بين الكَنْز ورأسِ المال

أحمد بيضون

من زمنٍ بعيد، تُغْويني مقارنةٌ بعينها يوحي بها الاختلاف في النظر إلى الماضي، وإلى الزمن بأبعاده كافّةً، على ما أعاينه في نظرة العرب المعاصرين إلى تواريخهم وما أقع عليه من نظرٍ مغاير في فلسفات غربية للتاريخ ظهر أكثرها اكتمالاً في العصور الحديثة ولكن لها أصولاً في بعض الفلسفة اليونانية القديمة. تلك هي المقارنة ما بين اعتبار الماضي، والزمن كلّه بالتالي، كَنْزاً (يُنْظَر إليه، عادةً، على أنه مفقود) واعتباره رأسَ مال.
ولعلّي أجد ما يوضح هذه المقارنة في التذكير بأن الرأسمالية، بحسب تجلّيها في الممارسة الدائمة لا في الصياغة النظرية وحسب، تبدي كرهاً شديداً للـ ‘كَنْز′ بمعنى المَصْدر الفعليّ (كَنَزَ كَنْزاً): أي للفعل الذي هو الاستكثار من جمع المال أو ما هو بمثابته من موجودات أخرى قيّمة مع الاستنكاف عن استثماره، بمعنى الكلمة الحرفي، أي عن جعله يُخْرج ثماراً. وتحرص القيادات الاقتصادية للدول أو للمجاميع الدولية على تثبيط الميل الذي يظهره المودعون إلى إبقاء أموالهم بمثابة الأمانات لدى المصارف، مستنكفين عن الدفع بها إلى مشاريع تجارية أو صناعية أو غير ذلك، ومكتفين بما يجنونه من فائدة على الوديعة. وهو ما يحمل مراكز القرار المالي على خفض الفوائد، بقَدْر ما تأذن به المنافسة.
هكذا يجد المودعون أنفسهم مضطرين إلى الاستثمار إذ يشهدون ذواء ودائعهم التدريجي بداعي التضخم وقصور الفوائد عن تعويض الخسارة. وقد لا يتجاوز إذعان المودع، في هذه الحالة، تجميد الوديعة لأجَلٍ لقاءَ رفع المصرف لنسبة الفائدة المقرّرة لها وهو ما يتيح للمصرف نفسه أن يستثمرها في السوق في صورة قروض لأصحاب المشاريع أو زيادة لمحفظة أسهم يقتنيها، إلخ. هذا كلّه يمثّل نقلاً للوديعة من حالة الكنز (الذي تعتبر المجوهرات المودعة في صندوق صورته المثلى) إلى حالة رأس المال الذي يتجسد في تجهيزات لازمة للإنتاج أو يصبح دوّاراً بما هو أجور وموادّ أوّلية ويؤول إلى سلعٍ مطروحة لنوعٍ ما من أنواع الاستهلاك… ليبدأ دورة جديدة وقد ازداد حجمه مع تحقق القيمة المنتظرة، في السوق، للسلع المنتجة.
يلازم هذا المسارَ، بالضرورة، مخاطرُ يتحمّلها المستثمر ولا يتحمّل مثلَها المودع الذي لا يرجو من المصرف غير الأمان لأمواله. فإذا كان صاحب الوديعة يتقبل تآكل قيمتها الفعلية حين يبقيها تحت الطلب فإن المستثمر قد يواجه، في خضمّ أطوار للسوق لا سلطان له عليها، خسائر أفدح بكثير وأسرع وقوعاً. وأما صاحب الكنز، بالمعنى المطلق للكلمة، فيستبقي لنفسه القدرة على تفقّد كنزه في خزانته كلّ صباح مطمئنّا إلى بقائه في الحالة المادية التي تركه عليها. ولا يعني الثبات المادّي هذا ثباتاً في القيمة او وقايةً للكنز من منطق السوق. فإن الذهب، مثلاً، تصعد قيمته وتهبط وهو حبيس الخزائن لم يطرأ على حاله المادّية أيّ تبديل… مع ذلك، تكره الرأسمالية بقاء الكنوز في خارج الانتاج وتجهد لجذبها إلى دائرته أي لتحويلها إلى رساميل.
للضدّية القائمة بين الكنز ورأس المال وجاهة مؤكّدة، إذن، وفاعلية مستمرّة.
من هذا كله أردنا الوصول بصدد الزمن، في ما نعتبره عوالمنا وفي ما نعدّه عوالم الغير، إلى ملاحظة يسيرة المظهر ولكنّها فادحة العاقبة. وهي أننا ننظر في أزمنتنا رجوعاً مبتغين العودة منها إلى لحظة بعينها نعدّها موئل القيمة أو إلى عصر أو عصور شهدت تكوّن ما نجد له قيمة ممّا نطلق عليه اسم ‘التراث’. هذا النظر الرجعي – بسائر معاني الصفة – إلى الزمن يسلب الحاضر والمستقبل كلّ قيمة يسعهما أن يكونا، بحدّ ذاتهما، مصدراً لها. فلا توجد قيمةٌ في الحاضر أو المستقبل أو لهما ما لم تكن استعادةً للماضي أي ناشئةً، على وجه التحديد، من الشبه بالأصل أو من الاقتداء بـ’التراث’. هذا والحاضر والمستقبل مقصّران حتماً، في منطق هذه النظرة، عن شأو الماضي-المثال الذي هو ‘منقطع النظير’ بالمعنى التامّ للعبارة. هذا الماضي لا ننفكّ نقصّر عن سويّته كلّما مضى بنا الزمن بعيداً عنه.
عليه كان الماضي، بما هو رأسُ مالٍ، زمناً مُدْرَجاً في الحركة الحاضرة نحو المستقبل، يزيد فيه أصحابه بنتيجة كلّ دورة وينقلونه، بعد أن يخاطروا بما وصل إلى أيديهم منه، من حالٍ إلى حالٍ أخرى. وهم يعتبرون الحال الجديدة، على التعميم، موئلاً لقيمة أسمى من القيمة التي كانت في السابقة. وذاك بقَدْر ما توافق هذه الحال حاجاتِ الأحياء الراهنة وبقَدْر ما تبدو مفتوحةً على مُقْبلٍ يعدّونه أمْثَلَ ممّا سلف. وأما ماضينا- الكنز فيستوي موضوعاً للتأمّل والحسرة، تمتزج في النظرة إليه رغبة في التمثّل بصوَرِه المختزنة وشعور بنكوصٍ تفاقَم مع الزمن دون هذه الغاية. نفتح خزائننا إذن كلما ضاقت بنا السبل ونلقي نظرةً على ‘الأصل’ أو على ‘التراث’: على ما يحلو لنا أن نعدّه عصراً ‘ذهبياً’… ننظر إلى كنزنا محتَسِبين لأنفسنا قيمةً ثابتة عظيمة نستمدّها منه أو من صوره المشغولة في مخيّلاتنا. بل إننا كثيراً ما نشفع التعبّد للكنز الذي هو الماضي بالشعور أنه قد سُرِق منّا ولم يبقَ لنا منه سوى الأخيلة. وهو ما يرجّح موقف النَدْب والحسرة على كلّ موقفٍ آخر حيال الزمن.
وعلى الإجمال، لا ننتبه إلى أن الكنوز أيضاً معرّضة، وهي في خزائنها، لأهوال السوق: لأهوال التاريخ والعالم. فما بالك بأصحاب الكنوز إن كانت صُوَرُها كلَّ ما يملكون؟
كاتب لبناني

فوات الوفَيات

أحمد بيضون

معلوم أن حظوظ الجرائد من الإعلانات لا تكون متساوية. ولا كلفة الإعلان تتساوى أيضاً بين هذه وتلك من الصحف. فلكلي الأمرين تعلّقٌ بتوزيع الصحيفة. ولا تشذ إعلانات الوفاة في صحف بيروت اليومية عن هذه القاعدة. فإن اثنتين منها تكادان تستأثران بأخبار الرحلة الأخيرة وما يليها من مراسم. والراجح أن سمعة التوزيع الواسع كانت في أصل هذا الامتياز. ولكن الأمر استحال إلى عُرْف أو تقليد مع مرور الزمن، فلا تغيّره سمعة التراجع في توزيع هذه الجريدة ولا تنال الحظوة نفسها، في هذا المضمار، صحيفة جديدة يشاع أن توزيعها فاق توزيع كلّ من الجريدتين المستأثرتين بهذا الشطر من السوق. وذاك أن مستطلع المواعيد المتعلقة بالمراسم اعتاد أن يجد بغيته في إحدى هاتين وإليهما بقي يتوجّه ذوو الراحلين، بحكم العادة أيضاً.
هذا ولا تخلو صفحة الوفيات هنا أو هناك من إثارة اللواعج الطائفية. وهو ما لا يستغرب في بلادٍ تنفرد بين دول العالم بالامتناع عن إحصاء سكّانها خشية اضطراب الموازين المفترضة بين طوائفها واضطراب نظامها برمّته تبعاً لذلك. فإن مَنْ يُطالع صفحة الوَفَيات في ‘الجريدة اللبنانية الأولى’ يشعر أن المسيحيين صائرون إلى الانقراض حقّاً فيما يبدو نادراً أن يدخل مَلاكُ الموت بيوتَ المسلمين. ولا يغيّر هذا الشعور إلا تفقّد الصفحة نفسها في الجريدة الثانية. فمن هناك يذهب المسلمون إلى الجنّة زُمَراً فيما يبدو المسيحيون شِبْهَ مخلّدين في هذه الفانية. ولمّا كانت الأولى أكثرَ جذباً للقرّاء المسيحيين والثانية أشدّ إغراءً للقرّاء المسلمين فإن قراءة تلك الصفحة في كلّ من الجريدتين تخلو من كلّ مُتْعة ولا تجلب للمقبلين عليها إلا الغمّ.
وذاك أن القارئ يعاين اضمحلال جماعته في كلّ من الحالتين وبقاء الجماعة الأخرى مكتنزة العديد. هذا فيما تحاول كلّ من الجريدتين ترسيخَ شعورٍ مغاير لهذا في صفحاتها السياسية إذ تروّج هناك لأحلام جمهورها الأعظم وتجهد لتلبية طلباته العاطفية.
فلا يبقى مَخْرجٌ من هذا التناقض المرير إلا شراءُ الجريدتين معاً كلّ يوم (في ظرف الأزمة المعيشية الخانقة) ومطالعةُ الموادّ السياسية في واحدةٍ منهما وصفحةِ الوفيات في الأخرى. وهذا مع اتّباع الهوى الطائفي في الاختيار، بطبيعة الحال، وتجنّب الانسياق مع الفضول السيّء العاقبة.
هكذا تغدو قراءةُ صفحة الوَفَيات مَصْدرَ غبطةٍ طائفية للكلّ إذ يصبح كلّ لبناني مطمئنّاً إلى ازدهار جماعته وذواء الجماعة الأخرى ولو فاتَه، في الغالب، أداءُ ما عليه من واجب التعزية. فإن راحة البال هي الأهمّ.
على أن ما سبق كلّه يمسي غير ذي موضوع تقريباً حين نفطن إلى أن خطّ الفصل أصبح يمرّ اليوم بين الشيعة والسنّة لا بين المسيحيين والمسلمين. فأين يجد صاحب الحاجة جريدتين تفني إحداهما السنّةَ لحساب الشيعة وتفعل الأخرى العكس ما دام أن صفحة الوَفَيات في كلّ من الجريدة الرابعة المنسوبة إلى هؤلاء والخامسة المحتسبة لأولئك تبدو قدوةً في الكَساد. إذ قلّما يُقبل على الموت في هاتين الجريدتين أحد.’.. أقصد الموتَ الطبيعي، بطبيعة الحال.
تبقى الإشارة إلى شيء تتشابه فيه خريطة الصفحة الحزينة في الصحيفتين اللتين بقيت فيهما على ازدهارها: وهو فاعلية العامل الطبقي في تشكيلها بخلاف ما هي عليه الحال في تشكيل الحراك السياسي في لبنان. فإن ذوي المال والسلطة يكثر نُعاتهم. فيحظى الواحد منهم بتكرار خبره مراراً مع أن القارئ يصدّق الخبر من المرّة الأولى. هكذا يضطرّ القارئ، غالباً، إلى مطالعة معظم الصفحة قبل أن يعثر على نعي الفقيد المغمور الذي يرغب في تعزية ذويه. وأمّا السَرِيّ الوجيه فيكرّر نعيَه، بعد عائلته، مستخدمو كلّ من شركاته ومجالسُ الجمعيات التي كان يرأسها، إلخ. وهو ما ينشئ قَدْراً من التشابه بين حالات التكرار تلك.
على أن واحداً بعينه من نوّاب الأمّة، اعتاد أن يخرق هذه الرتابة بانتظامٍ لا يخطئه المتابع. هذا النائب عُرف بإيثار الصمت فلا تحظى منه بهمسةٍ بلايا تضرب البلاد وتذهب بأروح كثيرة. ولكنه يطلّ على ناخبيه من صفحة الوَفَيات، في مواعيد متقاربة، لينعى إليهم ‘ركن الاغتراب’، مثلاً، أو ‘عمود الإدارة’ أو ‘أُسْطون العِلْم’ من بين معارفه.
هذا وبين كبريات الصحف اليومية في بيروت واحدة خامسة لا يحظى الموت فيها بحيّز ثابت. ولعلّ السبب أنها لا تعدّ لبنانية، إلا باعتبار الأصل. صحيح أن هذه الجريدة تفقد صوابها فجأة، كلّ مدّة، فتخصّص صفحة تامّة (بل صفحتين في بعض الحالات!) لميّت واحد. على أن هذا الميّت لا يكون أيّ ميّت بطبيعة الحال. عليه أن يكون أميراً سعودياً أو، في الأقلّ، تاجراً خليجياً من أولئك الذين يُحْتسب بين أسباب وفاتهم تعبُهم في إحصاء أموالهم. ويدرك قارئ الجريدة بلا عسر – ولو ان الجريدة لا تنشر تعرفةً لهذه الفئة الإعلانية – أن الورثة أهدوا إلى هذا الميّت مبلغاً طائلاً من حرّ ماله. أو أن من كان للراحل الفضل في تخمة خزائنهم يردّون إليه عُشْر معشارٍ مما أسدى إليهم راجين أن ينسج الورثة حيالهم على منوال الفقيد.
ولكان الأمر يبلغ بالقارئ من ذوي الدخل المحدود أن يفضّل البقاء في قيد الحياة متناسياً ما هو فيه من شقاء العيش لو لم يكن يوجد للإعلان عن رحيله صيغٌ غير هذه الصيغة الباهظة الكلفة.

كاتب من لبنان

في كُلْفة النقد الذاتي

أحمد بيضون

في كثير من بلاد العالم، يُعتبر شهرُ نيسان/ابريل شهر الكذب. في لبنان، أصبح نيسان، في العقود الأخيرة، شهر التوبة. عند إمعان النظر، يتبين أن التفارق بين اللبنانيين وسواهم ليس مؤكّداً لهذه الجهة، ليس مؤكّداً أن توبة التائبين في بلادنا هذه ليست توبة كاذبة.
عمَّ يعلن اللبنانيون توبتهم؟ يقولون إنهم تابوا عن الحرب الأهلية. ويتّخذون مناسبة لهذا الإعلان ‘عيد’ ميلاد حربهم الضروس الفائتة وهو الثالث عشر من نيسان/ابريل. ففي هذا اليوم من سنة 1975، وقعت حادثة اغتيال في ضاحية بيروت ثم حصل الردّ عليها بمجزرة كبيرة. بعد ذلك… كان ما كان مما لست اذكره…
يعلن لبنانيون كانوا قد بلغوا السنّ المناسبة للقتال في غضون تلك الحرب وولغوا في فظائعها أنهم نادمون على خوضهم إياها، وأنهم لن يعودوا إلى مثلها أبداً. ويعلن لبنانيون آخرون من الذين بلغوا أشُدّهم بعد انتهاء الحرب، أنهم سيقاومون العودة إلى ما يشبهها من قريب أو من بعيد. وفي الكثرة الكاثرة من الحالات، يمتنع التوّابون هؤلاء، إن كانوا من الذين شهدوا فصولاً من الحرب، عن استرجاع ما فعلوه معيّناً بما يناسبه من أسماءٍ وأوصاف ويمتنعون، على الأخصّ، عن البحث في ما دعاهم إلى فعله. وأما الشبّان فيبقى تعهّدهم اجتناب الحرب الأهلية، باعتبارها رِجْساً، تعهّداً مبدئياً أيضاً: إذ هم لا يضعون هذا التعهّد على محكّ موقعهم في السياسة وما يمليه من مواقف وما يستجرّه الموقع والمواقف من ردودٍ ينبغي النظر فيما إذا كان القتل والقتال الأهليّان واردَين بين احتمالاتها.
في حالتي الشِيب والشبّان، إذن، تأتي التوبة مجْمَلةً لا تدخل في التفاصيل، أي في ما كان حاصلاً وما هو ممكن الحصول حسّياً. هي تختار الانقطاع عن صورة الواقع أو المساق السياسي، في الماضي والحاضر، مؤْثرةً التحليق فوق الصورة زاعمة، ضمناً أو صراحة، أنها قادرة على ضمان الوفاء من جهتها بعهد المسلك السلمي، أيّاً يكن ما يسفر عنه المستقبل من تحدّيات. هكذا يسعى التوّابون أن يكتفوا، في أكثر الحالات، بإشارات عارضة تفيد التوبة، تَرِد في معرِض كلامٍ آخر واشيةً بالاستنكاف عن اعتبار النقد الذاتي همّاً قائماً برأسه له قواعدَ وأصولٍ إن لم يَرْعها لم تَقُم له قائمة وعُدّ غِشّاً للشاهدين.
في ساحة الواقع، كان القول في السنوات الأولى التي تبعت الحرب أن خروجنا منها لا يكون ناجزاً إن لم نعالج مصادرها في تكوين النظام السياسي-الاجتماعي وفي ممارسة السياسة. وكان مؤدّى هذا الكلام الاعتقادُ أننا خرجنا منها ولكنه خروج غير مضمون المصير. في العقد الأخير تغيّرت حالنا: فقد أخذ يرجح أن لنا مع العودة إلى الحرب ميعاداً قد يكون قريباً وأن بين الذين يزعمون استبعاد هذه العودة من بين رغباتهم من يحثّ الخطى بالبلاد نحو أفق لا يلوح فيه غير الحرب.
في كلّ حال، يشير أدنى تذكّرٍ لِما أفضى إلى الحرب اللبنانية ولِما كانته هذه الأخيرة، على الفور، إلى أسئلةٍ موجعة جدّاً لا يسع مُزاولَ النقد الذاتي أن ينحّيها جانباً:
هل كان جائزاً للقوى السياسية المنسوبة إلى المسيحيين أن تَسدّ المسالكَ إلى ما كانت مراجعُ مسلمةٌ ذات وزن تسمّيه ‘المشاركة’، أي إلى إعادة نظر جادّة في موازين السلطة تتبع ما كان المجتمع قد شهده من تحوّلات في موازين طائفية أخرى؟ هل كان جائزاً للقوى السياسية المنسوبة إلى المسلمين أن تعتبر المنظّمات الفلسطينية المسلّحة جيشاً لها وأن تغلّ يد الدولة عن مواجهة النشاط الفدائي على حدود البلاد الجنوبية وعن الحؤول دون تحويل المخيمات الفلسطينية وغيرها من نواحٍ قريبة أو بعيدة إلى قواعد محرّمة على قوى الدولة؟ هل كان جائزاً لما سمّي ‘القوى الوطنية’ من يسارٍ وغيره أن تواجه بالسلاح لبنانيين آخرين مبادِرةً بمقاتليها إلى هذه المواجهة أو مؤازِرةً فيها منظّمات الفلسطينيين، قاصدة المستهدفين إلى ديارهم في بعض الحالات، باعتبارها مواقع ‘إستراتيجية’ لا دياراً لمواطنين في الوطن نفسه؟
هل كان يجوز لقادة المسيحيين أن يدعوا حاكم سوريا إلى مواجهة المنظمات الفلسطينية وحليفتها اللبنانية، بالنيابة عنهم وهو ما أورث احتلالاً سورياً للبلاد لم ينفع الانقلاب المسيحي عليه في وضع حدّ له؟ هل كان يجوز لهؤلاء القادة من المسيحيين أنفسهم أن يواجهوا العمل المسلّح الفلسطيني بطلب النجدة من إسرائيل مؤازرين احتلالها شطراً من الجنوب في سنة 1978 ثم اجتياحها نصفَ البلاد وعاصمتَها سنة 1982 وما تخلّل ذلك من مجازر ودمار فظيعين؟
هل كان للتنظيم الشيعي الأكبر في الثمانينات أن يستحيل أداةً للحاكم السوري فيخوضَ لحسابه حرب المخيمات السيّئةَ المنظرِ والمَخْبَرِ ويَقْمعَ ابتغاءَ رضاه حلفاءَ الفلسطينيين من المقاتلين السنّة ويقتسم مع التنظيم الدرزي نصفَ بيروت الغربي بعد أن يُخرج منها الجيش اللبناني؟ هل كان يجوز التهجيرُ المتبادل بين الجماعات في الساحل والجبل والقتلُ بحسب الهوية الطائقية ونهبُ الأحياء والقرى وتركُها قاعاً صفصفاً لعلّةِ الاختلاف الطائفي؟
ليس هذا سوى غيضٍ من فيضِ الأسئلة الجارحة، التي يتعيّن على كلّ تائب عن الحرب الأهلية أن يتجشّم عناء الإجابة عنها. فإذا وصلنا إلى الحاضر وَقَعْنا على أسئلةٍ تختلف فيها أسماءُ الأطراف والمواقع، أحياناً، وتختلف عناوينُ المسائل ولكنها من الصنف الموجع أيضاً. ولنَكْتَفِ بسؤالٍ واحد جامع: هل يجوز للقوى السياسية الرئيسة في البلاد أن تجعل مواردها، على اختلاف المجالات، موزّعة بين مصادر خارجية متعادية تشتري بالدعم الولاءَ السياسي وتفترض الطاعة وإجراءَ ما تقتضيه في الداخل أو في الخارج مصلحةُ كلّ منها في مواجهة الآخر؟
فيا له من كذبٍ أن يعلن المرء توبةً عن الحرب الأهلية ويبقى موالياً لما يجعل الحرب أمراً مرجّحاً أو قَدَراً محتوماً: ممالئاً له أو ضالعاً فيه.
نيسان باقٍ على حاله إذن: في لبنان وفي غيره!

‘نوح’ ومُشْكِل البراءة

أحمد بيضون

يحظى جمهور السينما في بيروت، هذه الأيام، بمشاهدة ‘نوح’، فيلم دارن آرونوفسكي الضخم. مُنِع الفيلم في البلاد العربية الأخرى وتقدّم الأزهر الصفوف مستعيداً الحجّة القائلة إنه يجوز لنا النظر إلى صور الحكّام والمُفْتين ولكن يَحْرُم علينا تمثيل الأنبياء في صُوَر. في لبنان، تحاشت الرقابة الحَرَج بسطرين على الشاشة يسبقان انطلاق العرض ومفادهما أن الفيلم يروي قصةً ‘تاريخية’ لا علاقة لها بالعقيدة الإسلامية. فظهر أن مرجعيةً مسلمة (أو أكثر من واحدة) هي التي شاءت أن تستبعد تبنّيها القصّة بالصيغة التي اعتمدها (أو ابتكرها) الفيلم. هذا فيما بقي الموقف المسيحي، في صيغته اللبنانية، مكتوماً.
والحال أنه لا يوجد ما هو مجانب للواقع مجانبةَ وصف هذا الفيلم بالقصة ‘التاريخية’. فحتى تاريخه، لم يعثر فوق جبل أرارات على بقية لسفينة نوح التي بناها عمالقة كانوا ملائكة عوقبوا بالتحجّر. وكان لهذه البقية، لو وجدت، أو لما يقوم مقامها، أن تستوي وثيقةً تسند نسبة هذا النبي وقصّته إلى ‘التاريخ’، بالمعنى المعلوم لهذا الضرب من المعرفة. لا تزال القصّة إذن قصّة دينية مائة في المائة. وإذا جاز أن يداخلها بعض الخيال فإن تصديقها يبقى مسنداً إلى الإيمان لا إلى دليل حسّي يصحّ وصفه بـ’التاريخي’.
ولكن ما لنا وللبحث في مبلغ التبحّر الذي بلغه الأمن العامّ اللبناني في أصول المعرفة التاريخية. فإن ثمّة في الفيلم نفسه ما يستبعد الرجوع إلى التاريخ بما هو وقائع موقوتة أي مقترنة بزمن. وفيه ابتعادٌ بيّنٌ أيضاً عن قصّة هذا النبي في الصيغة التي أوردها العهد القديم. بل إنه يمكن القول في ما يتخطّى كلّ مفارقة أن الافتراق المتعمّد عن معالم النصّ التوراتي جاء مزكّياً لنوع من التحليق عبر التاريخ مبتغياً تمكين القصة السينمائية من الدخول في مواجهة شفّافة لمشكلات قائمة في عالمنا المعاصر.
أو ان الأصحّ أن نرى الصفة المعاصرة لهذه المواجهة ممكنة، على وجه التحديد، بسبب فرضية رئيسة استقاها الفيلم من مصدره الديني: تلك هي الفرضية القائلة بوجود مشكلات غير محدودة الوجود بزمن، وذلك لتأصّلها في حال الدنيا والبشر تأصّلاً تتبدّل صيغه من زمن أو مكان إلى غيره ولكنّه يبقى عصيّاً على البطلان. هذه المشكلات، في حالة الفيلم، هي مشكلات الشرّ المقيم في نفوس البشر وما يتبعه من خطيئة وما يبدو مستثنى منه من حالات البراءة وما يفترضه هذا الاستثناء من اختلاف في معاملة السماء للأبرياء بحيث لا يؤخذون بجريرة الأشرار الخطأة. حتى إذا بدا أن المعاملة بقيت واحدة على الرغم من اختلاف الحالات، طُرح السؤال الكبير المتعلّق بإمكان وجود الشرّ، لا في نفوس البشر وحدها، بل في نظام العالم بعمومه.
ولعلّ هذه القابلية لاستخراج أسئلة تقع في ما يتعدّى التاريخ هي ما جعلني، وأنا أشاهد فيلم آرونوفسكي، أفطن إلى ‘الطاعون’، رواية ألبير كامو، وإلى مشهد منها، على وجه التحديد، هو ذاك الذي ينفجر فيه الطبيب ريو في وجه الكاهن بانيلو وهما يشهدان معاً موت طفل القاضي أوتون بالوباء، بعد عذاب مهول… يصرخ الطبيب في وجه الكاهن الذي كان محمولاً بإيمانه على اعتبار الطاعون عقاباً إلهياً لخطايا المدينة:
‘هذا، على الأقلّ، كان بريئاً. أنت تعلم ذلك حقّ العلم’.
أمكن إذن أن أَسْبَح ألوفاً من الأعوام لا يعلم عددها أحد: بين طوفان نوح الذي هو أصلٌ جديد للخليقة كلّها وطاعون وهران الذي يتخيله كامو في أربعينات القرن العشرين (أي في أعوام الحرب العالمية). فالواقع أن المسألة التي تنعقد حولها عمارة الفيلم كلّها إنما هي مسألة البراءة التي تلقي بظلّها على وجاهة العقوبة المنزلة بأبناء قايين، أي بمعاصري نوح جميعاً من جنس البشر: وهي عقوبة الطوفان الذي يجهز على بشرية ذلك الوقت برمّتها.
والبراءة التي يمثّلها الطفل الميت في رواية كامو يمثّلها في فيلم آرونوفسكي شخص ‘نائل’، الصبية المنتمية إلى شعب الأشرار والتي أغرم بها حام بن نوح وحاول أن يبلغ بها أمان السفينة ولكن والده حال بينه وبين تحقيق بغيته. ذاك ما حمل حاماً، وهو في غمرة النقمة على أبيه، على الضلوع إلى حين… في مؤامرة لقتل هذا الأخير أعدّها ملك الأشرار الذي تمكّن من التسلل، وهو جريح، والاختباء في السفينة.
كان نوح مصمّماً على تنفيذ خطّة الخالق القاضية بالإبقاء على الحيوانات وحدها لعلّة براءتها وبوضع حدّ لوجود البشر بعد أن أفسدوا الأرض وبجعل نوح وأبنائه آخر من يبقى على البسيطة من هذا الجنس إذ يمتنع عليهم أن يتناسلوا. وكان الصدوع بهذه الإرادة يقضي ألا تدخل السفينة امرأة يسعها أن تلد. فاقتُصِر الأمر، لهذه الجهة، على امرأة نوح وعلى صاحبة ابنه سام وهي فتاة كانت العائلة قد تبنّتها بعد أن عثرت عليها مصابةً بجرح حكم عليها بالعقم.
والحقّ أن امتناع التناسل هذا على عائلة نوح وبقاءَ اثنين من أبنائه الثلاثة بلا نساء والثالث مع امرأة عاقر إنما هي تفاصيل نقع عليها في الفيلم ولا نقع لها على أثر ولا عين في نصّ العهد القديم. بل إن هذا النص يشير، بخلاف ذلك، إلى دخول نسوة بني نوح السفينة مع أزواجهن وهو بطبيعة الحال ما أتاح تجدّد البشرية بعد الطوفان.
عوض الأخذ بالحلّ التوراتي هذا، تُشفى الصبية العاقر في الفيلم وتحمل من سامٍ بن نوح. وهو ما يضع نوحاً أمام مشكل البراءة على نحوٍ أشدّ فظاعة هذه المرّة. فهو يقرّر أنه إن وضعت امرأة ابنه ذكراً فلن يكون ثمة بأس في تركه يكبر ويموت على غرار كلّ حيّ. فلا تكون إرادة الخالق قد عُصيت لأن هذا الوليد لن يتناسل بدوره. وأما إذا كانت المولودة أنثى فسيكون على نوح قتلها. والحال أن امرأة سام تضع أنثيين لا واحدة. وفيما يرى حام ويافث المستوحدان أن الخالق أرسل إليهما طلبتهما، يدرك نوح الوليدتين شاهراً سكينه ليقتلهما وهما بين ذراعي أمهما. هذا المشهد الرهيب ينتهي إلى عجز نوح الذي تدركه الرقّة عن إنفاذ الإرادة الإلهية هذه المرّة… وحين تنحسر مياه الطوفان ينصب الخالق قوسَ قزح علامةَ رضاً منه وأَمارة عهد جديد يعقده مع بني الإنسان متخلّياً عن رغبته في إفنائهم. فيسع نوحاً أن يدعو أولاده إلى التكاثر والانتشار في الأرض.
هي البراءة إذن. يفلح الحبّ أو الرحمة في الكشف عنها حيث توجد وفي نصبها ضدّاً للشر المنتشر ومانعاً، على الأخصّ، من شمول الجماعة كلّها بالخطيئة دون رويّة أو تمييز. في آخر مطافه، يبدو هذا الفيلم عمل رفض للعنف المعمّم الذي يُحْمَل على أنه استجابة لإرادة أو لقيمة عليا وتمثّله، في عالمنا، حملات الفتك الاستبدادية والحروب. تُكْتشف البراءة حين يقرُب العنف من أقرب البشر إلى القيّم عليه: من حفيدتي نوحٍ ههنا أو من ابن إبراهيم في فصل لاحق من الكتاب نفسه. ولكن هذا القرب لا يعدو أن يكون ذريعةً لاكتشاف البراءة وهو لا يستنفدها ولا يُبْطِل ضرورة البحث عنها حيث توجد بل يشير إلى هذه الضرورة.
والحال أن هذاالفيلم مليء بإشارات إلى عالمنا الحاضر، بما فيه من عنفٍ وتمييز يضربان الجماعات بلا تمييز بين أفرادها. ويركب بعض هذه الإشارات مركب المزاح. هكذا نرى جدّ نوح العجوز يعرض على مُجالسيه مشاركتَه كأساً من الشاي! ولا ينقص النكتة، بما تعلنه من مغايرة للزمن، إلا أن يسألهم هل يفضّلون تويننغ أم لبتون؟
‘ كاتب لبناني

إقرأ…

أحمد بيضون

بات معتادأً في جلسات البيوت أو المقاهي فتح المناظرة بين أنصار الكتاب أو الجريدة الورقية وأنصار القراءة على الشاشة. يشبه هذا ما يستدعيه الزجّالون في ندواتهم من أشياءٍ ينشئون بينها علاقةَ ضدّيةٍ ويروح أحدهم يشيد بواحد من الضدّين وينتقد الآخر فيما يشيد خصمه بالآخر ويحمل على الأوّل. من ذلك اقتراح مناظرةٍ بين القلب والعين علق بذاكرتي من زمنٍ قديم:
ما بين قَلْبْ وعَيْنْ نَقّي من التْنَيْنْ / اللي بتعجبكْ والتانيي سِيبا إلي!
يشدّد أنصار الورق على ما تجلبه العلاقة به من متعة حسّية: على ملمسه وحتّى على رائحته ويذكرون مقام الكتاب بما هو ‘جليس′، على قول المتنبّي، أو بما هو مقتنىً تتّصل به قيم عظيمة عمرها قرون. الصحيفة الورقية أيضاً رفيقة طقوس تُسْهم في تعيين موقع لمن يعتادها في الجماعة. وأما المسلّمون بسيادةٍ لا رجعة عنها للحواسيب، على أنواعها، فيدافعون عن طاعتهم للمدّ الجارف بذكر مزايا ذات طبيعة عملية للمادّة الرقمية لم تكن متاحة لسلَفها الورقي. من ذلك إمكان التنقّل بمكتبة فيها ألوف الكتب ومعها أشرطة وصور وتسجيلات شتى ومداخل إلى عدد لا يحصى من الصحف بلغات شتى وإلى محطات الإذاعة والتلفزة أيضاً وإلى شبكات ومواقع وصفحاتٍ لا تحصر، وهذا كله على حاسوب لوحيّ لا تتجاوز زنته بضع مئات من الغرامات.
وينوّه أنصار المقروء الافتراضيّ، على الخصوص، بوظيفة البحث التي تتيح للقارئ أن يحصر، في الموقع الواحد أو في المواقع كلّها، ما ينفعه، مهملاً النظر في ما لا ينفعه ومقتصداُ ما كان يصرفه من وقت في التقليب المحموم لصفحات الكتاب أو لأعداد المجلّة مثلاً وهو لا يحتاج منها كلّها إلا إلى فقرة أو جملة. وهذا إذا لم يفته كلّ ما يحتاج إليه أو جلّه وهو يسرع في التصفّح وإن لم تلجئه الضرورة إلى معاودة الكرّة. وأما وظيفة البحث الحاسوبية فتجد له ما يحتاج إليه من المطبوعة، كثيراً كان أم قليلاً وتنجز له بأجزاء من الثانية ما كان سيستغرق منه ساعاتٍ أو أيّاماً. وإلى البحث تضاف القدرة على نقل ما يلزم وجمعه في موضعٍ واحد وتنسيقه بحسب المرغوب…، إلخ. هذا كلّه لم تكن تتيح ما يدانيه الكتب المتقنة التأليف، المزوّدة فهارسَ مختلفة ومكتباتِ بحثٍ جامعة.
من هذا يبدو أنصار الشاشة وكأنهم يتوفّرون على مزايا عمليّة يستطيعون الاستفاضة في عرضها، فيما لا يجد أنصار الورق سوى مشاعر يمكن حشرها كلّها في خانة الحنين تسويغاً لوفائهم لما يصطفّ على الرفوف أو يتراكم فوق المكاتب. ويزيد موقع الورقيين ضعفاً أن تقدّمهم الغالب في السنّ يُظهرهم وكأنّهم صائرون إلى الانقراض. فإن أكثر هؤلاء، بطبيعة الحال، هم ممن جاوزوا سنّ الثلاثين بكثير أو قليل فعرفوا عالماً كان الورق فيه سيّد الساحة واتخذوه عالماً لهم إذ لم يجدوا في متناولهم سواه. هذا فيما يجنح الشباب ناهيك بالأطفال إلى ملازمة الشاشة ولوحة المفاتيح ويسلسون لهما قيادهم إلى حدّ يجعل ملمس الورق يوغل في غربة متزايدة عن عوالمهم. فيظهر أن الافتراضي بات قاب قوسين من وراثة أرض الواقع ومن عليها.
هل يصحّ فعلاً اختتام البحث بالملاحظة القائلة إن لما تعرضه الشاشات مزايا عملية يقصّر دونها الورق؟ أم أن ثمّة بين الطريقتين فوارق تتناول فعل القراءة نفسه فتجعل معناه ومؤدّاه مختلفين بين حالة وحالة اختلافاً يصل إلى طبيعة القراءة نفسها. هل نفعل الشيء نفسه حين نقرأ كتاباً على الشاشة وحين نقرأه في حلّته الورقية؟
الراجح أن الجواب عن هذا السؤال يصحّ بالإيجاب حين يتعلّق الأمر بكتاب واحد محدّد. ولكن يظهر أن الأمر يمسي مختلفاً جدّاً حين ننظر في المعنى العامّ للقراءة على النحو الذي يشكّلها فيه المعروض الافتراضي بعمومه ونقارنه بذاك الذي تشكّله المكتبة الورقية. فإن ثمّة تعمّداً في اختيار المطبوعة، كتاباً كانت أم صحيفة، ينطوي على رغبة في المغامرة تأتي مكتفية بضوابط تقريبية جدّاً منها، على سبيل المثال، المعرفة السابقة بالمؤلّف أو المتابعة المعتادة للصحيفة. في ما يتعدّى هذه المزكّيات للاختيار يترك القارئ نفسه لما تحمله إليه المطبوعة مستنفراً ملَكةَ انتباهٍ عوّدها الإصغاء، مكتفياً من الأسئلة بأعمّها: ما الأخبار اليوم؟ ما رأي فلان في ما جرى هناك؟ ما جديد هذا المؤلّف بالمقارنة مع ما هو مأثور عنه؟ إلخ. الذهن المفتوح للمنتظَر ولغيره والصبر… الصبر، خصوصاً، والتفكّر هي ما يميّز المقاربة المنتظرة من قارئ المطبوعة الورقية.
الشاشة، والشبكة وراءها، شيء مختلفٌ جدّاً والمستغرق في عوالمهما بشريّ مختلف جدّاً. عادةً يدخل المستطلع مجاهل الشبكة العنكبوتية ومفتاحه إليها سؤال قد يكون اسماً علماً أو كلمة أخرى. فقد أصبحنا حين يشكل علينا أمرٌ من الأمور لا نقوم إلى مجلّد على رفّ قريب ولا إلى آخر أبعد منالاً في مكتبة الجامعة بل نبثّ شكوانا إلى آية الله غوغل الذي يوافينا بلا انتظار بما يفيض كثيراً عن الحاجة وما هو جدير بالتقدير والشكر وما هو حريّ بإثارة الشك أو الإنكار في نفوس العارفين. معنى هذا أن معاملتنا الأساسية للشبكة توحي باعتبارنا إياها قاموساً عرمرماً أو موسوعة بلا ضفاف. هذه الشساعة نفسها تملي تضييقاً متصاعداً لنطاق المطلوب يفرض مزيداً من التحديد لما نختار قراءته ضنّاً بالوقت. ولكن الوصول بهذا التحديد إلى مدىً مناسب قد يقتضي هو نفسه وقتاً غير قليل نمضيه في ما يشبه التجربة والخطأ. في كلّ حالٍ، تغلب ههنا صيغة العلاقة المألوفة بالقاموس أو الموسوعة على تلك المألوفة بأنواعٍ أخرى من الكتب: بالعمل الفلسفي، مثلاُ، أو بالرواية.
غير أن التضييق المشار إليه يستحيل غرقاً وتخبطاً في خضمّ هائج حين نترك استطلاع الشبكة ما عندها من أجوبة عن سؤال محدّد إلى نوعٍ آخر من التصفّح هو ذاك الذي يمليه علينا اقتناؤنا بريداً الكترونياً أو صفحة في الفيسبوك أو في غيره من شبكات ‘التواصل’. إذ ذاك نجد انفسنا عرضة لمسالك في المغامرة أكثر تشعّباً بكثير من تلك التي يعرّضنا لها كتاب مختار أو صحيفة مألوفة. فما من منطق يضبط ما يمكن أن يحمله إلينا البريد، وبعضه مرفقات فيها كلام مستفيض أو فيها أصوات وصور تترى بغثها الكثير وسمينها القليل ونراها تقتنص وقتنا، أحياناً، بلا طلب منا ولا قرار اتخذناه. ومثل هذا وأكثر منه يقال عمّا يحمله الفيسبوك، مثلاً. فها هنا لا تني تتفاقم ورطة المتصفّح وهو يعاني تدفّقاً بلا آخر لموادّ لايسأل رأيه في وصولها إليه، يستوقفه بعضها وكثيراً ما يندم لأنه ترك لها أن تستوقفه. ولعلّ أحسن خلاصة للشعور بهذه الورطة قول ذلك الفسبوكي المفجوع بوقته: ‘العمر بيخلص والـنيوز فيد ما بيخلص’.
على أن أجدر ما في هذا كلّه بالانتباه هو أن غزارة العرض تجعل المتصفح لا يمضي في قراءة مادّة (أو في سماعها أومشاهدتها) إلى آخرها. بل هو لا يزال يتقلّب وهو يقلّب فيكاد لا يستقرّ لانتباهه ولا لذاكرته قرار ولا يخرج ممّا يسمّى’الإبحار’ إلا بصيدٍ لا يسمن. فالقراءة هنا ترسي عادة التجوّل البصري بين أطراف النص بحثاً عن ‘زبدة’ مفترضة للمادّة واسترشاداً بألفاظ- مفاتيح. و يكون المطلوب عادة أن يخلص المتصفّح، على جناح السرعة القصوى، من المادّة إلى ما يليها.
ذاك ما يحمل، في الواقع، على إعادة النظر في أفضلية المقروء الافتراضي الذي نؤخذ بما يكال له من مديح يبدو واضح الأسانيد. فالحال أن النظر المتأني ينتهي، في ما يتعدّى التسليم بالتفوّق ‘النفعي’ لذاك المقروء، إلى الطعن بهذا الوضوح. من ذلك أن باحثين أمريكيين وجدوا أن ألفتنا الشاشة والشبكة أخذت تغيّر دماغنا نفسه، فنصل من ذلك إلى وقت تصبح فيه قراءة رواية، مثلاً، أمراً يفوق طاقتنا العقلية.

بيروت في 11 نيسان 2014
‘كاتب لبناني

شادي علاء الدين عن “دفتر الفسبكة”

اللبناني أحمد بيضون يحاول رد الاعتبار للكلام المهدور
‘دفتر الفسبكة’ كتاب شيق لكاتب مثير للجدل يحاول إعادة الاعتبار للكلام المهدور بإنشائه مجموعة من النصوص تستجيب لعالم الـ’فيسبوك’.
العرب شادي علاء الدين [نُشر في 18/01/2014، العدد: 9442، ص(16)]
بيضون: صفحات الفيسبوك تعمم العنف

بيروت- كان الكاتب والباحث الاجتماعي اللبناني أحمد بيضون قد صدّر كتابه “الصراع على تاريخ لبنان” الصادر بالعربية عن “منشورات الجامعة اللبنانية” عام 1989، بعبارة تنسب للمسيح وردت في نسخة من الإنجيل لا تعترف بها الكنيسة وُجدت في صعيد مصر. هذه العبارة /الوصية هي “كن عابرا“. وبعد أكثر من ثلاثين عاما يُصدر مؤخرا كتابا عن دار “شرق الكتاب” بعنوان “دفتر الفسبكة”.

يصدّر أحمد بيضون كتابه الجديد الموسوم بـ”دفتر الفسبكة”، بأبيات مختارة للشاعر “هنري ميشو”، قام بترجمتها ووضعها بعنوان “ما يستحقه الفسابكة”، وتقول هذه الأبيات: “أيها العالم الكريه، ليس هيّنا أن يستخرج منك شيء حسن/ مدينة من الأسمال سأبنيها لكم/ أنا أبني لكم بلا تصميم وبلا إسمنت/ عمارة لن تقووا على هدمها/ سيسندها ويزيد من حجمها/ ضرب من البديهة المزبدة/ فتحضر لتنهق تحت أنوفكم/ وتحت الأنوف الجليدية من هياكلكم/ وأنوف فنونكم العربية وأنوف سلالة مينغ أباطرتكم/ من دخان ومن ضباب ذائب/ ومن صدى جلد الطبل/ سأنشئ لكم قلاعا ساحقة رائعة/ قلاعا مبنية من الرجّ والزلزلة حصراً/ وسيسقط دون أسوارها نظامكم الدهري وهندستكم/ سيسقطان في صورة لغو وهراء وغبار رمل لا منطق له”.

طاحونة الـ”فيسبوك”

وبعد رحلته في العالم الافتراضي، يختم بيضون كتابه بترجمة أخرى لهنري ميشو واضعا لها عنوان “السيرة “، تقول: “انقضى أوان العمل. تم نسج قميص الصوف، في كل موضع تجده/ نزل التوقيع على الورقة الأخيرة، هذا رحيل الفراشات/ انقضى أوان الحلم، الآن يُحلم بنا. سكوتٌ/ عدنا لا نستعجل المعرفة”.

يصف أحمد بيضون ولوجه إلى عالم الـ”فيسبوك” بأنه دخول في ضجة طاحونية يتم فيها هدر الكثير من الكلام والأصوات والصور. يحاول أن يجعل لدخوله معنى ما، فيقترح مشروعا لضبط المصطلح الفيسبوكي واستبدال مفرداته الشائعة بما يقابلها في العربية من مفردات يعتبرها أصح وأكثر تعبيرا عن واقع الحال.

إذ يقترح مثلا استبدال كلمة صديق بكلمة “صاحب” أو “صاحبة” و”طيب” و”أحسنت” بدلا من “أعجبني” و”فائدة” و”نبذة” بديلا عن “نوت” و”عرضحال” بدلا من “ستاتوس أبدايت”. كما يبادر هو بنفسه وقبل أن يسبقه أحد إلى الإعلان عن عقم هذا المسعى فيعلن أن هذا الجهد يشبه دق الماء.

لماذا يقوم به إذن؟ يبدو وكأن الرجل يقوم بواجبه، ولكنه بات في مرحلة من العمر أضحى فيها معفى من القيام بمثل هذا الجهد وخاصة إذا كان هو نفسه يائسا من جدواه.

التفسير الذي يمكن أن يضيء هذا النزوع إنما يكمن في ذلك المسار المتواصل الذي سعى الكاتب إلى السير عليه انطلاقا من وصية “كن عابراً” وصولا إلى مقدمة وخاتمة كتابه الحالي “دفتر الفسبكة”.

(دفتر الفسبكة)، مجموعة من النصوص تستجيب للطابع البرقي السريع الذي يتطلبه عالم الفيسبوك، وتحافظ على بنية لغوية وفكرية محكمة

يتعلق الأمر بالمسؤولية قبل أي شيء آخر، هو يضعها في مواجهة الهدر الفيسبوكي الذي صار فيه كل شيء متخففا بشكل لا يطاق من المسؤولية، حيث أتيحت للمرة الأولى في التاريخ لكل شخص أن يكون بمتناول يده وعبر تجهيزات بسيطة تكاد تقتصر على الاتصال بشبكة الإنترنت شبكة إعلامية خاصة به تجتمع فيها كل إمكانيات التلفزيون والإذاعة والصحافة معا.

كل شخص صار نجما يعيش نشوة البث المباشر والمتواصل والمعفى من أي مسؤولية إلى حدّ كبير ما أدّى وفق ما يلاحظه بيضون في الحال اللبنانية والسورية إلى تعميم العنف والطائفية والبذاءة وشيوع تردّي الخطاب غير المسبوق بحيث بات من النادر العثور على صفحات فيسبوكية لا تمارس مثل هذا النوع من الخطاب وتتبناه.

فضاء الكلام المهدور

محاولة بيضون تكمن بشكل خاص في محاولة إعادة الاعتبار للكلام المهدور عبر إنشائه مجموعة من النصوص تستجيب للطابع البرقي السريع الذي يتطلبه عالم الـ”فيسبوك”، ولكنها تحافظ في الآن نفسه على بنية لغوية وفكرية محكمة مشحونة بسخرية حكيمة وباردة ومنتبهة. يردد دائما أن ما يكتبه إنما يعبر عنه وأنه أناه الخاصة وشخصيته بمعنى أنه كتاب وجهه الفعلي، وأنه يتحمل كامل المسؤولية عنه.

معظم الداخلين في عالم الـ”فيسبوك” يعتبرون أن ما يقومون بنشره على صفحاتهم وخاصة التعليقات إنما هو نوع من الكلام الفاقد للوزن أو الذي يعبر عن حالة من التواصل الاجتماعي المشبع باللياقات التي ليست في نهاية المطاف سوى تبادل للمعلن “كتاب الوجه الممنتج” في حين يستقر المخفي “كتاب الوجه الحقيقي” في مكان آخر. من موقع المسؤولية يمكن للكاتب أن يبني سيرة ممكنة له.

هو يعلم أن مجالها الوحيد الممكن ليس في ما يتوهمه آلهة الـ”فيسبوك” الجدد وغيرهم ممن يدمنون إتلاف الكلام والمواقف والوجوه وإغراق المعاني تحت فيض مهول من الثرثرة الجوفاء بل في فعل العبور في قلب هذا العالم الكريه ومحاولة استخراج شيء حسن منه. السيرة التي يحاول رسمها لذاته لا تبنى على عملية رصد متسلسل ومحاولة القبض على التفاصيل، فهو لا يرى في ذلك كله سوى نوع من الهدر. تكمن السيرة التي يتبناها ويقوم مشروعه عليها في الدفاع عن اللغة، وتحديدا عن اللغة التي ترتدي هيئة نتف سيبني منها مدينة الأسمال.

هذه المدينة ستتضخم برفدها الدائم بضرب خاص يجيده من بديهة مزبدة من شأنها تدمير العمارات المنتظمة والشاهقة والثابتة، وتاليا الراكدة والميتة التي يوحي الـ”فايسبوك” أنه يقاومها في حين أنه يصنعها.

يريد بيضون سيرة هي عبارة عن الأثر الذي يخلفه العبور. العمارات الشاهقة والضجيج ليسا سيرة ممكنة له، بل تكمن سيرته في حشد الإضاءات اللامعة المؤلفة من دخان ومن ضباب ذائب.

ينهي الكاتب مهمته ويعلن ختاما عن راحة فيسبوكية تتيح المجال للمعرفة أن تتكون في الصمت وفي الهدوء خارج طاحونة الـ”فيسبوك”. يقول بيضون: “لقد تم نسج قميص الصوف. السيرة لا تكمن في القميص المنجز بل في فعل الحياكة نفسه”.

كلمن | “لبنان الاشتراكي”

 

“لبنان الاشتراكي”

ظهور جماعةٍ من شبيبة “اليسار الجديد” ومسارها في لبنان الستّينات[1]

أحمد بيضون

 

في وقتٍ ما من سنة 1964، انعقد اجتماعٌ في بيروت قيّض له أن يستوي نوعاً من خرافةِ أصلٍ لجماعة ماركسية صغيرة نشأت منه: وهي تنظيم “لبنان الاشتراكي”. اشترك في الاجتماع سبعة أشخاص هذه أسماؤهم: وضاح شرارة، فوّاز طرابلسي، وداد شختورة، محمود سويد، الزوجان كريستيان ومادونا غازي، أحمد الزين. بعد ذلك بسنةٍ (أو باثنتين، على الأكثر) كان الأربعة الأوّلون لا يزالون ماضين في السبيل الذي افتتحوه فيما كان الثلاثة الآخرون قد غادروا الركب عملياً. بين هؤلاء الأربعة، بقي وضّاح وفوّاز أكثر الجماعة حرصاً على إبقاء الشعلة المقدّسة موقدةً أي، فوق كلّ شيءٍ، على تدبيج النصوص المؤسّسة للتنظيم وعلى تنشئة القادمين الجدد وعلى متابعة الصلات الآيلة إلى تنمية الجماعة. كان محمود سويد مستغرقاً إلى حدّ بعيد في العمل الصحافي: في أسبوعية الأسبوع العربي أوّلاً ثم في مؤسّسة الدراسات الفلسطينية. لذا بقيت مسؤولياته محدودة في الجماعة التي كانت قد أخذت تدعو نفسها “التنظيم”. وأما وداد شختورة التي كانت تتّخذ التدريس حرفةً لها، فكانت ناشطة في نقابة المعلّمين في المدارس الخاصّة قبل أن تمسي، في آخر مطافٍ امتدّ أعواماً كثيرة، قيادية في التيّار اليساري من الحركة النسائية اللبنانية.

إذا اتّخذْنا مشهد هذا الاجتماع وحده محلّ نظر استوقفنا تنوّع المجموعة المؤسّسة على غير صعيد. فإذا قصرنا انتباهنا على أولئك الذين ثابروا إلى ما بعد مرحلة الانطلاق هذه لم نملك ألا نلاحظ تفرّقهم على الخريطة الطائفية اللبنانية وكذلك بين مناطق البلاد. فشرارة من مواليد العام 1942 في عائلة شيعية. وهو من بنت جبيل في جنوب لبنان أصلاً ولكن والديه، في وسط الستينات الذي ننظر منه، كانا قد انفصلا وتزوّج كلاهما زواجاً ثانياً من زمن طويل وأصبحا مقيمين في بيروت. ويحصى في أسرة والده معمّمون ومعهم أو من بينهم متأدّبون على النهج “الحديث”. وكان والده، في مبتدإ أمره، مدرّساً وكان إلى ذلك كاتباً ومترجماً معروفاً ثمّ أصبح، لعهد طويل، عضواً في الجهاز الفنّي لدار الكتب الوطنية وآلت إليه في أواخر حياته المهنية إدارتها. وأما والدة وضاح فهي عسيرانية من صيدا وكانت مدرّسة في القطاع الرسمي هي الأخرى. وكان وضّاح قد حصّل منحة من الحكومة اللبنانية أتاحت له دراسة لعلم النفس في ليون أنهاها في سنة 1963. وعلى أثر عودته إلى بيروت أصبح مدرّساً متعاقداً في المدرسة العاملية، وهي شيعية التابعية، قبل أن يدخل سلك التعليم الرسمي مدرّساً للفلسفة في الثانويات. وكان يتولّى أيضاً أعمال ترجمة متفرّقة تنشرها دار الطليعة التي كان يملكها بشير الداعوق المنتسب إذ ذاك إلى حزب البعث. وأما طرابلسي فهو من مشغرة في البقاع أصلاً. وتنتمي والدته إلى الفرع الأرثوذكسي الزحلي من آل المعلوف إذ هي ابنة المؤرّخ المشهور عيسى اسكندر وشقيقة الشاعرين فوزي وشفيق. وأما والده، وهو كاثوليكي المذهب، فكان يملك فندقاً معروفاً في بحمدون يقصده مصطافون متنوّعو المصادر من لبنانيين وسوريين وعراقيين ومصريين، إلخ.، ومن بينهم ساسة وفنانون واسعو الشهرة. ولد فوّاز سنة 1941 وأتمّ دراسته ما قبل الجامعية في الثانوية العلمانية الفرنسية في بيروت ثم في مدرسة برمّانا العالية وهذه أسسها الكويكرز الإنكليز في القرن التاسع عشر. وبعد عامين في مانشستر درس فيهما الاقتصاد السياسي، عاد إلى بيروت ودرس العلوم السياسية في جامعتها الأميركية. ولا ريب أن وضاح وفواز (ونصيب الأوّل من هذا أكبر من نصيب الثاني) كانا الشخصين اللذين أملى نشاطهما على الجماعة الصغيرة أبرز سماتها وهو نشاط بُذل في آن معاً في التحليل النظري والسياسي وفي كسب الملتحقين الجدد وتنشئتهم. وأمّا وداد شختورة فهي متحدّرة من أسرة كاثوليكية صيداوية المنبت. وأما “بكر” التنظيم، محمود سويد وهو مولود في سنة 1935، فهو ابن شيخ سنّي من قرية كفرحمام في العرقوب، أي في الطرف الجنوبي الشرقي من البلاد. وكان محمود عند إنشاء التنظيم – وقد أشرنا إلى ذلك – صحافياً متفرّغاً… وكان هو ووضاح وفوّاز قادمين، ثلاثتهم، من “ماضٍ” حزبيّ بعثي.

كان هذا التنوّع في المجموعة التي أطلقت مشروع “لبنان الاشتراكي” يعبّر، على نحوٍ ما، عن مزاجٍ ميّز شبيبة بعينها، تلقّت إعداداً غربيّ المشرب. ولكنّه كان أيضاً، من زوايا أخرى، تنوّعاً خادعاً إلى حدٍّ ما. فهو لا يعكس بأمانة واقع الصورة التي ستتّخذها المجموعة بالتدريج في الأعوام الأربعة أو الخمسة التالية بنتيجة الجهود التي بذلها المؤسّسون. وهذه جهود أسعفها، على الأرجح، ما كانت تضطرب به التشكيلات القومية العربية والحزب الشيوعي اللبناني من هزّات في تلك المرحلة. وفي خريف العام 1966، اتّصلنا بالمجموعة أنا وحسن قبيسي ونصير مروّة وجمعتنا لقاءات قليلة العدد بوضاح شرارة. وكان حسن هو الذي اكتشف وجود المجموعة ومهّد للقاءات. كان نصير بعثياً قديماً اقترب من الحزب الشيوعي قبل سنوات. وقد بقي أثر وضّاح في موقفه محدوداً. وأما أنا وحسن فدخلنا في المجموعة. ولم نلبث أن ضممنا معنا صديقنا وجيه كوثراني. ثم التحق بالمجموعة المتواضعة العديد بتأثير منّا أردناه أحياناً ولم نُرِده أحياناً أخرى نفرٌ آخرون كانوا أصغر منّا سنّاً. كنا، نحن الثلاثة، من مواليد أوائل الأربعينات وكنّا مدرّسين في الثانويات الرسمية وقد خالطنا إلى هذا الحدّ أو ذاك، في أعوام دراستنا الثانوية والجامعية، أوساطاً تدين بالقومية العربية. فكنّا، بالتالي، أشباهاً، على غير صعيد، لوضّاح ولفوّاز. وكان للشبه بيني وبين هذين وجه مضافٌ لم يكن حسن ووجيه قد حصّلاه في تلك المرحلة: وهو أنني كنت قد أمضيت عامين دراسيين في باريس زاد في أهمّيتهما أنني كنت قد كرّستهما لدراسة الماركسية. وسرعان ما دعينا إلى الحلول في مواقع مسؤولية فكان أن أصبحنا، حسن وأنا، عضوين في ما كان يسمّى “هيئة التنسيق” (وهي قيادة التنظيم) وأخذنا نؤمّن، في الشقّة التي أقمنا فيها معاً، ابتداءً من صيف 1967، الإنتاج الماديّ للنشرة التي كان التنظيم يحمل اسمها. وكان حسن قد تعلّم الضرب على الآلة الكاتبة واستخدام آلة الاستنساخ (الستنسل) فيما كنت، من جهتي، أتولّى، مهمة تحرير البعض من النصوص. أصبحنا  من كتّاب النشرة أيضاً وكان العدد الأول منها قد صدر في حوالي الوقت الذي دخلنا فيه التنظيم ولكن المجموعة كانت قد أصدرت قبل ذلك عدداً من النشرات غير الموقّعة وغير المتوّجة باسم “لبنان الاشتراكي”. وإذ أنظر في أمرنا إذ ذاك بعد انقضائه، أرى أن ترقيتنا التي زامنت، على وجه التقريب، ابتعاد أحمد الزين والزوجين غازي قد عزّزت تعزيزاً ملحوظاً موقع العنصر الشيعي الجنوبي في الإدارة الفعلية لنشاط المجموعة. وكانت هذه الغلبة، من قبل هذا الوقت، كاسحة على مستوى “القاعدة”. فالحال أن الحلقتين اللتين تولّيت أمرهما في حيّ اللجا وفي النبعة كانتا مشكّلتين حصراً من شبّان شيعة جنوبيّي المنابت. وكانت هاتان الحلقتان تمثّلان، في سنة 1967، ما يقرب من نصف التنظيم ولم يكن النصف الآخر يختلف عنهما اختلافاً بيّناً لهذه الجهة. وقد أبرز وضاح شرارة هذا الواقع إبرازاً لم يخْلُ من المبالغة في مقالة جميلة نشرها في سنة 1980 وجعل لها عنواناً “الرفاق”. بقي المدينيّو الأصل والمسيحيّون والسنّة قلّة بين العناصر الذين بلغ عددهم أربعين إلى خمسين في منتصف مسار التنظيم. وفي سنة 1967، كانت السنّ المتوسطّة لأعضاء المجموعة “القيادية” نحو 25 سنة. وكان الأعضاء في الحلقات يصغروننا سنّاً بما معدّله خمس سنوات تقريباً. عليه كان يسعهم أن يكونوا (أو هم كانوا فعلاً) تلامذتنا. هل كان ذاك، على ما قرّره تشخيص منتشر، هو الجيل الثاني من كتلة الهجرة الريفية؟ يحتاج الجواب إلى تدقيق. فإن أهالي بعض المنتسبين لم يكونوا قد أصبحوا مقيمين بعد، في تلك الآونة، في بيروت أو في ضواحيها. كانت الشبيبة من ذراري هؤلاء الريفيين الصامدين تسرح وحدها، متحمّلة مسؤولية نفسها، في أرجاء بيروت الكبرى بما كانت هذه تعرضه من أضداد.

لم تكن غلبة البعثيين القدامى بين عناصر النواة المؤسسة محض اتّفاق. بل إنها معطى تعليلي من الدرجة الولى. فنحن إذا شئنا أن نفهم ظاهرة “اليسار الجديد” أو “الأيسرية” العربية، كان علينا أن نرجع، بين ما نرجع إليه، إلى انفصال الوحدة السورية المصرية وما مثّله من زلزلة للجيل الشاب في تلك الحقبة. مهّد لهذه الزلزلة نشوب الأزمة، بُعيد نشوء الجمهورية العربية المتّحدة، في العلاقة ما بين عبد الناصر والبعث. فالذين كانوا في العشرين أو كانوا على مشارفها في سنة 1961، مثّل لهم إفلاس الوحدة صدمةً لم تكن أخفّ وطأةً على الإطلاق من تلك التي مثّلتها لهم ولمن كانوا يلونهم سنّاً هزيمة 1967. فكان أن ذهب البعثيون، على الخصوص، ومعهم آخرون كانوا يدورون في الفلك القومي أيضاً، إلى تجريم الارتجال والطابع الملفّق لهذه الوحدة بما آلت إليه الحال من انحلال لم يكن منه مناص. وسرعان ما نُسب هذا المصاب إلى الفقر النظري الذي اعتبرت الحركة القومية مصابةً به: يصحّ هذا على الحركة الناصرية، بطبيعة الحال، ولكنه يصحّ أيضاً وعلى التخصيص على حزب البعث. من هذا المنطلق، راحت تنتشر كثرةٌ من المجموعات أو أيضاً من المواقف كان يجمع بينها الرغبة في تلافي الأسباب المفترضة للحادث الجلل الذي حدث.

وعلى وجه الإجمال، يجوز القول إن انهيار الجمهورية العربية المتّحدة كان مناسبة لاكتشاف أهمّية “المجتمعات” وضرورة معرفتها لتغييرها وضرورة التوفّر على تجهيز نظري مناسب لهذه الغاية. ولم تلبث الماركسية أن فرضت نفسها. فقد كانت حاظيةً بسمعةٍ أظهرَتْها على أنها الأداة المجرّبة التي أفلحت في إلهام ثورات صمدت في وجه الإمبريالية. وقد سارع كثير من القوميين إلى الانضواء في صفوف الحزب الشيوعي الذي وجدوه على مقربة. ولكن هذا الاختيار لم يبدُ موفور الحجّة دائماً. فإن منظر الأحزاب الشيوعية الوطنية لم يكن فيه ما يغري. كانت ظواهر التصلّب البيرقراطي فيها وتبعيتها في المضمار الدولي تبعث النفور. فوق ذلك، كانت مواقف هذه الأحزاب من مسائل حيوية جدّاً واجهت الحركة العروبية في أثناء العقدين السابقين لا تزال محلّ إشكالٍ، وكان الموقف من تقسيم فلسطين أبرز مثال لهذه المواقف. وفي الحقبة التي نتناول، أي أوائل الستينات، كانت جولات الصراع العنيف لا تزال تدمي العلاقات، في دولٍ عربية عدّة، ما بين الشيوعيين والقوى القومية. فكانت هذه القوى تنازعهم الحكم الذي كانوا مستحوذين على النصيب الأعظم منه هنا أو كانت تأبى إشراكهم فيه هناك. على هذا راح مناضلون كثيرون كان إيمانهم البعثي أو الناصري قد اضطرب يتحدّثون عن “تعريب الماركسية” أو أيضاً عن “تجديد” اليسار العربي. ولم يكن هذا الكلام ابن ساعته. فإن ميشال عفلق نفسه كان قد أعلن رغبته في إنشاء اشتراكية “نابعة من الواقع العربي”. على أن هذه الفكرة التي لم يفلح مؤسس البعث يوماً في منحها قواماً قابلاً للتطبيق لم تكن متّجهة، في تعبيرها العفلقي، إلى اجتراح صيغة معرّبة من الماركسية بل كان همّها تشكيل خيار مواجه جذرياً للخيار الماركسي. وأما الشبيبة من هاجري البعث الذين أقدموا على تأسيس “لبنان الاشتراكي” فكان توجّههم إلى الاستحواذ على الماركسية التي قدّروا أن الأحزاب الشيوعية العربية قد ابتعدت عنها. وكان متاحاً إنكار ملكية هذه الماركسية على الأحزاب الموالية للاتّحاد السوفياتي. كانت هذه الماركسية مبذولة لمن أراد وضع اليد عليها وتطويعها تطويعاً حرّاً للحالة الحسّية التي كان عليه أن يعالجها.

ما سبق لا يعدو أن يكون رسماً بالقلم العريض لمعالم “الحبكة الفورية” التي كانت، في المدّة التي نتناول، تؤهّل أناساً بعينهم للتأمّل في إمكان الاضطلاع بمشروع “اليسار الجديد” و”تعريب الماركسية” الذي ذكرناه. كان هؤلاء البعثيون السابقون قد أنموا إحساسهم بالوقائع العربية وبوقائع بلادهم عبر مساقاتٍ من قبيل حرب الجزائر والصعود الصاعق للناصرية بعد معركة السويس ومقاومة حلف بغداد وانقلاب تمّوز 1958 في بغداد والحرب الأهلية المحدودة في لبنان سنة 1958 وبزوغ الشهابية والاضطراب المواجه للسيطرة البريطانية في جنوب الجزيرة العربية… قابل ذلك، أخيراً لا آخراً، انهيار الجمهورية العربية المتّحدة الذي بدا حاملاً رسالةَ نكوصٍ واضح يَقْلِب وجهةَ المجرى الذي كان يمكن أن تُدْرَج فيه الوقائع الآنفة الذكر طوعاً أو كرهاً.

على أن هذه الحفنة من الشبّان اللبنانيين كانت محتاجةً إلى صفاتٍ أخرى غير صفة البعثيين التائبين ليستقيم لها الاعتقاد أنها قادرة على الاضطلاع بالمهمّة التي نسبت إلى نفسها المسؤولية عنها. أمّا ما كانوا يعدّونه جديراً بأن يستبقى من ماضيهم النضالي فكان هذا النوع من التعلّق بأولوية الحقّ العربي في تقرير المصير، وكانت هذه القضية كفيلة بإبعادهم عن الحزب الشيوعي. على أن هؤلاء الشبّان كانوا يواجهون الحزب المذكور بادّعاءٍ لرهافة الفكر ولتعدّد المراجع الفكرية وللاستقلال المعنوي المشبع باحترام الفردية وهذه كلّها أمور ينبغي الفحص عن مساق تكوّنها وعن مصادرها. فإذا نحن رجعنا اليوم إلى أدبيات “لبنان الاشتراكي” وإذا استذكرنا واقع العلاقات بين الأفراد في المجموعة، لم نجد بدّاً من ملاحظة قدْرٍ من الزيف كانت تنطوي عليه صورة الذات التي كانت تدّعيها الجماعة لنفسها ويدّعيها كلّ فردٍ منها لنفسه أيضاً. على الرغم من ذلك، كانت هذه الصورة تطلق موقفاً وأسلوباً في التصرّف وفي الكلام وتطلق، على الأخصّ، زخماً نضالياً يشي بتصديقٍ لها من جانب من قُيّض لهم الاستمرار في مشروع المجموعة المعلن على الأقلّ. وهذا التصديق هو الأهمّ، في آخر الأمر.

من أين حصّل هؤلاء الشبّان المثقّفون تلك الثقة في جماعتهم، وكانت، في كلّ حال، ثقةً غير مانعةٍ للسخرية من الذات وللخفّة الفَكِهة؟ من أين جاؤوا – في ما يتعدّى المودّة التي كانت تطبع العلاقات بينهم في هذه المرحلة الأولى – بهذا الشعور بالتفوّق الذي كانوا يُمدّون به بعضهم بعضاً وينشرونه في أوساطٍ أتيح لهم أن يخالطوها؟ كان لا بدّ للتوصّل إلى هذا من تضافر استثنائيّ لمعطيات بعينها. من ذلك استقلال فرديّ متقدّم كان قد نال من سلطة عائلية زعزع أركانَها كثيراً ما كان جيل الأبناء قد حصده من شعور بالتفوّق وَجَد مرتكزاً له في إعدادٍ جامعي أخذ من التماسك بنصيب وردَفَتْه معرفةٌ يُعتدّ بها بلغةٍ واحدة على الأقلّ من اللغات الأوروبية. وهذه معرفة كانت تمنح صاحبها حقّ الوصول غير المحدود إلى أنظمة غربية لمعرفة المجتمعات ولفهم التاريخ فضلاً عن إتاحتها المشاركة (عبر السينما والأدب والموسيقى، إلخ.) في أذواق وقِيَمٍ يتشكّل منها العالم الثقافي للّغات المشار إليها. مذ ذاك أصبحَت الماركسية هي المكوّن المركزي وهي موقع القيادة في جملة الأنظمة المستنطَقة فسلّمنا بكونها النظام المؤهّل بين الأنظمة الأخرى لفهم تلك الأنظمة وتقويمها. كنّا صغار السنّ ولم يكن إعدادنا حزبيّ المصدر بقدر ما كان جامعيَّهُ فلم نقتنع قطّ بأن الماركسية تبطل ما يقع خارجها. كنّا نراها، بخلاف ذلك، متقوّية بما يغايرها. وهو ما ولّد ميلاً في التنظيم إلى اتّخاذ مرجعيات عدة: الوجودية، التحليل النفسي، البنيوية، إلخ. وهو ما أتاح لنا أيضاً أن نتخيّر أفكاراً وتوجّهات من تيّارات مختلفة في الفكر الماركسي لم يشتهر بعضها بالميل إلى الاعتراف بتوافقٍ ما بينه وبين البعض الآخر. وهو ما حملَنا أخيراً على استبعاد التمثّل الحَصْري بتجربةٍ ثورية معينة، مع العلم أن هذا التمثّل كان شائعاً في تلك الأيام. كنّا ننشر تعاطفنا على مساحات من العالم نحاذر تنظيمها في فكرنا وكانت تشتمل على الصين وعلى كوبا وأميركا اللاتينية وعلى فييتنام وامتدّت، لاحقاً، إلى ربيع 1968 في براغ وفي باريس. وكانت مجلّة “الأزمنة الحديثة”، التي ضمّ إليها قرّاء الإنكليزية منّا مجلّتي “نيو لفت رفيو” و”منثلي رفيو”، قويّة الحضور في العالم الفكري لمثقّفي “لبنان الاشتراكي” ومعها أسماءُ أعلامٍ اقترنت باسمها: من سارتر ودو بوفوار إلى ميرلو بونتي وغورز. ولم نكن نجهل شيئاً من المبارزات التي كانت المجلّة حلبةً لها. زاد من ذلك أن الستالينية ومعسكرات الاعتقال السوفياتية والانتفاضة المجريّة سنة 1956 والثورة الجزائرية ومكان الماركسية من الفكر المعاصر، وهي كلّها موضوعات كانت مثار أشدّ الاهتمام عند مثقّفي “لبنان الاشتراكي”، قد حلّت في موضع القلب من مواجهات الماضي ما بين كامو وسارتر وما بين هذا الأخير ومرلو بونتي وأخيراً ما بين ليفي ستروس وسارتر. كانت هذه السعة في الآفاق ومعها التعدّد الذي ذكرنا في الأطر المرجعية، تظهر في المبادلات  الشفوية ظهورها في الأدبيات المكتوبة (أو هي كانت أكثر ظهوراً في الأولى منها في الأخيرة). فكان ألتوسير يجاور تروتسكي، ولينين يعايش روزا لوكسمبورغ، وغرامشي يخالط ماو في المشافهة، فيما بقيت الأدبيات تبدي بعض الحذر من الخوض في المصادر غير المكرّسة. وكان هذا كله ينمّ بانفتاح ملحوظ لآفاق التفكير ويشي، في الوقت نفسه، بأمرين آخرين أقلّ إيجابية: الأوّل كثرة معالم التفكّك في العالم الذهني ومعه كثير من الانتقائية ومن السحر الذي كان يصدر من هنا أو هناك عن الحكايات الملحمية وعن الصور الأسطورية، والثاني هذا الظلّ من التكلّف أو من التمحّل الذي يميّز أرباب الوصولية الثقافية.

أجدر من هذا بالإشارة أن السباحة في المياه الثقافية الغربية لم تكن ترادف، في الحالة التي نتناول، انقطاعاً عن عالم الأصل. وكان للتربة العائلية فضل كبيرٌ في جعل هذا الإنجاز ممكناً. كان يمكن الاعتماد، في لبنان الستّينات، على كون هذا الاستقطاب بين “الحديث” و”التقليدي” قد غدا ملطّفاً في الممارسة. على أن هذا لم يكن يحول دون حصول الاحتكاك المولّد للشرر ما بين العالمين في ألف موضعٍ وموضع. وإذا نحن شئنا فهماً لما أبديناه من خفّة الحركة على هذا الصعيد، كان علينا الالتفات، مثلاً، إلى أسرة وضّاح من جهة أبيه وأسرة فوّاز من جهة والدته وإلى سمعةٍ باكرة كسَبْتُها في بنت جبيل هي سمعة الفتى الشاعر والتلميذ المجلّي في اللغة العربية، إلخ. ويثير الدهشة عدد من سيصبحون مترجمين محترفين في النواة القيادية الصغيرة لـ”لبنان الاشتراكي” : وأشير هنا، على التخصيص، إلى حسن قبيسي وفوّاز طرابلسي وأشير أيضاً إلى وضّاح شرارة وإلى نفسي. فوق ذلك، ألّفنا، أنا ووضّاح، كتباً باللغتين العربية والفرنسية. والمعلوم أن الناطقين بالفرنسية والناطقين بالإنكليزية وفيرو العديد في لبنان. وأما من يتوصّلون إلى فرض أنفسهم على أنهم منشئون ذوو كفاءة في لغة الأمّ وفي إحدى اللغات الأوروبية معاً فهم من الندرة بمكان. ولا يخلو توفّرهم المركّز هذا في النواة الصغيرة لـ”لبنان الاشتراكي” من إشارةٍ إلى الصورة الطموحة التي كانت هذه المجموعة الوليدة تراها لمكانها على رقعة السياسة اللبنانية وللدور الذي كانت مدعوّة إلى الاضطلاع به، بحسب مؤسّسيها. فالحال أن هذه السمة الخاصّة، إذا قُرنت بأخرى سبق التنويه بها، كانت تؤيّد “الندرة” النسبية المميّزة إذ ذاك للعناصر القيادية في المجموعة.

عليّ أن أشدّد أيضاً على تنوّع الأوساط التي كان البعض من عناصر النواة القيادية قد خالطوها. فهم، وقد ناهزوا الخامسة والعشرين من أعمارهم في ذلك الحين، كانوا قد أقاموا في القرى. وكانوا قد أمضوا أعواماً دراسية في مدارس داخلية ذات ألوان طائفية مغايرة لألوان منابتهم. وكانوا قد أقاموا في بيروت أيضاً وخالطوا في جامعات العاصمة، لا اللبنانيين الموزّعي الولاء جدّاً وحسب، بل العرب الشبّان الشديدي التسيّس غالباً القادمين من أقطار بعيدة بعد تونس أو اليمن أيضاً. وكان بعضهم قد زاول التدريس في مدارس متباعدة إلى هذا الحدّ أو ذاك واكتسبوا من ذلك أُلْفةً لغير منطقة من مناطق لبنان. كانت هناك أيضاً أعوام الإقامة الدراسية الكلّية الطوبى في الخارج: في مانشستر أو في ليون أو في باريس. ومن هناك كان هؤلاء الأفراد قد سافروا فاطّلعوا على بلاد وبشر وزاروا متاحف، إلخ. وبخلاف التمكّن المتساوي (أو شبه المتساوي) من لغتين، لم يكن هذا التجوال، بما يتيح جَنْيَه من غلالٍ ولا هذه الفرص لإرهاف الحسّ وزيادة الخبرة بالغير، على انحصارهما في القلة، بالشيء النادر الحصول حقّاً لأولاد الأسر البرجوازية الصغيرة في لبنان، ناهيك بأولاد الأثرياء. وهما لم يكونا نادري الحصول أيضاً، إذا ضربنا صفحاً عن المنبت الطبقي، لفتيان عرفوا كيف يقرنون حدّة الذهن والمثابرة بفرصةٍ سنحت لهم.

وعلى كون هؤلاء المناضلين الشبّان لم يضربوا حجاباً دون من أراد لقاءهم وكانوا على جانب من التواضع ومن الاستعداد للخدمة، فإن صورتهم عن أنفسهم، وقد حصّلوها من مسارات شخصية متقاربة نوعاً ما، كانت منطوية على تقديرٍ رفيع لأنفسهم يصل إلى حدّ الشعور الواضح بضربٍ من التفوّق. فهل كانوا متفوّقين فعلاً على صعيد النظرية أو – على الأعمّ – على صعيد الثقافة؟ نجيب بـ”نعم” إذا نحن قارنّا إنتاجهم وتنوّع الحقول التي كان يشتمل عليها فضولهم بفقر الدم الذي كان يسم كلام الحزب الشيوعي اللبناني وبتشنّج لم يكن يخلو من تعبير جسدي ميّز هذا أو ذاك من أركان الحزب في حركاته وسكناته. ونجيب بـ”لا” إذا اعتبَرْنا بالفشل الواضح الذي لازم جهد المجموعة للعثورعلى مدخل إلى نسيج الوقائع اللبنانية من اجتماعية وسياسية وبالعزلة التي لازمت الجماعة عن المسرح السياسي اللبناني باستثناء ما حاولت إنشاءه من علاقاتٍ مع مجموعاتٍ صغيرة أو عناصرَ منشقّة أخرى حتى سنة 1969. فعلى الرغم من جهدٍ فكري تناول مسألة التحالفات من منطلقٍ منسوب إلى اللينينية، كانت الجماعة حابسة نفسها في حذرٍ دائم من تشكيلات اليسار “التقليدي” القائمة (ودعك من غيرها) وهو ما كان يثير حفيظة هذه التشكيلات ويجعل قبول “لبنان الاشتراكي” (الهزيل الحضور، فوق ذلك، في مواقع العمل) في أطر التعبئة المشتركة قريباً إلى المحال. وأما الأقرب إلى الواقع فهو، على ما يبدو لي، افتراض نوع من التفوّق النفسي للأفراد، أعضاء المجموعة. وهذا شعور كانت قلّة الفاعلية شرطاً له. كان التفوّق ناجماً (بخلاف ما يتقبّله نوع من أنواع الماركسية) من شعور قوي بالقيام بالذات راح يوطّده إعجاب من كانوا أحدث سنّاً من بين الرفاق أو كانوا أقلّ اقتداراً في مضمار التحليل السياسي الاجتماعي. فمن حيث الأساس، كان التنظيم، من جهة مؤسسيه، سبيلاً إلى الانعتاق أو تحرير الذات.

ويكفي مصداقاً لذلك تفحّص النصوص المنتجة. فنلحظ فيها من النظرة الأولى ازدراءً غريباً للمنجزات الماديّة وللمكاسب الاجتماعية الاقتصادية التي تتّخذ موضوعاً للمطالبة والنضال. فما هو جوهري، في عُرف المجموعة، إنما هو التقدّم الذي يتحقق بالنضال في الوعي السياسي. وما ينبغي طلبه إنما هو تسييس النضال والمناضلين، تسييس الجمهور أو الجماعة المنخرطة في الحركة. وما عدا ذلك يبقى أقلّ أهمّية أو هو عارٍ من كلّ أهمية. بل إنه قد يكون أولى بأن يُجْتنب إذ قد ينجم عنه وعيٌ منحرف للموقف الإجمالي. وفي كلّ حال، يُفْترض أن يتحصّل تقدّم الوعي السياسي عَبْر صِيَغٍ من التنظيم القاعديّ تنشئ علاقةً جدلية ما بين المناضلين المسيّسين والجماعة المعنية أو الوسط المعنيّ بالنضال. فيمارِس هذا أو تلك، عَبْر الصيغ المشار إليها، حقّهما في التعبير الحرّ، على الأقلّ، إذا فاتتهما المبادرة الحرّة، ويبقى لهما، أيّاً كان الأمر، حقّ الرقابة الديمقراطية على القرارات التي تتّخذها القيادة. على هذا اقتُرحت صيغة “اللجان” لتنظيم النضال الطلابي ولتنمية الدعم الشعبي للمقاومة الفلسطينية، سواءً بسواء…

كان مراد “لبنان الاشتراكي” أن يلزم ماركسيّة ماركس ولم يكن يتردّد في التنويه بما كان آخرون قد ذكّروا به وهو أن ماركس صرّح، في أواخر أيّامه، بأنه ليس ماركسياً. وكانت تلك علامةً من علامات حرصٍ (ضمنيّ، في الأقلّ) اتّسمت به عقلية المجموعة وهو الحرص على استبعاد الاعتقاد بالحتمية باعتباره اعتقاداً يطبع العمليّات العقلية بل يطبع طريقة التفكير برمّتها أيضاً. وأذكر أن رفاقي في حلقة النبعة استهجنوا مني التصريح بأن المادية العلمية وجدلية الطبيعة إنما هما إضافتان متأخرتان إلى العقيدة أضافهما إنجلز ولم يكن ماركس ليقرّهما، على الأرجح. وقد أوصل الاستياء واحداً من الرفاق إلى حدّ مقاطعة الاجتماعات مقاطعةً نهائية بعد أن اتّهم “الرفيق المسؤول” ببذر الشقاق بين الأبوين المؤسّسين.

وقد كان الجهد المتّصل للتنديد بالمواقف السياسية النظرية التي كان يتّخذها الحزب الشيوعي اللبناني هو الطريق الإلزامي إلى ما سمّي “تجديد اليسار”. والواقع أن عمل التقويض الذي كان يفترض أن يتوجّه إلى العدو الطبقي الموصوف (أي إلى “اليمين” اللبناني وإلى الأنظمة العربية الموسومة بـ”الرجعية” وإلى الإمبريالية الغربية) لم تكن آثاره تصل إلى هذا العدوّ إلا بعد أن يكون قد استنفد جلّ قواه في الهجمات على اليسار اللبناني وعلى التشكيلات القومية العربية: على جنبلاط والشهابية وعلى الأنظمة العربية المنسوبة إلى “التقدمية” وعلى الخطّ السياسي الأممي للاتّحاد السوفياتي أخيراً لا آخراً. والحال أن تلك الأهداف كانت تمثّل مجموعاً متراتباً لم يكن يخلو من تماسك. وكان يستمدّ اللحمة الجامعة لأطرافه من العقيدة السوفياتية القائلة بالطابع التقدّمي للبرجوازية الوطنية في أقطار العالم الثالث التي تمكنت من التحرّر من القبضة المباشرة للإمبريالية.

لا جدوى من التوسّع في أمر المآخذ التي كان “لبنان الاشتراكي” يأخذها على الحزب الشيوعي أو في أمر العناية النقدية التي أولاها للتطوّر السياسي لحركة القوميين العرب أو في أمر الجهود التي بذلها لتحديد الموقع الطبقي للسياسة الشهابية ولمكوّنها الجنبلاطي على الخصوص: وهو المكوّن الذي كان يُلزم الحركة الشعبية بموقف الحدّ الأدنى وينشر في صفوفها اضطراباً مؤذياً. وإنما الأمثل، في ما نرى، أن نُبرز ههنا سمةً أخرى من سمات المشروع الذي مثّله “لبنان الاشتراكي” وهي السمة التي تفسّر، جزئيّاً على الأقلّ، هذه الأفضلية التي منحها لنقد الأقربين. ذاك هو هاجس “التميّز”، تميّز المجموعة الذي كانت هذه الأخيرة بالغة الحرص عليه. ففي أقلّ الموضوعات خطراً وأكثرها نثرية كان “لبنان الاشتراكي” يبقى شديد العناية بالخروج على الشائع أو بالوقوف على حدة في تحديده موقفه. يستوي في ذلك ما كان انفراداً عن الحزب الشيوعي، بطبيعة الحال، وما كان افتراقاً عن سائر الأطراف الماثلة في الميدان. وحين كان المسؤول عن حلقة ما يُخفق في إبراز هذا الاختلاف لموقف المجموعة من مسألة مطروحة، كان يغامر بالتعرّض إلى السؤال المحتوم: “ولكن… أين تميّزنا، يا رفيق!؟”

يسعنا الافتراض، على ما يزيّن لي، أن هذا “التميّز” المستولي على صورة التنظيم لنفسه جملةً كان ينتقل، بعد تأسيسه وحدة التنظيم، إلى الأفراد المشكّلين لهذا الأخير. فكان يسهم في بلورة فرديتهم. كانت المجموعة، بضآلة حجمها وبالاسترخاء الذي كان يسودها وبالشعور بأن “خطّ” التنظيم لا يزال في قيد التكوين، تستجمع سماتها هذه لتحصيل هذه النتيجة، وهي مختلفة جدّاً، في الواقع، عمّا تنتهي إليه الفردية في التشكيلات الكبيرة التي يجد فيها التشنّج الأيدلوجي صداه في مناخ التسلّط والانضباط.

ما الذي كان هذا التفريد بواسطة الجماعة يترجمه في وضع النواة المؤسسة لـ”لبنان الاشتراكي”؟ رسمنا بخطوط عريضة صورة الانتماءات الأصلية لهذه الحفنة من الشبّان الذين حوّلوا أنفسهم إلى مجموعةٍ سياسية في بيروت في غضون السنوات الثلاث أو الأربع التي سبقت حرب 1967. في نصّ عنوانه “موادّ من أجل برنامج” أُلْحِق بالعدد العاشر من النشرة الصادر في آذار 1968، يصوغ “لبنان الاشتراكي” بعربية صريحة رأياً كانت نصوص سابقة لا تجاوز أن تشي به من قريب أو من بعيد: وهو أن النظام الاجتماعي السياسي القائم في لبنان، إذا هو قُرِن بالمعطيات الأساسية المتعلّقة باقتصاد البلاد وبدور القطاع الخارجي منه وأهميّته، على الخصوص، يستبعد أفق الثورة الاجتماعية في هذه البلاد طالما بقيت غلبة الاشتراكية على مقاليد السلطة في المحيط العربي غير متحقّقة. بعد أن يدلي الكاتب بهذا الاعتراف، يستعجل القول بوجود مهمّاتِ تنظيمٍ ديمقراطي للنضال يمكن اقتراحها ومهمّاتِ “توعيةٍ” للجماهير: يملي ذلك كلّه أن الحزب الشيوعي (ومن سواه يُلام؟) لا يستنفد إمكانات العمل المتاحة ليسارٍ خليق بهذا الاسم. في هذا السياق الذي بدا فيه ثوريو التنظيم محرومين من إمكان القيام بثورتهم، كان المشروع أقرب إلى استمداد شرعيته من إسهامه في إدراج القائمين به في أوساطٍ كان حضورهم فيها موضع اعتراض وكان موقعهم فيها موضع جدل منه إلى استمدادها من دورٍ سياسي موضوعي يُدعى هؤلاء إلى الاضطلاع به. على الصعيد المباشر، كان الانتماء إلى هذه المجموعة المقيمة على جفاءٍ لكلّ أنواع السلطة الماثلة حولها والمعادية من أعماقها للتسويات – بالرغم من الزعم المخالف في النصوص – يبدو أقرب شيء إلى الثأر من الاستلاب الذي كانت تفرضه على الأعضاء أنشطتهم المهنية (بما هم مدرّسون أو صحافيون) من أمور مخالفة لتوجّهاتهم العقلية والخلقية. وعلى مستوى أعمق، كانت المجموعة تشكّل ردّاً موائماً لقابليات الأعضاء على النَبْذ الذي كانوا يجدون أنفسهم غرضاً له من جانب مدينة هي بيروت بقيت بِناها المولّدة للسلطة مغلقةً إغلاقاً محكماً في وجوههم. في وجه هذه المدينة، رَفَعت المجموعة رمزيّاً سبّابة الماركسية الثورية المتوعّدة. وهو ما كان يتيح لهؤلاء المثقّفين أن يجبهوا رفض المدينة المعاندة لا بموقف الاستعطاف لا ولا بموقف الإغراء أيضاً بل بما هو خلاف ذلك اي بنظرةٍ ملؤها الازدراء لأسلوب الحياة الذي تعرضه ولنمط أدائها لوظائفها ولجداول قيمها. ذاك هو ما سبق أن سمّيناه مشروع “تحرير الذات” منظوراً إليه في مرآة العلاقة بالمدينة.

على أن هذا الموقف النافر لم يكن له أن يصمد لولا دفعة صغار السنّ الذين كانوا يعْمُرون الحلقات تحت أنظار الحفنة الودودة من أركان المجموعة. كانت الغالبية العظمى من الرفاق الفتيان تلفت برتابة موائلها: فجمهرتهم كانت، وقد أشرنا إلى ذلك، من شيعة الجنوب. وكان دورهم في التنظيم متعدّد الوجوه. فقد كان عليهم أن يعدّوا أنفسهم باستيعاب ما كان يظهر في النشرة من تحليل، يضاف إلى ذلك بعض الأمّهات من أعمال ماركس ولينين خصوصاً. وكان عليهم أيضاً أن يكسبوا عناصر جديدة. وفي هذا السياق الأخير، كان دورهم يُقتصر، إجمالاً، على تمهيد السبل ثم على تأمين انعقاد الصلة بين العنصر “الاتّصال” والمسؤول عن الحلقة. أخيراً، كان على الرفاق التدخّل، على قدر المستطاع، في الأعمال النضالية، الحاصلة أو المحتملة، التي كان يمكن أن يشهدها الوسط الذي يعملون فيه أو الحيّ الذي يقيمون فيه. كان يُطلب إليهم، بطبيعة الحال، أن يتعهدوا علاقاتهم، في هذا النطاق، ليزيدوا من تأثيرهم في مجرى العمل في اتّجاه تسييس النضال وتحسين تنظيمه، بالتالي، والوصول بالمعنيّين إلى مستوىً من الوعي أرفع. وعلى الإجمال، كان عمل الإعداد السياسي هو اللون الغالب بين ألوان هذه اللوحة.

والواقع أن هذه الوجوه الظاهرة لعمل الحلقة لم تكن تستنفد وظيفة هذه الأخيرة. فقد كان لهذه الوظيفة أيضاً وجه ذاتيّ مزدوج. فمن جهة المنتسبين الفتيان، كان الانتماء إلى المجموعة يتيح، فضلاً عن الشعور بنوع من المرجعية في وسطهم المباشر، اقتناعاً بالإسهام في مشروعٍ موعود، عَبْر مخاطرَ مفروضةٍ وتضحياتٍ لا بدّ منها، بمستقبلٍ عظيم، ويضع المشتركين فيه من اليوم في وضع انتماءٍ رمزي إلى جميع تلك الدوائر التي كان يُصْنع فيها مستقبلٌ مجيد للعالم. وكان لزوم السرّية التي اعتُبِرت فرضاً ولو ان الطعن في الفائدة العملية منها بقي ممكناً، يسهم في إدامة هذه القناعة. ومن جهة النَواة القيادية، كانت الحلقات لازمةً، بلا ريب، لإيجاد ركيزة للمشروع وإثبات جدّيته. كانت هي مواقعَ اختبار الخطّ المقترح وتركيز النفوذ المفترض للأفكار المقدّمة. وكانت هي، على الأخصّ، مساحةَ التماسّ ما بين التنظيم و”الجماهير”، وهو تماسّ ندر أن حصل ولكنه بقي مأمولاً. بهذه المثابة، كانت الحلقات تجنّب منتجي التحليل والتوجيه في المجموعة مغبّة الشعور بأن كلامهم كان يتبدّد في الهواء. وأما السؤال عمّا إذا كانت النتائج المحصّلة موعودةً بأن تصبح، ذات يوم، ذات قرابة بطموح الأهداف فكان سؤالاً لا يتعذّر إرجاؤه أو الإعراض عنه.

… إلى أن جاءت هزيمة 1967 فأدخلت بالتدريج تحدّياتٍ جديدة إلى عالم المجموعة. وهو عالم كان، حتى ذلك الحين، هادئاً وكانت إدارته سهلةً نسبياً. سرعان ما تحوّلت الثانويات الرسمية والجامعات إلى بؤر للنشاط “القومي”. ومنذ الأشهر الأولى من سنة 1968، أعلن “لبنان الاشتراكي” تأييده الكفاح المسلّح الذي بدأت المنظّمات الفلسطينية تخوضه عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية. بعد ذلك بأشهر، نَقَع على مقالةٍ في النشرة تندّد بانكفاء المتظاهرين المؤيّدين للعمل الفلسطيني استجابةً لمزايدة لفظية من جهة رئيس الحكومة. وكان النشاط الفلسطيني قد أثار، في حينه، صداماتٍ بقيت محدودة بين المنظّمات والجيش. ولكن مسألة الدعم المحسوس للعمل الفلسطيني المسلح تضاعف إلحاحها ابتداءً من النصف الثاني من العالم 1968 وذلك عندما راح الفدائيون ينتشرون نحو الغرب متخطّين منطقة العرقوب القريبة من الحدود السورية وكانوا قد حصروا تمركزهم فيها إلى ذلك الحين. إذ ذاك راحت التظاهرات المؤيّدة للفلسطينيين ترفع شعارات من قبيل تسليح الأهالي في الجنوب وتحصين القرى وإنشاء الملاجئ وإقرار الخدمة العسكرية الإلزامية… وقد بدا “لبنان الاشتراكي” قليل الحماسة لهذه المطالب التي لاحظ أنها تتوجّه إلى الحكومة. ولمّا كان التوجّه إلى الشعب هو المطلوب فقد أطلقت المجموعة فكرةً بديلة هي فكرة “اللجان الشعبية” المساندة للعمل الفلسطيني. وكانت مهمّة هذه اللجان أن تساعد الفدائيين فتؤمّن لهم الحماية والمخابئ للسلاح والمعلومات، إلخ. وكان إنشاء التحصينات والملاجئ انطلاقاً من هذه الصيغة للعلاقات بين الأهالي والمنظمات الفلسطينية والمناضلين اللبنانيين المؤيدين للكفاح الفلسطيني يصبح، بطبيعة الحال، موضوعاً لتقويم إيجابي. ولمّا كان عديد العناصر المنتمين إلى المجموعة قليلاً جدّاً في المنطقة الحدودية (أربعة عناصر أو خمسة، في أرجح الظن) وبالنظر أيضاً إلى الصعوبات الناجمة من طبيعة المهمّة المطروحة، فإن جهود المجموعة، في هذا المضمار، كانت قد أفضت بعد سنة من الزمن إلى نتائج زهيدة. هذا مع أن الرفاق لم يكونوا ادّخروا جهداً وكانوا قد أنشأوا صلات منتظمة مع ممثّلين للمنظمات الفلسطينية ومع مناضلين في تشكيلات لبنانية أخرى. والحقّ أن تحليل المجموعة للوضع القائم حينذاك في الجنوب الحدودي كان قد أدرك المشكل الأساسي فيه: وهو أن نشاط الفدائيين سيجرّ أعمالاً انتقامية إسرائيلية تثير نقمة الأهالي على الفدائيين. ولم تكن علامات التعاطف التي أبداها اللبنانيون الحدوديون حيال المقاتلين الفلسطينيين حائلةً دون هذا التطوّر قطعاً. لم تكن الصيغة المركّزة على “اللجان الشعبية”، وقد صدرت من جانب مثقّفين كان لأكثرهم أهلٌ في الجنوب، إلا مسكّناً. كان هؤلاء المثقفون الذين اكتشفوا “المجتمعات” غداة انفصال الوحدة المصرية السورية يضحّون الآن بواحدٍ من هذه المجتمعات. ولم يكن هذا المجتمع غير مجتمعهم هم الذي كانوا قد جهدوا لتدريب أنفسهم على الإصغاء إليه. صحيحٌ أنهم لم يكونوا يقدرون العامل الطائفي حقّ قدره فلم يتنبّؤوا صراحةً بصَدْعٍ يساير الخطّ التقليدي. ولكن كان يسعهم مذ ذاك أن يتبيّنوا تنامي المشاعر المعادية للفلسطينيين ومعها التفافٌ حول الجيش في سعيه إلى الحؤول دون توسّع الانتشار الفدائي. لم يكن هذا الالتفاف إجماعياً ولكن الصَدْع بدأ يرتسم على نحو مخالفٍ للترسيمة الطبقية المشتهاة إذ كان الأشدّ فقراً هم الأكثر تعرّضاً للخطر وهم الأشدّ عداءً، بالتالي، للقضية “العادلة”. في هذا السياق، وسع “لبنان الاشتراكي” أن يحذو حذو غيره فيلوك الكلام المتعلّق بـ”العداء للإمبريالية” بما هو عداءٌ مشترك بين الشعبين اللبناني والفلسطيني والكلام المتعلّق بإسرائيل بما هي “رأس الجسر” للإمبريالية… كان “التحليل الملموس للواقع الملموس”، وهو الذي أوصى به لينين وكان التنظيم بالِغَ التعلّق به، يشير إلى ضعف الطاقة التعبوية التي كان ينطوي عليها، في حبكة الظروف القائمة فعلاً، هذا الاشتراك في قضية واحدة.

والواقع أن التنظيم كان قد عُني بتخليص خيوط الدور الفلسطيني من خيوط الدور اللبناني في الميدان. كان يوصي بدعم العمل الفلسطيني المسلّح ولكنه كان يلازم القول بوجود أهداف للّبنانيين تخصّهم وحدهم وعليهم أن يسعوا إليها وليس عليهم أن ينخرطوا في النضال المسلّح. وفي نطاق البلاد العربية، كانت المهمّة التي رآها ” لبنان الاشتراكي” سابقةً للجوء إلى العنف الثوري هي مهمّة “بناء الحزب الثوري”. كان الاعتراف قائماً بضرورة اللجوء إلى العنف في نهاية المطاف. ولكن بدا أن حلول هذه الضرورة، في ما يتّصل بلبنان، مرجأٌ إلى أجل غير مسمّى وأن ظهور السلاح الفلسطيني ليس بالعامل الكافي لإدراجها في جدول الأعمال.

حسّياً كانت المجموعة في مأزق. فإن التطوّرات السياسية التي نشأت من تمدّد الحضور الفلسطيني في المنطقة الحدودية وكذلك في مخيمات اللاجئين وفي محيطها المديني ومعها تسارع عملّيات المقاومة وما كان يتبعها من ضربات إسرائيلية كانت تنشئ كلّها في البلاد مناخاً مختلفاً عن مناخ أواسط الستينات، وهو المناخ الذي كانت تكفي فيه حركة إضرابية يمكن وصفها بالمحدودة لتُمثّل تغييراً في وضع الخَدَر الاجتماعي والسياسي الذي ميّز السنوات الأخيرة من عهد فؤاد شهاب. وأما الآن فأخذ يسيطر على البلاد بالتدريج نوع من الاستعجال الذي راح يمثّل امتحاناً عسيراً لـ”أسلوب العيش” الذي اعتمده “لبنان الاشتراكي” وكان يقوم على تدبيج التحليلات وتنشئة الشبّان المناضلين والمبادرات الضئيلة النطاق في بعض المدارس أو الكليات أو الأحياء. كان ذلك كلّه يتسبب في شعورٍ منهِكٍ بضيق الأنفاس وبالإخفاق في التكيّف بحبكة ظروفٍ اتّسمت بتسارع التاريخ.

كان “تحرير الذات” الذي أتاح الشعور به صوغُ خطٍّ يزعم لنفسه الصحة والنقدُ المتعجرف للحزب الشيوعي ولغيره من نسل “البرجوازية الوطنية” و”الطريق السلمي إلى الاشتراكية”، فضلاً عن التوصية باتّخاذ أهداف ذات مردود سياسي وأساليب في النضال والتنظيم ذات مفاعيل تربوية محرّرة… كان هذا كلّه ينقلب الآن إلى شعور بالعجز وبالافتقار إلى الكفاءة للتأثير في مجرى الأحداث الحاسمة التي كانت تتوالى. عاد نشاط المجموعة غير قادرٍ على الاستواء ترياقاً للاستلاب المتمثّل في المزاولة اليومية للمهنة. باتَ هذا  النشاط أقربَ إلى أن يكون مصدراً لوعيٍ شقيّ. كانت النفوس تَثْقُل لمرأى التنظيم في عزلته وفي شبه الشلل الذي حَكَم عليه به لزومه لأسلوبه في العيش.

وما تشي به على الخصوص مطالعة التقارير الواردة من “الرفاق” في الجنوب والتحليلات المكرّسة للعلاقات اللبنانية الفلسطينية أن التنظيم كان عاجزاً عملياً عن الدخول في تحالف. فالواقع أنه كان – على ماسبقت الإشارة إليه – يشكو نفوراً غريزياً من التسويات، وهذا على الرغم من تصريحات تفيد غير ذلك. ولسوف يتبين أن هذا النفور طويل النفس. ففي سنة 1970، أجرى “لبنان الاشتراكي” اندماجاً مع الجناح اليساري من حركة القوميين العرب اللبنانية. كان عديد هذا التشكيل يبلغ خمسة أمثال “لبنان الاشتراكي” (الذي كان عدد أعضائه يراوح حول الخمسين) أو يبلغ ستة أمثاله. وكان التشكيل المذكور قد اعتمد أطروحات بلغت من القرب من أطروحات “لبنان الاشتراكي” مبلغاً جعل القول بالانتحال غير بعيد عن الصواب. وكان قد أطلق على نفسه اسم “منظّمة الاشتراكيين اللبنانيين”. ولقد أُبْرم الاندماج في “مؤتمرٍ” انعقد في نيسان 1971 بعد شهور من الإعداد ومن التحرير المشترك لأسبوعية “الحرّية”. هذه الأسبوعية، وهي الناطقة التاريخية باسم “حركة القوميين العرب”، كانت قد أصبحت إذ ذاك تحت تصرّف “منظمة الاشتراكيين اللبنانيين” وكان لها وضع قانوني تامّ الشرعية وجمهرةُ قرّاءٍ بقيت متواضعة ولكنها كانت أكبرَ بكثيرٍ من الجمهور الذي كانت تصل إليه نشرة “لبنان الاشتراكي” السرّية. عليه مثّلت “الحرّية” إغراءً معتبراً لمثقّفي “لبنان الاشتراكي”. ومن المؤتمر وُلدت “منظمة العمل الشيوعي في لبنان”. ولم يلبث التغيير في المناخ وفي المهمّات الذي أملاه حجم المنظّمة الجديدة ومعه اختلاف الأوّليات بين مناضلي المجموعتين واختلاف تصوّر العمل السياسي بين الأُطُر الذين أصبحوا يعملون معاً في الهيئات القيادية للمنظمة الجديدة أن أخذت تُبرز الطابع الوهمي للاندماج. هكذا راحت “منظمة العمل الشيوعي” تنتقل من أزمة إلى أزمة (وهو ما لم يحُلْ دون تضخّم صفوفها وقدرتها على التعبئة) إلى أن أدركها الانشقاق، في ربيع سنة 1973، إلى شطرين شبه متساويين من حيث الحجم. وكان عديدها يبلغ، في ذلك الوقت، نحواً من 700 عضو. وكانت إحدى الكتلتين تضمّ جميع العناصر القادمة من “لبنان الاشتراكي” على وجه التقريب، أو، على الأصحّ، من لم يكن قد ذهب بهم انشقاقٌ سابق تبع المؤتمر عن كثب. وفي غضون سنة تقريباً، انتهى هذا الجناح الذي كان قد أفصح أخيراً عن اعتماده الماوية، إلى الخروج من حيّز الوجود. وأما الجناح الآخر فصمد وقيّض له الانخراط في الحرب الأهلية. ومن حيث نحن اليوم، يسَعُنا القولُ إن “لبنان الاشتراكي”، بعد أن ضَجِر من الإقامة في المَأْزِق الذي حَبَسَه فيه تصوّرُه الطَموحُ لنفسه، قد أقدَمَ على الانتحار، حوالي سنة 1970، بإلقاء نفسه في ما سمّي لاحقاً “منظّمة العمل الشيوعي”.

 

المصادر

إشتراكيون لبنانيّون: العمل الاشتراكي وتناقضات الوضع اللبناني، دار الطليعة، بيروت 1969.

وضّاح شرارة: “الرفاق”، في: استئناف البدء، دار الحداثة، بيروت 1981.

فوّاز طرابلسي: صورة الفتى بالأحمر، منشورات رياض الريّس، لندن – بيروت 1997.

لبنان الاشتراكي: مجموعة شبه كاملة لأعداد نشرة لبنان الاشتراكي ومعها نشرات ووثائق أخرى أصدرها هذا التنظيم بين عامي 1964 و 1970. مجموعة في مجلّدين، محفوظات أحمد بيضون.

Fadi A. Bardawil: When All this Revolution Melts into Air: The Disenchantment of Levantine Marxist Intellectuals, Submitted in partial fulfillment of the Requirements for the degree of Doctor of Philosophy in the Graduate School of Arts and Sciences, Columbia University 2010.

 

Agnès Favier: Logiques de l’Engagement et Modes de Contestation au Liban (Genèse et Éclatement d’une Génération de Militants Intellectuels), Thèse, ss. dir. d’Yves Schmeil, Université de Paul Cézanne, Aix-Marseille 3, 2004.

 

 

 

[1]  ورقة قدّمت في ندوة بعنوان “أجيالٌ عربية” نظّمتها مؤسسة هوغو التابعة للكوليج دو فرانس وكرسي التاريخ المعاصر للعالم العربي في الكوليج دو فرانس ومؤسسة مولاي هشام العلوي وذلك في باريس، في حزيران 2012.

نازك سابا يارد عن “دفتر الفسبكة”

أحمد بيضون ساخراً بلغة فايسبوكية
نازك سابا يارد
الأحد ٢٢ ديسمبر٢٠١٣، جريدة الحياة

من تعوّد على قراءة أبحاث أحمد بيضون الجدية، الموضوعية، العميقة إلى أقصى الحدود، إن في السياسة أو المجتمع أو اللغة، في كتبه مثل «ما علمتم وذقتم»، «كلمن»، «الجمهورية المتقطعة» أو «لبنان: الإصلاح المردود والخراب المنشود» وغيرها وغيرها، يرى في «دفتر الفسبكة» وجهاً آخر لأحمد بيضون، لا يقلّ عن وجهه المعهود عمقاً، إلا أنه ممهور هذه المرّة بفكاهة وخفة روح، ولو امتزجتا بما عهدنا من فكر جدي رصين.

ككل باحث جدي يستهلّ كتابه بإظهار أهمية الموضوع الذي يتناوله: فبالفايسبوك نتعرّف إلى نواح كثيرة من شخصية الفايسبوكي، ويكون الفايسبوك بمثابة إذاعة شخصية، فضلاً عن أنه يكسر عزلة الإنسان ويزيد من ثقته بنفسه، أو العكس، لأنه يكوّن جماعات حول قضية معيّنة يدور السجال بينهم على مواقعه، فيتجلى من خلالها مدى نفوذ كل منهم.

نرى خفة الروح أول ما نرى في العنوان: «دفتر الفسبكة»، وكثيراً ما سُئلت عن المقصود بهذه اللفظة الغريبة حين ذكرت الكتاب. فإن دلّت على شيء فعلى تمكن الكاتب من التصرف بألفاظ اللغة التي يتقنها خير إتقان، من اشتقاق أو ابتكار أو صهر ألفاظ أجنبية بلفظة عربية، فيبتكر كلمات جديدة تفي بغرضه. وها نحن هنا الآن أمام «الفايسبوك» وما اشتقّ بيضون من اللفظة بعد تحويلها إلى كلمة «عربية».

من هذا القبيل اشتقاقه «الفسبكة» أو «الفايسبوكي» و «الفرند» أو «الصاحب» التي وجدها أنسب من «صديق» التي لا تكون في وضعها هنا. كذلك يستخدم المصطلح الإنكليزي محوّلاً إياه إلى لفظة عربية، مثل «يسيّف» و «يدلّت» و «تشات» و «المسدجات» ((save,delete,chat, messages. ولكنه بتمكنه من اللغة يقترح أحياناً لفظة عربية لترجمة اللفظة الإنكليزية. مثلاً، بدلاً من «ملاحظة» و «ملاحظات» المستخدمة يقترح «فائدة»، «فوائد»، أو «نبذة»، «نُبذ» لترجمة note, notes (ص192). ولا نرى براعته اللغوية في هذا وحده، ففي أحد «مسدجاته» يحاكي أسلوب بديع الزمان الهمذاني في مقاماته ناطقاً باسم راويته عيسى بن هشام فيستخدم «ابو الفتح الفايسبوكي»، راوية أحمد بيضون، أسلوب الهمذاني المسجّع عينه في حواره. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، لا يكتفي الكاتب بمحاكاة الهمذاني، وإنما يضمن «مسدجاته» إشارات كثيرة إلى التاريخ القديم (ص95-96، مثلاً) والأدب الأجنبي، ولا سيما العربي (ص102،110،111،127،147) وقد يحلله (ص149) أو ينقده كنقده نقداً عروضياً بيتاً من أبيات دالية أبي العلاء المعري (ص113-115) أو تحليله بعض ابيات السياب في رائعته «أنشودة المطر» (ص149-150).

غير أن بعض «مسدجاته» يتعلّق بقضايا شخصية كحزنه على غياب أستاذه المستشرق الكبير دومينيك شوفالييه الذي آلمه ألا يكون قد ذكره أحد من طلابه الذين كان له عليهم فضل كبير؛ ولا تغيب عنه ذكرى اغتيال المفكر الحر سمير قصير، أو صديقه القديم نصير الأسعد وفراقه، أو ألمه وإعجابه بوسام الحسن الذي اغتيل نتيجة شجاعته وصدقه في قيامه بواجبه بفضح العملاء.

من هذا يتضح أن الكاتب لا يفصل تأملاته ومواقفه الشخصية عما يحيط به. تعبّر مراسلاته، في ما تعبّر، عن انتقاده الانحطاط الثقافي في العالم العربي. تعليقاً على «تطيير» رأس كل من الأديبين الأعميين، أبي العلاء في المعرّة وطه حسين في المنيا، يقول: «في وحدة حالهما اليوم إشارة إلى وحدة الحال المستشرية بين المحيط والخليج… العمى الآخذ في التوسع… لا يقوى على تحمّل هذين البصيرين… لا يقوى على تحمّل من كان أعمى البصر، في حالتيهما، سخرية حارقة من عمى البصائر المنتشر». (ص163) وهو يرى أن من اسباب ذلك أن لا حرية للبحث الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي أو غيره في مجتمعاتنا (ص22).

وفي التفاته إلى مجتمعاتنا يثيره وضع المرأة المشين فيها، فمن خلال مقارنته بين صورتين التقطتا لفتاتين يفرق بينهما نصف قرن، يعرض بيضون للتغيير الذي طرأ على وضع المرأة التي ساهمت دعوة قاسم أمين في تحريرها، ووضعها اليوم «حيث يقضم النقاب بعض ما كان الحجاب استردّه، في العقود الماضية القريبة، من «أراضٍ» في «قارة النساء» كان السفور قد انتزعها قبل ذلك». وهنا لا يكتفي بهذا التعليق، فهو عبر مقارنته بين الصورتين يحلّل تحليلاً دقيقاً ممتعاً التعابير على وجه كل من المرأتين ودلالتها والمشاعر التي يستشفها منهما. (45-46)، وفي التفاته إلى قضية المرأة ينتقد انتقاداً شديداً النواب ورجال الدين الذين رفضوا تجريم الاغتصاب الزوجي (ص47-51). وليس هذا مأخذ الكاتب الوحيد على السياسة ورجالها في لبنان وعلى رجال الدين. يعرض مفصلاً لإفلاس السياسة في لبنان وأسباب ذلك (ص117-119 )، ولانعدام الروح الديموقراطية انعداماً تاماً، فكل من يخالف الآخر في الرأي يُلجأ إلى اغتياله. ومن أهم مآخذه على إفلاس السياسة في لبنان سيادة الفساد و «اندثار دولة القانون… وفقدان الاستقلال الوطني باستتباع مكوّنات الدولة لقوى الخارج» (ص132) من ايران إلى سورية فالسعودية وأميركا… إلخ. ولا يوفّر انتقاده اللاذع أياً من السياسيين، أياّ كان التيار او الحزب الذي ينتمون إليه. ففي سخرية فكهة من تعاون عون و «حزب الله» يقول: «بعد هذه العشرة الطويلة للشيعة، من يجرؤ على الاعتقاد أن العِماد الرئيس لا يسعى إلى توريث «شعب لبنان العظيم» لصهره الإمام باسيل؟» (ص142) وكأن تحالف عون مع «حزب الله» كان ليضمن لنفسه، أو لصهره، رئاسة الجمهورية حين تنتهي مدة الرئيس الحالي.

وفي صفحات كثيرة يهاجم الطائفية والتعصب والتطرّف والدعاة المزعومين الذين يغلطون في النحو والصرف وفي القرآن والحديث… وقد يكون أكثر ما أثار سخرية الكاتب قانون «مضاجعة الوداع» الذي يراد طرحه على مجلس النواب المصري، قانون يجيز للزوج ان يضاجع زوجته الميتة في غضون ست ساعات بعد وفاتها…

أما في ما يتعلّق بالأحزاب الدينية/السياسية، فينتقد بيضون «حزب الله» لتدخله في حرب سورية، وينتقد أيضاً في صفحات كثيرة، غيره من أنصار النظام السوري، بمقدار انتقاده معارضي ذلك النظام. وأكثر ما ينتقده عند الإثنين الهمجية. همجية النظام افقدته مسوّغ وجوده، وهمجية الثورة تفقدها تفوّقها الأخلاقي والتأييد العالمي، مما يجعلها في نهاية الأمر بحاجة إلى وصي دولي (ص68-69). وليس انتقاده السياسي موجهاً إلى هؤلاء وحدهم، وإنما إلى إسرائيل (طبعاً) وأميركا (أيضاً طبعاً) والفلسطينيين الذين أدّى انشقاقهم وتناحرهم إلى ازدياد تمكّن اسرائيل منهم.

ولكن ليس هذا وحده ما يعطي كتاب بيضون أهميته، فقيمته الفريدة تكمن في فكاهة وسخرية تمهران كل صفحة من صفحات الكتاب، كقوله إنّ نداء «يا حاج» حلّ في السنوات الأخيرة في الأوساط الشيعية محلّ «يا سيّد» حتى لا يبقى غير «سيّد» أوحد، ومحل «يا أستاذ» حتى لا يبقى على وجه البسيطة من أستاذ غير «الإستيذ» (ص57). وتعليقاً على الإشارة إلى «الاتحاد السوفياتي السابق» يسأل: «ليش عيّنوا واحد محلو؟» (ص58)، وفي سخريته من وزير الطاقة جبران باسيل سمّى المولد الذي اشتراه «باسيل» فيقول «أسعد لحظاتي في هذين اليومين حين تنادي عزة (زوجته) من بعيد: «يا أحمد! إطفي باسيل!» (ص99). وفي «أشقاء» لبنان يقول: «على كثرة من نكحوا أم بلادنا، لا نجد لنا إخوة غير أشقاء. كلهم «أشقاء»… «وكلهم عارف مصالحه أحسن المعرفة، ولبنان بينهم القاصر الدائم» (ص139). سخرية ممزوجة بمرارة وألم عميقين.

كتاب أحمد بيضون «دفتر الفسبكة» ممتع بمضمونه، بأسلوبه، بفكاهته، وبسخريته المضحكة حيناً، إلا أنها لا تخفي مرارة الكاتب وألمه في معظم الأحيان.

آخر تحديث:
السبت ٢١ ديسمبر ٢٠١٣

Le Style de Ghassan Tueni

 

Un Style

 

Ahmad Beydoun

 

 

Ghassan Tuéni se plaignait parfois d’avoir été empêché par son métier de journaliste de poursuivre la carrière de chercheur ou de ‘penseur’ à plein temps à laquelle semblait le promettre sa formation académique: c’est-à-dire d’avoir le loisir de s’arracher au quotidien pour produire des ouvrages de longue haleine. Ce regret semble l’avoir obsédé assez pour le pousser à de nombreuses reprises à contourner son activité éditoriale ou à la déserter carrément pendant des périodes plus ou moins longues afin de rapporter au bout de cet éloignement, parfois physique, de son journal un livre ‘proprement dit’… un livre qui serait autre chose ou, pourrait-on dire, plus qu’un recueil d’éditoriaux.

En définitive, Tuéni a pu s’essayer à plus d’un genre situé entre les deux extrêmités de l’éditorial rédigé d’un trait et de l’ouvrage considérable, robustement construit et dûment documenté. Nous lui devons, surtout, une importante somme de conférences dont plusieurs ont été réunies en volume et d’autres éditées en fascicule. On connaissait déjà sa maîtrise remarquable de l’entretien télévisé, lorsque parut Sirr al-Mihna wa Asrâr ukhra : un vrai chef d’œuvre autobiographique revêtant la forme de dialogue où Tuéni répond aux questions de ses interlocuteurs, relatives surtout à sa carrière de journaliste mais aussi à ses aventures d’homme politique et de diplomate et à son parcours d’individu privé aux scansions si souvent tragiques. Tuéni devait récidiver, près d’une décennie plus tard, en participant à un autre ouvrage, dialogué, lui aussi, mais bien différent du précédent. Il s’agit d’Un Siècle pour Rien qu’il signa avec Jean Lacouture et Gérard D. Khoury. Le dialogue y prend la forme, non pas de questions et de réponses, mais de séries d’interventions où les partenaires se relaient pour analyser un thème ou couvrir une période. Enterrer la Haine et la Violence dont la forme dialoguée reste discrète appartient pleinement au genre autobiographique et clôt peu de temps avant le silence de la dernière étape, cette série d’ouvrages de Tuéni où la présence d’une – ou de plus d’une – autre voix met en relief le discours de Tuéni.

À la panoplie des genres fréquentés par Tuéni, nous devons ajouter la littérature épistolaire. Les Rasâ’il ilâ al-Ra’îs Elias Sarkis, pièces tirées de la correspondance diplomatique entretenue par l’auteur pendant les années où il a représenté le Liban à l’ONU, ne constituent peut-être  que le sommet d’un iceberg promis, peut-on espérer, à une progressive émergence posthume. Enfin, l’œuvre de Tuéni, certes dominée par sa production de journaliste, compte au moins un titre appartenant de plein droit à la catégorie du livre de longue haleine : genre auquel Tuéni regrettait – nous l’avons signalé – de ne pas avoir pu dévouer la part la plus considérable de sa carrière d’auteur. Il s’agit d’Une Guerre pour les Autres qui, tablant, par-delà sa forme revendiquée de ‘témoignage, sur une puissante documentation largement exclusive, couvre la première moitié de la guerre du Liban et reste aujourd’hui encore, l’un des ouvrages qui font autorité sur cette guerre mais aussi le livre dont la ‘thèse’ centrale, très sommairement suggérée par un titre souvent mal compris, demeure au cœur de toutes les discussions, polémiques ou raisonnées, sur la ‘nature’ de la guerre analysée.

 

*

 

Cette variété de genres pratiqués correspond-t-elle, chez Tuéni, à une maîtrise égale des styles, forcément divers, qui lui sont attachés ? Une réponse réfléchie à cette question exigerait une analyse stylistique successive d’échantillons plus ou moins représentatifs de la diversité d’une œuvre trilingue, au surplus. Elle exigerait aussi une recherche des modes d’expression de la personnalité tuénienne qui, engagée dans une dynamique aux étapes souvent tourmentées, n’en garde pas moins une évidente unité fondamentale. Les limites de cet essai – celles de notre compétence également, sans doute – nous interdisent pareille aventure. Nous nous contenterons donc d’un examen assez sommaire du style de Ghassan Tuéni tel qu’il se trouve incarné dans l’art qu’il a pratiqué tout au long d’une carrière de plus de 60 ans : celui de l’éditorial. Examen est même un mot trop prétentieux pour les dimensions de notre entreprise. Il s’agit, en effet, de plusieurs milliers d’articles aux sujets si variés qu’ils résisteraient à tout effort de classification. Force nous est, par conséquent, d’avouer qu’il s’agira de notre part d’une série de remarques plus ou moins éparses basée sur l’examen d’un échantillon d’articles bien limité autant en  nombre de spécimens que dans la durée de leur production.

Nous avons eu l’occasion ailleurs de signaler l’étonnement que le lecteur d’aujourd’hui ne manque pas d’éprouver devant la qualité des articles du jeune Tuéni qui, à l’âge de 22 ou de 23 ans, publie déjà dans al-Nahar des éditoriaux qui laissent croire à une expérience prolongée du genre. Cependant, ce constat, s’il vaut pour la cohérence des exposés et la force de l’impact, ne signifie pas que le style est déjà celui, unique, que l’auteur n’acquerra, en fait, que progressivement. Afin d’étayer nos remarques, nous tablerons, principalement mais non exclusivement, sur un choix d’articles appartenant aux années 1980, c’est-à-dire à une période de grande maturité littéraire de l’auteur mais, aussi, de crise politique générale pour le Liban : crise qui, bien naturellement, accaparait l’attention de Tuéni.

 

*

 

En règle générale, Tuéni déploie son discours en trois temps. D’abord, il accumule les indications qui soulignent, contre toute prétention contraire, la ‘vraie’ nature du problème, mettant en relief ses dimensions ou son degré de gravité ; le cas échéant, il énumère les éventuels dangers d’une mesure envisagée tout en dénonçant les velléités de déni qu’il repère ou suspecte dans le camp opposé. En un deuxième temps, il prescrit une orientation de l’action ou, s’il y a lieu, une solution qu’il peut formuler, au besoin, en une série de mesures numérotées. Enfin, il met en garde contre toute tergiversation des responsables en faisant miroiter devant leurs yeux les conséquences de leur éventuelle pusillanimité et le jugement qu’une attitude passive ou négative dont ils se rendraient coupables mériteraient de la part de l’Autorité supérieure compétente (le Peuple, l’Histoire, etc.).

Le mode oratoire le plus emprunté par notre auteur est celui de l’admonestation. Son ‘ton’ est le plus souvent franchement ou implicitement critique, offensif même et railleur au besoin. On le voit rarement ‘envoyer des roses’ et quand il se décide à le faire, l’éloge est toujours discret et tient en  peu de place. La mention même du nom d’un responsable semble calculée, prenant même une allure de faveur particulière accordée à la personne concernée ou d’hommage rendu à son action. La neutralité du ton est également rare. En général, Tuéni n’adopte le mode narratif que lorsqu’il paraît estimer que son discours est sans prise sur les acteurs de son récit, ces derniers étant, par exemple, des personnages historiques ou des hommes politiques étrangers. Le passage aux propositions pratiques peut également occasionner de la part de l’éditorialiste un délaissement, du moins partiel, de sa cargaison de mots émotionnellement chargés et de tournures d’exception. La rareté relative des noms propres dans ses articles est l’un des indicateurs de l’altitude à laquelle le journaliste désire se placer. Elle lui permet également d’éviter des confrontations qui risqueraient d’abaisser ses combats au rang de chicaneries personnelles.

En effet, le souci le plus constant de notre éditorialiste est de rehausser le plan du débat, d’en anoblir les termes et les enjeux. Il repère, au-delà des urgences passagères et des questions de détail, ce qu’il estime être l’essentiel, la question de fond. S’il s’agit de ‘réunifier’ et de ‘libérer’ – déclare-t-il, par exemple – la méthode qu’il conviendrait d’adopter ne devrait pas être celle du ‘marchandage’ permanent mais bien la revitalisation du ‘Pacte’ et du ‘Pouvoir’. Et s’il s’agit de restaurer la démocratie – ajoute-t-il – elle devrait être ‘sociale’ aussi ; sinon les droits politiques se retrouveraient dépourvus de sens et de garanties.  Ailleurs, on le voit nous inviter à abandonner les intitulés traditionnels de portefeuilles ministériels pour faire de ceux-ci une nouvelle liste, sans doute plus courte, où figureraient des termes dénommant les principaux nœuds de problèmes effectifs dans lesquels le pays se débat : la sécurité, le territoire, l’économie, etc. En effet –  lit-on dans un article postérieur – les ministres sont censés représenter les ‘vrais problèmes’ bien plutôt que les forces politiques. Aussi l’auteur voudrait-il instaurer, pour ainsi dire, un rapport métonymique entre la dénomination des ministères et la liste des questions majeures posées au Liban en crise.

Dans la foulée de cette prédilection pour ‘le fond des choses’, Tuéni ne se privait pas de préconiser à tel sommet arabe une ligne de conduite ou une série de résolutions. Il pouvait s’attribuer une ‘place’ assez élevée pour jouer tout naturellement ce rôle de grand conseiller voire de directeur de conscience. En homme de terrain autant qu’en observateur chevronné, il prenait soin, d’autre part, d’expliquer aux Libanais ou, plus généralement, aux Arabes la logique des politiques internationales qui les concernaient. Il leur rappelait que leur ‘unité’ demeurait la condition indispensable d’une bonne réception de toute initiative internationale visant à favoriser le rétablissement de la paix chez eux ou leurs chances de faire valoir leurs droits.

Dans cette même problématique de la ‘place du locuteur’, on peut subsumer le constant souci de Tuéni d’user contre vents et marées, tout au long des années de guerre, de ce ‘Nous’ libanais contre lequel tout semblait, pourtant, comploter. Jamais notre éditorialiste n’a accepté de troquer, fût-ce momentanément, cette identité affichée contre une autre. Aux yeux de ce fervent grec-orthodoxe, si profondément engagé dans la vie communautaire, le ‘Nous’ chrétien rendu si proéminent, entre tous, par la polarisation des années de guerre, n’avait point d’attrait en tant que refuge politique offert. Bien conscient de la crise profonde où le ‘Nous’ libanais n’avait cessé de se débattre depuis des lustres, Tuéni lui attribuait, en l’endossant régulièrement, une sorte d’unité intuitive qui lui permettait d’en faire le sujet d’états ou d’actions bien souhaitables mais dont la réalité restait parfois à prouver. Le ‘vrai Liban’, le ‘Liban réel’, ‘le Liban des gens et du peuple’, ‘Nous’ les Libanais, surtout, avions – apparemment – marre des violences… voulions, par conséquent, en finir… alors que ‘les autres’ désiraient maintenir la ‘place’ embrasée qui servait si bien leurs desseins.

 

*

 

Sur un plan plus formel, des paragraphes courts, faits d’une, de 2 ou de 3 phrases chacun, définissent, pour ainsi dire, la macrostructure de l’article, en contribuant également à lui conférer ce rythme haletant et brisé si caractéristique du style de Tuéni et auquel d’autres facteurs que nous signalons plus loin viennent ajouter leurs souffles respectifs.

Le vocabulaire de Tuéni puise dans le registre courant de l’arabe moderne. Ni le langage commun ni la terminologie proprement politique n’affectent une allure recherchée ou trop spécialisée. Tuéni ne dédaigne même pas le recours aux mots du peuple pour accroître la dose de spontanéité d’un cri ou d’un avertissement (rizq Allah ‘alâ…, min ghayr charr !).  Néanmoins, aucune trace de vulgarité n’est repérable chez ce journaliste que nous savons si prompt à la critique. Bien au contraire, des usages d’un goût suspect, pourtant accrédités par beaucoup, font l’objet de la part de Tuéni, quand il se résout à les rappeler, d’une cinglante grimace de dégoût : par exemple, le mot ‘ifrâz’ (sécrétion) couramment employé pour désigner tel effet d’un processus politique. Les clins d’œil au vocabulaire coranique ou biblique ou encore à celui de tel poète arabe classique ne démentent jamais la clarté de la langue tuénienne. Ceci dit, Tuéni – nous l’avons indiqué – ne dédaigne pas les vocables mobilisateurs ou hauts en couleurs qui font au mieux son affaire d’éternel batailleur et de protestataire. Sa conscience bien rôdée des limites libanaises, et des siennes par conséquent, le préserve, toutefois, de tout élan démagogique.

En vérité, c’est dans les expressions, et non dans les mots, mais aussi dans la composition des phrases, qu’il faut chercher la source de cette impression de profonde originalité, de singularité même, que le style de Ghassan Tuéni fait à ses lecteurs. Quelques mariages inédits (mais non fortuits) de mots ordinaires (de substantifs et de qualificatifs, par exemple) lui suffisent, de par les perspectives de sens qu’ils entrouvrent, pour conférer un lustre exceptionnel à l’article entier. Ce lustre provient, en fait, non pas tant de l’originalité des combinaisons verbales en elles-mêmes, mais surtout de l’intrigue que chaque expression heureuse contient en germe et du message qui en fait une invitation à réfléchir.

Quoique inégalement longues (ce qui contribue à bannir toute monotonie du rythme du texte), les phrases de Tuéni le sont en règle générale. La plupart décrivent, chacune, un périple fort accidenté. C’est là un trait essentiel pour parfaire le mariage de la syntaxe avec le ton vivace, passablement oratoire même, et l’anxiété que reflète le contenu. Plusieurs procédés contribuent à produire cet effet sur le lecteur. L’un des plus fréquents, chez notre auteur, est le recours répété à la forme interrogative. Une question dénonce une idée reçue, une autre rappelle une évidence méconnue, etc. Souvent l’interrogation est déclenchée par un mot qui, soudain, arrête le cours de la phrase en appelant une vérification. On peut parler d’association d’idées ou de mots mais l’on devine aisément qu’elle n’a rien d’automatique. L’interrogation donne lieu à l’une de ces reparties qui, si nombreuses dans les textes de Tuéni, inculquent à son style une nervosité à laquelle ce dernier est reconnaissable. Y transparaît, en fait, l’impatience et l’anxiété de l’auteur, ses amertumes et ses accès de colère. Pour ce faire, la fréquence des questions est secondée par celle des propositions incidentes. Là aussi, c’est un mot qui, le plus souvent, introduit le besoin d’une nuance, d’une réserve ou d’une confirmation… Les incises contribuent, en tout cas, au halètement des phrases et des paragraphes en rendant possible la multiplication des reparties qui font avancer, à coups de brosse saccadés, l’émergence du tableau tuénien.

Quelques autres traits, d’inégale importance, caractéristiques de la syntaxe tuénienne rejoignent, quant à leur effet, ceux que nous venons de souligner et méritent, au moins, d’être signalés. Nous visons, par exemple, le traitement réservé à l’adjectif possessif qui devrait précéder un nom introduit par une conjonction. L’auteur s’abstient de le répéter, laissant implicite l’appartenance de ce nom dont la fonction grammaticale peut varier (yurîdûna istijlâbahu ilâ sumûdihim wa al-intizâr). D’où une impression de vide évité, de freinage au bord d’un gouffre, qui renforce considérablement la sensation provoquée par la phrase. On s’empêche mal de flairer là une allusion répétée au fameux couplet de l’hymne national libanais : Sahlunâ wa-l-jabal (…) qawlunâ wa-l-‘amal !…

Nous visons également ces chaînes de propositions ‘nominales’ (mubtada’ wa khabar) coordonnées ou, encore, de substantifs, flanqués chacun du qualificatif qui lui sied ou d’un complément du nom et reliés les uns aux autres par la conjonction ‘et’ : Tuéni les prolonge à souhait… jusqu’à  toucher parfois au pléonasme. Elles lui servent, le plus souvent, à marquer l’ampleur d’un problème, les dimensions multiples d’une situation. La remarquable abondance des qualificatifs et des compléments déterminatifs du nom marque l’urgence, pour l’auteur, d’affiner les contenus sémantiques qu’il propose ou de les étoffer. De son côté, la fréquence des propositions ‘nominales’, autrement dit attributives, contribue à l’entretien du ton plutôt péremptoire ou ‘définitif’ de Tuéni.

Dans d’autres suites, de verbes en l’occurrence, la relation causale domine de préférence : une action donne ou risque de donner lieu à une suivante : la conjonction ‘fa’ (al-fâ’ al-sababîya) se répète faisant ressortir, d’autant plus énergiquement, une détermination à rechercher ou à éviter. Les effets signalés ou présumés étant parfois des plus inattendus, le rythme devenu répétitif de la phrase, loin de provoquer une sensation de monotonie, conforte effectivement l’impression recherchée. D’autres répétitions remplissent la même fonction de renforcement : celle de l’adverbe de négation, par exemple, qui, en arabe revêt deux formes : là, kallà ! s’écrie souvent Tuéni, les faits et dits dont il ne veut point étant forcément les plus nombreux ! La répétition d’interjections : entre autres hadhâri!, l’équivalent de ‘gare!’, paraît servir également le même propos. Il en va de même de l’accent placé sur un pronom : il met en relief le nom auquel il renvoie (la’allahâ hiya hiya qadâyâ al-hukm wa al-watan). Etc.

Toujours sur le plan de la syntaxe, il convient de signaler le recours fréquent à l’inversion des termes de la phrase : il vise à ajouter au relief de l’élément placé en premier. Par son caractère de procédé d’exception, il contribue aussi et surtout à la complexité du rythme d’un passage ou de l’ensemble d’un article. Rare à son tour chez Tuéni, l’usage de tournures rares (chubbiha lahu an bi-l-harb sayabnî) est un procédé supplémentaire investi au service du même but. Moins intéressants (à notre avis, s’entend), quoique plus ‘voyants’, sont certains raccourcis empruntés au dialecte libanais (ou plus généralement grand-syrien) qui consistent à remplacer par l’article défini arabe (‘al’ al-ta’rîf) un pronom relatif ou, encore, à troquer un pronom personnel ‘séparé’ contre un autre ‘attaché’ (wa ammâ al-asmâ’ al-fî hajm al-barâmij wa akbar fa-ayna ?, ou encore : al-rijâl al-ismuhum bi-mathâbat barnâmaj wa akthar). Proposés au départ par un Sa’îd ‘Aql et adoptés par un Yûsuf al-Khâl, ces raccourcis, plutôt que d’être repris par Tuéni en tant qu’élément d’une réforme de l’écriture arabe, semblent faire figure chez lui de simple agrément de style. Au fil des années, leur apparition dans ses textes devient, d’ailleurs, de plus en plus rare. Toutefois, des traces assez clairsemées d’influence ‘’aqlienne’ restent visibles, chez Tuéni, à ce niveau des tournures ou des structures phrastiques. Par ailleurs, Tuéni résiste mal, parfois, à la facilité de certains jeux de mots, accrédités par la mode du moment : par exemple, celui que rend possible (après la signature du fameux ‘accord’) le double statut de nom propre et de nom commun du mot ‘tâ’if’ et aussi sa parenté morphologique avec le mot ‘tâ’ifa’ (communauté)…etc.

 

*

 

Les barrières entre les strates de notre analyse n’étant nullement étanches, nous avons effleuré, en parlant du vocabulaire et de la syntaxe de Tuéni, quelques particularités de la panoplie rhétorique que déroulent les éditoriaux tuéniens. En effet, une valeur rhétorique évidente se rattache au choix des mots, aux particularités structurelles de la phrase, au rythme induit aux phrases et aux paragraphes, à un certain usage des incises et des interrogatives, etc. Tout en mettant en avant ses arguments proprement dits, Tuéni s’efforce de convoquer le pathos du destinataire de ses discours. Moyennant ses ressources stylistiques, il veut impressionner afin de convaincre. D’où cette allure passablement bouillonnante de tirades dont le noyau logique ou factuel reste, pourtant, transparent. Se faisant polémique, il tend à donner à ses jugements la forme de verdicts : tendance que sert, entre autres – nous l’avons signalé – une préférence assez marquée pour la ‘phrase nominale’. L’adversaire, apparent ou non, devrait se retrouver au pied du mur…

Pour arriver à cette fin, Tuéni use, aussi et surtout, de force paradoxes qu’il repère et formule en maître du genre.  Aux yeux des Arabes – observe-t-il, par exemple – ‘seule l’occupation [ennemie] d’un territoire est susceptible de le rendre sacré et la récupération d’une terre [après l’avoir perdue] paraît récolter plus de suffrages que sa conservation’ ! Ailleurs, il déclare : ‘On en est arrivé à voir les guerres de libération consolider les occupations : tellement sont-elles non-libératrices’. Un exemple encore ? ‘Mais oui !, s’exclame Tuéni, C’est bien ainsi ! On abolit le communautarisme en amadouant les communautés via l’octroi de présidences, de vice-présidences et de fictions de présidences’ ! Etc., etc.

Une certaine prédilection pour les alternatives bipolaires paraît faire pendant à cette passion du paradoxe. Elle entretient la structure en verdict que nous venons de signaler. Elle sert bien aussi cette volonté d’’aller au fond des choses’ dont nous avons fait état. En effet, la bipolarité est souvent traduite par la forme ‘ou bien … ou bien…’, les deux termes de l’alternative ne se valant jamais. Parfois, la structure bipolaire passe par l’invention d’un nouveau couple de contraires. Aussi, devrait-on ‘arrêter la guerre illicite pour mériter [de faire] la guerre licite’. Encore – pour boucler cette boucle – une forme de bipolarité, dévastatrice, cette fois : afin de faire élire Élias Sarkis président de la République, on aurait, affirme Tuéni, ‘kidnappé une partie du quorum parlementaire pour faire venir des députés [à la séance d’élection] et kidnappé l’autre partie pour empêcher d’autres députés de venir’ !

Verdicts, paradoxes, couples bipolaires : ce sont, sans doute, les principaux outils que mobilise notre éditorialiste au service de sa mission d’admonestation. On peut, bien évidemment, énumérer beaucoup d’autres et l’on restera probablement loin du compte. En plus de ceux que nous avons déjà relevés, et aussi de la charge émotionnelle du vocabulaire tuénien, il nous paraît convenable de mentionner quelques autres procédés assez fréquents, sous la plume de notre auteur, ou particulièrement significatifs. Comment ne pas noter, par exemple, le penchant tuénien pour l’accentuation d’une affirmation ou d’une négation moyennant la répétition de l’élément moteur de la phrase ?  Comment ne pas marquer cet emploi de la conjonction ‘bal’ dont la fonction usuelle est de ‘corriger’ l’énoncé positif qui la précède ou de permettre le ‘remplacement’ de l’énoncé négatif mais qui sert, le plus souvent, chez Tuéni, à exagérer la gravité de l’un ou de l’autre ?  Akhta’nâ bal ajramnâ, déclare, par exemple, Tuéni (nous avons commis des fautes voire des crimes). Ou encore : Nasna’u al-anzimat wa al-qawânîn bal nadha’u charî’at-an jadîdat-an wa dustûr-an jadîd-an, rubbamâ, lâ ba’sa (‘Nous confectionnerons des règlements et des lois ou bien nous formulerons plutôt un nouveau droit, une nouvelle constitution, peut-être : pourquoi pas?’).

Ces artifices, et bien d’autres, convergent pour procurer à Tuéni  le style de redresseur de torts (mais fort pondéré) qui était le sien. Ils lui permettent de communiquer à son lecteur, en sus de l’intelligence d’une situation et des mesures susceptibles de la redresser, le sentiment de l’impatience de l’auteur et de son anxiété. Ils confèrent à son texte cette allure où une rationalité sûre d’elle-même livre un combat mouvementé ou lance des cris pétris d’émotion.

 

*

 

L’analyse – on le sait – tue son objet. Ce modeste essai est bien là pour être lu. Il prétend rendre plus sensible le lecteur de Ghassan Tuéni aux secrets de l’écriture de ce dernier.  Toutefois, en vue d’accomplir au mieux cette tâche, notre analyse gagnerait à être déjà oubliée au moment où son  lecteur aura, de nouveau, sous les yeux, quelque texte de l’incomparable et bien vivant Ghassan Tuéni.

 

Bint-Jubayl, Juillet 2013

Contribution a l’ouvrage collectif “Ghassan Tueni, 1926-2012”, Dar Annahar, Beyrouth, 2014.