تشريحُ نظام ملكي

أحمد بيضون

في «المرحلة» الثانية من كتابه، وهي المرحلة التي تغلب فيها تغطية عقدٍ ونصف عقد انقضت من عهد ملك المغرب الحالي محمد السادس، يميل الأمير هشام العلوي، صاحب «المذكّرات» الفريدة التي عرضنا «المرحلة» الأولى منها في مقالتنا السابقة، إلى تغليب الرصد العامّ لمشكلات النظام والمجتمع المغربيين وإلى الوصف المُحْكم، وإن يكن إجمالياً، لمعالم المعالجة الممكنة. عليه نجدنا في هذا القسم حيال مطالعة متينة الإسناد، جيّدة السبك، لحالالمغرب في هذه السنوات الأخيرة ولحدود الإصلاح الذي كان قد باشره الحسن الثاني في نهاية عهده واستأنفه خليفته حتى وصل به إلى مآل دستوري في الاستفتاء الذي انتهت إلى فرضه حركة الاحتجاج المسمّاة حركة 20 فيفري (شباط) 2011. وكانت هذه الحركة نصيب المغرب من المدّ الكبير الذي أطلق عليه اسم «الربيع العربي». ويرى الأمير حدود هذا الإصلاح ضيقة على الحاجات الماثلة التي يبرز اضطرار النظام إلى الاستجابة لها إذا هو شاء المحافظة على نفسه…
وإذ يميل المؤلّف في هذه الفصول الأخيرة من كتابه إلى البحث العامّ في شؤون المغرب ونظامه، لا ينسى ما آل إليه أمره، هو هشام العلوي، مع الملك الجديد، ابن عمّه الذي يكبره بسنة واحدة وكان عشيره في البيت والمدرسة وأحد أقرب الناس إليه في طفولته وفتوّته. وما نقف عليه بهذا الصدد هو أن عهد محمد السادس شهد الانتقال من المحاولات الحثيثة لاسترداد «مولاي هشام» إلى الأسرة المالكة ومنطقها وسلطة رأسها، وهي ما طبع عهد الحسن الثاني، إلى المحاولات المتكررة لتحطيم حياة الأمير وتدمير سمعته وتثبيط مشاريعه في المغرب وخارجه وإخراجه من نطاق الأسرة إخراجاً لم تُستثنَ منه علاقته بأمّه وأخيه، وهي ما طبع المرحلة المنقضية من عهد الملك الحالي… يروي الأمير وقائع المساعي المنحطّة هذه مستنكفاً عن الجزم باتّهام الملك شخصيّاً بها (وعن الجزم ببراءته منها أيضاً) مؤثراً تسليط الضوء على «المخزن» ورجاله أي على النظام…
لا يجنح هذا الكتاب إلى التبجّح بصمود مؤلّفه في وجه ما عاناه. فهو يبقى سيرةً خفرةً لصاحبه تشدّد على ما جرى له ولا تبالغ في التشديد على ما فعل من جهته. بل إن المؤلف يحرص، في مطلع الكتاب، على الإشارة إلى كون ما لقيه يبقى، ولا ريب، دون ما عاناه مغاربة لا يحصون، في نفوسهم وأجسادهم، من بطش عمه الحسن الثاني. عمّه الذي كان، في الآن عينه، شديد التعلّق بالأطفال في أسرته وسريعاً إلى الضحك من فلتات «مجنونه» المفضّل. على أن الأمير لا يلتفت بما فيه الكفاية إلى أدواتٍ تَزَوّدها من منبته نفسه وخاض بها معركة استقلاله عن هذا المنبت…
فلا يماري القارئ المنصف في شجاعة هذا الأمير، وهو يواجه، من نعومة أظفاره، خصوماً لهم كل هذا البأس. ويلمس القارئ صدق سخريةٍ هادئة يخصّ بها المؤلف صورة «الأمير الأحمر» التي رسم له الإعلام ملامحها بحبر الإثارة. فما شأن «الحمرة» برجلٍ أراد لنفسه النجاح في الأعمال بهذا العناد كلّه ويريد لبلاده إصلاحاً يبرز، إذ يعيّن معالمه، عقلنة رأسمالية للنظام يعرف كلفتها الاجتماعية على الريفيين خصوصاً؟ وهو، إلى قوله بتحرير الإرادة الشعبية وتفعيلها، لا يخفي الميل (المنوطَ عنده بالقبول الشعبي) إلى الإبقاء على ترسيمة أساسية للنظام المغربي عمرها قرون ويحتاج الإصلاح نفسه في رأيه إلى ما توفّره من استقرار.
غير أن المؤلّف حين يشير إلى صحبته لذاك الشيخ النهياني من أبو ظبي ولما أنجده به المذكور ومعه نفرٌ آخرون من أصدقاء والده في وقت الشدّة… أو حين يشير إلى منحة عقارية ولَفَتات أخرى خصّه بها رأس الأسرة السعوديةالتي تحصي في عدادها أبناءً بارزين لإحدى خالاته الصلحيات… أو حين يذكر ما حظي به من عناية بجوار الأمير الحسن، ولي عهد الأردن في حينه، وإلى الصلة الوطيدة التي انعقدت بينه وبين الملك حسين… أو حين يشير إلى «جيرة» خالته الكبرى في باريس لقصر الأليزيه وهي «جيرة» أتاحت لها أن تستوقف فرنسوا ميتران لتحصل منه على موعد لابن شقيقتها الذي كان الاضطهاد الملكي يلاحقه في العاصمة الفرنسية… أو حين يشير إلى الحجم الضخم لتركة والده العقارية، ولو أن الاضطهاد نفسه أخّر كثيراً نيل الوَرَثة حقّ التصرّف بهذه التركة…
…أو حين يستعيد هذا الأمير من مخاطبيه أو ذاكريه اسمه: «مولاي هشام» (دون إمكانٍ لفصل اللقب عن الاسم) وهو اسمٌ تجعل «ياءُ النسبة» فيه كلّ متلفّظ به مُقِرّاً شاءَ أم أبى! بالولاء لصاحبه… فلا يبقى هذا «المولى» مولىً بلا تحديد لموضوع ولايته بل يصبح حُكْماً مولى المتكلّم أيّاً يكن! في كلّ من هذه الحالات وفي غيرها، يتراءى، عبْرَ ما يرويه الأمير من وقائع سيرته، فضلُ منبته عليه في ما انتهى إليه أمره من جولات كسبها ضدّ هذا المنبت نفسه. هي جولاتٌ كسبها هشام العلوي في وجه إصرار الملك والمخزن على وضع يدهما عليه والتحكّم بمصيره. غير أن أيّاً من «الأوراق» التي وجدها تحت يده، وهو يناوئ بيئته، ما كانت لتقع إلا تحت يده هو أو يد أمير من طينته. ذلك أمر كان يستحقّ لا ريبَ أن يستوي موضوع تأمّل في هذه «المذكّرات». لكن ذلك لا ينتقص بحال من ملحمة الشجاعة والعناد الشخصيين التي يسجّلها هذا الكتاب بخفرٍ وأناقة، ولا ينتقص بحال، على الأخص، من القيمة الأدبية الرفيعة لهذا الكتاب بما هو شهادة تفوق الوصف والأمل في الأحوال المعاصرة لبلاطٍ ونظامٍ دهريّين…

أحمد بيضون

«مذكّرات أمير مُبْعَد»

أحمد بيضون

في وسط الكتاب غير المسبوق الذي نشره، قبل أسابيع، الأمير هشام العلوي ابن عمّ ملك المغرب الحالي، يذكر المؤلّف أمراً بعينه يوضح أنه فهمه بعد حديث مع عمّه الحسن الثاني جرى في وقتٍ ما من تسعينات القرن الماضي. وذاك أن النظام الملكي في المغرب يمزج مزجاً جوهرياً ما هو ديني وما هو عائلي وما هو سياسي فيجعل من هذا الثالوث أقانيمَ متحدةً ومنفصلة في آن. والحقّ أن هذا المزج يخترق الكتاب من أوّله إلى آخره ملقياً ما يكفي من الضوء على سيرة هذا الأمير التي يتحكّم فيها تنازع بدأ باكراً بين شخصه الآخذ في التكوّن وبين مقتضيات منبته. وهو تنازعٌ أدخل الأمير في مواجهة استغرقت معظم حياته حتى الآن وبقيت لا تعرف المهادنة مع مَلِكين تباعاً هما عمّه وابن عمّه. تلك مواجهة اختلفت طبيعتها من الملك السابق إلى الملك الحالي وجعلت نفَس الكتاب يتغيّر كثيراً تبعاً لهذا الاختلاف فينقسم عمليّاً إلى نصفين تهيمن على كلّ منهما شبكة من الهموم والمشاغل مغايرة لتلك التي تفرض نفسها على النصف الآخر.
فمع أن الشأن المغربي العام يحضر باكراً في مبادرات الأمير المولود سنة 1964 وأحاديثه، فإن سيرته مع الحسن الثاني تبقى، من حيث الأساس، سيرة تحرّر شخصي من القبضة التي يطبقها هذا الملك الجبّار على حياة ابن أخيه حيثما وُجِد. هذا الإطباق فرعٌ، بدوره، من تحكّم الملك، بما هو رأس العشيرة، بأخيه عبد الله، حتى وفاة هذا الأخير، وبأسرة أخيه كلّها، زوجة وأولاداً. والزوجة هي اللبنانية لمياء، ثانية بنات رياض الصلح الخمس، والأولاد صبيّان وبنتٌ بكرهم «مولاي هشام».
في هذا الصدد، يكشف هشام العلوي، بإقدام عزيز النظير، صوراً من حياة البلاط الحَسَني تكاد لا تبقي ستراً على شيء أو أحد. فالملك جادّ في إفساد أخيه وإضعافه إذ هو يخشى تفلّت عبد الله من سلطانه ويتوجّس من بعض القنوات المفتوحة بين هذا الأخير وشخصيات من المعارضة. ولا يستثنى من وسائل الإفساد توجيه الملك أخاه نحو إدمان الخمرة ولا تسهيل ميله إلى الجري وراء نساء مشوبات السيرة بتيسير خروجه من القصر بلا علمٍ من زوجته. حتى أن لمياء الصلح تضطرّ إلى بذل جهود حثيثة معقّدة لإبعاد اثنين من قوّادي البلاط عن القصر في سعيها لاسترداد زوجها إلى بيته. في قصر «أمير المؤمنين» الذي لا يفوته فرض صلاة قوّادون إذن. وفيه «مجانين» يسرّي الملك عن نفسه بتوجّههم إليه بضروب من الكلام والتصرّف لا يُتوجّه بمثلها إلى الملوك. وهي ما يمنح الملك فرصة التحرّر الطوعي للحظة من استواء وجهه قناعاً يفرضه عليه موقعه. وهذا تحرّر يقبض الملك على مقاليده ويرسم له حدّه ومدّته سلفاً. في البلاط حكواتيون أيضاً كانوا لا يزالون مقيمين فيه بعد وصول التلفزة إليه.
هذا وفي القصر «وزير» مكلّف إحصاء أنفاس العباد ووقف كلّ امرئ عند حدّه إن لم يكن بالقمع فبالإفساد. بالقمع الذي بلغ ذرىً مهولة في المرحلة الوسطى من عهد الحسن الثاني المديد، أي في أعقاب محاولتي الانقلاب اللتين قاد أولاهما، في مطلع السبعينات، الجنرال مدبوح، أحد كبار القادة العسكريين، وقاد الثانية، في العام التالي، «وزير» الملك نفسه، أي رأس معاونيه وأقربهم إليه، الجنرال أوفقير. تلك مرحلةٌ أصبح رمزاً لاحقاً لها سجن تزمامرت الرهيب في جنوب البلاد… بالقمع إذن… أو بالإفساد الذي هو الوجه الغالب على حياة «المخزن» كلها أو هو أسلوب «المخزن» في الحياة.
وما أدراك ما «المخزن». «المخزن» شبكة أخطبوطية من الأجهزة والمؤسسات والموارد هي آلة السلطة والحكم المصاحبة للنظام الملكي في المغرب عبر تاريخه. وهي، على التحديد، آلة المُلْك المطلق يقبع المَلِك على رأسها ويتحكّم في موازينها، فيقدّم ويؤخّر ويوزّع المنافع والصلاحيات لقاء الولاء المطلق أوّلاً، بما فيها الاستثناءات من موجبات القوانين، بحيث يحفظ سلطانه المطلق ومن ورائه مؤسسةَ المُلْك. وبالوسائل التي يضعها المخزن بين يدي المَلِك وبما للمَلِك من سلطان على الأسرة العلوية برمّتها، يتحكّم الملك بأفراد أسرته أيضاً. ومن هؤلاء سيدي محمّد، وليّ العهد ومولاي هشام صاحب الكتاب اللذين تُظْهر حالتهما انتباه الملك التفصيلي إلى سيرة كلّ فردٍ من أفراد البيت العلوي، لا يغفل عن شيء منها. فهو يعلم مثلاً أن هشام أمضى سهرة طويلة، في برنستون حيث استقرّ للدراسة بعد معركة خاضها. أمضى السهرة خارج مرمى النظر الملكي فأصبح على الملك أن يبني على الأمر مقتضاه أي أن يحكم طوق المراقبة… ذاك نوع من المراقبة أمضى هذا الأمير فتوّته ومعظم شبابه مجاهداً للتملّص منه. وهو قد توصّل إلى كثير من ذلك مما تملأ تفاصيله النصف الأول من الكتاب.
يشدّد المؤلّف كثيراً على تحكّم المخزن في سياسة البلاد واقتصادها ويرى في «إفراغ المخزن» شرطاً أوّل لإصلاح النظام والتوجّه به نحو الديمقراطية. ويدفعه هذا التوجّه إلى كفاح متعدّد المواقع والمحطّات لبناء وضع مهنيّ لنفسه وموقع في مجال الأعمال يخرجه من التبعية للمخزن، أي من حال التعيّش والطفيلية التي هي الحال المعتادة لأفراد الأسرة المالكة ولرجال الحاشية وسائر الدائرين في فلك الملك. تتواصل جهود البناء الشخصيّ هذه بين عهدي الحسن الثاني ومحمّد السادس. ولكن مولاي هشام يشغله أيضاً، في العهد الجديد، شاغل عامّ هو شاغل النظام المغربي وكيفيّات إصلاحه. وهذا شاغل يستحقّ أن نفرد له عجالتنا المقبلة.

أحمد بيضون

الدراية والوشاية

أحمد بيضون

لا يحتاج المراقب إلى أكثر من نظرة يلقيها على مكتبات البحث في أفضل الأعمال التي كرّسها باحثون مرموقون للمرحلة المعاصرة أو الراهنة في البلاد العربية التي كانت أو هي ما تزال خاضعة لأنظمة سياسية موصومة بالاستبداد ليعلم أن حالة القمع الرازح على الحرّيات، من عامّة وخاصّة، تشتمل آثارها أيضاً على ما ينتجه  الباحثون المكرّسون من أعمال تعرّف المجتمع المدروس بنفسه وتظهّر له إمكاناته ومشكلاته وترسم له سبلاً يسلكها في حركته نحو المستقبل.
فإن هؤلاء الباحثين يكونون موضع متابعة مركّزة من جانب الأجهزة المولجة بالسهر على نفاذ المعايير الرسمية في إنتاج المعرفة بالمجتمع وبالنظام السياسي الاجتماعي. فيظلّون عرضةً لما هو أشدّ ممّا يتعرّض له تلامذتهم، مثلاً، إذا هم حاولوا الدخول إلى الدوائر المسوّرة لاستطلاع الوقائع المفضية إلى طرح المسائل المحظورة وتعزيز الحجج الآيلة إلى طلب التغيير السياسي.
عليه تبدو الأبحاث التي يمكن الرجوع إليها والبناء عليها نزرةً حين يتّصل الأمر بدواخل المجتمعات الخاضعة للاستبداد وبتوجهات النظام السياسي في تصريفه شؤونها وسعيه إلى حفظ هيمنته عليها. وأكثر ما يظهر الشحّ في كلّ ما يقتضي استقصاءً مباشراً للمعطيات المؤثّرة في موازين المجتمع وأعرافه واستطلاعاً موسّعاً للمواقف من حركة هذه المعطيات ومن وقع السياسات المعتمدة في قطاعٍ أو فئةٍ أو جهة أو في ما هو أوسع من ذلك.
ولا يرادف الشحّ الملحوظ في هذا النوع من الأبحاث، أي في ما يتناول حاضر المجتمع، على الأعمّ، شحّاً إجماليّاً في إنتاج الباحثين بالضرورة. فإن الباحثين لا يتوانون في البحث عن مهارب يوجّهون إليها إنتاجهم بحيث لا يستفزّون عيون السلطة وأذرعها (بل هم قد يسترضونها). من ذلك اللجوء إلى البحث المعياري المستغني عن كلّ استطلاع حسّي لأحوال المجتمع الفعلية والمتّجه إلى مناقشة النماذج المجرّدة والمناظرة بشأنها للدعوة إلى هذا أو ذاك منها وللتوصية بالبعد عن غيره. عليه يحلّ الكلام على الديمقراطية بصيغها المجرّدة، مثلاً، محلّ البحث الحقلي الرامي إلى تبيّن الحال الفعلية للتوجه الديمقراطي في بيئة بعينها من بيئات المجتمع الوطني، مثلاً أيضاً. فالباحثون الذين يلبسون لبوس المرشدين يبدون وكأنهم لا يعرفون شيئاً يذكر عن حصائل اللقاء بين ما يلقونه من كلام وبين ما تثمره الأوضاع الحسّية المختلفة في بيئات المجتمع من تطلّعات.
هذا وليس الاستغراق في النماذج المجرّدة: من مضمرات المدارس الإسلامية المختلفة ومعلناتها إلى صيغ الديمقراطية إلى العلمانية وحدودها إلى الأصالة والحداثة إلى مهامّ المثقّف وأصناف المثقّفين إلى أفاعيل الإمبريالية إلى الدولة الوطنية والأمة، إلخ..، هو المهرب الوحيد الذي تتراكم في مسالكه المجلّدات. وإنما يمثّل الماضي، بما هو ماضٍ، مضماراً آخر، يوافق سابقه في كثيرٍ من الحالات، لبحثٍ لا يستفزّ ذوي السلطة أو يبقى ما ينطوي عليه من احتمالات غير محبّذة من جانبهم بعيداً عن دائرة انتباههم.
وبقدْر ما يحضر البحث الاجتماعي السياسي في المكتبات المتعلقة ببلاد هذا المحيط، يُلْجأ، لإجراء الأبحاث، إلى المقابلات الفردية، غالباً،  وإلى كتب المذكّرات وإلى التقارير الدولية أو الرسمية، فيستعاض بها عن أعمال المسح المباشر والاستقصاء الميداني واستطلاع المواقف، إلخ. ذلك كلّه، على فوائده المؤكّدة، رهينٌ لحاجات واضعيه وغاياتهم وبعيد عن الوفاء بحاجات المعرفة المضبوطة لأحوال المجتمع المدروس. ومن آيات ذلك، أن المقابلات تجرى مع أناس أصبحوا في المنفى، على الأغلب، وينشرُ كتبَ المذكّرات منفيون آخرون ويكون البعض من أجود الباحثين إنتاجاً منفيين أيضاً أو يكونون أجانب أصلاً… فهذا كلّه لازم لحرية البحث، موضوعاً ومضموناً. ولكن هذا كلّه يحدّ من قدرة الباحث على ضبط النتائج والخلاصات والنفاذ بها إلى حيث يجب أن تصل.
هذا ولا نحتاج إلى القول إن ما يعتبر تناوله بالوصف والقياس والتحليل والتعليل محظوراُ أو بمثابة المحظور لا يُقْتصر على حركة المواقف السياسية للجماعات، على اختلافها، أي على ما قد يضمر مسّاً مباشراً بسطوة النظام وشرعيته. وإنما تردع أجهزة النظام الساهرة أيضاً كلّ تناول جادّ لمسائل من قبيل بطالة المتعلمين وذواء الأرياف ونسب البطالة فيها، وصيغ النموّ المديني ومشكلاته… وهذا ناهيك بأطوار المسألة الطائفية، في تجلّيها المؤسّسي، على اختلاف القطاعات، وبحركة البنى العشائرية وبآليات الضبط المعتمدة لحماية السلطة: مصادرها وصيغ عملها وحدودها، إلخ. وإلى محاصرة المواضيع المختارة للبحوث، لا يندر أن يصطدم الباحث بمحاصرة النظام دخائل المستجوبين وضمائرهم. ففي المناخ المهيمن، يرجّح أن يميل من يمكن استجوابهم إلى المقبول من الأجوبة وأن يحذروا التصريح بالرأي إذا كان يعرّضهم لشبهة المعارضة أو للمساءلة، وهذا أيّاً يكن ما قد يجرؤ الباحث على التعهّد به من حفاظ على سريّة هويّاتهم.
صفوة القول أن المُقْدم على البحث الاجتماعي السياسي، في ظلّ الاستبداد، يُلْفي نفسه منصرفاً إلى ما هو أشبه بالتجسّس على مجتمعه منه بدرسه. فهو مضطرّ إلى تسقّط الأخبار وجمع نُثار المعطيات عوض التحقيق المنهجي للظواهر. ولا غرو أن محفوظات الاستخبارات تبقى  هي المصدر الرئيس لمعرفة المجتمع  ولو انها لا تكون منظّمة لخدمة الباحثين ولا متاحةً لهم… ذاك ما تنبّه إليه، مثلاً، من اعتبر اطّلاع حنّا بطاطو على محفوظات مديرية الأمن العامّة في العراق الملكي ميزةً بارزة للسِفْر الجليل الذي كرّسه بطاطو للعراق المعاصر. أي أن الوشاية – على ما أشرنا إليه ذات مرّة –  هي، في ظلّ أنظمة الاستبداد، أهمّ مصادر الدراية.

كاتب لبنانيأحمد بيضون

الاستبداد بالمعرفة

أحمد بيضون

أيّامَ راحت تتعاقب حركاتُ التغيير في أقطارٍ عربية مختلفة بين أواخر العام 2010 والأشهر الأولى من تاليه، ردّدَت أقلام كثيرة أن هذه الموجة المهولة التي تصدّرت، إلى حينٍ، مسرحَ السياسة العالمية قد جاءت مباغتة. فلم يكن قد توقّعها أحد من الدارسين أو من متابعي أحوال المنطقة بمن فيهم الضالعون في العمل السياسي، في هذا أو ذاك من المجتمعات المعنية. يستوي في ذلك الناطقون من داخل مجتمعهم والناطقون من المنافي. ولا يخرج عن السويّة نفسها أجانبُ منسوبون إلى الخبرة بشؤون المنطقة من سياسية وغيرها.
على أن الذين أشاروا إلى هذا الفشل في توقّع حركات كان لها هذا العمق وهذه السعة اكتفوا بالإشارة أو شفعوها، في أحسن الحالات، بشيء من التعجّب من ظاهرة الفشل تلك من غير أن يطلبوا لها تفسيراً.
حين ننظر اليوم في ما شهدته السنوات الثلاث التي تلت تلك المرحلة الأولى، يتعين علينا أن نلاحظ أن الفشل في التوقّع لم يكن خاصّاً بظهور الحركات المشار إليها وحده وإنما شمل أيضاً ما آلت إليه كلّ منها وما اجتازته قبل ذلك من أطوار. والواضح أن الميدان الأثير لهذا الفشل إنما هو دواخل المجتمعات والتفاعل المتسلسل الذي شهدته هذه الدواخل وليس المجال الجغراسي أو الخارجي الذي اندرجت فيه حركات التغيير.
فإن توقّع المواقف والإجراءات التي بدرت من القوى الخارجية الضالعة في شؤون المنطقة ومما يسمّى المجتمع الدولي حظيت بالعناية المنتظرة من المحللين، على اختلاف منابتهم، وصحب هذه العناية، على التعميم، قَدْر مقبول من التوفيق في التوقّع المتعلّق بتصرّفها في كلّ ظرف أو طور من تلك التي اجتازتها، حتى اليوم، هذه أو تلك من حركات التغيير العربية. الفشل الأكبر كان وبقي في توقّع أطوار الداخل بأعمّ مصاديقه، أي المجتمع، وما يتمخّض عنه من بوادر ومواقف.
لا يمكن ألا نحمّل المسؤولية عن شطر جسيم من هذا الفشل للعهود البائدة من الاستبداد بشؤون هذه المجتمعات بما هي عهود جهل واسع النطاق بكلّ منها لا من جانب ذوي الاختصاص المزعومين وحدهم بل من جانب المجتمع نفسه الذي حرص النظام المستبدّ بشؤونه على إبقائه جاهلاً بنفسه، لا يستجمع معرفة بما يدور في جنباته ولا يصوغ أو يعلن مواقف صريحةً من تعاقب الأحوال فيه.
بمعنى ما، كانت هذه المجتمعات مجتمعات سرّية: بمعنى أن أحوالها كانت تبقى سرّاً عليها فلا تجتمع لها معرفة بنفسها حيث ينبغي لهذه المعرفة أن تجتمع: أي في المراكز المنوط بها، عرفاً، مهمّات تحصيل المعرفة بالمجتمع وجمعها وتنظيمها ثم نشرها حيث يلزم.
يشدَّد، عادةً، على قمع الأنظمة المستبدّة حرّيات الرأي والتنظيم والعمل السياسي والانتخاب، إلخ. ولكن هذه الأنظمة تقمع أيضاً حرّية تحصيل المعرفة بنفسها وبمجتمعاتها وحرّية نشرها وتداولها. فلا يُتصوّر أن طالباً يعدّ رسالة لنيل شهادةٍ عليا يسعه أن يُجري، بحسب ما يراه ملائماً من أساليب، ما يحتاج إليه بحثه من تحقيق في المحيط الذي يتناوله البحث. ليس منتظراً أن تكون عين الاستخبارات غافلة عمّن يتجوّل في طول البيئة المدروسة وعرضها موزّعاً الاستمارات أو مجرياً المقابلات.
ولا يمكن ألا يتبع تشدّدُ الاستخبارات طَرْداً اقترابَ الباحث من الأمور ‘الحسّاسة’ أي ممّا يمكن أن يدلّ على وقائع في المجتمع تكذّب دعاوى النظام أو على مواقف الأفراد والجماعات من تصرّفات الدولة أو النظام بمختلف جهاته وأجهزته. يرجّح أيضاً أن تحمل أجوبة المستجوَبين شيئاً كثيراً أو قليلاً، بحسب الموضوع، من آثار القمع الذي كان قد لجم أسئلة الباحث أصلاً ورسم نطاقاً لحركته وعيّن له، بمعنىً ما، ما يؤذن له بالوصول إليه من خلاصات وما يتعين عليه تحاشيه.
هذا الذي يتعرّض له مُعِدّ الرسالة الجامعية يصبح أشدّ وضوحاً وأثقلَ وطأةً، على الأرجح، في حالة الباحث المكرّس. قطاع الباحثين هذا وما ينشرونه من أبحاث تتشكّل منها المكتبة المتداولة، المتعلّقة بقطرٍ من الأقطار، يقتضي الإلمامُ بحاله في ظلّ الاستبداد وقفةً خاصّة.
لهذا البحث صلةٌ إذن!
كاتب لبنانيأحمد بيضون

بين الكَنْز ورأسِ المال

أحمد بيضون

من زمنٍ بعيد، تُغْويني مقارنةٌ بعينها يوحي بها الاختلاف في النظر إلى الماضي، وإلى الزمن بأبعاده كافّةً، على ما أعاينه في نظرة العرب المعاصرين إلى تواريخهم وما أقع عليه من نظرٍ مغاير في فلسفات غربية للتاريخ ظهر أكثرها اكتمالاً في العصور الحديثة ولكن لها أصولاً في بعض الفلسفة اليونانية القديمة. تلك هي المقارنة ما بين اعتبار الماضي، والزمن كلّه بالتالي، كَنْزاً (يُنْظَر إليه، عادةً، على أنه مفقود) واعتباره رأسَ مال.
ولعلّي أجد ما يوضح هذه المقارنة في التذكير بأن الرأسمالية، بحسب تجلّيها في الممارسة الدائمة لا في الصياغة النظرية وحسب، تبدي كرهاً شديداً للـ ‘كَنْز′ بمعنى المَصْدر الفعليّ (كَنَزَ كَنْزاً): أي للفعل الذي هو الاستكثار من جمع المال أو ما هو بمثابته من موجودات أخرى قيّمة مع الاستنكاف عن استثماره، بمعنى الكلمة الحرفي، أي عن جعله يُخْرج ثماراً. وتحرص القيادات الاقتصادية للدول أو للمجاميع الدولية على تثبيط الميل الذي يظهره المودعون إلى إبقاء أموالهم بمثابة الأمانات لدى المصارف، مستنكفين عن الدفع بها إلى مشاريع تجارية أو صناعية أو غير ذلك، ومكتفين بما يجنونه من فائدة على الوديعة. وهو ما يحمل مراكز القرار المالي على خفض الفوائد، بقَدْر ما تأذن به المنافسة.
هكذا يجد المودعون أنفسهم مضطرين إلى الاستثمار إذ يشهدون ذواء ودائعهم التدريجي بداعي التضخم وقصور الفوائد عن تعويض الخسارة. وقد لا يتجاوز إذعان المودع، في هذه الحالة، تجميد الوديعة لأجَلٍ لقاءَ رفع المصرف لنسبة الفائدة المقرّرة لها وهو ما يتيح للمصرف نفسه أن يستثمرها في السوق في صورة قروض لأصحاب المشاريع أو زيادة لمحفظة أسهم يقتنيها، إلخ. هذا كلّه يمثّل نقلاً للوديعة من حالة الكنز (الذي تعتبر المجوهرات المودعة في صندوق صورته المثلى) إلى حالة رأس المال الذي يتجسد في تجهيزات لازمة للإنتاج أو يصبح دوّاراً بما هو أجور وموادّ أوّلية ويؤول إلى سلعٍ مطروحة لنوعٍ ما من أنواع الاستهلاك… ليبدأ دورة جديدة وقد ازداد حجمه مع تحقق القيمة المنتظرة، في السوق، للسلع المنتجة.
يلازم هذا المسارَ، بالضرورة، مخاطرُ يتحمّلها المستثمر ولا يتحمّل مثلَها المودع الذي لا يرجو من المصرف غير الأمان لأمواله. فإذا كان صاحب الوديعة يتقبل تآكل قيمتها الفعلية حين يبقيها تحت الطلب فإن المستثمر قد يواجه، في خضمّ أطوار للسوق لا سلطان له عليها، خسائر أفدح بكثير وأسرع وقوعاً. وأما صاحب الكنز، بالمعنى المطلق للكلمة، فيستبقي لنفسه القدرة على تفقّد كنزه في خزانته كلّ صباح مطمئنّا إلى بقائه في الحالة المادية التي تركه عليها. ولا يعني الثبات المادّي هذا ثباتاً في القيمة او وقايةً للكنز من منطق السوق. فإن الذهب، مثلاً، تصعد قيمته وتهبط وهو حبيس الخزائن لم يطرأ على حاله المادّية أيّ تبديل… مع ذلك، تكره الرأسمالية بقاء الكنوز في خارج الانتاج وتجهد لجذبها إلى دائرته أي لتحويلها إلى رساميل.
للضدّية القائمة بين الكنز ورأس المال وجاهة مؤكّدة، إذن، وفاعلية مستمرّة.
من هذا كله أردنا الوصول بصدد الزمن، في ما نعتبره عوالمنا وفي ما نعدّه عوالم الغير، إلى ملاحظة يسيرة المظهر ولكنّها فادحة العاقبة. وهي أننا ننظر في أزمنتنا رجوعاً مبتغين العودة منها إلى لحظة بعينها نعدّها موئل القيمة أو إلى عصر أو عصور شهدت تكوّن ما نجد له قيمة ممّا نطلق عليه اسم ‘التراث’. هذا النظر الرجعي – بسائر معاني الصفة – إلى الزمن يسلب الحاضر والمستقبل كلّ قيمة يسعهما أن يكونا، بحدّ ذاتهما، مصدراً لها. فلا توجد قيمةٌ في الحاضر أو المستقبل أو لهما ما لم تكن استعادةً للماضي أي ناشئةً، على وجه التحديد، من الشبه بالأصل أو من الاقتداء بـ’التراث’. هذا والحاضر والمستقبل مقصّران حتماً، في منطق هذه النظرة، عن شأو الماضي-المثال الذي هو ‘منقطع النظير’ بالمعنى التامّ للعبارة. هذا الماضي لا ننفكّ نقصّر عن سويّته كلّما مضى بنا الزمن بعيداً عنه.
عليه كان الماضي، بما هو رأسُ مالٍ، زمناً مُدْرَجاً في الحركة الحاضرة نحو المستقبل، يزيد فيه أصحابه بنتيجة كلّ دورة وينقلونه، بعد أن يخاطروا بما وصل إلى أيديهم منه، من حالٍ إلى حالٍ أخرى. وهم يعتبرون الحال الجديدة، على التعميم، موئلاً لقيمة أسمى من القيمة التي كانت في السابقة. وذاك بقَدْر ما توافق هذه الحال حاجاتِ الأحياء الراهنة وبقَدْر ما تبدو مفتوحةً على مُقْبلٍ يعدّونه أمْثَلَ ممّا سلف. وأما ماضينا- الكنز فيستوي موضوعاً للتأمّل والحسرة، تمتزج في النظرة إليه رغبة في التمثّل بصوَرِه المختزنة وشعور بنكوصٍ تفاقَم مع الزمن دون هذه الغاية. نفتح خزائننا إذن كلما ضاقت بنا السبل ونلقي نظرةً على ‘الأصل’ أو على ‘التراث’: على ما يحلو لنا أن نعدّه عصراً ‘ذهبياً’… ننظر إلى كنزنا محتَسِبين لأنفسنا قيمةً ثابتة عظيمة نستمدّها منه أو من صوره المشغولة في مخيّلاتنا. بل إننا كثيراً ما نشفع التعبّد للكنز الذي هو الماضي بالشعور أنه قد سُرِق منّا ولم يبقَ لنا منه سوى الأخيلة. وهو ما يرجّح موقف النَدْب والحسرة على كلّ موقفٍ آخر حيال الزمن.
وعلى الإجمال، لا ننتبه إلى أن الكنوز أيضاً معرّضة، وهي في خزائنها، لأهوال السوق: لأهوال التاريخ والعالم. فما بالك بأصحاب الكنوز إن كانت صُوَرُها كلَّ ما يملكون؟
كاتب لبناني

فوات الوفَيات

أحمد بيضون

معلوم أن حظوظ الجرائد من الإعلانات لا تكون متساوية. ولا كلفة الإعلان تتساوى أيضاً بين هذه وتلك من الصحف. فلكلي الأمرين تعلّقٌ بتوزيع الصحيفة. ولا تشذ إعلانات الوفاة في صحف بيروت اليومية عن هذه القاعدة. فإن اثنتين منها تكادان تستأثران بأخبار الرحلة الأخيرة وما يليها من مراسم. والراجح أن سمعة التوزيع الواسع كانت في أصل هذا الامتياز. ولكن الأمر استحال إلى عُرْف أو تقليد مع مرور الزمن، فلا تغيّره سمعة التراجع في توزيع هذه الجريدة ولا تنال الحظوة نفسها، في هذا المضمار، صحيفة جديدة يشاع أن توزيعها فاق توزيع كلّ من الجريدتين المستأثرتين بهذا الشطر من السوق. وذاك أن مستطلع المواعيد المتعلقة بالمراسم اعتاد أن يجد بغيته في إحدى هاتين وإليهما بقي يتوجّه ذوو الراحلين، بحكم العادة أيضاً.
هذا ولا تخلو صفحة الوفيات هنا أو هناك من إثارة اللواعج الطائفية. وهو ما لا يستغرب في بلادٍ تنفرد بين دول العالم بالامتناع عن إحصاء سكّانها خشية اضطراب الموازين المفترضة بين طوائفها واضطراب نظامها برمّته تبعاً لذلك. فإن مَنْ يُطالع صفحة الوَفَيات في ‘الجريدة اللبنانية الأولى’ يشعر أن المسيحيين صائرون إلى الانقراض حقّاً فيما يبدو نادراً أن يدخل مَلاكُ الموت بيوتَ المسلمين. ولا يغيّر هذا الشعور إلا تفقّد الصفحة نفسها في الجريدة الثانية. فمن هناك يذهب المسلمون إلى الجنّة زُمَراً فيما يبدو المسيحيون شِبْهَ مخلّدين في هذه الفانية. ولمّا كانت الأولى أكثرَ جذباً للقرّاء المسيحيين والثانية أشدّ إغراءً للقرّاء المسلمين فإن قراءة تلك الصفحة في كلّ من الجريدتين تخلو من كلّ مُتْعة ولا تجلب للمقبلين عليها إلا الغمّ.
وذاك أن القارئ يعاين اضمحلال جماعته في كلّ من الحالتين وبقاء الجماعة الأخرى مكتنزة العديد. هذا فيما تحاول كلّ من الجريدتين ترسيخَ شعورٍ مغاير لهذا في صفحاتها السياسية إذ تروّج هناك لأحلام جمهورها الأعظم وتجهد لتلبية طلباته العاطفية.
فلا يبقى مَخْرجٌ من هذا التناقض المرير إلا شراءُ الجريدتين معاً كلّ يوم (في ظرف الأزمة المعيشية الخانقة) ومطالعةُ الموادّ السياسية في واحدةٍ منهما وصفحةِ الوفيات في الأخرى. وهذا مع اتّباع الهوى الطائفي في الاختيار، بطبيعة الحال، وتجنّب الانسياق مع الفضول السيّء العاقبة.
هكذا تغدو قراءةُ صفحة الوَفَيات مَصْدرَ غبطةٍ طائفية للكلّ إذ يصبح كلّ لبناني مطمئنّاً إلى ازدهار جماعته وذواء الجماعة الأخرى ولو فاتَه، في الغالب، أداءُ ما عليه من واجب التعزية. فإن راحة البال هي الأهمّ.
على أن ما سبق كلّه يمسي غير ذي موضوع تقريباً حين نفطن إلى أن خطّ الفصل أصبح يمرّ اليوم بين الشيعة والسنّة لا بين المسيحيين والمسلمين. فأين يجد صاحب الحاجة جريدتين تفني إحداهما السنّةَ لحساب الشيعة وتفعل الأخرى العكس ما دام أن صفحة الوَفَيات في كلّ من الجريدة الرابعة المنسوبة إلى هؤلاء والخامسة المحتسبة لأولئك تبدو قدوةً في الكَساد. إذ قلّما يُقبل على الموت في هاتين الجريدتين أحد.’.. أقصد الموتَ الطبيعي، بطبيعة الحال.
تبقى الإشارة إلى شيء تتشابه فيه خريطة الصفحة الحزينة في الصحيفتين اللتين بقيت فيهما على ازدهارها: وهو فاعلية العامل الطبقي في تشكيلها بخلاف ما هي عليه الحال في تشكيل الحراك السياسي في لبنان. فإن ذوي المال والسلطة يكثر نُعاتهم. فيحظى الواحد منهم بتكرار خبره مراراً مع أن القارئ يصدّق الخبر من المرّة الأولى. هكذا يضطرّ القارئ، غالباً، إلى مطالعة معظم الصفحة قبل أن يعثر على نعي الفقيد المغمور الذي يرغب في تعزية ذويه. وأمّا السَرِيّ الوجيه فيكرّر نعيَه، بعد عائلته، مستخدمو كلّ من شركاته ومجالسُ الجمعيات التي كان يرأسها، إلخ. وهو ما ينشئ قَدْراً من التشابه بين حالات التكرار تلك.
على أن واحداً بعينه من نوّاب الأمّة، اعتاد أن يخرق هذه الرتابة بانتظامٍ لا يخطئه المتابع. هذا النائب عُرف بإيثار الصمت فلا تحظى منه بهمسةٍ بلايا تضرب البلاد وتذهب بأروح كثيرة. ولكنه يطلّ على ناخبيه من صفحة الوَفَيات، في مواعيد متقاربة، لينعى إليهم ‘ركن الاغتراب’، مثلاً، أو ‘عمود الإدارة’ أو ‘أُسْطون العِلْم’ من بين معارفه.
هذا وبين كبريات الصحف اليومية في بيروت واحدة خامسة لا يحظى الموت فيها بحيّز ثابت. ولعلّ السبب أنها لا تعدّ لبنانية، إلا باعتبار الأصل. صحيح أن هذه الجريدة تفقد صوابها فجأة، كلّ مدّة، فتخصّص صفحة تامّة (بل صفحتين في بعض الحالات!) لميّت واحد. على أن هذا الميّت لا يكون أيّ ميّت بطبيعة الحال. عليه أن يكون أميراً سعودياً أو، في الأقلّ، تاجراً خليجياً من أولئك الذين يُحْتسب بين أسباب وفاتهم تعبُهم في إحصاء أموالهم. ويدرك قارئ الجريدة بلا عسر – ولو ان الجريدة لا تنشر تعرفةً لهذه الفئة الإعلانية – أن الورثة أهدوا إلى هذا الميّت مبلغاً طائلاً من حرّ ماله. أو أن من كان للراحل الفضل في تخمة خزائنهم يردّون إليه عُشْر معشارٍ مما أسدى إليهم راجين أن ينسج الورثة حيالهم على منوال الفقيد.
ولكان الأمر يبلغ بالقارئ من ذوي الدخل المحدود أن يفضّل البقاء في قيد الحياة متناسياً ما هو فيه من شقاء العيش لو لم يكن يوجد للإعلان عن رحيله صيغٌ غير هذه الصيغة الباهظة الكلفة.

كاتب من لبنان

في كُلْفة النقد الذاتي

أحمد بيضون

في كثير من بلاد العالم، يُعتبر شهرُ نيسان/ابريل شهر الكذب. في لبنان، أصبح نيسان، في العقود الأخيرة، شهر التوبة. عند إمعان النظر، يتبين أن التفارق بين اللبنانيين وسواهم ليس مؤكّداً لهذه الجهة، ليس مؤكّداً أن توبة التائبين في بلادنا هذه ليست توبة كاذبة.
عمَّ يعلن اللبنانيون توبتهم؟ يقولون إنهم تابوا عن الحرب الأهلية. ويتّخذون مناسبة لهذا الإعلان ‘عيد’ ميلاد حربهم الضروس الفائتة وهو الثالث عشر من نيسان/ابريل. ففي هذا اليوم من سنة 1975، وقعت حادثة اغتيال في ضاحية بيروت ثم حصل الردّ عليها بمجزرة كبيرة. بعد ذلك… كان ما كان مما لست اذكره…
يعلن لبنانيون كانوا قد بلغوا السنّ المناسبة للقتال في غضون تلك الحرب وولغوا في فظائعها أنهم نادمون على خوضهم إياها، وأنهم لن يعودوا إلى مثلها أبداً. ويعلن لبنانيون آخرون من الذين بلغوا أشُدّهم بعد انتهاء الحرب، أنهم سيقاومون العودة إلى ما يشبهها من قريب أو من بعيد. وفي الكثرة الكاثرة من الحالات، يمتنع التوّابون هؤلاء، إن كانوا من الذين شهدوا فصولاً من الحرب، عن استرجاع ما فعلوه معيّناً بما يناسبه من أسماءٍ وأوصاف ويمتنعون، على الأخصّ، عن البحث في ما دعاهم إلى فعله. وأما الشبّان فيبقى تعهّدهم اجتناب الحرب الأهلية، باعتبارها رِجْساً، تعهّداً مبدئياً أيضاً: إذ هم لا يضعون هذا التعهّد على محكّ موقعهم في السياسة وما يمليه من مواقف وما يستجرّه الموقع والمواقف من ردودٍ ينبغي النظر فيما إذا كان القتل والقتال الأهليّان واردَين بين احتمالاتها.
في حالتي الشِيب والشبّان، إذن، تأتي التوبة مجْمَلةً لا تدخل في التفاصيل، أي في ما كان حاصلاً وما هو ممكن الحصول حسّياً. هي تختار الانقطاع عن صورة الواقع أو المساق السياسي، في الماضي والحاضر، مؤْثرةً التحليق فوق الصورة زاعمة، ضمناً أو صراحة، أنها قادرة على ضمان الوفاء من جهتها بعهد المسلك السلمي، أيّاً يكن ما يسفر عنه المستقبل من تحدّيات. هكذا يسعى التوّابون أن يكتفوا، في أكثر الحالات، بإشارات عارضة تفيد التوبة، تَرِد في معرِض كلامٍ آخر واشيةً بالاستنكاف عن اعتبار النقد الذاتي همّاً قائماً برأسه له قواعدَ وأصولٍ إن لم يَرْعها لم تَقُم له قائمة وعُدّ غِشّاً للشاهدين.
في ساحة الواقع، كان القول في السنوات الأولى التي تبعت الحرب أن خروجنا منها لا يكون ناجزاً إن لم نعالج مصادرها في تكوين النظام السياسي-الاجتماعي وفي ممارسة السياسة. وكان مؤدّى هذا الكلام الاعتقادُ أننا خرجنا منها ولكنه خروج غير مضمون المصير. في العقد الأخير تغيّرت حالنا: فقد أخذ يرجح أن لنا مع العودة إلى الحرب ميعاداً قد يكون قريباً وأن بين الذين يزعمون استبعاد هذه العودة من بين رغباتهم من يحثّ الخطى بالبلاد نحو أفق لا يلوح فيه غير الحرب.
في كلّ حال، يشير أدنى تذكّرٍ لِما أفضى إلى الحرب اللبنانية ولِما كانته هذه الأخيرة، على الفور، إلى أسئلةٍ موجعة جدّاً لا يسع مُزاولَ النقد الذاتي أن ينحّيها جانباً:
هل كان جائزاً للقوى السياسية المنسوبة إلى المسيحيين أن تَسدّ المسالكَ إلى ما كانت مراجعُ مسلمةٌ ذات وزن تسمّيه ‘المشاركة’، أي إلى إعادة نظر جادّة في موازين السلطة تتبع ما كان المجتمع قد شهده من تحوّلات في موازين طائفية أخرى؟ هل كان جائزاً للقوى السياسية المنسوبة إلى المسلمين أن تعتبر المنظّمات الفلسطينية المسلّحة جيشاً لها وأن تغلّ يد الدولة عن مواجهة النشاط الفدائي على حدود البلاد الجنوبية وعن الحؤول دون تحويل المخيمات الفلسطينية وغيرها من نواحٍ قريبة أو بعيدة إلى قواعد محرّمة على قوى الدولة؟ هل كان جائزاً لما سمّي ‘القوى الوطنية’ من يسارٍ وغيره أن تواجه بالسلاح لبنانيين آخرين مبادِرةً بمقاتليها إلى هذه المواجهة أو مؤازِرةً فيها منظّمات الفلسطينيين، قاصدة المستهدفين إلى ديارهم في بعض الحالات، باعتبارها مواقع ‘إستراتيجية’ لا دياراً لمواطنين في الوطن نفسه؟
هل كان يجوز لقادة المسيحيين أن يدعوا حاكم سوريا إلى مواجهة المنظمات الفلسطينية وحليفتها اللبنانية، بالنيابة عنهم وهو ما أورث احتلالاً سورياً للبلاد لم ينفع الانقلاب المسيحي عليه في وضع حدّ له؟ هل كان يجوز لهؤلاء القادة من المسيحيين أنفسهم أن يواجهوا العمل المسلّح الفلسطيني بطلب النجدة من إسرائيل مؤازرين احتلالها شطراً من الجنوب في سنة 1978 ثم اجتياحها نصفَ البلاد وعاصمتَها سنة 1982 وما تخلّل ذلك من مجازر ودمار فظيعين؟
هل كان للتنظيم الشيعي الأكبر في الثمانينات أن يستحيل أداةً للحاكم السوري فيخوضَ لحسابه حرب المخيمات السيّئةَ المنظرِ والمَخْبَرِ ويَقْمعَ ابتغاءَ رضاه حلفاءَ الفلسطينيين من المقاتلين السنّة ويقتسم مع التنظيم الدرزي نصفَ بيروت الغربي بعد أن يُخرج منها الجيش اللبناني؟ هل كان يجوز التهجيرُ المتبادل بين الجماعات في الساحل والجبل والقتلُ بحسب الهوية الطائقية ونهبُ الأحياء والقرى وتركُها قاعاً صفصفاً لعلّةِ الاختلاف الطائفي؟
ليس هذا سوى غيضٍ من فيضِ الأسئلة الجارحة، التي يتعيّن على كلّ تائب عن الحرب الأهلية أن يتجشّم عناء الإجابة عنها. فإذا وصلنا إلى الحاضر وَقَعْنا على أسئلةٍ تختلف فيها أسماءُ الأطراف والمواقع، أحياناً، وتختلف عناوينُ المسائل ولكنها من الصنف الموجع أيضاً. ولنَكْتَفِ بسؤالٍ واحد جامع: هل يجوز للقوى السياسية الرئيسة في البلاد أن تجعل مواردها، على اختلاف المجالات، موزّعة بين مصادر خارجية متعادية تشتري بالدعم الولاءَ السياسي وتفترض الطاعة وإجراءَ ما تقتضيه في الداخل أو في الخارج مصلحةُ كلّ منها في مواجهة الآخر؟
فيا له من كذبٍ أن يعلن المرء توبةً عن الحرب الأهلية ويبقى موالياً لما يجعل الحرب أمراً مرجّحاً أو قَدَراً محتوماً: ممالئاً له أو ضالعاً فيه.
نيسان باقٍ على حاله إذن: في لبنان وفي غيره!

‘نوح’ ومُشْكِل البراءة

أحمد بيضون

يحظى جمهور السينما في بيروت، هذه الأيام، بمشاهدة ‘نوح’، فيلم دارن آرونوفسكي الضخم. مُنِع الفيلم في البلاد العربية الأخرى وتقدّم الأزهر الصفوف مستعيداً الحجّة القائلة إنه يجوز لنا النظر إلى صور الحكّام والمُفْتين ولكن يَحْرُم علينا تمثيل الأنبياء في صُوَر. في لبنان، تحاشت الرقابة الحَرَج بسطرين على الشاشة يسبقان انطلاق العرض ومفادهما أن الفيلم يروي قصةً ‘تاريخية’ لا علاقة لها بالعقيدة الإسلامية. فظهر أن مرجعيةً مسلمة (أو أكثر من واحدة) هي التي شاءت أن تستبعد تبنّيها القصّة بالصيغة التي اعتمدها (أو ابتكرها) الفيلم. هذا فيما بقي الموقف المسيحي، في صيغته اللبنانية، مكتوماً.
والحال أنه لا يوجد ما هو مجانب للواقع مجانبةَ وصف هذا الفيلم بالقصة ‘التاريخية’. فحتى تاريخه، لم يعثر فوق جبل أرارات على بقية لسفينة نوح التي بناها عمالقة كانوا ملائكة عوقبوا بالتحجّر. وكان لهذه البقية، لو وجدت، أو لما يقوم مقامها، أن تستوي وثيقةً تسند نسبة هذا النبي وقصّته إلى ‘التاريخ’، بالمعنى المعلوم لهذا الضرب من المعرفة. لا تزال القصّة إذن قصّة دينية مائة في المائة. وإذا جاز أن يداخلها بعض الخيال فإن تصديقها يبقى مسنداً إلى الإيمان لا إلى دليل حسّي يصحّ وصفه بـ’التاريخي’.
ولكن ما لنا وللبحث في مبلغ التبحّر الذي بلغه الأمن العامّ اللبناني في أصول المعرفة التاريخية. فإن ثمّة في الفيلم نفسه ما يستبعد الرجوع إلى التاريخ بما هو وقائع موقوتة أي مقترنة بزمن. وفيه ابتعادٌ بيّنٌ أيضاً عن قصّة هذا النبي في الصيغة التي أوردها العهد القديم. بل إنه يمكن القول في ما يتخطّى كلّ مفارقة أن الافتراق المتعمّد عن معالم النصّ التوراتي جاء مزكّياً لنوع من التحليق عبر التاريخ مبتغياً تمكين القصة السينمائية من الدخول في مواجهة شفّافة لمشكلات قائمة في عالمنا المعاصر.
أو ان الأصحّ أن نرى الصفة المعاصرة لهذه المواجهة ممكنة، على وجه التحديد، بسبب فرضية رئيسة استقاها الفيلم من مصدره الديني: تلك هي الفرضية القائلة بوجود مشكلات غير محدودة الوجود بزمن، وذلك لتأصّلها في حال الدنيا والبشر تأصّلاً تتبدّل صيغه من زمن أو مكان إلى غيره ولكنّه يبقى عصيّاً على البطلان. هذه المشكلات، في حالة الفيلم، هي مشكلات الشرّ المقيم في نفوس البشر وما يتبعه من خطيئة وما يبدو مستثنى منه من حالات البراءة وما يفترضه هذا الاستثناء من اختلاف في معاملة السماء للأبرياء بحيث لا يؤخذون بجريرة الأشرار الخطأة. حتى إذا بدا أن المعاملة بقيت واحدة على الرغم من اختلاف الحالات، طُرح السؤال الكبير المتعلّق بإمكان وجود الشرّ، لا في نفوس البشر وحدها، بل في نظام العالم بعمومه.
ولعلّ هذه القابلية لاستخراج أسئلة تقع في ما يتعدّى التاريخ هي ما جعلني، وأنا أشاهد فيلم آرونوفسكي، أفطن إلى ‘الطاعون’، رواية ألبير كامو، وإلى مشهد منها، على وجه التحديد، هو ذاك الذي ينفجر فيه الطبيب ريو في وجه الكاهن بانيلو وهما يشهدان معاً موت طفل القاضي أوتون بالوباء، بعد عذاب مهول… يصرخ الطبيب في وجه الكاهن الذي كان محمولاً بإيمانه على اعتبار الطاعون عقاباً إلهياً لخطايا المدينة:
‘هذا، على الأقلّ، كان بريئاً. أنت تعلم ذلك حقّ العلم’.
أمكن إذن أن أَسْبَح ألوفاً من الأعوام لا يعلم عددها أحد: بين طوفان نوح الذي هو أصلٌ جديد للخليقة كلّها وطاعون وهران الذي يتخيله كامو في أربعينات القرن العشرين (أي في أعوام الحرب العالمية). فالواقع أن المسألة التي تنعقد حولها عمارة الفيلم كلّها إنما هي مسألة البراءة التي تلقي بظلّها على وجاهة العقوبة المنزلة بأبناء قايين، أي بمعاصري نوح جميعاً من جنس البشر: وهي عقوبة الطوفان الذي يجهز على بشرية ذلك الوقت برمّتها.
والبراءة التي يمثّلها الطفل الميت في رواية كامو يمثّلها في فيلم آرونوفسكي شخص ‘نائل’، الصبية المنتمية إلى شعب الأشرار والتي أغرم بها حام بن نوح وحاول أن يبلغ بها أمان السفينة ولكن والده حال بينه وبين تحقيق بغيته. ذاك ما حمل حاماً، وهو في غمرة النقمة على أبيه، على الضلوع إلى حين… في مؤامرة لقتل هذا الأخير أعدّها ملك الأشرار الذي تمكّن من التسلل، وهو جريح، والاختباء في السفينة.
كان نوح مصمّماً على تنفيذ خطّة الخالق القاضية بالإبقاء على الحيوانات وحدها لعلّة براءتها وبوضع حدّ لوجود البشر بعد أن أفسدوا الأرض وبجعل نوح وأبنائه آخر من يبقى على البسيطة من هذا الجنس إذ يمتنع عليهم أن يتناسلوا. وكان الصدوع بهذه الإرادة يقضي ألا تدخل السفينة امرأة يسعها أن تلد. فاقتُصِر الأمر، لهذه الجهة، على امرأة نوح وعلى صاحبة ابنه سام وهي فتاة كانت العائلة قد تبنّتها بعد أن عثرت عليها مصابةً بجرح حكم عليها بالعقم.
والحقّ أن امتناع التناسل هذا على عائلة نوح وبقاءَ اثنين من أبنائه الثلاثة بلا نساء والثالث مع امرأة عاقر إنما هي تفاصيل نقع عليها في الفيلم ولا نقع لها على أثر ولا عين في نصّ العهد القديم. بل إن هذا النص يشير، بخلاف ذلك، إلى دخول نسوة بني نوح السفينة مع أزواجهن وهو بطبيعة الحال ما أتاح تجدّد البشرية بعد الطوفان.
عوض الأخذ بالحلّ التوراتي هذا، تُشفى الصبية العاقر في الفيلم وتحمل من سامٍ بن نوح. وهو ما يضع نوحاً أمام مشكل البراءة على نحوٍ أشدّ فظاعة هذه المرّة. فهو يقرّر أنه إن وضعت امرأة ابنه ذكراً فلن يكون ثمة بأس في تركه يكبر ويموت على غرار كلّ حيّ. فلا تكون إرادة الخالق قد عُصيت لأن هذا الوليد لن يتناسل بدوره. وأما إذا كانت المولودة أنثى فسيكون على نوح قتلها. والحال أن امرأة سام تضع أنثيين لا واحدة. وفيما يرى حام ويافث المستوحدان أن الخالق أرسل إليهما طلبتهما، يدرك نوح الوليدتين شاهراً سكينه ليقتلهما وهما بين ذراعي أمهما. هذا المشهد الرهيب ينتهي إلى عجز نوح الذي تدركه الرقّة عن إنفاذ الإرادة الإلهية هذه المرّة… وحين تنحسر مياه الطوفان ينصب الخالق قوسَ قزح علامةَ رضاً منه وأَمارة عهد جديد يعقده مع بني الإنسان متخلّياً عن رغبته في إفنائهم. فيسع نوحاً أن يدعو أولاده إلى التكاثر والانتشار في الأرض.
هي البراءة إذن. يفلح الحبّ أو الرحمة في الكشف عنها حيث توجد وفي نصبها ضدّاً للشر المنتشر ومانعاً، على الأخصّ، من شمول الجماعة كلّها بالخطيئة دون رويّة أو تمييز. في آخر مطافه، يبدو هذا الفيلم عمل رفض للعنف المعمّم الذي يُحْمَل على أنه استجابة لإرادة أو لقيمة عليا وتمثّله، في عالمنا، حملات الفتك الاستبدادية والحروب. تُكْتشف البراءة حين يقرُب العنف من أقرب البشر إلى القيّم عليه: من حفيدتي نوحٍ ههنا أو من ابن إبراهيم في فصل لاحق من الكتاب نفسه. ولكن هذا القرب لا يعدو أن يكون ذريعةً لاكتشاف البراءة وهو لا يستنفدها ولا يُبْطِل ضرورة البحث عنها حيث توجد بل يشير إلى هذه الضرورة.
والحال أن هذاالفيلم مليء بإشارات إلى عالمنا الحاضر، بما فيه من عنفٍ وتمييز يضربان الجماعات بلا تمييز بين أفرادها. ويركب بعض هذه الإشارات مركب المزاح. هكذا نرى جدّ نوح العجوز يعرض على مُجالسيه مشاركتَه كأساً من الشاي! ولا ينقص النكتة، بما تعلنه من مغايرة للزمن، إلا أن يسألهم هل يفضّلون تويننغ أم لبتون؟
‘ كاتب لبناني

إقرأ…

أحمد بيضون

بات معتادأً في جلسات البيوت أو المقاهي فتح المناظرة بين أنصار الكتاب أو الجريدة الورقية وأنصار القراءة على الشاشة. يشبه هذا ما يستدعيه الزجّالون في ندواتهم من أشياءٍ ينشئون بينها علاقةَ ضدّيةٍ ويروح أحدهم يشيد بواحد من الضدّين وينتقد الآخر فيما يشيد خصمه بالآخر ويحمل على الأوّل. من ذلك اقتراح مناظرةٍ بين القلب والعين علق بذاكرتي من زمنٍ قديم:
ما بين قَلْبْ وعَيْنْ نَقّي من التْنَيْنْ / اللي بتعجبكْ والتانيي سِيبا إلي!
يشدّد أنصار الورق على ما تجلبه العلاقة به من متعة حسّية: على ملمسه وحتّى على رائحته ويذكرون مقام الكتاب بما هو ‘جليس′، على قول المتنبّي، أو بما هو مقتنىً تتّصل به قيم عظيمة عمرها قرون. الصحيفة الورقية أيضاً رفيقة طقوس تُسْهم في تعيين موقع لمن يعتادها في الجماعة. وأما المسلّمون بسيادةٍ لا رجعة عنها للحواسيب، على أنواعها، فيدافعون عن طاعتهم للمدّ الجارف بذكر مزايا ذات طبيعة عملية للمادّة الرقمية لم تكن متاحة لسلَفها الورقي. من ذلك إمكان التنقّل بمكتبة فيها ألوف الكتب ومعها أشرطة وصور وتسجيلات شتى ومداخل إلى عدد لا يحصى من الصحف بلغات شتى وإلى محطات الإذاعة والتلفزة أيضاً وإلى شبكات ومواقع وصفحاتٍ لا تحصر، وهذا كله على حاسوب لوحيّ لا تتجاوز زنته بضع مئات من الغرامات.
وينوّه أنصار المقروء الافتراضيّ، على الخصوص، بوظيفة البحث التي تتيح للقارئ أن يحصر، في الموقع الواحد أو في المواقع كلّها، ما ينفعه، مهملاً النظر في ما لا ينفعه ومقتصداُ ما كان يصرفه من وقت في التقليب المحموم لصفحات الكتاب أو لأعداد المجلّة مثلاً وهو لا يحتاج منها كلّها إلا إلى فقرة أو جملة. وهذا إذا لم يفته كلّ ما يحتاج إليه أو جلّه وهو يسرع في التصفّح وإن لم تلجئه الضرورة إلى معاودة الكرّة. وأما وظيفة البحث الحاسوبية فتجد له ما يحتاج إليه من المطبوعة، كثيراً كان أم قليلاً وتنجز له بأجزاء من الثانية ما كان سيستغرق منه ساعاتٍ أو أيّاماً. وإلى البحث تضاف القدرة على نقل ما يلزم وجمعه في موضعٍ واحد وتنسيقه بحسب المرغوب…، إلخ. هذا كلّه لم تكن تتيح ما يدانيه الكتب المتقنة التأليف، المزوّدة فهارسَ مختلفة ومكتباتِ بحثٍ جامعة.
من هذا يبدو أنصار الشاشة وكأنهم يتوفّرون على مزايا عمليّة يستطيعون الاستفاضة في عرضها، فيما لا يجد أنصار الورق سوى مشاعر يمكن حشرها كلّها في خانة الحنين تسويغاً لوفائهم لما يصطفّ على الرفوف أو يتراكم فوق المكاتب. ويزيد موقع الورقيين ضعفاً أن تقدّمهم الغالب في السنّ يُظهرهم وكأنّهم صائرون إلى الانقراض. فإن أكثر هؤلاء، بطبيعة الحال، هم ممن جاوزوا سنّ الثلاثين بكثير أو قليل فعرفوا عالماً كان الورق فيه سيّد الساحة واتخذوه عالماً لهم إذ لم يجدوا في متناولهم سواه. هذا فيما يجنح الشباب ناهيك بالأطفال إلى ملازمة الشاشة ولوحة المفاتيح ويسلسون لهما قيادهم إلى حدّ يجعل ملمس الورق يوغل في غربة متزايدة عن عوالمهم. فيظهر أن الافتراضي بات قاب قوسين من وراثة أرض الواقع ومن عليها.
هل يصحّ فعلاً اختتام البحث بالملاحظة القائلة إن لما تعرضه الشاشات مزايا عملية يقصّر دونها الورق؟ أم أن ثمّة بين الطريقتين فوارق تتناول فعل القراءة نفسه فتجعل معناه ومؤدّاه مختلفين بين حالة وحالة اختلافاً يصل إلى طبيعة القراءة نفسها. هل نفعل الشيء نفسه حين نقرأ كتاباً على الشاشة وحين نقرأه في حلّته الورقية؟
الراجح أن الجواب عن هذا السؤال يصحّ بالإيجاب حين يتعلّق الأمر بكتاب واحد محدّد. ولكن يظهر أن الأمر يمسي مختلفاً جدّاً حين ننظر في المعنى العامّ للقراءة على النحو الذي يشكّلها فيه المعروض الافتراضي بعمومه ونقارنه بذاك الذي تشكّله المكتبة الورقية. فإن ثمّة تعمّداً في اختيار المطبوعة، كتاباً كانت أم صحيفة، ينطوي على رغبة في المغامرة تأتي مكتفية بضوابط تقريبية جدّاً منها، على سبيل المثال، المعرفة السابقة بالمؤلّف أو المتابعة المعتادة للصحيفة. في ما يتعدّى هذه المزكّيات للاختيار يترك القارئ نفسه لما تحمله إليه المطبوعة مستنفراً ملَكةَ انتباهٍ عوّدها الإصغاء، مكتفياً من الأسئلة بأعمّها: ما الأخبار اليوم؟ ما رأي فلان في ما جرى هناك؟ ما جديد هذا المؤلّف بالمقارنة مع ما هو مأثور عنه؟ إلخ. الذهن المفتوح للمنتظَر ولغيره والصبر… الصبر، خصوصاً، والتفكّر هي ما يميّز المقاربة المنتظرة من قارئ المطبوعة الورقية.
الشاشة، والشبكة وراءها، شيء مختلفٌ جدّاً والمستغرق في عوالمهما بشريّ مختلف جدّاً. عادةً يدخل المستطلع مجاهل الشبكة العنكبوتية ومفتاحه إليها سؤال قد يكون اسماً علماً أو كلمة أخرى. فقد أصبحنا حين يشكل علينا أمرٌ من الأمور لا نقوم إلى مجلّد على رفّ قريب ولا إلى آخر أبعد منالاً في مكتبة الجامعة بل نبثّ شكوانا إلى آية الله غوغل الذي يوافينا بلا انتظار بما يفيض كثيراً عن الحاجة وما هو جدير بالتقدير والشكر وما هو حريّ بإثارة الشك أو الإنكار في نفوس العارفين. معنى هذا أن معاملتنا الأساسية للشبكة توحي باعتبارنا إياها قاموساً عرمرماً أو موسوعة بلا ضفاف. هذه الشساعة نفسها تملي تضييقاً متصاعداً لنطاق المطلوب يفرض مزيداً من التحديد لما نختار قراءته ضنّاً بالوقت. ولكن الوصول بهذا التحديد إلى مدىً مناسب قد يقتضي هو نفسه وقتاً غير قليل نمضيه في ما يشبه التجربة والخطأ. في كلّ حالٍ، تغلب ههنا صيغة العلاقة المألوفة بالقاموس أو الموسوعة على تلك المألوفة بأنواعٍ أخرى من الكتب: بالعمل الفلسفي، مثلاُ، أو بالرواية.
غير أن التضييق المشار إليه يستحيل غرقاً وتخبطاً في خضمّ هائج حين نترك استطلاع الشبكة ما عندها من أجوبة عن سؤال محدّد إلى نوعٍ آخر من التصفّح هو ذاك الذي يمليه علينا اقتناؤنا بريداً الكترونياً أو صفحة في الفيسبوك أو في غيره من شبكات ‘التواصل’. إذ ذاك نجد انفسنا عرضة لمسالك في المغامرة أكثر تشعّباً بكثير من تلك التي يعرّضنا لها كتاب مختار أو صحيفة مألوفة. فما من منطق يضبط ما يمكن أن يحمله إلينا البريد، وبعضه مرفقات فيها كلام مستفيض أو فيها أصوات وصور تترى بغثها الكثير وسمينها القليل ونراها تقتنص وقتنا، أحياناً، بلا طلب منا ولا قرار اتخذناه. ومثل هذا وأكثر منه يقال عمّا يحمله الفيسبوك، مثلاً. فها هنا لا تني تتفاقم ورطة المتصفّح وهو يعاني تدفّقاً بلا آخر لموادّ لايسأل رأيه في وصولها إليه، يستوقفه بعضها وكثيراً ما يندم لأنه ترك لها أن تستوقفه. ولعلّ أحسن خلاصة للشعور بهذه الورطة قول ذلك الفسبوكي المفجوع بوقته: ‘العمر بيخلص والـنيوز فيد ما بيخلص’.
على أن أجدر ما في هذا كلّه بالانتباه هو أن غزارة العرض تجعل المتصفح لا يمضي في قراءة مادّة (أو في سماعها أومشاهدتها) إلى آخرها. بل هو لا يزال يتقلّب وهو يقلّب فيكاد لا يستقرّ لانتباهه ولا لذاكرته قرار ولا يخرج ممّا يسمّى’الإبحار’ إلا بصيدٍ لا يسمن. فالقراءة هنا ترسي عادة التجوّل البصري بين أطراف النص بحثاً عن ‘زبدة’ مفترضة للمادّة واسترشاداً بألفاظ- مفاتيح. و يكون المطلوب عادة أن يخلص المتصفّح، على جناح السرعة القصوى، من المادّة إلى ما يليها.
ذاك ما يحمل، في الواقع، على إعادة النظر في أفضلية المقروء الافتراضي الذي نؤخذ بما يكال له من مديح يبدو واضح الأسانيد. فالحال أن النظر المتأني ينتهي، في ما يتعدّى التسليم بالتفوّق ‘النفعي’ لذاك المقروء، إلى الطعن بهذا الوضوح. من ذلك أن باحثين أمريكيين وجدوا أن ألفتنا الشاشة والشبكة أخذت تغيّر دماغنا نفسه، فنصل من ذلك إلى وقت تصبح فيه قراءة رواية، مثلاً، أمراً يفوق طاقتنا العقلية.

بيروت في 11 نيسان 2014
‘كاتب لبناني

شادي علاء الدين عن “دفتر الفسبكة”

اللبناني أحمد بيضون يحاول رد الاعتبار للكلام المهدور
‘دفتر الفسبكة’ كتاب شيق لكاتب مثير للجدل يحاول إعادة الاعتبار للكلام المهدور بإنشائه مجموعة من النصوص تستجيب لعالم الـ’فيسبوك’.
العرب شادي علاء الدين [نُشر في 18/01/2014، العدد: 9442، ص(16)]
بيضون: صفحات الفيسبوك تعمم العنف

بيروت- كان الكاتب والباحث الاجتماعي اللبناني أحمد بيضون قد صدّر كتابه “الصراع على تاريخ لبنان” الصادر بالعربية عن “منشورات الجامعة اللبنانية” عام 1989، بعبارة تنسب للمسيح وردت في نسخة من الإنجيل لا تعترف بها الكنيسة وُجدت في صعيد مصر. هذه العبارة /الوصية هي “كن عابرا“. وبعد أكثر من ثلاثين عاما يُصدر مؤخرا كتابا عن دار “شرق الكتاب” بعنوان “دفتر الفسبكة”.

يصدّر أحمد بيضون كتابه الجديد الموسوم بـ”دفتر الفسبكة”، بأبيات مختارة للشاعر “هنري ميشو”، قام بترجمتها ووضعها بعنوان “ما يستحقه الفسابكة”، وتقول هذه الأبيات: “أيها العالم الكريه، ليس هيّنا أن يستخرج منك شيء حسن/ مدينة من الأسمال سأبنيها لكم/ أنا أبني لكم بلا تصميم وبلا إسمنت/ عمارة لن تقووا على هدمها/ سيسندها ويزيد من حجمها/ ضرب من البديهة المزبدة/ فتحضر لتنهق تحت أنوفكم/ وتحت الأنوف الجليدية من هياكلكم/ وأنوف فنونكم العربية وأنوف سلالة مينغ أباطرتكم/ من دخان ومن ضباب ذائب/ ومن صدى جلد الطبل/ سأنشئ لكم قلاعا ساحقة رائعة/ قلاعا مبنية من الرجّ والزلزلة حصراً/ وسيسقط دون أسوارها نظامكم الدهري وهندستكم/ سيسقطان في صورة لغو وهراء وغبار رمل لا منطق له”.

طاحونة الـ”فيسبوك”

وبعد رحلته في العالم الافتراضي، يختم بيضون كتابه بترجمة أخرى لهنري ميشو واضعا لها عنوان “السيرة “، تقول: “انقضى أوان العمل. تم نسج قميص الصوف، في كل موضع تجده/ نزل التوقيع على الورقة الأخيرة، هذا رحيل الفراشات/ انقضى أوان الحلم، الآن يُحلم بنا. سكوتٌ/ عدنا لا نستعجل المعرفة”.

يصف أحمد بيضون ولوجه إلى عالم الـ”فيسبوك” بأنه دخول في ضجة طاحونية يتم فيها هدر الكثير من الكلام والأصوات والصور. يحاول أن يجعل لدخوله معنى ما، فيقترح مشروعا لضبط المصطلح الفيسبوكي واستبدال مفرداته الشائعة بما يقابلها في العربية من مفردات يعتبرها أصح وأكثر تعبيرا عن واقع الحال.

إذ يقترح مثلا استبدال كلمة صديق بكلمة “صاحب” أو “صاحبة” و”طيب” و”أحسنت” بدلا من “أعجبني” و”فائدة” و”نبذة” بديلا عن “نوت” و”عرضحال” بدلا من “ستاتوس أبدايت”. كما يبادر هو بنفسه وقبل أن يسبقه أحد إلى الإعلان عن عقم هذا المسعى فيعلن أن هذا الجهد يشبه دق الماء.

لماذا يقوم به إذن؟ يبدو وكأن الرجل يقوم بواجبه، ولكنه بات في مرحلة من العمر أضحى فيها معفى من القيام بمثل هذا الجهد وخاصة إذا كان هو نفسه يائسا من جدواه.

التفسير الذي يمكن أن يضيء هذا النزوع إنما يكمن في ذلك المسار المتواصل الذي سعى الكاتب إلى السير عليه انطلاقا من وصية “كن عابراً” وصولا إلى مقدمة وخاتمة كتابه الحالي “دفتر الفسبكة”.

(دفتر الفسبكة)، مجموعة من النصوص تستجيب للطابع البرقي السريع الذي يتطلبه عالم الفيسبوك، وتحافظ على بنية لغوية وفكرية محكمة

يتعلق الأمر بالمسؤولية قبل أي شيء آخر، هو يضعها في مواجهة الهدر الفيسبوكي الذي صار فيه كل شيء متخففا بشكل لا يطاق من المسؤولية، حيث أتيحت للمرة الأولى في التاريخ لكل شخص أن يكون بمتناول يده وعبر تجهيزات بسيطة تكاد تقتصر على الاتصال بشبكة الإنترنت شبكة إعلامية خاصة به تجتمع فيها كل إمكانيات التلفزيون والإذاعة والصحافة معا.

كل شخص صار نجما يعيش نشوة البث المباشر والمتواصل والمعفى من أي مسؤولية إلى حدّ كبير ما أدّى وفق ما يلاحظه بيضون في الحال اللبنانية والسورية إلى تعميم العنف والطائفية والبذاءة وشيوع تردّي الخطاب غير المسبوق بحيث بات من النادر العثور على صفحات فيسبوكية لا تمارس مثل هذا النوع من الخطاب وتتبناه.

فضاء الكلام المهدور

محاولة بيضون تكمن بشكل خاص في محاولة إعادة الاعتبار للكلام المهدور عبر إنشائه مجموعة من النصوص تستجيب للطابع البرقي السريع الذي يتطلبه عالم الـ”فيسبوك”، ولكنها تحافظ في الآن نفسه على بنية لغوية وفكرية محكمة مشحونة بسخرية حكيمة وباردة ومنتبهة. يردد دائما أن ما يكتبه إنما يعبر عنه وأنه أناه الخاصة وشخصيته بمعنى أنه كتاب وجهه الفعلي، وأنه يتحمل كامل المسؤولية عنه.

معظم الداخلين في عالم الـ”فيسبوك” يعتبرون أن ما يقومون بنشره على صفحاتهم وخاصة التعليقات إنما هو نوع من الكلام الفاقد للوزن أو الذي يعبر عن حالة من التواصل الاجتماعي المشبع باللياقات التي ليست في نهاية المطاف سوى تبادل للمعلن “كتاب الوجه الممنتج” في حين يستقر المخفي “كتاب الوجه الحقيقي” في مكان آخر. من موقع المسؤولية يمكن للكاتب أن يبني سيرة ممكنة له.

هو يعلم أن مجالها الوحيد الممكن ليس في ما يتوهمه آلهة الـ”فيسبوك” الجدد وغيرهم ممن يدمنون إتلاف الكلام والمواقف والوجوه وإغراق المعاني تحت فيض مهول من الثرثرة الجوفاء بل في فعل العبور في قلب هذا العالم الكريه ومحاولة استخراج شيء حسن منه. السيرة التي يحاول رسمها لذاته لا تبنى على عملية رصد متسلسل ومحاولة القبض على التفاصيل، فهو لا يرى في ذلك كله سوى نوع من الهدر. تكمن السيرة التي يتبناها ويقوم مشروعه عليها في الدفاع عن اللغة، وتحديدا عن اللغة التي ترتدي هيئة نتف سيبني منها مدينة الأسمال.

هذه المدينة ستتضخم برفدها الدائم بضرب خاص يجيده من بديهة مزبدة من شأنها تدمير العمارات المنتظمة والشاهقة والثابتة، وتاليا الراكدة والميتة التي يوحي الـ”فايسبوك” أنه يقاومها في حين أنه يصنعها.

يريد بيضون سيرة هي عبارة عن الأثر الذي يخلفه العبور. العمارات الشاهقة والضجيج ليسا سيرة ممكنة له، بل تكمن سيرته في حشد الإضاءات اللامعة المؤلفة من دخان ومن ضباب ذائب.

ينهي الكاتب مهمته ويعلن ختاما عن راحة فيسبوكية تتيح المجال للمعرفة أن تتكون في الصمت وفي الهدوء خارج طاحونة الـ”فيسبوك”. يقول بيضون: “لقد تم نسج قميص الصوف. السيرة لا تكمن في القميص المنجز بل في فعل الحياكة نفسه”.