في أنّ وقائعَ التاريخِ كَثيراً ما تَظْهَرُ مُلْغَزةً ولكنْ لا “يَتَقَدّمُ التاريخُ مُقَنَّعاً”…*

لعلّ أَسْوَأَ ما تداولَتْهُ الماركسيّةُ، في هذا المَشْرِقِ، ذاكَ الجُنوحُ إلى إخضاعِ وقائعِ التاريخِ، أيّةً تَكُنْ حَقائقُها، لِنَوْعٍ مِنْ لُعْبةِ الأَقْنٍعةِ. فَنَفْتَرِضُ أنّهُ لا بُدَّ مِنْ قِناعٍ (ليس لهُ أن يَعْدو كَوْنَهُ قِناعاً مَهْما يَكُنْ حُضورُهُ ساحِقاً وفاعِلِيَّتُهُ دامِغةً) وأنَّ الوَجْهَ ماثِلٌ، بأُبَّهَتِهِ، خَلْفَ ذلكَ القِناع.

عَلَيْهِ يَغْدو لِزاماً أنْ يُكْشَفَ ذاكَ القِناعُ ليَظْهَرَ هذا الوَجْهُ فَيُحَصْحِصَ الحَقّ! وأَمّا ما يَجْعَلُ القِناعَ قِناعاً والوَجْهَ وَجْهاً فَلَيْسَ شَيْئاً تُسْتَطاعُ مُعايَنَتُهُ في الوَقائعِ وإنّما هُوَ قَوْلٌ قالَتْ بِهِ قِراءةٌ لِتاريخٍ آخَر.

مؤدّى هذهِ اللُعْبةِ تَفْويتٌ في أَثَرِ تَفْويتٍ في أَثَرِ تَفْويت. باسْمِ صِراعِ الطَبَقاتِ (وهو هَهُنا بَيْتُ القَصيدِ)، تَفوتُنا أَقْوامٌ وطَوائفُ وعَشائرُ ومَناطِقُ، وتَفوتُنا أدْيانٌ وتَقاليدُ وأَبْنِيةُ سُلْطةٍ… بَلْ تَفوتُنا تَواريخُ بِحالِها تَبايَنَت مَساراتُها وتَغايَرَ ما أَثْمَرَتْهُ المَساراتُ مِن مَوارِدَ ونَوازع.

ولَعَلَّ هَذهِ كُلَّها لَمْ تَفُتْ هذهِ أو تِلْكَ مِنْ مارِكْسِيّاتٍ بَلَغَنا خَبَرُها. ولَعَلَّ صِراعَ الطَبَقاتِ لَمْ يَكُنْ مَطْلوباً إنْكارُهُ ولا الغَضُّ مِن مَكانَتِهِ حَيْثُ تَكونُ قابلةً للمُعاينةِ والتَقْدير. ولَعَلَّ تَصَوُّرَ “الكُلِّ” الهيغليِّ يُسْتَبْقى ولَكِنْ لا تُمْلى على الكُلِّ مَوازينُ مُسْبَقةُ التَعْيينِ ولا دينامِيّةٌ مَبْدَئيّة. ولَعَلَّ الهّيْمَنةَ حَصَلَتْ وتَحْصُلُ ولَكِنْ كانَتْ لَها حُدودٌ يَتَعَيَّنُ كَشْفُها على الدَوامِ، إذْ قد تَداوَلَت
الهَيْمَنةَ، باخْتِلافِ الأَزْمِنةِ، قِوىً غَلّابةٌ مُخْتَلِفةُ الوَقْعِ وتَلَقّتٌها الجَماعاتُ المَغْلوبةُ فَكَيَّفَتْها وتَكَيَّفَتْ بِإمْلاءاتِها أو قاوَمَتْها بِما مَلَكَتْ أَيْديها وغَيَّرَتْ قَليلاً أو كَثيراً مِن مَفاعيلِها المُفْتَرَضةِ، في كُلِّ حال…

مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، ظَلَّ الإلْحاحُ في لُزومِ مَبْدَإٍ جامِعٍ للتاريخِ بِرُمَّتِهِ يَحولُ دونَ اسْتِواءِ هذه أو تلكَ مِن القوى والعّوامِلِ الأُخْرى الآنِفةِ الذِكْرِ مَتْناً تامَّ الأَهْلِيَةِ (أو وَجْهاً تامَّ الوَجْهِيّةِ) لِتاريخِ هذا أو ذاكًَ مِن المُجْتَمَعاتِ المَعْروضةِ على بَصائرِنا، وقد اتَّفَقَ أنّها مُجْتَمَعاتُنا، لا أَكْثَرَ ولا أَقَلّ.

ظَلَّ يَفوتُنا، والحالةُ هذهِ، كُلُّ شَيْء! بَلى بَقِيَت لّنا صِناعةُ “حَسْرِ اللِثامِ”… وهذهِ “صناعةُ تَحْويلٍ”: تَحْويلِ ما هُوَ حاصِلٌ إلى ما لا يَعْدو أن يَكونَ مُفْتَرَضَ الحُصول!

تَبّاً لَنا!

  • “التاريخُ يَتَقَدَّمُ مُقَنَّعاً” عنوانُ كتابٍ أَصْدَرَهُ الفَرَنْسِيُّ لويس فالون سنة ١٩٥٧. وإذْ نَسْتَبْعِدُ هنا صورةَ القِناعِ، لا نُريدُ الإيحاءَ أنّ وقائعَ التاريخِ تَعْرِضُ نَفْسَها رَقْراقةً شَفّافةً لِنَظَرِ القارئ. فإنّما يكفي حُصولُ الفِعْلِ التاريخيِّ وانْدِراجُهُ في سِياقٍ لِيَسْتَوي فريسةً لإراداتٍ شَتّى وأسيراً لِمَجْرىً مُتَشَعِّبٍ لا يَضْبُطُ الفاعِلونَ، بالضَرورةِ، مَسارَهُ ووجْهَتِه. وما لا يَضْبُطُهُ الفاعلونَ لا يَتَبَيَّنُ للقُرّاءِ، كُلُّهُ أو جُلّه، من غَيْرِ عَناءٍ يَتَكَلّفونَهُ في الاسْتِطْلاعِ ومُغامَرةٍ في الاسْتِدْلال. ويَزيدُ العَناءَ عَناءً أنّ مَواقِعَ القُرّاءِ تَكونُ مُغايِرةً، على أنْحاءٍ مُخْتَلِفةٍ، لِمَواقِعِ الفاعِلين. ذاكَ ما يُشيرُ إليهِ تَنْويهُنا بِ”الإلْغازِ” في الوَقائع. ولَكِنّ هذا العَناءَ في اسْتِكْشافِ الدلالةِ المُلْغَزةِ وتَبَيُّنِ السِياقِ الفِعْلِيِّ والمَآلِ المُرَجَّحِ شَيءٌ مُخْتَلِفٌ كُلِّيّاً عَن رَدِّ الوَقائعِ، طَوْعاً أو قَسْراً، إلى “طبيعةٍ” مِعْيارِيّةٍ أو دينامِيّةٍ مَبْدَئيّةٍ مُعْتَمدة. بل إنّهُ يَجوزُ اعْتِبارُ ذاكَ العَناءِ ضِدّاً لِهذا الرَدّ.

إسرائيلُ ودُوَلُ “الجَنوبِ العالَمِيِّ” الكُبْرى

في العلاقاتِ الدوليّةِ الجاريةِ وقائعُ قابلةٌ للقياسِ يَسَعُ الإلْمامَ بِها أن يُعَدّلَ قليلاً أو كثيراً صُوَراً بَقِيَت راسِخةً وقَد أَكَلَ عَلَيْها الدَهْرُ أو هِيَ تُسْتَنْتَجُ اسْتِنْتاجاً مِن هُوِيّاتٍ شاخت وما تَزالُ تُفْتَرَض لَها فاعِلِيّةٌ في توجيهِ السُلوكِ فَقَدت مُعْظَمَها، في الواقِع.

مِنْ ذاكَ أنّ انتِسابَ إسرائيلَ إلى ما يُدْعى “الغَرْب” (وهو حاصِلٌ مَبْدَئيّاً) لم يَحُلْ بينَها، في ميدانِ السِياسةِ التِجاريّةِ، وبَيْنَ وَضْعِ قدَمٍ في ال”جي٧” (الذي يضُمّ أبْرَزَ الدُوَلِ الغَربيّةِ ومَعَها اليابانُ وتَقودُهُ الولاياتُ المتّحدة) وقَدَمٍ في ال”بريكس+” (الذي باتَ ينطُقُ باسمِ “الجنوبِ العالَمِيّ”) وتَتَصَدَّرُه الصينُ والهِنْدُ وروسيا.

فَخِلافاً لتَصَوُّرٍ مَبْدَئيٍّ يَبْدو شائعاً في دِيارِنا، نَمَتْ علاقاتٌ طَيّبةٌ إجْمالاً بَينَ الصينِ “الجديدةِ” وإسرائيلَ أَسْفَرَت عن جَعْلِ الصينِ ثاني شَريكٍ تِجارِيٍّ لإسْرائيل: تَحلُّ بَعْدَ الوِلاياتِ المُتّحدةِ مباشرةً.

هَذا وأفادَت إسرائيلُ من اضطرابِ العَلاقاتِ الإجْمالِيِّ بينَ الهِنْدِ، بَعْدَ اسْتِقْلالِها، وبَيْنَ العالمِ الإسْلامِيِّ فأنْشَأَت مَعَها شَبَكةَ علاقاتٍ لَعَلَّ أَبْرَزَ عَناوينِها أنّ إسْرائيلَ هِيَ أَبْرَزُ مُصَدّرٍ للسِلاحِ إلى الهِندِ بَعْدَ روسيا.

هذه الأخيرةُ تَعَهّدت، في عهدِها البوتينيّ، توثيقَ عَلاقاتِها بإسرائيلَ جاعلةً عنواناً له أنّ الروسيّةَ هي اللغةُ الثالثةُ المَنْطوقُ بِها في إسْرائيلَ، بَعْدَ العِبْرِيّةِ والعَرَبِيّة، وأنّ اليهودَ ذَوي الأصولِ الروسيّةِ يُمَثّلونَ نَحْوَ ١٧٪؜ من سُكّانِ إسرائيلَ بِما لِذلك مِنْ تَبِعاتٍ سِياسِيّةٍ، انْتِخابِيّةٍ على الخُصوصِ، في المُجْتَمَعَينِ مَعاً.

وفي أثناءِ إقامَتَيْهِما المَديدَتَينِ على رأسِ السُلْطةِ، وجَدَ بوتين (أبو علي!) ونتانياهو فُرَصاً عِدّةً للتَعْبيرِ عن المَوَدّةِ الشخصِيّةِ الوثيقةِ العُرى، القائمةِ بَيْنَهُما. وتُعَزِّزُ هذهِ المَوَدّةُ حِسابَ روسيا الإستراتيجيّ لعَلاقاتِها بإيران: فَيَدَعُ بوتين حَبْلَ نتانياهو على غارِبِهِ في سوريا لِيَضْرِبَ ما شاءَ له الضَرْبُ مَواقعَ الإيرانيّين ومُناصِريهِم. ولا تَبْدُرُ مِنْ الدُبِّ الروسِيِّ معارضةٌ – تَبْقى لَفْظِيّةً، خِلْواً من العواقبِ، في كُلّ حالٍ – ما لَم يتسبّبْ لهُ الفُحْشُ الإسرائيليّ بحَرَجٍ دُوَليٍّ اسْتِثْنائيّ أو يَتَعَرّضْ لإحدى طائراتِهِ بِشَرّ.

هذه السَماحةُ الروسِيّةُ يُقابِلُها نتانياهو بِمِثْلِها وأحْسَن. فَيَتَجاوزُ العلاقةَ الوطيدةَ بينَ أوكرانيا وإسْرائيلَ ويَتَجاوزُ الرَغبةَ الأمْيركيّةَ مِراراً أيضاً إذ يرفضُ ضَمّ صَوْتِهِ إلى أيٍّ من الإجراءات الدوليّةِ المُهِمّةِ التي ووجهت بها روسيا منذ احتلالها القُرمَ سنةَ ٢٠١٤ إلى حَربِها الجارِيةِ على أوكرانيا (التي يَتَرأّسُها يهوديّ وتوجَدُ فيها واحدةٌ مِن أَكْبَرِ الجَماعاتِ اليَهودِيّةِ في أوروبا) ويَرْفُضُ أيضاً تَزويدَ هذه الأخيرةِ منظومةَ الدفاعِ الجَوّيّ المعروفةَ بالقُبّةِ الحَديديّة، مكتَفِياً بفُتاتِ “معونةٍ إنسانيّةٍ” يَبْعَثُ بِهِ إلى الأوكرانيّين!

لا نَذْهَبُ إلى القَوْلِ أنّ إسرائيلَ تُمْلي سِياسةَ أيٍّ من هذه الدُولِ العُظمى في شَرْقِنا العَرَبيِّ، بما في ذلك الموقِفُ مِنْ أطوارِ الصِراعِ الفلسطينيِّ الإسرائيليّ. فهذه دُوَلٌ كُبْرى، في آخِرِ المَطافِ، وحِساباتُ كلٍّ مِنْها على قَدْرِها! ولكنّ إسْرائيلَ قابضةٌ على أوراقٍ ذاتِ شَأنٍ (تتَزَوّدُها من تَقَدُّمِها التكنولوجيّ البارزِ، على الخُصوص) في مُجاذَبَتِها هذه الدُوَل. ولا تأتَمِرُ إسْرائيلُ بأمْرِ الولاياتِ المتّحدةِ دائماً ولا تَرعى دَواعيَ انْتِمائها الغَرْبيِّ بِلا قَيْدٍ أو شرط.

ولا تُعَدُّ روسِيا أو الصينُ أو الهِنْدُ مَكْسوبةً بلا تَحفُّظٍ للجانبِ العَرَبيِّ حينَ تَكونُ إسرائيلُ في المُواجَهة. فإنّ في يَدِ هَذه الأخيرةِ ما تَحِدُّ بهِ، قليلاً أو كثيراً، من اعْتِراضِ هذه أو تلكَ على سياستِها، حينَ يَحْصُل. نَما ما أَشَرْنا إليهِ من علاقاتٍ وثيقةٍ بينَ هذه الدولِ وإسرائيل فيما إسرائيلُ ماضيةٌ قُدُماً في الاحْتِلالِ والاستيطانِ وفي التَنْكيلِ العُنْصُرِيِّ بالفلسطينيّين. لم يَلْجم العدوانُ توثيقَ العَلاقاتِ المُشارِ إليها، إذن، ولا هُوَ لَطّفَ من حَرارتِها إلّا في مَواسِمِ التَأَزُّم.

الصورةُ الماثلةُ “على الأرضِ”، إذنْ، بعيدةٌ للغايةِ عن تِلكَ الشائعةِ في دِيارِنا: تلكَ التي يُؤسِّسُ عَلَيْها أكْثَرُنا ما يَحْسَبونَهُ نِظاماً للعالَم، وهو إلى أضْغاثِ الأَحْلامِ أَقْرَب!

في الحنين إلى ترامواي بيروت!

هل أنا واهمٌ أم هي تتكاثرُ فِعْلاً هذه المواقعُ التي تنشرُ صُوَراً لبيروتَ في ربعِ القرنِ الذي سَبَقَ الحربَ ودمارَ وسطِ العاصمة؟

يُقالُ لَنا: انْظُروا إلى الترامواي! فننْظُرُ ونَراهُ ولكن لا يُقالُ لَنا ما المتعةُ التي يُفْتَرَضُ أن نجدَها في مَنْظَرِهِ وما الشعورُ الذي يُرادُ لذِكْراهُ أن تُثيرَهُ فينا. ويُقالُ لَنا: انظُروا إلى سيّاراتِ ذلك الزَمَنِ: كم هي جميلة! فَنَنْظُرُ ونَرى سَيّاراتٍ ولا نَراها جميلة! ويُقالُ لَنا انْظُروا إلى البناياتِ التُراثيّةِ الرائعةِ في ساحةِ البُرْج! هَهُنا يَبْلُغُ السَيْلُ الزُبى: متى كانت بناياتُ ساحةِ البُرْجِ تُراثيّةً، يا صاحِ، وما مَعْنى “تُراثِيّة” هَهُنا؟ ومَنْ هذا الذي كانَ يَنْظُرُ إليها فيَراها “رائعة”؟

وعَلى ذِكْرِ السَيْلِ: مَنْ يَذْكُرُ أيّامَ المَطَرِ وعُبُورَ شارِعِ الأمير بَشير على ظَهْرِ حَمّال؟ لَمْ يَكُنْ هذا الحَمّالُ بِسَلّ! الحَمّالونَ بِسَلٍّ كانَ الواحِدُ مِنْهُم يَدْفَعُكَ والآخرُ يَتَلَقّاكَ على بُعْدِ أمتارٍ مِن هُناكَ إذا كانَ اليومُ يَوْمَ نَحْسِكَ ونزلْتَ دَرَجَ خانِ البَيْض إلى حيثُ السّمَكُ والخُضار. وهل تُراكَ نسيتَ “الزَمَنَ الجَميلَ” الذي أمْضَيْتَهُ في السرفيس، مُتَصَبِّباً في حُمارّةِ القَيظِ، وأنتَ على سَفَرٍ بينَ ساعةِ الغداءِ وساعةِ العَصْرونيّةِ من أوّلِ جِدارِ جَبّانةِ الباشورةِ إلى آخره؟

نَحْنُ كُنّا هُناكَ، يا أَخانا، وعايَنّا الأبنيةَ “التُراثيّةَ” (أي الانتِدابيّةَ، على الإجْمالِ)… عايَنّاها من الداخلِ ونَعْلَمُ كَم كانت مُنْهَكةً! ونَعْلَمُ أنّ الترامواي ألغيَ لأنّهُ عادَ لا يُطاقُ ولا يُطيقُ غَيرَهُ من المَرْكَبات، ونَعْلَمُ أيضاً أنّ بديلَهُ (الذي لا تُعْفينا المواقعُ المُشارُ إليها من بعضِ صُوَرِهِ!) لَمْ يَكُن خَيراً منه فِعْلاً! نَعْلَمُ أنّ “البَلَدَ” ذاكَ كانَ مُتَهالِكاً للغايةِ وأنّ كلّ ما هو “طليعيٌّ” في العاصمةِ: من التجارةِ إلى الصحافةِ والنَشْرِ إلى السينَما إلى المَقاهي والمَلاهي، إلخ.، كان قد راحَ يهْجُرُهُ، أَوّلاً بأَوّلٍ، إلى فضاءاتٍ أخرى.

كانَ الوسَطُ أو “البَلَدُ” محتاجاً إلى تجديدٍ لئلّا يتحوّلَ إلى صحراء موبوءة.

عِوَضَ تجديدهِ، هدَمَهُ المُتَحاربونَ بَعْدَ أن حَوّلوا أطرافَهُ إلى بؤرٍ موبوءةٍ فِعْلاً. وبَعْدَ الحربِ أُخْضِعَ تجديدُهُ لمَنْطقٍ ألغى صفَتَهُ العُموميّةَ بِما هُوَ وَسَطٌ مَفْتوحٌ لِعاصمة. ولم يلْبَثْ هذا الإلغاءُ أن أتاحَ للحربِ المُسْتَمِرّةِ (المُسْتَتِرةِ إلى هذا الحَدِّ أو ذاك) أن تُحيلَهُ مُجَدّداً إلى صَحراءَ: صَحْراءَ لا هي مُتَهالكةٌ ولا هي موبوءةٌ. صحراءَ فاخرةٍ: فاخرةٍ وقاحلة.

هذا والتفكيرُ في شُروطِ عَودةِ الوسَطِ وَسَطاً أو “بَلَداً” لا يَسْتَقيمُ ما لَمْ يَكُنْ تَفكيراً في مَصيرِ العاصمةِ ومَكانِها من البلادِ كلّها، أي في مَصيرِ البلادِ كُلِّها.

ذاكَ تفكيرٌ لا يَصْلُحُ لهُ أن يُباشَرَ برَشْوَتِنا بالحنينِ إلى التراموايِ ولا هو يَنْتَفِعُ باخْتِراعِ “زمَنٍ جَميلٍ” لوسطٍ كانَ، في ذلك الزَمَنِ بالضَبْطِ، قد باشَرَ الاخْتِناقَ بأَزْمَتِه.

بلتيمور في ٤ نيسان ٢٠٢٤

الممانعة وحربُها

الممانعةُ ما الممانعةُ وما أدراكَ ما الممانعة؟
عمادُها نظامانِ: الإيرانيُّ والسوريُّ!

في الحربِ الدائرةِ، رَدَّدَ الأَوّلُ، بَعْدَ كُلِّ أذانٍ، أنّهُ لَم يُبادِرْ إلى إشْعالِ فَتيلِ الحَرْبِ ولا هُوَ يَرْغَبُ في “توسيعِها” (أي في دُخولِها).

ولَمْ يَنْطُق الثاني بَلْ واصَلَ تَلَقّي الصَفَعاتِ صامِتاً: من دمشقَ إلى حلَب ومن ديرِ الزورِ إلى الجولان.

وَحْدَهُ حُدَيْدانُ اللبْنانيُّ قال: “المعركةُ معركتُنا!” مُعْفِياً سائرَ الممانَعةِ مِن تَبِعاتِ الممانعةِ المُباشِرةِ كافّةً.

حُدَيْدانُ اللُبْنانيُّ قالَ أَيْضاً إنّهُ يُخَفِّفُ عن غَزّةَ، ولَمْ يَثْبُتْ هَذا بَلْ ثَبَتَ عَكْسُه. وقالَ إنّهُ يَرُدُّ العُدْوانَ عن لُبْنانَ، ولَمْ يَثْبُتْ هَذا بَلْ ثَبَتَ خِلافُهُ، والآتي قد يَكونُ أَعْظَم!

مَعَ هَذا كُلِّهِ، يَزْعُمُ حُدَيْدانُ المَذْكورُ أنَّ المَعْرَكةَ مَعْرَكَتُهُ، أيْ أنّهُ لَيْسَ وَكيلاً فيها لأيٍّ مِن نِظامَي المُمانَعةِ المُشارِ إليْهِما. هُوَ وَحْدَهُ، لا “فَيْلَقُ القُدْسِ” ولا “قَلْبُ العُروبةِ النابضُ”، رُكْنُ المُمانَعةِ الرَكينُ وأَصْلُها الأصيلُ، والحالةُ هذه!

والحالُ أنّهُ لوً كانَ أَمْرُ حُدَيْدانَ بِيَدِهِ، إلى هذا الحَدِّ، لَكانَ أَوّلَ ما يَضَعُهُ في حسْبانِهِ أنّ الحَرْبَ لا تُخاضُ (إذا ظَهَرَ لَها موجِبٌ) ببِلادٍ مُفْلِسةٍ إلى هَذهِ الدَرَجةِ ومُجْتَمَعٍ مُفَتَّتٍ إلى هذا الحَدِّ وشَعْبٍ مُتَحَفِّزٍ (لَو كانَت مَقاليدُهُ بِأَيْدِيهِ!) لِمُباشَرةِ الحَرْبِ الأَهْلِيّة.

…ولكنَّ مَنْطِقَ النَشْأةِ غَلّابٌ وشَرْطَ الاسْتِمْرارِ شارِط…
ولَكِنَّ الأَمْرَ لَيْسَ لِمَنْ يُعْلِنُ أنَّ لهُ الأَمْر…

مشروع قانون لتنظيم الجامعة اللبنانيّة (آذار ٢٠٠٦)

في أواخر العام ٢٠٠٥ تشكّلت بمبادرة من وزير التربية والتعليم العالي آنذاك خالد قبّاني لجنة من حسن منيمنة وعبد الفتّاح خضر ومنّي لوضع مشروع قانونٍ جديدٍ لتنظيم الجامعة اللبنانيّة. كدَحنا كَدْحاً مُرّاً في هذا المشروع حتّى أنجزناه وكُنّا ورثةً في إعدادِهِ لمُبادَرَتَينِ أو ثلاثٍ سابقةٍ شهِدَتْها أعوامُ ما بَعْدَ الحَرْبِ. بعدَ ذلك طرَحْنا المَشْروعَ على المناقشةِ في الجامعةِ وتلقّينا ملاحظاتٍ مختلفةً عليه. وعند الاطمئنان إلى صيغةٍ مرضيةٍ للنَصِّ هيَ المَنشورةُ أدناهُ، دَعا الوزيرُ إلى ورشةِ عَمَلٍ مُوَسّعة لمناقشتِه. توَلّيتُ تَقديمَ المشروعِ بكلمةٍ أنْشُرُها هنا في موضِعٍ آخر. وعندَ ابتِداءِ المناقشةِ، تبيّن على وجهِ السُرْعةِ أنّ الذينَ دُعوا إليها كانوا، على الجُمْلةِ، أَهْلَ الأَمْرِ الواقعِ في الجامعةِ، المُعادينَ لأَيِّ إصلاحٍ أو تغييرٍ في هياكِلِها القائمة. عليهِ أَمْضَيْنا النَهارَ الطويلَ في الاستِماعِ إلى غَمْغَماتٍ لا تَرْقى إلى سَويّةِ ما يُسَمّى نَقْداً بُحَقّ، ولكن لم نتوانَ، من جِهتِنا، في تفنيدِها. وعندَما انطوى ذلكَ النَهار، انطوَت مَعَهٌ صَفْحةُ المَشْروعِ الذي كانَ يُفْتَرَضُ أن يُحالَ إلى مجلسِ الوزراءِ فأحيلَ إلى عتمةِ التَقاعُد. لم نسمع بهذا المشروعِ بعدَ ذلكَ أبَداً … حتّى أنّنا نسيناهُ نحن أيضاً، في ما يبدو لي، ولم ننشُرْهُ أبداً في أيّ وقت. إلى أن وقَعْتُ عليهِ بينَ مَلَفّاتي القديمةِ مؤخّراً وأعَدْتُ قراءتَهُ فصَمّمْتُ على نشرِهِ ومعهُ الكلمة التي قدّمتُهُ بِها في الورشة. أنشُرُهُما هنا إذن وفي المدوّنةِ المسمّاة “أدراجَ الرياح

adrajarriyah.wordpress.com

وهي التي أنشأتُها قَبْلَ سَنَواتٍ لِنَشْرِ وثائقَ كنتُ طَرَفاً في إعدادِها أو مُبادِراً إلى حِفْظِها ثمّ ذهبَت المشروعاتُ التي اُنْتِجَت الوثائقُ في سياقِها… أدراجَ الرِياح…

العربيّةُ ومكانتُها في عصرِ الإنترنت

مشاركة في الكتاب الجماعي “كيف يتعلّم أبناؤنا العربيّة في المهاجر؟”، مؤسّسة الفكر العربيّ، بيروت ٢٠٢٣.

المدن – فالوذَجُ الورَقِيِّ ولوزينَجُ الرقْميّ…مَلامِحُ للثورةِ الجاريةِ في كوكَبِ الكُتُب

Source: المدن – فالوذَجُ الورَقِيِّ ولوزينَجُ الرقْميّ…مَلامِحُ للثورةِ الجاريةِ في كوكَبِ الكُتُب

حين غادرتُ بيروت إلى بلتيمور بنيّةِ الإقامةِ في هذه الأخيرةِ – وكانَ ذلك قَبْلَ ما يَقْرُبُ من عامينِ – اتّسعَت حقائبي لكتابينِ ورقيَّينِ أو ثلاثةٍ لا أكْثَرُ. هذا بينَما خَلّفْتُ ورائي آلافاً عدّةً من الكُتُبِ جمَعْتُها في عُمْرٍ بحالِهِ فتكاثَرَت إلى أن اكتظَّ بها منزلايَ اللبنانيّانِ (ولو أنّ الجنوبيَّ مِنْهُما بقِيَ أكثرَ ترحيباً بالمزيدِ منها مِن البيروتيّ!) حتّى جازَ للعائلةِ التساؤلُ كلّما حلَّ على الرفوفِ المثقَلةِ ضيفٌ جديد: “متى تطردُنا الكتُب من بَيتِنا؟”

خَلّفتُ ورائيَ الكتبَ والبيتينِ والسؤالَ إذن (لأسبابٍ لا مسؤوليّةَ عَنْها للكُتب!) ولكن حَملتُ في حقيبةِ يدي الصغيرةِ لوحاً إلكترونيّاً مطويّةً جوانِحَهُ على نَيِّفٍ وألْفَيْ كتابٍ فَضْلاً عن موادَّ أخرى كثيرة… هذا اللوحُ (الذي أسْتَعْمِلُهُ الآنَ لكتابةِ هذه المقالةِ) يَزِنُ أقَلَّ من نصفِ كيلُغْرامٍ بقليلٍ ويُعادِلُ طولُهُ وعَرْضُهُ، على التقريبِ، طولَ كتابٍ واحدٍ من القَطْعِ الوسَطِ وعَرْضَهُ وتَقِلُّ سماكتُه عن سماكةِ كتابٍ من مائةِ صفحة.

بنِعْمةٍ من مكتبَتي الصغيرةِ هذهِ (وقد جمعتُها في عَقْدٍ وبعضِ عقدٍ من الزمنِ، وهي قابلةٌ للزيادةِ غيرِ المحدودةِ إلّا بِهِمّتي ومَوارِدي) أواصِلُ، في مَهْجَري الأميركيِّ، ما تطيبُ لي مواصلتُهُ من نشاطي اللبنانيِّ (وخُلاصَتُهُ القراءةُ والكتابةُ) من غيرِ شعُورٍ بفُقْدانِ شيءٍ من اللوازمِ المعتادةِ لهذا النشاطِ تقريباً. بلى أسألُ نَفْسي أحياناً: ما تَكُونُ حالي لو رغِبْتُ في الكتابةِ عن المجلّةِ القديمةِ الفلانيّة أو في مجرَّدِ الرجوعِ إلى بعضِ أعدادِها، وهي متوقّفةٌ عن الصدورِ وغيرُ مُرَقْمَنةٍ وتَقْبَعُ مجموعتُها على الرفّ الفلانيِّ في منزِلي الجنوبيّ؟ لا يُشْعِرُني السؤالُ ببَرْدٍ ولا بِحَرٍّ – والحَقُّ يُقالُ – وذاكَ لِعِلْمي أنّ الأمْرَ مستَبْعَدٌ، ومُسْتَبْعَدٌ ما هُوَ مِن قبيلِهِ أيضاً، في المَنْظورِ من أيّامي على الأقَلّ. لذا يبقى السؤالُ مُجَرّداً يُشْعِرُ، إنْ أشْعَرَ بشيءٍ، بِسَعْيٍ في غيرِ محلِّهِ إلى إعجازِ النفْس!


أعلَمُ أنّ ما سَبَقَ بعيدٌ جدّاً عن اسْتِنْفادِ المَوْضوعِ وأنَّ التحكيمَ بينَ الكتابِ الورَقيِّ والكتابِ الرقْمِيِّ أشْبَهُ شيءٍ بالتَحْكيمِ بينَ الفالوذَجِ واللوزينَجِ في قَوْلِ أَشْعَبٍ الطُفَيْليِّ وهو يَلْتَهِمُ ما قُدِّمَ إليهِ من هذا وذاك: “كُلَّما هَمَمْتُ بالحُكْمِ لواحدٍ أَدْلى الآخَرُ بِحُجَّتِه!” وأوّلُ ما يستحسَنُ التنويهُ بِهِ أنّ مزايا الكتابِ الرقميِّ لا تنحصرُ في خفّةِ حَمْلهِ أو في انعدامِ وزنِهِ أصلاً، بالأحرى، ولا في استغنائهِ عن الرفوفِ والخزائنِ وعزوفِهِ عن احتلالِ الجُدران. بل يزيِّنُ اقترانُ الوزنِ بالثَمَنِ، في العبارةِ الشائعةِ، أن نذكُرَ التدنّي النسبيِّ لكلفةِ الرقميِّ ولثَمَنِهِ، بالتالي، بالقياسِ إلى الورقِيِّ. ويصِلُ تدنّي الثَمَنِ إلى حَدِّ الإلغاءِ في حالةِ الكُتُبِ التي تُرَقْمَنُ بعْدَما تسقطُ حقوقُها، بالأقدميّةِ أو بغَيْرِها، من يدِ أصحابِها الأصليّين. فهذه، وقد باتت تحصى بالملايينِ وتتوزَّعُها لغاتٌ كثيرةٌ، يُمْكِنُ الحصولُ عليها بشَرْطِ حيازةِ التجهيزِ المناسبِ والصلةِ بالشَبَكةِ، لا غيرُ. هذا ويشتَمِلُ وضعُ انعدامِ البَدَلِ على ما هُوَ مقَرْصَنٌ من الكُتُبِ، وإن تَكُنْ الحقوقُ فِيهِ ما تَزالُ محفوظةً، وهذا أيضاً باتَ كثيراً وتتعاطاهُ، على الشبكةِ، مواقعُ كبيرةٌ وصغيرةٌ (يتقاضى بعْضُها بَدَلَ اشتراكٍ زهيداً ويَتَعاطى بَعْضُها النَصْبَ) ولا تُفْلِحُ في قَطْعِ دابِرِهِ جهودُ المكافَحة.


في المَساقِ نفْسِهِ، يُتيحُ انْعِدامُ الوزنِ المُشارُ إليهِ شراءَ الكتابِ الرقْمِيِّ عن بُعْدٍ، أي بِلا حاجةٍ إلى الانتِقالِ في طلَبِه، وهو ما باتَ ميسوراً في حالةِ الكتابِ الورَقِيِّ أيضاً إذ تُسَوِّقُهُ وتُسَوِّقُ غيرَهُ من السِلَعِ عن بُعْدٍ مؤسّساتٌ متفرّغةٌ بعْضُها عالميُّ النطاق. ولكنّ الكتابَ الرقميَّ يكونُ الحُصولُ عليهِ فَوريّاً أو شِبْهَ فوريٍّ عادةً فيما يستغرقُ سَفَرُ الكتابِ المادّيِّ وقتاً وقد تترتّبُ عليهِ نفَقةٌ مضافة. وما يصِحُّ في الشِراءِ عن بعدٍ باتَ يَصِحُّ في الاستعارةِ عن بُعْدٍ أيضاً: فإنّ كثيراً من المكتباتِ الكبرى اعتمَد نظاماً للإعارةِ بشُروطٍ تختلِفُ من حالةٍ إلى أخرى. وهو ما يُتيحُ للقارئِ المؤهَّلِ أن يُطالِعَ، من غيرِ أن يُغادِرَ مقامَهُ، كتاباً (رُبَّما يكونُ نادراً أو قديماً أو يَكُونُ مَخْطوطاً) تولّت رَقْمَنَتَهُ مكتبةٌ واقعةٌ في الجهةِ الأخرى من الكوكب.

تُيَسِّرُ هذه الميزاتُ كلّها، على نحوٍ غيرِ مسبوقٍ البَتّةَ، مهمّةَ الحصولِ على الكتاب. ويُقارَنُ اختِراعُ الكتابِ الرقْميِّ ودورانُهُ عَبْرَ الإنترنتّ بثوراتٍ تاريخيّةٍ كبرى، في هذا المِضْمارِ، أظْهَرُها اختِراعُ المطبعةِ ومفاعيلُه. فماذا الآنَ عن تجربةِ القراءةِ، بَعْدَ تحصيلِ الكتابِ، وهي تُمَثِّلُ الوجهَ الآخرَ المُتَمِّمَ للمقارنةِ بين الرقْمِيِّ والورقيِّ. هَهُنا أيضاً يُظْهِرُ الكتابُ الرقْمِيُّ طواعيةً غيرَ معهودةٍ في تَلَقّي القارئِ المُقْبِلِ عليهِ. فإنّ الشاشةَ المُضاءةَ تسمَحُ بالقراءةِ في العتمةِ، إذا عزَّ الضوءُ المُحيطُ لأيِّ سَبَبٍ كان. ويسمَحُ تكبيرُ الحُروفِ، وهو يحصُلُ بحركةٍ يسيرةٍ من الأصابعِ، بالقراءةِ المريحةِ لضِعافِ البَصَرِ أو لِمُتْعَبيه. ويستقْبِلُكَ الكتابُ الذي باشرتَ قراءَتَهُ مفتوحاً على الصفحةِ التي بلَغْتَها منه، إلخ.


هذا وهذهِ الميزاتُ الأخيرةُ متعلّقةٌ بالشُروطِ المادّيّةِ أو الخارجيّةِ للقراءة. فإذا سرّحْنا النَظَرَ الآنَ إلى المَضْمونِ وأدواتِ التعاملِ معهُ ووجوهِ الإفادةِ منهُ، طالَعَنا الكِتابُ الرقْمِيُّ بجديدٍ رائعٍ الجِدّةِ هنا أيضاً. وأوّلُ ما يُذْكَرُ، في هذا البابِ، ميزةُ “البحثِ” وهي تبيحُ استعادةَ المقاطِعِ من الكتابِ التي وردَت فيها كلمةٌ أو عبارةٌ يرغبُ القارئُ في الاطّلاعِ على ما يتعَلّقُ بها من الكِتابِ… فيُعْرَضُ عليهِ هذا كلَّهُ بتتابعِ الوُرودِ صفحةً بَعْدَ صفحة. وتَرُدُّنا وظيفةُ البحثِ هذه إلى الفَهارسِ المختَلفةِ التي تُزَوَّدُ بِها كتبٌ ورقيّةٌ كثيرة، وهي، في كلِّ حالٍ، تبقى ظاهرةً في موضِعِها من الكتابِ إذا خَضَعَ لرَقْمنةٍ لاحقة. على أنّ الاختِلافَ قائمُ بين الحالتينِ، وتفَوُّقُ الرقميِّ ظاهرٌ هنا أيضاً. فإنّ بعضَ الكُتُبِ تلحقُ بِهِ فهارِسُ وبعضَها يصدُرُ مجرّداً منها، ولا يُرادِفُ الغيابُ والحُضورُ دائماً غيابَ الحاجةِ إلى الفهارسِ وحُضورَها. ثُمَّ إنّ الماثلَ في الفهرسِ الورقيِّ مُقْتَصَرٌ بالضرورةِ على عناصرَ من الكتابِ مختارة. فيمكِنُ أن يَتَوَصَّلَ المُفَهْرِسُ إلى حَصْرِ الأعلامِ فعلاً في فهرسٍ خاصٍّ بِها. ولكنّهُ إذا أرادَ، مَثَلاً، حصْرَ المُصْطَلَحِ لم يُؤْمَن التعَسُّفُ من جهتِهِ في الأخْذِ والتَرْكِ ولم تُضْمَن بالتالي حَصْرِيّةُ الفهرسِ ولا اضطِرادُ تَجَنُّبِهِ لِما لا يَنْبَغي أن يَرِدَ فيه أيضاً.


وأمّا برمَجِيّةُ القراءةِ فتأذَنُ بالبَحث عن أيّةِ كلمةٍ في أيِّ كتابٍ يعتَمِدُها، سَواءٌ أكانَ الكتابُ روايةً أو تاريخاً لعلمِ الفيزياءِ وسَواءٌ أكانت الكلمةُ علَماً أو مُصْطَلَحاً أَمْ كانت غيرَ ذلك. هكذا يسعُك البَحْثُ عن اسمِ هيغل في كتابٍ لإنجلز ويسعُكَ البَحْثُ عن حرفِ جَرٍّ ما ترغَبُ في درسِ معانيهِ المختلفةِ في روايةٍ لفلوبير أو للطيّب صالح!

وفي رِكابِ مزيّةِ البَحثِ تقعُ مزيّةُ الإحالةِ الفوريّةِ، في متنِ النَصِّ أو في الحواشي، إلى أعمالٍ أخرى مختلفة. فتكفي نقرةٌ لرابطٍ في حاشيةٍ، مثَلاً، لـ”فَتْحِ” مقالةٍ ما، رقميّةٍ هي الأُخْرى، اتَّخَذَها المؤلّفُ مرجِعاً لبَعْضِ ما قَدَّمَ ويريدُ إطلاعَ القارئِ على ما ذَكَرَهُ منها. مثْلُ هذا لا يَأْذَنُ بِهِ الكتابُ الورقيُّ بطبيعةِ حالِه. وهو قد أصبَحَ كثيرَ الورودِ في المراجعِ العامّةِ المستجيبةِ لمُمْكِناتِ العَصْرِ الرقميِّ، فَنَقَعُ في الموسوعاتِ الجديدةِ، مَثَلاً، على روابطَ مفضِيةٍ إلى وثائقَ أو إلى خرائطَ وجَداولَ وموادَّ تَكْميليّةٍ أخرى… بل أيضاً إلى أشرطةِ فيديو في بعضِ الحالات. وما هذا إلّا التجسيدُ المتعلّق بالكُتُبِ لمزيّة عامَةٍ من مَزايا الأنترنتّ: ألا وهي التَفاعُليّة.

ولنُشِرْ هنا إلى أنّ الإحالاتِ الفَوْريّةَ (وهي رائجةٌ في المَجَلّاتِ العلميّةِ حيثُ سادَ الرقميُّ وهَيْمَنَ وباتت لمقالاتِ الباحثينَ روابطُ بحيثُ يُحيلُ بعضُها إلى بعضٍ) راحت تلقى إقبالاً متزايِداً في الصحافةِ الرقْمِيّة بعُمومِها. فيتآزَرُ التحريرُ والإخراجُ في التفَنُّنِ فيها إلى حَدٍّ أخَذَ يُغَيِّرُ ما كُنّا بَدَأْنا نألَفُهُ من مَظهَرٍ عامٍّ للصَحيفةِ الرقميّةِ نفْسِها. ولا يجانِبُ “الورَقِيّونَ” الصوابَ كَثيراً إذْ يأخُذونَ على هذه الإحالاتِ المتنوّعةِ إفضاءَها المُحْتَمَلَ إلى تشتيتِ انْتِباهِ القارئِ، فلا ينتهي إلى حصيلةٍ منظّمةٍ لِما اقْتَرَحَهُ عنوانُ المقالةِ بِدايةً. ولكنّ موضوعَ الصحافةِ الرقميّةِ موضوعٌ كبيرٌ قائمٌ برَأْسِهِ أشَرْنا، في معرِضِ كلامِنا على الكُتُبِ، إلى مَلْمَحٍ من مَلامِحِهِ المُسْتَجَدّةِ ولا يَتَّسِعُ هذا المَقامُ للتَبَسُّطِ فيه.

إلى ذلكَ كُلِّهِ، كانَ أنصارُ الوَرَقِيِّ يُشَدّدونَ إلى وقتٍ قريبٍ على الملاحظاتِ التي يُدَوِّنونَها في حواشي الكِتابِ والعلاماتِ والخطوطِ التي يُمَيِّزونَ بها مقاطِعَ استوقَفَتْهم وعلى مكانةِ هذا كُلِّهِ من علاقَتِهِم بالكُتُب. ولكنّ البرمجيّةَ لم تلبَث أن أخذت تَعْرِضُ على الشاشةِ أقلاماً تَتَنَوَّعُ ألوانُها وسَماكةُ خطوطِها يختارُ القارئُ بنَقْرةٍ ما يُناسبُ غرضَهُ منها ثمّ يخطُّ بإصبَعِهِ ما يشاءُ حيثُ يشاءُ من الصفحة. وهذا إلى ممحاةٍ يسَعُهُ استعمالُها لإزالةِ ما خَلّفَهُ القلَمُ أو تصويبِه: تكفي لذلك حركةٌ نظيفةٌ لا تُتْلِفُ الصفْحةَ ولا تُبْقي أثَراً غير مرغوبٍ فيه مَهْما يَكُن. حتّى أنّ البرمجيّةَ تُزَوِّدُك أيضاً علامةً تعادِلُ ثَنْيَ زاويةِ الصفحةِ في موضِعٍ من الكتابِ ترغبُ في العودةِ إليهِ لاحقاً!


ما الذي يبقى لفالوذَجِ الورَقيِّ يُقابلُ بِهِ هذا الهَرَمَ من المَزايا التي للوزِينَجِ الرَقْميّ: ما سَجّلناهُ منها وما قد يكونُ فاتَنا؟ في صعيدِ الواقِعِ المادّيِّ، يَبْقى القَليلُ بِخِلافِ ما زَعَمَ أشْعَب! تبقى أُلْفَتُنا الحِسّيّةُ لِمَلْمَسِ الكتابِ وحُضورِه بيْنَ أيدينا وتحتَ أنْظارِنا واعْتِيادُنا العَبَثَ بِهِ، ويبقى ما يُسَمّيهِ بعضُنا “رائحةَ” الورقِ معَ أنّ هذهِ مألوفةٌ، بخاصّةٍ، لوَرَقِ الصُحُفِ الرَديءِ حالَ خُروجِها مِن المَطْبَعةِ وللكُتُبِ إذا أَصابَتْها رُطوبةٌ تُورِثُ عَفَناً مُنْذِراً بالتَلَف. وتَبْقى الطُقوسُ الأنيسةُ لزيارةِ المَكْتَباتِ والتَلَبُّثِ فيها: ما كانَ مِنْها مَتاجِرَ وما كانَ دوراً للمُطالعةِ والبَحْثِ، وبَعْضُ هذهِ أشْبَهُ بالمَتاحِفِ أو الكاتدرائيّات. وتَبْقى “وَجاهةُ” الرُفوفِ المكتنَزةِ وجَمالُها في البيتِ أو في المَكْتبِ واستواءُ المكتبةِ “سيرةً” لصاحِبِها والأُنْسُ بحُضورِ الكُتُبِ عليها ولَوْثَةُ اقتنائها: ما قُرِئَ مِنْها وما لَنْ يُقْرَأ. ولَكِنَّ ابْنةَ أُخْتي الأميركيّةَ امْتَدَحَت بِحَماسٍ، على مَسْمَعٍ مِنّي، مَكْتبةَ الكُلّيّةِ التي تُزاوِلُ فيها أبْحاثَها مشيرةً إلى أنّها خاليةٌ من أَيِّ كِتابٍ على رَفّ! على أنّهُ يتعيَّنُ الالتِفاتُ، من الجهةِ الأُخْرى، إلى أنّ ما خَطّتْهُ البَشَرِيّةُ وما أخْرَجَتْهُ المطابعُ لم يُرَقْمَنْ كُلُّهُ إلى اليومِ، وإن يَكُن السَعْيُ جارياً على أقدامٍ وسيقانٍ كثيرة.


واضِحٌ، من بَعْدُ، أنّ الأمْرَ كُلَّهُ، على الجَبْهةِ الوَرَقيّةِ، مِزاجُ أجْيالٍ أخَذَت تَتَقَدَّمُ في العُمْرِ وتَضْؤلُ أَعْقابُها من جيلٍ إلى تاليه. هذا المِزاجُ وَجْهٌ عَزيزٌ من وُجوهِ حياةِ البَشَرِ، أو بَعْضِهِم، على الأصَحِّ، إلى أمْسِ بَلْ إلى اليَوْم! وما يَزالُ الحُضورُ الغامِرُ للكتابِ الورَقِيِّ حَوْلَنا يُسايِرُ هذا المِزاج. ولكنّ بعضَ الظواهرِ راحَ يُنْذِرُ بالضُمورِ المُضطَرِدِ لانتشارهِ وبِأَيلولةٍ شِبْهِ مُتْحَفيّةٍ له. ففضلاً عن الأزْمةِ العامّةِ التي تَضْربُ سوقَ الكُتُبِ مُشْتَمِلةً على المكتباتِ: من تجاريّةٍ يهجُرُها الزبائنُ وعامّةٍ يتضاءلُ روّادُها مع احتِيالِها في استِدراجِهِم، وعلى دورِ النَشْرِ التي تَعْصفُ بها أيضاً فوضى الرقمنةِ وازدهارُ القَرْصنة، تُسَجَّلُ ظواهِرُ من قَبيلِ “الطَبْعِ بحَسبِ الطلَبِ” تَشي بتَضعضُعِ الورقيِّ بدَوْرِها. فكأنَّما يُقالُ لك: “هَهْ! أنتَ من بقيّةِ السَلَفِ الصالِح؟ إذن نَسْحَبُ لك نسخةً ورقيّةً من الكِتاب!”

في هذا السِجالِ نفسِهِ، يُسَجِّلُ أنصارُ الورَقيِّ ما تورِثُهُ القراءةُ على شاشةٍ من تعبٍ للعينينِ ومن أرَقٍ في بعضِ الحالات. ولكنّ الشاشاتِ تتحَسّنُ لهذه الجهةِ أيضاً وتتَهاوى هذه الحُجّة. ما تزالُ الشاشةُ الممتازةُ مرتفعةَ السِعْرِ ولَكِنّ هذا لن يدومَ: ستُعالجهُ المنافسة. أمْرٌ أخيرٌ (ولكنّهُ ليسَ الآخِر!) يُسَجِّلُهُ الرقميّونَ من جِهَتِهِم: وهو أنّ الميلَ إلى تقليصِ الاعتِمادِ على الورقِ ينقِذُ كثيراً من أشجارٍ تحتاجُ إليها صِحّةُ الكوكبِ المُنْهَك ليَبقى في قَيدِ الحياة… المستقبَلُ للرقْمِيِّ إذن!

هذا ما اجتَمَعَ عندنا من معطياتِ سجالٍ مُسْتَشْرٍ، حيوِيٍّ للغاية، تتغيّرُ مُعْطَياتُهُ سريعاً على غِرارِ كلِّ شيءٍ يَنْتَمي إلى هذا المِضْمار. وما قَدّمناهُ بعيدٌ – لا رَيْبَ – عن الإحاطة. لم نُشِرْ إلى “الكتابِ المسموعِ” مَثَلاً! وهذا مع أنّهُ، وهو الصاعِدُ، قد يستوي “ثورةً في ثورةِ” الكتابِ الرقميّ. ولكنّ هذا حديثٌ يطول…