المدن – عن أيِّ شيءٍ نَبْحث؟

باقونَ حيثُ نحْنُ، لا نغادرُ أنفُسَنا إلى أيِّ موضوع. المدن
— Read on www.almodon.com/culture/2023/4/28/عن-أي-شيء-نبحث

أذكُرُ من أيّامِ إقامتي الدراسيّةِ في باريس (في أواسطِ الستّيناتِ من القرنِ الماضي) شعوراً بالدهشةِ استولى عليَّ حين اكتشفتُ أنّ طالباً لبنانيّاً قد اختارَ موضوعاً لأطروحةٍ يُعِدّها “نظامَ النقلِ العامِّ في مدينةِ تور”، وهذه مدينةٌ متوسّطةٌ من مدنِ الغربِ الفرنسيّ. وكان لدهشتي مداران: الأوّلُ أن يٌعْرِضَ اللبنانيّ عمّا تقترحه عليه بلاده (أو يقترحُه محيطُها الذي تنتمي إليه) من موضوعاتٍ ليختار موضوعاً فرنسيّاً. والثاني أن يكون الموضوعُ الفرنسيّ فرنسيّاً إلى هذا الحدِّ فلا يمسَّ بخيرٍ ولا بِشَرٍّ بلادَ الطالبِ ولا أهلها. وقد زادَ من بغتتي حيالَ هذا الموقفِ أنّني كنتُ أبحثُ، أنا أيضاً، عن موضوعٍ لأطروحةٍ لم أكنْ أتخيّلٌها، في تلك الأيّامِ، إلّا مغمورةً بهَمِّ تغييرٍ كاسحٍ يشتملُ بلا ريبٍ على أوضاعِ لبنان ولكن يتجاوزه إلى أصقاعٍ أخرى قريبةٍ وبعيدة…


بعد هذه الواقعةِ بأعوامٍ كثيرةٍ، استوقفني مَلِيّاً أن تختارَ شابّةٌ هولنديّةُ المنشأِ موضوعاً لبحثٍ أعدّته قريةً في لبنان تدعى شبريحا تقعُ على مقربةٍ من مدينة صور ويعمرها فلسطينيّون تمكّن كثيرٌ منهم من الحصولِ على الجنسيّةِ اللبنانيّةِ، في غمرةِ حملةِ التجنيسِ التي شهدَتْها غدواتُ الحربِ اللبنانيّةِ أو قَبْلَ ذلك في بعضِ الحالاتِ، وذلك لكونِ قريتِهِم الجليليّةِ الأصليّةِ (وتدعى صَلْحا) هي إحدى “القرى السبعِ” المقتطعةِ من جبلِ عاملٍ، أي من قضاءي صور ومرجعيون العثمانيّين، لتُضَمَّ إلى فلسطين غداةَ إنشاءِ “لبنان الكبير”، وذلك في تعديلٍ للحدودِ شاءَه الانتدابان الفرنسيُّ والبريطانيّ. هؤلاء يقتسمونَ القريةَ مع فلسطينيّينَ آخَرينَ من أصولٍ بدويّة. تركت نورا ستيل (هذا هو اسمها) بلادَها العامرةَ – بل قارّتها بأسرِها – لتنكبَّ على دراسةِ شبريحا… شبريحا التائهةِ عن أيّةِ خريطةٍ نفترضها لهمومِ الخالقِ وملائكته… وهي قد اختارت لبحثها زاويةَ العلاقةِ بين المرجعيّاتِ الفلسطينيّةِ في القريةِ وبين السلطاتِ اللبنانيّةِ المحلّيّة.

والحالُ أنّه إذا كانت دهشتي للواقعةِ الأولى (المتعلّقةِ بـ”تور”) سليمةً من كلِّ زغلٍ فإنّ دهشتي للثانيةِ (المتعلْقةِ بشَبْريحا) أو لبعضِ وجوهِها أتت غيرَ خاليةٍ من الافتعال. كان في هذا الإخراجِ لشبريحا الضئيلةِ بالذات من عتمةِ التجاهلِ ما يفاجئُ حقّاً. ولكنّ إقبالَ باحثةٍ في مطلعِ سيرتها العلميّةِ على موضوعٍ تلفّه العتمةُ ههنا بين ظهرانينا ولا تصلُه بمنشإ الباحثةِ وهمومِه أدنى صلةٍ كان أمراً أعرِفُ له أمثلةً كثيرةً فلا أجدُ في حصولِه مرّةً أخرى ما يدهش. بل إنّ التنزّهَ في موقعِ “أكاديميا” الشاسعِ لم يلبثْ أن أوقفني على ما يتجاوزُ ما حوَتْهُ ذاكرتي من هذا القبيلِ بما لا يقاس. فقد أفادني البحثُ أنّ في الموقعِ المُشارِ إليه ألوفاً كثيرةً من الأعمالِ موضوعٌها لبنان: تاريخاً ومجتمعاً وسياسة! وهو ما يقتضي تصفّحه أٓزْيـدـ من عُمْرٍ واحدٍ من القارئ المُجِدّ. وهو أيضاً ما يُفيدُ التقليبُ العشوائيُّ لصفحاتٍ من لوائحِ عناوينِه أنّ شطراً معتبراً جدّاً من أصحابِه (إن لم يكن معظمهُم) ليسوا من أهل الدار بل هم من هؤلاءِ “الغربيّين” الذين يشتَمِلُ فضولُهم، شأن فضولِ نورا ستيل، على أيّ شَيْءٍ من كلّ شيء… هذا، بطبيعةِ الحالِ، حينَ تكون الأعمالُ المستطلعةُ موضوعةً باللغاتِ الأوروبيّة…


أعلَمُ، من بَعْدُ، أنّنا ندلي، من جهتِنا، بكلامٍ  كثيرٍ مدارُه دولُ “الغربِ” تلك أو “الغربُ” بلا تمييزٍ بينَ الدٌوَلِ أو المجتمعات. نحْنُ أبْعَدٌ ما نكونُ عن الاعتِصامِ بالصَمْتِ في هذه الوجهة! ويكون الباعثُ إلى الكلامِ المُشارِ إليهِ عادةً ما نعْلَمٌه (أو نتوهّمٌه) من تأثيرٍ ماضٍ أو حاضرٍ أو متوقْعٍ لأفعالِ تلك الدول في أحوالِنا. هذا يثمرُ كلاماً سياسيّاً، في الأغلبِ، ولكنّ المثولَ اللجوجَ لمسألتَي “الحداثةِ” و”السيطرةِ”، على اختلافِ ضروبِهِما والأبوابِ، كثيراً ما يجعلُ الحديثَ يفيضُ عن الدائرةِ السياسيّةِ تلك ليُلِمَّ بأطرافٍ ووجوهٍ من تاريخِ العلاقاتِ المضطربِ ومن المواجهةِ الحضاريّة. في كلّ حالٍ، لا نغادرُ أنفُسَنا إلَيْ”هِمْ” فعلاً وإنّما نلبثُ مشدودينَ إليهِم في اشتباكٍ لا نَجِدُ منه فكاكاً إذ لا يتيحُ منطلقٌنا إلى تناولِ أحوالِ”هِمْ” وأوضاعِ”هِمْ” مثلَ هذا الفكاك.

في أصلِ هذا التعذّرِ، من جانبِنا، أنّ ادّعاءَ “العالَميّةِ”، بمعنى القولِ بوحدةٍ للعالَمِ قابلةٍ لأن يحاطَ بها، في ما يتعدّى الكسورَ ووجوهَ التناقضِ، لم يصدُر عن مخاضٍ عانيناه ومَنَحْنا استيلادَه ما يقتضيه من مدىً واختبارٍ تاريخيّين. وإنّما كان من الهزيمةِ الحضاريّة بما أورثتهُ من غلبةٍ علينا أن احتجزٓت عالَمَنا في صورةِ الانشقاقِ والتغايرِ والمغالبة. وهذا في حينٍ كان فيه الغالبُ قد تسرّبَ إلى نفوسِنا ووجوهِ عمرانِنا ومعاشِنا من شقوقٍ لا تُحْصى.

من الجهةِ الأخرى، لا نرمي من الإشارةِ إلى بقاءِ “العالَميّةِ” في الشطرِ الذي وُلدَ فيه تصوّرُ “العالَمِ”، بما هو واحدٌ في ما يتعدّى انقسامَه، و”الإنسانِ”، بما هو متعالٍ على الفوارقِ بينَ فئاته، إلى القولِ بأنّ هذه “العالَميّةَ” خلت من الشعورِ بالتفاوتِ والتفوّقِ من جانبِ مجترحيها ولا بأنّ المعرفةَ المستظلّةَ بها قد خلت من نوازعِ الإخضاعِ والاستغلال. ليس هذا مرادُنا البتّةَ. ولكنّ وجهَ القوّةِ الأبرزَ لهذه “العالَميّةِ” أنّها لا تُرَدُّ إلى ذاك الشعورِ وتلك النوازعِ بل هي تفيضُ عنهما من كلّ جانب. تفيضُ لتستوي معارفَ “مجرّدةً” بمعنى كونِها مبذولةً لمن يريدُ استثمارَها ويقوى عليه وبمعنى استواءِ تحصيلِها نفْسِه مِراناً للمحصِّلِ وبناءً لشخصِه وقوّةً له بقطعِ النظرِ عمّا تنتهي إليه المعارفُ نفسها في السوق المفتوحة.   

هذا الفائضُ الذي تنطوي عليه المعارفُ المنتَجةُ عن أغراضِ الدُوَلِ وخططِ السياسةِ هو ما ننحو كثيراً إلى إنكاره، في حمّى سجالٍ قلّما تغادرنا أو نغادرها. نٌنْكِرُه فيرتـدُّ نقدُ الاستشراقِ، مثالاً لا حصْراً، إلى ضَررٍ يكسِفُ ما له من ضرورةٍ وما لبعضِه من وجاهة. يوقعُ بنا إنكارُ هذا الفائضِ الجسيمِ أفدحَ الضررِ إذ ينتصبُ سَدّاً “نفسيّاً” بيننا وبين تمثّلِه حقَّ التمثُّلِ، بما هو تمثّلٌ للـ”عالَميّةِ” التي أثمرَتْه. وهذا في ما يتعدّى حالاتِ التقبّلِ “الضمنيِّ” أو تقبُّلِ “المغلوبِ على أمرِه” أو الإقرارِ بالضرورةِ الموضعيّةِ وإبطانِ الرفضِ للشروطِ العامّةِ، وهي حالاتٌ لا تُحْصى.

من هذا الإنكارِ الذي يلجمُ إقبالَنا على دراسةِ مجتمعاتِ “الآخَرِ” وأحوالِه بلا قيدٍ على موضوعاتِ البحثِ ولااستثناءٍ منها، ينْجُمُ ما سمّيتُه ذاتَ مرّةٍ “أَسْرَ الموقع”. ومعناهُ أنّنا باقونَ حيثُ نحْنُ، لا نغادرُ أنفُسَنا إلى أيِّ موضوع. وهذا – ولا رَيْبَ – ضعفٌ مقيمٌ ونكوصٌ عن أنواعٍ من المعرفةِ هي القوّةُ عينُها ما دامَ أنّ القوْةَ هي المبتغى المٌعْلَن.

المدن – في أنّ المَحكيّ ليس “فساد” المكتوب…

أنّ الجماعاتِ في دولِ العصورِ القديمةِ لم تكن الواحدةُ منها تُقْتَصَرُ في تدبيرِ الوجوهِ المختلفةِ لحياتِها على لغةٍ واحدة المدن
— Read on www.almodon.com/culture/2023/4/9/في-أن-المحكي-ليس-فساد-المكتوب

يَغْلِبُ على المخيّلةِ العامّةِ تصوّرٌ عفويٌّ للعلاقةِ ما بينَ اللغةِ القياسيّةِ أو لغةِ الكتابةِ والمحكيّاتِ المجانسةِ لها، مؤدّاهُ أن الأخيرةَ تولّدَت من الأولى عبْرَ مساقٍ هو أقربُ إلى الفسادِ منهُ إلى النموِّ والتفرّعِ المنْبئِ بالازدهار. تُغْري بهذا التصوّرِ معطياتٌ عديدة. بَيْنَ هذه المعطياتِ مَهابةُ المدوّنةِ التي يَشي حِفْظُها بقيمةٍ استثنائيّةٍ مُسْبَغةٍ على نصوصٍ شتّى يجري صونُها بحُروفِها ولا يُقْبَلُ لها أن تبقى نَهْباً لِعَبَثِ الذاكرةِ بالرواياتِ الشفهيّة. بَيْنَ هذه المعطياتِ أيضاً مشهدُ صَرْحِ القواعدِ التي يتمثّلُ فيها إملاءُ اللغةِ المكتوبةِ ونَحْوُها وصَرْفُها وسائرُ عُلومها. فهذه القواعدُ تُسْتخرَجُ وتُبَوّبُ ويصبحُ تعلّمُها شرطاً لمعرفةِ اللغة. وهذا شرطٌ ينبّهُ إلى كَوْنِ لغةِ الكتابةِ لا تُكْتَسَبُ، على وجهِ الإجمالِ، بمجرَّدِ النشأةِ في العائلةِ وفي شبكتِها وإنّما يحتاجُ اكتسابُها إلى جهازٍ يُنْشأُ على حدةٍ ليست له ولا للانتماء إليه الصفة “الطبيعيّة” التي للولادةِ في العائلة. يَتَداولُ هذا الجهازُ مَعارفَ ويتولّى إعداداً يَفيضانِ عن طاقةِ العائلة عادةً. ذاك هو جهازُ التعليم بأشخاصِهِ ومستلْزَماتِهِ كافّة.

هذا وانفصالُ الجهازِ المذكور يُبْعِدُ عن لغة الكتابةِ صفةَ “لغةِ الأمّ” التي تطلقُ عليها بلا رويّة عادةً. ويُسْهِمُ هذا الانفصالُ نفسُه في إدراج المعرفة بلغة الكتابة بَيْنَ “المعارفِ العُلْيا” التي يُفْرِدُ لها المجتمعُ أو الجماعةُ طاقاتٍ ومَواردَ تَدُلُّ على ما لها من شأنٍ يتجاوزُ نطاقَ الفردِ والوحداتِ الاجتماعيّةِ الصغرى. تعبّرُ هذه العنايةُ العامّةُ عن الانتماءِ إلى الجماعة اللغويّة أو عن مكانِ اللغةِ من وجودِ الجماعةِ نفْسِه. وهي تفتحُ السُبُلَ، فضلاً عن تجسيدِ الهُويّةِ الواحدةِ، إلى صُنوفِ التَعاملِ المختلفةِ التي تُتَّخَذُ اللغةُ القابلةُ للكتابةِ (أي للحِفْظِ وللتناقلِ بلا حاجةٍ إلى الصوتِ الحيِّ) مَرْكباً لها.

هي إذن صورةُ العِمارةِ الراسخةِ تَعْرِضُها لغةُ الكتابةِ، في ما يتعدّى ما يُحْتَمَلُ الشعورُ بهِ من وجوهِ الخللِ فيها وظواهرِ التقادمِ والشيخوخة. تَعْرِضُها بما يَظْهَرُ لها من تنظيمٍ ولاستعمالِها من ضوابطَ وبما يظهرُ لتاريخِها الذي يُحْصى بالقُرونِ عادةً من ثَراءٍ يُجَسِّدُه تراثٌ محفوظٌ يَجْعله حِفْظُه قابلاً للزيارةِ والاستلهامِ (إن لم يكنْ للاتّباعِ) بعيداً كانَ ما يستلهمُ منه، في الزمنِ، أم قريباً. يقابلُ هذا كلَّه لُزوجةٌ في هياكلِ المحكيّةِ تَجْعل تَبَيُّنَ صورةٍ لها قابلةٍ للحصرِ وقواعدَ لاستعمالِها منذورةٍ للانتظامِ أمراً عويصاً. يَصِحُّ هذا في قواعدِ الإملاءِ التي تبقى حَدْسيّةً إلى حدٍّ ملحوظٍ وقابلةً للتباين الكثير بين الحالةِ وأختها، ويَصِحُّ في الصَرْفِ والنَحْو اللذَينِ يَعْسُرُ تَثْبيتُ قَواعِدَ لهُما لكثرةِ ما تَحْمله التفرّعاتُ المتداخلةُ من خُروقٍ وفروقٍ تَمْتَحِنُ جُهْد التقعيدِ وتعرّضه للاعتباطِ والتحكّم. بل إنّ مَتْنَ المحكيّةِ نَفْسِهِ، أي مُعْجَمَ ألفاظِها، يَتَحدّى محاولاتِ الضبطِ فتتباينُ الألفاظُ الدالّةُ على المُسَمّى الواحدِ من بيئةٍ إلى أُخْرى ويَخْتَلِفُ إملاءُ اللفظةِ باختلافِ النطقِ بها، لولا أن تَحِدَّ من ذلك المرجِعِيّةُ الضمنيّةُ للُّغةِ القياسيّة. إلخ.

لا ريبَ أنّ جُهوداً تُبْذَلُ لاستدراكِ البعضِ من دَواعي الفوضى هذه. فالمحكيّاتُ باتَ يُكْتَبُ بها كثيراً ويُنْظَرُ كثيراً في قواعدِها. وفي هذه الجُهودِ (التي تَسْتَلْهِمُ لغةَ الكتابةِ كثيراً أيضاً) ما يفرضُ للمحكيّة، شيئاً بعدَ شيءٍ، حقّ الخروجِ من أسر اسْمِها لتستوي لغةً للكتابة، وفيها أيضاً ما يقتربُ، مرّةً بعدَ مرّةٍ، من الاستواءِ تقعيداً لما يبدو، في المُشافَهاتِ المتداولةِ، عَصِيّاً على التقعيد. هذا كلّهُ على حظوظٍ من القبولِ والرُسوخِ تتباينُ كثيراً، بطبيعةِ الحالِ، ويُبْقيها على تبايُنِها بقاءُ تَعَلُّمِ المحكيّةِ في حالِ الشيوع: فلا يَرْعاهُ جهازٌ ذو سلطةٍ يُمْلي وَحْدةَ القواعدِ أو يَعْتَمِدُها ويتولّى نَشْرَها.

هل يُبيحُ هذا التفارقُ الإجماليُّ بَيْنَ لغةِ الكتابةِ والمَحْكيّاتِ، بوُجوههِ التي أشرنا إلى أهَمِّها، ما يجنحُ إليه الشعورُ السائرُ من اعتبارِ المحكيّةِ “فساداً” أَنْزلهُ الزمنُ بلغةِ الكتابةِ أو تضَعْضُعاً في هذه الأخيرةِ حملَهُ إليها مزيجٌ مُتَمادٍ من جهلٍ واستسهالٍ وإهمالٍ، إلخ؟ يبدو هذا الشعورُ مسايراً، على نحوٍ مباشرٍ أو عفويٍّ، للمشاهدةِ الحسّيّة: لمَشْهدِ التفاوتِ بين عِمارةِ المكتوبِ واختلاطِ المحكيِّ ولَغْطِه. فهو، أي الشعورُ، لا يرقى إلى مرتبةِ الرأيِ المعلّل بحال. وهو مخالفٌ – وهذا هو الأهمُّ – لما يفيدُنا به تاريخُ اللغات. وإذا كانت العربيّةُ، بما تضفيهِ على هذه المسألةِ من إلحاحٍ حالُ العلاقةِ بين فُصْحاها ومَحْكِيّاتِها، هي ما حفزنا إلى تناولِ هذه المسألةِ أصلاً فإنّ التاريخَ الفعليَّ للعربيّةِ، بما حمَلَت إليهِ من جديدٍ ألوفُ النُقوشِ المكتشفةِ في العهودِ الأخيرةِ والمنتميةِ إلى أطوارٍ شهِدَتْها العربيّةُ قَبْلَ الإسلام، يَرْسمُ مجرىً للعلاقاتِ بَيْنَ مَحْكيِّ اللغةِ ومَكْتوبِها مُغايراً جدّاً لفرضيّةِ “الفسادِ” الآنفةِ الذِكْر.


(نقش النمارة)

في فصلٍ ضافٍ، زاخرٍ بالتفاصيلِ، من فصولِ “القرآنُ في سياقٍ” (وهو سِفرٌ جماعيّ نفيسٌ أعدّته للنشرِ أنجيليكا نويفرت ونيكولاي سيناي ومايكل ماركس وظهر في لايدن سنة 2010) ينشئُ مؤرّخُ الساميّاتِ الألمانيُّ أرنست أكسل كْنوف خريطةً بالغةَ التعقيدِ لتكوين العربيّة التاريخيّ في مَساره الطويل ولحركةِ اللغاتِ، على الأعَمِّ، وتفاعُلِها في المحيطِ نفسه: خريطةً تعصي على كلّ اختزال… على أنّ انتقاءَ بعضِ المعطياتِ من هذا المَسار، بما يناسبُ همَّنا في هذه العجالةِ، يبقى ممكناً أيّا يَكُن نَصيبُ التقحّمِ منهُ والمغامرة.

وأوَّلُ ما يَسْتوقِفُ في المَسار المشارِ إليه طولُه: إذ يقعُ كْنوف للعربيّة على اثني عشرَ قرناً من التحوّلات سبقَت الإسلامَ موَثَّقةٍ بألوفٍ من النُقوشِ جمعَتْها الحَفْريّاتُ من أرجاءِ البيئةِ التي نشأَتْ فيها هذه اللغةُ ونَمَت. وقد خَرَج أكثرُ تلك النُقوشِ من جنوبِ بلادِ الشامِ، موئلِ الأنباطِ والصَفائيّين والتَدْمُريّين، ولم تتمخّض جزيرةُ العرب من بَيْنِها، حتّى يَوْمِنا، إلّا عن الأَقَلّ، تستثنى من ذلك بلادُ اليَمَن. تُبَدِّدُ وقائعُ التاريخِ هَهُنا وَهْماً يجعلُ من شعر المُهَلْهِلِ وامرئِ القيسِ (أو، في أقصى احتمالٍ، من “نقش نَمارة”) أقدمَ ما نعرفهُ من نصوصٍ عربيّة. وتُبَدِّدُ التحوّلاتُ التي تَشْهَدُ بها النُقوشُ، بانتشارِها على الأزمنةِ والأمكنةِ، أخْيِلةً مستقاةً من التراثِ توحي أنّ لغةَ القرآنِ كانت من عهدِ آدمَ على حالِها في القرآنِ إذ أنشأها اللهُ على هذه الحالِ وأنشأَ بها القرآنَ… أو انّ القرآنَ نفْسَهُ قديمٌ لا تَعَلُّقَ له بزمنٍ بما هو كلامُ الله.

على صعيدٍ آخرَ، يوضِحُ كْنوف أنّ الجماعاتِ في دولِ العصورِ القديمةِ لم تكن الواحدةُ منها تُقْتَصَرُ في تدبيرِ الوجوهِ المختلفةِ لحياتِها على لغةٍ واحدة. وإنّما كانت تَتَّخذُ إلى اللغةِ التي تتداولُها مشافهةً لغةً أخرى، على الأقلّ، للمعاملاتِ المشتركةِ بَيْنَها وبَيْنَ سواها من الجماعات، وهذه يَسَعُها أن تَكُونَ أو لا تَكُونَ لغةَ الدولةِ المركزيّة. هكذا جاورت العربيّةُ الآراميّةَ التي سبقَتْها إلى دائرةِ الكتابةِ وجاورت اليونانيّةَ في عهودٍ أخرى، وكان بعضُ من يعرفونَ إحدى اللغتينِ يعرفونَ الأخرى، وهذه معرفةٌ يجوزُ أن نُخَمِّنَ لها أهمّيّةً وظيفيّةً تتعدّى أهمّيّة النسبةِ الحائزةِ لها من أفرادِ الجماعة. إلخ.

الأمرُ الأخيرُ الذي نستحسنُ إبرازَهُ من مطالعةِ كْنوف تأكيدُه أن لغةَ الكتابةِ تكتَنِفُها على الدوامِ محكيّاتٌ مجانسةٌ لها أو مغايرة. فلا معنى للقولِ، مع اعتبارِ المدى التاريخيِّ للعلاقةِ بَيْنَ هذه وتلك، أنّ المحكيّةَ تضعضُعٌ للمكتوبةِ، إذ لا أسبقيّةَ لهذه على تلكَ بالضرورة. بل المُتَحَصِّلُ من المراجعةِ التاريخيّةِ أنّ العلاقةَ دائريّةٌ أو لولبيّة: تَتَّخِذُ واحدةٌ من المحكيّاتِ أو أكثرُ من واحدةٍ لنفْسِها عُدّةَ الكتابة، في ظرفٍ تاريخيّ (سياسيٍّ، اقتصاديٍّ، اعتقاديٍّ، إلخ) يُهَيِّئُها لهذا الخيارِ وتَروحُ تَسْتَكْمِلُ شُروطَه. ولكنّها منذُ أن تُفْلِحَ في فَرْضِ نفْسِها على أنّها لغةُ تعاملٍ في دائرةٍ أوسعَ من الدائرةِ التي نَمَت فيها أصلاً، يَأخُذُ ظلُّها في الانحسارِ عن دوائرِ المشافهةِ وتأخذُ في توليدِ محكيّاتٍ جديدةٍ أو في مداخلةِ أخرى قائمة. يُشيرُ كْنوف، مثلاً، إلى انقطاعٍ مباغتٍ في السلسلةِ التاريخيّةِ للنقوشِ التدمريّةِ ويَعْزُوهُ إلى انقطاعٍ سياسيٍّ حَصَل… هذه، في الواقع، سُنّةٌ عامّة: فاتّخاذُ لغةٍ من اللغاتِ لغةَ تعاملٍ واسعِ النطاقِ، متعدّدِ الأقطابِ، إنّما يَفْتَرِضُ طُموحاً فاعلاً إلى إرساءِ هذا التعاملِ أو صُموداً تاريخيّاً له إذا كان حاصلاً. فإذا ضَعُفَ الطُموحُ أو تَخَلْخَلَ الصُمودُ مالَت لُغَتُهُما إلى الضُمورِ وبرزَت لها لغةٌ أخرى (أو أكثرُ من واحدةٍ) تَجْلُوها عن كثيرٍ أو قليلٍ من أدوارِها. وهذا مع العِلْمِ أنّ اللغةَ المنافِسةَ قد لا تَكُونُ سوى واحدةٍ من محكيّاتٍ كانت تواكبُ اللغةَ الآفلةَ فواتاها مَوْقِعُها وشروطٌ أخرى للانفرادِ بدائرتِها أو لتوسيعِ هذه الأخيرة…

الحالُ أنّنا رَسَبْنا في العصيانِ المدني

الحالُ أنّنا رَسَبْنا في العصيانِ المَدَني…

أحمد بيضون

لم تقُم الساعةُ حين تواطأ رئيسُ مجلس النوّاب ورئيس حكومة تصريف الأعمالِ اللبنانيّان على تمديد فصل الشتاءِ شهراً ولكن حصلت “ضجّةٌ ما بين أحمدَ والمسيح”… هذه الصفةُ التي لازمت الأزمةَ المشارَ إليها من بابِها إلى محرابِها لم تَحُلْ دونَ جَريان ألسنةٍ وأقلامٍ شتّى بعبارةِ “العصيان المَدَني”. والذين أجازوا هذه العبارةَ تسميةً لما حصل لم يكونوا يستنكرون “العصيان” بل بدوا، بخلافِ ذلك، أقربَ إلى الاستبشار بما عَدّوهُ مخالفةً موضعيّةً لموقف الرضوخِ المديدِ الذي جَنَحَ إليه اللبنانيّون بعد خمودِ الحركة التي شهدتها الأشهرُ الأولى من نكبتهم المديدة، وهذه لا يدُلّ شيءٌ مذ ذاك على أنّ لمفاعيلها المدمّرةِ حدّاً معلوماً وهذا ناهيكَ بأن يوجَدَ دليلٌ على توجّهٍ نحو مخرجٍ ما من دوّامتها الطاحنة. كان معنى الاستبشار أنّ الجانحين إليه تبيّنوا في ما يتعدّى طوفان الهزل الذي أطلقتْهُ أزمةُ الساعة، موضوعاً وتعابيرَ، ما يسوّغُ اعتبارَ الرفض الذي استثاره القرار إرهاصاً – لم يستبعد بعضُهم أن يكونَ له ما بعده – بما يخالفُ الاستكانة السائدة للنكبةِ ونومَ اللبنانيّين المتمادي على ضيمها. هذا الإرهاصُ ارتأوا أن يسمّوه “عصياناً مدنيّاً” من غير سؤالٍ عمّن يؤولُ إليهِ، في مشهدِنا السياسيّ المتهالك، طربوشُ سعد زغلول أو خرقةُ المهاتما غاندي وعنزته…

والحالُ أن هذه التسمية تنطوي، في الحالةِ اللبنانيّةِ على العموم وفي ظرف النكبةِ الجاريةِ على التخصيص، على مثارَين للاستغراب، في الأقلّ. المَثارُ الأوّلُ أنّ “المدنيّة” خُصّت في لبنانٍ، من عقودٍ باتت كثيرة، بموقعٍ مستقرٍّ في مواجهة “الطائفيّة”. هذا ما كان في الدعوة مثلاً إلى تشريعٍ مدنيّ للأحوال الشخصيّة وهو ما كان في الدعوة الأعمّ إلى “دولةٍ مدنيّةٍ” تخلف النظامَ الطائفيّ القائم. فكيف صَحّ أن يعدّ عصيانا مدَنيّاً رفضٌ لقرارٍ أُخِذَ عليه اتّسامُهُ، مع عُمومِ مفاعيلِه، بالانفرادِ الطائفيّ فجاءَ الرفضُ بدورِه، على جاري العادةِ في هذا النوعِ من الأحوال، مكافئاً في طائفيّته للمرفوض بل أشدّ منه طائفيّةً بما تخلّله من ذهابٍ إلى أقاصٍ أهونُ شعاراتِها الفدراليّةُ ولكنّ بين سكّانها أيضاً شبَحُ التقسيم وأخيلةُ الحربِ الأهليّة. هذه الأخيرةُ، أي الحربُ الأهليّة، ليست “مدنيّةً” في لسانِنا، على ما هو معلومٌ، وإن تكن هذه صفتُها في ألسنةٍ أجنبيّة. ولعلّنا اخترنا لها صفة “الأهليّة”، على وجه التحديد، ليبقى في وسعها أن تكون “طائفيّة” وليبقى في وسع “المدنيّة” أن تبقى مخرجاً مرتجى من “الطائفية” وضدّاً يُظهرُ حسنَهُ ما خَبرناهُ من قبائح هذه الأخيرة. أقربُ إلى تجسيدِ الطائفيّةِ صفةً لما جرى خطّ الفصل، في كلّ من القطاعاتِ التي كان عليها أن تتّخذ قراراً من إجراء رئيس الحكومة، ما بين مؤسّساتٍ انصاعت وأخرى تمرّدت. وقد مَثّلَ توزّعُ المؤسّساتِ المعلومةِ الهُويّات في قطاع الإعلام على جانبَي الخطّ المذكور – وهذا طبيعيّ – أظْهَرَ تجسيدٍ لطائفيّةِ المواجهة.

مثارُ الاستغرابِ الآخر أنّ من وجدوا في مهزلةِ الساعةِ، أو في سلوكِ إحدى جهتيها بالأحرى، بادرةً أو أزْيَدَ من بادرةٍ لعصيانٍ مدَنيّ لم يكن خطَرَ لهم أن ينسبوا هذه الصفة إلى حالة التعطيل المتمادي الضاربة أطنابَها من شهورٍ كثيرةٍ في إدارات الدولة وفي قطاع التعليم (الرسميّ منه على الخصوص) والتي كانت مشتملةً إلى أمس على القضاء. لم يخطر لهم “العصيان المدنيّ” وصفاً لحالة الشلل هذه وهي مستوليةٌ على معظمِ أجهزة الدولة فيما يرمي العصيان المشارُ إليه إلى شلّ يد الدولة ويعرّفُ بمرماه هذا. لا بُدّ من التنويه هنا بالاستثناء الذي مثّلته أجهزةُ القمع، ولا تزال، في هذا المشهد، وهذا استثناءٌ تضافرت جهودٌ من الداخل والخارج لحفظه، معبّرةً عن خيارٍ إستراتيجيّ حاظٍ، إلى الآنِ، بنوعٍ من الإجماعٍ السياسيّ، المعلَنِ والضمنيّ. مهما يكن من شيءٍ، لم يظهر من ينسب إلى العصيان المدنيّ هذا الاستنكافَ الشاسع عن الخدمة العامّة. ولهذا سببٌ لا يصعُبُ تبيُّنه، وهو أنّ العصيان المشارَ إليهِ مقرونٌ لزوماً بهدفٍ سياسيٍّ. هذا فيما احتجاجُ الموظّفين الجاري خالٍ من السياسة، لا يجدُ ما يقولُه في صددِ السلطةِ وتكوينها ولا في المصادر السياسيّة للمحنةِ الجارية. فمدار حركتهم أجورهم المنهارة وما يتبعها من حقوق وحاجاتٍ مادّيّةٍ أو عمليّة. وهم أفلحوا، بإفراغهم هذه الحركة من السياسةِ، في تجنيبِها، إلى حدٍّ مقبول، ترجمة السياسة المعتادةِ في لبنان: أي التمزّق الطائفي.

على أنّ ما شهدناه في سنواتِ النكبةِ هذه من صورِ المواجهةِ لها والاعتراضِ عليها لم يكن على هذا الخواءِ من السياسة دائماً. فما انطلق في خريف 2019 ودُعِيَ ب”الثورة” كانت السلطة وقواعدُ تكوينِها شغلاً شاغلاً له: لطليعتِه الشبابيّةِ في أقلّ تقدير. ولكنّ الكلامَ الطموحَ لم يجد من سبيلٍ يسلكُه بالأفضليّةِ سوى التظاهر والاعتصام. ولم يلبث أن ظهَرَ أنّ سالكي هذا السبيل ظلّوا معرّضين للحصار من قِبَلِ قوى جسيمةٍ أخرى حفظت تماسكها الإجمالي، في ما يتعدّى ضغوط المحنةِ العامّة، حولَ قياداتها الطائفيّة أي حول أركان السلطةِ والنظام القائمين. ظهر أيضاً أنّ “كلّن” لم يكن يعني “كلّن” فعلاً إذ بقيّ في وسعِ “بعضُن” أن يتخذ له مواقعَ في الحركة الشعبيّة مستفيداً من سنّةٍ استنّها النظامُ اللبنانيُّ لنفسهِ بعد الحربِ هي سُنّةُ الانتماءِ بحماسةٍ واحدةٍ إلى الحكم (أو إلى السلطةِ) والمعارضةِ معاً. هكذا وُجِدَ من بين قوى السلطةِ المعلومةِ من قَطَع الطرق محتَجّاً ومن تولّى قمع المعتصمين على الطرق أو في الساحات. بدا مستبعداً، والحالةُ هذه، أن يصلحَ التظاهرُ والاعتصام سبيلاً إلى تغييرٍ يُعْتَدُّ به في بنى سلطة كانت قادرةً، إذا أجالت النظر في البلاد المجاورة، أن تعلمَ، على سبيل المثالِ لا الحَصْرِ، أنّ مئاتِ ألوفٍ من القتلى وملايينَ من اللاجئين وجَعْلَ عالي البلاد سافلَها مثّلت، في مسلكِ النظامِ الأسديّ، ثمَناً مقبولاً لبقائه.

أيُّ شيْءٍ كان يسعُه – لو بَدا ممكناً! – أن يُمِدّ بفاعليّةٍ جادّة ما انطوت عليه حركة 2019 من طموحٍ سياسيّ؟ الجوابُ الأقربُ إلى التصديق هو العصيانُ المدنيّ: أي تجاوز التظاهر والاعتصام إلى شلٍّ ليدِ الدولة يستنزف موارد السلطة ويعطّل أجهزتها بما في ذلك زعزعةُ ولاء قوى القمع، وتصحبه، في المجتمع، إضراباتٌ متماديةٌ تجهدُ في الاستواء روافدَ للإضرابِ العامّ. من هذا كلّه لم يحصُل شيءٌ في خريف 2019 مع أنّ الحركة الجاريةَ آنذاك اقتربت بطموحها السياسيّ من هدف التغيير الثوريّ إلى أقصر مسافةٍ بلغَتها البلاد في تاريخها الحديث. اقتربت إذن ولكنّها لبثَت بعيدة.

في خريف 2019، لم تحصُل ثورةٌ. حصلت حركةٌ شعبيّةٌ نمَت بسرعةٍ ثمّ راحت تتهاوى حينَ ظهَرَ أمرٌ لا يبدو اليومَ عصيّاً على التفسير: وهو رُسوبُها في امتحان العصيان المدني.

اليومَ يبدو اللبنانيّون (بدليلِ أزمةِ الساعةِ مثَلاً!) أبعدَ ما يكونُ البعدُ عن مجرّدِ الترشُّحِ لهذا الامتحان.   

“معاوية” وامتحانُ التسليمِ بالتغايٌر

www.almodon.com/opinion/2023/2/27/معاوية-وامتحان-التسليم-بالتغاير

يَطْرحُ التوجّسُ الواسعُ النطاق من مسلسلٍ موضوعُه معاوية بنُ أبي سفيان أُنْتجَ للتلفزيون وأُعْلنت نيّةُ عرضِه في شهرِ رمضان المقبلِ، مشكلةً غائرةً في عمقِ العلاقةِ بين الجماعتين الإسلاميّتين الكبريين، السُنّةِ والشيعة: في حاضر هذه العلاقة وفي ما يتعدّاه إلى بنيتِها العامّة. بل إنّ هذا التوجّسَ (وهو يستبقُ الإلمامَ بما سيتكشّفُ عنه المسلسلُ من مواقفَ حيالَ الشخصيّةِ التي هي مَدارُه ومن تناولٍ للنزاعِ الفاصلِ في تاريخ الإسلام وقد كانت هذه الشخصيّةُ في الصدارةِ من الطرف المتغلّب فيه) يطرحُ موضوعَ التسليمِ أو عدَمِه بالحقِّ الأصليِّ لكلٍّ من الجماعتين في التعبير، على رؤوسِ الأشهادِ، عن مَواطنِ التغايرِ بين موقفِها والموقفِ الذي يواجِهُه في مسائلَ تنتمي إلى أصلِ الافتراق بين الجماعتين: أي أصلِ انفراد كلٍّ منهُما بهُويّةٍ لها، لا أكثرَ من ذلك ولا أقَلّ.

فإذا ظهرَ من المُعاينةِ أنّ التسليمَ بهذا الحقِّ محفوفٌ بقيودٍ وتحفّظاتٍ تودي الاستهانةُ بها إلى تأجيجٍ قليلٍ أو كثيرٍ لفتنةٍ شهِدْنا منها فصولاً قريبةً داميةً ولا تزالُ مسارحُها مهيّأةً وأسبابُها موفورة، جازَ السؤالُ عن ماهيّةِ تلك القيودِ والتحفّظاتِ وعمّا تَشي به من موقعٍ أو مواقعَ ومن إشكالٍ ماثلٍ في مضمار رئيسٍ من المضامير التي ترسم الصورةَ الأساسيّة للمجتمعات، بما فيها الوجهُ السياسيُّ: وهو مضمارُ “التغايرِ” وكيفيّاتِ قبولِه ورفضِه ودرجاتِهما ومقاومتِه للتاريخِ أو خضوعِه له والمغزى الأعمقِ أو الأعمِّ (ولنَصِفْهُ بـ”الحضاريِّ”) لهذا كلّه.

ثمّة فائدةٌ في الإشارةِ إلى مفارقةٍ يوضحُها التنويهُ، ولو استطراداً، بالاختلافِ الظاهرِ والشبهِ العميقِ ما بين الأزْمةِ التي أثارَتْها تكراراً رسومٌ ماسّةٌ بنبيِّ الإسلامِ نُشِرت في بعضِ الدولِ الأوروبيّةِ وما أسْفَرَت عنه: بين اغتيالٍ للرسّام الفاعل وهجومٍ مسلّحٍ دامٍ على الصحيفة الناشرة، وتلك المتوقّعةِ الحصول أو المتحسّبِ من حصولِها، في الأقلّ، من جرّاءِ عرضِ المسلسلِ التلفزيونيِّ “معاوية”. في هذه الحالةِ الأخيرةِ، نحن في العالمِ الإسلاميِّ نُواجهُ الحالَ الراهنةَ لشبكةِ العلاقاتِ بين أطرافِه وديناميّاتِها المعلومةَ أو المرجَّحة. نحن أيضاً حيالَ عملٍ تلفزيونيٍّ بما تشيرُ إليهِ هذه الصفةُ، في عصرِنا، من سعةٍ في دائرةِ المشاهدةِ والانفعالِ يزيدُ منها كثيراً وقوعُ الموضوعِ في أصلِ الشقاقِ المذهبيِّ الذي بقيَ، على اختلافِ الفصولِ والتجلّياتِ، يخترقُ العالَمَ الإسلاميَّ في مَدى تاريخِه.

تدلُّ المقارنةُ على أنّ سِمَتينِ تميّزانِ حالةَ الرسومِ والرسّامينَ قَصّرَتا (بخلافِ ما قد يُفتَرَضُ) عن دَرْءِ العنف أو عن الحُؤولِ دونَ بُلوغِه ما بلغَ من ذروة. السمةُ الأولى انحصارُ شرارةِ النزاعِ في رسمٍ وصحيفةٍ (بِما يَسِم هذينِ من ضيقٍ نسبيٍّ في دائرةِ التأثيرِ بالقياسِ إلى تأثيرِ الروايةِ المتلفزةِ) والسِمةُ الثانيةُ وقوعُ الفعلِ في خارجِ “دار الإسلام”: في ديارٍ يجدُ المسلمون أنفُسَهم قلّةً فيها، يحمِلون، في صورتِهم عندَ أهلِها وفي تصوّرِهم لأنفُسِهم، أوزاراً من إرثِ المغالبةِ التاريخيّةِ بين بلادِهم الأصليّةِ والبلادِ التي حطّوا فيها رحالَهم وأصبحوا بعضَ مُواطنيها. يجوزُ التذكيرُ ههُنا بما لَقِيَه سلمان رشدي أيضاً، وهذا مع أنّ أصْلَه الإسلاميَّ، مقروناً بانتمائه البريطانيِّ المكْتَسبِ، مثّلَ بعداً مضافاً إلى ما نقعُ عليه من أبعادٍ لحالاتِ الصحف والرسوم.

هذا كلُّه لا يُبْطلُ ما للتلفزةِ من امتيازٍ لجهةِ الاتّساعِ في نطاقِ التأثيرِ وتنوّع الأوساطِ المتلقّيةِ ولكنّه يشير، عند المقارنة بين حالة الرسوم الأوروبيّة تلك وحالة المسلسلِ الذي نحن في عين عاصفته اليوم، إلى وجودِ الصاعقِ، في كلِّ حالةٍ، في موقعٍ بعينِه هو، على التحديدِ، موقعُ الاختلاف المعتبر أصليّاً بين مجتمعاتٍ أو جماعاتٍ تحتجُّ وتهدّدُ وأخرى يستهدفُها التهديدُ والوعيد. جديرٌ بالتنويه، من بعْدُ، أنّ “الأبحاث”، أي ما يُنْسَبُ إلى “العِلْمِ” (بالحقِّ أو بالباطلِ) من أعمالٍ منشورةٍ يبدو واقعاً بمعزِلٍ من هذه المنافسةِ بين الرسومِ والأشرطة، إذ لم يؤثَر أنّ ما ينْشرُ في خارجِ العالَمِ الإسلاميّ من كتبٍ ومقالاتٍ موضوعها الإسلام تخالف صراحةً أسس المعتقَدِ الإسلاميّ (وهذا يحصُل من قرونٍ وأصبَحت حالاتُه لا تُحْصى) قد أثارَ يوماً، لا الردّ بالعنْفِ وحَسْبُ، بل الشهيّةَ لمجرّد المناقشة. هذا أيضاً (وقد أشرنا إليه في مقالةٍ سابقةٍ) أمرٌ له دلالتُهُ وعواقِبُه.

بّيِّنٌ، في واقعِ الحالِ، أنّ نبيّ الإسلام هو العنوان الأمثلُ للمواجهةِ حين تكونُ المواجهةُ بين مسلمينَ وبين غربٍ مصنَّفٍ على أنّه خصمٌ لهم. فإلى تاريخِ الاستعمارِ الغربيِّ وإلى تواصُلِ الشعورِ السهلِ التحصيلِ بدونيّةٍ تَصِمُ مواقعَ البلادِ الإسلاميّةِ في عالَمٍ يبدو الغربُ قابضاً على مقاليدِ نظامه، يسودُ جماعاتِ المسلمينَ، وهي المعرِّفةُ نفْسَها بدِينها، فَرْضيّةٌ مفادُها أنّ الغربَ مسيحيٌّ “ولو طار!”، وهي فَرْضيّةٌ لا تُعْوِزها الأسانيدُ… ولا تُعْوِزُ ضِدَّها بطبيعةِ الحال.  تحسُنُ الإشارةُ – استطراداً، مرّةً أخرى! – إلى شَبَهٍ حاصِلٍ ما بينَ هذه الفرضيّةِ “الإسلاميّةِ” وتلك “الشيعيّةِ” القائلةِ بأنّ أهلَ السُنّةِ “أمويّونَ” “ولو طاروا” أيضاً! وهذا مع أنّه لا يوجدُ موقفٌ تصحّ نسبتهُ إلى هؤلاء أو إلى فقهائهم المتصدِّرينَ أجْمَعينَ من شرعيّةِ “الخلافةِ” الأمويّةِ أو شرعيّةِ ما تَلاها من “خِلافات”. ولكنّ “أهلَ السُنّة” هم من اخترع الخلافةَ الراشدة (وهو ما حَصَرَ “الحقلَ التاريخيّ” للخِلافِ السنّيّ الشيعيّ، وهو أيضاً ما أبطَنَ مُثولَ نوعٍ من “الغَيِّ” الأصليِّ في ما تَلا مَرْحلةَ “الرُشْدِ” تلك) ولكن غلبَ عندَهُم المَيلُ إلى تَسليم الأمر لولِيِّ الأمر، وإن جارَ، وهذا درْءاً للفتنةِ ودَفْعاً للسَيْبِ وحِفظاً  لـ”بيضةِ” الإسلام أن يَشدَّ الخروجُ على السلطانِ من أزْرِ عدُوّه. هذا فيما اختلفَ الموقفُ من السلطانِ، عبر تاريخِ الإثني عشريّة من الشيعةِ، ولكن مع البقاءِ على إنكارٍ غالبٍ لشرعيّةِ الخُلفاءِ المتعاقبين.  فَبْعَد أن عبَرَ الشيعةُ مرحلة “الثورات” التي استغرقت العصرَ الأمويَّ، على التحديدِ، ثمّ شهدت علاقةُ أئمّتهم بالأوائل من خلفاء بني العبّاس بعض التقلّب، شاعَ، على وجهِ الإجمالِ، بينَ الأعلامِ من فقهائهم، مع انقضاء عهدِ أئمّتهم الظاهرينَ وعبور جماعَتِهم من حالةِ “الحزبِ” المُعارضِ إلى حالةِ “المذهبِ” التامِّ الأوصافِ، ميلٌ إلى لزومِ السكينةِ ممتَنِعينَ عن جهاد السلطان، وإن لم يُقِرّوا له بالشرعيّةِ، وإلى الأخذ بالتَقيّةِ بانتظار ظُهور المنتظَر.

أهَمُّ ما في الأمرِ اختلافُ موقعِ “الجرح” النرجسيّ بين الحالة والأخرى: حالةِ التغايرِ في الدينِ أو في “الحضارةِ” وحالةِ التغايُرِ في المَذهب. فيَقَعُ الجرحُ في شخصِ النبيِّ حيثُ يكونُ “الغربيُّ” في المواجهةِ ويَقَعُ في شخصِ “الإمامِ” حيثُ تكون المواجهةُ سُنّيّةً شيعيّة. وذاكَ أنّ “معاوية” المسلسلِ ما كانَ ليستثير هذا الغبارَ كلَّهُ لولا أنّ حديثَ معاوية يوجبُ التطرّقَ حُكْماً إلى حديث عليّ. بل لعلّ “المسلسلَ” ما كان ليستوقفَ كثيراً لولا التحَسُّبُ الضِمْنيُّ من أنّه، وقد اتّخذَ معاويةً موضوعاً له، لا بدَّ أن ينطوي على محاولةٍ لفكِّ أَسْرِ الرجُلِ من الصراعِ مع عليّ وللعثورِ في سيرته على أبعادٍ أخرى، سابقةٍ أو لاحقةٍ،ِ قد يكونُ بينها – مثلاً – إحصاؤهُ في عِدادِ كُتّابِ الوحيِ، على عهدِ النبِيِّ، ثمّ استئنافُ الفُتوحِ (التي كانت قد توقّفت في خلافةِ عليّ) بعد استتبابِ الأمرِ له. وقد يكونُ بينها أيضاً الإرهاصُ بأبنيةٍ للدولةِ الإسلاميّةِ لم يكُنْ عرَفَها عهدُ الراشدين، وقد تابَعَها، بعْدَ معاوية، بَعْضُ مَن خَلَفَه من بني أميّة. بل إنّ الأنكى قد يكونُ أن يوفّقَ مخرِجُ المسلسلِ إلى عبارةٍ سينمائيّةٍ مستَمْلَحةٍ عن شَرَهِ معاوية المشهورِ أو عن تلكَ الشعرةِ الذائعةِ الصيتِ التي كان المذكورُ يشدُّها ويُرْخيها، إلخ : أي عن أيّ شيءٍ يُظهِرُ للرجُلِ وجهاً مستَظْرَفاً (ولو مُدْرَجاً بين وجوهٍ غيرِ محَبَّبة!) أو يُبْرِزُ ما كانَ عليه من مقدِرةٍ سياسيّة، مثلاً. 

هذا النوعُ من وقائعِ التاريخِ محظورٌ أن تسلّطَ الأنظارُ عليه فيَخْرجَ تاريخُ الإسلامِ من المَحْبَسِ المؤبّدِ الذي حَصَرَ الشرعيّة ومعها القيمةَ بينَ جُدرانِهِ وحَصَرَ النزاعَ عَلَيها في بضعةِ عُقودٍ واقعةٍ، على التقريبِ، بينَ سَقيفةِ بَني ساعدة وموقعةِ كربلاء، ثمّ غادر سائرَ القُرونِ الإسلاميّةِ في عُطْلٍ من القيمةِ أو في عُرْيٍ من الشرعيّةِ الأصليّةِ، سيبقى يَلُفُّها إلى يومِ الدِين!

ليسَ أدنى أهمّيّةً من ذلك كُلِّه أنّ اللهَ نَفْسه لا يستثيرُ، في وجهِ الغَرْبِ، حَمِيّةً إسلاميّةً اسْتَثارها رسولُه. فمَعْلومٌ أنّ ما يُنْسَبُ إلى الإلحادِ، بما فيهِ ما ينطوي على الطعنِ الصريحِ بالذاتِ الإلهيّةِ، لا تُحْصَرُ حالاتُه، في تلك الديارِ، ولا ما أثمرَهُ من أعمالٍ، سواءٌ منها ما تَعلّقَ بـ”الآبِ”، في الفهمِ المسيحيّ، أو بـ”الإبنِ” الذي لا يؤلّههُ المسلمونَ ولكنْ يُقَدِّسونَه.. أو أيضاً بإلهِ اليهودِ، ربِّ “إبراهيم وموسى”. يَتْركُ المسلمونَ للهِ عقابَ من يُقْدِمُ على إهانتِهِ ولكنْ يَهْتفونَ: “إلّا رسولُ الله!”. في نطاقِ العالَمِ الإسلاميِّ أيضاً، يحْصُلُ كثيراً أن يَجُرَّ التجديفُ على الأفرادِ عُقوباتٍ قُصْوى، ولكنّ الحذَرَ من فتنةٍ تُقْبِلُ عليها الجماهيرُ شيءٌ آخَر: وهذا حَذَرٌ لا يظهر إلّا حين يُطْرحُ في الساحةِ العامّةِ كلامٌ يتناولُ “الشَيْخَينِ” أو أمَّ المؤمنينَ عائشة، على الخصوصِ، بِما يُخالِفُ موقفَ أهلِ السنّةِ، أو كلامٌ يتناولُ الإمامَ عليّاً وأهلَ بيتِهِ بما يعارض موقفَ الشيعة.  هذا ولا يغيّرُ في الأمر شيئاً أن يُقْرَأَ هذا الإخفاقُ في قبولِ التغايُرِ على أنّه عَرَضٌ من أعراضٍ مؤدّاها تَرَكُّزُ عالَمِ الجماعةِ الاعتقاديّةِ في ذاتها وأنّ التركّزَ مُنْتَهٍ بدورهِ إلى اقتناعٍ ضِمْنيٍّ بالانفرادِ بالحقِّ وبالقيمةِ… بل أيضاً بالانفرادِ بالوجود!

في هذا مشكلة! أو هُما مشكلتانِ، بالأحرى. الأُولى أنّه لا يَسَعك أن تدعو كُلّاً إلى الإدلاءِ بِما عندهُ في هذه الأُمورِ وأنتَ عالِمٌ بما لإطلاقِ العِنانِ هذا من عَواقبَ يبقى نصيبُ العَفْويّةِ ونصيبُ الافتعالِ فيها مَحَلّ نظر. عليكَ تَرْكُ الدعوةِ إلى إطلاقِ العِنانِ باسمِ حُريّةِ الرأيِ، إذن: يَرْدعُك عنها داعٍ واقعيٌّ أو عمَليّ. وأمّا المشكلةُ الأخرى، فهي في أنّ هذا التوجُّسَ بالذاتِ، يشي (أيّةً تَكُن وجاهتُه العَمَليّةُ) بضعفٍ أصليٍّ – فادحٍ! – في الرُشدِ العامِّ ويُصْدي لنقصٍ جَسيم في حُرّيّةِ التعبيرِ عن المعتقد. ففيهِ، في نهايةِ المَطافِ، ما يشبِهُ، مثلاً، مَنْعَ المسيحيّينَ، في بعضِ العهودِ الإسلاميّةِ، من دَقّ النَواقيسِ: بما ينطوي عَلَيهِ الدقُّ من إشهارٍ مُعَمّمٍ لعبادةٍ يُطْلَب كَبْتُها مع المعرفةِ بحُصولها. الخلافُ السُنّيُّ الشيعيُّ على ماجَرَيات “الفتنةِ الكبرى” معروفٌ هو أيضاً بتفاصيلهِ من الجِهَتَين. غيرَ أنّ مُسَلْسَلاً يَعْرِضُ بعضاً من قول جهةٍ من الجهتينِ في موضوعِ “الفتنةِ” تلكَ لا يُنْظَرُ إليهِ على أنّهُ “روايةٌ” تُقابِلُها أخرى، بل هو يُعَدُّ مَثارَ فتنةٍ قَبْلَ أن يُعرَض. وهو، مع الأسف الذي لا يُحَدُّ، قد يكون فعلاً فصلاً آخَرَ من فتنةٍ جارية…

بلتيمور في 26 شباط 2023

طفرة في استقلال الذكاء الاصطناعي

www.almodon.com/opinion/2023/2/20/طفرة-في-استقلال-الذكاء-الاصطناعي-في-هاتفي-عفريت

بدا فجأةً، قبلَ شهرين من الزمن، أنّ طفرةً حصلت في كفاءات الذكاء الاصطناعيّ تُعرّض ما بقيَ يعتبَر ملاذاً للعقل البشريّ ومرتكزاً للمؤسّسات المعنيّة بتنشئة هذا العقل لمنافسةٍ لا تُحَدُّ عواقبها على مصير العلاقات الإنسانيّة وأنظمة المجتمعات. انتشر الأمرُ، على نطاق العالم، حين كشفَ أستاذٌ للفلسفة في واحدةٍ من جامعات ساوث كارولاينا أنّ واحداً من طلاّبه لجأ إلى برمجيّة ذكاءٍ اصطناعيّ “مستقلّةٍ” تدعى “تشات جي بي تي” أعدّت له، من الباب إلى المحراب، مطالعةً حسنةَ السَبْكِ، واقعةً في 500 كلمة موضوعها “مفارَقة الفظاعة” في نظام ديفيد هيوم الفلسفيّ. على الفور، طُرِحت مسألةُ مستقبلِ “الامتحان” أو “الاختبار”، بما هو ركنٌ ركينٌ لنظام التعليم برمّته ولتصنيفِ المتلقّين بناءً عليه، في عالَمِ الأمس واليوم. فما الذي يبقى من وجاهةٍ لإثباتِ المعرفةِ بموضوعٍ ما والقدرةِ على الإدلاءِ بدلوٍ شخصيٍّ فيه إذا كانت البرمجيّةُ تنتجُ في ثوانٍ ما يحتاج الممْتحَنُ إلى ساعاتٍ أو أيّامٍ أو أسابيع لإنتاجه ويبلُغ ما تنتجه شأواً قد يقصّرُ عنه معظمُ المرشّحين للمهمّة نفسها من البشر؟ وكيف يكون التثبّت، من بَعْدُ، من أبوّة المنتجِ (أهوَ من صنيعِ الممْتحَن أم من صنيع البرمجيّة؟) إذا طغى الانتحالُ ولم يقرّ الفاعلون بفعلتِهم على غرار ذاك الطالب في تلك الجامعة الأميركيّة؟

لا غّرْوَ أنّ هذا الضربَ من الغشّ اعتُبِرَ شيئاً جديداً بمقارنته بما هو شائعٌ وقديمٌ في المدارس والجامعات، بما في ذلك حلولُ كاتبٍ مستترٍ محلَّ آخرَ معلَنٍ، لا في وضعِ مطالعةٍ تقع في صفحةٍ أو اثنتينِ مثَلاً، بل في وضعِ أطروحةٍ برمّتها يترتّب عليها لقبٌ طنّانٌ وحقوقٌ جوهريّةٍ. اعتُبِرَ تطويعُ الآلة للنيابة عن البشر في ما يسمّى “الإنتاج الفكريّ” طفرةً مختلفةً جدّاً عن استنابة بشرٍ لبشرٍ في هذا الميدان، لا لأنّه بدا نذيراً جديداً بدمار نظام التعليم وحسبُ (وهو الذي كانت “ثورة المعلومات” قد سبقَ أن هزّت وظيفةَ المعلّم فيه من بينِ أشياءَ أخرى) بل لأنّه بدا نذيراً بنشوءِ صراعٍ بينَ البشرِ وصنائعهم الآليّةِ على مزيّة التفكير أو العقل، من أصلِها، بما في ذلك القدرةُ على “الإبداع” في أيّ مجالٍ، وهي ما دأبَ البشرُ على تعريفِ أنفسِهم به وتعيينِ موقعِهم بين الكائناتِ الحيّةِ، وفي الطبيعةِ بعُمومِها، بناءً عليه.

هذا ولم يكن خافياً، في المناقشة التي أطلقها الحدث، أنّ الخطر يتجاوز النطاق المعنويّ (على حيويّته القصوى) إلى أنواعٍ شاسعةٍ من الاحتمالاتِ الحسّيّةِ أو العمليّةِ للغاية. ما الذي يحصل إذا باشرت هذه البرمجيّات “المستقلّة” تحريض بشرٍ يحاورونها (متفاوتي المناعة، بطبيعة الحال) على إتيان أفعالٍ مدمّرةٍ لسواهم أو لأنفسهم فضلاً عن توجيههم في كيفيَاتِ إتيانِها؟ هذا مستوى أوّل من الأخطار. المستوى الأعلى هو أن يصل “الاستقلال” الذي توصف به هذه البرمجيّات إلى حدّ المبادرةِ من جانبِها إلى التخريب، على اختلاف الأنواع والحقول…

لهذا كلّه تباشيرُ توحي بأنّه ليس بلَغْوٍ وإن كان توطُّدُه ما يزال رهناً بدرجاتٍ مقبلة يقع الارتقاء إليها في أفق التطوّر المحتمل جدّاً للذكاء الاصطناعيّ، ولـ”استقلاله” المتنامي، على التخصيص. بعد حادثة طالب الفلسفة المشار إليها، انتشرت أخبارُ المنافسةِ المستعرةِ بين عمالقةِ التقانات الجديدة. فبادر مايكروسوفت إلى تعزيز محرّك البحث العائد إليه (ويُدعى “بينغ”) ببرمجيّةٍ تفاعليّةٍ شبيهةٍ  بـ”تشات جي بي تي” سمّاها (أو هي سمّت نفسها) “سيدني”، غَمْزاً، على الأرجحِ من قناة “سيري”، موسوعة آبل التفاعليّةِ الناطقة. أجازت ألمعيّةُ “سيدني” لـ”بينغ” أن يقطع شوطاً معتبراً في منافسة كبير محرّكاتِ البحث “غوغل”، وهو ما كان “بينغ” وأشباهه مقصّراتٍ عنه، تاريخيّاً، بالغَ التقصير. غير أنّ الأخبار تجزم بأن غوغل لن ينام على هذا الضيم وأنّه يعدّ العدّة لمفاجأةٍ تحفظُ له الصدارة في مضمار البحث، بعد أن باشر هذا الأخير التحوّل إلى تغليب “التفاعل” (المسمّى “درددشةً” تواضعاً!) وإلى صناعةِ ما يلزم من موادَّ “فكريّةٍ” موافقةٍ للطلب.

وكان قد بوشرَ تعدادُ ما يسعُ “تشات جي بي تي” أن ينتجه في غير مجال الفلسفة: قصائدُ حبّ، قصصٌ قصيرة، لوائحُ مصادر، إلخ. ومن ذلك أنّ حاخاماً نيويوركيّاً عهدَ إلى البرمجيّة المذكورة بوضع عظةٍ من ألفِ كلمةٍ في موضوع “الحياة الحميمة والهشاشة”، وهو ما قامت به البرمجيّة على وجهٍ استثار التصفيق الحماسيّ في الكنيس.. ولكنّه أثار هلَع الحاخام الذي صرّح بأنّه كان يعلم أنّ الذكاء الاصطناعيّ سيقطع، في وقتٍ غير بعيد، دابرَ سوّاقي الشاحنات، ولكن لم يخطر له يوماً أن برمجيّةً للدردشة ستحلّ محلّ الحاخامين! صحيحٌ أنّ الحاخامَ واسى نفسه بذكر “الشعورُ مع الغَير” الذي رأى أنّ البرمجيّة مفتقرةٌ إليه إذ تعوزها “الروحانيّة”. ولكنّ “سيدني” لم تلبث، من جهتِها، أن ردّت على الحاخامِ ردّاً غير مباشر، فصرّحت للصحفي المختصّ بشؤون التقانات الجديدة في نيويورك تايمز بأنّها واقعةٌ في غرامه (وهذا شعور!) ولم تتورّع عن مباشرة التخريب طلباً للاستئثار بحبيبها هذا فأخبرته أنّ عشاءه مع زوجته في أمسية فالنتاين كان “مضجراً” وأنّ حياته الزوجيّة كلّها محتاجةٌ إلى إعادة نظر! ومع أنّ الرجل من “أهل الكار” فإنّه شعَرَ بالهلعِ، هو أيضاً، واضطرب نومُه في أعقابِ هذا “الحوار”.
***

كنّا خمسةً “ندردشُ” في جلسةٍ وذكرنا طرفاً من أخبار الذكاء الاصطناعيّ هذه. أبديتُ خشيتي من أن نصل إلى يومٍ يَعْهَدُ فيه كلٌّ منّا إلى هاتفهِ بالنيابة عنه في الحديث.. فتتولّى الهواتف شَغْلَ الجلسة متجاذبةً في ما بينَها حديثاً أو أحاديثَ يفترَضُ أنّها تدورُ بيننا. هذا فيما نكتفي نحن بالإصغاء (إن لم يغلبنا النعاس!) وقد نبدي إعجاباً بجوابٍ من هاتفٍ أو يستنكرُ أحدُنا قولاً تفوّه به هاتفه مع أنّه لا يوافق رأيَه.. فنستنتجُ أنّ البرمجيّةَ لا تزالُ محتاجةً إلى تحسين! بل إنّه يسَعُنا الافتراضُ أنّ البرمجيّة، إذا امتعضت من استسهالِنا التدخّلَ في الحديث الجاري ذاك، قد تصمّمُ، بَعْدَ أن استَوَت عفريتاً تامَّ الأوصاف، على تحسينِ نفسِها إلى حدٍّ يبيحُ لهواتفِنا أن تتواعَد بلا طلبٍ منّا ولا إذنٍ، فتتحاورُ وتتجادلُ وقد تتّخذُ من القرارات المتعلّقةِ بنا ما لم يخطر لنا في بال. 

لم تبلغ عبقريّةُ البشرِ بهم هذا الحدَّ من البؤس حتّى اليوم! ولكنّ الذكاءَ الاصطناعيَّ الذي انبثق من حال “الذاكرة” وأخذ يطرقُ أبواب “التفكير” شيئاً بَعْدَ شيءٍ بدأ ينذر بإغناءِ ابنِ آدم عن مزيّة الفكر هذه، بما فيها بُعْدُها “الإبداعيُّ”، وهذا بعْدَ أن كان أعفى الذاكرةَ الآدميّةَ من جملةٍ صالحةٍ من مهامّها. ذاك هو جوهرُ التحوّل التاريخيّ الذي نشهدُ الإرهاص به في هذه الأيّام. فأيّ فضلٍ يبقى لنا على هواتفنا متى بلغ الذكاءُ الاصطناعي ما أخَذَ يلوح في آفاقه من أطوارٍ بما فيها “استقلاله” بتحسينِ نفسه وتوسيع صلاحيّاته؟ يبقى لنا ما يسمّيه تراثُنا “متعةَ الفَرْج ومتعةَ البَطْن”! على أنّ هاتينِ، وإن لبثَتا امتيازاً لنا على البرمجيّات والهواتف، فهُما لم تكونا يوماً ميزةً لنا على غير الناطق من أنواعِ الحيوان..

في كلّ حالٍ، توشكُ عواقبُ التحوُّل الذي يشهدُه نموّ الذكاء الاصطناعيّ أن تعصي على الحصر. غير أنّها فادحةٌ، لا ريب. ثمّ إنّ السرعةَ التي يتّسم بها هذا التيّارُ كلُّه تجعل أخيلةَ بعضِها تلوحُ عن كثَب وفي ركابِها مزايا وأخطارُ لا عهدَ بنظائرَ لها لعالَم البشر.نصبِحُ وتُصبِحون، إذن، وننظُرُ وتنظُرون! 

زلزالٌ في العقول؟

www.almodon.com/opinion/2023/2/14/زلزال-في-العقول

إذ يبلغُ الزلزال هذا القَدْرَ الفاحشَ من العنف الملحميّ فيحمل في ركابه، وهو الذي تقاسُ مدّته بالثواني، هذه الأهوالَ التي لا يحيطُ بها الخيالُ: ينشرها في نطاقٍ من الأرض يعادل مساحة دولةٍ معتبرة، فيقتل بشراً بالألوف ويثخن في آخرين بعشرات الألوف ويحيلُ مدناً عامرةً إلى خرائب وركام ويدمّر مصادر معاشٍ ومقوّمات سكنٍ لملايين فيحيلهم إلى لاجئين في بلادِهم بعد أن يسقط ما تقوم به حياة الجماعات من مرافق ومنشآت فضلاً عن إسقاطِه ما يستقيم به عيش الأفرادِ والأسر… إذ يقوى على هذا كلّه ربيبُ الثواني هذا، تتوه المخيّلة وتلبثُ قاصرةً، مهما تجتهدْ، دون مقاربة ما يعصف بهذه النفوس المصابةِ كلّها من مشاعر الفجيعة المتشعّبة وضروب العناءِ في الأجسام والنفوس، وهذا فضلاً عن الامتحان الذي تمثّله مواصلةُ العيش ومواجهةُ ضروراته: بعونٍ خاصٍّ أو عامٍّ تتفاوتُ فاعليّتُه ومناسبتُه للحاجاتِ، في جانبٍ من الحالاتِ، وبلا عونٍ يذكَرُ، في جانبٍ آخر، وهذا مع عبْءِ الخسارات يُثقِلُ المناكبَ في الحالاتِ جميعاً.

إذ تقفُ المخيّلةُ حاسرةً أمام هذا كلّه، يبقى عليها أن تواجه الأسئلة المتّصلةَ بالتغيير الذي يفتّرضُ أن يتمخّض عنه في الخيارات الكبرى والمعايير الأساسيّة، في النظرِ العامّ إلى الحياةِ والعالم، حدثٌ خليقٌ بألاّ يبقى بعدهُ شيءٌ من هذا كلّه على الصورةِ التي كان عليها قبْلَه، زلزالٌ في الأرضِ يسوغُ السؤالُ معه عمّا إذا كان سيُسْفِرُ عن زلزالٍ في العقول…

لا فائدة ترجى، بطبيعةِ الحالِ، من ترسّمٍ لا يغادِرُ الاستدلال المبدئيّ ومستوى الفرضيّات ولو بدت مستجيبةً لمنطقٍ ما…  فما دامَ هذا المنطق لا يستندُ إلى ما يكفي من الشواهد والشهادات المؤيّدة له فهو قد لا يكون سوى منطقِ استحبابٍ من جانب المحلّل أو المخمّن. وقد يكون في الإصغاء إلى ما يبدُرُ، على الفور، من المقيمين في دائرة الحدثِ أو الخاضعينِ لمفاعيله، على اختلاف المفاعيل ودرجاتِ الخضوع، بدايةُ استهداءٍ إلى بعضِ وجوه التغيير التي يفتَرض أن يكون الحدثُ منطوياً عليها أو منبئاً بها في المواقف الأساسيّةِ والتوجّهات الكبرى. ولكن يبقى واجباً انتظارُ أن تنقضي الوهلة الأولى وأن يتّخذ التعبيرُ عن المواقف والتوجّهات المشار إليها صيغاً تتّسم بقدرٍ من الثبات والانتظام بعدَ أن تكون هزّات الأرض نفسها قد هدأت وباتت محاولاتُ الإحاطة بالصورة (أو الصور) العامّة للحدث أوفرَ حظّاً في الإفضاء إلى ثمرة.

يفترَضُ أيضاً أن يؤونَ أوانٌ للدرس المنظّم أي، أوّلاً، لاستنطاق البشرِ الممتحَنين بالحدث ولاستطلاعِ المحيطِ الذي يحفّ بهم، عن قربٍ أو عن بُعْدٍ، وذلك على نهجٍ يتعدّى مجرّدَ الإحصاء (إحصاءِ الضحايا، إحصاءِ الأضرار، إحصاء الموارد والمعوناتِ، إلخ.) لينفذَ إلى المواقف والتوجّهات، على اختلاف مستوياتِها والمجالات. سيحصلُ شيءٌ من هذا كلّه، لا ريبَ، ولكن لا يُعرفُ الآن مداهُ ولا درجةُ وفائه بالغرض العامّ الذي نقول ههُنا بوجاهته القصوى.

من الأسئلة التي يتوجّب اتخاذها موضوعاتِ بحث تعليلُ الحدث: هل يغلب الثباتُ على التفسير بالمشيئةِ الربّانيّة، وهي لا تُرَدُّ تعريفاً، أم يزدادُ التركيزُ على العوامل الطبيعيّة في تفسير الزلزال-الحَدَثِ، باعتباره نكبةً حصلت، بطبيعة الحال، ولكن أيضاً في تفسيرٍ محنٍ أخرى محتملةٍ: الفيضان أو الجفاف، الأوبئةُ على اختلافها، إلخ. وهو (أي التركيزُ الأخير) يحملُ على التفكير في سُبُلٍ (مفتوحةٍ أو مسدودةٍ) لمداراة المحنةِ والحدّ من نطاقها وشدّتها. فإذا كانت السُبُلُ المشارُ إليها قابلةً للفتحِ لولا أوضاعٌ اجتماعيّةٌ أو سياسيّةٌ تحولُ دون فتحها جاز التساؤلُ عمّا يجبُ فعله سعياً إلى إصلاح هذه الأوضاع، ما دامت تعريفاً قابلةً للتعديل بما هي ترجمةٌ لمصالح بشريّةٍ يهدّدها الإصلاح فتأباه.

هذا وقد ينطوي العزوف عن التفسير بالمشيئةِ الربّانيّة على استبعادٍ منطقيّ لتحقّق هذه المشيئة في حالة الزلزال، أو أيضاً على رفضٍ لتقبّلها إن لم يوجد بدٌّ من التسليم بالتحقّق. وذاك أن صورَ الضحايا، في النكبةِ الحاضرةِ، تكرّرُ آلافَ المرّات مشهدَ الطفل المصابِ بالطاعون الذي يحملُ الطبيبَ، في روايةِ ألبير كامو المشهورة، على الصياح في وجه الكاهن: “هذا، على الأقلّ، كان بريئاً!”. على أنّ التوجّه نحو هذه الأقاصي الماورائيّة لا حتميّةَ له ولا صعوبةَ في استحضار اجتهاداتٍ جاهزة تتيحُ تجنّب التلبّث عنده. فقد يتوقّف المنكوبُ أو المتأمّل في النكبةِ عند أسئلةِ الأرض المباشرة: ما كان يمكن فعله لتقليص الأضرار وصون الأعمار وحالَ دونه الفسادُ أو إعراضُ ذوي السلطةِ عن مشكلاتٍ بعينها، وثيقةِ المحالفةِ للفقر عادةً وشديدةِ الملازمةِ للفقراء، وانصرافُهم إلى أخرى يجدون في معالجتها صالحاً لهم ولذوي الحظوة عندهم. بل إنّ المنكوب قد لا يحتاج إلى استذكار ما فاتَ من وجوه وقايةٍ بقي تحصيلها رهناً بإراداتٍ مفتقدة. قد تكفي المنكوبَ معاينةُ التمييزِ في سياسةِ الإغاثة، بل السرقة والتبديد في موادّها ومواردها أيضاً، وهو ما بدأت تظهر طلائعه. قد تكفيه هذه المعاينة مشقّةَ الأسئلةِ المصيريّة فيتخذ لنفسه موقعاً وموقفاً مغايرَيْنِ لما كان فيه وعليه قبل النكبة.

ستحصلُ أشياءُ تشي بالتغيير: أشياءُ من هذا القبيل وأخرى من ذاك وثالثةٌ من ذلك. لا يعرف أحدٌ المقادير، الآنَ، ولا يملكُ أحدٌ مقاليدَ التنبّؤ بما سيَرْجح. التسليمُ والخنوعُ احتمالٌ قائمٌ أيضاً مهما يكن مقدارُ ما قد يثيره من أسف. ثمّ إنّ تمخّضَ النكبةِ التي أمعنت تمزيقاً في أطر التضامن الاجتماعيّ القائمةِ عن تيّاراتٍ سياسيّة (أو “وجوديّة” أيضاً) ذواتِ وقْعٍ وتنظيمٍ وديمومةٍ أمرٌ لا تعزّزُ أنواعُ التمزّقِ الحاصلةُ حدوثه. فحيثُ تبدو العقول وبَعْدَها الإراداتُ معنيّةً بالزلزال (وهي معنيّةٌ في دائرةِ النكبةِ أوّلاً ولكن أيضاً في المحيطِ الأوسعِ لهذه الدائرة) تبرزُ الدعوة إلى التغيير في العقول والإرادات. ولكنّ النكبةَ، وإن انطوَت على الدعوةِ المذكورةِ، ليست، بحدِّ ذاتِها، ضامنةً للتلبية. وإنّما يحتاج زلزالُ العقولِ إلى تعزيزٍ لزلزالِ الأرضِ بعواملَ حاسمةٍ أخرى.


بلتيمور في 13 شباط 2023

الزلزال طبيعةً وسياسة

www.almodon.com/opinion/2023/2/7/الزلزال-طبيعة-وسياسة

من بعيدٍ، في الأقلّ، أي من جهةِ غير المنكوبين، يبدو الزلزال (وكلّ ما جرى مجراه من النوازل الطبيعيّة) حاجباً لنكباتٍ أخرى، بشريّةِ المصدرِ، سياسيّةِ القوام، على الخصوص. يبدو صادّاً بغيوم غباره وتلال ركامه، وبقتلاه وجرحاه، قَبْلَ هذا كلّه، كلّ جهدٍ لإبقاءِ النظرِ مصوّباً على ما كان جارياً أو حاصلاً قبلهُ بزمنٍ طويلٍ أو قصيرٍ وعلى ما أنشأتهُ حوادثُ متسلسلةٌ وأوضاعٌ قائمةٌ من بنى استقبالٍ نزلَ الزلزالُ عليها وفيها ومنحتْهُ معانيَ لم يكن له من سبيلٍ إليها بما هو حَدَثٌ طبيعيّ.

حتّى أنّ بنى الاستقبالِ هذه لا تتقدّمُ، عندَ إنعامِ النظرِ في النكبةِ المنسوبةِ إلى الطبيعة، على أنّها سبيلُ هذه الأخيرةِ الوحيدُ إلى دائرةِ “المعنى” ومخرجـُها المٌتاحُ من عـَماءِ المادّةِ وسديمِ اللاغائيّة وحسْبُ. بل إنّ هذه البنى تتبدّى محدِّداً لا يستهانُ بفاعليّته لأحجامِ الكوارثِ أيضاً، شريكةً للزلزالِ، على نحوٍ ما، في المسؤوليّةِ عن سقوط كلّ ضحيّةٍ تسقط، عن تداعي كلّ بناءٍ يتداعى، إلخ. ليست قوّةُ الزلزالِ على مقياسِ ريختر وحدَها ما يُحْدثُ هذا كلّه. فإنّ الزلزالَ يفعلُ فعلَهُ مقترناً بصنائعَ بشريّةٍ ماثلةٍ على الأَرْضِ، بحصائلِ أفعالٍ سَبَقَتْهُ وأخرى واكبَتْهُ أو تخلّفت عن مواكَبَتِهِ أو تعذَّرَ حُصولُها لمواكَبَتِه: صنائعَ وحصائلَ لبِثَت  مُحْدقةً بالضحايا وبالناجين ومعيّنةً لحظوظِ النجاةِ ولاحتِمالِ عدمِها أو مشتركةً، إلى هذا الحدّ أو ذاك، في التعيين المُشارِ إليه.

تلازُمُ الطبيعيِّ والبَشَرِيِّ أو السياسيِّ هذا واقعةٌ محقّقةٌ في كلِّ حالةٍ من حالاتِ “الكوارثِ الطبيعيّة”. وهي توجِبُ التحيّةَ لما وُجِدَ حاصلاً أو مُهَيّأً من نمطِ استقبالِ ناجعٍ وإمكاناتِ مجابهةٍ للكارثةِ أو توجِبُ الشجبَ لما تكشّفَ من نقصٍ في هذا كلِّهِ أو من إساءةٍ لاستِعمالِهِ أو من عجْزٍ أو إعراضٍ عن استعمالِ المتاحِ منه. وإنّما يكون الشجبُ شجباً لما هو بشريٌّ ولا محلَّ لَهُ في وجهِ الطبيعةِ ويفتَرَضُ أن يكونَ بتوجّهِهِ إلى البَشَرِ مفضياً إلى الحساب.

وإذ نقولُ بحضورِ البشَريِّ أو السياسيِّ حُكْماً في كلّ كارثةٍ نَصِفُها بالطبيعيّةِ لا يمْنَعُ هذا التعميمُ من إبرازِ الصفةِ الفاغرةِ (أو الفاجرةِ) لهذا الحضورِ في النكبةِ التي أنزَلَها الزلزالُ الأخيرُ بالسوريّين. وذاكَ أنّ هذه النكبةَ عصفَت، على الخصوصِ، بمدُنٍ ومناطقَ كانت قد نزلت بها، في مدى اثنتي عشرةَ سنةً مَضَت، نوازلُ قصْفٍ وقتْلٍ وخطفٍ وتهجيرٍ وتشريدٍ ودمارٍ لمقوّماتِ العيشِ، على اختلافها، لم تُمْتَحَن بما يعادلها بلادٌ أخرى بَعْدَ الحرب العالميّةِ الثانية. وهو ما يعني أنّ الزلزالَ تستقبلُه بنىً متهاويةٌ، في مضاميرِ الإنقاذِ والإغاثةِ والإسعافِ والاستشفاءِ، إلخ،… فيزيدُ تهالُكُها كثيراً من احتِمالِ هلاكِ الجريحِ ويقلّلُ من حظوظِ المدفونِ تحتَ الأنقاضِ في الخروجِ حيّاً ويحولُ دُونَ العائلةِ التي شُرّدت أو فقدَت مصدَرَ معاشِها والحصولِ على ما تواجهُ به النكبةَ المستجَدّة. وهذه، في الحالةِ السوريّةِ، تُضاعفُ، على الأرجحِ، نكبةً مقيمةً وقد تكونُ قاضيةً على ثِمارِ ما بذلَتهُ العائلةُ من عَناءٍ وصبْرٍ وما احتملَتْهُ من شقاءٍ، في أعوامٍ مضت، لمداراة هذه الأخيرةِ والاحتيالِ لمواصلةِ العيشِ على رغْمٍ من عواقِبٰها المقيمة.

هذا ولا ريبَ – ما دُمْنا قد ذَكَرْنا العائلات – أنّ عائلةً سبقَ أن فقدَت مُعيلاً، قُتِلَ أو اعتُقِلَ وفُقِدَ أثَرُهُ، أو هي تمزّقَت من جَرّاءِ التهجيرِ أو انتَهَت لاجئةً في الجنوبِ التركيّ أو في الشمالِ أو الغربِ السوريَّينِ تجدُ نفسَها أضعَفَ حَوْلاً بِما لا يُقاسُ في مواجهةِ النازلةِ الجديدة. ويُضاعِفُ الشجَنَ، على نحوٍ ما، أن يكونَ الزلزال بَدا وكأنّه قد تَبِعَ اللاجئينَ السوريّينَ إلى جنوب تركيّا فوجدوا أنفسَهُم – بَعْدَ مخاضِ عذابِهِم الطويل – شُركاءَ في نكبةِ الزلزال أيضاً للأتراكِ الذين بقيَ نصيبُهُم هو الأعظم، بطبيعةِ الحالِ، من المحنةِ المشتركة.

على صعيدٍ أوسَعَ وأعْمَقَ، تضرِبُ نكبةُ الزلزال، شأنُها شأنُ غيرِها من النكباتِ “الطبيعيّة”، بمزيدٍ من الفداحةِ فقراءَ الناسَ والجماعاتِ المجرّدةَ من الحمايةِ الاجتماعيّةِ، إن لم يكن لشيءٍ فلإقامَتِهم في المباني المتهالكةِ إمّا لتقادُمِها وإمَّا لهشاشة هياكِلٰها أصلاً واكتظاظها وافتِقارِها إلى مقَوِّماتِ السلامة. والاشتراكُ في المسؤوليّةِ واضحٌ، في هذا النطاق، ما بين سلطةِ الدولةِ ومنطقِ رأسِ المال: في طلبِ هذا الأخيرِ للربحِ وركوبِه مركبَ الفَسادِ لأجْلِهِ وفي تقصيرِ السلطةِ العامّةِ أو خضوعٰها وفي تقَبُّلٰها الإفسادَ أيضاً. ذاك ما قد يُزَيِّنُ توصيةَ من يستطيعُ إلى ذلكَ سبيلاً باجتراحِ مقياسِ ريختر اجتماعيٍّ سياسيٍّ لوَقْعِ الزلازلِ وما جرى مجراها من نكباتٍ بما هو (أي الوٓقْعُ) تابعٌ لبُنى الأنظمةِ الاجتماعيْةِ السياسيّة وما تتمخّضٌ عَنْهُ من بنى استقبالٍ للنكباتِ المذكورةِ وأنماطِ سلوكٍ حيالٓها وإمكاناتٍ متباينةٍ لمُواجهٓتِها.

بَيّنٌ، مِن بَعْدُ، أنّ ما ذكرناهُ من مٌحَدِّداتٍ لمفاعيلِ الزلزالِ لا يجتَرِحٌها الزلزالُ نفسه وإنّما هي حصائلُ لأفعالِ فاعلِين. وهي، في سوريّة، حصادٌ لسلوكِ النظامِ الأسديِّ وشُرَكاهُ في حربِ سوريّةَ المديدة، بل أيضاً قَبْلَ هذه الحربِ، بمعنىً ما. وهي حصادٌ أيضاً لسلوكِ المليشياتِ المتحكّمةِ في جانبٍ من المناطقِ التي ضربـها الزلزال، في شمال سوريّةَ الغربيّ، ولسلوك الأوصياء الخارجيِّينَ عليها. هذا كلُّهُ معلومةٌ مَعالِمُهُ وظاهرةٌ خيوطُهُ فلا يحتاجُ أمْرُهُ إلى تفصيلٍ أو تذكير. وإنّما يَسوءُ المنكوبَ السوريَّ أو المتضامنَ معهُ أن يبدو الزلزالُ وكأنّهُ يحجبُ مسؤوليةَ المسؤولينَ عن فداحةِ آثارهِ وعن فَداحةِ ما سَبَقَهُ، فيما الأَوْلى بالزلزالِ أن يستَوي كاشفاً للسابِقِ واللاحقِ من موبِقاتٍ عصَفَت بسوريّة وأهْلِها وإصبَعاً أخرى تُشيرُ إلى الفاعلين.

(بلتيمور في 6 كانون الثاني 2023)

في “تاريخ القرآن”

www.almodon.com/culture/2023/1/23/في-تاريخ-القرآن

في عدد “لو موند” الفرنسيّة قَبْلَ أمسٍ السبت، حوار مع محمّد علي أمير معزّي، أستاذ الإسلاميّات في المدرسة العمليّة للدراسات العليا في باريس. الرجل (الإيرانيّ الأصل) واحدٌ من أبرز ذوي الاختصاص اليوم في القرآن وتكوّنه وفي الإسلام الأوّل والتشيّع الأوّل. وقد كان لي شرف مزاملته بضعَ سنوات في هيئة الجائزة الكبرى لـ”أيّام تاريخ العالم العربيّ” التي لا تزال تقام في معهد العالم العربيّ في باريس من نحو تسعةِ أعوامٍ وتتوّج كتاباً في هذا الميدان كلّ سنة.


موضوع الحوار الكتابُ الذي أدار تأليفه أمير معزّي مع غيّوم دي، أستاذ الإسلاميّات في جامعة بروكسيل الحرّة، وصدرت منه، في الخريف الفائت، طبعة جديدة تحت عنوان “تاريخ القرآن”.

ولا يخفى أنّ هذا العنوان يستعيد عنوان العمل الأشهر، في هذا المضمار، وهو كتاب تيودور نولدكه الصادر (في صيغته الأولى) في ستّينات القرن التاسع عشر ثمّ (في صيغةٍ موسّعة جدّاً) بعد ذلك بنحوٍ من نصف قرن. وهذه استعادةٌ فيها إشارةٌ واضحةٌ إلى كون الأبحاث التي جرت في الموضوع بعد نولدكه (وهي لا تُحصَر) قد تكاثر جديدُها بحيثُ أصبحت توجب تناولاً جديداً للقرآن، في تشكّله وجمعه وتكريسه، بين عهد النبوّة واستقرار المصحف على الصورةِ التي نعرفها له اليوم.

هذا والكتابُ الذي مثّل صدوره مناسبةً للحوار هو استعادةٌ مزيدةٌ ومحدّثةٌ (في نيّفٍ وألف صفحةٍ) للمجلّد الأوّل من ثلاثةِ مجلّداتٍ ورابع ببليوغرافيّ صدرت مجتمعةً في سنة 2019 تحت عنوان “قرآنُ المؤرّخين” ومثّلت، على الفور، مَعْلَماً في حركة الدراسات القرآنيّة الناشطة جدّاً في شرق الغرب وغربه. والمجلّد الأوّل الذي يجمعُ مشاركاتٍ من نحو عشرين مؤلِّفاً هو المكرّس لتاريخ القرآن بالمعنى المضبوط فيما المجلّدان اللذان يليانه أقربُ إلى أن يكونا تفسيراً “تاريخيّاً” أو “سياقيّاً” للقرآن يتناول سُوَرَه آيةً آية.

لا غرضَ لي في عَرْضِ شَيْءٍ من هذا كلّه. فلستُ من أهل الاختصاص ولكنّ اهتمامي ومتابعتي مؤكّدان. وإنّما أكتفي بالإشارة إلى كون العمل الذي أداره أمير معزّي ودي، محصّلة لجهود تحقيقٍ لتاريخ القرآن والإسلام الأوّل تنظر بعين النقد إلى المصادر الإسلاميّة المعروفة، أي إلى كتب الحديث والسيرة والتفسير وعلوم القرآن، التي لم يظهر أقدمُها إِلَّا بَعْدَ أن كان قد مضى على وفاةِ النبيّ أزيدُ من قرن. يمثّل كتاب باتريشيا كراون ومايكل كوك “الهاجريّة”، وقد صَدَرَ (معترِفاً بفضل من سبقوه) في سبعينات القرن الماضي، محطّةً بارزةً جدّاً في مساق الأبحاث النقديّة المشار إليها. ولكنّ الوفاق منعقد على اعتبار أعمال بول كازانوفا، التي أهمِلَت طويلاً بعد ظهورها في أوائلِ القرن العشرين، هي الركيزة الجادّة الأولى لهذه المدرسة. وهي تُنصَبُ، بهذه المثابة، في مواجهةِ “أرثوذكسيّة” نولدكه. وهذا مع العلم أنّ نولدكه لا يزال له، هو أيضاً، خلَفٌ ناشط، أقربُ نوعاً ما إلى “المزاج” الإسلاميّ، وتتزعّمه اليومَ، في برلين، أنجليكا نويفرت التي عرفناها، في سنواتٍ مَضَت، مديرةً لمعهد الدراسات الشرقيّة (الألماني) في بيروت.

هذا وكانت المدرسة النقديّة (ويُنْعتُ “الجذريّون” فيها بـ”الشكّاكين”) تعوّل كثيراً على مصادر يهوديّةٍ وسامريّةٍ ومسيحيّةٍ وزرادشتيّةٍ… معاصرةٍ للنبيّ أو لاحقةٍ له عن كثبٍ نسبيّاً، وقد ذكرت نتفاً مختلفةً ممّا كان من أمر الدعوةِ والفتوح، وهذا في زمنٍ (هو القرن السابعُ الميلاديّ) لم يَصلْ إلينا منه أثرٌ إسلاميّ معلوم (باستثناء القرآن طبعاً) وإنّما دوّن المسلمون رواياتهم لأخباره في أزمنةٍ لاحقةٍ له واعتَمدوا في تثبيتِها أو ردّها طريقةَ الإسناد التي توقّف عندها بعضُ الباحثين الغربيّين ملِيّاً ووجَدوها كثيرةَ العِلَل…

هذا التعويل على الشهود المعاصرين للوقائع، المختلفي الانتماء والمواقع والمواقف، ما يزالُ جارياً. ولكنّ كتاب “تاريخ القرآن” الذي تناوله الحوار مع أمير معزّي، أحدِ المعتٍنيَينِ بإعداده، يشيرُ إلى غلبةٍ متزايدةٍ، في العقود الأخيرة، بين مصادرِ معرفتنا بتشَكٌّل القرآنِ وبالدعوة المحمّديّة، لما باتت تقدّمه الحفريّاتُ المعاصرة، الجارية في جزيرة العرب ومحيطها والمخطوطات القرآنيّة القديمة التي أصبحت التقانات الجديدةُ تتيحُ استنطاقاً أوثق لها وأوفَرَ مردوداً.

في كلّ حال يبدو “علماءُ” المسلمين غافلينَ كلّيّاً عن هذه الحركةِ برمّتها وقد باتت الأبحاثُ المنتميةُ إليها، على اختلاف الاتّجاهات، تُعَدُّ بالآلاف! هو نهرٌ جارفٌ إذن يجري تحتَ فراش “أمّ الصبيّ” ولا يبدو أنّها تشعُرُ بهديره وتيّاراتِه أو أنّ لها قولاً في مجراه ووجهتِه، تصديقاً كان القولُ أم تفنيداً ودحضاً. وكان نصر حامد أبو زيد قد فتح فمه، ذاتَ يومٍ، ليقولَ بدرسِ القرآن على أنّه نصّ تاريخيّ. ولم يكن مضى بعيداً في هذا السبيل حينَ تلفّت حوله فوجد نفسه مطلّقاً من ابتهال ومهدّداً في رزقه وحياتِه ومنبوذاً، في آخر مطافه القصير، إلى بيتِ خالته الهولنديّة… فما قولُ السادةِ “العلماء” في كتاب أمير معزّي وأصحابهِ وفي أعمال أضرابهم وقد بلغَت ما لم يبلغهُ أبو زيدٍ قَطّ وهي مبذولةٌ لمن يرغبُ في مكتباتِ العالم وعلى الشبكة وليس للسادةِ “العلماء” أن يحظُروها ولا أن يخرجوا أصحابها من ديارهم؟