السُفور والحِجاب في ما يتعدّى النَصّ

http://www.almodon.com/opinion/6ae7fe3e-a4f1-460a-b91e-9a81c0fc72cd

أحمد بيضون{ الخميس 31/5/2013

*
ثمّة صيغ للحجاب يدلّ اعتمادها على اختيار حرّ من جانب النساء اللواتي يستخدمنها. فيعود غير جائز أن تواجَه بالاعتراض لما في الاعتراض من تعدّ على حقّ امرأة في التصرّف الحرّ بجسدها. هذه الصيغ تشبه صيغاً من السفور تستبعد التبعية الذليلة لخيارات الجماعة أو لخيارات اللحظة وتشير هي أيضاً إلى شخصية حرّة. بين السفور والحجاب، في هاتين الحالتين، نوع من التماثل المعنوي ومن التكافؤ في القيمة. ويُفترض أن يفضي ذلك إلى قبولٍ تتبادله النساء من الجهتين وتصادق عليه البيئتان الحاضنتان. هذا القبول لا يُفترض أن يَستبعد النقد: النقد الذي لا يرمي، بحالٍ من الأحوال، إلى المنع، ولكنه يستقصي المعاني المحمّلة في كلّ زيّ ويحسّن ما يتوصّل إلى استحسانه  ويقبّح ما يتثبت من قباحته. فيكون كلاماً في الذوق يريد الرفع من سويّة الذوق من غير افتئات على حرّية صاحبه. وقد يفضي إلى طرح مسائل تتّصل بالوجود الشخصي أبعدَ مرمىً من المسألة الذوقية.
لا أقصد بالحجاب هنا ذاك الإسلامي حصراً ولا أفترض السفور الذي أشير إليه خارجاً على الشرع الإسلامي أو خارجاً من نطاقه. أعرف أن الإسلام احتمل ولا يزال يحتمل جدلاً معقّداً في موضوع الحجاب. في جماعةٍ يؤطّرها جهازٌ فقهي، يسع الحجاب الإسلاميّ ألاّ يكون غير الوجه الظاهر لوصول اليد الفقهية إلى العمق الأقصى للحياة الخاصّة (وهو العمق الذي يقع فيه جسد المرأة والعلاقة به وعلاقته بنفسه) ولاتّخاذ هذه السلطة القصوى “برهاناً” يتعذّر دحضه لشرعية السلطة العامّة التي يضطلع بها الفقيه نفسه أو يزكّي المولجين بها. يصحّ هذا قليلاً أو كثيراً تبعاً لشدّة أسر الجهاز الفقهي ولاكتمال حضوره وكثافته ووتائره أو لتعلّق الحجاب وأموره بمجرّد التقليد الذي لا يحتاج إلى من يرعاه وقد بقيت منه مظاهر مستمرّة ولكن قوّة الإلزام التي فيه وعمومية مجاله تقلّصتا قليلاً أو كثيراً. ثم إن الذكور من العائلة يسعهم أن ينوبوا عن الفقيه في هذا المضمار فيزكّي فرْض الحجاب نظمة سلطوية أخرى لا تجافي النظمة الفقهية بالضرورة ولكنها تباينها من حيث الأصل. وقد ينوب عن السلطة الفقهية وعن سلطة العائلة نفسها تسلط بلطجية الحيّ الذين يجدون في حفظ “الأعراض” مدخلاً من مداخل سطوة يحوزونها ويستبيحون بفضلها أموراً بعيدة جداً عن مفهوم الشرف. تلك حالة يكثر ورودها في ضواحي المدن الأوروبية ويكثر دورانها، بالتالي، على ألسنة خصوم الحجاب.
*
ما أتناوله هنا أمر يمكن تحييد مناقشته عن نطاق الجدل الديني إذ هو لا يتعلّق بأمرٍ أو نهيٍ إلهيين يمكن استقاؤهما من نصّ أو اجتهاد. بل هو يتعلّق بحرّية الشخص الذي هو امرأة بعينها وبوجود شخصية لهذا الشخص أو عدم وجودها بالتالي. ولا أفترض أن ما يحصل على الضفة الأخرى، أي ضفّة السفور، موافق بالضرورة لداعي الحرّية هذا أو معبّر بالضرورة عن الشخصية الحرّة. فقبالة الجدل الديني وذاك العلماني في الحجاب يوجد جدلٌ دينيّ وآخر علمانيّ في السفور. ومحور الجدل في الحالين واحدٌ، بمعنى ما. هو حرية الشخص التي يرى الطاعنون في الحجاب أنه يحدّ منها بإلزامه المرأة دائرة الخاصّ واستوائه رمزاً للرغبة في “كتمان” المرأة وإخراجها من الساحة العامّة وفي استحواذ الذكور على كلّ ما يجوز اعتباره إرادة عامّة. هذا فيما يرى الطاعنون في السفور أنه يحدّ من الحرّية أيضاً بتشييء الأنثى وامتهان جسدها وعَرْضها غرَضاً غير مشخصن لرغبة الذكور.
إذا خرجنا بهذا الجدال من دائرة الأمر والنهي، أمكن، فيما أرى، أن نتّخذ الحرّية معياراً عامّاً للبحث النقدي في الموضوع. ثمّة صيغٌ للحجاب ثبت بالتجربة أنّها لا تنطوي على حدّ من حضور اللواتي يخترنها في المجال العامّ. وهي تستبقي الشخصية معلنةً مؤكّدة بإبقائها الوجه مكشوفاً. يسع بعضنا أن يجد هذا الحجاب جميلاً وباعثاً على الاحترام ويسع بعضنا الآخر أن يجده قبيحاً عصيّاً على التسويغ. ولكننا نبقى في الحالين في دائرة الذوق الذي نملك أن نماحك أهله فيه ولكن لا نملك أن نشكّك في صدوره عن اختيار حرّ لصاحبته. ولا ينتقص من هذه الحرّية موافقة الاختيار للقاعدة الاجتماعية إذ ليست القواعد الاجتماعية، بعامّة، مستوجبة الرفض، بما هي كذلك، بحيث يعتبر قبولها طاعناً في الحرّية. وإنما يحتاج الرفض إلى مسوّغ في كلّ حالة.
على أن ثمة حجاباً لا يمكن ألاّ يعدّ منتقصاً من حرّية المرأة إذ هو يجتزىء بصيغته البعد العامّ لحضورها ويلزمها نوعاً جزئياً من “الوجود”، إذا جازت هذه العبارة. وأهمّ المعالم (أو المجاهل) المميّزة لهذا الحجاب إخفاء الوجه. فإن الوجه صورة الشخصية وهو الشارة الدالّة على استحقاق الفرد اسماً شخصياً. فإذا هو حُجب مالَ الأفراد إلى ضرب من الغفلية ومالت شخصية كلّ منهم إلى البطلان أو إلى الكتمان شأن حبّات الفاكهة في الكيس. معنى ذلك أن القاعدة الاجتماعية أو الدينية تمثّل ههنا، حين وجودها، انتقاصاً مؤكّداً من وجود الكائن الذي تملى عليه. فلا يبقى حاسماً أن ينتهي الفرد إلى قبولها راضياً أو أن يقبلها مرغماً. فإنما هو خاسرٌ وجودياً في الحالين. ثمة خسارة من الوجود الفرديّ يشي بها أيضاً توحيد الزيّ وتوحيد لونه. فهذه الوحدة – كما في حالة العسكر مثلاً –  إدراج مسبق للنساء في الجماعة وتغليب لرأي الجماعة وقولها على رأي كلّ منهن وقولها في أمر نفسها: مظهراً ومن ثمّ مَخْبَراً.
على الضفّة الأخرى، تقع على المرأة خسارةٌ وجودية أيضاً حين تّحْمَلُ، لسببٍ ما، على القبول بعرْض جسدها على الناظرين لغرض الترويج لسلعةٍ ما. وهذا مع أن إبراز الهويّة قد يكون مطلوباً هنا ومتحصّلاً بقوّة من كشف الوجه والجسد أو بعضهما. تبدو المرأة، في هذه الحالة، مروّجة أوّلاً لنموذج للجمال الأنثوي ويصبح رواج هذا النموذج الذي قد يتّخذ اسم هذه العارضة، بالذات، شرطاً لقدرة الإعلان على ترويج السلعة التي يقرن اقتناؤها أو استعمالها بصورة هذه المرأة وبالنموذج الذي تمثّله بالتالي. في كلّ حالٍ، ينحو استعمال صورة المرأة ههنا إلى اتّخاذها قالباً عامّاً أي شيئاً وينتهي مطافها إلى تحصيل الربح بصورتها للبائعين. وفي هذا ما يلحقها بالسلعة ويقرّبها هي نفسها من حال السلعة. فتلتقي المرأة المعروضة المرأةَ المحجوبة في وضع اضمحلال الشخصية، ولو بعد دورةٍ تامّة.
وفي الحالين، ينتهي ما قدّمناه إلى استبعاد المنع وإلى تجويز النقد. فلكلّ من وجد في نفسه الأهلية لذلك أن يظهر ما يلحق بالمرأة من خسارة لوجودها الشخصي أو خسارة منه في حالتي الحجب والعرض. ويفترض أن يكون النقد سبيلاً إلى التحرير حيث تكون خسارة الشخصية أمراً مفروضاً من جانب الجماعة. ولكن ليس لأحدٍ أن يجعل هذا النقد باباً لمنع امرأة بالإكراه من الاحتجاب أو من الاستعراض بحجّة أن المنع يحرّرها. فإن التحرير أمرٌ يُملى على الجماعة ولا يُكْره الفردُ إكراهاً على التحرّر بل تيسّر له السبل إليه.
أمرٌ أخير أردنا إبرازه هنا: وهو أن مناقشة مسألة السفور والحجاب في مجتمعٍ ذي وجهٍ إسلامي له مدخلٌ غير مدخل استعراض النصوص وتأويلها والنظر في ما تتّسم به من لَبْس وما تنطوي عليه من أمر أو نهي، من تحليل أو تحريم. ذاك هو المدخل الفلسفي المتعلّق بشروط تكوّن الشخصية الفردية ومزاولتها لحرّيتها. وهو المدخل الذي اخترنا تناول الموضوع منه هنا. ذاك مدخلٌ لا يوجب البحث الديني ولكنه لا يستبعده أيضاً. وإنما يمكن طرقه على المستوى الفلسفي من التناول الديني، أي على مستوىً أعمّ من مستوى القواعد الفقهية وأرفع.

– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/5/31/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%81%d9%88%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a7%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%a7-%d9%8a%d8%aa%d8%b9%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5#sthash.sSTTfBiU.dpuf

من أحوالِ إمبراطورٍ “سوريٍّ” قديم

http://www.almodon.com/opinion/5ab0c5ca-6d54-458d-a7ee-847baf1fed45

أحمد بيضون|الجمعة24/05/201

  في واحد من الدروس التي كان يلقيها في الـ”كوليج دو فرانس” (وهي تُجمع تباعاً في كُتُب)، يستذكر ميشال فوكو واقعة من سيرة سبتيميوس سفيروس: الإمبراطور الذي جلس على عرش روما في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث للميلاد. وهي أن المذكور كان يجلس لإصدار الأحكام وتصريف الشؤون المعروضة عليه في قاعة من قصره جعل سقفها على صورة سماء منجّمة. وكانت نجوم تلك السماء وكواكبها مختارة وموزّعة على الصورة التي كانت عليها السماء فعلاً في الليلة التي ولد فيها الإمبراطور. وفي علم النجوم عهدذاك (وبعدذاك) أن التشكيل الذي تكون عليه النجوم والكواكب عند ولادة الإنسان يبقى متحكماً في ما يحصل لهذا الإنسان من أمور وما يصدر عنه من أفعال مدّة حياته كلها. فيستوي ذاك التشكيل صورةً لقدَر هذا الإنسان أي لما هو مرسوم له ومنتظر منه بإرادة كونية لا شأن بها للبشر.
ويرى فوكو أن جعْل الإمبراطور قاعةَ حكمه على هذه الصورة كان القصدُ منه القول إن جلوسه على العرش الذي تبوّأ لم يكن نتيجة لأعمال عنيفة مألوفة قام بها الجنود وكان يحتمل أن تفشل أو أن لا تحصل أبداً، على ما كان معلوماً من الوقائع. وإنما كان هذا الجلوس أمراً مبرماً رسمته الأقدار العلوية. وما كانت تؤكّده سماء القاعة بشأن الجلوس كانت تقول مثله بشأن العزل. فهذا الأخير لم يكن شأناً يصحّ أن ينظُر فيه أو يبادر إليه مواطنو روما أو قادتهم. وإنما كان شأناً من شؤون السماء لا دخل لهؤلاء به ولا علم. تنتهي سماء تلك القاعة إذن إلى القول إن الإمبراطور باقٍ طالما شاءت السماء بقاءه وأن ليس للمحكومين إلا التسليم بهذا القدَر المقدّر والرضوخ لحكمه إلى ما شاءت النجوم والكواكب.
إلى ذلك، كانت سماء القاعة ترفع إلى مرتبة الأقدار المقدّرة ما كان الإمبراطور يصدره من أحكام وما كان يتّخذه من تدابير أو يعلنه من إرادة. فهذا كله كان محصّناً في وجه الطعن، من أية جهة ورد هذا الأخير، باستظلال التشكيل السماوي الذي رعى ولادة الإمبراطور. كلّ شيء يقال أو يُفعل الآن كان مرسوماً سلفاً في تلك السماء الظاهرة خريطتها في سقف القاعة. والاعتراض على شيء يقال أو يُفعل ههنا إنما كان اعتراضاً على إرادة السماء لا أكثر من هذا ولا أقلّ. فلم يكن جائزاً بالتالي أن يخطر الاعتراض ببال أحد…
شيء واحد كان يمثّل خللاً في هذه الحبكة المحكمة: وهو الموت. فالإمبراطور كان إنساناً خاضعاً لناموس الحياة والموت شأن كلّ إنسان. وكان وجود حدّ لحياته تضرب له السماء أيضاً ميعاداً بعينه يسفّه رغبته في البقاء جالساً على عرش روما إلى الأبد. وكان الدليل على ذلك أن الموت سفّه هذه الرغبة في البقاء الأبدي في أحوال من سبق هذا الملك من ملوك دون استثناء أحد منهم.
عليه بذل سبتيميوس سفيروس وسعه لإخفاء موته المقبل حتماً عن عيون الداخلين إلى قاعة حكمه وحمْلهم على نسيان عدوّه المطلق هذا. كان ركنٌ صغير من تشكيل السماء التي ولد الإمبراطور تحتها ينبئ، بحسب العلم السائر في تلك الأيام، بموت الرجل جاعلاً من رحيله ختاماً لرحلة المصير يحتّمه التقدير السماوي أيضاً ويتعذّر على البشر أن يلغوه أو يؤجّلوه متى حان حينه. هذا الركن المنبئ بموت الإمبراطور استثناه هذا الأخير من السماء المعروضة في سقف قاعة الحكم العامة وجعله لا يظهر إلا في سقف غرفته الخاصة التي لم يكن يدخلها إلا هو ونفر قليل من المقرّبين الخلّص إليه.
جلس سبتيميوس سفيروس على العرش الإمبراطوري الذي رقيه بعد انقلاب عسكري تافه أودى بسلفه برتيناكس، أقلّ من عشرين سنة بقليل. ولم يكن برتيناكس قد اعتمر التاج إلا أشهراً بعد اغتيال الإمبراطور كوموديوس. واضطرّ سبتيميوس سفيروس إلى مواجهة خصوم آخرين أيضاً لم يسلّموا بشرعيته وخاض حرباً أهلية لبضعة أعوام. وحين استقرّ به المقام، جعل المنصب الإمبراطوري ملكاً وراثياً مستخلفاً على العرش ابنيه كركلّا وجيتا. على أن كركلّا لم يلبث أن قتل أخاه بيده، وهو محتمٍ بحضن أمه، بعد موت الأب، وانفرد بالسلطان.
بقي أن نشير إلى أن سبتيميوس سفيروس ليبيّ الأصل، ولد في نواحي طرابلس الغرب من أبوين ذوي أصول مختلطة بعضها بربريّ وبعضها فينيقيّ وبعضها غاليّ. غير أن هذا الإمبراطور، وهو الأوّل يرتقي عرش روما من خارجها، يُعتبر مؤسس “السلالة السورية” من الأباطرة. فهو قد تزوّج من جوليا دومنا ابنة كاهن حمص الأكبر التي أصبح لها، في ظله وبعده، نفوذ عظيم. وهذا فضلاً عن تحدّره جزئياً من فينيقيّي قرطاجة الأفارقة.. ويذكر أن هياكل بعلبك التي استغرق إنشاؤها دهراً طويلاً بلغ تشييدها في أيّام هذا الإمبراطور بعضاً من محطاته الختامية.
خاب إذن مشروع الخلود أو السلطان “إلى الأبد” الذي حاول هذا الملك تجسيده في قاعة حكمه. وكان هو نفسه عالماً أن الموت مختبئ في غرفة نومه. وخاب أيضاً مشروع السلطان المطلق الذي لا يحتمل اعتراضاً. فإن دويّ الاعتراض قلّ أن عرف فتوراً في أيامه… ثم كان أن اشتعلت نار النزاع بين الغلامين الوريثين.
هذا كل شيء تقريباً. هذه، بناء على درس لفوكو، قصة إمبراطور ليبي سوريّ أخفق في الحكم إلى الأبد ولم يستقرّ به المقام في السلطان المطلق. من تراه يشبه هذا الليبي السوري؟ أعرف واحداً ليبياً وواحداً سورياً لا يخلوان من شبه به ولن أبوح باسميهما للقرّاء.

– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/5/24/%d9%85%d9%86-%d8%a7%d8%ad%d9%88%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%85%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d8%b7%d9%88%d8%b1-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d9%82%d8%af%d9%8a%d9%85#sthash.L9UeCNY1.dpuf

كاترين لو توما والتعليم الشيعي في لبنان

http://www.almodon.com/opinion/cf9a2f1a-987d-48a7-8f39-2f70683d17ef

صدرت مؤخّراً في كتاب رسالة الدكتوراه التي كانت الباحثة الفرنسية الشابة كاترين لو توما قد كرّستها للمدارس الشيعية في لبنان. وعلى جاري العادة التي باتت تزكّيها الرغبة في تقليص كلفة النشر، يستثني الكتاب الذي نشرته دار كارتالا الباريسية بعض ما كانت تضمه الرسالة من موادّ أو يختصره. وهو يبقى، على الرغم من ذلك، كتاباً كبيراً، دسم المحتوى. وكنت قد واكبت، على الأرض، جهود هذه الباحثة من أوّل مسارها إلى آخره واشتركت في لجنة المناقشة التي انعقدت في معهد العلوم السياسية في باريس في أوائل سنة 2009   وكان تقديري وما يزال أن هذه الرسالة مدعوّة إلى تبوّء مرتبة معتبرة بين أفضل ما كرّس لشيعة لبنان من بحوث جامعية تكاثرت في العقود الثلاثة الأخيرة. فهي تقارب من المستوى الأعمق أو الإستراتيجي، وهو مستوى إعداد البشر الناشئين والتصرّف بهم، ما شهدته الطائفة الشيعية من تحوّل يعتبر أهمّ التحوّلات التي كان مجتمع لبنان المعاصر غرضاً لها في نصف القرن الأخير. ويصحّ اعتبار هذا التحوّل أيضاً أهمّ امتحان أو محنة تعانيه قابلية النظام الطائفي اللبناني للتكيف بما يشهده المجتمع من تغيير. ولا حاجة إلى القول أنه، أي التحوّل، يمتحن في ما يمتحنه مستقبل العلاقات بين الطوائف ومستقبل الدولة. تستقصي الباحثة هذه الطفرة في مضمار التنشئة على صعيدين متكاملين: صعيد المؤسسات التي أتاح تكاثرها توسيع نطاق التحوّل ونشْر مفاعيله وصعيد التصوّرات التي منحت التحوّل مضامينه وأملى تنوّعها النسبي تنوّع وجهاته. لهذه الغاية، تَسوق لو توما بحثها مُجيدةً التصرّف بمقادير هائلة من المعلومات استقتها من مصادر بيّنة التنوّع. وهي تُدْرجها في خطّة محكمة للتحليل فتبرز ما بينها من تكامل للعيان. فعلى المستوى الحسّي، يستوي التأريخ لتشكّل الشبكات والتحقيق بالاستمارات إطاراً للتحليل الدقيق الذي تخضع له معطيات أتاحتها مقابلات وافرة العدد جدّاً ومعها، على الخصوص، الملاحظة المباشرة. وكانت المثابرة في الإقامة على أرض الموضوع المستهدف تقترن بالاستكشاف المنظّم لما نشر وما لم ينشر من كتلة وثائقية هائلة الحجم متعلّقة بالمجتمع اللبناني وبنظامه السياسي، فيقوّيان ألفة الباحثة لموضوع البحث ويعزّزان فرص الفهم الصائب للوقائع وللنصوص. هذا ولم تكن السبل مفتوحة أمام البحث الميداني الذي اعترضته تحفظات كثيرة من جانب الجهات المعنية به. وهي تحفظات تركت أثرها في التحقيق بالاستمارات فجاء من جرّائها غير خالٍ من الثغرات. وعندما حيل بين الباحثة ودخول بعض المؤسسات دارت حول العقبة بالاستكثار من المقابلات وتنويعها وبتفحّص ما تنشره تلك المؤسسات من نشرات ومجلات وباللجوء إلى مصادر غير مباشرة للمعلومات. وتلفت الصفحات ذات المنحى المقارن بوفرة المعطيات المتحصّلة مما يتعلّق بالشبكات والمؤسسات المدرسية غير الشيعية (السنّية، الدرزية، الكاثوليكية…). فلم تكتفِ الباحثة ههنا بما هو متاح من معطيات متّصلة بالملامح الكبرى وإنما قصدت الأمكنة المعنية في جميع هذه الحالات واعتمدت على معلومات طازجة، مستقاة من المصدر الصالح مباشرة لترسم لنا ملامح “الجو” في كلّ مؤسسة زارتها. وتتمثّل أهمّية هذه الرسالة في أنّها تبرز تنوّع الشبكات والمؤسسات المتناولة وتنوّع الطائفة الشيعية اللبنانية، بالتالي. ولكنها، إلى ذلك، تدرج المدرسة إدراجاً تامّاً في مشروعات اجتماعية سياسية متباينة يبدو أحدها (وهو مشروع حزب الله) أكثرها صراحة وتماسكاً واطمئناناً إلى إمكاناته. وعوض أن تعمد الباحثة إلى تكرار الكلام على انخراط المدرسة في حقل تكثر فيه وجوه الاتّحاد بين السياسي والديني على أنه تحصيل حاصل، نراها تدأب في الإنشاء الحسّي لصورة هذا الانخراط وتظهره في تجلّيه العملي. وتبتعد المقاربة النظرية المعتمدة ابتعاداً بيّناً عن مقاربة مدرسةٍ بعينها من مدارس علم الاجتماع التربوي (فرنسية، بالدرجة الأولى)، على الرغم من أن هذه المقاربة الأخيرة تملي أطر التحليل المنتحلة من جانب كثير من الأعمال اللبنانية المتعلقة بالمدرسة. فنحن ههنا بمنأى من “إعادة إنتاج علاقات الإنتاج” التي يفترض أنها تتحصّل بالاصطفاء المدرسي وبإحكام الربط ما بين ترسانة من مسارات الإعداد المتراتبة وبنى السوق. وذاك أن عمل المدرسة الشيعية أقرب بكثير إلى الاندراج في منطق للتغيير يمثّله مشروع التبلّر والتعبئة الطائفي. عليه لا تشدّد الباحثة على المضامين الاجتماعية التقنية ولا الاجتماعية الاقتصادية لمسارات الإعداد وهي المضامين التي تشكّل “عادةً” مادّة التعليم الأساسية ولكنها، في الحالة المدروسة، تبدو “محيّدةً” إلى حدّ ما.  عوض التشديد على هذه المضامين، تلتقي الباحثة “المهمّة” السياسية التربوية التي تضطلع بها المدرسة الشيعية الجديدة في وجوه أخرى من “السيرة” المدرسية للتلامذة ومن “العمل” الاجتماعي السياسي الذي يخضعون له في المدرسة. هذا العمل يأتي مساوقاً، في كثرة من الحالات، لعمل العائلة ولعمل المؤسسات الدينية والتنظيمات السياسية ويرسّخ تأثيرها جميعاً. لذا تعمد هذه الرسالة إلى التشديد على تدريس موادّ تعتبر ثانوية المكانة إجمالاً في البنية “العادية” للمسار المدرسي. فيحتلّ المكان المتصدّر من عناية هذه الرسالة تدريس الدين والتاريخ والتنشئة “المدنية” أو “الوطنية”. ولكن يتصدّر هذه العناية، أيضاً وعلى التخصيص، مجموع النشاطات اللاصفيّة من كشفية واحتفالات مختلفة ومسرح، إلخ. ولا يأتي هذا التصدّر نتيجة اختيار تحكّمي من جانب الباحثة. وإنما تسوّغه مكانة عظيمة تتبوأها هذه الموادّ والنشاطات في العديد من المؤسسات التي تناولها البحث. ويسوّغ التصدّرَ نفسه أيضاً أن هذه الموادّ والنشاطات يصدي بعضها لبعض وتتشكّل منها شبكة رمزية شديدة الأسر تسند، على ما سبقت الإشارة إليه، عمل مؤسسات اجتماعية أخرى. وإذ تعوّل الباحثة على فهمها نمط الانخراط هذا، تنتهي إلى ذكر “مشروع المجتمع” الذي ترى أن المدرسة الشيعية الجديدة تمثّل جزءاً لا يتجزّأ منه. وهي لا ترى موضوع بحثها، أي المدرسة، كافياً لوصف حصري لهذا المشروع ولا تعتبره، من باب أولى، أساساً يصلح وحده لتقويم حظوظ النموّ التي يتوفّر عليها المشروع ووقعه على المجتمع والدولة اللبنانيين. على أن هذه الرسالة تستوي، من الآن فصاعداً، مرجعاً لا تجوز الإشاحة عنه لكل محاولة ترمي إلى التحليل المحسوس لهذا الوقع. أخيراً، نرى الجرأة الفكرية التي أتاحت لهذه الباحثة الشابّة أن تبتعد عن المسالك المطروقة في علم الاجتماع التربوي في فرنسا متجلّية، على الأعمّ، في ما يسعنا أن نسمّيه مقاربة اختبارية للتصوّرات. ذاك نوع يقتدى به من اليقظة يجنّب هذه الباحثة ما يتقدّم على أنه “ملبوس فكريّ جاهز” ويبعدها أيضاً عن الأشراك التي لا تتورّع النظريات السائرة عن نصبها لمن يتناول موضوعاً لا يزال جديداً. بل إن هذه الباحثة توحي هنا وهناك بشعورها التامّ بحدود الفاعلية التي لعدّتها النظرية. وهذا على الرغم من الموهبة المؤكّدة التي يدلّ عليها تصرّفها بهذه العدّة. كتاب لا يقرأ وحسب، بل يرجع إليه عند كلّ رجوع إلى أطوار التشكيل الطائفي للمجتمع اللبناني المعاصر ولشيعته على التخصيص.     – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/5/17/%d9%83%d8%a7%d8%aa%d8%b1%d9%8a%d9%86-%d9%84%d9%88-%d8%aa%d9%88%d9%85%d8%a7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%b9%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86#sthash.62A5nmlo.dpuf

السياسةُ غباءً وذكاءً وغيرَ ذلك…

http://www.almodon.com/opinion/779f4a4d-f9c5-4366-acc4-d5f16581eca7

كثيراً ما يلجأ متعاطو التحليل السياسي (فضلاً عن السياسيين أنفسهم) إلى مقياس الخطأ والصواب للحكم على موقف أو عمل سياسي. يتبع ذلك تشديد معتاد أيضاً على البراعة السياسية يُنعت بها (أو بعكسها) هذا أو ذاك من السياسيين. وقد يصل الإعجاب إلى حدّ القول بـ”عبقرية” السياسي موضوع الحديث وإن تكن صفة “العبقرية” هذه تدّخر عادة لبعض الماضين فيندر إطلاقها على من لا يزالون من السياسيين في الخدمة. بخلاف ذلك، يُستسهل قذف الحاضرين بصفة “الغباء” أو بما يعادلها إذا كانت الخيبة قد حصلت لسعيهم أو كانت منتظرة له. وقد يكفي لاستدراج هذا النعت مخالفتهم لهوى المحلل أو المقوّم في موضوع من موضوعات السياسة أو مجال من مجالاتها. الأرجح أن ثمة إفراطاً جسيماً في تقدير صلاحية الخطإ والصواب أو دور الذكاء والغباء عند النظر في أمر فعل سياسي وتقويمه: إما بناءً على نتائج الفعل الحاصلة وإما تقديراً من جانب المقوّم لنتائج يراها متوقعة للفعل… وكثيراً ما تزين له توقّعها سيرة الفاعل والموقعُ والأسلوب المألوفان له. الأرجح أن السياسي لا يكون في معظم الحالات مطلق التصرف إلى الدرجة التي تبيح له أن يصيب أو يخطئ. فإن ثمة عوامل وبواعث تخطئ عنه أو تصيب وتفتح باب البراعة قليلاً أو كثيراً أو هي تقضي بالتخبط وتوقع ضحيتها في شبهة الغباء. الأرجح أن العبقرية لم يكن لها ما ينسب إليها من نصيب في نجاح من سايره النجاح قليلاً أو كثيراً في مساره السياسي أو في خطّه في الحكم وقيادة الدولة. ولكان صواب المستشارين (أو الوزراء أو الوعّاظ، إلخ.، في ما مضى) وذكاؤهم المفترض يعوّضان غباء الحاكم ويدرآن خطأه من حين إلى حين لو كانت هذه هي الرياح التي تجري فعلاً بسفينة السياسة. لا يعني هذا أن الذكاء والغباء لا يعودان على صاحبهما من الساسة بنفع ولا بضرر. فإن دورهما متّصل، في الواقع، بصفة أساسية للفعل السياسي هي صفة “الإمكان”. و”الإمكان” هنا محمول على معناه في المصطلح الفلسفي وهو خلاف “الوجوب”. الذكاء مهمّ لأن الأسانيد التي يتكئ عليها مشروع الفعل هي في العادة ناقصة ومختلة. فإن الفاعل لا يرى من موقعه إلا جوانب دون أخرى من ساحة الفعل ومما هو جارٍ فيها. وهو يجد نفسه مأخوذاً في تيار حوادث دينامي متّصل حكماً بما سيأتي. ولكنه – أي الفاعل السياسي –  لا يحيط بما هو محتمل الحصول في هذا الآتي ولا، على الأخصّ، بما سيبدر من فاعلين آخرين محكوم عليهم هم أيضاً بالتصرف في ظروف تتّسم بالهشاشة: بضعف الرؤية ونقص المعرفة والتقلب بين الاحتمالات…  هذا كله: أي صفة “الممكن” الذي يبقى غيره أو خلافه “ممكناً” أيضاً… صفة الخلوّ من البديهة أي من حالِ ما “يجب” فعله ولا “يجوز” فعل غيره… هو ما يمنح الذكاء ومعه ما قد يتاح أو يحصّل من معرفة بوقائع الساحة وما جرياتها مكانة تبقى لها أهمّيتها وإن تكن، على ما ذكرنا توّاً، بعيدة عن الاستئثار بالتحكم في مسار العمل السياسي ومصيره. الحاصل أننا إذا نظرنا بما يكفي من إمعان في ما يجعل التصرّف السياسي لحزب أو لشخصية سياسية أو لجماعة حاكمة يبدو واضح الغباء والغربة عمّا تدّعى خدمته من مصلحة لرأينا أن مصدر الخلل ليس عسر التمييز بين الصواب والخطإ في المسألة المطروحة، إذ يكون هذا التمييز في كثير من الحالات هيناً للغاية. وإنما نقع على الخلل الذي يمنع الإعراض عن الخطإ واتّباع الصواب ماثلاً في الواقع المركّب للفعل السياسي وفي الكثرة المباشرة أو غير المباشرة التي تلازم فاعليه. فالفعل ينطوي في تكوينه على مصالح لفاعلين مختلفين. وهذه المصالح لها  صوابها وخطؤها الخاصّان بها أو بكلّ منها. وهذان الخطأ والصواب، في صيغهما المفردة أو المجتمعة هما غير الخطإ والصواب اللذين يصحّ أن ينعت بهما الفعل في جملته والفاعلون بعمومهم.  ههنا يأتي تفاعل المكوّنات بحصيلة عامّة مختلفة عن تلك المرغوبة. ولا يستبعد أبداً أن يصحّ نعت هذه الحصيلة المغايرة بالغباء. ولكنه غباء ناشئ من ذكاء أفرقاء ذوي مصالح يعرف كلّ منهم حقّ المعرفة ما يريد ولا تصح فيهم صفة الغباء متفرّقين صحتها فيهم مجتمعين. في كثير من الحالات أيضاً يتعايش الغباء والذكاء بحكم التخالف ما بين مقياسيهما الزمنيين. فيكون السلوك الذي يبدو غبياً، في المدى البعيد، سلوكاً حاذقاً، وافياً بغرضه في المدى القريب. ويكون هذا الغرض القريب هو الهمّ الفعلي لهذا الفاعل. وأما الغرض البعيد، وهو عادةً ما تتوخّاه الجماعة الأوسع، فيرى بعض أطراف هذه الجماعة أن في وسعهم القبول بفواته. ويكون بعد ذلك ما يكون. وأما مرادنا من هذا الكلام فهو أن يشعر القارئ بوخزة تستوقفه حين يقع على نعت لسياسي ما أو لعمل من أعماله بالسفاهة أو بالعبقرية. مرادنا أيضاً (وهذا أعسر منالاً) أن نستوقف المحللين السياسيين كلما راحت تغريهم هذه الفئة من الأوصاف (وهو ما يحصل كثيراً)، لعلّهم يميلون إلى شيء من الروية في استعمالها. فلا يطلقونها جزافاً، تحصيلاً لاعتداد بالنفس لم يبذلوا من الجهد ما يكفي لاستحقاقه. بل يسلّمون بأن عليهم أن يلزموا جانب الخشية من أن يقعوا هم أنفسهم في شرّ ما يطلقون.             – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/5/10/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%ba%d8%a8%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%b0%d9%83%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d8%b0%d9%84%d9%83#sthash.4Z8BRxEX.dpuf

ذكرى دومينيك شوفالييه

http://www.almodon.com/opinion/95da2b1b-0478-478e-90f2-f8f52820b657

تتمّ في هذه الأيام دورة خمس سنوات انقضت على رحيل المؤرّخ الفرنسي البارز، صديق لبنان والعرب، وأستاذ كثر من مؤرّخي جيلنا والجيل الذي يليه دومينيك شوفالييه. لم يحصل عندنا، في مدّة الغياب هذه، ما ينمّ بعرفاننا فضل الرجل. وأقلّ ما أراني أفعله في هذه الذكرى أن أستعيد كلمة تأبين كنت قد ألقيتها أمام جثمانه المسجّى في كنيسة سان جرمان لوكسروا المجاورة لمتحف اللوفر في باريس. ما يلي ترجمة عربية لتلك الكلمة…  كان منّي أن كتبتُ، قبل أعوامٍ كثيرة، أن دومينيك شوفالييه أدخل لبنان التاريخ. ولم يكن المقصود تاريخَ العالم الذي صدرت من الشرق الأدنى بعض من تمتماته الأولى بل قصدتُ عِلْمَ المؤرّخين الكبير. فحين أزمع دومينيك شوفالييه أن يصبح المؤرّخ الذي كانه، ترتّب عليه أن يصبح رجلاً عظيم الثقافة وأن يصبح كاتباً كبيراً أيضاً فضلاً عن استوائه رجل علم. وهو قد خصّ بلادنا هذه بباكورة موهبته التي كانت قد غدت واثقة بما اكتنزته من طاقات. فلم يكفه أنه واءم بين ما تتيحه أنظمة معارف معروفة بالغيرة كلاًّ على حوزته بل هو قد حملنا على نسيان ما بينها من حدود ترعاها عيون ساهرة. وإنما أرمي إذ أقول هذا إلى إبراز ما يتّصف به من ألمعية صريحة تأليف ينسينا نسيجه برهافته وشدّة أسره معاً وتنسينا تطلّعاته الجامعة إلى بعد المطمح ملازمةً لأكثر منحنيات الموضوع عسراً على المتابعة أين يبدأ علم الإناسة وأين ينتهي الاقتصاد السياسي أو تاريخ المؤسّسات. ننسى أيضاً أن نسأل أنفسنا كيف أمكن أن يندرج تحليل البنى بهذا اليسر في مساق رواية الحوادث.  وذاك أن دومينيك شوفالييه يفلح في إتيان الأعجوبة التي هي المساوقة ما بين ضربات الفرشاة الآيلة إلى تشكيل لوحة وصفية وتكثير الملامح المظهرة للمرتكزات المتشابكة واستعراض الوقائع أخيراً. والوقائع ههنا كبيرة وصغيرة ولكن اختيارها موفّق دائماً. فيسعد بها القارئ الراغب في الاطلاع على تاريخ لبنان وعلى انغماس هذه البلاد في مبارزات راحت تتشكّل بفضلها ما بين أقوياء الغرب والشرق وتلبّى أيضاً رغبة هذا القارئ في فهم ذلك كله. يجعل دومينيك شوفالييه من هذه البلاد الصغيرة بوّابةً تتيح له، على ما في الأمر من مفارقة، وتتيح لقرّائه أيضاً فرصة الدخول، ليس إلى ماضي الشرق الأدنى العربي بالدرجة الأولى بل إلى حاضره على الخصوص. وهو يتوصّل أيضاً عبر بلادنا إلى مرتبة المؤرّخ الكبير المتبوّئ مكانة مقصورة عليه في الكوكبة الجميلة التي تمثّلها المدرسة التاريخية الفرنسية في عصرنا هذا. ***   على أن لبنان لم يكن، في يوم من الأيام، لدومينيك شوفالييه مجرّد موضوع للدراسة. بل إن هذا الرجل الكثير الأسفار قد جعل من بلادنا مقصداً منتظماً له ومحطّة مفضّلة من محطات جولاته. ولسوف يبقى أصدقاؤه الكثر يستشعرون ونبقى نحن تلامذته المقيمين في بلاد عادت ضحية للمجاذبات المستأنفة، نستشعر إلى أجل غير مسمّى فقدنا لهذا السند الذي كانت تمثّله لنا، في أسوإ المراحل التي عبرتها محنتنا الوطنية، زيارات دومينيك شوفالييه لنا وجلساتنا إليه. كان يحضر ليستمع إلينا ولكن عباراته كانت تقطع أيضاً، على غرار شفرات من نور، في أمر مزالقنا المتكرّرة والمتعارضة.   وفي أيام الحرب من صيف العام 2006، كان دومينيك شوفالييه يخابرني إلى بيروت كل يومٍ تقريباً. فهذا الرجل الذي كان ينأى به قناع غير حميم وكان يصعب على أيّ منّا أن يزعم الأُلْفة له، كان يسْتنفره جسداً وروحاً شعوره بالتضامن مع اللبنانيين المعذّبين أو المهدّدين الذين كان يمثّلهم عنده، في بعض الأحيان، وجه يعرفه. فلقد صدرت عنه عبارات هي عبارات الأب المفجوع ولكنها أيضاً عبارات الشاهد الثائر وهو يودّع تلميذين اثنين من بين ألمع تلامذته هما أنطوان عبد النور وسمير قصير وقد سقط كلاهما، بفاصل ربع قرن بينهما، برصاص طاغية المرحلة. ولقد أدركني، أنا أيضاً، صوته القويّ منتصراً لي عندما أمضيت أيّاماً من صيف العام 1982 في قبضة الأتباع اللبنانيين لجيش الاجتياح الإسرائيلي ثم في قبضة هذا الجيش نفسه. تلك بوادر ليس للبنانيين أن يأذنوا لأنفسهم بتناسيها. حظيت أيضاً بامتياز فاجع تمثّل في أنني كنت واحداً من أواخر اللبنانيين – وقد أكون آخرهم – الذين التقوا دومينيك شوفالييه. فقد استقبلني في منزله قبل رحيله بثلاثة أيام. وعلى جاري عادته، كان ، على الرغم من حاله الصحية التي بدت لي مثيرة لأبلغ القلق، قلقاً من جهته على لبنان. كانت بلادنا قد اجتازت، في السابع من هذا الشهر، ما بدا وكأنه الليل الأول من حرب أهلية جديدة. والحال ان دومينيك شوفالييه كان يجيب برتابة كلّما سألته إن كان محتاجاً إلى شيء من بيروت: “إلى السلام!” ستبقى ذكرى دومينيك شوفالييه في نفسي، على الدوام،  ذكرى المعلّم الاستثنائي والسند المعنوي الذي لا يهتزّ والصديق. وإذ أشاطر ذويه ألمَهم مشاطرة الصديق، أشعر بأن عليّ التقدّم بأحرّ التعزية أيضاً من الهيئة الجامعية الفرنسية ومن بلادي لبنان. – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/5/3/%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%89-%d8%af%d9%88%d9%85%d9%8a%d9%86%d9%8a%d9%83-%d8%b4%d9%88%d9%81%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%8a%d9%87#sthash.UTAnN2tp.dpuf

دُلّوا فلسطينَ على الصواب

http://www.almodon.com/opinion/d30c0103-6c66-401b-932d-2ec3a7688acf

قبل أيام، ذكر المكتب المركزي للإحصاءات في إسرائيل أن عدد سكان الدولة العبرية قد بلغ ثمانية ملايين وعشرة آلاف نسمة. وهو ما يعني أن العدد أصبح عشرة أمثال ما كانه في سنة 1948 تقريباً. ويحتسب الإسرائيليون في ملايينهم هذه عرب القدس الشرقية وعددهم 270 ألفاً ويحتسبون أيضاً نحواً من نصف مليون مستوطن يهودي أصبحوا مقيمين في الأراضي الفلسطينية التي احتلّت سنة 1967. وتبلغ نسبة اليهود من سكان إسرائيل 75,3 % وتبلغ نسبة العرب 20,7 % فيبقى 4% لغير العرب من معتنقي ديانة غير اليهودية. وفي هذه النسبة الأخيرة، يدخل مهاجرون من أوروبا الشرقية جاؤوا إسرائيل بصفتهم يهوداً ولكن لا ينطبق عليهم التعريف الإسرائيلي لليهودي. وكان ياسر عرفات قد أشار، في عشايا رحيله، إلى نوع من التساوي وجده حاصلاً بين عدد اليهود وعدد العرب المقيمين على أرض فلسطين التاريخية. وهو ما تثبت استمراره مقارنة الأرقام الإسرائيلية أعلاه بأرقام نشرتها السلطة الفلسطينية تتعلّق بأعداد الفلسطينيين في نهاية العام 2011. إذ ذاك كان في قطاع غزّة 1,6 مليون فلسطيني وفي الضفة الغربية بما فيها القدس 2,6 مليون وفي إسرائيل 1,37 مليون هم المعروفون باسم عرب 1948. فإذا أضفنا إلى هذه الأعداد 2 إلى 3 % تمثّل الزيادة السكانية في سنة وبعض سنة، وصلنا اليوم إلى عدد للعرب المقيمين على أرض فلسطين غير بعيد عن عدد اليهود الذي هو 6,42 ملايين بحسب الإحصاء الإسرائيلي المذكور أعلاه.  ثمّة شبه توازن إجمالي إذن على الصعيد السكّاني. ولا ضير من الإشارة هنا إلى كون هذا التوازن قد أصبح موعوداً بقدرٍ مرموق من الاستقرار. فإن الهجرة اليهودية إلى إسرائيل قد شحّ مخزونها كثيراً في العقد الماضي. فأصبحت لا تتعدّى بضعة آلاف كلّ سنة وتطرح الهجرة من إسرائيل، بدورها، عدداً معتبراً من هذه الآلاف نفسها. هذا فيما خرج الفلسطينيون من عهد الازدياد الانفجاري الناجم عن كثرة المواليد نازعين نحو الاقتراب من حال اليهود، على هذا الصعيد. ثم إن الفلسطينيين يهاجرون هم أيضاً حين يستطيعون إلى الهجرة سبيلاً. وهذا السبيل ضاق عليهم ضيقه على غيرهم، في العقود الأخيرة. ولولا ذلك لكانت هجرتهم أوقع مما هي عليه بالنظر إلى ظروف عيشهم البالغة العُسْر تحت نير الاحتلال والتمييز. هذا النصف الفلسطيني من سكّان فلسطين يقيم ثلاثة أرباعه، تقريباً، على نحو الخُمْس من أرض فلسطين التاريخية. وهو خمس ينازعهم فيه استيطان لا يوجد ما يدلّ على أنه مزمعٌ التوقّف عند حدّ. وهو أيضاً خمس يفسد عليهم الاحتلال حياتهم على ما بقي في أيديهم منه ويعطّل من مقوّماتها الكثير ويرهنها إلى حدّ خطرٍ بتواصل العون الخارجي. وما دام الاستيطان جارياً فلا أمل في جلاء الاحتلال الذي يحمي القائم من الاستيطان ويكفل توسّعه. من سنة 2000، تاريخ الانتفاضة الثانية، يقال للفلسطينيين إن جنوح هذه الانتفاضة نحو العنف كان خطاً فادحاً. وهذا  صحيح إذا قيست الأمور بعواقبها. ولكن لا يقال للفلسطينيين ما الذي كان عليهم أن يفعلوه، بعد ما فعلوه في أعقاب مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو، إن كانوا يبغون وقف الاستيطان وإجلاء الاحتلال. فهذان أمران لم يكونا قد حصلا، في سنة 2000، بنتيجة مدريد وأوسلو وهما لم يحصلا إلى اليوم. ثم إن الحكم على انتفاضة سنة 2000 يجري جرّه عادة على كل ما فعله الفلسطينيون بين هزيمة 1967 وانتفاضة الحجارة في أواخر الثمانينات من القرن الماضي. فيقال إن العنف الفلسطيني كان خطأ من أوّله وإن التفاوض، لا العنف، هو ما أنشأ السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزّة. ولكن العنف الفلسطيني، بعد 1967، وهو قد جرّ كوارث على الفلسطينيين وعلى غيرهم، هو أيضاً ما أعاد تكوين الشخصية الفلسطينية وفرض الفلسطينيين طرفاً في التفاوض. ولم يكن الفلسطينيون قد أنجزوا شيئاً أو حصلوا على شيء في 20 سنة تقضّت بين نكبتهم ولجوئهم إلى العنف. ثم إن التفاوض وصل، بعد إنشاء السلطة الفلسطينية، إلى جدار قد يكون جدار الفصل في الضفة الغربية تمثالاً مناسباً له. ولا يقدّم إلى الفلسطينيين اليوم أيّ دليل على أن التفاوض سيخرق هذا الجدار.  ولا يكفي القول إن التفاوض لم يوصل الفلسطينيين إلى حقّهم الاستراتيجي في إنشاء دولة وطنية لهم. بل يجب القول – وهذا هو الأمر الحاسم –  إن حصائل التفاوض لم تخرج الوطن الفلسطيني من سيرورته نحو التصفية. ليس الفلسطينيون في حال تحالف مع الوقت حين ينظر إلى الوقت على أنه وقت انتظار ليس إلا: وقت انتظار يمضيه الفلسطينون في موقع ثابت ليستأنفوا حركتهم نحو هدفهم في ظرف أفضل. ليس موقع الفلسطينيين ثابتاً بل هم في تراجع. هم في تراجع متواصل لأن وطنهم في قيد التصفية. ولم يبق اليوم من أحدٍ يصدّق نفسه فعلاً إذا هو نصح الفلسطينيين بالتعويل على مستقبل ما لما دعي “عملية السلام”. فلا القيادة الغربية لهذه العملية أوصلتها أو هي في صدد الوصول بها إلى خواتيم مقبولة. ولا التعلّق بأذيال الجبهة “الممانعة”، المتخذة من قضية الفلسطينيين غطاءً للاستبداد وقناعاً لمطامع إقليمية ذات صفة إمبريالية وطائفية معاً، أمكن أن يجني منه الفلسطينيون خيراً لهم. بل إن المواجهة بين هذين الخيارين أفضت إلى شقّ الفلسطينيين ونقل النزاع إلى صفوفهم. وهذا أسوأ ما يمكن أن تجنيه جماعة وطنية مأسورة في الوضع الذي هو وضعهم.  هذا وآخر ما تطمح إليه السياسة الإسرائيلية – وهي سياسة لا تلقى في إسرائيل مقاومة يعتدّ بها – يرجّح أن يكون حمل الفلسطينيين، في المدى الطويل، على الخروج من فلسطين. ذاك معنى القول المنتشر في إسرائيل بصدد النزاع الإسرائيلي الفلسطيني: القول إنه لا توجد ضرورة تملي حلّ هذا النزاع. هذا قول قديم أصلاً تستعيده السياسة الإسرائيلية اليوم. وليس معناه أنه لا يوجد حلّ جارٍ لهذا النزاع. بل معناه الوحيد أن الاتفاق على الحلّ مستثنى من بين إجراءات هذا الأخير. الحلّ يرسمه ويمليه طرف واحد هو الطرف الإسرائيلي. والمطلوب من الطرف الآخر لا يتعدّى التنفيذ أو بالأحرى تحمّل التنفيذ. التنفيذ أي الخروج، في نهاية المطاف، من فلسطين.  ذاك ما سيتبدى أيضاً حين يجد الطرف الإسرائيلي ضرورة لإيضاح ما يقصده بـ”الحلّ الأردني” للمسألة الفلسطينية. المعنى الإسرائيلي لـ “الحل الأردني” أن إسرائيل ليست ملزمة بترك شيء يُذْكر مما في يدها طلباً للحل. أي أنها لن تترك شيئاً ذا أهمية من الوطن الفلسطيني الذي تتواصل فيه حركة الاستيطان وأنه سيكون على الفلسطينيين أن يتوجّهوا إلى الأردن. قد يترك لهم شيء من الضفة الغربية لا يخلو من شبه بقطاع  غزّة الذي وجدته إسرائيل غير صالح للاستيطان فأخْلته. سيكون هذا نوعاً من التسهيل لرسم الوقائع الأخيرة وإرسائها. ولن يحصل تهجير بالقوة في أيام أو أشهر. التهجير (المسمّى في التاريخ الصهيوني باسمه الأوروبي: “ترانسفير”) فعلٌ تاريخي بكل معنى الكلمة. وهو سيحصل بضرب شروط البقاء في مدى عقود. في مدى هذا القرن الذي لا نزال في أوائله، مثلاً. هذا جارٍ تنفيذه من عقود أيضاً وهو يكاد يغني عن عدّ العقود ويبطل الحاجة إلى حلّ آخر للمسألة الفلسطينية مشروط بالاتفاق. أيكون معنى “الحلّ الأردني” أيضاً حرباً أهلية مفتوحة في الأردن؟ فلتكن متى أزف يومها. يبقى أن الفلسطينيين ما زالوا قرابة ستة ملايين في فلسطين التاريخية. ويقيم نحو من خمسة ملايين فلسطيني آخر في البلاد العربية ومعظمهم في بلاد الطوق المحيطة بفلسطين بما فيها الأردن. وهم سيفعلون شيئاً لوقف ما يجري لهم سواء أكان هذا الذي يجري خطة مرسومة أم سياسة ارتجالية، ماضيةً في سبيلها عفوَ الخاطر العنصري. سيفعل الفلسطينيون شيئاً ولن ينجو جوار فلسطين مما سيفعلونه. وسيضطرّ القائلون إن القضية الفلسطينية قد “انتهت” إلى اكتشاف هذه القضية مجدداً. والأرجح أنهم سيقولون إن الفلسطينيين على خطإ في ما يفعلونه والأرجح أيضاً أنهم سيكونون مصيبين في قولهم هذا. ولكن الفلسطينيين لن يرعووا وسيمضون في الخطإ المزعوم إلى حيث يستطيعون.  وذلك أن أسهل الأشياء وأصوبها أن يقال للفلسطينيين إنهم مخطئون. ولكن منتهى اللؤم أن لا يقول أحد للفلسطينيين ما هو الصواب؟ ليُقلْ لهم، في الأقلّ، إن الصواب قد مات!                     – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/4/25/%d8%af%d9%84%d9%88%d8%a7-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d8%a7%d8%a8#sthash.ZbkEglXj.dpuf

زُحامُ بيروت ومعنى الحياة

http://www.almodon.com/opinion/b1c6e6d3-97cf-443e-8e15-6f5b746ccfd5

بين حينٍ وحين يخطر لي أن زحمة السير في بيروت، وفي الطرق المفضية إليها، منطلقٌ صالح للتأمّل في معنى الحياة. أقول “منطلق” ثم أفطن إلى كون الانطلاق هو ما يعزّ حصوله في الحالة التي تستوقفني. “استوقَفَ” التي فرضت نفسها عليّ الآن أوفق بكثير من “المنطلق”. لا آتي شيئاً غير مسبوق حين أفترض أن أمراً من نُثار حياتنا اليومية في المدينة يصلح أرضاً نقلّب عليها مسألة من مسائل ما بعد الطبيعة: مسألةً ليست أيّة مسألة وإنما هي مسألة المسائل. ما الذي يبقينا في قيد الحياة ويثنينا عن الإقدام على الانتحار؟ لا آتي شيئاً غير مسبوق إذن. ففي قراءات شبابي، وقعت كما وقع غيري في الكون والعدم لجان بول سارتر، على مثال خادم المقهى الذي يمثّل دور خادم المقهى وعلى مثال الرجل والمرأة اللذين يلتقيان على مقعد في حديقة عامّة، وعاينْتُ نفاذ الفيلسوف من هذين المثالين المستمدّين من الحياة “العاديّة” ومن أمثلة أخرى تشبههما إلى أبعاد يتعين بها وجود البشر كله في فرادته. لكنّ عليّ أن أعود مرّةً أخرى إلى مفرداتي لأُظهر إملاءَ التعبئة النفسية المتعلّقة بموضوعي ألفاظاً بعينها توافق مناخ الموضوع وأخرى لا تخلو من هزء بهذا المناخ. فمن العبارات الموافقة هنا قولي “أرض نقلّب عليها مسألة”. فإن ثبات الأرض وحصول التقليب في موضع ثابت منها أيضاً يوحيان بالحال التي يكون فيها العالق في سيّارة أجرة تتسلّق به شارع بشارة الخوري في ساعات وسط النهار نحو السوديكو. ومن العبارات غير الموافقة أو الساخرة قولي”شيء غير مسبوق” إذ لا شيء مما يكون فيه هذا الراكب يبيح ذكر “السَبْق” أو “السباق”. هذا ما لم يكن المقصود ذاك النوع الداخلي من التسابق الذي يبيح للراكب استشعار هجمات السيّارة على من أمامها أو حولها وهي واقفة لا تريم عن موضعها تقريباً. معنى هذا أن الاحتباس في سيارة أجرة فرصة للبحث في أهلية الكلام وشروطها وليس في معنى الحياة وحسب. أعود إلى الهزء والسخرية. هذان قد يكونان طعناً في قيم مستقرّة فيجنحان بالمرء إلى القول إن الحياة لا معنى لها، في نهاية المطاف، وإنه يحسن به أن يضع حدّاً لحياته. ولكنهما قد يكونان أيضاً قوّةً مقابلة للمراوحة التي يشير إليها “التقليب على الأرض” فيسعفان في تحمّل هذا الوقت… هذا العيش الذي يأكله الزحام ببطءٍ لا يطاق. أقبل قول صاحبنا إن “خفّة الكينونة” “لا تحتمل”، ولكن ما يختبره الراكب في تلك السيارة البيروتية هو أن البطء، لا الخفّة، هو ما يأكل معنى الحياة ويحيلها إلى “شيء لا يطاق”. وذاك أن البطء، في هذه الحالة، يأكل الحياة نفسها ومعناها معها. وهذا ليس دأبه دائماً. فالبطء قد يكون مطلوباً في القبلة، مثلاً، أو في تذوّقك كسْرة شوكولا. فههنا تجد الفجيعة سبيلها إلى الوجود البشري من باب إفضاء الأشياء المحتوم إلى نهاية لا من باب المراوحة فيها بلا نهاية. في سيّارة الأجرة يكون الوقت متاحاً للسؤال عن قيمة حياة تمضي منها أربع ساعات من كلّ يوم، مثلاً، في واحدة من هذه السيارات، الوسخة المقاعد والمتداعية الأركان، وأنت ذاهبٌ إلى عملك وعائدٌ إلى مسكنك. ويتحدّد الجواب، في وجه من وجوهه، بقيمة ما تفعله في عملك بعد أن تصل إليه وما ينتظرك في منزلك متى عدتَ إليه. فتوشك الحياة أن تجتمع أطرافها وتنتظم بكلّيتها حول وقت الانتقال الموسوم بميسم الضياع وَسْماً لا رجعة فيه. وهو وقت ضائع بأشدّ المعاني قوّةً لأنه يكاد لا يحتوي شيئاً غير التضجّر من ضياعه ويكاد يطيح ما يحفّ به من الوقت من جهتيه. إذ هو يطرح السؤال المتعلّق بوجاهة ما يسبقه وما يلحقه واستحقاقهما هذا العناء كلَّه. وهو يفضي من هنا إلى إيماضات الحيرة في الاختيار ما بين المضيّ في عيش هذه سيرته والانتحار. ومعنى “الحيرة” أن تروح وتغدو بين أمرين يبدوان متساويين في القيمة، على اختلافهما أو تعارضهما في العاقبة. ومعنى “الاختيار” أن ترى أمراً من الأمور “خيراً” من غيره. فما الذي قد يُخرج وقتَ الاحتباس في الزحام هذا من الضياع كليّاً أو جزئيا؟. لا يؤمل هذا من مذياع السيّارة إلا في ما ندر، إذ لستَ محكّماً في ما تَسمع، وأنت الراكب المسكين المتّهم بأنك لا تدفع بدلاً عادلاً يوازي، بزيادته، الزيادة المتواصلة في أكلاف نقلك. ما تسمعه يُمْلى عليك ويندر أن يوافق ذوقك أو همومك بل هو كثيراً ما يناطح ميولك رأسيّاً. لا شيء تفعله، فوق ذلك، في سيارة أجرة: ليس متاحاً، بلا إزعاج للغير، أن تقرأ كتاباً أو جريدة على غرار من يسافرون في وسائل النقل العام الرفيعة السويّة في بعض مدن العالم. ولا يغنيك، إلا استثناءً، أن تسمع شكاوى السائق. وذلك لأسباب تتّصل، كما في حالة المذياع، بتنافر الرؤى والأمزجة. وهذا مع العلم أنك قد تتعلّم من السائق أشياء تتصل بالمدينة والمجتمع إذا كنت مستعدّاً للتجاوز عن التنافر المشار إليه طلباً لهذا الصنف من المعارف. أكون أم لا أكون؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه عليك زحام بيروت. ولكن يجوز أيضاً أن نبقى على مستوىً أكثر سطحية أو أقلّ جذرية مما بعد الطبيعة وهو المستوى الاجتماعي. فنؤجّل السؤال عن معنى الحياة بإطلاقه لنسأل عن شروط الحياة سويّةً. والمدخل الأوسع إلى هذه المسألة الأخيرة هو، على الأرجح، طريقة اللبنانيين في سياقة سياراتهم، في الزحام خصوصاً وفي غيره أيضاً. وهو أيضاً تباين المصائر بين المنتقلين لجهة وسيلة النقل. وهو أخيراً موضوع المشاة والدراجات النارية وعلاقتها بالسيارات وبسائقيها. في مسألة السياقة، يفي بالغرض قول القائلين السائر إن العلاقة الغالبة بين سائقي هذه الألوف المؤلّفة من السيارات إنما هي علاقةُ قتالٍ وإن اللبنانيين يخوضون على الطرق وفي الشوارع حرباً أهلية دائمة. وفي مسألة العلاقة بوسيلة النقل، لا يستوي المنتقل في سيارة السرفيس المتهافتة والمنتقل في السيارة المكيّفة، يَسْمع من الموسيقى ما يشاء ويُخرس من الإذاعات ما يشاء. والحسد الطبقي شعور مؤكّد بين الفئتين وهو قد يغشّي وحدة الحال الماورائية المتحصّلة من الاحتباس والوقت الضائع.  وأما المشاة فهم الضحايا الناقمون على من عَداهم وعلى البلدية والدولة. وأخصّ من تنزل عليهم نقمة المشاة سائقو الدرّجات النارية الذين يتقافزون بين السيارات المتوقفة وينقضّ هذا أو ذاك منهم على العابر، من خلف سيّارة ما، فيما يلحق آخرون منهم بالمشاة إلى الرصيف الضيق الذي أكلت بعضه سيارات ودراجات أخرى متوقفة بالطول أو بالعرض. ذاك مدخل ممتازٌ إلى تأمّل آخر: وهو التأمل في إفضاء أنواع من البوادر المتكررة، الفردية على الرغم من تكرارها، إلى استحداث عداء اجتماعي يشتمل على فئة عريضة من الناس برمّتها. سائقو الدرّاجات النارية، وهم، في معظمهم، كادحون يجهدون لكسب لقمتهم، نموذج للفئة التي يستجلب بعضها بُغْضاً يشمل سائرها ويستدرج بعض سلوكها غضباً يشتمل على أشخاصها. معلوم أن هذا المساق هو أوّل العنصرية التي قد لا تظهر بتمام صَلَفها في الحالة التي نحن بصددها. ولكنها تستقي من بعض الحالات وقوداً لحالات أخرى. كان ألبير كامو يقول إن الانتحار هو المسألة الفلسفية الوحيدة “ذات الصفة الجدّية حقّاً”. هذا ما يفطن إليه أو إلى ما يشبهه العالق كلّ يوم في زحام بيروت.         – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/4/18/%d8%b2%d8%ad%d8%a7%d9%85-%d8%a8%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%aa-%d9%88%d9%85%d8%b9%d9%86%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9#sthash.K8Dn7DOB.dpuf

المُحال نظاماً للحُكْم

http://www.almodon.com/opinion/a7aeaac1-3285-4053-ab12-efe735564cda

مع مباشرة الرئيس المكلّف تمام سلام جهوده لتأليف حكومة جديدة، تعود إلى بساط البحث أصناف الحكومات التي تتوزّع القوى السياسية بين تفضيل هذا منها وتفضيل ذاك أو ذلك. يطرح، بالتالي، السؤال المتعلق بالصنف ذي الأفضلية العامة: أي ذاك الذي يتيح شعوراً بالإقبال على مرحلة تسيير لأمور البلاد يمكن وصفه، على وجه الإجمال، بالسلاسة ويوحي طمأنينة لجمهور المواطنين إلى إمكان معالجة تكون على قدْر مُرْضٍ، نسبياً، من النجاعة والإنصاف للمشكلات العامة… ليست هذه الأصناف من التشكيل الحكومي كثيرة العدد: في نطاق الممكن اللبناني، هي ثلاثة أو أربعة. ويسع المتأمل أن يستعرض، دون حاجة إلى الإطالة، ما يترتب على اختيار كل منها من نتائج تتصل بفاعلية الحكم وبتمادي الشعور في البلاد أن الحكم قد خرج أو هو في سبيله إلى الخروج من حال الأزمة. وهو الشعور الذي راود اللبنانيين في الأيام الأخيرة مع ما ظهر من إجماع النواب على تكليف سلام. هل  يسع هذا الشعور أن يدوم وما هو التشكيل الحكومي الذي يكفل له حظوظاً مقبولة في الدوام؟ هل ما يزال متاحاً، أصلاً، في الطور الراهن من أطوار الحياة السياسية اللبنانية، تشكيل حكومي له هذا المفعول؟ يستحسن البدء من الصيغة التي مثّلتها حكومة نجيب ميقاتي المستقيلة. كانت حكومة أكثرية. تألفت، من حيث الأساس، مما يسمّى تجمع 8 آذار وقد حوّله إلى أكثرية نيابية مددٌ جنبلاطي منح سيّد المختارة، القادر، في أيّ وقت يختاره، على تبديل موقعه، قدرة على ابتزاز الأطراف الأخرى لا تجد تفسيراً لها في الوزن المطلق للقطب الجنبلاطي (وهو وزن الأكثرية من طائفة ضئيلة الحجم والإمكانات) بل في الوزن النسبي الذي يحصّله صاحبه من حُسْن اختيار الموقع. إلى جنبلاط، عزّز الأكثرية الجديدة رئيس الحكومة نفسه وزميل طرابلسي واحد له. وهذه قوّة لم يكن يستر هزالها غير القدرة ذات المصدر الدستوري على  إطاحة الحكومة باستقالة رئيسها.  هذا مدخل مقبول إلى تقدير “الطريقة” التي مثّلتها حكومة نجيب ميقاتي في التعبير عن الأزمة المتمادية التي تعصف، من سنوات باتت كثيرة بالنظام الطائفي. فإن تكوين هذه الحكومة جعل موازين الطوائف فيها (وليس موازين القوى السياسية وحدها، فهذا يعتبر مقبولاً) في حالٍ من الخلل الفادح. فإذ بقي التيار الحريري وقوى سنّية أخرى في صف المعارضة، بدا ان الطائفة السنية ممثّلة بما قد لا يبلغ 30 بالمائة من أثقالها السياسية. هذا فيما تمثّلت الطائفة الشيعية بما قد يزيد عن ثمانين بالمائة من أثقالها، وهذا في مرحلة وصل فيها التعارض بين الخيارين السياسيين العامين للطائفتين (أي، على التحديد، بين خياريهما في المجال الإقليمي) إلى أقصى حدّته. على الجبهة المسيحية، كان التقدير، في أول الأمر، أن التيار العوني المهيمن سعيداً على التمثيل المسيحي في الحكومة، ومعه أطراف أخرى ثانوية، تمثّل سويّة نحو 50 بالمائة من المسيحية السياسية… ثم انخفضت هذه النسبة، شيئاً ما، في تقدير ذوي المعرفة، نتيجة لما ظهر من أداء محبط للحكومة كلها ولوزرائها العونيين، على التخصيص. أخيراً، كان يمكن القول أن ما يزيد على 80 بالمائة من القوة الدرزية السياسية ماثلة في صفوف الحكومة أيضاً. معنى هذا أن حكومة ميقاتي أحدثت حدثاً لا يطيقه منطق النظام اللبناني وثابرت على تمثيل هذا الحدث مدّة عمرها غير القصير. والحدث المشار إليه مزدوج. 1- طبع الحكم بطابع طائفي غالب (هو الشيعي) وطبع المعارضة بطابع طائفي مقابل (وهو السنّي). 2- اختلال داخلي بين المكونات الطائفية للحكومة نفسها نجم، على الأخص، من ثقل التمثيل الشيعي فيها أي بحضور التشيع السياسي، بقضّه وقضيضه تقريباً، في الحكم، فيما بدت الكتلتان الطائفيتان الأخريان (من الثلاث الكبيرة) ناقصتي الحضور إذا قورن تمثيلهما بالتمثيل الشيعي، على التخصيص، وبالدرزي أيضاً.  معنى هذا أن رعاية الميزان العددي لتوزيع الحقائب بين الطوائف أثمرت، عوض الشعور بالإنصاف أو “التوازن”، شعوراً بالتباعد الفادح بين ثقل الطائفة المقرّر في الصيغة وثقلها المتحصّل في الحكومة. وهو ما يأباه بشدّة منطق النظام الطائفي وقد أصبح أشدّ إباء له منذ اتّفاق الطائف. وتكاد لا توجد حاجة ههنا إلى ذكر السلاح الشيعي الذي يمنح أصحابه، أية كانت المزاعم المتعلقة بوظيفته الحصرية، وطأة على الأطراف الأخرى تثقل وتخفّ، شأن كلّ شيء في السياسة، ولكن يتبين، في نهاية المطاف، أنها لا تطاق.  عند التأمّل في هذه الحالة (وفي أخرى سبقتها هي حالة حكومة فؤاد السنيورة بعد استقالة الوزراء الشيعة منها في خريف سنة 2006) يثبت أن الخللين المشار إليهما أعلاه أصبح محتوماً ظهورهما في كلّ حكومة أكثرية في هذه الجمهورية ما دامت خطوط الفصل السياسية الرئيسة تجري بين طوائف أو ، على الأصحّ، بين قوى سياسية أفلحت كل منها في فرض تمثيلها لطائفة من الطوائف ونحت نحو الانحصار في هذه الطائفة. ويحتّم ظهور الخلل الثاني سيادةُ حالٍ من المواجهة السياسية الحادّة بين القوى السياسية الممثلة لهذه الطائفة تقابلها حالة انسجام ووحدة توجّه بين القوى الممثّلة لتلك… يشير هذا إلى ما حصل (وما يزال ينتظر حصوله) إذا غادرنا صيغة حكومة الأكثرية إلى ما سمّي (ويسمّى اليوم مرّة أخرى) “حكومة الاتّحاد الوطني”. دعنا من كون هذه التسمية لا تدلّ، في المصطلح السياسي العامّ، على ما أصبحت تدلّ عليه في لبنان. الأهمّ أن الطوائف ستكون حاضرة ههنا ممثّلة بقواها السياسية الرئيسة، في الأقلّ، وفاقاً لما استقرّت عليه أعراف التوزيع وما تسفر عنه مفاوضات التأليف. وستنجح هذه الأطراف المتنافرة نجاحاً إجمالياً في مزاولة فنّ المحاصّة في المنافع والخدمات، فهو فنّ تتقنه فيما يتعدّى كل خلاف سياسي. ولكنها ستواجه مسائل سياسية فعلية لا يسعها الفرار من مواجهتها. وسيكون بعض هذه المسائل ثقيل الوطأة حاسماً. وهو إما أن يصحب مسار الحكم، دون انقطاع تقريباً، فيجبهه بتحدّ ثابت، وإما أن ينفجر في وجه الحكومة عند استحقاق قرار ما بعينه. هذا ما حصل لحكومة سعد الحريري فثبت أن كلّ حكومة تُزْعم لها صفة “الوحدة الوطنية” هذه إنما هي حكومة ملغومة تدار أمورها (وأمور البلاد من ورائها) في مناخ أزمة وتكتشف البلاد، عند انفجار اللغم، أنها – أي البلاد – مقيمة في حال أزمة مفتوحة. يبقى ما يسمّى الحكومة الحيادية ويطلق على واحد من تجلياتها اسم حكومة التكنوقراطيين. هذه حكومة تجعلها شدّة الاستقطاب الآخذ بخناق البلاد ضعيفة حكماً. ولا يمكن أن يتجاوز دورها نطاق الاستثناء أو الاستراحة. فهي ستواجه، حالما تضطرّ إلى اتّخاذ قرار سياسي من النوع الذي أبعد القوى السياسية الرئيسة عن الحكم، غضب هذه أو تلك من القوى المذكورة. وسيتلاشى  أو يضعف ما كانت قد لقيته من قبول أملاه استحكام الأزمة السياسية. وسيعجّل في هذا التلاشي أن القوى السياسية الرئيسة تستعجل حكماً العودة إلى جنّة الحكم. وهذا مع العلم أن صفة الحياد لا تلبث أن تستحيل، بفعل الضغوط الطائفية على الوزراء، إلى قناعٍ زائف وينقلب المناخ السياسي في الحكومة وخارجها إلى مناخ تراشق بتهم الانحياز والخروج عن الجادّة… في مشاورات التأليف التي أجراها الرئيس المكلّف تمام سلام، ذكر حزب الله ضرورة تمثيل “الأوزان” متجاهلاّ كون “الأوزان” هي ما مثّل علّة الحكومة الميقاتية. ونحت أطراف أخرى من تجمع 8 آذار (أبرزها التيّار العوني) نحو المطالبة بحكومة سياسية، أي بالعودة إلى صيغة “الاتّحاد الوطني” في الحكم. وهذا من قبيل تجريب المجرّب. وأبدى الرئيس المكلّف وبعض قوى الرابع عشر من آذار ميلاً إلى الحكومة الحيادية.  الحال أنه لا توجد، في نطاق الإمكان اللبناني، صيغٌ غير ما ذكرنا. معنى هذا أن العهد الذي كان النظام الطائفي فيه قادراً على تحصيل صيغة للحكم موافقة لمعاييره هو نفسه قد ولّى. يبقى، مع ذلك، أن مهمّة تمّام سلام أن يشكّل حكومة تشرف على الانتخابات النيابية. وهذه حكومة تتّسم بالضرورة بقصر العمر وتعزّز مهمّتها حجّة القائلين بالتشكيلة الحيادية. فهل تعني مطالبة أطراف سياسية رئيسة بحكومة سياسية اقتناع هذه الأطراف بأن عمر الحكومة السلامية قد يطول لأن الانتخابات سيطول انتظارها كثيراً؟       – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/4/12/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%a7%d9%84-%d9%86%d8%b8%d8%a7%d9%85%d8%a7-%d9%84%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%85#sthash.ZF43YsCE.dpuf

معضلة قانون الانتخاب

http://www.almodon.com/opinion/0115f5e4-8e0e-4e43-8e47-8210d9de73d5

في ما يتعدّى ما علّلت به مباشرة استقالة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، تبدو مسألة الانتخابات النيابية والقانون الذي يفترض أن يرعاها عقدة يتركّز فيها الاستعصاء العامّ الذي يعانيه النظام السياسي اللبناني في هذه المرحلة الحاضرة. فلو ان التقدّم بدا ممكناً نحو اعتماد قانون يرضي القوى السياسية الكبرى في البلاد لأمكن، مع اعتماد هذا القانون، وضع حدّ لمسار تلك الحكومة البائسة ومباشرة البحث في تشكيل حكومة تتولّى إجراء الانتخابات، تحت إشراف الهيئة المسؤولة، ولكان رحيل الحكومة الميقاتية يعدّ خروجاً، ولو مؤقّتاً، من المحنة التي مثّلتها أزمة العلاقات بين أطرافها وغلبة الشلل وتباين المسالك على أدائها وعرجها الطائفي الواضح.

ولكن الحاصل اليوم هو أن تأجيل الانتخابات النيابية أو تعذّر إجرائها في موعدها، بالأحرى، أصبح أمراً مقضيّاً بعد أن جُعِل أمراً واقعاً.. وأن هذا التأجيل قد يطول. فهو قد يبدأ بمهلة قصيرة تعتبر لازمة للحوار ثم لا يفضي الحوار إلى شيء لأن الحبكة التي أثمرت الاستعصاء لم يتغير فيها شيء أو هي لا تني تزداد إحكاماً. فتنتقل البلاد إلى تأجيل أطول مدّة للانتخابات على نحو عرفه اللبنانيون حقّ المعرفة في عقد ونصف عقد مشؤومين استغرقتهما حروبهم المديدة.
ما الذي يجعل التفاهم على قانون جديد للانتخاب مستصعباً إلى هذا الحدّ؟ نزعم أنه، من جهة الداخل، إفضاء الانتظام السياسي في البلاد، منذ أعوام الحرب، إلى نوع من الانحصار في تنظيمات ذات جمهور وحيد الصفة الطائفية. فإن هذه الحال قد أنشأت تلازماً بين كلّ من الطوائف الكبرى – كلّها أو جلّها – وحزب واحد أو اثنين يحتكران تمثيلها والمفاوضة باسمها. وهو ما صحبه انكفاء واسع النطاق لأدوار الزعامات غير الحزبية.. ولو ان الأحزاب الجديدة لبثت، في بعض الحالات، ملتئمة حول شخصيات أو حول عائلات تنتمي إليها الشخصيات.
ومن بين النتائج التي أدّت إليها عملية الضمّ والفرز هذه جعل نتائج الانتخابات قابلة للتوقّع في حال الأكثرية الساحقة من المقاعد. أدّت العملية نفسها إلى تيسير احتساب النصيب الذي تؤمنه كل صيغة محتملة لقانون الانتخاب لكلّ من التنظيمات المهيمنة على المشهد السياسي. وهو ما يجعل كلاً من هذه الصيغ تثمر خاسرين هنا ورابحين هناك ويجعل الرابح ينقلب خاسراً والخاسر رابحاً، ولو في حدود، إذا اعتمدت صيغة أخرى. ولما كانت مواضع الربح والخسارة معلومة سلفاً في كلّ حالة فإن التوافق على صيغة، مهما تكن، يضحي أمراً عويصاً للغاية. وذلك أن هذه الصيغة المرتجاة يجب أن تؤمن “الربح للجميع” على غرار ما كان يحصل في برنامج تلفزيوني فرنسي للأطفال كان يدعى “مدرسة الأنصار”. و”الربح للجميع” يمكن العثور على صيغة تتيحه في اللَعِب ويتعذّر ذلك في الانتخابات.
ولا يصعب استقراء صور اتّخذتها هذه العقدة في المواقف التي توزّعت بينها قوى الطوائف أثناء الجدل الذي شهدته الأشهر القليلة الفائتة بصدد القانون الانتخابي. فإن ما أبداه التيار الحريري والحزب الجنبلاطي من معارضة للقاعدة النسبية يجد تفسيره الواضح في كون هاتين الجماعتين الغالبتين في دوائرهما لا تريدان من يقاسمهما مقاعدها. هذا فيما تبلغ قوة الثنائي الشيعي مبلغاً يبيح له قبول النسبية من غير أن يتكبّد خسارة تذكر لصالح الأقليّات المتناثرة في مناطقه. وأما الأحزاب المسيحية الكبيرة فيسعها أن تتوقّع، إذ تخوض الانتخابات بعضها في مواجهة بعض، نوعاً من التعادل التقريبي بين الربح والخسارة تأتي به القاعدة النسبية لكل منها. وهذا مع العلم أن هذه الأحزاب تمثّل استثناءً، وإن يكن محدوداً، إذ تشيل حظوظها وتحطّ أكثر من غيرها بحسب المزاج الناخب ويبرز نوع من الصعوبة في توقّع الأنصبة التي قد يحصل عليها كلّ منها في الكتل الناخبة المسيحية.
يزيد من تلك الصعوبة (وهي نسبية) أن هذه الأحزاب، على كونها مسيحية، هي، على التقريب، الوحيدة الباقية على شيء من التعدّد الطائفي. فلا ننسَ أننا اعتدنا في الأعوام الأخيرة أن نميل عند ذكر المسيحيين إلى تناسي كون هؤلاء دستةَ طوائف لا طائفةً واحدة. وذاك أن شعورهم بما طرأ على المكانة التي كانوا يحتلونها من تراجع على غير صعيد، في ظروف الحرب وبعدها، نحا إلى تمويه الفواصل السياسية بين طوائفهم وإلى جعلهم يبدون وكأنهم طائفة واحدة. وهذا ظاهر له وجاهته ولكنه يصبح مخاتلاً، شيئاً ما، حين يتعلق الأمر بالسلوك الانتخابي.
في الصدد نفسه، يتّضح معنى معارضة النواب المستقلين عن الأحزاب من المسيحيين لقانون اللقاء الأرثوذكسي: أي للدائرة الواحدة والقاعدة النسبية ولاستواء كل من الطوائف هيئة ناخبة منفصلة. فإن هذا المشروع يجعل مصير النوّاب المشار إليهم أشدّ تبعية للأحزاب المتحكمة بطوائفهم ويفتح الباب لها للاستغناء عن بعضهم إذا شاءت. وهو يحكم عليهم، فوق ذلك، بخسارة من كان يؤيدهم من الطوائف الأخرى في دوائرهم. وهذا تأييد أخذ يصبح في المرحلة الأخيرة أكثر تحسساً لإرادة الأحزاب الرئيسة لهذه الطوائف وقياداتها.
على أن الأمر الأهم، منذ 2005 على الأقلّ، يبدو حساب الأكثرية والأقلية العامتين في مجلس النواب. فهو يعلو، بمعنىً ما، على حساب الأنصبة التي يُحتمل أن ينالها الأفرقاء كلّ على حدة. لذا تجد بعض القوى الطائفية الكبيرة نفسها محمولة، بما يشبه الإيثار غير المالوف في السلوك الانتخابي، على مدراة ما يراه هذا أو ذاك من حلفائها الثابتين مصلحة له. وهي تقبل هذه المدارة لتحصل، في الحساب العام، على أكثرية، تؤمّن لها، لا الوصول إلى الحكم وحسب، بل تصدّر الحكم والتحكّم به إلى أقصى حدّ متاح.
هذا الاستعصاء الذي يحول اليوم دون الاتفاق على قانون للانتخاب ترضى به القوى الطائفية الكبيرة، كان يجد له حلاً في العهد السوري هو ما تمليه إرادة الحكَم صاحب السلطان. وقبل مرحلة الحرب، كان اختيار صيغة لقانون الانتخابات يقع في يد رئيس الجمهورية ويمثّل مظهراً رئيساً من مظاهر قبضه  على مقاليد التحكيم، في البلاد، وسبيلاً إلى هذا القبض. وقد كان إفراط الرئيس في ممارسته هذه السلطة، في بعض الدورات، واحداً من عوامل أفضت إلى خلل كبير في الوضع السياسي العامّ في البلاد. ثم أصبحت هذه الممارسة متعذّرة بعد الحرب وأخذ يباشرها، على ما سبقت الإشارة إليه، المفوّض السامي السوري. وحين رحل هذا الأخير، لم تعد سلطة التحكيم إلى يد الرئاسة الأولى. فإن عودتها باتت محالاً، لا بحكم الدستور وحده (وهو يقبل التعديل)، بل بحكم ملازمة الصفة الطائفية للرئاسات الثلاث، أوّلاً، وما باتت تمثّله هذه الصفة، بعد الحرب، من تثليث أو تربيع طائفي، رجراجٍ وغير مؤسّسي، معلنٍ أو مكتوم، للسلطات كلها.
وفي انتخابات 2005 التي تبعت خروج القوّات السورية من البلاد مباشرة، اعتُمد في ذروة الاستقطاب بين التكتلين الشهيرين علاجٌ عجيب هو الحلف الرباعي الذي عامل هذين التكتلين وكأنهما غير موجودين في الانتخابات. كانت لا تزال توجد، إذ ذاك، جسورٌ في المجال الإقليمي تبيح، وإن تكن مهتزّة، سلوكَ مثل هذا المخرج.  وفي سنة 2009، جرى الارتداد إلى ما يسمّى “قانون الستين” بفعل إرادة خارجية جامعة مثّلها مؤتمر الدوحة. هذه الإرادة هي التي تبدو اليوم عزيزة المنال جداً، في ظرف الصراع في سورية والصراع عليها. فيبدو أطراف الساحة اللبنانية أهون شأناً وأضيق حيلة من أن يقووا على اتّخاذ قرار بمفردهم في شأن يفترض، في المبدإ، ألا يخصّ سواهم. هذا كله لا يحمل على التفاؤل بخير لمستقبل المؤسسات السياسية في البلاد. ولا نقول شيئاً الآن عن مستقبل البلاد نفسها دولةً ونظاماً.

– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/4/4/%d9%85%d8%b9%d8%b6%d9%84%d8%a9-%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%ae%d8%a7%d8%a8#sthash.WGJRPOYv.dpuf

ولكن أين تقع مزارع شبعا؟

http://www.almodon.com/opinion/a0b092a5-1202-4478-a270-b7e86d5cba58

في 22 من آذار الجاري، ناقش الباحث الفرنسي الشابّ ماتيو سيمينو في الكوليج دو فرانس رسالة لنيل الدكتوراه في العلوم السياسية كرّسها لمسألة مزارع شبعا وجعل لها عنواناً “اختراع مشكلة إقليمية”.  كانت الرسالة مسجّلة في معهد الدراسات السياسية في باريس وكان المشرفان عليها، وهما المستعربان الغنيان عن التعريف جان بيار فيليو وهنري لورنس، قد جعلاني عضواً في لجنة المناقشة ومقرّراً لها. وقد حال دون سفري داعٍ صحيّ فاكتفيت بإرسال تقريري. في 577 صفحة مرصوصة لنصّ الرسالة تبِعَتها 146 صفحة للملاحق من خرائط وصور ووثائق أخرى متنوّعة، بسط الباحث وناقش، لا عِقْداً وبعض عقد من مسار موضوعه هما ما انقضى منذ بعثت المسألة مع تحرير جنوب لبنان المحتلّ في سنة 2000 ولا 45 سنة هي ما تقضّى منذ الاحتلال الإسرائيلي للجولان ولمزارع شبعا بل 90 سنة ممتدّة من عام 1920 إلى عام 2010، أي من الوقت الذي نشأت فيه مسألة الحدود المثلّثة بين فلسطين ولبنان وسورية إلى غدوات الحرب الأخيرة في صيف 2006 وقد أنشأت، مرّة أخرى، وضعاً جديداً في منطقة الحدود تلك وفي ما يتعدّاها. إلى الزيارات المتكرّرة للمنطقة في الدول الثلاث التي تتقاطع حدودها هناك وإلى المقابلات والموادّ المنشورة، استثمر الباحث كنوز المحفوظات الفرنسية والبريطانية في مرحلة الانتداب، على اختلاف مراحلها الكبرى، ولم يهمل محفوظات مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت ولا الموادّ المتعلّقة بالأمم المتّحدة في مكتبة الإسكوا ولا أوراق وزارة الخارجية اللبنانية ولا، أخيراً، بعضاً (قليلاً) من الأوراق الإسرائيلية تمثّل في محفوظات كيبوتز دان الواقع في الجليل الأعلى قريباً جداً من تخوم الجولان والعرقوب… في سورية وحدها، لم يسمح له بالبحث في المحفوظات ولا بإجراء مقابلات بحسب الأصول. قسّم الباحث عمله إلى ثلاثة أزمنة سمّاها على التوالي “التقسيم” و”الانحلال” و”النزاع”. تلك أزمنة غير متساوية في الطول. وأوّلها، وهو الأطول إذ يمتدّ بين 1920 و1967، يبدو لنا الأهمّ في هذه الرسالة… فإن الخلاصة المعلنة التي أراد الباحث أن يصل إليها تتمثّل في القول إن “اختراع” مزارع شبعا، سنة 2000، لا بما هي أرض محتلّة، بطبيعة الحال، بل بما هي “مشكلة سياسية”، لم يحصل من عدم ولا نشأت هذه المشكلة عفواً. فهي إنما بنيت على تاريخ طويل استغرق ما يسميه الباحث “الزمان الأوّل”، وكان هذا التاريخ قد دفن تحت ما خلّفه “الزمان الثاني”، بما فيه مرحلة الاحتلال، من ركام كثير. هذا الزمن الثاني أطلق عليه الباحث اسم الانحلال لأن الحدود تلاشت فاعليّتها في أثنائه في اتّجاهات عدّة: نفذت المنظمات الفلسطينية إلى العرقوب ومنه إلى المستعمرات الإسرائيلية وخرق الجيش الإسرائيلي الحدود اللبنانية واشتركت سوريا في إدارة المواجهة عبر حدودها مع لبنان…   وذاك أن الموضوع العميق لهذه الرسالة ليس مشكلة شبعا ومزارعها حصراً. وإنما هو موضوع الحدود بين الدول وشبكة علاقاتها، في الدول المستورَدة أو غير المكتملة التكوين، بالمجتمعات التي قد تمنع هذه الحدود من الاستقلال بوجود خاص بها، تقني وقانوني، لتواصل إدراجها في جملة بناها الأخرى: التاريخية الاجتماعية، السياسية الاقتصادية، إلخ. وهذا فضلاً عن العقد التي يضيفها إلى هذا الرسم وجود هذه الدول في منطقة اضطراب وتنازع دوليين مقيمين واضطلاعها بجانب من تبعاتهما.  وأما ما نخلص إليه من عرض الباحث لوقائع الزمان الأوّل فهو، في ما يتعدّى كثافة التوثيق والتشدّد في التدقيق، جملة أمور بسيطة. وأهمّها أن الدولتين المنتدبتين، بريطانيا وفرنسا، اعتنتا أشدّ العناية، في سنوات الانتداب الأولى، بتعيين الحدود الشمالية لفلسطين وترسيمها. فهذه الحدود كانت هي الفاصلة بين منطقتي الانتداب الفرنسية والبريطانية. وأما خطّ الحدود اللبنانية السورية فاكتفي بشأنه بتحديد كلامي، على وجه الإجمال، وكان “خطّ القمم” لسلسلة الجبال الشرقية بما فيها حرمون أهمّ عناصره.  وفي الفصل بين العرقوب اللبناني والجولان السوري، أدّى اعتماد خطّ القمم هذا إلى جعل شبعا في بلاد (هي لبنان) و”مزارع شبعا” في البلاد المجاورة. والحال أن أهالي القرى في ذلك الجوار، كانوا، قبل الفصل بين الدول، يعتمدون النهر المسمّى وادي العسل (لا خطّ القمم) فاصلاً رئيساً بين “زمام” هذه القرية وزمام تلك أو بين “خراج” كلّ من قرى الناحية وخراج جارتها. ولكن هؤلاء الأهالي لم يستشاروا بل وُضعوا أمام الحدود الجديدة على أنها أمر واقع. وفي العقود اللاحقة، حصلت نزاعات بين القرى من جرّاء هذا “التقسيم”، كان بعضها يتعلّق بالملكية وبعضها بحقوق الرعي، واضطرّت أجهزة الدولتين الناشئتين ومعهما جهاز الانتداب إلى التدخل لحسمها. ولكن توزّع أملاك الأهالي بين الدولتين لم يكن ضرراً محضاً وقع عليهم. وإنما تمكنوا، أحياناً، من تطويع هذا الازدواج ليجنوا فوائد (أهمّها تجاري وتسهيل التهريب واحد منها) من الصفة الملتبسة التي فرضت عليهم: صفة الحدوديين العابرين للحدود! مع ذلك، كان من حالات النزاع بين قرى واقعة على جانبي الحدود أنها حملت السلطة المنتدبة، حين بدا راجحاً في وسط الثلاثينات قرب رحيل الانتداب، على حثّ الحكومتين السورية واللبنانية على بتّ الخلاف الذي كانت مزراع شبعا، مجتمعة أو مفترقة، موضوعاً متكرّراً له. وقد افتتح هذا الحثّ عهد “اللجان المشتركة” التي عاشت طويلاً ولكنها لم تجتمع إلا قليلاً. وكان الجانب السوري، على الدوام، هو المتغيب والمتهرّب من حسم أمرٍ كان في نظره جزءاً من كلّ. فإن إحجامه عن الاعتراف، تارةً، واعترافه المتردّد، طوراً، بالرسم الفرنسي للحدود بين سورية ولبنان كان يضع في يده ورقة يرفعها كلما احتاج إليها في وجه الدولة الجارة. وهو، بذلك، كان يجاري شعوراً “وحدوياً” منتشراً في دياره وممتدّاً، عبر الحدود، إلى الديار اللبنانية أيضاً.  عليه بقي عمل “اللجان المشتركة” في منتصف الطريق. فهي قدّمت، في بعض أطوارها، ما يمكن اعتباره دليلاً على لبنانية مزارع شبعا. ولكن الدولة السورية حرصت على إبقاء هذا الإقرار معلّقاً فلم تعتمده ولم تمض به، مع الحكومة اللبنانية، إلى آخر مطافه المفروض في نظر القانون الدولي. فكان أن بقي النزاع مربوطاً غير محلول وبقيت الحال القانونية لمزارع شبعا، من حيث الأساس، على ما كانت عليه في مطلع الانتداب: المزارع سورية قانوناً وأصحابها لبنانيون، قانوناً أيضاً. والقانون ليس نفسه في الأمرين. وعلى هذه الحال وجدتها إسرائيل في حرب 1967، فاحتلّتها معتدّة بتابعيتها السياسية ولم تلبث أن طردت منها من كانوا مقيمين فيها من اللبنانيين. على صعيد القانون الدولي، اعتُبرت المزارع مشمولة، بما هي جزء من الجولان السوري، بقرار مجلس الأمن الدولي ذي الرقم 242 الصادر غداة الحرب المشار إليها. ولم يكن ممكناً أن يشملها القرار 425 الصادر غداة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. فإن هذا القرار خاصّ بلبنان، فلا يستقيم شموله المزارع إلا بتغيير التابعية السياسية لهذه الأخيرة. هذا التغيير أمر سيادي كان حصوله يقتضي ترسيم الحدود بين الدولتين السورية واللبنانية وإيداع الأمم المتحدة الوثائق ذات الصلة. ذاك ما لم تفعله الدولتان قطّ، لا قبل الاحتلالين المتتاليين في 1967 و 1978 ولا بعدهما… بل إنهما قد تصرّفتا، حتى سنة 2000، تصرّف من لا يعرف شيئاً اسمه مزارع شبعا ولا يرى مشكلة خاصّة بهذه البقعة من الأرض. بعد سنة 2000، أخرجت المشكلة، بمعونة الخبير اللبناني، من جراب الساحر الإيراني السوري الذي كان محتاجاً إلى جبهة مفتوحة في لبنان (لا في سورية ولا في إيران) يعلو التوتّر عليها ويهبط تبعاً للمجاذبة الجارية، على مستوى الإقليم كله، مع حُماة إسرائيل الغربيين بالدرجة الأولى ومع إسرائيل نفسها بالتبعية. لم يُستشر اللبنانيون في أمر هذه الجبهة التي وقع استبقاؤها على مفترق كان يسعه أن يَعِد بلادهم بمغادرة خطّ الخراب والتقاتل الذي تلازمه من بضعة عقود. بقي لبنان ملازماً خطّ الخراب والتقاتل. وأخذ يقال إن مزارع شبعا أرض لبنانية لا بدّ من الاستمرار في الحرب لتحريرها.  وحين وجدت سورية نفسها، وهي راعية هذا الخيار، ملزمة بالإقرار بلبنانية المزارع، عادت حكومتها إلى مسلك شبيه بذاك الذي كانت عليه في أيام “اللجان المشتركة” الطيبة الذكر: أيام الانتداب وغدوات الاستقلال. اعترفت بـ”اللبنانية” المشار إليها من طرف اللسان ورفضت الترسيم الذي يسعه وحده أن يبرم هذا الاعتراف إذ يدلّ على تلك المزارع: ما هي وأين تبدأ وأين تنتهي؟ وهل هي تشتمل على بغداد، مثلاً، أم على القدس وجسب؟… أي أننا بقينا حيث كنّا، من حيث الأساس، واستمرّ فاعلاً خيار القتال، لا في مزارع شبعا وحدها بل باللبنانيين جميعاً وفي لبنان كله من وادي العسل إلى النهر الكبير. قال حكّام سورية إنهم لا يتعاطون تحديد الحدود وترسيمها ما دام الاحتلال الإسرائيلي قائماً. ها هنا يحسن بنا أن نعود إلى سيمينو الذي لم نكن غادرناه قطّ. فإن باحثنا ذهب إلى إفريقيا وجاء من وقائع التنازع بين دولها بما يثبت أن التقانات الحديثة باتت تتيح اليوم أن يُرْسم خطّ الحدود وتُستخرج الخرائط الكلية الدقّة، بمعونة ممكنة التحصيل من الأمم المتّحدة ومن غير أن يقف مسّاح واحد على الأرض: محتلّةً كانت الأرض أم غير محتلّة! ثمة إذن لبنانيون وغير لبنانيين لا يتوقفون عن الهزء القاتل، لا بعقول اللبنانيين وحدها، بل بحياتهم ومستقبلهم من أصلهما.    – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/3/29/%d9%88%d9%84%d9%83%d9%86-%d8%a7%d9%8a%d9%86-%d8%aa%d9%82%d8%b9-%d9%85%d8%b2%d8%a7%d8%b1%d8%b9-%d8%b4%d8%a8%d8%b9%d8%a7#sthash.KrpZMH9a.dpuf