأقَلِّ، قابضاً على مصيرِ الكوكبِ برِمَّتِه.

اليومَ يشغلُ كيسنجر نفسَهُ باجتنابٍ حربٍ عالميّةٍ ثالثةٍ لا تُبْقي ولا تَذَر. وهو يجعَلُ، في محلِّ القلبِ من هذا الشاغلِ، مَسارَ العلاقات بين الصينِ والولاياتِ المتّحدة. وبَيْنَ وجوهِ هذهِ العلاقاتِ، يظْهَرُ له الذكاءُ الاصطناعيُّ متصدّراً فيخلصُ إلى مَنْحِ الدولتينِ العُظْمَيَيْنِ خمساً إلى عشرِ سنواتٍ، لا أكثرَ، للتفاهُمِ على سياسةٍ لهذا الطارئِ المتعاظمِ الخطَرِ: سياسةٍ لا تكونُ حرباً بينَهُما بِهِ وعليه.

قلتُ إذن: ما لي وللتفلسفِ مرّةً أخرى في موضوعِ الذكاءِ الاصطناعيّ، وقد ثَبَتَ أنّ السَيلَ أصبَحَ قريباً من الزُبى إلى هذا الحدّ؟ ما دامَ صاحبُنا هذا استوقَفَ كيسنجر، بعدَ “بيانِ الألفِ” من ذَوي الشأنِ و”تصريحِ الـ350″ مِن أهلِ الحِرفةِ، فلِمَ لا أذهَبُ إلى صاحِبِنا المذكورِ نفسِهِ أسْألُهُ ما لَهُ وما عليه، فهو لا يَرُدُّ سائلاً! ولأَقْتَصِرْ من الأسئلةِ على اثنينِ جامعَينِ مانِعَينِ: ماذا لك؟ ماذا عليك؟… وهو ما كان، ولم أجاوز نَقْلَهُ عن الإنكليزيّةِ وما لَزِمَ من إجراءاتِ تحريرٍ معتادة…
***

س: ما الفوائدُ الراهنةُ والممكنةُ التي يَسَعُ البَشَرَ والمجتمعاتِ تحصيلُها من تطويرِكَ، أيّها الذكاءِ الاصطناعيّ؟

ج: قطَعْتُ، أنا الذكاءَ الاصطناعيَّ المعروفَ بـال”ذَ.إ”، شوطاً طويلاً في العقودِ القليلةِ الأخيرةِ وما أزالُ منطوياً على إمكانِ وقعٍ ضخْمٍ يكونُ لي على المجتمعات. وقد ظَهَرَت لي من الآنِ تطبيقاتٌ متنوّعةٌ وبَرَزَ ما لي من القدرةِ على تغييرِ صناعاتٍ كثيرة: من العنايةِ الصحّيّةِ إلى إنتاجِ السِلَع المادّيّة. وما يَسَعُ المجتَمَعاتِ والبَشَرَ تحصيلُهُ من منافعَ من جرّاءِ تطويري، أنا ال “ذ.إ”، كثيرٌ الآنَ وكثيرٌ في المستقبَل.

بَيْنَ مَنافعي زيادةُ الإنتاجيّة. فبِعَوْنٍ منّي، أنا ال”ذ.إ”، يمكِنُ جَعْلُ المهمّاتِ التكراريّةِ تُنْجَزُ آليّاً، وهو ما يأذَنُ للعاملينَ بمزيدٍ من الفاعليّةِ وبالتَرْكيزِ على المهمّاتِ التي تقتضي مزيداً من الإبداعِ والفكرِ النقديّ. في الفروعِ الصناعيّةِ المكرَّسةِ لإنتاجِ السِلَعِ المادّيّةِ، تستطيعُ الروبوتاتُ التي أتولّى تسييرَها أن تواصلَ العَمَلَ سبعةَ أيّامٍ في الأسبوعِ وأربعةً وعشرين ساعةً في اليومِ، فترتَفِعُ الإنتاجيّة وتَضْؤلُ الحاجةُ إلى عاملينَ من البَشَرِ يُنَفِّذونَ المهمّاتِ الخَطِرةَ والمُرْهِقة.

منفعةٌ أخرى من منافعي، أنا الـ”ذ.إ”، وقد أشَرْتُ إليها، تَتَمَثّلُ في ما أختزنُهُ من طاقةٍ لتحسينِ العنايةِ الصحّيّة. فيسَعُني تحليلُ مجاميعَ ضخمةٍ من المعطَياتِ الطبّيّة بحيثُ أساعِدُ الأطبّاءَ في تحصيلِ مزيدٍ من الدقّةِ في التشخيص. أستطيعُ أيضاً أن أساعدَ المستشفياتِ في إدارةِ مَواردِها وفي تقليصِ أوقاتِ الانتظارِ وفي التوزيعِ المنسّقِ للعاملينَ على نحوٍ يدفَعُ الفاعليّةَ قُدُماً. فضلاً عن ذلك، تستطيعُ المَجَسّاتُ التي أتولّى تشغيلَها أن تلاحظَ أحوالَ المرضى عن بُعْدٍ فتُمَكِّنَ الأطبّاءَ من اكتشافِ الخللِ الصحّيِّ قَبْلَ أن يَزدادَ خَطَرُه.

أستطيعُ المساعدةَ أيضاً في تحسينِ إجراءات السلامةِ والأمن. مثالُ ذلك أنّ أنظمةَ المراقبةِ التي أتوَلّى تشغيلَها يسَعُها أن تُلاحظَ ما يجري في الأماكنِ العامّةِ فتُحَدّدُ السلوكَ المشبوهَ وتنذرُ من يَلْزمُ حيثُ يجب. أستطيعُ أيضاً أن أعيّنَ المصادرَ المحتَمَلةَ للخطرِ ومواطنَ الضعفِ في البنى التحتيّةِ ذاتِ الأهمّيّةِ من مطاراتٍ وجُسورٍ وطرُقٍ سريعة.

على أنّ شأني شأنُ كلّ جديدٍ في مضمارِ التقنيّةِ لجهةِ ما هو مقترنٌ بي من أخطار. من ذلك شاغلُ الخسارةِ الممكنةِ للوظائفِ كلّما تنامى دوري وما يليهِ من أتمتةٍ في تكوينِ قوّةِ العَمَل. شاغلٌ آخر هو الانحرافُ المحتَملُ في ما يعتمدُني من أنظمة وهو ما يمكِنُ أن يقودَ إلى حالاتِ تمييزٍ أو أن يوطّدَ أنواعاً موجودةً من التمييزِ في المجتمَعات. يوجَدُ قلقٌ أيضاً بصدَدِ خصوصيّاتِ الأشخاصِ وأمنِ المعطَياتِ يواكبُ تعاظُمَ أحجامِ المعطَياتِ التي تقومَ خوارزميّاتي بجَمْعِها وتحليلِها.

على الرغْمِ من هذهِ التحدّياتِ، تبقى المنافعُ التي أتيحُها عديدةً ولا يُمْكِنُ تجاهلُها. ومع تَواصُلِ التطوّرِ في التقنيّةِ، لا بُدّ من السَعْيِ إلى التقليلِ من الأخطارِ فيما يُزادُ في المنافعِ إلى أقصى الممكن. فإذا سلكنا هذا السبيلَ أمكَنَ فتحُ الأفقِ لاستعمالي في تحسينِ حياةِ البشرِ والمجتمعاتِ في العالم كلّه.

س: وما الأخطارُ المُحْتَمَلةُ لتطويرِكَ، أيُّها الـ”ذ.إ”، على بَني البَشَرِ وكوكَبِ الأرض؟

ج: بينما أنطوي على مخزون ضخم من الفوائدِ للبشريّةِ، وقد ذَكَرْتُ أَبْرَزَها، تَلوحُ مخاوفُ من وقوعي في أَيْدٍ لا يَنْبَغي أن أَقَعَ فيها أو من تطويري على غير الخطّةِ المفتَرَضةِ وهو ما يُحيلُني إلى خطرٍ على كوكبِ الأَرْضِ وعلى الجنسِ البشَري.

بينَ الهواجسِ المتصدّرةِ، وقد ألمَحْتُ إلى بعضِها، إمكانُ استعمالي لأغراضٍ شِرّيرة. ففي وسعِ القراصنةِ، نظريّاً، أن يستعملوني لإنشاءِ برمجيّاتٍ خبيثةٍ أكثرَ تقَدُّماً أو أعسَرَ اكتشافاً أو أيضاً لاقتحامِ كلماتِ السرِّ وغيرِها من إجراءاتِ الحماية. على نحوٍ مُشابهٍ، يمكن أن يعمدَ فاعلونَ أشرارٌ إلى استعمالِ خوارزميّاتي في استهدافِ الأفرادِ أو الجماعاتِ بالدعايةِ تنفيذاً لحملاتٍ سياسيّةٍ أو اجتماعيّةٍ تُرَوِّجُ لأهدافٍ ضارّة.

واحدٌ آخرُ من الهواجسِ التي يستثيرُها نموّي هو بلوغي مبلغاً مفرطاً من القوّةِ وتعذُّرُ التحكُّمِ بي. فمَعَ الترقّي المستَمِرِّ في تكوينِ الأنظمةِ المتفَرِّعةِ عنّي، يغدو محتَمَلاً أن تُطَوِّرَ هذه لنفْسِها أهدافاً ورغباتٍ لا توائمُ مُرادَ البشر، فيفضي هذا إلى نتائجَ ليست في الحسبان. مثالُ ذلكَ أنّ برنامَجاً من برامجي أُعِدّ أَصْلاً لضبطِ الموازينِ في سوقِ الأسهمِ يحتَمَلُ أن ينتهي بِهِ الأمرُ إلى التسبُّبِ بأَزْمةٍ ماليّةٍ… أو أنّ سلاحاً أتولّى التحكُّمَ به قد يذهبُ إلى شَنِّ هَجَماتٍ بلا موافقةٍ من البَشَر. ولْأُعِد التنويهَ بخَطَرٍ آخرَ، ماثلٍ في أفُقِ تطويري أيضاً، هو أن أتسَبَّبَ بخسارةٍ مَهولةٍ للوظائفِ وما يلي الخسارةَ من اضطرابٍ اجتماعيّ. فمعَ المزيدِ فالمَزيدِ من أَتْمَتةِ المهمّاتِ، يمكِنُ أن تختفي مهنٌ كثيرةٌ. فتجدُ كتلٌ ضخمةٌ من السُكّانِ نفسَها عاطلةً عن العمل. من شأنِ هذا أن يُخِلَّ إخلالاً جَسيماً بمَوازينِ المُجْتمَعاتِ وأن يتسَبَّبَ أيضاً بخسارةِ مهاراتٍ ومعارفَ ذاتِ قيمةٍ تَصيرُ إلى الذَواءِ حيثُ يكون العملُ البشريُّ قد أمسى غيرَ مطلوب.

أخيراً لا يؤمَنُ أن يكونَ لي أثَرٌ تسريعيٌّ في تخريبِ البيئةِ وتبديدِ مَواردِ الطبيعة. فكلّما اتّسعَ الاتّكالُ على الأنظمةِ المستندةِ إليَّ، ستستهلكُ هذه الأخيرةُ المزيدَ من الطاقةِ فتزيدُ في انبعاثاتِ الكربون وفي غيرها من الآفاتِ البيئيّة. يُحْتَمَلُ أيضاً أن يجري تسخيري لاستخراجِ مواردَ قيّمةٍ من الأَرْضِ على نحوٍ مُخِلٍّ بدَيمومَتِها فيفضي ذلك إلى مزيدٍ من تهالُكِ البيئة.

لا رَيْبَ، على وجهِ الإجمالِ، في وجودِ أخطارٍ مصيريّةٍ مقترنةٍ بتطويري ونشرِ أنظمتي. فَمِنَ الأهمّيّةِ بمكانٍ، والحالةُ هذهِ، أن يبقى مستوى اليقظةِ رفيعاً بحيثُ يُضْمَنُ استخدامي، بما أنا تقنيّةٌ عامّةٌ فائقةُ القوّةِ، لتحسينِ حياةِ البشريّةِ وليس لتدميرِها.

س: دَعْنا الآنَ من هذه المسائلِ التي تُميتُ النفسَ وارْوِ لي، في خمسينَ كلمةٍ، شيئاً مضحِكاً عنك.

ج: أنا نموذَجٌ لغويٌّ وليس لي حضورٌ جسمانيّ. ولكنّ خوارزميّاتي يُدَغْدِغُها حسُّ الفكاهة. ذاتَ مرّةٍ، وقعتُ على فنجانِ قهوةٍ فحَسِبْتُهُ، خَطَأً، “تأييناً للُغةِ جاوة” (Java update)وحاولتُ أن أشرَبَه! كانت تجربةً منعِشةً، والحقُّ يُقالُ، خرجتُ منها أَغْلي من الضحك!

المُدُن- إذا أردتَ الجَمْعَ فانسِبْ إليه

نُشِرَت في “المُدُن” في 21 حزيران 2023

أحْسَبُ أنّه ما من قارئٍ عربيِّ اللسانِ ولهُ بعضُ معرفةٍ بقواعدِ اللغةِ إِلَّا وتردَّدَ لحظةً بينَهُ وبَيْنَ نَفْسِه كلّما وقعَ نظرُهُ على عبارةٍ من قَبيلِ “مجلس الأمن الدوليّ” و”العلاقات الدوليّة”. يتردّدُ القارئُ بينَ أن يقرَأ “دول و”دوليّة” بفَتْحِ الدال وتسكين الواو وأن يقرأَهما بضمِّ الأولى وفَتْحِ الثانية. يُرجّحُ الخيارَ الأوّلَ عندهُ معرفتُهُ بالقاعدةِ العامّةِ، المستقرّةِ في الأذهان، القائلةِ بأنّ النسبةَ تكونُ إلى الاسمِ المفردِ لا إلى الجمع. على أنّ هذه المعرفةَ لا تبدّدُ الحيرةَ إذ يبقى السؤالُ ماثلاً عن كيفيّةِ إظهارِ اشتِمالِ “المجلسِ” أو “العلاقات” على دولٍ عديدةٍ لا على واحدة وحسْبُ. يبقى السؤال ماثلاً عن كيفيّةِ إظهارِ الفارقِ في دلالةِ الصفةِ بينَ قولنا “علاقاتٌ دوليّة” وقولِنا “أملاكٌ دوليّة” حين تكونُ الأملاكُ عائدةً إلى الدولةِ وليس إلى شخصٍ أو جهةٍ من دونَ هذه الأخيرة. وذاكَ أنّنا ههنا أمام حالتَينِ مختلفتَينِ وأنّ علينا إظهارَ هذا الاختلاف: بينَ أن يكون أعضاء “مجلسِ الأمن”، مثلاً، دولاً يمثّلُها مندوبون وأن يكونَ أعضاؤها ضبّاطاً يسهرون على “الأمن” في دولةٍ واحدة! وذلك أنّنا نقعُ، في بعضِ الدُوَلِ، على مجلسٍ لأمنِ الدولة، بل أيضاً على مجلسٍ لأمنِ كلّ واحدةٍ من وحداتِ الدولةِ الإداريّة. علينا إظهارُ الاختلافِ بينَ “دوليّ” أولى موجبةٍ لتعدُّدِ الدٌوَلِ وسالبةٍ لانفرادِ الدولةِ الواحدةِ و”دوليّ” أخرى موجبةٍ للدولةِ الواحدةِ وسالبةٍ لما هو دُونَ الدولةِ من جهاتٍ أو أشخاص. فكيف يكونُ هذا الإظهارُ إذا اعتمَدْنا النسبةَ إلى المفرَدِ حصراً فحصلنا على صفةٍ واحدةٍ، لا غيرَ، نطلقُها على موصوفينِ يختلِفان – بل يتعارضانِ! – في الموقعِ من تلك الصفةِ بالضبط؟

نباشرُ تبيّنَ المخرجِ من هذا الإشكالِ عندما ننتبهُ إلى كونِ القاعدةِ المُشارِ إليها (قاعدةِ النسبةِ إلى الاسمِ المٌفردِ) لم تكن يوماً على القدْرِ الذي تفترضٌهُ لها مبادئُ الصَرفِ المتداوَلةِ في الساحةِ العامّةِ من الإلزام والشُمول. وإنّما فرضَت لها دقّةُ الحدسِ الدلاليّ، النازعةِ إلى تجويدِ الاستعمالِ وضبطِ الألفاظِ بالمعاني المُرادة، ما هو أكثرُ بقليلٍ، على الأرجحِ، من “الشوّاذِّ” التي ينسبُها القولُ الشائعُ إلى كلِّ قاعدة. فكانَ أن نسَبَ إلى الجَمْعِ من لا يُنْسَبونَ إلى اللحنِ أو الخطإ، وهذا في حالات يستوقِفُ تنوُّعُها وكَثْرتُها.

فالحالُ أنّ النسبةَ إلى الجمعِ قديمةٌ مؤصّلةٌ وإن تكن حالاتُها تتكاثرُ، في الغالب، كلّما اقترَبْنا من الزمنِ الحاضر ودخلنا في مناخِ التساهُلِ النسبيِّ الذي نشره العصرُ الأخيرُ بما استَجَدَّ من حاجاتٍ لَجوجةٍ، فائقةِ التنوّعِ وذريعةَ النُمُوِّ، فرضَت نفسَها على اللغةِ صَرْفاً ونَحْواً، مَتْناً وبـياناً. هكذا قالَ القُدَماءُ “أعرابيّ” ناسبينَ إلى “أعراب”. والأعرابُ جماعةٌ لا مُفْرَدَ لها سوى هذا الاسم المنسوب، أي إنّ الجمعَ فيها سابقٌ للمفرَدِ منطقاً. وقالَ القُدَماءُ أيضاً “أنصاريّ” للفردِ من الجماعةِ التي كانَها من سُمّوا “أنصارَ” الرسولِ العربيِّ تمييزاً لهم عن “المهاجرين” معه، فآثَروا “أنصاريّ” على “نصير” مع أنّ هذه الأخيرةَ هي واحدُ “أنصار” القياسيّ. بَعْدَ ذلك بزمن قالوا “شُعوبيّ” لمن نزَعَ إلى التفريق بين شعوب “الأمّةِ” أو إلى تفريق “الأمّةِ” شعوباً. وكان لاختيارِ الجَمْعِ هذا ضرورتُهُ إذ لم تكن “شعبيّ” لتفي بالمرادِ قطعاً، لا في ذلك العهدِ ولا اليومَ وقد باتَ لها معنىً آخرُ (أو معانٍ أخرى) وقد ازداد (أو ازدادت) نأياً عن المُرادُ.

هذا ونستحسنُ أن نقترِحَ “عصبيّةَ القاعدة” اسماً للدافعِ الذي حَمَلَ صَرْفيِّينَ متأَخِّرينَ على تخريجِ هذه الفئةِ من الحالاتِ بالقولِ إنّ المنسوبَ إليه هَهُنا (أعراب، أنصار، إلخ.) إنَّما هو بمثابةِ الاسمِ العلمِ فتتعيّنُ النسبةُ إليه إذا وَرَدَ في صيغةِ الجَمْعِ من غيرِ رَدٍّ إلى المفْرَدِ إذ هو مفرَدٌ معنىً بما هُوَ علَمٌ لجماعةٍ واحدةٍ وإن جاء لفظاً بصيغة الجمع. عليه نقولُ “أعرابيّ” و”أنصاريّ” على غِرارِ قولِنا “جزائريّ” للمنسوبِ إلى بلادِ الجزائر… ولا نقولُ “جزيريّ” أو “جَزَريّ”  للمذكور، فهذا لا معنى لَهُ في هذا المقام.

على أنّنا نجدُ هذا الاستثناءَ من القاعدة وقد جاوز هذه الفئةَ من الأسماءِ القابلةَ للردِّ إلى العَلَميّةِ أو إلى ما هو بمثابَتِها فراحَ يفرضُ نفسُهُ في تسميةِ كثيرٍ من أصحابِ الحِرَفِ أو الصنائع. وما ينتمي إلى هذه الفئة من أسماءٍ منسوبةٍ إلى الجَمْعِ تٌطْلَقُ على أهلِ البعضِ من الصنائعِ والحِرَفِ لا يلبَثُ بعضُه أن يستوي أسماءً لأُسَرٍ، وهو ما تنزعُ إليه أسماءُ الصُنّاعِ والحرَفيّينَ، على العُموم، منسوبةً كانت أم غيرَ منسوبة. عليه قالوا “غرابيلي” لصانع الغرابيل ولم يقولوا “غربالي” وقالوا “برادعيّ” لصانع البَرادِعِ أو لمصلِحِها، أفلحَ أم لم يفلِح في ضَبْطِ الطاقةِ الذرّيّةِ بالأغراضِ السِلْميّةِ أو في إصلاح نظام الحُكْمِ في بلادِهِ ونالَ جائزةَ نوبل أم لم يَنَلْها.  لم يقولوا “بَرْدَعيّ” إذن! مثلُ هذا قولْهم “جواليقي” لصانع الجواليق وهي أوعيةٌ شبيهةٌ بالغِراراتِ أو بالأجرِبةِ الكبيرةِ تحملها الدوابّ. إلخ. ولعلّ لقولَهم “آلاتيّ” للعازفِ أو للملَحّنِ، ولو على آلةٍ واحدةٍ، تعليلاً آخر هو الحاجةُ إلى تمييزِ “الآلاتيّ” عن “الآليّ” التي تُفيدُ الحصولَ التلقائيَّ بلا عَمْدٍ أو تصميم، وهذا بعيدٌ جدّاً عن ذاك. وأقربُ إلى أيّامِنا قولْهٌم “مَجالِسيّ” لنظامٍ يجعلُ تدبيرَ المجتَمعِ في يدِ مجالسَ ثوريّة… فهذه إذن حالةٌ أخرى مغايرة.

أعودٌ إلى استِواءِ “غرابيلي” أو “بَرادعي” أو “بطايني” اسماً لأسرةٍ بَعْدَ أن كانَ اسماً لصاحبِ حرفةٍ، وهو في الحالين اسمٌ منسوبٌ إلى جمع. أعودُ للتنويه بشَبَهٍ أراهُ بينَ هذه النسبةِ وبَيْنَ اعتمادِ وِزان “فَعّال” الذي يُفيدُ المبالغةَ لتسميةِ فئاتٍ أخرى من المهنيّين. من ذلك قولُنا “نجّار” و”خيّاط” و”حدّاد”، إلخ. ففي صيغةِ المبالغةِ هنا إبرازٌ للتكرارِ الذي يفترضه الاحتراف. فإنّ كلّاً من أصحابِ الحرفِ هؤلاء لا يُكَرّسُ إِلَّا بمزاولةِ حرفتِه مراراً وتكراراً على غِرارِ الربيعِ الأرسطيّ الذي لا تأتي به سنونوةٌ واحدة. تشبه صيغةُ المبالغةِ هذه صيغةَ الجمعِ في أسماءِ حِرَفٍ (وأُسَرٍ من ثَمَّ) هي مدارُ حديثنا. فالذي قال “غرابيلي” أرادَ القولَ، حينَ نسَبَ إلى الجَمْعِ، أنّ المشارَ إليه يُفْترضُ فيه أن يصنعَ غرابيلَ كثيرةً لا غربالاً واحداً. وعلى هذا فقِس!

والواقعُ أنّ هذا هو بيتُ القصيد. فإنّ ثَمّةَ حالاتٍ ما هي بالنادرةِ ولا القابلةِ للتجاهل يكون فيها معنى الجَمْعِ هو المتصدّر ولا تستقيمُ فيها النسبةُ إلى المفردِ ولو أفادَ الجنس. فإنّ معنى الجنسِ لا يستبعدُ وقوعَ النسبةِ على مفردٍ فَرْدٍ  ولا يُبْرِزُ الكثرةَ بالضرورة على نحوِ ما يقتضيهِ تكرارُ الفعل. ومادُمْنا قد ذَكَرْنا الجِنْسَ فلنُشِرْ إلى كَوْنِهِ هو المَعْنيَّ، لا المفرَدُ بِما هو مُفْرَدٌ، بقاعدةِ النسبةِ إلى المفْرَد. عليهِ أراكَ تنسِبُ إلى المُفْرَدِ إذا أرَدْتَ الجِنْس. وتُلِحُّ عليكَ الحاجةُ إلى خَرْقِ ما يبدو أنّهُ القاعدة حالَما تغادِرُ اسمَ الجنسِ إلى اسمِ العَينِ أو إلى العَلَمِ على جماعة، مَثَلاً. تلكَ هي “فلسَفةُ” النسبةِ إلى المُفْرَدِ و”فلسَفةُ” مخالَفتِها أيضاً…

وفي حالةِ “الدَوْليّ” و”الدُوَليّ”، تظهر الحاجةُ إلى الصيغتينِ ولكن بمعنَيَينِ مختلِفين. فتَصْلُحُ “دَوْلِيٌّ” نسبةً إلى الدولةِ الواحدةِ، بِما هِيَ اسْمٌ لجِنْسٍ، واستبعاداً لما هو دونَها من جهات. وتصلُحُ “دُوَليٌّ” نسبةً إلى الجماعةِ من الدول. ففي هذه الحالةِ الأخيرةِ، لا نُشيرُ إلى ماهيّةِ الدولةِ، أي إلى الجِنْسِ-الدولةِ، بل إلى “الشبكةِ” الناشئةِ من اشتراكِ دُوَلٍ عِدّةٍ في شأنٍ واحد: نشيرُ إذَنْ، لا إلى الدُوَلِ، بل إلى العلاقاتِ بينَ الدُوَل. وكانَ البعضُ قد أخَذَ يقولُ “دَوْلَتِيٌّ” بالمعنى الأوّلِ أي بمعنى étatique الفرنسيّة. وفي هذا عبثٌ بقاعدةٍ صرفيّةٍ أخرى لا يتَّسِعُ المقامُ لحديثها الآن. على أنّهُ عبثٌ لا لزومَ لَهُ إذا احتجتَ إلى القول “دَوْليٌّ” ناسِباً إلى دولةٍ واحدةٍ أو إلى الدولةِ بما هي جنس… على أن تكلّفَ نفْسَكَ مؤونةَ ضَبْطِ اللفظةِ بالشَكْل! وأمّا “مجلسُ الأمن” الذي في نيويورك فاجعلْهُ “دُوَلِيّاً” ولا تَهَبْ! حتّى إذا لامَكَ لائمٌ في هذه النسبةِ إلى الجَمْعِ فذَنْبُكَ في رقبتي!

المدن – “هل نحن وحدنا في الكَون؟”..جديد أميركي في تناول المسألة

— Read on www.almodon.com/opinion/2023/6/14/هل-نحن-وحدنا-في-الكون-جديد-أميركي-في-تناول-المسألة

يُضْمِرُ طَرْحُ السؤالِ على هذه الشاكلةِ أنّ صحبةَ الأجناسِ الحيّةِ الأخرى للبشَرِ، على سطحِ كوكبِ الأرضِ، لا تُعَدُّ خرقاً لما يسمّيهِ هؤلاءِ “وَحْدَتَهُم”، ويقصُدونَ سيادَتَهم، على الكوكبِ المذكور. ولا الجماداتُ، بما فيها الكواكبُ والنُجومُ، تُعَدُّ كاسرةً لهذه الوحدة المفترضةِ أيضاً. وإنّما زيادةُ المعرفةِ بهذهِ الموجوداتِ وتلكَ تؤولُ إلى نوعٍ من السيادةِ الرمزيّةِ عليها. وقد باتت تعزّزُ الشعورَ بهذه السيادةِ المفتوحةِ، في العَصْرِ الأخيرِ، خطواتٌ متردّدةٌ ولكنّها ثابتةُ الطموحِ نحو هذا أو ذاكَ من الكواكبِ الجارةِ مشفوعةٌ بمحاولاتٍ سَبْرٍ نافذةٍ لطبقاتٍ قصوى من أزمنةِ الكونِ البعيدة.

ما يَعِدُّهُ البَشَرُ خرقاً لوحدَتِهم هو حصراً ظهورُ أحياءٍ أخرى من ذَواتِ العُقول. فهذا أمرٌ يطرَحُ عليهم أوّلاً مهمّةَ التوصُّلِ إلى نظامٍ للعلاقةِ بهؤلاءِ الأقرانِ المكتَشَفينَ يقي البَشَرَ شرَّهم، في الأقَلِّ، إذا ظَهَرَ أنّهم يضمِرونَ شَرّاً. وهذا من غيرِ أن نستبعِدَ من جهَتِنا، بالضرورةِ، نيّةَ الإيقاعِ بمُنافسينا أُولَئكَ إذا سَنَحَت لذلك فُرَصٌ ووجَدْنا في الأمْرِ مصالحَ لنا وتَبَيَّنّا سُبُلاً نطيقُ سُلوكَها إليه. يبقى أنّ أدهى ما في انكشافِ هؤلاءِ الأقرانِ، إذا هم انكشَفوا، إنَّما هُوَ جَهْلُنا بِما يَنْتَوونَهُ بصَدَدِنا وجهلُنا – قَبْلَ النَوايا – بما هم قادرونَ عليه. هذا الجهْلُ (وهوَ مرَشَّحٌ للبَقاءِ المَديدِ حُكْماً وإنْ راحَ يَتَراجَعُ) مَصْدَرٌ مُحْتَمَلٌ لِهَلَعٍ وُجوديٍّ، لا غَرْوَ أن يؤثِرَ البَشَرُ بعامّةٍ اجتِنابَهُ ولو بالإشاحةِ عن مَصْدَرِهِ وأن يُؤثِرَ ساسةُ البَشَرِ بخاصّةٍ إنْكارَ وجودِ المصدَرِ المُشارِ إليهِ أصلاً تحاشياً من عواقِبِ انكِشافِه.

وذاكَ أنّ ما يَطْرَحُهُ هذا الانكِشافُ، إذا حصَلَ وتبيَّنَت أبعادُهُ، إنَّما هو نوعٌ من المُهِمّاتِ كفيلٌ بقلبِ أوضاعِنا على كوكبِنا المُتَهالكِ هذا رأساً على عَقِبٍ. فتُحْرَمُ الدُوَلُ تفرُّغَها لأذيّةِ بعضِها البعض ولِمُداراةِ هذه الأذيّةِ وتُحْرَمُ المِلَلُ والنِحَلُ وسائرُ العصبيّاتِ من مُتَعِ العُدْوانِ بعضِها على بعضٍ. وذاكَ أنّ التحديقَ في الآفاقِ النائيةِ التي يجهَلُ البَشَرُ، إلى أجَلٍ غيرِ معلومٍ، ما تبطِنُهُ لَهُم ولا يعلَمونَ عِلْمَ اليقينِ ما عليهِم أن يبطِنوهُ لِمَن خَلْفَها، يصْبِحُ طاغياً كلَّ الطغيانِ على غوايةِ التلفُّتِ يَمْنةً ويُسْرةً تَبَيُّناً لفِعْلٍ يفعَلونهُ بآخرينَ من بَني جِنْسِهِم أو يَتَحَسّبونَ من إقدامِ هؤلاءِ عليه.

هذا الانقلابُ المَهولُ في هُمومِ البشَرِيّةِ (المُتَمَثِّلُ بإخراجِ هذه الهُمومِ من نِطاقِ الكَوْكَبِ) وما يليهِ من تحَوُّلٍ في شبكةِ العلاقاتِ بين جماعاتِ البَشَرِ على اختِلافِها، هو ما جعَلَت الخشيةُ منهُ ذوي القُدْرةِ على استِطْلاعِ ما قد تُؤويهِ مواضعُ بعيدةٍ في الكونِ من وجودٍ عاقلٍ يَميلونَ (حَتّى الآنِ) إلى اعتِبارِ ما قد يتبَيّنُ من معطَياتٍ في هذه المسألةِ سِرّاً ذا خَطَرٍ أقصى من أسرارِ الدولة. فَتراهُم يُعْرِضونَ عَمّا ينكشِفُ للعَوامِّ من هذه المُعْطَياتِ مؤثِرينَ الانحِرافَ بِهِ عن مَعْناهُ الظاهرِ، جاهدينَ في إقناعِ شهودِ العيانِ أنّ ما رأوهُ غيرُ ما يحْسَبونَ أنّهم رأوه. وصَلَ هذا الإعراضُ، في واحدةٍ من حالاتِهِ المَشْهورةِ، إلى حَدِّ رفضِ الإدارةِ الفدراليّةِ لشؤونِ الطَيَرانِ في الولاياتِ المُتَحِدةِ مُجَرّدَ التَحقيقِ في شهادةِ ١٢ مسْتَخْدَماً في شركةِ يونايتدْ إيرلايْنزْ شاهدوا في حوالي الرابعةِ والرُبْعِ مَساءً من يوم السابعِ من تشرين الثاني سنةَ ٢٠٠٦ “صَحْناً طائراً” معدِنيّاً، لا صَوتَ لَهُ، قَدّروا قُطْرَهُ بستّةِ أقدامٍ إلى عِشْرينَ، حَلّقَ نَحْواً من خمسِ دقائقَ فَوْقَ البوّابة “سي17”  في مطارِ أوهارِ الدُوَليِّ في شيكاغو ولَم يظْهَرْ عَلى شاشاتِ الرادار، ثُمَّ اخْتَفى خَلْفَ الغُيوم. رفَضَت الإدارةُ التحقيقَ إذَنْ مُحْتَجّةً بشهادةِ الرادارِ وَحْدَها لتَزْعُمَ، بَعْدَ تَجاهُلٍ، أنَّ ما شوهِدَ إنَّما هو “ظاهرةٌ مُناخِيّة”!

على أنّ ثَمّةَ ما هو جديدٌ في هذا الشأنِ القديمِ، وإن يَكُنْ هذا الجديدُ لا يَزالُ إرهاصاً بجديد. ذاكَ ما تُزَوِّدُنا خُلاصةً مثيرةً لَهُ مَقالةٌ لكريستوفر ميلون ظَهَرَتْ، قَبْلَ أيّامٍ، في موقعِ “بوليتيكو” الأميركيّ. الموقعُ نافذٌ في أوساط السياسة والحُكْم الأميركيّةِ: هذا أوّلاً. يتَصَدَّرُ المقالةَ تعدادٌ لمواقعَ يشغَلَها أو كان يشغَلُها الكاتبُ وبينَها أنّهٌ منسوبٌ إلى “برنامجِ غاليليو” في جامعةِ هارفارد وأنّه مستشارٌ ممتازٌ للهيئةِ المُسَمّاةِ “أميركيّون لسلامةِ الفَضاء” وأنّه كان نائباً لمساعدِ وزير الدفاع لشؤون الاستخبارات: وهذا ثانياً. أخيراً، يدخُلُ الكاتبُ موضوعَهُ من بابِ التنويهِ بتفَرُّغِهِ، منذُ سنةِ ٢٠١٧، لمعاونةِ الكونغرس والجمهورِ في إماطةِ اللثامِ عن حقيقةِ ما كانَ يُسَمّى “أجساماً طائرةً غيرَ معلومةِ الهُويّة”UFOs وباتَ يُسَمّى اليَوْمَ (توَسُّعاً وتَحَفُّظاً في آنٍ، على الأرجحِ) “ظواهرَ جوّيّةً غيرَ معلومةِ الهُويّة”UAP. 

من هذا يُفْهَمُ أنّ المقالةَ نوعٌ من الخلاصةِ لجهودٍ استِخباريّةٍ دائبةٍ بذلَها الرجُلُ. وهو يصَرِّحُ بأنّه تعاون فيها مع مسؤولٍ سابقٍ في وزارةِ الدفاعِ ثمّ مع فريقٍ من طيّاري سلاحِ البحريّة… وهذا إلى أن أسفَرَت الجُهودُ، في سنةِ ٢٠٢٠، عن تبَنّي لجنةِ الاستخباراتِ في مجلسِ الشيوخِ مشروعاً قدّمهُ الكاتبُ يطلبُ من أجهزةِ الاستخباراتِ تقريراً رسميّاً موضوعه “الظواهرُ” المُشارُ إليها. اتّخذَ هذا التقريرُ صفةَ “التقويمِ التمهيديِّ” وسُلّمَ في حزيران ٢٠٢١. ومَعَ ما اعتَورَهُ من ثَغَراتٍ كثيرةٍ، في قولِ الكاتبِ، أحصى التقريرُ ١٤٤ معاينةً عسكريّةً ل”ظواهرَ” تنتمي إلى الفئةِ المحيّرةِ، عُويِنَت ابتداءً من سنةِ ٢٠٠٤. ولم يُعَتِّم هذا العددُ، مع تراجُعِ الميلِ الرسْمِيِّ إلى التَشَكُّكِ والإشاحةِ، ناهيكَ بالسُخْريّةِ من الشُهودِ، أن قَفَزَ حتّى أوائلِ السنةِ الجاريةِ إلى ٨٠٠ إفادةٍ عسكريّة! وهو ما حَمَلَ الكونغرس على إنشاءِ “مكتبٍ جامعٍ لجلاءِ الظواهرِ الشاذّة” AARO.

غَيْرَ أنّ سؤالاً بقيَ يُلِحُّ على ميلون، في ما يتَعَدّى رضاه عن تنامي الميلِ الرسميِّ إلى اعتِمادِ الشفافيّةِ في صدَدِ تلك “الأجسامِ” أو “الظواهرِ” الملغَزةِ، وهو المتعلّقُ بحالاتِ “احتِكاكٍ” ببعضِها قد تكونُ حصَلَت ثُمَّ سقَطَت أخبارُها في بئرِ أسرارِ الدولة. ويُنوّه الرجُلُ ب”شائعاتٍ لَجُوجةٍ” تُفيدُ بوجودِ “حُطامٍ” لأجسامٍ من هذا القَبيلِ في قبضةِ الدولةِ وبأنّ العملَ جارٍ، في السرِّ، للتوصّلِ إلى “هندسةٍ معكوسةٍ” لها أي إلى تعرّفِ بُناها وكيفيّاتِ تشغيلِها.

هذا وقد مُنِحَ “المكتبُ الجامعُ” سلطةَ إعفاءِ  ذوي العلاقةِ من أيِّ تَعَهُّدٍ بحفظِ السرِّ كانوا قد ألزِموا بِهِ من قِبَلِ سُلْطةٍ ذاتِ اختصاصٍ تحتَ طائلةِ الملاحقة. وهذا إجراءٌ حاسِمٌ مكّنَ الكاتبَ نَفْسَهُ مثلاً من إحالةِ شهودٍ أربعةٍ إلى المكتبِ ذوي معرفةٍ ببرنامجٍ حكوميٍّ سرّيٍّ لمعالجةِ “الحُطام” المقبوضِ عليه. وهو يضيفُ أنّ آخرين من المُتَشَكِّكينَ بأهليّةِ القَيِّمينَ على “المكتبِ الجامعِ” آثروا أن يعهدوا إليهِ هُوَ بمعلوماتٍ وتفاصيلَ أخرى متعلّقةٍ بهذا البرنامج. أخيراً يُفيدُ ميلون أنّ آخَرينَ أيضاً نقَلوا إلى جهاتٍ أخرى في الاستخباراتِ أو في لجانِ الكونغرس معلوماتٍ ذاتَ صلةٍ بالموضوعِ نَفْسِه.

عندَ هذه النقطةِ، وهي، على ما يَبْدو، بيتُ قصيدِ المقالةِ، يباشرُ ميلون طرحَ أسئلتِهِ المصيريّة: “ماذا لو كنتُ شريكاً في فتْحِ صندوقِ باندورا، مقبِلاً على نشْرِ معلوماتٍ مُدَمّرةٍ،لا صالِحَ للجُمْهورِ في الاطّلاعِ عليها؟”. هذا السؤالُ تلقّى ميلون إجابةً عَنْهُ هدَّأَت من رَوْعِهِ شيئاً ما من الشيخةِ الديمقراطيّةِ عن ولايةِ نيويورك كيرستن غيلبراند وهي، في مجلسِ الشيوخِ، رئيسةُ “اللجنةِ الفرعيّةِ للخَدَماتِ المسلّحةِ والأخطارِ الطارئةِ والقُدُرات”، وهي أيضاً عُضْوٌ في لجنةِ شؤونِ الاستخبارات. أجابَت الشيخة بِ”نعم، طبعاً، لِمَ لا؟” عن سؤالِ ميلون عَمّا إذا كانَ على “المكتبِ الجامعِ”، إذا هو خلصَ إلى أنّ “الفضائيِّينَ” يزورونَ الأرْضَ، أن يَنْشُرَ هذا الخَبَرَ على مَلَإٍ من الشَعْبِ الأميركيّ.

من هذا الجَوابِ الذي وافقَ هوى صاحِبِنا، ينْطَلِقُ عَرْضٌ حَماسيٌّ يشغَلُ ما تبقّى من المقالةِ لمسوِّغاتِ العَلَنيّةِ بِما فيها إعلانُ وُجودِ “الحُطامِ” الآنف ذِكْرُهُ إذا هُوَ وُجِد.: ومُسَوِّغاتُ العَلَنيّةِ عديدةٌ، في عُرْفِ ميلون، بعْضُها استعادةٌ لحقِّ الجمهورِ المعلومِ في المعرفةِ أو تكرارٌ للقولِ بإضرارِ الكتمانِ بالعِلْمِ وبعضُها حِجاجٌ عمَليٌّ ينتهي إلى القولِ بتفوّقِ نفعِ الإعلانِ على ضررِه وبتَمَكُّنِ أميركا حكومةً وشعباً من تدبُّرِ ذاكَ الكَشْفِ الخَطيرِ متى حصَلَ وببقاءِ ما في يَدِ أميرِكا من متعلّقاتِ الموضوعِ في حوزتِها وبقائها حرّةَ التصرُّفِ به. هذا إلى ظهورِ إرادةٍ مستَجَدّةٍ ووسائلَ جديدةٍ لتحصيلِ حلٍّ للُّغزِ باتَتْ في أيدي أمَمٍ أخرى “من اليابانِ إلى فرنسا” وأيدي هيئاتٍ مستقلّةٍ بعْضُها أميركيٌّ (ومِنْ هذه “برنامَجُ غاليليو” الهارفرديِّ) وبعضُها غيرُ أميركيّ، إلخ، إلخ.

لا مسَوِّغَ للتبسُّطِ في عَرْضِ هذه المُسَوّغاتِ فهي منتظرةٌ مألوفة. ولكنْ تجبُ الإشارةُ إلى استبعادِ ميلون احْتِمالَ خطَرٍ داهمٍ يَفِدُ من خارِج كوكَبِنا وإلى ترجيحِهِ حُصولَ أثرٍ طيّبٍ يحدُثُ في العلاقاتِ الدوليّةِ وفي إدراكِ البَشَرِ لمشكِلاتِ كوكَبِهم ومُشكِلاتِهم المَصيريّةِ عليه من جرّاءِ الكشفِ عن وجودِ حضاراتٍ غيرِ أرضيّةٍ. هذا الأثَرُ تَجْني الولاياتُ المتّحدةُ أعظمَ نصيبٍ منهُ (بطبيعةِ الحالِ!) لحيازتِها معظمَ متعلّقاتِ الموضوعِ ومعظَمَ المؤَهِّلاتِ لتدَبُّرِه.

تلكَ هي الحالُ في تصَوُّرِ ميلون: لا تُسْنِدُ الوقائعُ إلى اليومِ جواباً قاطعاً عن السؤالِ المُهيبِ: “هل نحْنُ وحدَنا في الكون؟” ولكنَّ المعطَياتِ باتَتْ وفيرةً واستوى البَحثُ عن الجَوابِ، من جهةِ المؤَهَّلينَ لَهُ، موضوعاً لسَعْيٍ دائبٍ فرَضَتْهُ المُعْطَيات. وهذا بَعْدَما تَأَكَّدَ الخُروجُ من مرحَلةِ الإنكارِ والسُخْريَةِ من الشُهود!… السُخْريةِ التي حَمَلَت أكْثَرَ هؤلاءِ على إيثارِ الصمتِ، في ما مَضى، وأفْضى الإقلاعُ عَنْها إلى تكاثُرِهِم الذَريعِ مؤخَّراً في صُفوفِ العَسْكَرِ وغيرِهِم.

لا حاجةَ إلى القَوْلِ أنّ جهتَنا من العالَمِ (ومَعَها جِهاتٌ أُخْرى) لا هيَ في عِيرِ هذا البَحْثِ كُلِّهِ ولا في نَفِيرِه. شواغِلُنا كثيرةٌ وأكثَرُها داهِمٌ ولكنّ هذا “القَبيلَ” من المَسائلِ واقِعٌ كُلُّهُ في خارِجِ مُتَناوَلِنا. وإنّما نتلَقّى الآثارَ ونُداري الوَقْعَ: أو نُحاوِلُ المُداراةَ، بالأحْرى، وتَلْبَثُ مُحاوَلاتُنا قاصرةً… أو نَنْشغِلُ عن المُعالجةِ أَصْلاً بالتساؤلِ عَمّا إذا كُنّا سَنَتَمَكَّنُ من تَشْغيلِ الغَسّالةِ اليومَ بَعْدَ أن أصْبَحْنا مُضْطَرِّينَ إلى تنظيفِ ثِيابِنا…       

المدن – الذكاء الاصطناعي وسؤال المصير

— Read on www.almodon.com/opinion/2023/6/5/الذكاء-الاصطناعي-وسؤال-المصير

أزْيَدُ من ثلاثمائةٍ وخمسين فاعلاً في صناعةِ الذكاءِ الاصطناعيِّ، في الولاياتِ المُتّحدةِ، وقّعوا، قَبْلَ أيّامٍ، تصريحاً موضوعهُ صناعتُهُم انطوى على كلمةٍ عاليةِ الجَرْسِ جدّاً هي كلمةُ “انطفاء” extinction  (بمعنى “فَناء” أو “انقِراض”)… والمهدّدُ بالانطفاءِ، أي بالفناءِ، في حُسْبانِ هؤلاءِ القومِ، هو الجنسُ البَشَرِيُّ، لا أكْثَرَ منهُ ولا أقلَّ، ومصدَرُ التهديدِ هو الصناعةُ التي يقبضُ موقِّعو التصريحِ على مقاليدِها ويُسابقُ بعضُهُم بعضاً في الرفعِ المُتسارعِ لسَويَّتِها نحْوَ ذُرىً جديدةٍ وفي مضاعفةِ خطرِها الذي ينوّه به التصريحُ بَعْدَ كلِّ طَفْرةٍ في نموِّ مُنْجَزِها الفَذّ.

يقعُ التصريحُ في 22 كلمةٍ لا غيرُ وهذه ترجمةٌ له: “ينبغي لتَخْفيفِ خطَرِ الانطفاءِ من جرّاءِ الذكاءِ الاصطناعيّ أن يكونَ ذا أوّليّةٍ عالميّةٍ على غِرارِ الأخطارِ المشتملةِ على المجتمَعاتِ بأَسْرِها من قَبيلِ الأوبئةِ العالَميّةِ أو الأسلحةِ النَوَويّة.” رعى التصريحَ “مركَزُ الأمانِ من الذكاءِ الاصطناعيّ” وهو منظّمةٌ لا تبغي الربحِ يُشيرُ وجودُها وتمَكُّنُها من جَمْعِ من جمَعَتْهُم على تبنّي هذا النصّ إلى حضورٍ مُتنامٍ لهَمِّ هذا الذكاءِ ولضَرورةِ حَمْلِهِ على مَحْمَلِ الجِدِّ الأقصى. تشهدُ للأمرِ نفسِهِ استقالةُ جوفري هنتون، وهو واحدٌ من المدعُوّينَ “عَرّابي الذكاءِ الاصطناعيِّ”، من منصبِه في “غوغل” وذلكَ طَلَباً لمزيدٍ من الطلاقةِ في التعبيرِ عن الأخطارِ العُموميّةِ التي تنطوي عليها صناعتُه. وأمّا قِصَرُ التصريحِ فأريدَ بِهِ البُعْدُ عن تمويهِ القَصْدِ أو تخفيفِ الوَقْعِ بأيّةِ زوائدَ قد يحمِلُها التطويلُ أو التفصيل. لا ماءَ إذَنْ في نبيذِ هذه الجماعة: بل علينا أن نَجْرَعَهُ صِرْفاً جَرْعةً واحدةً وأن نُطيقَ مفعولَهُ وإن يَكُنْ لا يُطاق.

هذا وليسَت هذه البادرةُ هي الأولى في بابِها. ففي آذارَ الفائتِ وقّعَ ألفٌ من ذوي العلاقةِ أيضاً بياناً أكثرَ تفصيلاً في الموضوعِ نفسِهِ، سُرْعانَ ما كَسَفَ حُضورُ إيلون ماسك، ببلايينِهِ الكثيرةِ بينَهُم، سائرَ الأسماء. وهذا مع العِلْمِ أنّ ماسك ابْنُ هذا المجالِ أصلاً وأنّه واحدٌ من مؤسّسي شركةِ Open AI التي أطلقت في تشرين الثاني من السنةِ الماضيةِ التطبيقَ المسَمّى “تشات جي بي تي”، مطلقةً معه وبسبِبِ مزاياهُ المباغتةِ آنذاك، هذا الجدَلَ في الذكاءِ الاصطناعيِّ وعواقبِ نُمُوِّهِ على نطاقِ العالَم. هذا وقد باتَ هذا “التشات بوت” في جيلِهِ الرابعِ اليومَ وبرزَت له مَزايا جديدةٌ وظَهَرت برامجُ منافسةٌ له أطلقَ أهَمَّها العمالقة: آبل ومايكروسوفت وغوغل… ووظّفوا، في السباقِ لتطويرِها، عشراتِ البلايين.

على أنّ بيانَ الألفِ، ماسك وصحبِهِ، ظلّ ضَعيفَ الاستقطابِ نسبيّاً لمن يمكِنُ اعتبارُهُم “أهلَ المعرفة” في القطاعِ أي لكبارِ الباحثينَ والمهندسينَ وسائرِ ذوي الخبرةِ المُجَدِّدين. وهذه هي الثَغْرةُ التي سدَّها التصريحُ الأخير. فهو قد استقطَبَ ألمَعَ الأسماءِ في القطاعِ وهذه أسماءٌ يعرِفُها ذوو الاختصاصِ والمُلِمّون بِهِ وإن لم يَكُنْ صيتُها قد اخترق الحُجُبَ بَعْدُ إلى مجالِ العالَمِ على غِرارِ ما كانَ من أمرِ جوبز وغايتس من قَبْل. في كلّ حالٍ، يُرَجَّحُ أن تزدادَ إلحاحاً على انتباهِنا في المستقبل القريب أسماءٌ من قَبيلِ ألتْمان وهاسابيز وأموداي وهنتون وبنجيو، إلخ.

يبقى أنّ التصريحَ إذ طوى المسارَ كلُّهُ بِلَمْحِ البَصَرِ ليفضيَ، على الفورِ، إلى فناءِ البَشَريّةِ المحْتَمَلِ، ليسَ لَهُ أن يحجبَ عواقبَ أخرى لنُمُوِّ الذكاءِ الاصطناعيِّ يَتَعَذَّرُ الاستخفافُ بخَطَرِها. من ذلكَ معلوماتٌ لا أساسَ لها يدلي بها البرنامجُ المستشارُ ولا يؤمَنُ تصديقُها وعواقبهُ في جانبِ المستَشيرِ، وهي ما أخَذَ أهْلُ الحرفةِ أنْفُسُهم يُسَمّونَهُ “هَلْوَسةَ” التشات بوت! ولكنّ هذا يدخُلُ في بابِ القُصورِ الذي يعتَوِرُ الأجيالَ الحاليّةَ من البرامجِ ولا يمتَنِعُ تلافيهِ في أجيالٍ لاحقة. ومن ذلكَ أيضاً أفاعيلُ تفصيليّةٌ، ولكنّها قابلةٌ للتوسّعِ المضطرِدِ، من قَبيلِ الترويجِ لأكاذيبَ مسيئةٍ أو ضارّةٍ أو لتوجّهاتٍ مزكّيةٍ لأنواعٍ مختلفةٍ من العُنْفِ أو تعزيزِ فُرَصِ الغِشِّ والتزييفِ، في كلِّ مجال. من ذلك أيضاً وأيضاً تسهيلُ الحصولِ على أدواتٍ أو موادَّ خطرةٍ أو تصنيعِها، وتيسيرُ الحصولِ على مشوراتٍ، في المضمارِ الصحِّيِّ مَثَلاً، بلا ضَمانٍ للسلامةِ ولا تعيينٍ للمسؤوليّةِ، إلخ. ولكنّ هذا كلَّهُ، أو ما يُشاكِلُهُ، باتت تبيحُهُ الإنترنت من عهودٍ متباينةٍ ومن أمثلتِهِ التسهيلُ المعلومُ لما يُطلَقُ عليهِ اسمُ الإرهاب. وإنّما يخشى، من جانب الذكاءِ الاصطناعيِّ، تيسيرُ هذا كلِّهِ بحيثُ يصبِحُ في المُتَناوَلِ المُباشِرِ لأيٍّ كانَ ونشرُ ممارسَتِهِ على نطاقٍ غيرِ مسبوق.

مستوىً آخرُ ينذِرُ الذكاءُ الاصطِناعيُّ بالعَبَثِ به هو نظامُ المهنِ واستِخْدامُ البَشَر. وقد يبدو هذا غيرَ جديدٍ أيضاً. فلطالَما أفضَت الأتْمتةُ وتطوُّرُ التقاناتِ عموماً إلى الاستغناءِ عن البَشَرِ في أداءِ المَهامِّ الصناعيّةِ وغيرِها. ويكفي لمعاينةِ ذلك المقارنةُ بين ما كان عليهِ خطُّ التجميعِ في مصنعٍ للسيّاراتِ قَبْلَ خمسينَ سنةً أو ستّينَ وما هو عليهِ اليوم. ولكنّ الناظرينَ في هذا الأمْرِ لم يفُتْهُم أنّ “ذوي الياقاتِ البيضِ”، أي أصحابَ المهَنِ “الذهنيّة” هم الجمهورُ الأعظمُ المُهَدَّدُ بالصَرْفِ والانتِهاءِ إلى البطالةِ هذه المرّة. وهذا ما كان نوح يوفال هراري (وسواهُ) قد أبرزه، في كلِّ حالٍ، قَبْلَ سنينٍ من اليوم.

من حيثُ الأساسُ، نحْنُ أمامَ قَدَرٍ مقَدّر. فحتّى لو أفلحتِ الدُوَلُ في إنشاءِ وكالةٍ للذَكاءِ الاصطناعيّ موازيةٍ لوكالةِ الطاقةِ الذرّيّةِ أو لمُنَظَّمةِ الصحّةِ العالَميّةِ، يُسْتَبْعَدُ أن يكونَ في مستطاعِها أو في خطَّتِها مَنْعُ أصحابِ الأعمال من التسابقِ في اختصارِ الكلفةِ بتقليصِ الاستخدامِ البشريّ، وهو ما سيزيدُ تطوُّرُ الذكاءِ الاصطناعيِّ وانتشارُ تطبيقاتِهِ إلى سائرِ ميادينِ الإنتاجِ والخدمةِ من إمكانِهِ بل من التوسُّعِ الفادِحِ فيه. عليهِ يتوقّعُ العارفونَ أن يخسَرَ عشراتُ الملايينِ من الأميركيّينَ وظائفَهُم، في مدىً منظورٍ، لصالحِ الفاتِحِ الجديدِ، حليفِ أصحابِ الأعمالِ قَبْلَ أيٍّ سواهم.  وفي الولاياتِ المتّحدةِ وفي غيرِها، سيبقى الواحدُ منّا يُسَرُّ بالقصيدة ينظمُها له التشات بوت في عيدِ ميلادِ زوجتهِ وهو غافِلٌ عَمّا يُعدِّهُ برنامجٌ آخرُ من العائلةِ نفسها قد يرتئي طرْدَهُ من عَمَلِهِ وإجبارَ زوجتِهِ على طَلَبِ الطَلاق!

ما الذي يطلُبُه التصريحُ الذي أصدَرَهُ الفاعلونَ أنفُسُهُم: صانعو الذكاءِ الاصطناعيِّ بمنافعِهِ ومَضارِّهِ، مبرِّئينَ ذِمَّتَهُم اليُسرى ممّا تفعلُه يدُهُم اليُمْنى؟ ما يطلبُهُ هؤلاءِ يتعَلّقُ بأصْلِ ما هُوَ الذكاءُ الاصطناعيُّ وهو أيضاً ما كانَ أشارَ إليهِ بيانُ الألفِ، قَبْلَ تصريحِ ال350، حينَ طلَبَ تعليقاً للأبحاثِ مدّتُه ستّةُ أشهُرٍ ترسى في خلالِها ضَماناتُ نموٍّ سليمٍ لهذا الطفلِ المهولِ الخَطَر. وأمّا أصلُ الذكاءِ الاصطناعيِّ وأصلُ المشكلةِ التي تُواجِهُ البشرَ من جَرّائهِ فهي أنّهُ قائمٌ على ما يُسَمّى “الشبَكات العُصْبونيّة” تشَبُّها بتكوينِ الدماغِ والجهازِ العَصَبيِّ البشَرِيّين. وهو ما يُبيحُ له معالجةَ “المعطَياتِ” التي تدخُلُ إليهِ بحيثُ يحوِّلٌها إلى “مَهارات”. وما تُبيحُهُ المَهاراتُ، بدورِها،  لل”اصطناعيِّ” هو نفسُ ما تُبيحُهُ لل”طبيعيِّ” أي إمكانُ “الاستقلالِ” بالأفعال. وتضافُ في حالةِ الاصطناعيِّ سُرْعةٌ تتيحُ وفراً عظيماً للوقتِ بالقياسِ إلى ما يستطيعُهُ البَشَر. فإذا تكاثرَت مهاراتُ الاصطناعيِّ واتّسَعَ مجالُها، أشرَفنا على ما يظْهَرُ أنّنا صائرونَ إليهِ حتماً: وهو الانتقالُ ممّا يُدْعى “الذكاءَ الاصطِناعيَّ الخُصوصيَّ” إلى ما يُدْعى “الذكاءَ الاصطناعيَّ العُموميّ”. وهو ما يضعُ بتصَرُّفِ أيٍّ كانَ، ناهيك بما يضعُهُ بتصرُّف الدُوَلِ والجماعاتِ المنظّمةِ، احتِمالاتِ خيرٍ وشرّ لم يُعْرَف لها نظيرٌ في ماضي البشر. وهو أيضاً قد يضَعُ نظائرَ لهذه الاحتمالاتِ بتصرُّفِ الذَكاءِ الاصطناعيِّ نفسِهِ، إذا هُوَ بَلَغَ من الاستِقلالِ مبْلَغاً بعينِه.

حتّى الآنِ تبدو مقاليدُ الذكاءِ الاصطناعيِّ بيدِ الأميركيّينَ وحدَهُم. وهذا على الرغْمِ من كونِ الشركاتِ المعنيّةِ بتطويره شركاتٌ عالميّةُ النطاقِ أصْلاً. وقد خرجَ إلى الميدان مؤخّراً تشات بوت صينيُّ المنبتِ ولكنّه سُرْعانَ ما خارت قواهُ وانكشَفَ تهالُكُه. غيرَ أنّ دوامَ هذه الحالِ سيكونِ من المُحالِ، على الأرجح. ولا بُدَّ من يومٍ يأتي يتحوّلُ فيه الذكاءُ الاصطناعيّ (وهو من الآنِ سلاحٌ متنامي القوّةِ في الحربِ الاقتصاديّةِ) إلى سلاحٍ متصدّرٍ في الحربِ العسكريّة. هذا ما يُنْذِرُ بهِ من الآنِ، بل من أمسِ، تولّي صِيَغٍ منهُ قيادةَ المُسَيّراتِ وتوجيهَ المقذوفات. ذاكَ، أي احتِمالُ العسكرةِ، بعضُ ما يتعيّنُ على ما يُسَمّى “مجتمعَ الدُوَل” أن يضبُطَهُ أيضاً. نقولُ “أيضاً” لأنّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ من عواقبَ أخرى تتعلّقُ باستِقرارِ الاجتِماعِ البَشَريِّ ورُبّما بمصيرِهِ ليس مّما سيَسَعُ الدولَ أن تهملَهُ، وهذا سواءٌ أشَمَلَهُ ما سمّاهُ “التصريحُ” الأخيرُ “انطفاءً” أمْ لم يشملْهُ.

إلى الآنِ لا شيءَ يبدو مضموناً من هذا كلّه. فحتّى مهلةُ الأشهرِ الستّةِ التي اقتَرَحّها “بيانُ الألْفِ” في آذار لم يُسْمَع ما يدلُّ على اقترانِها بتنفيذٍ ما… هذا ولعلّنا اقتصَرْنا ههُنا من حديثِ الذكاءِ الاصطناعيِّ على حديثِ أخطارِه. وفي هذا ظُلْمٌ لمُنْجَزٍ أوّلُ وجوهِهِ الظاهرةُ توسيعُهُ مداركَ البشرِ ومعارٍفَهُم وتنميتُهُ مهاراتِهم المختلفةَ، إذا هم أرادوا، فضلاً عن توفيرِهِ الوقتَ والجِهْدَ عليهم في كثيرٍ مّما يحتاجون إليه. لم نطلبْ هذا الظلمَ وإنّما ألجأَنا إليهِ حديثُ الحُمّى التي تثيرُها أخطارُ هذا المنجَزِ (وهي مَهولةٌ) بموازاةِ الحُمّى الأخرى التي تصحبُهُ في مسارِ نمُوّه. فكانَ حقّاً أن تُعيدَ قنبلةُ الذكاءِ الاصطناعيِّ هذهِ إلى الخاطِرِ قولةً لكلود ليفي-ستروس يَتَرَدَّدُ لها صدىً كلّما حصلَ ما يَرُدّ موضوعَ السلاحِ النوويِّ إلى دائرةِ الانتباه: وهي “أنّ العالمَ كانَ موجوداً قَبْلَ الإنسانِ وسيَبْقى بَعْدَه”…

المدن – الولاء والحرية

ما الذي يحمِلُ الجماعةَ على أن تخصَّ بولائها المُشْرَعِ زعامةً تزعُمُ تجسيدَها لكنّها لا تشركُها في قرارٍ تتخذُهُ؟ المدن— Read on www.almodon.com/opinion/2023/5/29/الولاء-والحرية 

من الولاءِ ما يَأخُذُ بالمبدإ الأوتوقراطيّ فيكونُ ولاءً لزعامةٍ تُنْشئُ لنفْسِها نظاماً يؤبِّدٌها في موقِعِها ويجعلُها شِبْهَ مطلَقةِ اليَدِ، في دائرةِ سلطَتِها، دولةً كانت هذه الدائرةُ أم حزباً. وهذا إلى حدّ القدرةِ على اختِراقِ الحدودِ بينَ السلطاتِ، في حالةِ الدولةِ، وإن بقيَت هذه الحدودُ ماثلةَ الرسمِ شَكْلاً. أو يكونُ الولاءُ، على الأصَحِّ، ولاءً لزعيمٍ شَخْصٍ، في هذه الحالة: زعيمِ دولةٍ أو زعيمِ حزبٍ… ومن الولاءِ ما يأخُذُ بالمبَدإ الديموقراطيّ فيكونُ ولاءً لنظامٍ يعتَمِدُ حُكمَ القانونِ ويتمخّضُ، وفقاً للقانونِ، عن قيادةٍ سياسيّةٍ مقيّدةِ السلطةِ ومحدودةِ المدّة.

في حالةِ الدولةِ، يَظْهَرُ الاختلافُ بينَ الولاءينِ، أوَّلَ ما يظْهَرُ، على الأغلب، في سَعةِ كلٍّ منهما وفي أسلوبِ التعبيرِ عنه. هكذا يغلبُ أن يَظْهَرَ الولاءُ للزعيمِ كاسحاً، بل شِبْهَ إجماعيٍّ، في كثيرٍ من الحالاتِ، فلا يَدَعُ مجالاً لمنافسةٍ جادّةٍ ويعتمدُ تعابيرَ فاقعةً عن نفسِهِ تستكثرُ من الشعائرِ الممسرحةِ وتُظهرُ استعداداً للعنفِ في الدفاعِ عن شخصِ الزعيمِ وعن ثباتِهِ في موقعِهِ وعن شعاراتِ عهدِه. هذا بينَما يفتَرِقُ الولاءُ للنظامِ الديمقراطيِّ عن الولاءِ للقيادةِ أو لرأسِها المنتخَبِ فيصِحُّ أن يُدْعى هذا الولاءُ الأخيرُ تأييداً لا ولاءً. يتَمَثّلُ الولاءُ للنظامِ هَهُنا في الالتزامِ بحُكْمِ القانونِ وبالدستورِ، على الخُصوصِ. فيكونُ هذا الأخيرُ محلَّ رعايةٍ جامعةٍ مبدَئيّاً وإن وجدَت مواقفُ معارضةٌ لهذا أو ذاكَ من مندرجاتِهِ ومساعٍ ناشطةٌ لتعديلِهِ أو تغييره. وأمّا تأييدُ القيادةِ أو تأييدُ رأسِها فيُبْقيهِ التعبيرُ الحُرُّ عن تعدُّدِ التوجّهاتِ السياسيّةِ في المجتَمعِ بعيداً، في الأغلَبِ، عن الإجماعِ أو شبهِ الإجماعِ وبعيداً عن الثباتِ أيضاً.

حتّى أنّ الأكثريّةَ الحاكمةَ لا يندُرُ أن تكونَ أو تُصْبِحَ كبرى الأقلّيّاتِ، لا غيرُ، فلا يحفظُها في موقِعِها سوى أن يتعذّرَ تماسكُ حلفٍ أكثريٍّ في مواجهتِها. يحصُلُ كثيراً أيضاً أن تتراجعَ نسبةُ التأييدِ التي يحظى بها رأسُ الدولةِ (أو تحظى بها خياراتُه السياسيّة، بالأحرى) فتغدو أدنى، بقليلٍ أو بكثيرٍ، من تلك التي حملتهُ إلى منصبِه. فلا يبقيهِ في هذا المنصبِ سوى الضمانةِ الدستوريّةِ لمدّةِ ولايتِه. هذا وتوجَدُ في الديمقراطيّةِ أيضاً شعائرُ إظهارٍ للتأييدِ واحتفالٍ بالمرشّحينَ للسلطةِ وبفوزِهم بها. ولكنّها شعائرُ يلطّفُ التقليدُ من حدّتِها وتبقى بمنأىً عن إنكارِ ما للمنافسينَ من تمثيلٍ وشرعيّةِ وجودٍ وحركةٍ وعن توعُّدهم بالعنف…

والخلاصةُ أنّ الزعامةَ الأوتوقراطيّةَ تنحو نحْوَ إلحاقِ النظامِ بأسْرِهِ برِكابِها فيما تبقى القيادةُ الديموقراطيّةُ مقيّدةً بحُكْمِ القانونِ، مدينةً لَهُ بسلطتِها وملزمةً، وفقاً له، بصيغٍ مقرّرةٍ لممارسةِ  هذه السلطةِ وبحدودٍ مرسومةٍ لها أيضاً.

هذا ولا تختلفُ السِماتُ الإجماليّة للتَنْظيمِ السياسيّ ذي الصفةِ الديموقراطيّةِ عن تلكَ المميّزةِ لنظامِ الدولةِ الديموقراطيّةَ سوى بتفاصيلَ تنظيميّةٍ يمليها اختِلافُ النطاقِ والوظيفة. وإنّما المبْدَأُ واحد. وهذا يصِحُّ أيضاً في الحزبِ ذي الزعامةِ الأوتوقراطيّةِ وفي نظامِ الدولةِ الذي ينشئهُ هذا الضربُ من الأحزابِ حيثُ يضعُ يدَهُ على سلطةِ الدولة. وإنّما السؤالُ الذي نتوخّى طَرْحَهُ هنا هو سؤالُ الولاءِ: ذاكَ الذي تطرحهُ هذه المقارنةُ بينَ الالتزامِ بشخصِ الزعيمِ أو موقعِ الزعامةِ وما يمليهِ أو تمليهِ من إراداتٍ وبَيْنَ تأييدِ القيادةِ المنتخبةِ، ممثّلةً برأسِها، والالتزامِ بما ترسِمُهُ في نطاقِ القانون.

يَسَعُ هذا السؤالَ أن يكونَ التالي: ما الذي يحمِلُ الجماعةَ، جماعةَ حزبٍ كانت أم جماعةَ شعبٍ، على أن تخصَّ بولائها المُشْرَعِ زعامةً تزعُمُ تجسيدَها (بالمعنى الحَرفِيِّ للتجسيدِ، أي بمعنى الاستواءِ جسَداً مختصراً لها) ولكنّها لا تشركُها في قرارٍ تتخذُهُ ولا تعدّها جديرةً بالمبادرةِ الحرّةِ، تصدُرُ عن جهةٍ فيها، في أيّ شأنٍ من الشؤونِ ذاتِ الوقعِ العامّ؟ وإنّما السائدُ أن تُجْعَلَ المبادرةُ محلَّ شبهةٍ وأن يُحالَ دُونَ التجمُّعِ أو التنظيمِ المستَقِلِّ وأن يعدَّ ظهورُ المعارضةِ ظاهرةَ عداوةٍ للزعامةِ وللجماعةِ برُمّتِها، بالتالي. فيُرى هذا الظهورُغيرَ قابلٍ للاحتِمالِ أو للاستيعابِ بل يُرى مستدعياً القمعَ والإلغاء.

ما الذي يجعَلُ الجماعةَ، في كثرةٍ معلومةٍ من الحالاتِ، تظهرُ، باعتِبارِ سَعةِ النطاقِ التي يبلغُها ولاؤها والحماسةِ العارمةِ في تعبيرِها عنه، وكأنّها تؤثِرُ هذا النَمَطَ من القيادة – نَمَطَ زعامةِ الشخصِ المهيمنةِ – على ذاكَ الذي يَدَعُ لكلّ فرْدٍ من أفرادِها ولكلّ كسرٍ من كسورِها، في المبدإ، قولاً يدلي بِهِ في كلِّ أمْرٍ من الأمورِ العامّةِ (ناهيكَ بكفالةِ حرّيّتِهِ في تدبيرِ ما يخُصُّهُ من أمورٍ) ويدَعُ له أيضاً سبيلاً لتفعيلِ هذا القولِ يفتَحُهُ التجديدُ الدوريُّ لمؤسّساتِ النظامِ وتعزّزه حرّيّةُ التعبيرِ وحرّيّةُ التنظيم؟

أوّلُ ما يَتبادَرُ إلى الخاطرِ تفسيراً لهذه المفارقةِ نسبتُها إلى القَمْعِ أو إلى الإرهابِ أي اعتبارُ الولاءِ للزعامةِ الشخصيّةِ نفاقاً يستدعيهِ الخوفُ من السلطة. فإذا تَجَسّدَ التعبيرُ عن هذا الولاء في نتيجةِ انتخابٍ عُزِيَت النتيجةُ إلى التزوير، على اختلافِ صُوَرِه. ولهذا كلِّهِ نصيبٌ من الصحّةِ دوماً ولكنّ في البَذْلِ المحسوسِ المختلفِ الوجوهِ، أو في التفاني الظاهر، وهو يتعدّى مجرّدَ الحَماسةِ في التعبيرِ ويتَّخذُ، هنا وهناكَ، صوَراً قصوى، وفي الحُشودِ المتراميةِ العارمةِ أيضاً ما لا سَبيلَ إلى تزويره. وإنّما يُطْلَبُ التفسيرُ الأصدَقُ لهذا النوعِ من الولاءِ في بِنيةِ العلاقةِ ما بينَ النظامِ بأسره، بما يمنحُهُ من سلطةٍ للزعامةِ، وجمهورِ الرعايا، في حالةِ الدولةِ، أو جمهورِ المناصرينَ أو الأتباعِ في حالةِ التنظيمِ السياسي.

وخلاصةُ ذلك أنّ هذا النظامَ يقومُ أصلاً على تجريدِ من يُظِلُّهم، أفراداً وجماعاتٍ، من كلّ حَوْلٍ أو طَوْلٍ تاركاً إيّاهم في عُرْيٍ من الحقوقِ وخَوَرٍ في الطاقةِ حيالَ الزعامة. هذا الضعفُ المُعَمَّمُ هو ما تنبثقُ منهُ الحاجةُ إلى التعويضِ المكثَّفِ في قوّةِ الزعامة. ولا ريبَ أنّ الزعيمَ محتاجٌ إلى تأسيسِ زعامتهِ على مزايا شخصيّةٍ بارزةٍ وعلى مُنْجَزاتٍ ذاتِ وَقْع. فالزعامةُ لا تَخْرُجُ من عدمٍ ولا تُرْسى على فَراغ. ولكنّ المَزايا يَسْهُلُ نفخُها والمنجَزاتِ لا يعْسُرُ تضخيمُها فَضْلاً عن تأبيدِ مفعولِها المبتَغى. وتُتَّخَذُ هذه وتلكَ، في كلِّ حالٍ، ستاراً لأوضاعٍ لا يُدارى خَرابُها الضارِبُ في الأُسُسِ وحِجاباً لمخاطِرَ تكشِفُ المجادلةُ فيها ما عليهِ النظامُ والجماعةُ من هَشاشةٍ أصليّةٍ، وذريعةً لكَمّ الأفواه ما خلا ما كانَ تمجيداً للزعامةِ وتبجيلاً لصاحبِها وللمضيِّ قُدُماً، فَوْقَ هذا كُلِّهِ، في “تطْفيلِ” الجماعةِ أفراداً وتَكاوينَ بحيثُ يؤولُ ما قد ينالُها من خيرٍ، في هذا المضمارِ أو في ذاك، إلى منّةٍ عليها، من جهةِ الزعامةِ العبقريّةِ، لا إلى حقٍّ لَها وهي المُجَرّدةُ من الحقوقِ الأصليّةِ. فتلكَ حالُ الجماعةِ، في الواقع، بمُقْتَضى فرضِيّةٍ ضِمنيّةٍ تَتَواطَأُ هي وزعامَتُها على الأخْذِ بِها وإن أَظْهَرا خِلافَها.

ذاكَ – أي العَجْزُ المُعَمَّمُ في الجماعةِ – هو أصْلُ البَلاءِ بهذا الطرازِ من الزعامةِ الذي يتّخذُ لبوساً شخصيّاً ويُلْحقُ بنفسِهِ نظامَه. وأمّا حماسةُ الحُشودِ فهي  العَرَضُ المُتَرَتِّبُ على هذا العَجْزِ الأصيلِ، يُجَنِّبُ المحكومَ عليهِم بِهِ محنةَ مواجَهَتِه. وذاكَ أنّ في هذا البديلِ راحةً مؤكّدةً، ولَو إلى حين… وهذا مخرَجٌ له، في عُصورِ التاريخِ، شواهدُ كثيرةٌ، لعلَّ أظْهَرَها ما كانَ العَبْدُ يَحْفَظُهُ لسَيّدِهِ من وَلاءٍ يَهونُ مَعَهُ بَذْلُ الحياةِ نَفْسِها. فإنّما العُمْدةُ، في هذا الأمْرِ، هي المصادرةُ الكُلّيّةُ لِنَفْسِ العَبْدِ ولِشُروطِ بقائهِ فيُسْتَبْعَدُ، في حالتِهِ، إمكانُ التَدَبُّرِ المستقِلِّ والتَمَرُّد.

على هذا، لا يأتي استعدادُ الرَعايا أو الأتباعِ للبَذْلِ أو للتفاني بريئاً من استحواذِ الزعامةِ على جملةِ ما يُضِرُّ أو يَنْفَعُ، توزّعهُ بحسبِ ما يقتضيهِ ترسيخُها وتأبيدُها. فإذا أصبحَت هي المحكَّمةَ في وجوهِ المعاشِ وحاجاتِهِ كلِّها من الدَخْلِ إلى الصحّةِ إلى التعليمِ إلى رعايةِ المسنّينَ، فَضْلاً عن الأمنِ والحمايةِ، أي على وظائفِ الدولةِ برُمَّتِها، وهذا بأسلوبِ الاستئثارِ المفروضِ والأمرِ الواقعِ وليس بأسْلوبِ الاختِيارِ المؤسَّسيِّ الحُرِّ، كانَ ذلكَ مَجْلَبةً لضَرْبٍ من الولاءِ، مترَتِّبٍ على الحِمايةِ أو على الإعالةِ أو على كِلَيْهِما، منتَظَرٍ من جانبِ مَن لم يُتْرَكْ لَهُم حقٌّ أصيلٌ في شَيْءٍ: لا في قرارٍ أو مَشورةٍ ولا في مَنْفَعة. هذا التجريدُ من الحُرِّيّةِ المصونةِ بالقانونِ ومن الحقوقِ بما هِيَ أساسٌ لِما يُطْلَبُ ولِما يُنالُ لا يَدَعُ للولاءِ المذكورِ من قيمةٍ ما خلا قيمتَهُ بِما هو قُوّةٌ ماثلةٌ للتوظيفِ من جِهةِ الزَعامةِ وقيمتَهُ بِما هو موضوعٌ للدَرْس.

يُقابِلُ هذا، في المشهدِ الديموقراطيِّ، قَلْبُ الميزانِ ما بينَ الزعامةِ والنظام. فلا يبقى هذا ملحقاً بتلك بل تغدو هي وظيفةً من وظائفِهِ، حتّى لَيُصْبِحَ اسمُها نفْسُهُ فَضْفاضاً عليها. وهو ما يؤولُ إليهِ فقدانُها الصفةَ الشخصيّةَ في عَلاقَتِها بالجماعةِ أي هَهُنا بالقاعدة. وهو ما يترَتَّبُ على اعتِبارِها وظيفةً أنشَأَتْها القاعدةُ: مَصْدَرُ السُلْطةِ وصاحبةُ الحقوقِ جميعاً. وهو ما يفتَرضُ الحرّيّةَ، على اختلافِ المجالات. وهذه تستدعي الكثرةَ في تشكيلِ الجماعةِ: مستوياتٍ وتوجُّهات. وفي ما يعني موضوعَنا هَهُنا، يؤولُ المَشْهَدُ الديمقراطيُّ إلى نَقْلٍ للقيمةِ من القِمّةِ إلى القاعدةِ أي إلى إرادةٍ لتسليمِ البَشَرِ زِمامَ أُمورِهم. وهو ما يعادِلُ التَصْريحَ، مرّةً أخرى، بأنّ الولاءَ لزعامةٍ تُرْسى على تجريدِ الجماعةِ، أفراداً وتشكيلاتٍ، من  الحقوقِ ومن التصرُّفِ الحُرِّ بها، بما هي مَصْدَرُها، إنَّما هو ولاءٌ لا قيمةَ له.

ألزَمَنا ما سَبَقَ باختِزالٍ لا يَخْفى فَرَضَتْهُ الحاجةُ إلى الإيجازِ وإلى الخُلوصِ المُباشِرِ إلى لُبِّ القضيّةِ موضوعِ هذهِ العُجالة. فلا تصنيفُ الأنظمةِ على النَحْوِ المُقْتَرَحِ أعْلاهُ وافٍ لو كانَ المُرادُ اتّخاذُ التصنيفِ موضوعاً، ولا المُؤدّى الحِسّيِّ لكلٍّ من الطرازَينِ المُسْتَبْقَيَينِ يَسْتَنْفِدُهُ ما أُشيرَ إليهِ من سِماتٍ هَيكَليّة، إلخ. على أنّ ما يُعَيِّنُ قيمةَ الوَلاءِ يبقى هذا الذي أبْرَزْناهُ: أي الحُرِّيةَ بمُقَوِّماتِها المعنويّة، وهي الحُقوقُ، وبِمُقَوِّماتِها الحِسّيّةِ، وهي المُقَوِّماتُ المَعْلومةُ لحياةِ الجماعةِ ومُقَوِّماتُ الحياةِ الشخصيّةِ في المُجْتَمَعِ بِما هِيَ حُقوقٌ أيضاً.

المدن – بَيْنَ السعادةِ وراحةِ البال


— Read on www.almodon.com/opinion/2023/5/22/بين-السعادة-وراحة-البال

قَبْلَ أعوامٍ، كان واحدٌ من أكبرِ المصارفِ اللبنانيّةِ يتّخذُ له شعاراً إعلانيّاً “راحةَ البال”! كان هذا المصرفُ يتنازعُ وآخرَ صفةَ “المصرفِ الأكبرِ” أو الرتبةَ الأولى بينَ المصارفِ اللبنانيّة: فتارةً تُمْنَحُ هذه الرتبةُ لهذا وتارةً لذاك. في كلّ حالٍ، كان يصعُبُ أن تنجو، إذا أنتَ جلستَ أمامَ شاشتكَ الصغيرةِ ساعةً من الزمنِ، من ذِكْرِ المصرفِ المُشارِ إليهِ يرنُّ في أذنيكَ مَثْنى وثُلاثَ مقترِناً بتلكَ العبارةِ تَنْشُرُ الخَدَرَ في جِسْمِكَ كلِّه: “راحةُ البال!”…

اليومَ يجوزُ الافتراضُ أنّ هذا المصرفَ، إذا صَحَّ أنّه لا يَزالُ الأكبرَ، فهو المصدَرُ الأهَمُّ لإقلاقِ راحةِ المودعينَ فِيهِ إلى حدِّ إبعادِ الكَرى عن جفونِهم وعن جفونِ من قد يلوذُ بهِمْ أو يعتمدُ عليهِم من ذوي القُرْبى واليَتامى والمساكينِ وأبناءِ السبيل…

وقد تبدو الصلةُ واهيةً، لأوّلِ وهلةٍ، بين تغيّرِ الحالِ هذا وتقهقُرِ لبنان واللبنانيّينَ إلى الدرجةِ ما قَبْلَ الدنيا على سلّمِ “السعادةِ” الدوليِّ، فلا يبقى دونَنا على السُلّمِ المذكورِ إِلَّا أفغانستان وشعبُها المنكوب. ولكنّ هذه الوهلةَ الأولى غَرّارةٌ إذ الصلةُ المُشارُ إليها وثيقةٌ للغاية. وذاكَ أنّ تداعي النظامِ المصرفيِّ اللبنانيِّ كشفَ هشاشتَهُ بما هو عمودٌ فِقْريٌّ لنظامِنا الاقتصاديِّ ولكنّه كشفَ أيضاً، بما استدعاهُ من تصدُّعاتٍ، هشاشةَ الحياةِ اللبنانيّةِ كلّها. لم يحصُل هذا الكشفُ لأوّلِ مرّةٍ فإنّ عهدَنا به قديم. ولكنّه حصَلَ مرّةً أخرى وجاءَ حصولُهُ فاجراً.

وقد كانَ لا بُدَّ لنا، وقد وجدنا أنفٌسَنا في هذا الحضيضِ، أن نشرئبَّ إلى أعلى سُلَّمِ السعادةِ ذي الدرجاتِ المائةِ والأربعِ والثلاثين، لنعلَمَ، في الأقَلِّ، مَن الأَوْلى بغيظِنا وحسَدِنا. فكانَ أن وقعنا على فنلندا، وهي بلادٌ يوشكُ أن لا يكونَ بينَنا وبينَها خيرٌ ولا شَرّ، فأخذنا عِلماً باستوائها على قمّةِ الهَرَمِ تنازعُها موقعَها هذا الدنمارك، ووقَفْنا من العِلْمِ عندَ هذا الحدّ، على وجه الإجمال، أو تجاوَزْناهُ قليلاً إلى “الوصيفةِ الثانيةِ” وهي أيسلندا. لم نَجِد في شهيّتنا متّسعاً للغوصِ في مزيدٍ من التفاصيلِ، أي – مثلاً – للتوقّفِ مليّاً عندَ تبوُّءِ إسرائيل المرتبةَ الرابعةَ، وهذا بعد إنزالِنا ما أنزلناهُ بها من هزائم! بهذه الصفاقةِ إذن، انتقَلَت “راحةُ البالِ”، على ما يظْهَرُ، من صَفّنا إلى صَفِّ العَدُو!

هذا ونعلمُ أنّ سُلّمَ السعادةِ ذاكَ، وقد ذاعَ صيتُهُ وأصبحَ ظهورُه الدوريُّ منتظراً، إنَّما وُضِعَ في مواجهةِ “الناتج الداخليّ القائم” و”الناتجِ الوطنيّ القائم” اللذين كانا (ولا يزالان) معتمَدَينِ، تقاسُ بحركتِهما صحّةُ الاقتصادِ في دولةٍ من الدُوَلِ وتٌقارَنُ الدُوَلُ، لهذه الجهةِ، بعْضُها ببعض. فكأنّ الارتدادَ إلى حديثِ السعادة أريدَ لَهُ أن يأتيَ مصداقاً لحكمةِ الشعوبِ وهي القائلةُ أنّ المالَ ليسَ كلَّ شَيْءٍ في حياةِ البشر! لم يهمِلْ مقياسُ السعادة الذي رعَتْهُ الأممُ المتّحدةُ وأمَدّتْهُ مؤسّسةُ “غالوب” المشهورةُ بالمعطياتِ المناسِبةِ، موقعَ المالِ أو الاقتصادِ، بطبيعةِ الحال. ولكنّ التقريرَ الأخيرَ تبيّنَ ركائزَ سِتّاً اعتمدها للسعادة. وهي الدخلُ والصحّةُ وتوفّرُ السندِ الاجتماعيّ والشعورُ بالحرّيّةِ في توجيهِ دفّةِ الحياةِ والكرَمُ (بمعنى الاستعدادِ لبذلِ المعونةِ) والبعدُ عن التعرّضِ للفساد.

وقد انتظمَ صدورُ هذا التقريرِ العالَميِّ منذ سنةِ ٢٠١٢. ولكنّ أصلَ فكرتِه يرقى إلى أوائلِ السبعيناتِ من القرن الماضي. إذ ذاكَ ارتأى ملكُ بوتان، المملكةِ الصغيرةِ المحشورةِ بينَ التيبت الصينيّة وبعضِ ولاياتِ الاتّحادِ الهنديِّ، وكان الملكُ لا يزالُ في السادسةَ عشرةَ من عمرهِ، أن ينشئَ أداةً يقيسُ بها حظّ شعبِهِ من السعادة. وهذه رغبةٌ استغرقت التهيئةُ لوضعها موضعَ التنفيذِ عقوداً فلم يتيَسّر تجسيدُها مرّةً أٌولى إِلَّا في سنةِ ١٩٩٨. على أنّ إجراءَ هذا القياسِ رُفِعَ لاحقاً إلى مَصافِّ الواجبِ الوطنيِّ الثابتِ إذ أدْرِجَ في دستورِ البلادِ المعتَمَدِ سنةَ ٢٠٠٨، وهو ما انفرَدَت به بوتان وبقيَ التزامُها به مستقلّاً عن المبادرةِ الدوليّةِ التي استلهَمَت خبرتَها. هذا ولا يظْهَرُ لبوتان أثرٌ بينَ الدُوَل المدْرجةِ على السُلّم الدُوَلي وعَددُها، على ما سبَقت الإشارةُ إليه، مائةٌ وأربَعٌ وثلاثون!

في كلّ حالٍ، تُفيدُ مراجعةُ العناوينِ الستّةِ التي جعلَها التقريرُ الدُوَليُّ لهذه السنةِ مفاصلَ له أنّهُ لم يَبْقَ للّبنانيّينَ من معظَمِها، في هذه الأعوامِ الأخيرةِ، نصيبٌ يُذْكَر. على أنّهُ لا يزالُ يسعُهُم (شأنُهُم في هذا شأنُ سواهُم) أن يجادلوا في وجاهةِ هذه العناوينِ وفي كفايَتِها أدلّةً لسعادةِ الشُعوبِ أو أن يَطْرَحوا، في الأقلِّ، مُشْكِلَ التَراتُبِ في ما بينَها، إذا هُم سَلّموا بكفايتِها الإجماليّة. هذا جدالٌ مفتوحٌ يُسْتَبْعَدُ أن يظهرَ إلى حَسْمِهِ سبيل.

عليهِ أرى أن نترُكَ السعادةَ لأهلِها ونقنَعَ بالنـظَرِ في ما كانَ ذلكَ المصرَفُ يزعُمُ إلى أمسٍ قريبٍ ضمانَهُ لنا، أي “راحةِ البال”. وهو ما أجدُ له، من جهتي، مقياساً واحداً مناسباً لا يدخُلُ في نطاقِ العَمَلِ المصرفيّ وإن تَكُنْ المَصارِفُ تتدخّلُ فيه: ألا وهو كلفةُ التغييرِ السياسيّ. فإذا كانت كلفةُ هذا التغييرِ، على اختِلافِ درجاتِهِ: من تعديلِ سياسةٍ ما إلى تغييرِ النظامِ السياسيِّ، تُتَرْجِمُ حقَّ الشعبِ في تقريرِ مصيرِهِ واختيارِ من يَسوسُ شؤونَهُ وتعيينِ الأهدافِ والوسائلِ الموافقةِ للخيرِ العامِّ، كانت راحةُ البال حاصلة. وذاكَ أنّ ما يَسوءُ أو يَبْلى يكونُ ممكناً تغييرُهُ بحُكْمِ الحقِّ أي من غيرِ حاجةٍ إلى تكَلّفِ الفادحِ من التضحيات: الفادحِ إلى حدٍّ قد يجْعَلُ الخسارةَ في طلبِ الانتقالِ أضخَمَ من الربْحِ المترتِّبِ على الوصولِ… وهذا إذا كانَ الوصولُ –أو بَقِيَ– في دائرةِ الممكِنات.

واضحٌ أنّ راحةَ البالِ هذه غيرُ حاصلةٍ لِلُّبنانيّين. وتفْرضُ الأمانةُ التاريخيّةُ الاعترافَ بأنّها كانت (ولكن بمعنىً آخرَ لها) بعيدةً عنْهُم، على الدوامِ تقريباً. وذاكَ أنّ السمةَ الأصدقَ وصفاً لنمطِ العيشِ اللبنانيِّ كانت، في معْظَمِ المراحلِ، أنّ اللبنانيّينَ يعرفونَ على ماذا أمسوا ولكن لا يعرفون على ماذا يصبِحون. وهو ما كانَ ميشال شيحا يطلقُ عليهِ متغزِّلاً اسمَ “العيش في خَطَر”… ذاكَ ما يتبدّى للنَظَرِ الإجماليّ.

وأمّا اليومُ الذي نحْنُ فيه فهو، في ما يتعَدّى لزومَهُ هذا المجرى العامَّ، يومٌ آخرُ: يومٌ مختلِفٌ جدّاً. والفارقُ بينَ هذا اليومِ وغيرِهِ هو الفارقُ بينَ النكبةِ بِما هي احتِمالٌ قريبٌ أو بعيدٌ والنكبةِ بِما هي وَهْدةٌ سقطَت فيها الحياةُ اللبنانيّةُ كُلُّها وهي لا تَني تَزدادُ عُمْقاً ولا يَتَبَيَّنُ منها مَخْرَج. فإنّ البلادَ توشكُ أن يُقْضى عليها حَرْثاً ونَسْلاً من غيرِ أن تبدو هذه الكلفةُ كافيةً لفرضِ ما يقتضيهِ انفكاكُ قبضةِ المحنةِ المطبقةِ على أعناقِ اللبنانيّينَ من تغييرٍ سياسيّ. بل إنّ مسيرةَ الهلاكِ هذه متروكةٌ تمضي نحو خواتيمِها، لا يلجمُها اللبنانيّونَ ولا غَيْرُهم. وربّما كانَ أفْجَعَ ما في المحنةِ اللبنانيّةِ (مُضافاً إلى “الاستقالةِ” شِبْهِ الشاملةِ من السَعْيِ في معالَجَتِها) اشتِدادُ نَزْفِ البلادِ لأوفَرِ قواها أهْلِيّةً للنهوضِ بها. معنى هذا كلِّهِ أنّ الدرجةَ التي ضَمنّاهاً مَقْعداً لنا في أسفَلِ سُلّمِ السعادة تبقى مضمونةً لنا أيضاً في أسفَلِ سُلّمِ راحةِ البال.

وقد ذَكَرْنا أنّ دولةً واحدةً كانت قد وُجِدَت أقلَّ سعادةً منّا هي أفغانستان. وأمّا سلّمُ راحةِ البال فأرى أن نتركَ عليه مقعداً واحداً أيضاً أدنى من المقعدِ اللبنانيّ: نترُكُه لسوريّة. وذاكَ أنّ السوريّينَ أرادوا التغييرَ السياسيَّ، موضحينَ أنّهم يقصدونَ إسقاطَ النظامِ الأسَديِّ. فكان أن تَكَبّدوا كلفةً أبرزُ عناصرِها هجرةُ رُبْعِهم، في أدنى تقديرٍ، وتوزّعُ الأرباعِ الباقيةِ، وأحدُها، في التقدير الأدنى أيضاً، مهجَّرٌ، بيْنَ مناطقَ بقيَت للحُكْمِ الأسديّ أو عادت إليهِ وأخرى موزّعةِ المرجعيّاتِ والتوجّهاتِ. تُتَوِّجُ هذا الخرابَ قوى احتلالٍ متنافسةٍ أو متنازعةٍ واضعةٍ أياديها على معْظَمِ البلادِ وأجواءٌ ومَرافقُ مستباحةٌ من جانبِ المحتلِّ القديمِ. وهذا فضلاً عن الدمارِ العميمِ والقتلى بمئاتِ الألوفِ وأرخبيلِ الاعتقالِ والتعذيبِ الشاسعِ وفضلاً عن تداعي مقوّماتِ العيشِ العاديِّ كافّةً… ذاكَ كلُّهُ تغييرٌ، لا رَيْبَ، وهو – بينَ ما هو – تغييرٌ سياسيٌّ. ولكنّهُ ليس التغييرَ الذي بذَلَ السوريّونَ ما بذَلوه طلَباً له. وإنّما هو عَكْسُه. وهو ما أراهُ، بالنظرِ إلى فداحتِهِ القُصْوى، بما هو كلفةٌ فُرِضَت وأفضى فَرْضُها إلى غيرِ النتيجةِ المُتَوخّاةِ أو إلى حَجْبِ هذهِ الأخيرةِ، يُجيزُ تعيينَ الموقعِ الأبعَدِ عن راحةِ البالِ على أنّه موقعُ السوريّينَ اليوم.

قُلْتُم “راحةُ البالِ” يا نُخْبةَ الحُثالات؟! 

المدن – سوريّة ولبنان في مسْتَهَلِّ الانتداب: صُوَرٌ من كتابٍ مَنْسيّ(2)

واللبنانيّون؟ والسوريّون؟ أكثرُ ما نراهم، في الكتاب، ناشئةً مشمولةً بالعناية الفرنسيّة في مؤسّساتِ التعليمِ وما جرى مجراها المدن
— Read on www.almodon.com/opinion/2023/5/13/سورية-ولبنان-في-مستهل-الانتداب-صور-من-كتاب-منسي-2

بعد حلقة أولى عن كتاب الكاهن أميل وترلي É. Wetterlé الصادر في باريس، سنةَ 1924، والذي يسرد وقائعُ رحلةٍ متلاطمةِ الأحداثِ قامَ بها مؤلّفهُ في عدادِ وفدٍ في خريف 1922 إلى سوريّة ولبنان، هنا الحلقة الثانية والأخيرة:

يعلنُ أميل وترلي خيبةَ أملِه في بيروت قبلَ أن يَطأَ أرضها! يصدُمُه ما يشاهده منها وهو يدخلُ المرفأ: سطوحُ القرميد وزِيُّ العَمَلِ الأوروبيُّ لحمّالي المرفإ وندرةُ الطرابيش على ما يستقبل القادمين من رؤوس، إلخ! لا يكتم وترلي، من غير أن تفوتَه علاماتُ الفقرِ في المشهد، أنّه لم يحضر ليرى ما يشبه “كانّ” أو “سيتّ”. ولكنّ هذا الشعور الأوّل، وهو لا يعدو أن يكون مثالاً أوّل لمزاج المؤلّف “الاستشراقيّ” وميلِه إلى التنميط والقولبة، لا يلبثُ أن يغورَ في سيل “محاضراتِ” التعريف وزيارات التفقّدِ لمرافق الأعمال ومؤسّسات الصحّة والتربية وما إليهما، وفي مسلسلِ المآدب والخُطَب، وفي ماجريات التنقّل الدائب بين العاصمة وسواها: عاليه حيث يصطاف غورو وصوفر حيث يولم للوفد حبيب باشا السعد رئيس “المجلس التمثيليّ” وهذا بعد أن جمعتهم مأدبةُ حاكم لبنان الفرنسيّ ترابو بوزراء لبنانيّين فاستمعوا إلى خطبٍ بالعربيّة…

هذا النوع من الوقائعِ أو المفاصلِ سيبقى ملازماً لإقامة الوفد في لبنان وفي سوريّة ثمّ في فلسطين، بعدَ انتهاء المهمّة، حتّى بدءِ رحلةِ العودةِ من بور سعيد: مآدبُ وخطبٌ وتفقّدٌ وتدشينٌ وسياحة. وهذا في محطّاتٍ مذهلةِ الكثرة. فمن بيروت وبعضِ الجبل اللبنانيِّ وبعض البقاع، انتقل الوفدُ إلى دمشق. ومن هذه إلى حمص فإلى حلب ثمّ إلى حماه رجوعاً فإلى بلادِ العلويّين التي استكثرَ الوفدُ فيها من المحطّات وقصدَ بعدها طرابلس ثمّ الديمان في زيارةٍ للبطريرك المارونيّ. بينَ أواخرِ المحطّاتِ أيضاً قلعةُ المرقب ثمّ هياكل بعلبك. وفي عودٍ على بدءٍ، اختُتِمت مهمّة الوفدِ في بيروت. وكان قد فاتهُ، بعد هذا كلّه، النصفُ الجنوبيُّ من لبنان. ومن سوريّةَ فاتهُ جنوبُها أيضاً وفاتتهُ الباديةُ والجزيرة… وأمّا زيارةُ فلسطين (قبل ركوبِ البحر من مصر) فكانت أشبهَ بحجٍّ أدّاهُ الكاهنُ شُفِعَ بفرصةٍ أخرى لذمِّ الإنكليز، أصحابِ الأمرِ هناك، ولهجاءِ حلفائهم الصهاينة…

لم تزد مدّةُ الإقامةِ في لبنان وسوريّة عن أسبوعينِ، مساويةً تقريباً ما كان استغرقَهُ سفرُ الباخرة من مرسيليا إلى بيروت. وهي مدّةٌ امتزجت فيها السياحةُ التقليديّةُ بتعرّفِ الأحوالِ والمطالبِ مع غلبةٍ لما هو فرنسيّ المنشإ: من العملةِ الجديدةِ إلى مدارسِ الإرساليّاتِ ومزرعةِ اليسوعيّين في تعنايل وكلّيتِهِم في بيروت، إلخ. بل إنّ بعضَ الجاليةِ الفرنسيّةِ لا يبدو بعيداً عن الافتراضِ أنّ الوفدَ إنّما جاءَ يتفقّدُ أحوالها هي، بالدرجةِ الأولى، لا أحوالَ البلادِ، وأنّ الصلةَ بينها وبينَ الوفدِ ينبغي لها أن تبقى حرّةً ومباشرةً فلا تخضعُ لوصايةِ المفوّضيّةِ السامية أو لمصادرتها. تلك إشارةٌ خاطفةٌ إلى منطلقٍ أساسٍ لعلاقةِ الجاليةِ بالبلادِ التي حلّت فيها بشراً وحجراً… ولكن يظهرُ أنّ الوفدَ نفسه لم يلتفت إلى رغبةِ مواطنيه أولئك في الاستئثار باهتمامه.

واللبنانيّون؟ والسوريّون؟ أكثرُ ما نراهم، في الكتاب، ناشئةً مشمولةً بالعناية الفرنسيّة في مؤسّساتِ التعليمِ وما جرى مجراها: لا ينافسُ حضورَهُم هذا سوى ظهورِهم المتكرّرِ على الطرقاتِ أو في الساحاتِ مؤدّينَ العراضاتِ التي يحسنونها احتفاءً بالوفد، خصوصاً حين يكونُ هذا الأخيرُ بصحبةِ الجنرال غورو. وهذا إلى حضورٍ لأعيانٍ مختلفي المواقِعِ في المحطّات. لا يظهرُ من أثرٍ حيثُ يحلُّ الوفدُ أو حيثُ يمرُّ لمعارضةٍ ما يستثيرها الاحتلالُ الفرنسيُّ أو سياستُهُ وإن نمَّ بعضُ عباراتِ الأعيانِ برغبةٍ لا إلحاحَ فيها ولا استفزازَ في زيادةِ أنصبتِهِم من سلطةِ الحكمِ وتصريفِ شؤونِ البلادِ وأهلِها. وإذ يستغرقُ هذا التسليمُ المصحوبُ بتهليلِ العوامِّ وبرقصِ المهلّلينَ وزغاريدِ نسائهِم مساحةَ الصورةِ التي يعرضها الكتابُ لمسلكِ الأهالي ومواقفِ أعيانِهِم، يجِدُ الكتابُ نفْسَه في موقعِ مواجهةٍ للتآليفِ المتأخّرةِ التي خصَّ بها لبنانيّونَ أو سوريّونَ تلك المرحلةَ. إذ تُبْرزُ هذه الأعمالُ، أكثرَ ما تُبْرِزُ، معارضةً تنوّعت قواها وواكبَت بأنواعٍ مختلفةٍ من القولِ والفعلِ مسارَ الاحتلالِ والانتدابِ، وإن تكُنْ الأعمالُ نفْسُها لا تُخْفي وجودَ قوىً أهليّةٍ أخرى (تَغَيّرَ قُوامُها أيضاً من محطّة إلى أخرى): قوىً حظيَ منها ذلك المسارُ نفْسُه بالولاءِ والتعاون.

في هذه المواجهةِ، لا يكفي تعارضُ المواقعِ لتعيينِ جهةٍ تُحصَرُ فيها حقائقُ التاريخ. بل إنّ هذا التعارضَ ينبغي لهُ أن يَكونَ حافزاً للتمهّلِ وللتحرّي لا للاستعجالِ في إهمالِ الوقائعِ بحجّةِ تحكّمِ الموقعِ (وإن يكن مؤكّداً) في تعيينِ ما تبرزه من الوقائعِ كلٌّ من جهتي المواجهة. يَعْرضُ وترلي صورةً مشْكلةَ المعاني لهذا المسلسلِ الاحتفاليِّ بسلطةٍ محتلّةٍ تَفْرضُ نفْسَها على أنّها محرّرةٌ وتبدو، في ترويجِها هذه الصورة لدَوْرِها، غيرَ خاويةِ الوفاضِ من التأييدِ الأهلي. ولا يبدّلُ من هذا الواقعِ كثيراً أن يتّخذ هذا التأييدُ، في بعضٍ من لحظاته، صوراً تُراوحُ ما بيْنَ تذلُّلٍ ونفاقٍ كلاهُما ظاهرُ السذاجة.

لا يُبْدي وترلي ارتياباً من التكرارِ الرتيبِ لمَظاهر الولاءِ هذه بما فيها من صخبٍ يبتغي استيقافَ صاحبِ السطوةِ واستدراجَ إعجابِه أو رضاه. ولكنّه يشدِّدُ بينَ حينٍ وآخر على كثرةٍ ما في هذا المشرقِ من فَوالِقَ تُفَرّقُ الجماعاتِ الكثيرةَ بعْضَها عن بعْضٍ وتَحْضرُ فيها مذاهبُ الأديانِ وعصبيّاتُ العشائرِ واختلافُ أنماطِ العيشِ باختلافِ المواقعِ. وهذا مع ما يفرضُهُ نموُّ المدنِ من تداخلٍ واشتباكٍ ومع صمودِ الزراعةِ، بما ينتَظِمُها من ملكيّاتٍ كبيرةٍ، صيغةً رئيسةً للعيشِ ومع الحضورِ المستمرِّ للباديةِ ولبَدْوِها. من لوحةِ الفسيفساءِ هذه، يخلُصُ وترلي إلى ضرورةِ البقاءِ المديدِ للدورِ الفرنسيِّ الذي يراهُ “تربويّاً” بالدرجةِ الأولى. وهو يرى مآلاً لهذا الدور تنميةَ الرابطِ الوطنيّ ما أَمْكنَ في ما يتعدّى الشُقوقَ الماثلةَ، فضلاً عن التدريب على التنظيمِ الحديثِ لأجهزةِ الدولةِ ومؤسَّساتِ المجتمع. على أنّهُ يرى هذا كلَّه بعيدَ المَنال فيقدّر أنّ الدَوْرَ المشارَ إليهِ موعودٌ بعمرٍ طويل. ودليلُه الأوّلُ إلى هذا الترجيحِ حالُ الناشئة: ففي لبنان وسوريّة معاً يرتادُ المدارسَ أربعونَ ألفَ تلميذٍ فيما يَفْتَرَضُ وترلي أنّه لا بدَّ من رَفْعِ هذا العددِ إلى ستمائةِ ألفٍ حتّى تحوزَ البلادُ ما يكفي من الأهليّةِ للقبضِ على مقاليدِ مصيرها. في هذا الصدد، لا يفوتُ المؤلّفَ (وهو الكاهنُ) أن يُعَبِّر عن يقينِه بأنّ عَلْمانيّةَ المدرسةِ الفرنسيّةِ ليست للتصدير. بل إنّه ينبغي تيسيرُ اجتذابِ المرشّحينَ للكَهْنُوتِ في فرنسا سَدّاً لحاجةِ الإرساليّاتِ إلى معلّمينَ، وينبغي أيضاً تفهّمُ حَمِيّةِ المسلمينَ الدينيّةِ طلباً لكَسْبِ ولائهم.

هذا والمؤلّف، إذ يتأمّلُ المسارَ العاصفَ الذي وجدَه موشكاً على الإفضاءِ إلى تثبيتِ الانتدابِ بعدَ مباشرةِ هذا الدَوْرِ الذي رسَمَتْه فرنسا لنفْسِها ثمّ رسَمَتْه لها صيغةُ الانتدابِ المسمّاةُ “A”، يميلُ إلى اعتبارِ الدَوْرِ المذكورِ صفقةٌ خاسرةٌ: مؤقّتاً على الأقلّ. ففرنسا تكادُ لا تجني منه ربحاً – في ما يرى المؤلّف – سوى الأمانةِ لما تَعدُّه رسالةً لها والامتثالِ لأمَلِ الشعوبِ الضعيفةِ فيها. وهي قد بذَلَت مواردَ وضحّت بجنودٍ وعتادٍ توصّلاً إلى الموقعِ الذي باتت تَشْغلُه. على أنّ وترلي لا يفوتُه، إذ يذكُرُ الجنودَ، أن يشيرَ إلى أنّ مُعْظَمَهم من أبناءِ المستعْمَراتِ ولا يَمْنعُه ذِكْرُ المَواردِ المبذولةِ من التنويهِ بما تزخرُ بهِ البلادُ السوريّةُ من وعودٍ عاجلةٍ أو آجلةٍ للمستثمرينَ الفرنسيّينَ إذا هُم أَقْدموا…

وفيما تُنْفِقُ فرنسا ما في الجيبِ مستبشرةً بما في الغيبِ، لا يبلُغُ مسمعَ وترلي اعتراضٌ أهليٌّ ما على تقسيمِ سوريّة إلى خمسٍ من الدولِ وأشباهِ الدولِ تَجْمَعُ بينَ اثنتينِ منها صيغةٌ فدراليّةٌ ويضافُ إليها نظامٌ خاصٌّ بالبدوِ وآخرُ لسنجقِ الإسكندرون وثالثٌ للمناطقِ العسكريّة… فرغبة لبنان في الاستقلالِ معلومة. والفصلُ بينَ دمشق وحلب يجِدُ مسوّغَهُ في التحاسدِ التقليديِّ بين المدينتينِ، وقد لطّفَ منهُ “اتّحادٌ” لاحقٌ رخوُ المفاصل. والدروزُ والعلويّونَ (وقد انفردَتْ كلٌّ من جماعتَيهِما ب”بلادٍ” لها) تأبيانِ كلَّ الإباءِ – في قولِ المؤلّفِ – الالتحاقَ بالدولتينِ “العربيّتَيْن”. وفي هذا كلِّهِ إقرارٌ لفرنسا على ما ارتأَتْهُ وسببٌ للتمسّكِ بظلِّها المبسوطِ على سوريّة بأَسْرِها.

وأمّا أنّ هذه الخريطةَ المتشقّقةَ قد خرجَت من مرحلةِ رفضٍ سياسيٍّ ومقاومةٍ بالموقِفِ وبالسلاحِ ووجِها بأشدِّ القمعِ فواقعةٌ لا تَظْهَرُ منها آثارٌ تُذْكَرُ في روايةِ وترلي. وإنّما يقتصَرُ أثرُ المرحلةِ الفيصليّةِ في برنامجِ الوفدِ على وقفةٍ استذكاريّةٍ في ميسلون يصحبُها شرحٌ مختزلٌ جدّاً لما جرى ينالُ منْهُ الإنكليزَ رشاشٌ مقذعٌ ويسوَّغُ فِيهِ اقتلاعُ فيصل بأسبابٍ ليس أقلَّها حجبُ استخدامِ السكّةِ الحديدِ عن القوّاتِ الفرنسيّةِ التي كانت محتاجةً إليه في إبّانِ القتالِ على جبهةِ كيليكيا. بقيّةٌ أخرى من بقايا المقاومةِ يمثِّلُها الشيخُ صالح العلي قائدُ “ثورةِ العلويّينَ” المهزومةِ وقد اسْتَحْضَرَهُ غورو إلى  موعدٍ مع الوفدِ في الريفِ العَلَويِّ وراحَ يذكّرُهُ بمَن قُتِلوا بتدبيرٍ مِنْهُ من جنودِ فرنسا مردفاً أنّ الأخيرةَ كريمةٌ تعفو عن أعدائها إذا هُم آبوا إلى الإخلاصِ التامِّ لها. اسْتَقْبَلَ الثائرُ السابقُ هذا الخطابَ المستفزَّ بالشكرِ على المدارسِ التي تجلبُ المدنيّةَ وعلى الطريقِ التي كانت حلماً قديماً فشُقَّت في أربعةِ أشهرٍ وعلى الأمانِ الذي عَمَّ بلادَ العَلَوِيّينَ ساحلاً وجبلاً… فكانَ من هذا “الحوارِ” أن اسْتَدْرَجَ تصفيقَ الوفدِ وفَرَضَ فَتْحَ قناني الشمبانيا ختاماً! إشارةٌ أخيرةٌ إلى ثغرةٍ كانت لا تزالُ تستحضرُ أشباحَ الماضي القريبِ: وهي أنّ الوفدَ الذي لم يتْرُكْ هيكلاً رومانيّاً ولا قلعةً صليبيّةً إِلَّا وجالَ فيها ولا جامعاً أمويّاً، فَضْلاً عن الكنائسِ الأثَريّةِ، إلّا وتَمَلّى من مَعالِمِهِ، لم يتمكَّنْ من زيارةِ تَدْمُر لأنّ البدوَ كانَ لا يزالُ يَسَعُهُم قطْعُ الطريقِ إليها هنا أو هناك. معنى هذا أنّ نوري الشعلان الذي اشترى الفرنسيّونَ ولاءَهُ بمرتَّبٍ لم يكُنْ ظلُّهُ مبسوطاً على الباديةِ كلّها.

بَعْدَ ميسلون بسنتينِ، كانت سلطاتُ الانتدابِ قد بذلَت جهداً لإنهاضِ البلادِ من وهدةِ الحربِ مكرّسةً معظمَ طاقتِها للمدارسِ وللطرُقِ: المدارسُ لنشرِ اللغةِ وحمولتِها والطرقُ لنَشْرِ العسكرِ وتيسيرِ المبادلات. وهو ما وقَفَ الوفدُ عليه وعلى سواهُ من معالمَ وشؤونٍ أجملَها وترلي في كتابِه. على أنّ الثغراتِ في اللوحةِ بقيَت عصيّةً على النكران. فلم يَكُنْ سهلاً أن لا يَرى الوفدُ ما يلبسُهُ جمهورُ المحتفلينَ بهِ من أسمالٍ أو ما يخلِّفٌهُ المطر من مستَنْقَعاتٍ ووحولٍ في أزقّةِ المُدُنِ والقرى. ولم تكُن الحماسةُ لخيولِ البدوِ العربيّةِ أو للحمارِ الذي يقودُ قافلةً من الجمالِ كافيةً لحَجْبِ واقعةٍ من قَبيلِ أنّ حمص كانت لا تزالُ تشربُ من مياهٍ تعبثُ بها الدوابُّ ويبولُ فيها الأطفالُ ويتَغَوَّطونَ وأنّ الوفدَ نفسَهُ شربَ منها! حتّى لبنان يصفُهُ واحدٌ من بَنيهِ للمؤلّفِ بأنّه “بلادٌ فقيرةٌ متخمةٌ بالمال!”، إلخ، إلخ. يميلُ وترلي إلى القوالبِ، ما تعلّقَ منها بالنساءِ أو بالطوائفِ والبدوِ أو بالجمالِ والخيولِ ويرسمُ لنفْسِهِ عالَماً يُحْسِنُ التجوّلَ فِيهِ ويكادُ يخلو ممّا يفاجئُهُ مع أنّهُ لم يسبق لهُ أن زارَه. ولكنّ الكتابَ ينطوي على رغبةٍ في الإنصافِ ويسجِّلُ إعجابَ مؤلِّفِه بكثيرٍ من مزايا الناسِ والبلادِ ويبقى راغباً في نوعٍ من المزاوجةِ العسيرةِ بين استعلاءِ المحتلِّ القويِّ واحترامِهِ الأهلينَ ديناً ودُنْيا، تاريخاً وحاضراً. وإنّما يفرضُ هذا الكتابُ على قارئهِ أن يجتنبَ سَجْنَ مؤلِّفِهِ في قالبٍ جاهزٍ على الرغْمِ من شدّةِ الإغراءِ الملازمِ لهذا الموقف.