فينوس وحالُ الدنيا

  • March 18th, 2016

أحمد بيضون

شاهدتُ هذه المسرحية متأخّراً جدّاً. وما سأقوله عنها قد يبدو متأخّراً أيضاً. غير أنني تصفّحت ما على الشبكة من مراجعات صدر أكثرها بُعَيد انطلاق العروض، ووجدتُ أن عندي ما أضيفه.
في الأسبوعين الأخيرين اللذين يبدو (ما لم يطرأ جديد) أنهما التمديد الأخير للعروض، لا تزال القاعة تغصّ بالحضور ولا يزال الحجز ضرورياً، قبل أيـّام، للحصول على مقعد يمكن، إذا كانت المدّة الفاصلة قصيرةً، ألاّ يكون في الموقع المرغوب فيه من الصالة… هذا مع العلم أن المسرحية باشرت عروضها في آذار/مارس 2015، وأنها تنقّلت بين مسرحي «مونو» في شرق بيروت و»بابل» في غربها، وأن عدد العروض البيروتية سيكون قد بلغ نيّفاً وثمانين عند انتهاء التمديد الحالي. هذا ولا يبعد أن تقع، في المسرح، على من يسألك إن كنت تشاهد المسرحية للمرّة الأولى. ولقد قيل كلامٌ يردّ هذا الإقبال، أو بعضه، إلى عوامل «إثارةٍ» ذات طابعٍ جنسيّ ظهرت في «التسويق» قبل التمثيل. وهذا تعليلٌ تحملك مشاهدة العمل على التمنّي أن يكون مجانباً للصواب، كثيراً أو قليلاً، ضنّاً منك بكرامة الجمهور…
أشير إلى «فينوس»، مسرحية الأمريكي دافيد إيف، وندينُ بصيغتها المعرّبة (أو الملبننة، بالأحرى) إلى مسرحيَّين ذوي خبرةٍ متعدّدة الوجوه، في الميدان، عملية وتعليمية، وهما غبريال يمّين ولينا خوري. أمّا عبء الإخراج فوقع على المخرج الشاب جاك مارون، وقد أظهر في سنوات خبرته القليلة نسبيّاً، فضلاً عن المقدرة الإخراجية، مبادرةً في تشكيل خليّة حوله، من الممثّلين المكرّسين والناشئين، سواءً بسواء، أطلق عليها اسم «محترف الممثّلين». وهي ترمي إلى فتح الأبواب أمام هؤلاء لتحسين كفاءتهم وللعمل في المشاريع المسرحية. وهي تجد امتداداً لها في خليّةٍ أخرى لتيسير الإنتاج المسرحي…
العنوان الأصلي لمسرحية إيف هو «فينوس ذات الفراء»، وفيها بدورها «تضمينٌ» لقصّةٍ من تأليف النمساوي زاخر مازوخ تحمل العنوان نفسه وترقى إلى سنة 1870. فما تعرضه مسرحية إيف إنّما هو تحوّلات المحاولة التي يقوم بها الكاتب – المخرج المفترض للعثور على ممثّلة تتولّى الدور الأنثوي في مسرحية له هي، في الواقع، استعادةٌ معدّلة لقصّة زاخر مازوخ. وهذه قصّةٌ تنطوي بدورها على ازدواجٍ في السرد. فهي تبدأ من رجل يعرض على امرأة أن تسترقّه لأنه يجد لذّته الجنسية في المهانة والألم. ولكنها ـ أي القصّة ـ سرعان ما تفضي إلى تلاوة تعرضها المرأة لمخطوطٍ يروي حكاية رجلٍ آخر يُسْلِم نفسه لعلاقةٍ من هذا القبيل نفسه، وتفترض القارئة أن ما جرى له يصلح عبرةً من شأنها إخراج السامع من محنته. عليه يكون الاقتباس الملبنن لمسرحية إيف نوعاً من الطبقة الثالثة أو الرابعة (الجزئية، في الأقل) تجيء لتُمازِج الطبقتين المازوخية والإيفية (وكلاهما مزدوج) أو لتمازج الثانية من هاتين، إن أردنا الدقّة.
ها هنا نستحبّ الإشارة إلى أمرين: الأولى تخميننا أن «الفراء» في العنوان إنما هو إشارةً غير خفيّة إلى ما في شخصية الأنثى، في قصة زاخر مازوخ وفي ما تفرّع عنها، من نعومةٍ ومن حيوانيةٍ وافتراسٍ في آن. والثانية أن ما نسمّيه «المازوشية» (بعربية اعتمدَت اللفظ الفرنسي لا الألماني) إنّما اشتُقّ من اسم زاخر مازوخ، في حياته، بسبب هذه القصّة، على وجه التحديد، من بين أعماله كلّها… وذلك على النحو الذي اشتقّ منه لفظ «الساديّة» (وهي النزعة المضادّة للمازوشية والمكملة لها في آن) من اسم المركيز الفرنسي دو ساد.
في أيّ حال، تُقْتصر مسرحية إيف، وبعدها تلك التي تشاهَد في بيروت، على شخصيّتين: رجل وامرأة. وقد سبقَت الإشارة إلى أن الرجل (وهو في مرحلةٍ متقدّمة من شبابه) كاتب- مخرج يبحث عن ممثلةٍ تَصلُح للدور الأنثوي في مسرحيّةٍ كتبها بالاستناد إلى قصّة زاخر مازوخ. وعلينا الإشارة الآن إلى أن المسرحية تبدأ بإعلان هذا المخرج ما يشبه اليأس من العثور على الممثّلة التي في خاطره… وهذا بعد تجارب كثيرة مع المرشّحات نقع عليه في ختامها منهكاً مضطرباً. هذان الانهاك والاضطراب تدخل عليهما الشابّة فاندا، في آخر النهار، ومعها حقيبتها الكبيرة وعلى جسدها من الثياب ما تظهر مساحة السَتْر المرجوّة منه ضئيلة على كثرة ما يُحْصى له من قِطَع…
لا تخفي الشابّة شيئاً من الابتذال الذي يبدو وكأنّه سجيّتها. لهجتُها موغلةٌ في التصنّع وبذاءةُ ما يرِدُ على لسانها، بين حينٍ وآخر، من ألفاظٍ وعباراتٍ سوقيّة، لا تستوقفها أو تحملها على التردّد البتّة، بل تجري هذه الألفاظ والعبارات في كلامها مجرى سواها ولو ان المتحدّثة تبدو مدركةً ما تُدخله البذاءة على الكلام، حيثُ لا تُنتَظر، من عُلوّ في الجَرْس وشدّةٍ في الأثر. باستثناء الاقتحام والإصرار، لا يظهر لمخرجنا ما قد يؤهّل هذه المرشّحة لأداء الدور الملحوظ في مسرحيّته. ولكنها تنتهي بعنادها وشدّة انفعالها إلى حمله على الدخول معها في ما يبدو، أوّل وهلة، مجرّد اختبارٍ مهني ثمّ ينقلب شيئاً فشيئاً إلى نوعٍ من الانقلاب الوجودي في شخص المخرج كان مكتوماً في المسرحية وأخرجته أطوار هذه العلاقة الجديدة، بالمرشّحة.
لا بغيةَ لنا هنا أن نجاوز الإشارة إلى «استلام السلطة» الذي يحصُل من جهة الأنثى، وهي تؤدّي الدور المفترض لها من جهة المخرج، ولا إلى سقوط المخرج من جهته في مازوخيته المكظومة بحيث يبدو وقد استسلم، لا في الأداء المسرحي وحده، بل في ما يتعيّن علينا أن نسمّيه «الواقع» لسلطان أنثى اقتحمت شخصه من خلال الدور الذي راحت تؤدّيه في مسرحيته. لا نجاوز الإشارة إلى ما أراد زاخر مازوخ أن يصرّح به قبل إيف: وهو أن ما يشارُ إليه بلفظ الحبّ إنما هو، في الأصل، علاقة سيطرةٍ وعبوديّة وأن الأنثى فيه هي، على ضعفها من وجوهٍ أخرى، الطرف الأقوى… وهذا لكونها المشتهاة فيما الذكر هو المشتهي. لا نجد فائدة في تفصيل هذا الأمر فهو ظاهر «الحبكة» من زاخر مازوخ إلى جاك مارون مروراً بدافيد إيف الذي يقول المخرج اللبناني أنه توخّى البقاء أميناً لعمله وهو يخرجه ملبنناً.
نقصر همّنا على الوقوف لحظةً عند أداء بديع أبو شقرا وريتا حايك… بل عند أداء الأخيرة على الخصوص. توجب بنية المسرحية المزدوجة (المزدوجة في أدنى تقدير) على الممثّلَيْن أن يكونا تارةً ما هما أصلاً (أي المخرج وزائرته المرشّحة) وطوراً ما يملي على كلّ منهما دوره الآخر: دوره المفترض مسرحياً لا واقعيّاً. يَعْبُر الكاتب – المخرج، بما هو ممثّل، من حال الإمساك بزمام اللعبة كلّها إلى حال العبودية لمن يُفْترض أنها الطرف الأضعف وأن عليها أن تبقى ـ إذا هو تقَبّلها ـ رهناً لإشارته. ولكن هذا العبور يحصُل بالتدريج، من مرحلةٍ في المسرحية إلى مرحلة، فيبدو أطواراً في شخص الرجل ويوشك هذا التطوّرُ (الذي لا تلبثُ المرأةُ أن تبادلَه إيّاه طائعةً) أن يحجب تزامُنَ الوجهين في هذا الشخص نفسه.
ما يبدو أنه هذا التزامن (ويَفْترض بالتالي مقدرةً تمثيلية استثنائية الألَق) هو تنقّل ريتا حايك المستمرّ، السريعُ الوتيرة، بين ما يُفترض أنها هي في «الحياة»، أي الفتاة المغوية بلا شهوة والبذيئة بلا اكتراث، إلى الشخصية المرهفة، الشديدة الأسر، التي يفترض أن تكونها وهي تؤدّي الدور الذي حضرت لتؤدّيه. في هذه الحالة الأخيرة، تبدو هذه الشابّة وقد استردّت قرباً غريباً إلى «واقع» ما: إلى وجهٍ مألوف فيما يتعدّى الصفة الدرامية لما تؤول إليه العلاقة بينه وبين الوجه الذكر، الشريكِ في اللعبة. فيبدو أن «واقع» هذه الشابّة، أي الابتذال والبذاءة، هو الأَوْلى، بما هو «قناعٌ» أو «واجهةٌ» اجتماعية، دفاعيّةٌ على الأرجح، بأن يعدّ بضاعةً مسرحيّة. هذا بينما يبدو دورها المفترض مسرحيّاً، مقرّباً لها إلى سويّةٍ ذاتِ عموميّة تنأى بها عن المسرح شيئاً ما وتنحو بها نحو «الحياة» أو نحو «الواقع». عليه يبدو «وجود» هذه الشابّة مقلوباً… تبدو وكأنها تلبس «شخصها» مقلوباً: إذ هي ممثّلة في «الواقع» و»واقعية» في التمثيل. ذاك ما استطاعت ريتا حايك أن تكونه أو أن تظهره في هذه المسرحية التي مدارها «المسرح وظلّه»، على قول الآخر.
… وأمّا معنى ذلك فهو أن المسرح لا يوجد بالضرورة حيث نظنّ. وإنّما المسرح أيضاً حالُ الدنيا.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

القيصر وجَوْقَتُه

أحمد بيضون

انتهينا، في مقالتنا الأخيرة، إلى السؤال عمّا تتمخّض عنه خطّة النظام الأسدي لما سمّيناه «هندسة العدوّ المناسب» حين يؤول الدور الأوّل في تنفــــيذ الخطـــّة إلى إيران، بما يلحق بها من تشكيلات تواليها في مختلف البيئات الشيعية، ثمّ إلى روسيا البوتينية…
لم تعتّم أن لاحت، وراءَ الحميّة الإيرانية في نجدة النظام الأسدي المتهالك، أخيلة يتعذّر اعتبارها أوهاماً لذاك الهلال الشيعي الذي بات مذّاك ذائع الصيت… ذاك هلال يسع إيران أن تتصرّف به محوّلة جماعات المشرق العربي الشيعية إلى محميّاتٍ لها تؤدي، طوعاً أو قسراً، أثمان حمايتها الاضطرارية في الخضمّ السنّي الشاسع، الذي أُكْسِبَت عداوتَه لألف سنةٍ مقبلة.
تنمو العداوة تحت أبصارنا من جرّاء استنفار وليّ النعمة الإيراني لتشكيلاتٍ تدين له بالولاء موزّعة ما بين لبنان والعراق وأفغانستان… وفي «هندسة العدوّ المناسب»، كانت «عسكرةُ الثورة» تحت ضغط العنف النظامي عاملاً أوّل أمدّته المؤازرة الشيعية للنظام بزيادة في شدّة الشحن المذهبي، الذي كان المسلك الطائفي للنظام يزكّيه أصلاً. فمن هذا ومن ذاك تغذّت تربةٌ للتشدّد، وللإرهاب في مساقه، بعد أن أُبعدت عن الساحات قوى الثورة ذاتُ المشرب المدني.
وراء ذلك كلّه أيضاً تتبدّى الحاجة إلى قُبّةٍ روسيّة فولاذية يحتمي تحتها الحُماة والمَحْميّون معاً بما يمليه ذلك من ثمنٍ أكبر يؤدّى للحامي الأكبر بدوره. وتُبيّنُ معاهدةُ الصيف الماضي «السريّة» التي نشرتها موسكو مؤخّراً ما يسع «القيصر» الروسيّ أن يفرضه على تابعه الأسدي من خضوعٍ يشي بانتعاشٍ ما لاستعمار القرن التاسع عشر بما هو تفاوتٌ بين موقعين، في الأقلّ. ولا يستغني النظام الإيراني عن هذه القبّة أيضاً بعد أن ثبَتَت لإيران فداحةُ ما يرتّبه الخيار النووي من كُلْفَة ألجَأَتْها إلى استبعاده. ولا تستغني إيران أيضاً عن حليف سياسي رئيس تستقوي به في الساحة الدولية التي تتّجه إلى استعادة موقعٍ فيها.
يصحّ هذا من غير استبعادٍ لسلوك «الشريك المُضارِب» في سورية أو في غيرها من جانب أحد الحليفين أو كليهما. فهذا السلوك من مألوف العلاقات بين الدول. ويبقى أهمّ ما في الأمر أن الغطاء الروسي إنما يراد به استعادةُ المجد القيصري وما يشبه كسبَ حروبٍ فائتة على «السلطنة» الإسلامية وعلى أوروبا… حروبٍ بلغَت أَوْجَاً قصير المدّة لعطائها في العهد السوفييتي، وهي لم تكن حقّقت سوى بعض أغراضها في قرونٍ مَضَت: في ماضٍ لا يريده القيصر الجديد أن يمضي.
هذه الهجمة البوتينية لا يعوزها مؤيدون أو مريدون في ديارنا يستخفّهم الطرب لمرأى «القبضاي» الروسي، يتولّى عنهم ما يخيّل إليهم أنه مواجهةٌ مع الإمبريالية الأمريكية (ومع إسرائيل أيضاً؟… بعد عمرٍ طويل)… لا يلتفت هؤلاء إلى حقائق العلاقات الروسية ـ الأمريكية في طورها الأخير، ولا يهمّهم أن يكون أوباما يجهد مع بوتين للتراضي على وضع يناسب خيارات الطرفين في سورية وغيرها… وضعٍ لا عيبَ فيه سوى أنه لا يناسب أي خيارٍ لشعبٍ من شعوب المنطقة يطمح إلى ما هو حقّه: أي إلى التصرّف المستقلّ ـ بما لا يعــــدو منطــــق العالم الحاضر ـ بمصيره وإلى استتباب الحرّيات والمساواة في الحقوق لمواطنيه وإلى النموّ لمقدّراته. لا يقيم لهذا كلّه وزناً أنصار البوتينية عندنا وهم، عادةً، من أدعياء الوقوف إلى اليسار.
هم لا يقيمون اعتباراً أيضاً لأفق يَعِدُ بالانتقال (الجزئي، بالضرورة) من هيمنةٍ إلى أخرى تدلّ السوابق على أنها لن تكون إلا أدهى وأمرّ. لا يستوقفهم أيضاً كون النظام السوفييتي الذي كانوا يستشعرون فيه مجانسةً ما لقيمهم المزعومة قد بادَ إلى غير رجعة واستقرّ في موضعه اتّحادٌ للمافيات يحالف اليمين الفاشي في أوروبا وينشر في روسيا الفقر ويجرّد الروس من حقوق اجتماعية كانت لهم ويموّه هذا كلّه ـ على جاري العادة ـ (وعلى الغرار الإيراني أيضاً) بسراب الأمجاد الإمبراطورية. من تحصيل الحاصل أن مواطنينا هؤلاء ـ وهم يضمّون إلى دعوى اليسارية دعوى الوطنية أو القومية ـ لا يريدون الانتباه إلى عمق المودّة التي تجمع ما بين الطاقمين الحاكمين في روسيا وإسرائيل.
أخيراً لا آخراً، لا يغادر هؤلاء «الإستراتيجيون» لحظةً منطقهم «الجغراسي» الذي تعتوره هذه المطاعن كلّها. لا يغادرونه ليسألوا عن الثمن الذي ارتضوه حتى الآن لمنازلة هي من بنات خيالهم، إلى حدّ بعيدٍ جدّاً. لا يسألون ـ وهذا هو الأدهى ـ عن بلادٍ انهارت وعن شعبٍ يقول «القيصر» أن طيرانه يوفّر بقصفه أكلافَ التدريب: عن مئات من الألوف قتلوا أو أصيبوا أو اعتقلوا وعن ملايين شرّدوا وعن عمرانٍ وطني دمّر بآلة الحرب «الوطنية» أوّلاً ومعها من اجتاحوا أرض سورية وسماءها من كلّ حدبٍ وصوب.
وذاك أن «البَشَر» كلمة لم يكد يبقى لها من معنىً عند البوتينيين المنتشرين بين ظهرانينا ولا من أثرٍ فيهم. هم يحصرون امتياز المعنى في الخرائط التي يسيئون قراءتها، في الأعمّ الأغلب، وفي أوصافٍ قليلة يطلقونها على القوى المتصارعة قلّما تصدق في موصوفاتها.

٭ كاتب لبناني

أحمد بيضون

القيصر وهندسة العدوّ المناسب

أحمد بيضون

ما يريده بوتين في داخل سوريا لا يفوت فطنة الفطين: إنه اختصار الحرب الدائرة إلى مواجهةٍ بين النظام الأسدي والإرهاب الداعشي. لبوتين أغراضٌ أخرى تتعلّق بالعودة المظفّرة إلى شرق المتوسّط وبتدمير الوحدة الأوروبية، على الخصوص. وذاك أن القيصر الجديد لم يهضم، على ما يبدو، انقلاب الاتّحاد السوفياتي أثراً بعد عين وما كان سبق ذلك بزمن من تضعضع نفوذه في الشرق العربي، وما تبع انهيار جدار برلين من انحسار ذاك النفوذ عن أوروبا الشرقية جملةً. وهو يرى فرصةً في تضعضع قوى النظام الأسدي لتحقيق ما يتجاوز بكثير مجرّد الحفاظ على قاعدة كانت له على المتوسّط إلى السيطرة المبرمة على سورية. وهو ما يبيح له أن يعود لاعباً راجح الحضور في مصائر منطقة قريبةٍ إلى حدوده بما لموقعها من أهمّيةٍ إستراتيجية معلومة بين قارات العالم القديم الثلاث.
يعود سيد الكرملين متخففاً تخفّفاً كلّياً من تقدّمية الاتّحاد السوفياتي واشتراكيته السالفتين. يعود وهو ظاهر المودّة لإسرائيل بحكومتها اليمينية. وهو قادرٌ على الجمع، في المفاوضة على الصفقات الكبرى، ما بين حاكم مصر المرتدّة على ثورتها وبين حاكم السعودية المتوجّسة لا من التقارب الإيراني الأمريكي وحسب بل أيضاً من بوادر الانكفاء الأمريكي عن الشرق الأوسط كلّه، وإن يكن انكفاءً نسبيّاً بالضرورة. وفي مرحلة الانكفاء المتدرّج هذه يجد القيصر الجديد فرصته للعودة مستثمراً إلى الحدّ الأقصى موطئ قدمه السوري.
من سوريا أيضاً ـ وهو ما يبرز أهمّية موقعها ـ يباشر سيّد الكرملين زعزعة غريمه القريب الأكبر وهو الاتّحاد الأوروبي. يضع نصبَ عينيه، بطبيعة الحال، كسب الصراع على أوكرانيا والتحرّر من العقوبات الغربية أوّلاً. وهو يعلم أن استواءه طرفاً رئيساً في الصراع على المشرق العربي بابٌ إلى تكثير احتمالات المقايضة في الصراع الآخر. ولكن أمامه، في ما يتعدّى هذه المحطّة، خريطة أوروبا الشرقية بما ضمّ الاتّحاد الأوروبي إليه من دولٍ فيها كانت حديقةً أماميةً للاتّحاد السوفياتي. فإن الاتّحاد الأوروبي يستشعر اليوم نهوض ما فيه من قوى اليمين الأقصى محمولة على أكفّ عدّة بين أهمّها موجة اللجوء العارمة التي أضعفت القوى الحاكمة في أهمّ دول الاتّحاد. وهي موجةٌ يتعهّد نموّها الطيران الروسي معاضداً في ذلك النظام الأسدي وسائر مؤازريه على الأرض. وأما اليمين الأقصى، الذي يشتدّ أزره في غرب أوروبا فيقيم القيصر أحسن العلاقات مع أبرز قواه ويتّفق أن هذه القوى تتحرّق بدورها شوقاً إلى إطاحة الاتّحاد الأوروبي. في المساق نفسه يُضْعف طوفانُ اللجوء تركيا، وهي طرفٌ إقليمي مرموق في مواجهة الزحف الروسيّ الإيراني. هذا فضلاً عن امتحانه تماسك دولتين صغيرتين حافّتين بسورية هما لبنان والأردن.
في الداخل السوري يتبع الطيران الروسي سياسة الأرض المحروقة ويفتك فتكاً ذريعاً بالمدنيين للقضاء، بأيّ ثمنٍ كان، على كلّ خصمٍ للنظام يتعذّر زجُّه في خانة الإرهاب. هذا ما كان النظام نفسه يحاوله، بنُصْحٍ ومعونة إيرانيين، قبل دخول الروس. وهو ما عناه إطلاق سراح الإسلاميين المتشدّدين بالمئات من السجون الأسدية في أوائل الثورة. وهو ما عنته، في المدّة نفسها، مواجهة التظاهرات السلمية بالنار وبالاعتقال بلا حدّ وبتعذيب الألوف من المعتقلين حتى الموت… وهذا مع تعميم القتل والدمار على المناطق الثائرة بلا حدّ أيضاً. ذاك أيضاً ما عناه لاحقاً إخلاء الرقّة لفصائل مقاتلة لم تلبث أن تصدّرتها جبهة النصرة التي أخلت المدينة لداعش ثم إخلاء تدمر لداعش بلا قتالٍ يُذْكر، بعد أن كان جيش نوري المالكي، حليف الحكم الإيراني والأسد، قد أخلى لها الموصل بلا قتالٍ يُذكر أيضاً.
أفضل وصفٍ يسعنا اقتراحه لهذه الاستراتيجية، في طوريها الأسدي الإيراني والأسدي الروسي، هو أنها «هندسةٌ للعدوّ المناسب». لا يناسب نظام الأسد أن يدع عدوِّه يظهر على حقيقته لينكشف وقوفه بالحديد والنار في مواجهة شعبه. يناسبه أن يكون الإرهاب هو العدوّ المتصدّر لأن الإرهاب عدوّ العالم كلّه ولأن تصدّر الإرهاب يتيح استصراخ العالم كلّه عِوَض مواجهة معظمه إذا بقي العدوّ ثورةً شعبية. لذا يجهد النظام وحلفاؤه في سحق كلّ معارضةٍ باستثناء الإرهاب… هذا الأخير لم يلق منه، ومن حلفائه، في ما يتعدّى المناوشةَ والمناغشة، سوى التساهل والتشجيع الاستراتيجيين والدفع إلى صدارة المواجهة.
وبخلاف ما قد يتوهّمه المتعجّل، ليس لهذا «التشخيص» أدنى قرابة بـ»نظرية المؤامرة». وإنما نبرز ههنا مبدأً إستراتيجياً اعتُمد واقتضى المضيّ في تطبيقه قُدُماً أفعالاً مكشوفة بعضها هائل الضخامة. ولكنّه اقتضى أيضاً تمويه التراجع المراد من جانب النظام بالقتال المحدود. ولا يستقيم القول، على الأرجح، أن ما جرى كان مخطّطاً له من اليوم الأوّل أو من السنة الأولى. ولكن المبدأ المشار إليه ينتظم، بلا ريب، أفعالاً ومحطّات، روعي في كلّ منها، إلى الحدّ الممكن، مقتضى الظرف وحاجات المهمّة المطروحة. هذا المبدأ، بما يرمي إليه اعتماده من «هندسة للعدوّ المناسب»، كان لزومه يقضي، أوّل ما يقضي بإباحة العنف إلى حدّ التوحّش وبالتجاوز عن كلّ حسابٍ قد يحسب لمصائر المدنيين المقيمين في مواقع القتال أو لسلامة البيئة أو لثروة البلاد العمرانية أو الأثرية. فجاز القصف بالطيران من دون حدّ، وجاز استخدام السلاح الكيميائي والبراميل العشوائية في مدن وبلدات مأهولة، وجاز، لأوّل مرّةٍ منذ أن وُجِدَت الصواريخ البالستية، توجيهها عبر البلاد من جنوبها إلى شمالها لضرب أحياء مدينية، لا في مساق حربٍ «خارجية»، بل في مساق القمع الجاري لتمرّدٍ داخلي.
ما الذي يلوح خلف هذا السلوك الأسدي، حين يدعى إلى تصدّره، بعد أن أخذت قوى النظام الأسدي تخور، دولة كبيرة لها مطامح إيران، بما لها من أذرع، ثم دولة كبرى لها مطامح روسيا؟ من هذا السؤال نبدأ عجالتنا المقبلة.

٭ كاتب لبناني

أحمد بيضون

نسبية المعرفة ومصير العقل

أحمد بيضون

في كتاب سوكال وبريكمونت، إذن (وقد بدأنا حديثه في عُجالتنا الماضية) ما يتعدّى المآخذ الموضعية على بعض ما انطوت عليه أعمالٌ لأركان «ما بعد الحداثة» من المفكّرين الفرنسيين، وعلى استعارتهم نماذج من الرياضيات والفيزياء المعاصرتين، على الخصوص.
في الكتاب تناولٌ نقدي للموقف الفكري الذي ينتظم هذه الأعمال ويمثّل منطلقاً لها ومصبّاً في آن. ذاك هو القول بـ»النسبية المعرفية».
لا يجعل سوكال وبريكمونت نفسيهما خارج «النسبية المعرفية»، على نحوٍ قطعي. ولا هما يدّعيان دحضها، بل هما يقولان بتعذّره. هذه النسبية (وهي واحدة من نسبيات ثلاث لا يعرض المؤلّفان لاثنتين منهما: وهما النسبية الأخلاقية والنسبية الجمالية) موقف فلسفي لم يجترحه أركان ما بعد الحداثة الفرنسيون، بل هم بنوا عليه وذهبوا به مذاهب شتّى: بعيدة وقريبة. وإنما هي تجد مرجعها في الفلسفة الكلاسيكية عند ديفيد هيوم، مثلاً، وفي عهد أقرب إلينا عند نيتشه وفي عصرنا عند كارل بوبر وأقران له مختلفين وعند مارتن هيدغر أيضاً. فهي تفيض كثيراً عن نطاق «الأعيان» الفرنسيين الذين كُرّست لهم فصول من الكتاب ويعرض المؤلفان، في مساق نقدها، لمؤلّفين عديدين مختلفي الجنسيات. وحين يقال إنها لا تُدْحض يسري ذلك على صيغ قصوى منها: من قبيل القول بـ»التوحّد» أي بكون القائل بها موجوداً وحده في الوجود ولا وجود لسواه. فكيف يُدحض موقف عالمة بارزة من علماء المنطق، تدعى كريستين لاد فرانكلين، كتبَت إلى برتراند راسل تقول إنها «توحّدية» وتَعْجب أنها لا تجد من يعتمد يقينها هذا بين الناس؟!
على أن سوكال وبريكمونت يلفتان إلى أن تعذّر دحض القول ليس دليلاً على صوابه البتّة. وهو ما يفتح من جديد أبواب المناقشة في مناحي النسبية المعرفية ودرجاتها، مُبيحاً بَسْطَ الحجج للمفاضلة بين ما ينتسب إليها من طروحاتٍ مختلفة المشارب… ولكن ما هي «النسبية المعرفية» أصلاً؟ هي القول إن المعرفة لا تتعلّق بالموضوع وحده، بل بعلاقته بالعارف وإن ما ينتهي إليه هذا الأخير، في أي موضوع، ليس حقيقة موضوعية بل صيغةً للمعرفة مُلْزَمةً بالتقدّم في قوالب لغةٍ بعينها، وبما تعكسه هذه الأخيرة من اصطلاح اجتماعي يكيّف بدوره التكوين الشخصي للعارف. ولعلّ أبرزَ مثالٍ يستهدي به هؤلاء في إيضاح موقفهم هو «مبدأ اللايَقين» الذي جاء به الفيزيائي فيطرنر هيزنبرغ. ومؤدّاه أن درس مكوّنات الذرّة يقتضي إضاءتها… وأن تسليط الضوء هذا، بعناصره التي «يقصف» بها الدارس عناصر موضوعه، يفضي إلى تغيير في حالة الموضوع تجعل المعرفة المتواقتة لأي اثنين «متكاملين» من المتغيّرات الواصفة للموضوع أمراً محالاً. لا «يقين» إذن يبيح أن يوسم بـ»الموضوعية» وصفنا لعناصر الذرّة المدروسة. هذا «المبدأ» الذي يشير المؤلّفان إلى إساءة نقله المتكرّرة إلى مجال علوم الإنسان والمجتمع ونظرية المعرفة الخاصّة بها مبدأ مقرّ في المنظومة التي إليها ينتمي. وفي مناقشتهما لأمثال كارل بوبر وتوماس كون وبول فيرَبند، يبقى سوكال وبريكمونت بعيدين عن إنكار النقصان في المعرفة العلمية والتبدّل في أمثولاتها وسوء التأويل للمعطيات الذي يبقى العلماء عرضة له، ويجهد لتقريبه من جادّة الصواب علماء لاحقون. هذه نسبية يريانها مقبولة ويقبلان ما يعادلها في علوم الإنسان والمجتمع. وكان كلود ليفي- ستروس، مثلاً (ومؤلّفانا يجادلانه في بعض فرضيّاته) قد أظهر وجود منظومات متباينة للمعرفة تتوزّعها المجتمعات من «وحشية» وغيرها ولا تعدو منظومة الفكر العلمي الذي تأخذ به المجتمعات الحديثة أن تكون واحدةً منها.
على أن «نسبيةً» يقرّ بها العلم ويؤكّدها تقدّمه نفسه ويسعى العلماء، بلا توقّفٍ أو كَلَل، إلى نقد آثارها وتصويب ضلالاتها هي غير «النسبية» التي تذهب إلى إنكار وجود العالم الموضوعي من أصله، وإلى اعتباره بناءً اصطلاحياً تنشئه المجتمعات بلغاتها وتقاليدها… هي غير نسبية «البرنامج الشديد» في فلسفة المعرفة، وهو يجهد لردّ المعارف العلمية إلى بواعثَ اجتماعية يرى أنها تستنفد مضامينها. هي أيضاً غير «النسبية» التي تضع المعارف كلّها على قدم المساواة، مسوّية ما بين العلم وما يدحضه العلم من فكرٍ سابق له. فيكون منها، مثلاً، أن تفترض الصواب لعلم الفلك الحديث وللمعرفة التقليدية بالنجوم والأبراج سواءً بسواء. وترى أن حركة الشمس الظاهرة في أفق الأرض حقيقة، في نطاقها المعرفي، مساوية لدوران الأرض حول الشمس ولمعرفتنا الحالية بالنظام الشمسي، في نطاقٍ معرفيّ آخر. فعند هذه النسبية أن أمر الحقيقة مودَعٌ عند الجهة العارفة فلا يختصّ بالموضوع المعروف ولا ينسب إليه.
يوضح سوكال وبريكمونت أن هذا الجدال يتعلّق، في نهاية مطافه، بمكانة العقل، وأن «النسبية» حين تُنْصب حدّاً لعمل العقل ولا تعدّ حافزاً لمسيرته إنّما هي أَمارةٌ لانقلاب أساطين «ما بعد الحداثة» الفرنسيين على فلسفة «الأنوار» الفرنسية، أي على الإسهام الفرنسيّ الأهمّ في تأسيس العالم الحديث أو بعضِ ما هو قابلٌ لخدمة التفتّح الإنساني فيه، على الأقل. ويعجب المؤلّفان، وقد سبق القول إنهما من أهل «اليسار»، أن يكون خصوم العقل المحْدَثين في فرنسا من أهل «اليسار أيضاً. وهما يريان بعضاً من تفسير هذه المفارقة في انهيار اليسار التقليدي وخواء وفاضه، من فكريّ وغيره، وفي تعيين هذا الجيل من أهل الفكر مواقعهم في مواجهة تراثه. وهو ما قد يحمل على إطاحة الصالح والطالح، خصوصاً عند النظر في أفق يبدو متفاقم الانغلاق منذ أن فشل السعي إلى تجديد اليسار في حركة 1968 وفي غدواتها. على أن هذا لا يمنع المؤلّفين من التشديد، عند التطرّق إلى الجانب السياسي من فكر «ما بعد الحداثة»، على كون العداء للعقل والظلامية كانا دائماً عُدّة شغلٍ يمينية وأن في هذه الواقعة ما يحمل على ردّ العقل إلى مقامه السامي في جهة «اليسار».
لا يفوت سوكال وبريكمونت أيضاً أن يدرجا هذا الجدال الذي يخوضان فيه في مداه التاريخي. فيعيدان إلى الذاكرة نقدَ برغسون المشهور لنسبية آينشتاين في كتاب سمّاه «المدّة والتواقت» ولم يلبث أن اضطرّ إلى وقف إعادة طبعه فلم تصدر له طبعة جديدة إلا بعد وفاة المؤلّف بمدّة مديدة. يرى المؤلّفان في كتاب برغسون هذا كتاب فلسفة، بطبيعة الحال. ولكنهما يضيفان أنه كتاب فيزياء أيضاً وأنه كتاب فيزياء رديء مشحونٌ بالمغالطات، بصدد آينشتاين ونسبيته، وجديرٌ، من هذه الجهة، بموقع يتبوّأه في الصفّ الذي ينتظم فيه رعيل «ما بعد الحداثة» الفرنسي.
لا تبيح لنا معرفتنا بحدّنا إبداءَ رأي إجماليّ في قيمة هذا الكتاب: كتاب سوكال وبريكمونت. فهو، في الجانب الأهمّ منه، يستقي حججه من علومٍ ليس لنا منها نصيب يذكر. هذا مع أن الكتاب شديد الوقع على قارئه، في كلّ حال. فهو يغيّر النظرة إلى مؤلّفين عشناً مع أعمالهم وبها حيناً من الدهر. ثم إن عرضاً سريعاً للردود عليه يُظْهر بيسر كم كانت سقيمةً بل منحطّةً أحياناً ولو وقّعها أمثالُ جاك درّيدا وميشال سير. على أن الكتاب لا ينبغي له (ولا هو يريد، في ما نرجّح) أن يُدْرِج في جرابٍ واحد دعيّةً من طراز كريستيفا وفيلسوفاً له قُماشة دولوز.
نبقى على يقين، في الختام، أن العالم الموضوعي موجودٌ بقوانينه التي يواصل العلم تبديلَ نفسه ليُحْسِن استقصاءَها… وأن من يعتبر هذا العالم وقوانينه مجرّدَ «اصطلاحٍ» لغوي- اجتماعي ليس عليه سوى أن يلبّي دعوةَ سوكال (الذي يبدو، فضلاً عن سعة معارفه، رجلاً ظريفاً يحبّ اللعب) إلى تحدّي هذا الاصطلاح من نافذة شقّته الكائنة في الدَوْر الحادي والعشرين!

كاتب لبناني

أحمد بيضون

بين أُبّهةٍ وغِشّ: العلوم في فكر «ما بعد الحداثة»

أحمد بيضون

بين أحداثٍ في الثقافة العالمية شهدها العقدان الفائتان وخلّفت صدىً وأثراً بعيدين، ثم لم يكد يحفل بها النقّاد العرب المختصّون ولا هي استوقفتهم فعلاً، واحدٌ جليل الخطر، حافلٌ بالمغازي أحبّ أن أعود إليه اليوم. أما الدليل على أن المعنيين العرب به جهلوه أو تجاهلوه وواصلوا بعده سيرتهم حيال المسائل التي طرحها من غير تعديل ولا تبديل، فهو شبه الغياب الذي كان نصيب هذا الحدث عن الذاكرة العربية لغوغل، دامَ ظلّه الوارف! فأنت تضع، بالعربية، في نافذة البحث اسمَيْ المؤلّفَيْن اللذين أحدثا هذا الحدث، ومعهما مفاتيحُ أخرى مناسبة وتجدك قد رجعت بما هو أدنى قيمةً من خفّي حنين…
بدأ هذا الحدث بمقالةٍ أرسلها، في سنة 1996، آلان سوكال وهو أستاذٌ للفيزياء الرياضية في جامعة نيويورك إلى مجلّة «سوشل تكست» السامية المقام، التي تصدر عن جامعة ديوك الأمريكية، وهي مجلّة محتسبة لـ»يسار» أكاديمي يساير توجّهات «ما بعد الحداثة». كانت المقالة موشّاة بعدد كبير من الشواهد المقتبسة من أعمال الأركان الكبار لتيّار «ما بعد الحداثة» في فرنسا والمتعلّقة بالرياضيات وبعلوم الطبيعة وبفلسفة العلوم. اختار سوكال هذه الشواهد وهو لا يصدّق منها حرفاً، وهو على يقين بأنها تراوح ما بين الخطأ الصريح والخلوّ من المعنى. ولكنّه بنى عليها مقالته مطنباً في امتداحها والإشادة بأصحابها ومرتّباً عليها ما يرتّبه المصدّق بها من نتائج…
كانت المقالة عبارةً عن «ملعوبٍ» أو فخّ نصبه سوكال (وهو يساريّ أيضاً) للمجلّة اليسارية النهج. وقعت المجلّة في الفخّ ونشرت المقالة بنصّها التامّ. وكان من أثر ذلك، بعد أن صرّح سوكال بحقيقة فعلته، لغطٌ واضطرابٌ في الوسط الأكاديمي المعني وتنبيه إلى التخليط الواسع النطاق الذي يَصِم استخدامَ الفرنسيين من «نجوم» الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع، الذائعي الصيت في الولايات المتّحدة، على التخصيص، لمقتبسات ينتقونها من الرياضيات ومن علوم الطبيعة (من الفيزياء، على الأخصّ) فيسيئون فهمها وعرضها ويتصرّفون بها، في أعمالهم تصرّف من يهرف بما لا يعرف… من ثمّ ذاع الأمر وشاع فأفردت له «نيويورك تايمز»، مثلاً، مكاناً على صفحتها الأولى…
لم يكن سوكال قد استخدم، في المقالة، سوى جانب يسير من مخزون «الدُرَر» الذي كان قد اجتمع في أدراجه وهو يذرع بالطول والعرض أعمالاً كثيرة خلّفَتْها كثرة من أعيان «ما بعد الحداثة» الفرنسيين في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة من القرن العشرين. فما كان منه، بعد أن عاين ما أثاره صنيعه من استهجان صحّي، إلا أن قرّر التوجّه إلى جمهور المهتمّين الأوسع بكتاب ضافٍ يفي المسألة ما وجده حقّاً لها. فكان أن ضمّ جهوده إلى جهود جان بريكمونت، وهو أستاذ في جامعة لوفان البلجيكية، يبحث في الفيزياء النظرية وفي فلسفة العلوم وهو يساريّ الهوى أيضاً، نشر أعمالاً متّصلة بقضايا عامّةٍ كبرى، فائضةٍ عن نطاق تخصّصه العلمي. من هذا التعاون خرج كتابٌ كبير صدر في صيغتين فرنسية وإنكليزية تختلف واحدتهما عن الأخرى بتفاصيل محدودة. وللكتاب الإنكليزي عنوانان: «هُراءٌ ذو رَواج» و»تُرّهاتٌ فكرية» وقد اعتُمد العنوان الثاني هذا للكتاب الفرنسي.
في فصولٍ منه، يتناول الكتاب بعضاً من مشاهير «ما بعد الحداثة» الفرنسيين واحداً واحداً: قطب التحليل النفسي جاك لاكان، نجمة نظرية الأدب جوليا كريستيفا، الفيلسوف المعتبر جيل دلوز، قائدة النقد النسوي للغة والمعرفة لوس إيريغاري، النظري السياسي المشهور ريجيس دوبريه، الاجتماعي البارز جان بودريار، إلخ. وهو يوضح بالشواهد الكثيرة كيف أن كلّ واحدٍ من هؤلاء استعار من الرياضيات أو من الفيزياء نماذج نظرية مختلفة وافترض لها صلاحية معالجة أو حلّ لمسائل منتمية إلى دوائر علوم الإنسان والمجتمع أو فلسفة المعرفة. افترض لها هذه الصلاحية بعد أن ارتكب في عرضه لها سقطات بائسةً في فهمها وتقدير ما يمكن بناؤه عليها من نتائج. أسوأ من هذا أن الاستعارة لم يصحبها، في كثرة كاثرة من الحالات، جلاءٌ لوجه التوافق الذي افترضه المستعير بين ما استعاره من الرياضيات أو من العلوم الصلبة وما يعالجه في علوم الإنسان والمجتمع.
لاكان مثلاً لا يدلي بشيء يوضح كيفية التوصّل إلى افتراض ما يفترضه من صلاحية النموذج الطبّولوجي الذي يزعم استعارته من الرياضيات الحديثة لوصف بنية اللاشعور. هو يعامل هذه الصلاحية وكأنها معطاة بلا حاجةٍ إلى دليل ثم يروح يبني عليها كلاماً كثيراً يمنحه المصطلح الرياضي أبّهةً ظاهرة وينزع استغلاقُه إلى ردع كلّ إغراءٍ بالشك أو بالنقد قد يشعر به قارئه… هذا وما يصحّ في لاكان يصحّ مضاعفاً في جوليا كريستيفا، وهي، إذ تبسط نظريتها في لغة الشعر، تتبدّى أكثر جهلاً بما تستلهمه من الرياضيات من لاكان وفي لوس إيريغاري وهي أكثر خفّة في نعت الرياضيات وعلوم الطبيعة بـ»الذكورية» وأمْيَلُ إلى المبالغة الهزلية في استماتتها لتأنيث المعارف كلّها، إلخ.
هل تؤدّي هذه الفضائح والتعميمات إلى إطاحة هذا الصف من «المراجع» الفرنسيين قَضَّه بقَضيضه وإنكارِ كل قيمة لأعمالهم؟ عن هذا السؤال يقدّم المؤلّفان جواباً حذراً. يقولان إن ما جاءا به من نقد وما عرضا له من مسائل في أعمال هؤلاء الأركان لـ»ما بعد الحداثة» الفرنسية لا يفيد شيئاً سلبياً ولا إيجابياً بصدد الجوانب الأخرى من تلك الأعمال، بل إن نقدهم لا يرمي إلى ردع استعارة النماذج من منظومة معرفية إلى أخرى، إذا هي استجابت لشروط بعينها هي بمثابة تحصيل الحاصل. هو لا يرمي أيضاً إلى محاكمة النصوص بمقياسي السهولة والصعوبة مجرّدين من تقدير الضرورة التي يولّدها الموضوع ويسوّغها النصّ نفسه بدرجة تماسكه وعمقه وبمخرجاته.
على أن ما أظهره المؤلّفان يفترض في رأيهما أن لا يعتبر الغموض وتلاطم المصطلحات النادرة، بحدّ ذاتهما، دليلاً على جلال المعالجة، أي على عمقها وجودتها. ذاك، في كلّ حال، بعض ما كان أظهره «الملعوب» الذي وقعت ضحيّته، بهمّة سوكال، مجلّة «سوشال تكست». أهمّ من هذا أن ثبوت تهمٍ تتراوح بين الجهل أو سوء الفهم وبين الغشّ الصُراح على أعيان «ما بعد الحداثة» أولئك، يوجب مطالعة الجوانب الأخرى من أعمالهم بعين الحذر.. هو يفرض، على الخصوص، أن يجعل القارئ نفسه بمنأىً مبدئيّ من أنواع الاحتجاج بالسلطة: أكانت السلطة سلطة «مَرْجِعٍ» في بابٍ من أبواب المعرفة أم سلطة مصطلحٍ ومنظوماتٍ من المعارف ذاعَ لها صيتُ الضبط والربط.
على أن في كتاب سوكال وبريكمونت ما يتعدّى هذا التناول لأشخاص بأعيانهم بهذا النقد الموضعي الذي يصطاد «دُرَرَ» هفواتهم في معاملتهم علوماً لا تَضَلُّع لهم منها يبيح ائتمانَهم على بعض منجزاتها النظرية أو المنهجية. في الكتاب شيءٌ آخر يسوّغ لمؤلّفَيه القولَ إنه كتابان في مجلّد واحد. هذا الشيء هو التعرّض لفكر «ما بعد الحداثة» في أُسُسه، أي، على الخصوص، للقول بـ»نسبية المعرفة» وللذهاب بهذا القول مذاهب شتّى تختلف قيمةً وجدّةً باختلاف الباحثين والمسائل. هذا الجانب الآخر من الكتاب، نكرّس له عجالتنا المقبلة.

كاتب لبناني

أحمد بيضون

جسدُ الهوية وخواء السياسة

أحمد بيضون

أُكْمِل إذن حديث بَكَواتٍ لبنانيين شَغَلوا مواقعَ في عالَم الطفل الريفي الذي كنتُه.
كان رشيد بك هو البك «النادر» الآخر الذي اعتمدته في مخزوني الاحتياطي من البكوات. وأقول «نادر» لأن اسمه، شأن اسم حسن بك، بقي قليل التداول حولي. كان هذا البك من عائلتنا نفسها ولكنه كان ينتمي إلى الفرع البيروتي منها. وكان قد أصبح بيروتي الملعب بعد أن نقل كرسيّه النيابي من الجنوب إلى العاصمة. وكانت بكويته مؤكّدة بحكم أدوارٍ بارزة لعبها قبل أن أولد. وهذا بخلاف والدي الذي كان أصغر منه سنّاً وأَبْعد عن مركز السلطة، وكان لا يزال يسعى إلى التكريس النيابي. ولم تكن علاقة والدي برشيد حسنةً دائماً، لا بسببٍ من منافسةٍ لم تكن واردة، بل بسببٍ من تقلّب التحالفات الواسعة الذي كان ينتهي بالرجلين، أحياناً، كلّاً إلى صفّ من صفّي الزعامات الشيعية المتقابلَيْن. مع ذلك كانت مكانة رشيد بك ودوره مبعث اعتزاز إجماليّ لعائلتنا، مشوبٍ ببعض عتَبٍ مصدره أن هذ البك لم يكن يولي اهتماماً لتعزيز الفرع المقيم في جبل عامل من العائلة ـ أي نحن ـ بل كان يبدو أقرب أحياناً إلى خصوم هذا الفرع البلديين.
أهمّ من هذا كلّه عندي كان أن البك المذكور طارت له سمعةُ وسامةٍ باهرة شهدَت بها صورة انتخابية ظهر فيها شابّاً بطربوشه وشاربيه العقربيين ونظرته المتشاوفة. وذات يومٍ حضر رشيد بك لزيارة الوالد في بلدتنا، وكنت لا أزال دون العاشرة أيضاً. وكان العِلْم بالزيارة قد وصل قبل أيّام من حصولها وأعدّت العدّة لاستقبال البك. هذه العدّة انطوت على قصيدة قصيرة كتبها لي معلّم في مدرستي، كان أوّل من دخل سلك التعليم الرسمي من العائلة. وكان عليّ أن ألقي القصيدة بين يدي البك ومطلعها: «هذا كلام صغارنا / أَكْرِم بفعل كبارنا»… ثمّ أرشق البكَ بباقةٍ من الزهور بعد ان أعلنَ عن نيّتي الإقدام على هذا الفعل في البيت الأخير من القصيدة. وهو ما فعلتُه وكوفئَ بتصفيق الحضور الغفير.
لاحقاً سمعتُ والدتي تروي أن البك دمعَت عيناه حين قبّلني بعد انتهائي من إلقاء القصيدة. لم أكن لاحظتُ هذه الدمعة، من جهتي، ولكن لا ريب أن بعض الحضور ذكروا أمرها للوالدة. وقد علّلَتها الوالدة بأن البك غلبه التأثّر من ألمَعِيّتي لأنه، مع تقدّمه في السنّ، لم يكن قد أنجب! عليه كثرت دواعي شكّي في استحقاق هذا البك بكويّته، مع أنه كان، على الأرجح، أوّل بكٍ يشعر بوجودي فيشهد بحُسْن إلقائي ويخُصّني بقبلة شكرٍ سامية! كان تامّ الأناقة، لا غضون في سترته، ويعزّز امتياز مظهره شيءٌ من الذهب عدتُ لا أذكر اليوم إن كان خاتماً أم سلسلة! ولكنّ التجاعيد ومعها الشيب كانت قد باشرت ظهورها في وجهه فبدا لي أن وسامته الأسطورية آخذةٌ في التراجع. كان الرجل أقصرَ قامة من حسن بك أيضاً… وأمّا قاصمة الظهر فكانت تأكيد والدتي أنه لا ينجب.
ففي صورة الزعيم المثلى، كانت ماثلةً عناصر الوسامة والشباب والقوّة العضلية وكلّها معزّزة للسلطة. وكانت الفحولةُ مفترضةً أيضاً ولم يكن وارداً التمييزُ بينها وبين القدرة على الإنجاب. فإذا ظهر من البك عجزٌ عن هذا الأخير أوشك ذلك أن يستوي علامة موحية بانقراض العائلة، والعياذ بالله! أو بخلوّها من الزعامة وخمول ذكرها، في الأقلّ.
استوى لقاء رشيد بك إذن امتحاناً آخر يجريه مجتمعنا الضيّق، بتوسّط مخيّلتي، لما كان يجب أن تكونه البكوية أو الزعامة. وكان ما سبق ذكره من الأوصاف الجسدية شروط الحدّ الأدنى لاستحقاق الموقع. بعد هذا، كانت تضاف أوصافٌ أخرى قد تتّصل بالخلق: بالشجاعة والكرم، بالتواضع والإقبال على الخدمة، بالأمانة ولكن أيضاً بالثراء ما أمكن، وعلى الخصوص بسعة الأملاك. ولكن كان يبدو أن هذا كلّه محتاجٌ إلى بنية تحتية مناسبة هي جسم الزعيم ببهاء طلعته ومتانة بنيته. وما من ريب أن هذا كلّه لم يكن يتيسّر، في الزعماء المتاحين، أو لم يكن يدوم. ولكن ذلك كان مفترضاً في مخيّلتي الفتيّة وكانت مخيّلتي تلك بنت بيئةٍ بعينها ولم تكن مخيّلتي وحدي.
وأمّا الداعي إلى هذا التجسيد للزعامة، أي إلى مثولها في جسدٍ تملي أوصافه المثلى، فهو امتلاؤها بالهويّة وخواؤها من السياسة بما هي مقاصدُ لجماعاتٍ متحوّلة ومُثلٌ لا ترسمها جماعاتٌ جاهزة بل تتشكّل للاضطلاع بها الجماعات. والهويّة ههنا هي هويّة العائلة والزعامة فيها شخص ذو صورة. ولكن يسع الهويّة أيضاً أن تكون هويّة جماعة من صنفٍ آخر وتبقى أو تصبحَ معزّزة لهذا النوع الشخصي، بل الجسدي، من الزعامة.
لا ريب أن الهويّة كانت متّصلةً بحفنةٍ من المصالح. ولكن المصالح كانت هي نفسها تقريباً مشتملة على الجهتين المتخاصمتين. كان الفائز يصبح قادراً على المزيد من المساعدة الشخصية للطالبين: لموظّف يرغب في نقل مكان عمله، لصاحب معاملة يخشى إهمالها في الإدارة، لمرتكبِ مخالفة أو جنحة يأمل تخفيفاً لعقوبته، إلخ. كانت «الندرة» صفةً مفترضةً ضمناً لهذه الممكنات كلّها… فلا يصحّ، بالتالي، أن يفترض تيسّرها للعائلتين المتخاصمتين معاً. على صعيد أعمّ، كان الخصوم يتداولون الحديث نفسه عن الإهمال الحائق بالمنطقة: عن سوء حال الطرقات وغياب شبكات المياه والكهرباء، عن ندرة المدارس وخواء الوفاض من المستوصفات، ناهيك بالمستشفيات. فإذا اتسع نطاق الأحلام المطلبية إلى صعيد الطائفة ذُكِرت، على الخصوص، قلّة نصيبها من الوظائف الحكومية… هذا الصنف من المطالب كلّه كان يُدّخر، على الأغلب، للمفترقات الكبرى: لموسم الانتخابات النيابية أو لتسَلّم رئيس جديد للجمهورية، إلخ. وأما ما يدعى «خطّاً سياسيّاً» فكان، في صيغته العملية، لا اللفظية، يقفز بخفّة عن الداخل اللبناني ومعضلات نظامه إلى المجال «القومي». وعلى هذا الصعيد كانت هوامش الاختلاف ضيقة بين الخصوم ولكن كان التقلّب وارداً مع اختلاف السياسات «العليا» والعهود.
يبقى أن أشير إلى أن أحمد بك لم يعمّر طويلاً فلم أشاهده وهو يشيخ. ولكنني التقيت حسن بك مراراً، عبر السنين، لا في لباس الفارس، بل في بذلة عادية وبلا حصان. وكان بالغ اللطف يجاملني كثيراً وقد عاينت ترهّل جسمه وتغيّر سحنته قبل أن يذهب به المرض. كذلك زرت مع والدي رشيد بك قبيل وفاته وكان شيخاً ضعيفاً أنهكه الباركنسون. وعايشت أخيراً تقدّم والدي في العمر وذهاب السكّري بعافيته ثم مرض قلبه الذي انتهى بمفارقته إيّانا.
ليس هذا وحسب، بل إنني أنا نفسي قد بلغتُ الكبر ودخلتُ، من غير حاجةٍ إلى البكوية، في الشيخوخة. فأخذت أفقد تباعاً ما كان في طلعتي وفي بنيتي يشبه من قريبٍ أو بعيد ما كنت أجعله شرطاً للبكوية. هذا ما يحصُل في كلّ حال! وآخر دعوانا أن من يجعل «الصبا والجمال»، ومن ورائهما الهويّة، كلّ «قضيّته» خاسرٌ لا محالة، في آخر مطافٍ ما، فرداً كان أم جماعة!

كاتب لبناني

أحمد بيضون

النَسَب والمكواة

أحمد بيضون

ونحن صغارٌ، كنّا نريد البَكَ أن يكون جميلاً. وأنيقاً أيضاً. كان بهاءُ الطلعة ما أمكَنَ ومعه المكواة، قَبْلَ الحسَب والنسَب، ضرورةً ينْشُدها الصِبيةُ للبَكَويّة…
أذكر يوماً، في عين إبل (من أعمال الجنوب اللبناني) تدبّرْتُ فيه أمري للمشي وراءَ أحمد بك مباشرةً، وكنتُ دون العاشرة. كنّا جَمْعاً من كبارٍ وصغارٍ متّجهين إلى منزلٍ ما. وكان البكُ يلْبَس بذلةً فستقيّة اللون، وهو ما لم يكن شائعاً لملبوس الرجال. كنتُ في حيرةٍ من أمر اللون: هل هو خاصّ بالبكوات أم أن هذا البك ناقصُ الذوق أو غريبُ الأطوار؟ وَأَمَّا ما حَسَم المسألةَ فكانت غُضوناً رأيتُها في ظهر سترة البك تأتّت، على الأغلب، من طول الجلوس في السيّارة. لم يكن لي، بالغةً غيرتي ما بلغت، أن ألحق البك بالمكواة. ولكن كان عِظَم الخطب كافياً لأباشر الخروج من دائرة السحر البكوي…
في ذلك اليوم أو في غيره، شاهدتُ آثار بثورٍ في وجه البك قد تكون نَجَمت من إصابةٍ قديمة بالجدري. كانت تلك طامّةً كبرى. وكنتُ أسمع بعض أقاربنا يصِفُه بـ»الأنْقَر» حين يخاصمه والدي. ولكنه كان يبقى أحمد بك في الصلح وفي الخصومة.
كان الصلح والخصومة خاويين تقريباً. تسوّغهما بالكأد مقارنةٌ بين البيوت أو بين الأشخاص، تنقلب نتيجتُها رأساً على عَقِبٍ تبعاً لتقلّبات الأحلاف الانتخابية. فإذا انعقد الحلف بين عائلتنا والبك أصبح بيت البك كعبةَ الجبل. وإذا استأثَرَ العائلة المقابلة لنا برضا البك وحالفَت عائلتنا خصماً لهذا الأخير، نفَضْنا الغُبارَ عن صورة «الإقطاع» وشُرورِه. هذا مع العلم أن المآخذَ التفصيلية كانت تغني عن لفظ «الإقطاع» الخطِرِ هذا…
هذا الخَواء هو ما جعل طلْعةَ البك محلَّ اهتمامٍ عندي يُسْعف في التعلّق بشخصه أو لا يسعف. وهو ما اتّخذتُه مقياساً أوّل للمفاضلة بين بكواتٍ عرفتُهم في تلك الأيام. وهو ما مثّل إلى حينٍ أيضاً حبلَ سُرّةٍ سياسيّاً بيني وبين والدي. كانت هذه الفئة من الألقاب قد انقطعت عن كلّ مؤدّى عملي منذ أفول السلطنة العثمانية.. بل قبل ذلك. وفي العهد الهاشمي الأوّل، أمكن لـ»قبضاي» بيروتي أن يحظى بلقب الباشوية – على ما شاعَ – لقاءَ وليمةِ سخية…
وأمّا والدي فكان ينتمي إلى فئة «الوجهاء». وهذه تقع في موقعٍ حائر بين الأفندي والبك. فكان يخاطبه الغرباء، في الرسائل، تارةً بهذا اللقب وتارةً بذاك. وأما في بيئته، أي في البلدة وفي الجوار، فكان «أبا أحمد» والسلام.
وهو كان يقترب من الخامسة والأربعين حين كنت أقترب من العاشرة. وكان لا يزال يجمع، في تلك السنّ، قوّة البنية إلى وَسامةٍ ملحوظة. كانت قوّة بنيته تجعله سنداً موثوقاً للغلام الهزيل الذي كنْتُه، فضلاً عن العائلة كلّها. فالشجار لم يكن مستبعداً بين الحلفين العائليين في البلدة (بالحجارة وبالعصِيّ، في الغالب). وكانت الوفرة في رأس المال العضليّ مستحسنةً في الزعيم، وإن تكن حاجته إليه رمزيّةً بحتة. فقد كان له مَن يشاجر عنه. وأمّا الوسامة فكانت علامةَ تفوّقٍ حاسمٍ على الأنداد ناهيك بالخصوم…
وما من ريب أن اقتران المكانة بالوسامة كان ينتقل إلينا، نحن الصبية، من طريق النساء. فمن تعليقاتهن المتناثرة، حين يذكرن هذا الزعيم أو ذاك، كان يتسرّب إلينا ما علينا أن نتمثّل به في شخص الزعيم: عسى أن يعجبهنّ فينا بعض ما يعجبهنّ فيه.
لا عجب، والحالة هذه، أنه كان سهلاً على عبد الناصر، حين وصلت صورُه، أن ينشئَ معنا، نحن الصِبْية، ومع بعضِ الكبار أيضاً، علاقةً مباشِرةً وأن يعفينا من الحاجة إلى البكوات من أصلهم. فتوقّفنا عن حفر صورة فيصل الأوّل على الحجارة. كان الملك قد ماتَ قبل ولادتنا. فلم يفصل بيننا وبين عبد الناصر سوى صورةٍ يتيمة مشوّشة للملك كنّا نقع عليها هنا أو هناك وسرعان ما أزاحها «المارد الأسمر».
أيّام!
أمرٌ آخر خليقٌ بالذكر هو أنه كان في متناولي، إلى البكوات الكثيري التداول، بيكان آخران، في أدنى تقدير، يسعني نعْتُهما بـ»النادرَيْن».. أوّلهما حسن بك، ابن عمّ أحمد بك. وكان يعرّج على بيتنا، في أوقات متباعدة، قادماً من قريته البعيدة، لا في سيّارة، بل على حصان! وكان يعتمر كوفية وعقالاً ويلبس لباس الخيّالة. كانت علاقته بأحمد بك متقلّبة شأن علاقة والدي بالمذكور. ولكن كان صعباً أن يكون له حظٌّ في الزعامة، إذ كان أخوه الأكبر محمّد يتقدّمه في الاستحقاق، وكان بيتهما قد طال مكوثه في الهامش. فكان محمد بك هو الذي يعتمر طربوشاً شأن والدي وبعض من عرفتهم من البكوات والأفندية… فإن آخرين منهم (متّهمين بالحداثة!) كانوا قد أصبحوا حاسرين بعد تطَرْبُش. ولكن حسن بك كان في نظري، مع ذلك، صورة البك المثلى: شباب! كوفية حريرية سكّرية اللون، قامةٌ شامخةٌ متّسقة وطلعةٌ سمراء مشرقة… وحصان. فمن أولى من هذا بالبكوية وأيّ ظلمٍ حبسه في الهوامش ومنح المتن لـ«الأنقر»؟
كان والدي خيّالاً قديماً وتاجر خيولٍ في بعض أيّامه. وحين بلغتُ سنّ الإدراك، كان لا يزال يقتني فرساً أو يشترك في ملكية فرس. فهذه الشركة كانت واردة. ولكن نادراً ما رأيته يمتطي الفرس. وحين توسّطتُ العقد الثاني من عمري، بدأتُ «ألطُش» ما يعجبني من خزانة الوالد: ربطة عنق من هنا وحذاءً من هناك، على الخصوص. وكان هو لا يردعني ولا يقول ما يفيد الرضا عن هذه الأفاعيل أيضاً. كان يدعني أفعل وكنت أتحاشى الإفراط. وفي وقتٍ ما، استوليت على شيئين كان الوالد قد أهملهما طويلاً: الكوفية الحريرية مع العقال وجزمة الخيّال! وقد رحتُ ألبسهما أحياناً من غير فرس!
وما من ريب في أن خطّتي كانت التشبّه بحسن بك. ولكن كان صاحب الكوفية والجزمة، أي الوالد، ماثلاً في صورتي المتوخّاة أيضاً. وحين ألتمس اليوم معنىً لما كنتُ أفعلُ أرجّح ان الرجلين كانا وجهين لصورة واحدة هي صورة الوالد. كان لحسن بك امتياز الفتوّة إذ كان أصغر سنّاً من والدي. وكان له امتياز التجسيد التامّ، وإن يكن عابراً، لمثال الزعامة المستقرّ في مخيّلتي… إذ لم أكن رأيته إلا فارساً في لباس الفرسان… هذا فيما كانت صورة الوالد أغْزرَ ملامحَ بكثيرٍ وأقلّ قابليةً لهذا التجريد، بطبيعة الحال. كان حسن بك وسيطاً ممتازاً، قليل الكلفة، يجنّبني مغبّة الاقتداء المباشر بالوالد… فهذا الاقتداء لم يكن مرغوباً فيه في وقتٍ كان فيه التحرّر من سطوة الوالد ومن سلطانه هو المناسب للفتى الذي كنته. يبقى، بعد هذا، بك نادرٌ آخر وملاحظاتٌ أخرى ندّخرها للعجالة المقبلة.

كاتب لبناني

أحمد بيضون

في الحاجة إلى موارد التعبير

أحمد بيضون

لا يجوز تصحيحُ أخطاء النحو في رسائل الغرام فهي بعضُ فتنتها. وقد يستحبّ للشاعر أو للأديب المتشاعر أن يسعى في المزاوجةٍ، على نحوٍ ما، بين عبارته، أبنيةً وألفاظاً، وما في الموضوع الذي يقاربه من نقصٍ وتعثّر.
وقد يكون المسرح بلا زيادةٍ أبرز «مسرحٍ» يدرِك فيه استلطاف الانحراف عن الجادّة اللغوية أقصى شرعيّته ويستطاب فيه ثأر الخطأ من الصواب. يصحّ هذا، على الخصوص، حيث يميل المخرج وكاتب النصّ إلى ما يعرف باسم الباروديا…
وأمّا حالة الناقد أو المحلّل فمختلفةٌ جدّاً. إذ هو محتاج إلى أقصى المستطاع من الإحكام والغنى في العبارة ليسبُرَ ما يسفر عنه التشابك بين عدّته النظرية والوقائع من صور اللَبْس والتردد، ومن العِيَ والإلغاز وليجلو أبعاد ذلك ودلالاته.
ولنُضف ههنا أن معرفة اللغة (ونقصد العربية، على التخصيص) أبعدُ شَيْءٍ عن أن تختَصر في معرفة الإعراب أو معرفة إملاء الكلمات. فمع أن الخطأ في علامة الإعراب، في القراءة أو في الكتابة، خطأٌ، لا ريب في ذلك، ما دام يسوق إلى الخلط في وظائف الألفاظ في الجملة، أي، مثلاً، إلى وضع الإبريق في موضع كاسر الإبريق… فإن هذا ليس أسوأ ما في نقص المعرفة باللغة. وقد أوصى لغويّون بالاستغناء عن الإعراب لأن ما يفيده الإعراب يدركه السامع أو القارئ بالحدس في أكثر الحالات. وهذه وجهة نظرٍ جديرة بالاعتبار وإن لم يكن سائغاً، على الأرجح، أن تعتمد برمتها بلا إمعان نظرٍ في الحالات.
لا يُرَدّ صلبُ المعرفة بالعربية أيضاً إلى القدرة على اجتناب الخلط، في الكتابة أو في النطق، ما بين السين والصاد ولا إلى إتقان القواعد المعلومة لكتابة الهمزة. لهذا ولِما كان من بابه اعتباره، بطبيعة الحال، ولكنه ينتمي إلى أوّليات المعرفة بالفصحى ومبادئها وليس إلى لُباب هذه المعرفة. وأما هذا اللباب فيتمثّل في أمور أخرى من قبيل نحو الجُمَل وما يتيحه التقديم والتأخير في عناصر الجملة من لَعِبٍ بموازين الدلالة وما توفّره عشرة المعاجم وكبار المنشئين من معرفةٍ بالفروق الدلالية بين المترادفات، وما تتيحه هذه المعرفة من إحكامٍ ومرونة في التعبير هما– لا التمحّل ولا «المحسّنات»، على اختلافها– ما يستحقّ اسم البلاغة. هذا وتزداد الحاجة إلى الغزارة في موارد التعبير والدقّة فيه كلّما كان المراد قوله أقرب إلى الاحتمال وتشابه الوجوه وإبطان الشكّ منه إلى اليقين الفجّ أو المباشر.
وإذ يبتكر أهل النظر مصطلحاً لهم ولا يزالون يزيدون فيه ويجهدون لإرهافه فلأن اللغة لا تكفيهم وليس لاستغنائهم عن تعلّم اللغة. فلا يستقيم تحليلٌ لمرحلةٍ تاريخية أو لحركةٍ اجتماعية أو لأْزمةٍ نفسية بعُدّة لغوية تقصّر عن وصف حذاءٍ بالٍ. وهذا مع أن الأزمة النفسية، مثلاً، قد تتّخذ مظهراً لها العجزَ عن الكلام!
هذه الحاجة إلى ثروةٍ لغويّة وإلى تمكّن من أصول التعبير شرطاً للإحكام في أداء المعارف، تجعل من الفصل بين ما يسمّى «أدباً»، على اختلاف الأنواع، وما يسمّى «تحليلاً سياسياً» أو «معرفةً اجتماعية» أو «روايةً تاريخية» أمراً يجب النظر في إمكانه، لا إلى صعيد متانة العبارة وجمالها، بل إلى ضوابط أخرى معتمدةٍ لكلّ نوع. فإن النظر عن كثب في أعمال المؤرّخين، مثلاً، يُظهر أن كبارهم، من ابن خلدون إلى فوكو، كانوا منشئين كباراً معتنين بنضارة عبارتهم وبألقها وحسن سبكها. وهذه أيضاً حالُ «نفسيين» و»اجتماعيين» نذكر من بينهم فرويد وليفي ستروس وحال فلاسفةٍ ليس أوّلهم ديكارت ولا آخرهم سارتر، الذي قرن البحث الفلسفي بالرواية والمسرحية، إلخ.
لذا كان مستهجناً أن يرمى الباحث في الفلسفة أو في علوم الإنسان والمجتمع بـ»البلاغة» كأنها تهمة وأن ينسب إلى «الأدب» لا لسبب إلا لجمال عبارته وأسلوبه، وأن تعدّ هذه النسبة حطّاً من موقع الباحث وشأنه في الحقل المعرفي الذي ينتمي إليه. وهذا النوع من «المآخذ» شائع في ديارنا وهو يؤول إلى تخلّص «الناقد» من عبء التدبّر المتروّي لما يقرأ أو يسمع. وذاك أن البلاغة هي ضبطُ الكلام بالمقصود وهي بالتالي أبعدُ الأشياء عن الكلام الفارغ. هذا من جهة… ذاك أيضاً أن الأدب يستدعي التخيّل، في الأعمّ، ولكن ليمضي بتوسّطه شوطاً أبعد في استقصاء الحقائق. وهذا شوطٌ قد لا يفلح في قطعه الكلام الغريب عن الأدب ولو كان يُنسَب إلى العِلْم. الأدب عالَمٌ كلامي مغايرٌ جدّاً، بالتالي، لعالم الكلام الفارغ.
في هذا المعرض نفسه، يحسن التذكير بأن لفظ الأدب يستعار أيضاً لسموّ الخُلُق. فيقالُ فلانٌ مؤدّبٌ أو أديب. وهو ما يشير إلى أن الأدب، بعموم معناه، مشروطٌ بالبعد عن الكذب وعن السَفالة. لذا كان الاكتفاء من النقد بالقول «هذا أدبٌ وبلاغة» هو، لا غيره، الكلام الفارغ. إذ هو يقوم على جهلين: جهلِ معتمديه بما هما الأدب والبلاغة وجهلهم بكيفية الردّ المقنع (أي البليغ!) على رأيٍ لم يوافق رأيهم.
يستحسن التنبيه، أخيراً، إلى أن الكلام، أيّا كانت سويّته، يعبّر، تلقائياً، عن شيءٍ في قائله، ظاهرٍ أو خفيّ، يُدْرِكُ مباشرةً أو يستخلص بالتحليل. وهذا لا يحتاج، بصورته العامّة، إلى براعةٍ استثنائية من أيّ نوع. وأمّا التعبير المتعمّد بالكلام عن حقيقة ذاتية أو موضوعية فهو محتاج إلى دُرْبةٍ وتمكّن. فلا يزداد الكلام تعبيراً عن حقائق الأمور كلّما ازداد تلعثماً في الصياغة أو فقراً في الموارد اللغوية أو البيانية أو سوقيةً في الألفاظ: أي كلّما ازداد بعداً عن الأدب والبلاغة، بل إن هذين أفْعَلُ ما تدْرَكُ به تأتأة العالَم وأصْدَقُ ما تُتَرْجَم به. ليس على أحدٍ ـ إن صحَّ هذا ـ أن يعتذر عن بلاغته وأدبه، بل الأَوْلى تمنّي الازدياد من هذا ومن تلك وبذلُ الجهد في سبيله.
يبقى أن علينا التسليم بأن البلاغة والأدب ليسا واجبين على من لا يريدهما. فإن كلّاً من البشر حرٌّ في اعتماد «الأسلوب» الذي يلائمه أو ذاك الذي يقدر عليه: في الكلام وفي غيره من أشكال السلوك. ولكن ليس لأيّ كان أن يعتبر البلاغة والأدب سُبّةً لغيره من الناس ومطعناً يسفّه به، ولو متظاهراً بالمدح أحياناً، أيّ رأيٍ يراه هذا الغير. هذا بينما يغطّي المنتقد، بهذا الاعتبار، عجْزَه أو تكاسله عن جلاء مآخذه.

كاتب لبناني

أحمد بيضون

شقّةٌ في رأس بيروت

أحمد بيضون

قبل ثلاثين سنة، أسبوعاً بأسبوع، انتقلنا إلى شقّتنا هذه في رأس بيروت. كنّا هاربين من «خطّ التماسّ» السيّئ الصيت الذي أقمنا على مقربة منه عشر سنواتٍ من عمر الحرب. في مقامنا الجديد، كانت السماء واسعة فوق رؤوسنا، في تلك الأيام، ومن شرفتنا كان يمتدّ في الفضاء، بين المباني القريبة والبعيدة، زقاق أفقي ينتهي إلى البحر. كنّا نحبّ أن نقول للزائر الجديد: خاطِرْ بالتواءٍ في عمودك الفقري تشاهِد البحرَ من هذه الشرفة!
اليوم، أصبح علينا أن نذهب إلى موضعٍ بعينه من الشقّة لنرى إن كانت السماءُ لا تزال حيث تركناها. ومن الشرفة، إذا خرجنا إليها، يظهر لنا مستنقعان سماويان ضيّقان، متكسّرا الحدود، هما كلّ ما تركته لنا المباني الجديدة الشاهقة من سماء. تلك سماء لا تكفي، في الشتاء، لتقدير احتمال الصحو واحتمال المطر. كثيراً ما نسيء التقدير فنترك المظلّة ونعود مبلّلين… أو نأخذ المظلّةَ بلا داعٍ فننساها حيث نذهب… ليس هذا، بطبيعة الحال، كلّ ما جرى لنا في ثلاثين سنة، بصفتنا من سكّان هذا الحيّ. هذا غيضٌ من فيض. أقول هذا مع أن ما سبق يشير إلى تغيير في المدينة يصحّ وصفه بالتاريخي. المدينة، في هذه السنوات الأخيرة، تنتقل من طراز عمارة إلى آخر. وقد يصحّ القول إن نقلة بهذا الاتساع والعمق لم تحصل من ستين سنة. انتقلت المدينة بين الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي من عمارة تتراوح طبقاتها بين واحدةٍ وأربع إلى العمارة ذات الطبقات السبع. وهذه الأخيرة هي التي تنتمي إليها عمارتنا، وهي التي تُغلب على أمرها اليوم وتبدو صائرةً إلى الاضمحلال. يُغْلب الإسمنتُ المألوف المكحّل بالزجاج ومعه الحديد المشغول أو الألمنيوم الذي تعرضه الشرفات المفتوحة. يَغْلبه طغيان الزجاج الذي يشتمل على الشرفات ويضمّها إلى دواخل الشقق. ولكن ما لنا ولتحوّل المدينة بأسرها… ولنمكث لحظاتٍ في شارعنا الضيّق.
لعشر سنواتٍ خلت، كانت حركة الشارع لا تزالُ تخفّ كثيراً ابتداءً من بعد الظهر، فنمضي أوقات راحتنا… مرتاحين. اليوم أصبح الشارع وجواره لا ينام إلى ساعات الصباح الأولى. كان يغلب هنا محلّ التاجر ومحلّ الحرفي: بائع الثياب أو اللوازم الكهربائية، الحلاّق ووكالة السفر، متجر الأثاث… اليوم تكاد تطغى على هذا كله، في الشارع وفي الجوار، عشرات من المطاعم والبارات وما يسمّى الـ»بَبْز» وهو شيء هجين بين البار والمطعم لا يجد دليلاً على تفوّقه خيراً من اقتحام آذان الساهرين مع عوائلهم أو النائمين في أسرّتهم بأقبح الموسيقى. هذا والموسيقى ليست وحدها مصدر الإزعاج، بل إن هذه المرابع لا تتّسع دواخلها لروّادها فيتجمّع أكثرهم على أرض الشارع ويعلو هناك لغطهم مع الموسيقى.. وقد ينفرد من بينهم واحد يقف في الثانية صباحاً تحت نافذتك بالضبط ويهاتف من هناك واحداً آخر أو واحدة ملزماً إياك بسماع قصةٍ لعلاقةٍ مشتبكة بقصّةٍ لحياةٍ برمّتها. لا موجب للنوم هنا: لا للطفل ولا للمُسنّ، لا للعامل ولا للعاطل.
والحال أن مصادرة الروّاد لأرض الشارع أمرٌ تلقائي وقد يكون حقّاً من حقوق المواطن (ما أدراني؟)… ولكن المريب أن تكون هذه المرابع، بلا أبواب تغلق على ما يجري فيها وأن يكون بعضها بلا جدران أصلاً ما خلا ألواح زجاج لا تصدّ وحدة الحال بينها وبين الجوار.. وكأن أصحابها والروّاد منزّهون عن المعصية، فليس عليهم أن يستتروا. ذاك مريبٌ لأن بعض الجوار سكنيّ يفترض أن يكون محميّاً ممّا يسمّيه القانون «إقلاق الراحة».
وفي تفسير غفلة القانون عن الإقلاق الثابت وفي إتاحته رخصاً تعامت عن مواصفاتٍ هي والإقلاقُ واحدٌ يتداول الأهالي أقوالاً مختلفة. بعضهم يزعم أن الرشوة أُمّ العجائب. وبعضهم يؤكّد أن الحماية السياسية منشورة على هذه المرابع: من صاحب الرخص العديدة إلى الفاليه باركنغ. وبعضهم يردّ الاستباحة إلى جبن الجيران عن مواجهة الحُماة الأشاوس.. إذ هم يباشرون، بين حينٍ وآخر، مبادرة احتجاجٍ ثم ينكصون… وفي انتظار أن يأفل نجم هذه البقعة، بما هي مساحة للسهر، من تلقاء نفسه (وهو ما سبق أن حصل لشوارع أخرى في المدينة) يتّخذ القادرون لأبوابهم المطلّة على الشارع زجاجاً مضاعف السماكة وقد يزجّجون الشرفات أيضاً. الإجراء عالي الكلفة ومتفاوت الفاعلية، والاضطرار إليه ظلمٌ محضٌ فوق ذلك، ولكنه قصارى ما يرى القومُ أنهم يستطيعونه.
نعم هلّلنا مؤخّراً لإنذارٍ وجّهته المحافظة إلى بعض من هذه المرابع… إنذارٍ لم يتناول شرعية موقعها، حيث هي ولا غياب التجهيز العازل ـ بما فيه الجدران ـ لما ينبعث منها من ضجيج في كلّ وقت. وإنما اقتُصر على دعوتها إلى الالتزام بالمواقيت القانونية وإلى اجتناب «إقلاق الراحة» الذائع الصيت. هلّلنا مع ذلك، ولكن بقي الحذر حليفنا، فنحن لبنانيون نعرف ميل الأنظمة والقوانين في بلادنا إلى الغفوة الطويلة بعد كلّ يقظةٍ عابرة…
مهما يكن من أمرٍ، يبقى أن نوع العمارة الجديد والوجهات الجديدة الغالبة لاستعمال بعض منشآته، في الحي، تُغيّر كلّها من الانفعال بالأشياء والروائح والأصوات. ثمّة شعورٌ ينشأ بالإقامة في موضع عاد غيرَ معَدٍّ للإقامة، إذ أصبح مدرجاً في أرخبيل السياحة. وهو ما يوسوس للمقيمين ليل نهار هنا أنهم هم الغرباء وأن الطارئين في الهزيع الثاني من الليل هم مستحقّو المكان أو أصحابُه. في حالتِي بدأ هذا الشعور من منظر الأشجار.. حين قدومنا إلى الشارع، كان فيه أشجار معدودة مختلفة الأنواع والأشكال وخضرةٌ على شطرٍ من سياجٍ هنا أو هناك وزروع تُزهر على شرفات. كان الشارع يتميّز بهذا كلّه عن شوارع أخرى مجاورة. هذا كلّه كان لنا: كان منّا وفينا من حين وصولنا. المباني التي أنشئت حديثاً فرضت، بنمطها المعماري وبالبعض من طرق استعمالها، إزالة هذه المعالم أو إخفاءها. لم تبخل هذه المباني بالأشجار. غُرست أشجار على الرصيف أمام بعضٍ من المباني المنشأة مؤخّراً، ولكنّ هذه الأشجار التي يؤتى بها متماثلة وكبيرة تُشعرني بأنها شيء مصطنع أو طارِد. تُشعرني بأنها زينةٌ سياحية غيرُ مكينة، معدّةٌ، لا للمقيمين، بل لعابري الليل الذين لن تحظى منهم بالتفاتٍ أصلاً، تُشعرني بأن في تكوينها عنصراً بلاستيكياً خفيّاً. تشعرني بأننا، نحن المقيمين، ثقلاء فرَضَنا على الساهرين حظٌّ عاثر وأنه بات علينا الانصراف من هذا الحيّ… من هذه المدينة… من هذه الدنيا. ليس لي منفذٌ، والحالة هذه، غير أن أهزأ بهذا كلّه!

كاتب لبناني

أحمد بيضون

مساحةٌ بين قُسٍّ وجِحا

أحمد بيضون

Jan-06

■ هي الخاطرة إذن ما يستوقفني من بين الموادّ التي يستدرجنا إلى «إنتاجها» الفيسبوك وإلى نشرها على «الحائط» المتاح لنا من ثَمّ. التأمّل في الخاطرة يستبعد الصورة موضوعاً، بالدرجة الأولى. ولكنّه يستبعد أيضاً ـ بين ما يستبعد ـ ركامَ «الروابط». فهذه الأخيرة مفتوحة على الشبكة كلها ـ باستثناء ما أدرجه الفيسبوك في قائمة ممنوعاته ـ : على المقالة المنشورة وعلى الشريط، على القطعة الموسيقية وعلى المعرض الفنّي، إلخ. وهو ما يجرّ إلى تأمّل عامّ في محمولات الشبكة لا يقوى على الوصول به إلى الغاية أحد. الخاطرة شيء محدود جدّاً بين محمولات الشبكة وهو يزداد محدوديةً ـ إزاء أنواعٍ أخرى من الموادّ ـ بين محمولات الفيسبوك نفسه. وأزيد مساحته ضيقاً، من جهتي، حين أحصر همّي في قابلية الخاطرة الفيسبوكية لتحمّل «عمل الكتابة» وفي الخصائص التي تكسبها الخاطرة من انتمائها إلى نشاط «الفسبكة» بعد هذا التحمّل.
لمدّةٍ من الزمن أطلق الفيسبوك على المساحة التي يتيحها للنشر اسم «الحائط». وهو ما يوحي أنها متاحة لـ«الغرافيتي»: أي لأيّ نوعٍ من الكلام (الذي لا تستبعد منه المأثورات والبدائع) وللرسوم أيضاً… على حائطي هذا، حاولتُ أن أستعيد، أحياناً، نصوصاً لكتّاب ذوي شهرة، نصوصاُ وجدتها قريبة، من حيث الفئة الأدبية أو النوع، لما قد ينشره واحدنا من خواطر على حائطه، إذا اختار أن يزاول هناك غواية الكتابة. نشرت تباعاً تحت عنوان «فلانٌ لو فَسْبكَ» أقوالاً لأمثال بليز باسكال وفريدريش نيتشه ومارك توين وألبير كامو وأوكتافيو باث وأميل شيوران… وكنت أعرف أن في وسعي أن أبدأ الاستنساب من نصوصٍ ضاربة في القِدم: من «النُتَف» التي وصلت إلينا من أغارقة سابقين لسقراط: من هرقليطس مثلاً. وكنت أعرف أن في وسعي أن أواصل هذه التخيّرات بلا نهاية تقريباً. على أن باسكال كان أوّل من استوقفني. فإن كتابه «الأفكار» له مظهرُ كتاب الخواطر. فهو مكوّن من نصوص قصيرة متنوّعة الهموم لا يظهر لها للوهلة الأولى موضوع واحد، ولكن تفحّص هذه الحالة عن كثب يظهر أن باسكال، إن كان له أن يدْرَج في فئةٍ من الفسابكة، فهو أقرب إلى فئة «المناضلين» أو «الناشطين» الذين قد تتنوع الموضوعات الجزئية لما يتتالى من خواطرهم، ولكن ينتظمها موضوع عامّ أو همّ جامع واحد. وذاك أن كتاب باسكال كتاب غير منجز وأن هذا ـ وليس الافتقار إلى موضوعٍ واحد ـ هو السبب في التشتت الظاهر لفقراته. ويعرف محقّقو الكتاب هذا الأمر ويعرفون المدار العامّ للكتاب، فيختلف ترتيب «الأفكار» بين الطبعات وفقاً لتقدير كلّ محقّق للتصميم الذي كان باسكال سيعتمده لمؤلَّفه لو أتيح له أن يبلغ من تأليفه نهاية المطاف.
عليه رأيت أن ما جاء به مارك توين من خواطر متفرّقة، هجائية المنحى، هو، على الأرجح، أقرب ما يمكن اعتماده نموذجاً مثالياً لما يُنتظر من الكتّاب السابقين لعهد الفيسبوك لو أنهم «فَسْبكوا». ولا يعني هذا الاستقراب لتوين تنحية سواه. فإن «دفاتر» كامو التي لم يكن أعدّها للنشر ونُشرت بعد رحيله هي مدوّنات خواطر بالمعنى الأدقّ. يحمل صاحب القلم قلماً ودفتراً ويدوّن ما «يخطر» له لترجيحه أن الخاطرة ستتلاشى وتغور إذا هي لم تدوّن. وقد تستعاد الخاطرة في عملٍ لاحق وقد لا تستعاد. فوجودها في «الدفتر» وجود ذخيرة واحتياط… ذاك ما هي عليه خواطر كامو في «الدفاتر». فيها شيء من «فورية» المادّة الفيسبوكية، بل إن طابع «المسوّدة» الذي يطبع بعضها قد يجعلها أكثر فورية من خواطر يدفع بها كاتب لا ينسى «جمهوره» إلى جدار الفيسبوك بعد أن يوفّيها ما يجده حقّاً لها من العمل أي بعد أن يحيلها، على وجه التحديد، إلى «مبيّضة».
وتغري حالة كامو بتلمّس صلةٍ ما بين الخواطر واليوميّات. لا يلزمك الفيسبوك بالانتظام الذي يميل إليه من يقتني دفتراً لتدوين يوميّاته. ومع أن الفيسبوكي قريب جدّاً من الانفعال بالحوادث والتعليق عليها فإن الخواطر، من حيث الأساس، أقرب إلى السيرة الداخلية: إلى سيرة الخاطر السارح بين الأوقات والشواغل، على اختلافها، منها إلى القبض على الحدث الشخصي أو العام وحفظ معالمه ومعها الانفعال به في كلام مكتوب. الخاطرة لا تعالج، بالضرورة، ما يحدث وإن يكن هذا محتملاً جدّاً، تعالج ما يخطر، هي نفسها حدثٌ.
وإذ التمست في تراث العربية أشياءً تشبه ما أفترضه نموذجاً فيسبوكياً للخاطرة، وقعتُ على قطبين لا يطابق أيّ منهما هذا النموذج ولكن يمثّل حدّاً له. أوّل القطبين «الحكمة»، نثراً كانت أم شعراً: لقُسّ بن ساعدة كانت أم لعليّ بن أبي طالب، لأبي العلاء المعرّي أم لأبي العتاهية… وثاني القطبين «النادرة» وهذه قد تكون واحداً من أخبار نصر الدين خوجة المعروف بجحا وقد تكون من المنسوب إلى شعراء أو أدباء، إلى خلفاءٍ أو وزراء، إلى غلمانٍ أو إماء… من طريف الأقوال والأفعال، تضمّ معظمه تآليف مختصّة بهذا النوع. وأما الخاطرة الفيسبوكية فلا هي حكمة، على وجه الدقّة، ولا نادرة، بل يسعنا تخيّلها شاردةً في المساحة المعتبرة الممتدّة بين هذين النوعين: في المساحة بين جحا وقُسّ.
وما تكسبه الخاطرة من انتمائها إلى الفيسبوك وإلى وجوه التفلّت فيه ووجوه الإلزام عميمٌ وعميق. ما أشرنا إليه من علاقة ينشئها الفيسبوك بين الخاطر والزمن مؤدّاه أن ما يُعرض على الفيسبوك عابرٌ بلا إبطاء، محكوم بسرعة الزوال… وهذه صفة تلحق به إلى موقف صاحبه منه أيضاً. يتوجّه المفسبِك إلى جمهورٍ ضيّق أو واسع يعرف شيئاً من ملامحه ومطالبه. وهو ـ أي المفسبِك ـ لا يعطى، في العادة، مهلة بين جهوز المادة ونشرها. غير أنه لا يجد نفسه ملزماً بمتابعة حديث كان قد بدأه قبل ساعة ولا بالبقاء على سويّةٍ للتأمّل كان قد اتّخذها لنفسه أمس. ولا هو يشعر بحرج من التنقّل بين غثّ الموضوعات وسمينها، إلخ.
في هذا كلّه لعبٌ محتمل تغري به حرّية الحركة، وفيه أيضاً تواضعٌ تلزم به سرعة الزوال. على أن اللعب ههنا لا ينفعه أن تُزعم له تلقائية ليست له. التلقائية لا تعدو لحظة بزوغ الخاطرة. عليك بعدها الانكباب على العمل، فإذا استُعيدت، في آخر المطاف، تلقائيةٌ ما فلأن للعمل، بما هو اجتراحٌ لتكتيكٍ واعتمادٌ له، أن يدّعي لنفسه القدرة على استرداد التلقائية أو على تحصيلها في ما لا يسع التلقائية أن تزعم الاستغناء عنه.
وإذ عمَدتُ إلى جمع فيسبكاتي مرّتين تباعاً في كتاب، رغبتُ في إظهار هذا كلّه. وقد كنت أتكلّف لإظهاره خيانتين: خيانةَ العابر بغية إبرازه بالتضادّ، وذلك بإدراج الخواطر في شريط (هو الكتاب) يبدو ثابتاً… وخيانةَ الفيسبوك كلّه، بما هو لغطٌ كونيّ، لإظهاره بالتضادّ أيضاً مع نصيبٍ شخصي من اللغط أحاول إلزامَه، لا بالانتماء إلى الأدب بعمومه وحسب، بل أيضاً باقتراح نوعٍ أدبي ينشأ من الحوار بين عمل الخاطر وبيئة الفيسبوك. رغبتُ أخيراً في إظهار سياقٍ يبقى مترائياً خلف الشتات الظاهر للخواطر المشغولة هو سياق الأسلوب أو سياق الشخص نفسه، ألم يقل صاحبنا ذاك أن «الأسلوب هو الإنسان عينه»؟

٭ كاتب لبناني

مساحةٌ بين قُسٍّ وجِحا

أحمد بيضون