مستقبل لبنان بعينين مفتوحتين

مستقبل لبنان بعينين مفتوحتين

أحمد بيضون

يرتّب اللبنانيّ على نفسه عناءً ومشقّةً فادحين حالما يباشر النظر بعينين مفتوحتين في مستقبل بلاده وشعبه. أقول “بعينين مفتوحتين” وأقصد بما يلزم من جرأة العقل ولزوم الصدق في معالجة الوقائع ومخاطبة النفس والغير. وذاك أنّ تقليب الحال الراهنة على وجوهها واستطلاع ما يلوح في أفقها المحتمل لا يفضيان إلى شَيْءٍ يسيرٍ أو خطيرٍ ممّا قد يبيح لنا أن نستعيد فحوى العبارة المأثورة: “رُبّ ضارّةٍ نافعة.” بل الضارّة، فيما نحن فيه، سيتفاقم ضررها والنافعة لا يُرجّح لها تحقّقٌ أو استقرار.

لا تزال الحرب دائرةً ولا يبدو هيّناً استطلاع مسارها ومآلها القريبين ناهيك بأفقها البعيد وما يلوح فيه من حصائل محتملة. أسهل من هذا تسمية الملامح الكبرى لما جرى فعلاً وتبيّن ديناميّاتها الفاعلة الآن. بعد نجاحٍ بقي نسبيّاً جدّاً في احتواء الحرب في حدود “مشاغلةٍ” أريد بها “إسنادُ” المقاومة في غزّة، وهو احتواءٌ نصفه بالنسبيّة لإقدام الجيش الإسرائيليّ باكراً على خرق الحدود المرادة له مراراً، أطاحت إسرائيل هذه الحدود كليّاً، وذلك حالما مكّنها تطوّر الحرب في غزّة من تجهيز ما عدّته كافياً من قوىً على جبهتها اللبنانيّة للإقدام على تلك الإطاحة. أطاحت “المشاغلة” و”الإسناد” ومعهما نظريّة “الردع المتبادل” التي ألهمتهما وحملتهما إلى أمس. وكانت هذه النظريّة قد تكوّنت واستوت فرضيّةً معلنةً للمواجهة كلّها، من جهتها اللبنانيّة، قبل “المشاغلة” و”الإسناد” بسنين.

وأمّا ما عبّر عن سقوط هذه النظريّة فكان سلسلةً من الضربات الصاعقة المتتابعة مكّنت إسرائيل من إصابة حزب الله في جهازه القياديّ الأعلى حتّى قائده التاريخيّ ذي الموقع والمقام الفريدين في مساره كلّه. وهي ضرباتٌ كان قد سبقها، من بدء “المشاغلة”، ما دلّ على اكتناز الجانب الإسرائيليّ مخزوناً وطاقةً استخباريّين مهولين يدخلانها في دائرة الممكن، بل المرجّح الحصول. لم تصب هذه الضربات الجهاز البشريّ وحدهُ، بل أصابت البنية العامّة للحزب المسلّح وتجهيزه (بما في ذلك جهاز التواصل فيه) وأصابت مقرّاتٍ ومستودعات سلاحٍ متفرّقةً له.

على أنّ أفظع ما انتهى إليه العدوان إنّما هو تعميمه التهجير والتدمير (اللذين كان أثرهما قد لبث محصوراً، على الإجمال، في بلدات منطقة الحدود وقراها) إلى سائر ما اعتبرته إسرائيل مواطن لل”الحاضنة” أي مقاماً للشيعة اللبنانيّين في طول البلاد وعرضها. وهو ما كشف الخواء اللبنانيّ الكلّي من الاستعداد للحرب. وهو أيضاً ما أخفق حزب الله كلّياً في مداراة ما أسفر عنه من تحطيمٍ لأطر العيش كافّةً، وهذا بلا بدائلَ يسع مئات الألوف من النازحين، وهم ذوو مشاربَ سياسيّةٍ متنوّعةٍ، أن يركنوا إليها. وإنّما كان المعوّل على السلطة اللبنانيّة المتهاوية وعلى الهيئات الأهليّة والمواطنين الأفراد في تدابير اتّخذت، لا هي وافيةٌ بالحاجات ولا هي مستدامةٌ، لمواجهة كارثةٍ مهولةٍ، مجهولةِ المدّة والعواقب.

هذا وقد زاد من الوطأة السياسيّة للإخفاق الذي مثّله سقوط عقيدة “الاحتواء” و”الردع” أنّ “الإسناد” نفسه (بما هو غايةٌ أولى لفتح الجبهة اللبنانيّة) لم يظهر له أثرٌ في مجرى العدوان على غزّة إذ لبث هذا العدوان ماضياً في سبُلهِ القبيحة كافّةً ولا يزال…

الآن يواصل حزب الله مقاومةً شرسةً لما زعمت القيادة الإسرائيليّة أنّه عمليّةٌ برّيّةٌ “محدودةٌ” في الجانب اللبنانيّ من شريط الحدود تريد بها إبعاد الخطر المباشر عن مستعمراتها الحدوديّة وتأمين العودة المأمولة للنازحين عنها. المقاومة شرسةٌ ولا يعرف إلى الآن ما أسفرت عنه الهجمات الإسرائيليّة بالضبط. ولكن يظهر أنّ العدوّ تمكّن، على الأقلّ، من اتّخاذ موطئ قدمٍ له في نقطةٍ أو اثنتين تتيحان تحكّماً بشطرٍ من شريط الحدود اللبنانيّ. وهو ما ينقل الجهد المقاوم، في هذا الشطر، من مهمّة صدّ العدوان إلى مهمّة ردّه من حيث أتى. هذا بينما يتواصل تبادل القصف ليبلغ عمقاً واتّساعاً متزايدين على جهتي الحدود: ترد صورٌ لدمارٍ محدود وأنباءٌ عن سقوط قتلى وجرحى في الجانب الإسرائيليّ. ولكن لا يبدو هذا كلّه مكافئاً بأيّ وجْهٍ لصور الدمار اللبنانيّ المهولة ولا لعدّاد القتلى والجرحى اللبنانيّين الذي راح يزداد شبهاً كلّ يومٍ بالعدّاد الغزّي.

هل ثمّة ما يشي بأنّ هذه المقاومة الضارية ستفلح في إجبار الحملة الإسرائيليّة البرّية على النكوص إلى ما وراء الحدود متخلّيةً عن هدفيها المعلنين، وهما تدمير الوحدات المقاومة وما تحت يدها من بنىً وتجهيزات في شريطٍ أُبقي تقدير عرضِه فضفاضاً وإخراج سكّان المستعمرات الحدوديّة من المرمى المباشر للمقاتلين المقابلين لهم؟ …وهذا فضلاً عن جعل السكّان أولئك بمعزلٍ من خطر تسلّل المقاتلين إليهم وقد جعله النموذج الغزّي هاجساً لا يفارق مخيّلتهم…

يستقي التعويل على ما يمثّله الجهد المقاوم من ردعٍ على سوابق شتّى توحي بنوعٍ من نفاد الصبر حيال تكاثر الإصابات البشريّة يحمل القيادة الإسرائيليّة على التراجع وتوحي أيْضاً باعتياد إسرائيل الحرب القصيرة والنكوص المرجّح دون الطويلة بما تفرضه هذه من تعبئةٍ متماديةٍ للاحتياط وتباطؤٍ في الإنتاج وانتكاسٍ للنموّ، وهذا إلى تضخّم الكلفة المباشرة للحرب ولعواقبها الاجتماعيّة، إلخ. هذا وسواه من دواعي الوهن الإسرائيليّ المفترض تجمله نظريّة “بيت العنكبوت” المشهورة. يفترضُ أيضاً أن يزيد الوهن وهناً تنامي الضغوط من الداخل ومن الخارج، كلّما طالت المدّة، لوقف الحرب والتسليم بمخرجٍ منها يأتي مخالفاً إلى هذا الحدّ أو ذاك لمشتهى السفينة الإسرائيليّة الأصلي.

على أنّ الركون الراهن إلى هذا كلّه (أو إلى ما ظهر منه) يضرب صفحاً، من جهةٍ، عن تحمّل القيادة الإسرائيليّة أثقال سنةٍ بتمامها من الحرب المفتوحة في غزّة والحرب الملجومة في لبنان، بما في ذلك تحمّل الضغوط الخارجيّة الشديدة لوقف العدوان على غزّة والضغوط الداخليّة الشديدة أيضاً لإبرام تسويةٍ يتمّ بموجبها تحرير الرهائن المتبقّين في قبضة حماس. يضرب الركون المشار إليه صفحاً أيضاً عن إعلان القيادة الإسرائيليّة مراراً توقّعها خسائر جسيمةً تتكبّدها إسرائيل في حربها على حزب الله. أخيراً، يضرب الركون نفسه صفحاً عن التأييد العريض الذي واكب به الرأي العامّ الإسرائيليّ إطلاق عجلة الحرب المفتوحة على لبنان وعن الضعف المريب الذي وسم الاحتجاج العالميّ على هذا الإطلاق سواءٌ أكان مصدره الدول والمجتمع الدوليّ أم كان هذا المصدر حشود المتظاهرين في شوارع الكبريات من مدن العالم أو في رحاب جامعاته العريضة النفوذ… ذاك تباينٌ بين الحالتين اللبنانيّة والفلسطينيّة يفيض استقصاء دواعيه عن حدود هذه العجالة.

قصارى القول أنّ الجهد المقاوم يعوَّلُ عليه في تحسين شروط الخروج من الحرب، وهذا إذا اقترنَ بطرحٍ سياسيٍّ يستعجلُ هذا الخروج أشدّ استعجالٍ ويخلّف وراءه أهدافاً من قبيل “الانتصار” في الحرب و”إسناد” المقاومة الفلسطينيّة وتظهير “وحدة الساحات”… فما هو مفترض التقديم فوراً هو وقف العدوان المتزايد الهمجيّة وما يجرّ في ركابه من قتلٍ وجرحٍ ودمار. يجب أن يلجم هذا كلّه بحيث يستبقى إمكانٌ مقبول لعودة جحافل النازحين كراماً إلى ديارهم.

وذاك أنّ طوفان النزوح الجاري (وهو خليقٌ بأن يُعتبر الواقعة السياسيّة الكبرى في هذه الحرب) لم يستوعبه المجتمع اللبنانيّ ولا هو سيقوى، بما تحت يده من موارد مختلفةٍ هزيلةٍ، على استيعابه. سيزداد النازحون أنفسهم ضيقاً بمعاناتهم كلّما تمادت واشتدّت وستزداد البيئات المضيفة ضيقاً بهم على الرغم من مظاهر تضامنٍ توجب الاعتزاز (ولكنّها موضعيّة) بادرتهم بها هذه البيئات، وهي لا تحجب رزوحهم على مصالح حيويّة لها وعلى انتظام مساقاتٍ أساسيّةٍ لحياتها، بما فيها الأمان المفترض من العدوان. هذا كلّه يواجه بطلب الخروج الفوريّ من الحرب وليس بالتشبّث المكابر بفرضيّة “الانتصار” أو أيضاً بفرضيّة الحرب المديدة و”الاستنزاف” الذي نزعم، وحالنا ما هي عليه، أنّه سيكون استنزافاً لإحدى الجهتين حصراً. هذا تشبّثٌ لا نصيبَ يُذكرُ منه، في كلّ حالٍ، للبيئات المشار إليها، وقد فُرضت عليها أثقال حربٍ لم ترَ نفسها، بأيّ وجهٍ، طرفاً في إعلانها ولا في خوضها.

وأمّا المرتكز لوقف الحرب فكان ولا يزال قرار مجلس الأمن ١٧٠١. وهو يقضي بإخلاء منطقة جنوب الليطاني من السلاح الأهليّ ووضعها في عهدة الجيش اللبناني والقوّة الدوليّة. وهو يقضي استطراداً بحصر السلاح الشرعيّ في يد الدولة. هذا كلّه يفترض وجوداً تامّاً للدولة أي تفاهماً وطنيّاً فوريّاً على انتخاب رئيسٍ للجمهوريّة وتشكيل حكومة وحدةٍ غير منتقصة الصلاحيّة. ففي هذا الظرف الخانق، تُفتقد خريطة طريقٍ جامعةٌ للبلاد ولا يسوغ البتّةَ لطرفٍ واحدٍ أن يمضي في قيادة البلاد على هوى موقعه ومنطق أحلافه.

هذا وكان نائب الأمين العامّ لحزب الله قد أبدى موافقةً على وقف النار بلا تعيينٍ لإطارٍ، أيّاً يكن، يندرج فيه هذا الوقف. بعد ذلك تولّى رئيس الحكومة المستقيلة التنويه بموافقة حزب الله (الممثّل في الحكومة) على التطبيق التامّ (من الجهتين الإسرائيليّة واللبنانيّة) للقرار ١٧٠١. على أنّ الناطق الإعلاميّ لحزب الله لم يصبر غير ساعاتٍ على هذا التصريح فأعلن موقفاً آخر لحزبه ردّ القديم إلى قدمه. وعند هذه النغمة في طنبورنا، تقف السياسةُ الآنَ مكتومةَ الأنفاس ويمضي موكب البطش الهمجيّ الإسرائيليّ في قطعه على لبنان واللبنانيّين طريق المستقبل.

ما الذي يبقى؟ تبقى “الحربُ الإقليميّةُ”، وهي مشتهى هذه القيادة الإسرائيليّة المسعورة من اليوم الأوّل في هذه الحرب، بل قبْلَه بكثير. وهي – أي الحرب – قد تتحدّث عن نفسها وعنّا، في أقرب الأوقات… وقد لا تفعل (بل الراجح أنّها لن تفعل) فتردّنا راغمين إلى وجوب التحدّث عن أنفسنا مرّةً أخرى. المؤكّد الآن أنّ الضيق الآخذَ بخناقنا لا يترك لنا شيئاً من نعمة الانتظار…                

الحرب: منطوياتٌ لدخولِنا “المرحلةَ الجديدة”…

مقالةٌ لي في “المُدُنِ” اليوم

الحرب: منطَوَياتٌ لدخولِنا “المرحلةَ الجديدة”…

أحمد بيضون

القولُ إنّ المواجهةَ انتقلت إلى مرحلةٍ جديدةٍ معناهُ أنّ شيئاً حصلَ وكانَ قد قيلَ لنا إنّهُ لن يحصُل. معناهُ أوّلاً أنّ تصميمَ القيادةِ الإسرائيليّةِ الهائجةِ على المِضِيِّ قُدُماً في الحَرْبِ إلى الغايةِ المعلنةِ من جانِبِها لم يردعْهُ الرَدْعُ المُعْلَنُ المُقابِلُ ولا الضُغوطُ الدُوليّةُ ومنها التشديدُ الأميركيُّ والإيرانيُّ العالي النبرةِ على الرغبةِ في اجتنابِ حربٍ إقليميّةٍ بل أيضاً على الحؤولِ دونَ ما هُوَ أَقَلُّ من حربٍ إقليميّةٍ وهيَ الحربُ المفتوحةُ على لبنان.

مؤدّى الكلامِ نفسِهِ أيضاً أنّ “الإسنادَ”، بما ارتُضِيَ لهُ من أكلافٍ، لم يبعِد “الخطرَ الأعظمَ” عن لبنان – بخلافِ الوعدِ – بل أوشكَ على فتحِ الأبوابِ كلِّها أمامَ هذا الخطر. هذا فضلاً عن أنّ هذا الإسنادَ لم يَلْجِم الحربَ الآجراميّةَ في غزّةَ، على ما هُوَ ظاهرٌ للعيانِ، ولا حجبَ للفلسطينِيّينَ دَماً أو حَمى لَهُم حقّاً في المواجهةِ الجارِية.

ما حفظهُ هذا الإسنادُ، في الحدودِ المختارةِ له، هو هيبةُ القائمينَ بهِ وجَدارتُهم بما هم منذورونَ له: إذ حماهُم من الطَعنِ الذي كان خصومهم مِن كلِّ اتّجاهٍ سيُبادِرونَهم به، ومعهم راعيهم الإيرانيًّ، لو انّهم أحجموا.

شيءٌ آخرُ لاحَ أحياناً في أفقِ الجبهةِ اللبنانيّةِ وهو إفضاءُ المواجهةِ إلى تطبيقٍ للقرارِ ١٧٠١ يردعُ الخرقَ الإسرائيليَّ اليوميَّ للفضاءِ اللبنانيِّ ويُسهِّلُ المطابقةَ (ومَدارُها أقَلُّ بقليلٍ من نصفِ كيلومترٍ مربَّعٍ موزّعٍ على ١٣ نقطة) ما بينَ “الخطّ الأزرقِ” المعلومِ وخطِّ الحدودِ الدوليّةِ بين لبنان وفلسطين. وهو ما كان يقلّلُ من احتِمالِ الوصولِ إليهِ ما يُقابلُه من اشتِراطِ القَرارِ إخلاءَ جنوبِيّ الليطاني من كلّ سِلاحٍ سوى سِلاحِ الجيشِ والقوّات الدوليّة.

واقعةٌ أضخمُ يظهَرُ اليومَ أنّها لم تَنَلْ نَصيبَها مِن الاعْتِبارِ : وهيَ رغبةُ القيادةِ الهائجةِ في إسرائيل في تعطيلِ المَرافِقِ النَوَويّةِ الإيرانيّةِ وسعيُها غيرُ الخَفِيِّ، من سِنينٍ ، إلى جَرِّ حاميها الأميركيّ معها في هذه المغامَرة. فهل تَؤولُ حربُ غَزّة، بَعْدَ حينٍ، إلى فرصةٍ لِحَمْلةٍ من نوعٍ ما على تلك المرافق؟ لا أظُنُّ الأملَ في وضْعِ المواجهةِ الجاريةِ على هذه السِكّةِ الإجرامِيّةِ الأخرى قد غادرَ مُخَيِّلةَ القيادةِ الهائجةِ لحظةً في هذهِ الأيّامِ الأخيرة…

سَيَتَكَرَّرُ، في الوقتِ الحاضرِ، حديثُ ما هو مَعْلومٌ مِن كلفةٍ تُرتِّبُها الحربُ المفتوحةُ على العَدُوّ. ما قد يكونُ في هذا من عزاءٍ لبَعْضِنا يَحِدُّ منه ابتِداءً أنّ الحربَ، على جاري العادةِ، لن يؤذَنَ لها بأن تكونَ “القاضيةَ” بأيِّ حالٍ، بل سيبقى أفقُها الأسودُ مفتوحاً على حروبٍ أخرى وعلى محنٍ من كلّ نوعٍ تَبِعَت حروباً سَبَقت… وأنّ مواردَ جبرِ الضَرَرِ، فضلاً عن وسائلِ التَدْميرِ والقَتْلِ، لا تَكافؤَ فيها أصلاً…

أصبحَ مرَجَّحاً، في كلِّ حالٍ، أنّ القيادةَ الهائجةَ تلكَ باتت تؤثِرُ استِثمارَ المواجهةِ الجاربةِ وتّحَمّلَ ما لا بُدَّ منهُ لمحاولةِ مَنْعِ الضريبةِ من التعاظمِ سنةً بعدَ سنة. هذا إلى رغبةِ مرجّحةٍ أيضاً في إقامةِ الدليلِ على أنّ ما لَمْ يُفْلِحْ في حمايةِ لبنان لن يقفـَ حائلاً دونَ التَعَرُّضِ لإيران.

هذا ولا سبيلَ إلى نسيانِ واقعةٍ هي أمُّ الوقائعِ في ساحَتِنا اللبنانيّةِ: وهي أنّ الحرْبَ المفتوحةَ، إذا شَبّت، إنّما تُفْرَضُ على بلادٍ مَنهوبةٍ ومجتَمَعٍ مكتومِ الأنفاسِ ممزّقٍ ومَصائرَ متداولةٍ تُراوحُ ما بين مأزقِ الفدراليّةِ ومأزقِ التقسيمِ ودَوْلةٍ تَرْضَعُ مؤسّساتُها وحلَ الحضيض..

… على أنَّ الحسينَ بنَ عليٍّ كانَ قد قالَ لوالي المدينةِ الأمويِّ، بعدَ أن أبلغَهُ إباءَهُ البيعةَ ليَزيد: نصْبِحُ وتُصْبِحونَ ونَنْظُرُ وتَنْظُرون…

في الإعاقةِ ومُصْطَلَحِها: أينَ مَحَلُّ الإصْلاح؟

https://www.almodon.com/opinion/2024/6/30/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%84%D8%AD%D9%87%D8%A7-%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%AD%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD

في الإياب من شبكات التواصل

..https://www.almodon.com/opinion/2024/6/5/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%A7%D8%A8-%D9%85%D9%86-%D8%B4%D8%A8%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84

                 

في الإيابِ مِنْ شَبَكاتِ التَواصُل….                       

أحمد بيضون

في حَواليْ عَقْدٍ ونِصْفِ عَقْدٍ، تَغَيّرَ كَثيراً شُعورُنا حيالَ شَبَكاتِ التَواصُلِ ونَحْنُ نَتَصَفّحُ ما يُعْرَضُ عَلَيْنا فيها أو نُدْلي بِدَلْوِنا في مَجاهِلِها على نَحْوٍ أو آخَر… يَتَعَذَّرُ – على ما يَبْدو لي – حَصْرُ وُجوهِ هَذا التَغييرِ وأسْبابِه. والأَرْجَحُ أَنّها تَخْتَلِفُ كثيراً أو قَليلاً باخْتِلافِ المَواقِعِ والأَشْخاصِ وباخْتِلافِ التَجارِب. مَعَ ذَلِكَ أَحْسَبُنا لا نَعْدو الصَوابَ إذا قُلْنا إنّ الوجْهةَ السَلْبِيّةَ هِيَ الغالبةُ على هَذا التَغْيير.

فَفي مُنْطَلَقِ الانْخِراطِ في هذِهِ التَجْربةِ، كانَ الاسْتِبْشارُ بالفَضاءِ الحُرِّ، المَعْروضِ عَلى كُلِّ مُشارِكٍ، هُو الغالِب. بَدا مُتاحاً لِكُلٍّ مِنّا أنْ يُنْشىءَ لِنْفْسِه نَوْعاً مِن الصَحيفةِ الشَخْصِيّةِ فَيُوَدِّعَ أَنْواعاً مُخْتَلِفةً مِن القُيودِ عَلى النَشْرِ تَفْرِضُها عَلَيْهِ الصحافةُ التَقْليدِيّةُ المُسْتَأْثِرَةُ إلى حِينِهِ بالفَضاءِ وبالسوق. بَلْ إنَّ كلَّ مُرْتادٍ لواحدةٍ أو لِأَكْثَرَ مِنْ واحِدةٍ مِنْ هَذِهِ الشَبَكاتِ  بَدا قادِراً عَلى نَوْعٍ مِن التَنَزُّهِ الحُرِّ بَيْنَ وسائطِ التَعْبيرِ المَعْروفةِ والأَنْواعِ المُخْتَلِفةِ التي يَسَعُ كُلّاً مِن الوَسائطِ أنْ يَسْتَقْبِلَهُ. فَيَسَعُهُ، مِنْ مَنْشورةٍ إلى أُخْرى، أنْ يَكونَ مَرّةً كاتِباً ومَرّةً مُصَوِّراً ومَرّةً عازِفاً، إلخ، ويَسَعُ الوَسيطَ المَوْضوعَ بِتَصَرُّفِهِ أن يَكونَ مَرّةً جَريدةً ومَرّةً إذاعةً ومَرّةً مَحَطّةَ تَلْفَزةٍ، إلخ. وهو، إذا اخْتارَ أنْ يَكونَ كاتِباً – مَثَلاً – أَمْكَنَهُ أنْ يَكونَ ناثِراً تارَةً وشاعِراً طَوْراً، إلخ، وإذا شاءَ أنْ يَصْرِفَ جُهودَهُ لِخِدْمةِ دَعْوةٍ يَتَبَنّاها – مَثَلاً أَيْضاً – لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ حَقَّهُ في دَعْوَتِهِ أو أنْ يُمْلِيَ عَلَيْهِ أُسْلوباً في مُزاوَلَتِها، إلخ.

فَإذا كانت هَذِهِ هي الحالَ التي تَبَيَّنّاها  للمُنْشئِ، في أوائلِ العَهْدِ بشَبَكاتِ التَواصُلِ، فَإنَّ ما تَوَسَّمْناهُ في الجِهةِ المُقابِلةِ، أيْ في جِهةِ المُتَصَفِّحِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَكونَ أَقَلَّ تَفَلُّتاً مِن قُيودِ الأَنْواعِ أَوْ مِن القُيودِ عَلى التَوَجُّهاتِ، إلخ. وإذا ظَهَرَ لَنا مِنْ داعٍ إلى التَوَجُّسِ، في تِلْكَ المَرْحَلةِ الأُولى، فإنّما وَجَدْناهُ (قَبْلَ أنْ يَطْغى ذِكْرُ الخَوارِزْمِيّاتِ) في الفَوْضى العارِمةِ التي لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أنْ يُسْفِرَ عَنْها طَوَفانُ المَوادِّ المُتَدَفِّقةِ تَحْتَ بَصَرِ مُتَصَفِّحٍ لا يَقْوى على الإحاطةِ بِهَذا الذي يُعْرَضُ عَلَيْهِ كُلِّهِ، وهو قَدْ لا يَرى في جُلِّهِ سِوى أسْبابٍ لِلتَشْتيتِ ومَصادِرَ لِلإزْعاج…

تِلْكَ كانَت أَعَمَّ التَباشيرِ لِحالِ الأَفْرادِ المُفْتَرَضةُ، مُنْشِئينَ ومُتَصَفِّحينَ، مُنْتِجينَ ومُسْتَهْلِكينَ، عَلى ما بَدَتْ لِلمُلاحِظِ، في آوِنةِ الاسْتِطْلاعِ والتَعَرُّفِ تِلْكَ مِنْ عُمْرِ الشَبَكات. وكانت الحُرِّيّةُ عُنْوانَها الجامِعَ: الحُرِّيّةُ أي التَحَرُّرُ مِنْ أَسْرِ الوَسائطِ القائمةِ ومُحْتَكِريها ومِنْ أَيِّ حِصارٍ مَضْروبٍ حَوْلَ الأَنْواعِ ومِنْ كُلِّ قَيْدٍ أو شَرْطٍ يُمْلى على الرَأْيِ والتَوَجُّهِ أو عَلى الذَوْقِ، إلخ. لا حاجةَ إلى القَوْلِ، مِنْ بَعْدُ، أنَّ ما لاحَ آنَذاكَ كانَ ثَوْرةً مُسْتَتَمّةَ السِماتِ، شاسِعةَ الأَبْعاد…

في ما يتعدّى نَظَرَ الأفرادِ، أيْ في نَظَرِ الجَماعاتِ، بِما هِيَ مُنْشِئةٌ، والرَأْيِ العامِّ (أو الآراءِ الجَماعِيّةِ بالأَحْرى) في الجِهَةِ المُتَصَفِّحةِ، بَدَت الثَوْرةُ واسِعةَ النِطاقِ، مُتَعَدِّدةَ الوُجوهِ، أَيْضاً. مِنْ ذاكَ أنَّ الوَسائطَ الجديدةَ راحت تَعْرِضُ فُرَصاً ل”ارْتِجالِ” جَماعاتٍ ولِإحْياءِ أُخْرى كان يُظَنُّ أَنّها ذاويةٌ، وهَذا بِلا حَدٍّ لأَنْواعِ الجَماعات المُحْتَمَلة. بَدا كافِياً إنْشاءُ صَفْحةٍ تَفْتَرِضُ – على اخْتِلافِ المَواطِنِ – وُجوداً أو اسْتِمْراراً لِجَماعةٍ بَلَدِيّةٍ أو نَسَبِيّةٍ، سِياسِيّةٍ أو ذَوْقِيّةٍ، إلخ، حَتّى تُقْبَلَ الفَرْضِيّةُ مَبْدَئيّاً. وهَذا عَلى أن يَكونَ صُمودُ الصَفْحةِ وازدِهارُها بِمَثابةِ امْتِحانٍ لِنَصيبِ الفَرْضِيّةِ مِن الحَقيقة. عَلَيْهِ أَتاحَت “لامَكانِيّةُ” الشَبَكةِ (أيْ تَعَوْلُمُها التِلْقائيِّ) لِجَماعاتٍ مِنْ قَبيلِ القَبائلِ – مَثَلاً – أن تَنْتَعِشَ وتَسْتَعيدَ قَليلاً أو كَثيراً مِن التَماسُكِ والحُضورِ، بَعْدَ أنْ كانت الهِجْراتُ والمُدُنُ قَد بَدَّدَتْها أو هِيَ أَوْشَكَتْ عَلى تَبْديدِها شَذَرَ مَذَر… ذاكَ هُوَ حالُ الجَماعاتِ البَلَدِيّةِ أَيْضاً، إلخ.

في جِهةِ الرَأْيِ العامِّ (أيْ في الجِهةِ المُتَصَفِّحةِ) أَذِنَتْ شَبَكاتُ التَواصُلِ بِتَنْويعِ المَعْروضِ بِلا حَدٍّ ولا ضابِطٍ تَقْريباً، وأَذِنَتْ (في مَجالِ السِياسةِ والحَرْبِ، مَثَلاً) بِوَضْعِ الوَقائعِ، فَوْرَ وُقوعِها، تَحْتَ أَبْصارِ الرَأْيِ العامِّ، في أَطْرافِ الأَرْضِ: وهوَ ما كانت التَلْفَزةُ الفَضائيّةُ قدْ بَدَأَت تُتيحُهُ أيضاً ولَكِنَّ شَبَكاتِ التَواصُلِ أَذِنَت لِكُلِّ شاهِدٍ أو مَعْنِيٍّ أنْ يَشْتَرِكَ فيه. فأَسْفَرَ هَذا التَوَسُّعُ في الجِهةِ المُنْشئةِ حُضوراً، في الجِهةِ المُتَصَفِّحةِ، لِتَفاصيلَ وهُمومٍ وآراءٍ، إلخ، لَمْ يَكُنْ لَها مِنْ وُصولٍ إلى المُعايناتِ المُتَلْفَزة. في السِياسةِ والحَرْبِ أيضاً، أَصْبَحَت الوَقائعُ والفَظائعُ مَعْروضةً على العُمومِ على مَدارِ الساعةِ فتَقَلَّصَت، شَيْئاً ما، فُرَصُ النَجاةِ بالفِعْلةِ بإنْكارِها أو بالتَلاعُبِ بِدَلالَتِها والزَوَغانِ مِن المَسْؤولِيّةِ عَنْها. إلخ، إلخ.

اليَوْمَ ما يَزالُ عَلَيْنا الإقْرارُ للشَبَكاتِ بِهذهِ المَزايا كُلِّها أو جُلّها: بِما يَقَعُ مِنْها تَحْتَ عُنْوانِ الحُرِّيّةِ والتَحَرُّرِ وما يَقَعُ تَحْتَ عُنْوانِ المَعْرِفةِ وتَعْظيمِ القُدْرةِ على وَضْعِ كلِّ أَمْرٍ في نِصابِهِ وتَقْويمِ الحُكْمِ في الماجَرَياتِ ودَلالاتِها. لَيْسَ حُصولُ المَزايا المُشارِ إلَيْها مَوْضوعَ الجَدَلِ إذَنْ أو سَبَبَ جُنوحِنا إلى السَلْبِيّةِ في تَقْويمِنا لِما انْتَهَت إلَيْهِ الشَبَكاتُ أَدْواراً ومَضامين. وإنّما مَبْعَثُ هذا الجُنوحِ أنَّ الشَبَكاتِ نَفْسَها فَتَحَت الأَبْوابَ واسِعةً لِمُواجَهةِ كُلٍّ مِنْ مُنْجَزاتِها بِضِدِّها في نَوْعٍ مِن الهُجومِ العامِّ المُضادِّ راحت تَشُنُّهُ سائرُ الجِهاتِ والقُوى المُتَأَذِّيةِ مِن الحُرِّيّةِ أو مِن المَعْرفة. 

هَكذا بَدَت الأَبْوابُ مَفْتوحةً على مَصاريعِها كافّةً للتَفاهةِ وفَسادِ الأَذْواقِ وللتَضْليلِ ونَشْرِ التُرَّهاتِ على أَنْواعِها. وأَخَذَ الرَأْيُ المُتَحَرِّرُ، الخارِجُ عن السِكَكِ المَفْروضةِ، يَسْتَثيرُ الإرْهابَ المَعْنَوِيَّ مُتَمَثِّلاً بالتَسْفيهِ الاعْتِباطِيِّ للرَأْيِ وبِتَحْقيرِهِ أو تَحْقيرِ صاحِبِهِ أو يَسْتَثيرُ العُنْفَ المادِّيَّ في قَوالِبِ التَخْويفِ أو التَهْديدِ الذي لا يُسْتَبْعَدُ دائماً أن يَكونَ لَهُ ما بَعْدَه. وباتَ مُحْتَمَلاً أن يُواجِهَ الفَرْدُ المَعْزولُ، المُعْتَدُّ، بِلا زِيادةٍ، باسْتِقْلالِهِ بِرَأْيِهِ، كَتائبَ مُسْتَنْفَرةً، مُتَفَرِّغةً للضَبْطِ والرَبْطِ، على الشَبَكاتِ، وللرَدْعِ والإرْهابِ بِحَلالِ الأَساليبِ وحَرامِها، وللارْتِدادِ، ما أَمْكَنَ، بِفَضاءٍ وُلِدَ واعِداً بِتَعَدُّدٍ وتَنَوُّعٍ لا حُدودَ لَهُما إلى السَوِيَّةِ المَعْهودةِ لإِعْلامِ الرَأْيِ الواحِدِ وفِكْرِ الدَولةِ (أو ما دونَها) وإنْشاءِ الأَجْهِزةِ السُلْطانِيّةِ أو المُتَسَلْطِنةِ وإمْلائها. 

هذا وَلَم يَكُن عَجَباً أن يَبْسُطَ  السُلْطانُ يَدَهُ إلى الشَبَكاتِ بالقَمْعِ المُباشِرِ مُسْعِفاً جُنْدَهُ حَيْثُ لا يَنْفَعُ تَهْويلُهُم. هَكَذا نَشَأَت دوائرُ وأَجْهِزةٌ للدُوَلِ مُتَخَصِّصةٌ في رَدْعِ المُعارِضينَ في الشَبَكات ومُعاقَبَتِهِم إنْ لَمْ يَرْتَدِعوا. وبَلَغَت العُقوباتُ، في دُوَلٍ بِأَعْيانِها، سَوِيّةً مِن الشِدّةِ لا تَنْفَكُّ تُباغِتُ أَشَدَّ المُراقِبينَ تَشاؤماً بالحُكْمِ والحُكّامِ في تِلْكَ الدُوَل. هذا حَيْثُ لا يُحالُ أَصْلاً بَيْنَ الشَبَكاتِ والراغبينَ في الانْتِفاعِ بِها مَراكِبَ للتَعْبيرِ على اخْتِلافِ أَنْواعِه…

في ما دونَ الضَلالِ والتَضْليلِ،  والسَفاهةِ والتَفاهةِ، والإرْهابِ والقَمْعِ، وَجَدت الجَريمةُ “العاديّةُ” مَراتِعَ لَها وسُبُلاً إلى التَفَشّي في شَبَكاتِ التَواصُل. فَضُمَّت حَيِّزاتٌ مِن هذِهِ الأَخيرةِ إلى ما باتَ يُدْعى “الشَبَكةَ المُظْلِمةَ”، وسَهَّلَت هذهِ الحَيِّزاتُ اتِّخاذَ أَقْبَحِ الجَرائمِ وأَحَطِّ العِصاباتِ أَبْعاداً أُمَمِيّةً إذ أَفادَتْ (هِيَ أَيْضاً) مِن اجْتِياحِ الشَبَكاتِ حُدودَ الدُوَلِ والمُجْتَمَعات. إلخ، إلخ.

اسْتَكْثَرْنا  – عَلى ما هُوَ ظاهِرٌ – مِن “إلخ” وَمِنْ “مَثَلاً”… أَمْلى هذا الاسْتِكْثارَ أَنَّ المَوْضوعَ، وهوَ مُشْتَمِلٌ عَلى الكَوْكَبِ بِأَسْرِهِ، لا يُحاطُ بِهِ، ناهيكَ بِأَنْ يُسْتَنْفَدَ الكَلامُ فيه. تَبْقى خُلاصةُ القَوْلِ أنّ ما بَدا أَوّلَ وَهْلةٍ أَنَّهُ فَيَضانُ مَعارِفَ وحُرِّيّاتٍ ومُتَعٍ ذَوْقِيّةٍ لَمْ يَلْبَثْ أنْ تَكَشَّفَ عن ميزانِ قُوىً  في إحْدى كَفَّتَيهِ الحُرِّيّاتُ والمَعارِفُ والمُتَعُ المُشارُ إلَيْها وفي الأُخْرى الجَهْلُ والسَفاهةُ والقَمْعُ والجَريمةُ.  غَدا الكُلَّ مُعَرَّضاً، مَبْدَئيّاً، لِهَذا كُلِهِ، بِماهُوَ مُتَصَفِّحٌ، ومُغْرىً بالضُلوعِ في خَيْرِهِ وشَرِّهِ أيْضاً، بِما هُو مُنْشئ. أَيْ أنّ ما بَدا ارْتِقاءً مُنْتَظَراً بالعالَمِ أَسْفَرَعَنْ نَشْرٍ ومُضاعَفةٍ ذَريعَيْنِ لعُجَرِ العالَمِ الماثِلِ وبُجَرِه. فَتَقابَلَ السُمُوُّ المَبْذولُ لِلْبَشَرِ والامْتِثالُ الذَليلُ لِشَرِّ أَحْوالِهِمْ وأَقْبَحِ نَوازِعِهِم. والراجِحُ أنَّ هَذا التَقابُلَ ما كانَ لِيَفوتَ فِطْنةَ المُراقِبِ الحَصيفِ مِنْ وَقْتِ أن اتَّضَحَت مَعالِمُ الظاهرةِ وآفاقُ نُمُوِّها. ولَكِنّهُ فاتَ – وَلا رَيْبَ –  شُعورَ المُقْبِلينَ عَلى اسْتِكْشافِها والإفادةِ مِنْها، المُسْتَبْشِرينَ بِحُمولَتِها المُفْتَرَضةِ، في أوائلِ العَهْدِ بِها. وَها هُم اليَوْمَ في أَوانِ الإفاقةِ الصَعْبةِ مِن السَكْرة.

بَلْتيمور، ٢-٣ حزيران ٢٠٢٤

تَخاريفُ على هَدْيِ المِزاجِ والقَريحة



أَفْطَنُ إلى ما انْتَهَتْ إليهِ حالُنا فَيَخْطُرُ لي قَوْلُهُم: “تَفَرَّقوا أيْدي سَبَأ!”. ذاكَ ما يَحِلّ بالعائلاتِ اللُبْنانيّةِ عادةً، إذْ تَخْرُجُ مِنْ دِيارِها رَفْساً لا طَوْعا. وقَد راحَت عائلَتُنا تَتَفَرَّقُ أَيْدي سَبَأٍ مِنْ عُقودٍ كَثيرةٍ وكُنْتُ آخِرَ مَن غادَرَ مِن بَيْنِ عَناصِرِها: اغْتَرَبْتُ وأنا على عَتَبةِ الثَمانينَ أي في السِنًِ التي يَكونُ المُغْتَرِبونَ قَدْ آبوا إلى دِيارِهِم، عَلى الإجْمالِ، قَبْلَ بُلوغِها بِزَمَن. تفَرَّقْنا إذَنْ أَيْدي سَبَأ…

وفي الحديثِ أنّ سَبَأ “رَجُلٌ من العَرَبِ وُلِدَ لَهُ عَشَرةٌ: تَيامَنَ مِنْهُم سِتّةٌ وتَشاءَمَ مِنْهُم أَرْبَعة”. وكان سَبَبُ تَفَرُّقِهِم هذا، بَيْنَ جِهاتِ الشامِ وجِهاتِ اليَمَنِ، ما يُسَمّيهِ القُرْآنُ “سَيْلَ العَرِم” وهو انْهِيارُ سَدِّ مَأْرِب. وهذا حَدَثٌ يَبْدو لي أَشْبَهَ الحَوادِثِ القديمةِ بِتَفْجيرِ مَرْفَإ بَيْروت المَعْلوم. هذا وإذا صَحَّ زَعْمُ المُحَدِّثينَ أنّ جُرَذاً نَقَبَ السَدَّ اليَمَنِيَّ العَظيمَ انْتَفى كُلُّ مانِعٍ مَنْطِقِيٍّ أنْ يَكونَ الجُرَذُ نَفْسُهُ وصَلَ إلى مَرْفَإ عاصِمَتِنا، وفي ذَيْلِهِ نارٌ، ذاتَ يَوْمٍ لاهِبٍ مِن صَيْفِ العامِ ٢٠٢٠. هذهِ فَرْضِيّةٌ أحِبُّ أن أُنَبِّهَ إلَيْها المُحَقِّقَ العَدْلِيَّ (الذي نَسيتُ اسمَهُ لِبُعْدِ العَهْدِ بِأَخْبارِهِ) عَسى أن يَجِدَ فيها مَخْرَجاً مِن وَرْطَتِهِ المُسْتَعْصِيةِ فَتُحْفَظَ القَضِيّة ويَنْصَرِفَ المُحَقِّقُ إلى ما يُفيد…

أعودُ إلى التَيامُنِ والتَشاؤم… وخُلاصةُ القَوْلِ فيهِما أنَّ المَعاجِمَ القَديمةَ حَفِظَت للتشاؤمِ هذا المَعْنى المُشارَ إلَيهِ وهو التوَجُّهُ إلى الشامِ، ويُقابِلُهُ التَيامُنُ وهو تَيْميمُ شَطْرِ اليَمَن.

هذا وقد شاعَ اسْتِعْمالُ “التَفاؤلِ” مُقابِلاً للتَشاؤمِ أيضاً. وهو اسْتِعْمالٌ مَقْبولٌ ولَكِنْ لا يَبْدو هذا المَعْنى (أي معنى الاسْتِبْشارِ) أَصْلِيّاً في “التَفاؤلِ” ويَبْقى “التَيامُنُ” أَوْلى بِه. فالتَفاؤلُ مِن “الفَأْلِ” وهذا يكونُ فَألَ خَيْرٍ ويَكونُ فَأْلَ سوء. وقد يَصِحُّ اعْتِبارُ المأثورِ “تَفاءلوا بالخَيْرِ تَجِدوه” مُؤيِّداً لِهذا الرَأْي. فهو قد اضطُرَّ إلى التَصْريحِ بِذِكْرِ الخَيرِ بِما هو مَوْضوعٌ للتَفاؤلِ ولَمْ يَعْتَبِر الخَيْرَ ماثِلاً بالضَرورةِ في مَفْهومِ التَفاؤلِ فَلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِه. وهو لَمْ يَقُلْ مَثَلاً: “تَفاءَلوا تَجِدوا خَيْراً” إذ لا تَسْتَقيمُ هذهِ الصيغةُ ما دامَ التَفاؤلُ جائزاً بالخَيْرِ وبالشَرِّ على حَدٍّ سَواء. على أنّهُ لا رَيْبَ أنّ حَصْرَ التَفاؤلِ بالخَيْرِ والتَشاؤمِ بالشَرِّ قد شاعَ، في كَلامِنا، وذاع…

فّلِماذا فُرِضَت على الشامِ هذه الوَصْمةُ، في كَلامِ القُدَماءِ، واسْتَأْثَرَت اليَمَنُ باليُمْنِ والبَرَكات؟ الراجِحُ عِنْدي أنّ السَبَبَ هو مَوْقِعُ الشامِ إلى الشمالِ من الجزيرةِ، وهذهِ جِهةٌ كانت قَليلةَ الحَظِّ، على الدَوامِ، في عُرْفِهِم. ويقابِلُها اليَمَنُ، في الجَنوبِ، وقَدْ عُدّتْ مُجانِسةً لليمينِ ولليُمْنِ مِنْ ثَمّ. وهذا هو المَبْدَأُ الذي كانَ مُعْتَمَداً في التَطَيُّر: اليمينُ سَعْدٌ والشمالُ نَحْس. وفي عُهودِ التَعَصُّبِ والتَضْييقِ، كانَ يُقالُ للذِمِّيِّ: “أَشْمِلْ يا كافِر!” أي: إلْزَمْ جِهةَ الشمالِ مِن الطَريق.

وكانَ صَباحٌ وكانَ مَساءٌ… وثَبَتَت، في أيّامِنا، وَصْمةُ الشُؤمِ على الشامِ العَظيمةِ، وذلكَ للُزومِ التَعْريجِ المُحْتَمَلِ (والعِياذُ بِالله!) عَلى “فَرْعِ فلسطين”! وهو ما كادَ أنْ يَحْصُلَ لي ذاتَ مَرّةٍ لَوْلا أنَّ سَوّاقَ فرانك مرمييه Franck Mermier (وكُنّا مَعاً)كانَ لهُ مِن النُفوذِ الحُدودِيِّ ما يَفوقُ بِما لا يُقاسُ نُفوذَ نقابةِ السَوّاقينَ بِأَسْرِها. حَتّى أنّني كِدْتُ أنْ أَعْرِضَ عَلى هَذا السَوّاقِ قَيْلولةً في المَقْعَدِ الخَلْفِيِّ الأَيْمَنِ فيما أَتَوَلّى، بَعْدَ إذْنِهِ، سَوْقَ السَيّارة. وقد ازْدَدْتُ مُؤَخَّراً إكْباراً لبُعْدِ نَظَرِ الجِهازِ الذي وَضَعَ في خِدْمةِ ذَلِكَ المَرْكَزِ الفَرَنْسِيِّ سَوّاقاً مُطْلَقَ الصلاحِيّةِ، حَلّالاً للعُقَد: إذْ لَوْلاهُ لَوَجَدْتُ، عَلى الأَرْجَحِ، ما أَشْهَدُ بِهِ أَمامَ تِلْكَ المَحْكَمةِ الباريسِيّةِ التي نَطَقَت بِحُكْمِها قَبْلَ أَيّام…

وأمّا التَيامُنُ فخَرَجَ، مِن جِهَتِهِ، مِن اليَمَنِ السَعيدِ أي من مَمْلكةِ الحوثِيّينَ الحاليّةِ. خَرَجَ قَبْلَ زَمَنِ هؤلاءِ بِدَهْرٍ وَلَمْ يَعُدْ، وكانَ حَقّاً لهُ أن يَخْرُج. فَلَزِمَ أن نَحْمِلَ التَفاؤلَ على مَحْمَلِ الخَيْرِ حَمْلاً مطَّرِداً شاءَ التَفاؤلُ أمْ أبى!

يَبْقى التَمَرُّدُ على هذهِ الحالِ كُلِّها: يَبْقى لِمَن اسْتَطاعَ إليهِ سَبيلاً، بِطَبيعةِ الحال.

وقَد اتّفَقَ أنّ المَعاجِمَ القَديمةَ نَفْسَها أَدْرجَت بَيْنَ مَعاني التَمَرُّدِ التَوَجُّهَ إلى ماردين! وهذهِ، في أيّامِنا، رَمْيةٌ مِن غَيْرِ رامٍ : فَإنّ خَليطَ الكُرْدِ والأَشورِيّينَ والعَرَبِ الذي يَأْهَلُ هذهِ المَدينةَ مُتَمَرِّدٌ تلْقائيّاً بَعْضُهُ على بَعْضٍ وكُلُّهُ على تَرْكيا أردوغان!
نَتَوَجَّهُ إذَنْ إلى ماردين، مَتى اسْتَطَعْنا، مُسْتَهْدينَ ما تُسَوِّلُهُ لَنا مَعاجِمُنا القَديمةُ مِنْ غَيْرِ ميعاد.

أَحْسَنُ GPS مَعاجِمُنا هَذه!