لقاءٌ مع عبّاس بيضون (السفير) حول كتابي: رياض الصلح في زمانه

 أحمد بيضون: كان رياض الصلح زعيماً عربياً وهذا ما يميّزه
 عن زعامات محلية فقيرة تفوقه انتخابياً بأشواط ، أوجدت الانقلابات دمغاً سلبياً لمرحلة ما قبلها بوصفها حالة رجعية مع أنها ليست استثناء
الكاتب: عباس بيضون (السفير)

التّصنيف: لقاء

التاريخ: Friday, April 22

كتاب أحمد بيضون «رياض الصلح في زمانه» بمثابة تاريخ للعهد الاستقلالي في لبنان، لكنه أيضاً هذا العهد الاستقلالي في محيطه وزمانه، أنه ما أنتج بين النضالات الاستقلالية وبخاصة بين لبنان وسوريا اللتين يقع رياض الصلح اللبناني السوري عند نقطة تقاطعهما. إنه أيضاً حرب فلسطين وتأسيس الجامعة العربية ثم انه تكوين لبنان على الصورة التي ارتسمت له بعد ذلك. بما فيها من مشادات طائفية وغير طائفية. نجد هنا البذور الأولى للسباق الديموغرافي والتوجس الديموغرافي. كما نجد هنا، وفي شخصية رياض الصلح بالخصوص واما تجاذب لبنان حتى نهايات الحرب الأهلية الحالية من لبنانية وعروبة وسورنة. سيكون رياض الصلح لذلك مؤسساً حقيقياً للبنان الحالي. بل هو الأكثر جدارة بهذه الصفة، لقد أوجد الجسر بين الهويات الثلاث بقدر ما أوجد الميثاق التأسيسي اللبناني.

كتاب أحمد بيضون هو هذا التاريخ الذي تتقاطع فيه دوائر لبنانية وعربية واقليمية ودولية. بيد أن هذا التقاطع لم يؤثر البتة على إشراق الأسلوب وسلاسته، وهذا التشابك لم يجعل بنيان الكتاب شائكاً فهو كان يرتفع لبنة ولبنة ويتكامل ويتسق بحيث إن «رياض الصلح في زمانه» عمارة حقيقية فيها من السرد ما فيها من التحليل ومن التشعب ما فيها من الوحدة. كتــاب أحمد بيضــون يرينا من قريب أن للبنان تاريخاً وانه تاريخ اولاً لا جملة ملاحم دمويــة متتابــعة متسلسلة، ويكمن لكتاب في نزاهته وقوته ان يكون أيضاً تأسيــسياً لكتابة تاريخ للبنان لا يضيع في مطالب طوائفه وصراعاتها.

÷ إضافة إلى التكليف وما فوق التكليف، ما هو الدافع لدراسة شخصية كرياض الصلح؟

} أولاً لديّ دافع شخصي هو الرغبة بالتجريد. فأنا احب أن ادخل إلى نوع كتابي جديد لم يسبق لي ممارسته. وهذا النوع الآن هو محاولة وضع سيرة. ثانياً يوجد أيضاً دافع مهني، مفاده أنني لما ابتدأت بالاهتمام برياض الصلح منذ أواسط التسعينيات (1995-1997) وُضعت بتصرفي محفوظات هي عبارة عن قصاصات صحف. وكان يبدو ان هذه القصاصات بذل عليها جهد مضنٍ سواء في جمعها ام في نسخها، ويبدو انها أخضعت لبرنامج تقني حاسوبي، في وقت لم يكن شائعاً هذا بين الناس آنذاك. وهذه ببساطة تشكل إغراء كبيراً لباحث سبق له ان اهتم بتاريخ لبنان. وقد بذلتُ لاستكمال هذا البحث مدة سنة ونصف متواصلة، إضافة إلى مساعدين عديدين في ورشة البحث. ثم ان هذه الوثائق تتناول رجلاً من رجالات لبنان وتشكل قاعدة معلومية غنية تستحق العناء خاصة انني أضفت لها بعض وثائق المحفوظات البريطانية والفرنسية التي تعنى بلبنان وتتعلق بمرحلة رياض الصلح وتطال تقريباً النصف الأول من القرن العشرين.

جمعنا آلاف الوثائق المنظمة، وفي الوقت نفسه سعيت لجمع وتكوين مكتبة صغيرة متخصصة بالموضوع. اما فيما يتعلق بالصحف وبتصوير الكتب المتعلقة بالموضوع وغير الموجودة في المكتبات التجارية كنا نعتمد أساساً على مكتبتي الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية واحياناً على غيرهما. كذلك اعتمدنا على مؤسسة المحفوظات الوطنية التي صورنا منها محاضر مجلس النواب في المرحلة التي كان فيها رياض الصلح نائباً. ولاحقاً تم تسجيل تلك المحاضر على أقراص مدمجة اما نحن فاضطررنا لتصوير تلك المحاضر ورقة ورقة.

ثالثاً هناك دافع ثالث هو تأريخ رياض الصلح هذه المرحلة من خلاله في ظل عدم وجود أرشفة موثقة. وهناك حافز لإعادة النظر ومحاولة التجاوز. وهناك ظلم حصل باشرته فترة المحاولات الانقلابية في سوريا ومصر التي حفلت بها فترة ما بين الحربين العالميتين حينذاك واستطالت إلى ما بعد الحرب الثانية بسنوات عدة. وفي لبنان حصل انقلاب سنة 1952 سُّمي «الثورة البيضاء» أزاح رئيس الجمهورية بشارة الخوري من الحكم. وقد أوجدت الانقلابات مناخاً عاماً يشبه إلى حد كبير دمغاً سلبياً لمرحلة ما قبلها، حتى أصبح يسهل تقويمها بوصفها حالة رجعية ظلامية وتبعية وما إلى ذلك، طال هذا الدمغ كل المرحلة السابقة بدءاً من الثورة العربية الأولى مع الشريف حسين إبان الحرب الأولى من دون ان يكون مسموحاً الدخول في التفاصيل والتمييز بين الجوانب السلبية والإيجابية، وهذه عادة حالة تفرزها الانقلابات، لكنها كانت بارزة في مصر اكثر مما في لبنان، حتى اعتبرت المرحلة الملكية فيها وكأنها ألقيت في مكب نفايات.

من ناحيتي كنت اريد من خلال البحث في رياض الصلح ان ارى الوضع على حقيقته، وكما كان يراه هؤلاء الأشخاص في حياتهم في محاولة إنصاف لهم. فالناس عاصروا رياض الصلح في لبنان وفي الجنوب باعتباره جنوبياً ونائباً عن الجنوب، كأبي ومجايليه، كنا نتساءل هل الواقع هو كما أوحي إلينا، من أن هؤلاء السياسيين كانوا بالفعل حينذاك لا قضية لهم سوى مناصبهم ومصالحهم الخاصة؟ او انه يوجد ما يستحق النظر واستعادة الرواية. وأنا توصلت إلى جواب على هذا السؤال.

ذلك الجيل كغيره من الأجيال، ليس أهم ولا أعظم ولا أقل أهمية من جيلنا نحن مثلاً، او من الجيل الذي سبقه. هكذا يجب النظر إليه وإلى الأدوار التي أداها بالقدر الممكن من الموضوعية ومن دون تجنٍّ مبني على مقاييس لاحقة فرضت فرضاً، وشكلت زوايا إجبارية للنظر إلى الأشخاص وإلى المرحلة.

وهناك سبب آخر يتعلق بجاذبية رياض الصلح نفسه. فمنذ بدء النظر في الوثائق التي ذكرت منذ بداية التسعينيات. أثارني الصلح بصفاته كسياسي، وهذا أيضاً سبب مهم لمتابعة هذا الموضوع، منذ تلك الفترة وإن بتقطع، لكن في السنوات الخمس الأخيرة تفرّغت للموضوع.

لماذا رياض الصلح؟

÷ لبنانياً، العودة إلى رياض الصلح، كشخصية وتجسيداً لمرحلة وزمن، هي عودة إلى الزمن الاستقلالي، أي إلى جيل ضمّ آخرين غير رياض الصلح، لماذا لم يتمتع الآخرون بالعناية نفسها؟

} يمكن القول حالياً إن هذا مما أمكن تعويضه في حالات عدة، وليس فقط في حالة رياض الصلح، كذلك يمكن القول إن رياض الصلح هو اكثر الشخصيات المهمة والتي كانت لا تزال مهملة، إذ كان يوجد فقط كتاب صغير عن رياض الصلح كتبه هلال الصلح، وأساسه اطروحة دكتوراه. غير هذا لم يوجد شيء آخر عن رياض الصلح. اما بالنسبة لشخصية مثل بشارة الخوري فقد أنصف نفسه إذ ترك مذكرات من 3 مجلدات، تحكي عنه، لذلك لا توجد مشكلة اسمها بشارة الخوري في هذا المجال.. وأعتقد انه يوجد أشخاص آخرون يتم العمل عليهم الآن. أما رياض الصلح فصدر عنه كتابان أحدهما لباتريك سيل والآخر لكمال الصلح، وهناك كتاب عن عبد الحميد كرامي لنصري الصايغ وكتاب آخر عن مجيد أرسلان.

هناك أيضا السِّيَر إذ نجد اناساً كتبوا الكثير عن هذه المرحلة منهم من كتبوا مذكرات رائعة، كمذكرات عادل أرسلان المنشورة في حوالى 5 مجلدات، وهو معروف بأنه لبناني سوري، منها أيضاً مذكرات خالد العظم، رغم انها اقل ألقاً من سابقتها، لكنها تشكل مصدراً جيداً للمعلومات لمتابعة السياسة السورية والعربية في تلك المرحلة. وكذلك هناك كتب صادرة منها عن هاشم الأتاسي، كذلك عن نوري السعيد..

في هذه الحال ينوجد في المرء شعور عند معالجة مرحلة بهدف إنصافها وإنصاف رجالها ليس لتبجيلهم وتبجيلها بل من الضروري رفع نوع من الحظر على الرغبة المجردة المسبقة في إعدامهم مثلاً. ويبدو أن هذا الشعور ليس خاصاً بي فقط بل هو عام بدرجة ما بدليل كثرة الكتب التي تصدر وتتناول المرحلة نفسها.

÷ هل هذا له علاقة بالظرف اللبناني الحالي؟

} أعتقد ان له علاقة بالظرف اللبناني وبالظرف العربي، ومن المؤكد اننا أصبحنا في واقع يمكن وضعه تحت عنوان عام انه خارج جو المرحلة الناصرية ومقاييسها، ولأن إعادة النظر في المرحلة يستعرض مشاكلها وسوءاتها، من هنا نشأت الحاجة إلى العودة والشعور بالحاجة للبحث في المرحلة الاستقلالية.

÷ هل مقتل رياض الصلح كرئيس وزراء يستدعي في محل ما اغتيال رئيس وزراء آخر هو رفيق الحريري؟

} منذ حوالى شهرين نشرت محاضر عن محادثات كان أجراها رياض الصلح في باريس عام 1948 مع ألياهو سيسون ومساعده طوبيا أرزي، خلال حضوره لدورة الأمم المتحدة في باريس حينذاك وكانت الحرب الفلسطينية لا تزال مستمرة في اواخرها، وخلال تلك المحادثات احتلت إسرائيل جزءاً من الأراضي والمناطق اللبنانية الجنوبية. وفي آخر استعراض أجراه الباحث الذي يعمل في مركز أبحاث يديره عزمي بشارة يوجد سطران مفادهما انه خلال تلك المحادثات أعدت خطة صهيونية لاغتيال رياض الصلح في بيروت استمر إعدادها ومحاولات تنفيذها أشهراً عدة ثم ألغيت لاحقاً. ما يؤدي إلى الاستنتاج أنه إذا كان الصهاينة يريدون اغتيال رياض الصلح ما الذي يمنع أن نقول إنهم قتلوا رفيق الحريري؟

ورأيي أن هذه القفزة فيها خفة كافية، وحتى يقفز الواحد لا بد أن يكون خفيفاً (يضحك)، لذلك لا معنى لها إطلاقاً وغير واردة.

المشروع

÷ في موضع من الكتاب وردت عبارة «مشروع رياض الصلح». هل يمكننا ان نتكلم عن مشروع رياض الصلح؟

} لا أذكر ورود عبارة بهذه الصيغة بالضبط او بالمعنى المستفاد منها، لكني اعتقد أن المقصود هو الكلام عن الزعامة. لكن ما يمكننا الحكي عنه هو وجود رياض الصلح ضمن مشروع كبير أوسع من رياض الصلح، لدخول قادة عديدين فيه. هو مشروع تنفيذ الاستقلالات في البلاد العربية وتحديد موقع العرب في النظام العالمي الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية وشهد ولادة جمعية الأمم المتحدة. وهذه مشكلة مطروحة، على العرب خاصة في السياق التاريخي لعلاقة الدول الغربية الكبرى بالعرب، خاصة بريطانيا التي كانت تاركة مسائل هذا الإرث قيد التصفية، وكذلك في اميركا التي كانت تتقدم بسرعة إلى قيادة نظام عالمي جديد، خاصة انه كان مطروحاً كيفية الدخول في حالة الحرب الباردة، التي بدأت نذرها سنة 1948.

وعلى الصعيد العربي كان واضحاً أن الخيارات كلها هي خيارات استقلال الدول. وأن الجامعة العربية رغم انها كانت في سنواتها الأولى لكنها عند إنشائها كانت مشروعاً بالغ الأهمية وإطاراً يتوخى منه ان يكون بديلاً عن الاتحاد العربي. والحقيقة أن لبنان كدولة كان من الأطراف الأساسية التي لجمت تطور الجامعة العربية عن توليد واقع عربي أرفع وأقوى. لأن لبنان كان مهجوساً بالسيادة والاستقلال بالعلاقة مع المنظومة العربية، كحالة كل الدول الصغيرة التي يبرز فيها الهاجس الاستقلالي، وربما أيضاً بسبب الحالة المسيحية فيه.

دور رياض الصلح كان في هذا الإطار، اتسم بأقصى المرونة وباحتراف كبير جداً، وكما يقال انه سياسي 24 ساعة/ 24، باستقراء لبوصلة الاتجاه الوطني اللبناني مع أفق عربي.

÷ كأنه انتقال من وحدوي إلى استقلالي هل ينبئ هذا عن استشراف للحاضر.

} نعم بكل تأكيد. وهنا يبدو لدينا نمط من انماط العروبة، نزعة استقلالية غلبت في كل الأقطار التي تشكلت منها الجامعة العربية. حتى في سوريا، التي يبدو ان وحدويتها تطرح مشاكل على جيرانها، بروح هجومية في الموضوع الوحدوي، في ذلك الوقت لم تكن تلك الهجومية سائدة إطلاقاً، ولما سادت في مرحلة لاحقة كما في مرحلة انقلاب سامي الحناوي مثلاً فتشكلت الوحدة السورية العراقية التي استمرت أشهراً قليلة، ولاحقاً تمت الإطاحة بالرجل وبفكرته، وعندما أعقبه الشيشكلي بانقلاب مماثل عليه لم يكن بالوارد الوحدوي نفسه.

رياض الصلح تحديداً وبالدرجة الأولى هو من الأشخاص الذين سلموا بالاستقلالية السورية كما كانت مجسدة أيام شكري القوتلي وسعدالله الجابري وجميل مردم، حيث أصبحت سوريا مستقرة بحالة معينة موجودة داخلها وليس في تطلّعها إلى حالة موجودة خارجها أساساً. ورياض الصلح كان طيلة عشرين سنة من حياته السياسية جزءاً من الحركة الوطنية السورية وسيرته في الحكم كانت تقبُّل هذا الأمر. ومنذ اواخر العشرينيات وطيلة الثلاثينيات بدأ يعطي الأولوية للاستقلال كخيار. وعنده في موضوع الوحدة والاستقلال، أن شعار الاستقلال يتقدم على شعار الوحدة، التي هي موضوع خاضع لاختيار الأوطان. الوحدة لا تفرض فرضاً وينظر فيها عند تحقيق الاستقلال. وكان لديه حساب مفاده أن الوجود الصهيوني لن يكون عندئذ غريباً عنه، فإذا غلبت المنظور الوحدوي ستكون النتيجة فعلياً كيانات أقليات ستحتل ساحل بلاد الشام كله: صهاينة في فلسطين، شيعة في جنوب لبنان، دروز شمالي صيدا، علويين في الساحل السوري. أي أن هناك احتمالات ومشاريع عدة يمكنها أن تنهي الكيان الوطني في المنطقة الذي يتمثل بكيانات ثلاثة هي الكيان السوري، الكيان اللبناني والكيان الفلسطيني… فتكون الحصيلة عكس المراد نفسه تماماً من مطلب الوحدة.

هذه التحسبات تبدو واضحة جداً في سيرة رياض الصلح، وكانت اختياراته حكيمة جداً في سياسته.

الزعامة

÷ يلفتني أن هذه الزعامة التي كانت مشتتة بين طوائف ومناطق متعددة ومن دون أي تركيز في منطقة ما او في طائفة ما، جعل منها زعامة وطنية في وقت لم تكن تستطيع فيه ان توصل نائباً إلى الندوة النيابية. إذ انها ضعيفة على المستوى الطائفي والمناطقي.

صحيح. فرياض الصلح كزعيم يرغب بالدخول إلى مؤسسة الحكم في لبنان كان عالة على شخصية مثل أحمد الأسعد. وكان فعلاً أقلوياً في كل المناطق التي يدخل فيها. إنما الذي كان يميزه هو انتشاره ونفوذه في صيدا مثلاً وبيروت وطرابلس والبقاع وفي حلب والشام والقدس، عدا ان لديه كلمة مسموعة من مؤيديه ويعتبرون رأيه ويستقبلونه كزعيم. هذا الانتشار والتشتت بالطبع يؤدي إلى وضع غير متركز وغير قابل للتركز في كتلة ناخبة أو في كتلة نيابية ما، فلم يكن لديه مرة واحدة كتلة نيابية بعد دخوله إلى المجلس النيابي رغم تأخره في الدخول حتى عام 1943، بعد محاولتين عام 1925 وعام 1939 لم يحالفه الحظ فيهما، وفي دورات اخرى لم يترشح إما لأنه كان منفياً وإما لأنه لم يكن له حظ بالترشح.

كان رياض الصلح ينسج شبكة علاقات واسعة جداً مع الطيف السياسي والاجتماعي والاقتصادي العربي، وكان الناس يصنفونه في هذا المستوى من شبكة العلاقات، فهو من دون شك زعيم عربي وليس زعيم منطقة لبنانية او حي في مدينة أو جزء منها أو زعيم «شقفة من بيروت». بل هو قطب من أقطاب بلاد الشام كلها. وقدرته كسياسي والحظ التي توفر له بأن ينفى لسنوات طويلة تمكن خلالها أن ينسج شبكة علاقاته الواسعة في الخارج عربياً في المغرب مثلاً، ودولياً خصوصاً في بريطانيا وفرنسا.

شبكة العلاقات والمعارف التي كانت لزعامة رياض الصلح كانت تميزه تماماً عن زعامة محلية مغلقة وفقيرة في علاقاتها لكنها كانت أقوى منه انتخابياً بأشواط، رغم أنها غير قادرة على تجاوز مناطقها وأفقها المحدود المغلق.

÷ بهذا المعنى كان له ثقل دولي وثقل عربي فضلاً عن نظرته الاستشرافية..

} صحيح. بكل تأكيد. عندما تبنى الزعامة على هذا الأساس الواسع يؤدي إلى تغيير معنى الزعامة وطبيعتها. وهنا فرق كبير بين أن يكون المرء زعيماً في جنوب لبنان ويسوس خلافات عائلات ويطالب بحقوق طائفة فتكون زعامته والحالة هذه بالضرورة زعامة عصبية وفي أحسن الأحوال زعامة طائفية قائمة على توليف لعصبيات اهلية. هذا يختلف جداً عن زعامة اخرى تتعاطى باستقلال الدول العربية وتبني علاقات مع فرنسا وبريطانيا لمتابعة قضايا فلسطين من جنيف سنوات عديدة، وهو ليس فلسطينياً او سورياً بالمعنى الضيق للكلمة، ووضع جهده في مصاف آخر غير العصبيات الأهلية وإرهاصاتها وهو استقلال الدول العربية وإنجازه بعلاقات متكافئة مع الدول الكبرى واستبدال الانتدابات بمعاهدات، هكذا نكون أمام زعامة عربية مختلفة عن الزعامة المحلية. هذا بعض مما كان يميز رياض الصلح.

حتى ان زعماء سياسيين كباراً وجدوا انهم بحاجة للاستعانة بنفوذ رياض الصلح وعلاقاته خلال مناسبة التفاوض على المعاهدة السورية الفرنسية عام 1936، فرافق الوفد السوري للمفاوضات من دون أن يكون بإمكانه ان يكون عضواً فيه لأنه لبناني، ولكون الفرنسيين مؤسسين للبنان الكبير والمستقل حيث لا يقدر لبنانياً أن يتفاوض من ضمن الوفد السوري، لذلك رافق الوفد كناشط وكمستشارـ ولعب من خلال هاتين الصفتين دوراً كبيراً في التجاذبات التفاوضية لإنجاح المفاوضات على المعاهدة.

فلسطين وإعدام سعاده

÷ لو عرجنا على مرحلة الحرب الإسرائيلية الفلسطينية التي استدعت تهم الخيانة والتآمر… أين كان في هذه الحرب رياض الصلح؟

} في الحرب الفلسطينية بذل رياض الصلح جهداً هائلاً، حتى بالمعنى الجسدي تمثل بالتنقل الكثير خلال الحرب، بين بيروت والشام وعمان والقاهرة وبغداد والرياض، رغم صعوبات التنقل حينذاك التي لا تقاس بالتقدم الذي هو اليوم.

في أواخر 1948 بقي في باريس 3 أشهر يتابع ويناضل للاستحصال على قرار من جمعية الأمم المتحدة لمصلحة الفلسطينيين. وهو القرار الذي صدر تحت الرقم 194 الشهير وهو القرار المرجع الأهم لحق العودة المعترف به الآن دولياً. والدور المهم لاستصداره لرياض الصلح ولفارس الخوري الذي كان رئيس الوفد السوري إلى الأمم المتحدة حينذاك.

رياض الصلح بمقدار ما كان شريكاً ناشطاً في الحرب كانت مهمته الرئيسة هي تذليل الخلافات العربية عشية الحرب وأثناءها وبعدها في مهمة وساطة بين أقطاب الحرب وهم رؤساء بلاد إما أهم من لبنان استراتيجياً في الحرب الفلسطينية مثل الأردن، وإما بلاد عربية كبرى مثل مصر والعراق. فكان اهتمامه الرئيس أن يصل القادة معاً أمام كل محطة وامام كل مرحلة في مواجهة الحرب إلى موقف مشترك. لكن لما دنا موقف المحاسبة والمساءلة على الهزيمة، اعتبر رياض الصلح واحداً من رؤساء هذه الدول التي خاضت الحرب وانهزمت وخسرت فلسطين. واختزلت المعادلة في اعتباره واحداً ممن ضيّعوا فلسطين كفاروق في مصر وعبد الإله ونوري السعيد في العراق وشكري القوتلي في سوريا، كما ضيّعها الملك عبدالله في الأردن خصوصاً.

لم ينظر أحد في هذه الحالة إلى رياض الصلح وإمكاناته المحدودة وإلى انه رئيس وزراء لدولة صغيرة في لبنان، لم تستلم جيشها المحدود الإمكانات إلا قبل سنتين او ثلاث من الحرب وهو في طور البناء الأولي والإعداد، ولا يتعدى عديده 4000 عسكري لا تكفي حتى لحفظ الأمن الداخلي، بينما كان الصهاينة قادرين على تجنيد حوالى 90 ألف عسكري في فلسطين في مواجهة جيوش الدول العربية قاطبة.

وقد أصبح واضحاً من الكتب التي صدرت خلال العشرين سنة الماضية ان القدرة الصهيونية العسكرية كانت تتجاوز عدداً وقدرة بأشواط كل الجيوش العربية مجتمعة. ناهيك عن التسليح والتنظيم ووحدة الخطة ووحدة القيادة وغيرها من عوامل التفوق.

هكذا تم الحساب وصار رياض الصلح واحداً من القادة المخذولين المهزومين الذين لم يُعدّوا العدة الكافية للحرب والذين ضيّعوا فلسطين بالنتيجة.

÷ نعود إلى مسألة مهمة تتعلق برياض الصلح هي ما يقال عن مسؤوليته عن إعدام انطون سعاده، فمن الكتاب نفهم أن ليس أكثر من مسؤولية من غيره من أركان الدولة اللبنانية حينذاك، ففي الوقت الذي حرّض حبيب أبو شهلا (روم أرثوذوكس) على الإعدام رفض رياض الصلح إعطاء رأيه.. } صحيح. مسؤولية رياض الصلح في إعدام أنطون سعاده تتشكل في انه المسؤول الأول عن القبض على أنطون سعاده. لكنه ليس المسؤول الأول عن إعدامه. وهذه الخلاصة أثبتتها شهادة فريد شهاب، المدير العام للأمن العام اللبناني، الذي كان الجهة المتابعة تفصيلياً في عملية انطون سعاده، فشهاب هو الذي ذهب لاستلام سعاده من الشام، وهو الذي قام بالتنسيقات والمساعي الأمنية التي أدت للاستلام، وهو الذي يعرف أنطون سعاده أصلاً منذ الثلاثينيات.

روى شهاب في مذكرات كان يحتفظ بها لاستعماله الشخصي وهي ليست معدة للنشر، وعرفت بعد موته، كان هذا واضحاً من طريقة إعدادها وتبويبها غير المتسق بسبب ارتجال التدوين الآني لمعلومات يعرفها فيدوّنها بسرعة من دون تبويب كاف. تظهر تلك المذكرات تنصل الصلح من الإعدام اولاً، لأنه كما قال لرئيس الجمهورية بشارة الخوري حينذاك «أنا لا أحبّ الإعدام، ثم ان الرجل مسيحي، أنتو قرروا انا ما خصّني».

هذا الوضع أكثر وطأة على الجهة التي نفذت اغتيال رياض الصلح، وهو الحزب القومي، رغم ان الحزب القومي كانت لديه لائحة من الأشخاص المسؤولين عن اغتيال أنطون سعاده، منهم بشارة الخوري والمدّعي العام يوسف شربل والذي جرت محاولة اغتياله لكنه جرح من جرائها وأُقعد ولم يمت.

بعد معرفة موقف رياض الصلح الفعلي من إعدام انطون سعاده، يصبح الموقف من اغتيال رياض الصلح أصعب تحمّلاً من الناحية السياسية والتاريخية.

وواضح ان الحزب يمارس إفراطاً لفظياً في تجريم رياض الصلح لجهة مسؤوليته عن إعدام سعاده لتبرير فعل الاغتيال.

أحمد بيضون: كان رياض الصلح زعيماً عربياً وهذا ما يميّزه | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات

المقابلة الأولى لجريدة الراي الكويتية

| بيروت – من ريتا فرج |
أحمد بيضون، المؤرخ والأكاديمي المسكون بأحلام الثورات الغابرة وهواجس الغد، تبنى مع مجايليه من اليساريين القدامى أفكاراً ثورية، وحدوية. ومنذ وصول أصداء الثورة الجزائرية الى قريته الجنوبية بنت جبيل، أدرك باكراً أن لمعركة الأفكار والميدان حديثاً آخر، فتحرى مع بلوغه الثالثة عشرة مسالك الوحدة العربية، هو الذي «تعانق» مع الناصرية من موقعه داخل «حركة القوميين العرب»، فأصابته الغبطة مع الوحدة السورية – المصرية، لكن صدمة الانفصال آلمته، ولا تزال.
قليلة اطلالات بيضون عبر الصحافة، اذا لم نقل نادرة، ويعلم أن الكلام يحتاج الى تفكير عميق وعقل هادئ. وقبل أن يجيبك عن أي سؤال يفكر في صمت، علماً أن الصمت عنده في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ لبنان والعرب، أجدى من الحديث المباح. صمته هذا، لا يشي بعدم متابعته بعين المؤرخ، القلِق، بالمعنى المعرفي، لما حدث ويحدث، هو المفكر التأويلي، وليس السردي، وان أعانه السرد على التفكيك والبناء، بغية الخروج بنتائج أقل ما يُقال فيها انها الأقرب الى فلسفة التاريخ، أي التاريخ اللا حدثي، القائم على قراءة الوقائع بغية التوصل الى خلاصات تتخطى منهج الوصف.
وقبل أن يدهمك بيضون بوهج أجوبته الهادئة والهادرة، تشعر بأنه شاهد على بوحه، وعلى حضوره اللافت بين العقلانيين العرب، أو المفكرين الاستراتيجيين، كما يسميهم. كثيرة ومعقدة، الأسئلة التي يمكن طرحها على صاحب نظرية «لبنان الافتراضي». وعلى قدر جغرافيا العرب وتاريخهم، يطالعك بيضون بمعانٍ متشابكة، ورغم أن افتراضه يصدم ذوي الهويات، لكنه يحمل دلالات فرضها ويفرضها الواقع الجيوسياسي للبنان وجواره، واقع بدا له حتى اللحظة في حال من التشكل، فحضارة العرب عنده بدأت، وان قالها همساً، وتحتاج الى فترة زمنية طويلة، فالآمال وحدها لا تكفي لتحطيم هذا الحاجز من الارث الاستبدادي.
سيرة مختصرة، النظام السياسي اللبناني المأزوم، الحِراك الثوري العربي المباغت، المذهبية في لبنان بعد الطائفية، الجرح التاريخي، «ثورة الأرز»، أفول الحركات الاسلامية، تداعيات الهزائم، أزمة «النجومية» بعد غياب الثلاثي العربي محمد أركون ونصر حامد ابو زيد ومحمد عابد الجابري، هذه العبارات وغيرها قد توجز أبرز النقاط التي تضمنها حوار «الراي» مع الدكتور أحمد بيضون في منزله في بيروت، وفي ما يأتي وقائعه:• أنت من أبناء جيل يساري راهن على التغيير في حقبة الستينات. وفي العام 1973 قررتَ الخروج من «منظمة العمل الشيوعي» بعدما تلقيتم صدمة معرفية – سياسية خلال تجربتكم. كيف تنظر اليوم الى تلك التجربة؟
– في المرحلة التي أشرتِ اليها، كان العمل السياسي عند البعض من أبناء جيلي، وأقصد المثقفين، احتجاجاً على تفاهة ما كان يُعرض على المثقف من عمل ودور في مجتمع كنا نرى أنه يرفض القيم التي تعلّمنا احترامها. ما كان يعرض علينا هو غالباً نوع من التعليم، وفق برامج ومناهج كنا نراها أدوات لاخضاع أجيال جديدة لمنطق نظام كنا نرفضه. وكان عملنا السياسي، في جانب أساسي منه، عملاً كتابياً وبحثياً. ومن هذه الجهة كان اخراجاً للكتابة من الدائرة الفردية. فقد رحنا نتخيّل أن ما نكتبه هو انتاج جماعي، انتاج مجموعة منا على الأقل، وذلك لمجرّد أننا كنا نناقشه في ما بيننا أو نمهدّ له بالنقاش معاً. وكنا نصل في انكار أنفسنا كأفراد الى حد عدم التوقيع، أو التوقيع بأسماء مستعارة… وكان لهذا سبب آخر اضافي، هو المنع الذي كان سارياً على الموظفين، وأنا، مثلاً، كنت معلّماً في الثانويات الرسمية أي موظفاً، لجهة الكتابة والنشر. كان علينا الحصول على اذن من الرئيس المباشر لنشر أي نص. وهذا لم يكن وارداً طبعاً في عرفنا، ولا كان ممكناً، لو حاولناه، اذ لم يكن ما نكتبه من النوع الذي يروق رؤساءنا المباشرين. ما أراه مميزاً لتجربتنا، في تلك الأيام، هو أن بلادنا التي اسمها لبنان كانت موجودة في هذه التجربة. هناك جماعات سياسية كثيرة عبرت في التاريخ المعاصر لهذه البلاد من دون أن تراها. لبنان في كثير من الحالات مستقَرّ لقضية ما تتجاوزه. ويعامَل على أن غاية وجوده هي خدمة من يتطلع اليه قسم من أهله خارج حدوده ويتخذونه مستقرّاً لهويتهم. نحن كنّا نرى بلادنا ونحسّ بها، ونعتبر شعبها جديراً بجهودنا وبتضحياتنا. ومن موقعنا هذا، كنّا نتحسّس قضايا قريبة وبعيدة تخصّ غيرنا بالأولوية. كنا عرباً جداً جداً، وكنا فلسطينيين، ولكن لم يكن ذلك يمنعنا، كما كان يمنع غيرنا، من أن نكون لبنانيين بأقوى المعاني. قيمة أخرى كانت حاضرة في تلك التجربة، هي المساواة أو الرغبة فيها. وهذه القيمة هي ما منع التنظيم الذي كنا فيه من الاستقرار بما هو تنظيم. في البدء، كان يفتقد، نوعاً ما، الى الهرمية الحزبية. بعد ذلك، وجدت أشكالاً لهيئات حزبية، ولكن فكرة الانضباط بقيت، الى حدّ بعيد، خارج نظامنا المسلكي. فرغم وجود شِلل مرتبطة بأشخاص، أو ربما بسبب ذلك، لم يكن أحد يأتمر بأحد فعلاً. كانت حسّاسيات الأشخاص والشلل تجد لها نقاط ارتكاز في مسائل تنظيمية أو سياسية… وهذا لا يعني أن تلك المسائل لم تكن حقيقية. وكان يتوالد من ذلك أزمات نخرج من احداها لندخل التالية. وقد أخرجتني واحدة منها من التنظيم وأخرجت معي ما يزيد على نصف أعضائه الذين كانوا آنذاك بضع مئات. بمعنى ما، كان هذا الانشقاق من حسن حظنا، فحصوله العام 1973 مثّل حماية مسبقة لنا من الانحدار الى الحرب ومنطقها. حين بدأت الحرب، كنت قد اجتزت شوطاً في التحوّل فرداً حراً، مسؤولا وحدي عمّا أفعل وعمّا أقول. وكانت هذه هي البداية الفعلية، أو هي كانت بداية ثانية لسيرتي كمثقف منتج. الكتب التي نشرتها ضمّنتها ما كتبته ابتداء من العام 1975 وتركت جانباً ما كنت قد أنتجته سابقاً، أي في نحو عشرة أعوام بين 1965 و1975، واستغرقت معظمها تجربتي الحزبية أو شبه الحزبية. ومع أنني أنظر اليوم بشيء من الاستغراب، بل من السخرية أيضاً، الى جوانب من تلك التجربة، فانني أرى فيها من جهة أخرى مرحلة اكتسبت الكثير من معالم شخصيتي الفكرية والسلوكية ومن خبراتي العملية منها ومن تصفيتها سواء بسواء.
• كنت شاهداً لأبرز التحولات السياسية بدءاً من الثورة الجزائرية مروراً بالناصرية وصولاً الى فكّ الوحدة بين مصر وسورية. كيف أثّر فيك كل من هذه التحولات؟
– الثورة الجزائرية كانت سبباً لأول نشاط منظم قمت به. فقد ربطتني حين كنت في الثالثة عشرة بحركة القوميين العرب، وكانت موضوعاً للمناقشة، هي وحرب السويس، في الاجتماعات التي بدأتُ اشارك فيها. وكانت دافعاً أيضاً الى جمع التبرعات. جمعنا مالاً للمناضلين الجزائريين. وأذكر أننا، اذ تجندنا لهذا الأمر وكان معي فيه شقيقاتي الكبريات، قدّمت نساء من بلدتي بنت جبيل في جنوب لبنان بعض ما كان في حوزتهن من مصاغ للثورة. الناصرية واكبناها أيضاً ونحن في «حركة القوميين العرب» مع أن هذا الانتماء لم يكن له معنى منتظم. كنا معجبين بجمال عبد الناصر ونحن تلامذة، ورافقنا، من خلال هذا الاعجاب، الثورة العراقية، وما شهدته من تقلّبات بالغة العنف، ورافقنا تجربة الوحدة المصرية – السورية، مقتنعين بأنها َتحوّل جسيم في التاريخ العربي المعاصر. وحين انفصمت هذه الوحدة، مثّل انفصامها صدمة عميقة وبعيدة الأثر بدأت تهزّ اقتناعنا بالناصرية وبالفكر القومي كله، فتُركز أنظارنا على المجتمعات وتشدنا بالتالي نحو الماركسية. هذا التحول الذي عاشه كثيرون في تلك الآونة قد لا يقل شأناً، في مسيرة الجيل العربي الذي أنتمي اليه، عن ذاك الذي أحدثته هزيمة 1967 بل مهّد له في الواقع.
• جيلكم من اليساريين والقوميين كان يملك مشروعاً تقدمياً. لماذا أُصبتم بالنكسة اذا جاز التعبير، وأين الأجيال العربية الراهنة من شعارات الوحدة والتقدمية؟
– النكسة حصلت على الأرض. لسنا من صنعها، بل نزلت بنا. النكسة مثلت «الثورات» التي انتهت الى افلاس: الى قمع وفساد، والى فقر وعجز عن معالجة التفاوت الاجتماعي ومشكلات التنمية، والى هزائم أمام استعمار الأمس وأمام اسرائيل، وليدته بعد نكبة 1948. هذا كله أثر فينا. على صعيد آخر، ليس هناك شك في أن الحدود الضيقة لما لقيناه من استجابة لأفكارنا، ولنقدنا للأنظمة القائمة، في لبنان وخارجه، ثبطت عزائمنا وجعلتنا نتخبط في خلافات كان يمكن معالجتها لو أن وتيرة حركتنا بدت متصاعدة وحبلى بآمال فعلية.
• هل ترى أن فشل تجارب اليسار في العالم العربي يجعل من الخيارات الليبرالية بديلاً؟
– لم أحتسب نفسي في يوم من الأيام بين الليبراليين. أنا ديموقراطي، ولكن حين أنظر في مشكلات المجتمع الذي أعيش فيه وفي مشكلات المحيط القريب أيضاً، أرى دوراً للدولة في ضبط الموازين الاجتماعية. لا أُقرّ للسوق ولمن يتحكمون فيها من أصحاب المال والنفوذ بالقدرة على معالجة المشكلات الاجتماعية أو السياسية القائمة. واذا كان احد المعاني الكبرى لليبرالية هذا الطلب لانزواء الدولة وتهميش دورها، فلا أحتسب نفسي في هذه الخانة. هذا مع ادراكي للتجربة المرة التي عايشناها مع دول اعتبرت نفسها «قوية» في أقطار عربية مختلفة. أدرك مشكلات هذه الأنظمة وقد أمضينا عمراً في نقدها. ولكن لا أحبذ الانتقال من هذا النقد الى أيديولوجيا السوق والعولمة المتوحشة.
• الرهان على التغيير رافقكم منذ الستينات. أين أنت اليوم كمثقف من المشهد السياسي اللبناني المأزوم؟
– أشعر اليوم بالانتماء الى أفراد وجماعات، أظن أنهم كثُر في هذه البلاد، ولكن ليس لهم تعبير سياسي جامع. حين أنظر حولي، أجد كثيراً من الناس غير معجبين قطعاً بطرفيْ الانقسام الحاصل. كثير من الناس أيضاً يشعرون بأزمة النظام الطائفي، وبخطورة المدّ الطائفي في جهتي الاستقطاب، والذي يتقوّى بصوغهما للمسائل المطروحة وما تحوزانه من امكانات للتعبئة والشحن والتنظيم. يقال ان الطائفية قوية اليوم. هذا صحيح جداً، ولكنها قوية أو ضخمة أو طاغية بما هي مشكلة، وليس بما هي حلّ أو صيغة لادارة هذا المجتمع. الطائفية بما هي صيغة لسياسة المجتمع اللبناني وصلت الى نهاية شوطها، انها تحتضر، ولكن احتضارها قد يطول كثيراً، وقد يكون عنيفاً فيتسبب بخراب ودمار جديدين. ما أسجله هو أن الطائفية أصبحت مقصرة كلياً عن صوغ حلول فعلية، مستقرّة شيئاً ما، للأزمات التي تلدها واحدة بعد اخرى.
• في احدى المقابلات أشرت الى انتمائك للبنان «افتراضي»، ماذا تقصد بهذا المصطلح، وهل ثمة بُعد تاريخي للبنانك المفترض؟
– لا أذكر متى استعملت هذه العبارة ولا أين، ولكنني أعتمدها، والمعنى الذي أراه لها هو أن لبنان الذي أنتمي اليه ليس موجوداً تماماً، وأن درجة وجوده تتفاوت من مرحلة الى مرحلة. هو موجود في ارادات أكثر من وجوده في وقائع… ولما كانت هناك أيضاً ارادات مضادة لهذا الوجود، ولما كانت هذه الارادات قوية، فان خروج لبنان هذا الى الوجود المحقق يبدو معوقاً في معظم المراحل. هذا ما أقصده بلبنان الافتراضي: انه حلم وارادة أكثر منه واقعاً.
• قرأت أزمات لبنان بمنهج التأريخ الحديث. اذا عدنا اليوم الى الحقبة التي تلت «اتفاق الطائف»، نلاحظ حضوراً لافتاً للمشهد الاقليمي في الملف اللبناني. تاريخياً، ما الذي جعل لبنان شديد الالتصاق بالأوضاع الاقليمية، وهل يدفع ثمن الجغرافيا السياسية؟
– لبنان بلد صغير، ومجتمعه مجزأ جماعات طائفية في الدرجة الأولى. وقد نشأ بصورته المعاصرة مخالفاً رغبات قوى رئيسة في بعض هذه الجماعات. أدّى هذا ويؤدي الى أمرين: الأول ايجابي، في جانب منه على الأقلّ، هو لجم شهوة الطغيان عند السلطة العامة وأيضاً التكوين الضعيف لهذه السلطة، بما يترك مجالاً لحريات تعبر ممارستها عن غياب القانون أكثر مما هي وليدة للقوانين ومحمية بها. الأمر الثاني هو التفاعل الدائم الحصول والمتغيّر الصور بين قوى اقليمية ودولية متناقضة من جهة والطوائف اللبنانية المختلفة من جهة أخرى. الأنظمة المحيطة وما يتصل بها من قوى أبعد منها تجد في لبنان ما يسمى «ساحة» تستثمر فيها التنازع بين طوائفه، وتستثمر الحريات المتاحة فيه أيضاً للتنازع والتجاذب في ما بينها. ويصل الأمر، في بعض المراحل، الى خوض حروب بديلة أو رديفة على الأرض اللبنانية، توفر على أطرافها ما قد يلحق بهم من دمار وخراب، اذا اندلعت هذه الحروب بينهم مباشرة. هذا هو الاستخدام الاقليمي والدولي للبنان في صيغته العامة. هناك طبعاً في علاقات لبنان الاقليمية والدولية ما يخرج عن هذا المنطق. ولكن هذا لا يمنع أن الأزمات اللبنانية كانت دائماً متصلة أوثق اتصال بأطوار التكاوين الداخلية للمجتمع اللبناني وبالمنافذ التي تتيحها هذه التكاوين ويتيحها موقع لبنان في المنطقة.
• الطائفية السياسية في لبنان تطرح اشكاليات ادارة التنوع والعيش المشترك، كيف يمكن الخروج من هذا المأزق، وهل الدولة المدنية تقدم جواباً عن ذلك؟
– ما يستوجب الحماية هي الحقوق المدنية للأفراد كما للجماعات. وفي لبنان، تتقدّم الطوائف على أنها المتصدرة بين الجماعات التي يتشكل منها المجتمع اللبناني، كما هو واضح. ولكن رعاية هذه الحقوق لا تعني بالضرورة أن تكون مؤسسات الدولة مكوَّنة على القاعدة الطائفية. حق الموارنة في أن يكونوا موارنة أو حق الشيعة في أن يكونوا شيعة لا يفترض أن يكون رئيس الجمهورية من هنا ورئيس مجلس النواب من هناك، أو أن يكون أي منصب منوطاً بطائفة بعينها على الاطلاق. هذه القاعدة الطائفية هي في الواقع قيد على حق المواطنين الأفراد في التشكل الحر وفي صوغ أساس مختار لانتمائهم السياسي. وهذا التقييد يصل، اذا نظرنا اليه من كثب، الى درجة المخالفة لنصوص بعينها من شرعة حقوق الانسان. وفي ما يتعدى المسألة الحقوقية هذه، ثمة واقع أصبح واضحاً، هو أن الصيغة الطائفية، كما سبق أن قلنا، أمست معطلة، عاجزة عن ادارة البلاد والمجتمع، بل تهددهما بتجدد الخراب، عبر هذه الأزمات المتوالية التي نعيش، والتي تفرض على البشر أن يعيشوا يومهم وغدهم تحت وطأة هذا التهديد.
• تركز الدراسات السياسية والاجتماعية غالباً على معضلة الطائفية السياسية في لبنان. لماذا يتم اقصاء الصراع الطبقي عن أزمات لبنان؟
– هذا التركيز ليس اختياراً ممن يمارسونه. انه وصف للانقسام السائد أو المتصدر في البلاد وتسمية له باسمه. المنطق الطبقي لا يفسر هذا الانقسام. الطبقات غير موجودة بما هي تشكيلات جامعة بل كل منها مجزأ طائفياً. أي دور يمكن أن نفترضه لطبقة عاملة مثلاً أو لطبقة وسطى نطلق على كل منهما اسماً موحداً، فيما كل منهما مجزأ الى أجنحة طائفية متخاصمة، مستعدة للتقاتل أحياناً ولا يجمع بينها وعيٌ مشترك. وحتى في كل من الطوائف، يبدو التناقض الطبقي ملجوماً بالمواجهة مع قوى لطوائف أخرى. وهذه مواجهة تتصل بها، غالباً، مصالح جامعة لصفوف الطائفة، على اختلاف المواقع الطبقية. المسألة هنا ليست مسألة وعي زائف كما قد يُقال، فالانتماء الطائفي تحميه مصالح ضخمة لمن يعتمدونه أساساً لممارستهم السياسية والاجتماعية. والطائفية ليست مجرد عنوان أيديولوجي، انها هيكل معقد من المصالح الاقتصادية والسياسية والبنى الرمزية. لذا لا يمكن القول ان ثمة طبقة عاملة لبنانية، مثلاً، مجزأة عبثاً أو بخلاف مصالحها. انها مجزأة لدواعٍ واضحة جداً وافتراض وحدتها هو ما يحتاج الى تفسير. بعد هذا، تجب الاشارة الى أن حال المنطق الطبقي عندنا لم تكن دائماً على هذه الدرجة من السوء. يكفي النظر مثلاً الى ما كانت عليه حال المنظّمات النقابية في الستينات وما آلت إليه اليوم. هذه موازين تعلو وتهبط. والميزان الطائفي نفسه ليس غير واحد منها. ولا مسوّغا لنفترض له خلوداً سياسياً.
• هل الطبقة الوسطى كمعطى أساسي لأي تحول ايجابي فقدت دورها في لبنان، ولماذا تتبنى فئاتها الايديولوجية الطائفية؟
– قوة الطبقة الوسطى في المجتمعات الرأسمالية تفترض أنها في ذاتها عامل استقرار، وتعتبر هذه الطبقة محلاً لانتاج الأفكار والقيم السائدة وأساليب الحياة وقواعد ادارة المجتمع. هذا كله كانت له بوادر قوية في لبنان قبل الحرب الأهلية، وكان ضمانه أن المؤسسات السياسية لم تكن تُدخل في برامجها مضامين دينية، وأن طائفية الدولة نفسها، باستثناء مجال الأحوال الشخصية، كانت طائفية «سياسية» ولم تكن دينية. فكان هذا يفتح أمام الجماعات العصبية أفقاً مشتركاً، مبدئياً على الأقل. منذ الحرب، بدأت الأمور تختلف. اشتد الاستقطاب والتوتر ودخلت القيم الدينية في التعبئة السياسية. مع ذلك لم يصل الأمر الى حدّ مطالبة الدولة بأنظمة عامة ذات مضامين دينية. اليوم، ازداد حضور القيم الدينية في مسلك التنظيمات السياسية، وأسس تنظيمها، ونمط التعبئة المعتمد لديها، ما يُنذر بفصل نفسي وثقافي أكثر حدة من ذي قبل بين المناطق أو بين الجماعات، ما يجعل الدور الموحد للطبقة الوسطى، أي الوحدة «الثقافية» للمجتمع، أمراً آخذاً في التراجع ويكاد، من بعض الوجوه، أن يصبح نظرياً.
• ما تفسيرك للتوريث السياسي في النظام الجمهوري اللبناني؟
– التوريث في النظام اللبناني هو من مداخل القيم والتقاليد الأهلية الى النظام السياسي. التوريث توريث لقيادة جماعة: لزعامة عائلة أو منطقة أو قسم من مدينة، ويصبح تالياً توريثاً لمنصب محتمل في النظام السياسي، اذ يجعل المستفيد منه مرشحاً، بحسب طائفته، لوزارة ما، لرئاسة ما، أو للنيابة. اذاً تبدو الجمهورية هيكلاً حديثاً باسماء مؤسساتها وبالأصول المبدئية لعملها. ولكن هذه المؤسسات مسكونة في الواقع بأشباح الجماعات الأهلية، وهذه أشباح فاعلة وكثيرة الجلبة. والتوريث سبيل لدخول هذه الاشباح الى تلك المؤسسات.
• الحال المذهبية في لبنان تتصاعد في المرحلة الأخيرة بعدما اتخذ التنازع وجهاً طائفياً في السابق. هل المعضلة تكمن في عدم توافر ثقافة وطنية تجمع كل اللبنانيين؟
– لا يمكن تفسير هذا الأمر بالثقافة وحدها. الانتقال مثلاً من غلبة التنازع الاسلامي – المسيحي الى غلبة التنازع السُنّي – الشيعي، هو أثر واضح من آثار الدخول الايراني الى الحياة اللبنانية. وكان لبنان قد عرف أدواراً أقدم عهداً للدول السنية في المنطقة، وتمثلها اليوم السعودية على وجه الخصوص. لا شأن فعلياً للثقافة في هذا الأمر. ثمة أجهزة دعوية ضخمة، وتنازع على مواقع السلطة، ووراء ذلك أدوار اقليمية تتواجه. نحن نعاني هذا قبل أن نعاني خللاً في الثقافة. الخلل موجود في الثقافة طبعاً كما هي الحال دائماً، وقد أشرت الى ذلك قبل قليل. ولكن كان يمكن اصلاحه بلا عسر، على ما أظن، لولا أن هذه التجهيزات الضخمة ضامنة لبقائه.
• المجتمع اللبناني يمر بحال من العنف نلحظه في الشارع في شكل أوضح. ما تفسيرك لظاهرة العنف المجتمعي، وهل ثمة علاقة بينها وبين الأزمات السياسية؟
– العلاقة موجودة بالتأكيد. حين يشعر الناس بأن الحكومة في أزمة يتوقف كثيرون فوراً عن وضع حزام الأمان، مثلاً، ثم عن احترام قانون السير عموماً. وحدسهم لا يكذب في هذا الأمر، لأن الشرطة أيضاً تتوقف عن ملاحقة المخالفين حالما تظهر بوادر أزمة في الوضع الحكومي. الناس يشعرون بعدم الأمان من جهة، وبضعف الضوابط العامة من جهة أخرى، وهذان السببان يتكاملان لتوليد ما تسمونه العنف المجتمعي.
• تشهد بعض الدول العربية في الوقت الراهن حِراكاً سياسياً ضد الأنظمة التي نشأت تقريباً منذ حقبة الاستقلالات. هل يؤشر هذا المشهد الى تحولات جذرية مرتقبة؟
– ما يحصل في هذه الأيام ضخم وعظيم الأهمية، وهو يشير الى افلاس قد يصح أن ننعته بـ «الحضاري» للأنظمة السياسية العربية. وهذا افلاس لاتزال نتائجه تتراكم من عهد طويل في كل الأقطار العربية تقريباً. الاضطراب ينشأ هنا قبل أن ينشأ هناك، لأسباب مختلفة، ولكن الحال من بعضه وفقاً للعبارة المألوفة. ما يجري يحمل آمالاً عظيمة تمثلها التضحيات التي تقدم، والاتساع الذي تشهده حركات الاحتجاج المطالبة بالتغيير، وكذلك الصيغ الناضجة التي تصاغ بها المطالب والأهداف. ولكن الآمال في ذاتها لا تكفي ضماناً لانفتاح الآفاق أمامها، ولتمكينها من التجسد في وقائع جديدة. يحتاج ذلك الى صيغ خلاّقة في تنظيم الصفوف وفي قيادتها، فضلاً عن صوغ الأهداف العامة والمرحلية. ومع الحاجة الى الواقعية، يتعيّن الحؤول دون استيلاء القوى الحزبية الصلبة، الجانحة الى التخاذل، على مقاليد الحركة بحكم ما بيدها من وسائل ومن خبرات. هذا مع العلم بأنه لا يفترض الدخول في مسلسل استبعاد يضيّق قاعدة الحركة ويطعن في ديموقراطيتها. سيحتاج كل عهد جديد أيضاً الى امكانات مادية مهولة تزيد من أحجامها ان الديناصورات الحاكمة تخلف وراءها مشكلات خرافية الأحجام وبلداناً مُستنزفة.
• هل شكلت «ثورة 14 مارس» في لبنان نموذجاً لاسقاط الأنظمة الأمنية، وما الذي حققته هذه الثورة المليونية من انجازات؟
– الحركات الاجتماعية يتأثر بعضها بالبعض الاخر، وتبدو متشابهة من بعيد، ولكن النظرة القريبة تزيد الفوارق بينها ظهوراً، وتبيّن أن الحركة تتبع، على نحو ما، خريطة المجتمع الذي تنشأ منه. حركة 14 مارس 2005 في لبنان أعطت انطباعاً استمر مدة من الزمن، بتجاوز معين لدواعي الانقسام العمودي في المجتمع اللبناني، وذلك في اتجاه التوحد حول الأهداف التي طُرحت، وكان أهمها انهاء الوصاية السورية على البلاد، وكشف الحقيقة في ما يتصل باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. هذا الانطباع بحصول نوع من التغيير في أساس التعبير السياسي وصيغة الالتقاء عليه لم يلبث أن أخذ يتبدد، وقد تبدد اليوم تماماً بل انقلب الى عكسه. الخطوط الطائفية للخريطة بارزة اليوم بقوة لا مثيل لها على الضفتين. أما أن الجماعات لم تتجاوز زعاماتها وقواعد تشكّلها السياسي فعلاً فهذا أمر ظهر أيضاً في الانتخابات وفي غيرها من المعارك السياسية. بدا في وقت ما أن ثمة شيئاً اسمه «14 مارس» أو «ثورة الأرز»، وبدا هذا الشيء وهّاجاً الى حد نسي معه من تحدث باسمه أسماء قادته وحمولة كل منهم ونسي أيضاً وجود شيء آخر، مقارب لـ «14 مارس» في الحجم ومقابل له في الغاية هو «8 مارس». اليوم لا يزال قائماً امكان التقويم غير المتساوي ظرفيا أو مرحلياً للغايات والأهداف بين الطرفين. ولكن يبدو جلياً أن أساس الاستقطاب والاعتصاب هو نفسه في الحالين.
• لماذا تحتل الحركات الاسلامية اليوم جبهة المعارضة للأنظمة العربية، وهل هي قادرة على التأسيس لمشروع سياسي بصرف النظر عن أدبياتها؟
– لذلك أسبابه المعروفة. هناك أوّلاً ما لحق من هزائم بالحركة القومية وبالأنظمة التي نشأت منها، وما شهدته هذه الأنظمة فوق الهزائم من تردٍ وعجز عن قيادة النمو ومعالجة مشاكله الاجتماعية، وقد عرّجنا على ذلك. وهناك ظهور النموذج الايراني الذي استدرج على نحو ما سلوكاً مقابلاً في المجتمعات السنيّة. الحركات الاسلامية موجودة من زمن طويل. ولكنها كانت، في المجتمعات العربية الكبيرة، مكوّنات محدودة الفاعلية والمكانة، تملأ جانباً من المشهد الذي كانت تتصدره الحركات القومية التي تسلمت السلطة في بعض من أهمّ الدول العربية. اليوم، علينا أن نلاحظ أن الحركات الاسلامية، رغم كونها تتصدر المشهد المنظم في معارضة الأنظمة القائمة، تعيش حالاً من التراجع في الواقع. ولئن كنا لانزال نبحث عن أسماء لما يتجاوزها اليوم من أشكال تنظيم وتحرك جديدين، فانه يكفي النظر الى الحالين التونسية والمصرية لنرى أن جماعة «النهضة» الاسلامية في تونس، وجماعة «الاخوان المسلمين» في مصر، ليستا كل شيء ولا أهمّ شيء في هاتين الحالين. وهذه مفاجأة سارّة اذا تذكّرنا نوع الهواجس التي كانت تراود كلّ متأمل في آفاق التغيير قبل أشهر أو أسابيع. الحركتان المذكورتان لم تكونا من أطلق التحركات الشعبية أصلاً، وهو ما لا يمنع أن التنظيم بوسائله وموارده يمكن أن يعزز موقعهما في نهاية المطاف. فهما تواجهان قوى مجتمعية متنوعة، شبابية خصوصاً، ليس بيدها، حتى الآن، سوى أشكال تنظيم عرضية، غير مستقرة، ووسائل وموارد محدودة. هذا أمر يجب الانتباه اليه، ويستدعي يقظة ومثابرة وحسن تصرّف من القوى الجديدة. ولكنه لا يمنع القول ان المدّ الاسلامي آخذ في التراجع ببقية قواه بما فيها قوته الايرانية العظمى التي أظهرت حوادث العام 2009 كم هي مأزومة ومختلة الأركان. التراجع هذا لا يمكن أن يكون بلا صلة بالقطيعة الفجّة بين رؤى هذه القوى لمستقبل مجتمعاتها وخريطة المشكلات الحسية لتلك المجتمعات نفسها.
• في العام الماضي رحل عدد من المثقفين «النهضويين» أو «التنويريين» من بينهم نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري. في رأيك هل ستشهد الحياة الثقافية في العالم العربي فراغاً مرحلياً؟
– من ذكرتِهم لم يكونوا من متابعي الراهن. هؤلاء مثقفون «استراتيجيون»، كانوا يطرحون مسائل اخترقت تاريخنا الحديث كله. ولكن كلاً منهم كانت له، بطبيعة الحال، صيغته الخاصة به لما يعالجه من مسائل. رحيلهم أمر تفرضه سُنّة الحياة والموت ولا أعتقد أنه يمثل أزمة ما. هناك شيء اسمه أزمة «النجومية» أو أزمة الأسماء الكبيرة في جوانب الثقافة المختلفة، في الآداب والفنون والعلوم… هؤلاء كانوا نجوماً، الى هذا الحد أو ذاك، في بعض مجالات الفكر النقدي. وقد لا يخلفهم نجوم آخرون لأن النجومية كلها الى تراجع. ولكن لا أرى في الأمر مشكلة باستثناء أن النجم يساهم في توحيد النظرة الى مسألة من المسائل، بسبب انتشار كلامه من جهة الى جهة في أجزاء من العالم يُعرف اسمه فيها. سيكون على عمل التوحيد أن يجد سبلاً غير النجومية، وهو سيجدها على الأرجح.
• أسئلة التراث مازالت محور اهتمام بعض الكتّاب العرب. لماذا تحتل اشكاليات التراث هذا الحيز في الأدبيات العربية؟
– هذا من عواقب غلبة الثقافة الدينية، ولم تكن الثقافة القومية بريئة منه أيضاً، فاذا شئنا أن نجد تشخيصاً جامعاً لأسباب هذه الغلبة، فالأرجح أن طغيان مسألة الهوية واستواءها محوراً للفكر والشعور في مجتمعاتنا هما السبب. أما لماذا نبقى مهجوسين بالهوية الى هذا الحد، فهذه مسألة يطول بحثها، وخلاصتها أن هذا هو مكمن جرحنا التاريخي.
• بعد «الصراع على تاريخ لبنان» و«الجمهورية المتقطعة» و«بنت جبيل ميشيغان» و«مغامرات المغايرة» ما الكتاب الذي تعدّ له؟
– آمل أن ارسل هذا الأسبوع الى المطبعة كتابي «رياض الصلح في زمانه» وهو سيرة سياسية لهذه الشخصية ويجب ان يصدر في مارس. بعد ذلك، أنوي اصدار صيغة معدّلة ومزيدة لكتاب أصدرته باللغة الفرنسية قبل عامين، يتناول أزمة النظام اللبناني المتمادية في أعوامها الأخيرة. ثمة أيضاً مقالات في الثقافة واللغة أنوي جمعها في كتاب آخر. فوق ذلك، قد أعود الى السينما هذا العام: كنت قد وضعت سيناريو، قبل ثلاثين عاماً، لفيلم سينمائي أخرجه برهان علوية اسمه «بيروت اللقاء». بين يديّ الآن عرض لمعاودة الكرّة أدرسه.

كلمن | رياض الصلح: أنشأنا الدولة؟ أنشأنا الوطن؟

source: كلمن | رياض الصلح: أنشأنا الدولة؟ أنشأنا الوطن؟

رياض الصلح: أنشأنا الدولة؟ أنشأنا الوطن؟[1]

أحمد بيضون

 

 قُتِل رياض الصلح وهو في السابعة والخمسين من سنيه. وفي السنوات الأخيرة من حياته، كان يحصل منه أن يذكّر صغار السنّ من زملائه النوّاب بـ “سنـّ”ـه و “تجاربـ”ـه وقَصْدُه أن يَحْملهم على الرويّة. كان تبكيرُه إلى النضال السياسيّ وتَرْكه هذا النضال (المسمّى “جهاداً” في تلك الأيّام) يشغل حياته بلا حدّ يبيحان له أن يتكلّم وكأنّما هو في السبعين أو في الثمانين. هي أربعون سنةً عَبَرت من دارسِ الحقوق في مكتب استانبول السلطانيّ إلى رئيسِ حكومة لبنان المقتول في عمّان بعد أشهرٍ من مغادرته كرسيّ الحُكْم. وهو قد جرّب فيها كثيراً. جرّب الاعتقال والحُكْم بالإعدام وجرّب النفي إلى موضعٍ بعينه ثمّ إلى آفاقٍ عريضة ومُدُنٍ كثيرة يتقلّب بينها. جرّب الجلوسَ مع عظماء العالم ومجاذبتَهم وجرّب الجلوس مع قبضايات بيروت وصيدا ومباسطتهم. وكان صحافيّا وهو سياسيّ وأمضى ساعاتٍ لا تُحصى في مكاتبِ صحفٍ كثيرة يقرأ ويسمع ويتحدّث. وكانت بطانته المقرّبة، في معظمها، من الصحافيّين. ولم يتيسّر لأحدٍ غيره من ساسةِ لبنان ما تيسّر له من ولاء الصحافة في عاصمتها اللبنانيّة وفي عواصمها العربيّة وفي ما هو أبعد من ذلك أحياناً. وكان سياسيّاً وهو محامٍ، وفي السنوات القليلة التي اتّخذ لنفسه فيها مكتباً للمحاماة لم يكد يزاول في ذلك المكتب غَيْرَ السياسة. وهو كان مقصوداً لم يحتجب عن الناس في أيّام حُكْمِه ولا في غيرها. وحين كان – وهو الكتوم الحذر – يريد الخلوة والمسارّة، قبل أيّام الحكم، كان يتّخذ لنفسه مجلساً في حجرةٍ خلفيّة  ملحقة بمحلٍّ تجاريّ لأحد أصحابه يوسف الصدّي، أَطْلَق عليها اسم “العلّية الصهيونيّة” تيمّناً بتلك التي التقى فيها المسيح تلامذته في القدس قبل صلبه بليلة.

 

هذا الزعيم في الجهاد – جهاد أيّامه  الذي كان النصارى لا يتردّدون في الانتساب إليه – أو هذا المجاهد في الزعامة كان يُقْبِل على الناس بطلعةٍ متّسقةِ الملامح فيها بهاءٌ وبعينين في نظرتهما بريقٌ نفّاذ وبابتسامةِ ترحابٍ واستبشارٍ نراها لا تُفارق شفتيه في المئات من الصور وبشَعْرٍ أبقى منه الصلع على الفَوْدين وعلى القَذال خُصَلاً تظهر من تحت الطربوش عصيّة على المشط وبطربوشٍ يترجّح زرّه فوق الجهة اليمنى من الوجه الممتلئ وبقامةٍ رَبْعةٍ نَحَت نَحْوَ الامتلاء أيضاً مع تقدّم صاحبها في العمر، وبحركةٍ نَشِطة… وبسُبْحةٍ، في الجلسات أحياناً، وبسيجارةٍ دائماً. وهو كان ولوعاً بالنكتة ضحوكاً لها وحاضرَ البديهة للهزل وللجدّ وراويةً للمأثور ولأشعارِ شعراء كبار، على الأخصّ، من بينهم امرؤ القيس والمتنبّي وأحمد شوقي الذي جالسه مرّات. وقد كان هذا كلّه يُضْفي على مجالسه أُنْساً لا يَثْلم المهابة. فالرجل مشهودٌ له بالاقتدار في السياسة وبسعة الميدان والأثر. وهو مُحْكَم الردّ، بارعٌ في الجدال والمجاذبة حتّى طارَ صيته في القدرة على الإقناع وعلى الوصول في التفاوض إن لم يكن إلى المنشود فإلى أحسن الممكن. وفي المواقف العامّة كان يُسْعفه، في الخطابة، صوتٌ جهير وطلاوةٌ في العبارة وبُعدٌ عن الإطناب ومَيْلٌ إلى السهل المأخذ من الأفكار مِن غَيْر ابتذال.

 

ورث رياض الصلح ثروة عقاريّة عريضة، موزّعة بين بيروت وطرابلس وصيدا وجبل عامل (وقيل: اللاذقيّة أيضاً)، عن والده ثمّ عن عمّته. فكان أن بدّد معظمها في المنافي والأسفار وفي العراك السياسيّ والدعاوة السياسيّة وفي بَسْط اليد للصديق في وقت الضيق. وأمّا الباقي (وهو في جبل عامل ولم يكن قليلاً) فبقي في قيد الرهن من سنة 1921 إلى سنة 1942. وقد لبث الصلح مُدْقِعاً لسنين، في عقد الثلاثينات ومطلع الأربعينات، وقد أصبح الدَينُ أليفَه. ومن هذا القبيل أنّه كان قد أخرج، في أوائل الثلاثينات، من مسكنه البيروتيّ الأوّل في حيّ الناصرة لعجزه عن دفع الإجارة. فتلقّاه صديق له زحليّ من آل مسلّم وأسكنه، بشروط ميسّرة، في شقّة من مبنى له واقع في شارع عمر بن الخطّاب، حيّ رأس النبع، وهي الشقّة التي بقي فيها مذ ذاك إلى حين وفاته. لم يتبدّل أثاث هذه الشقّة في حياة صاحبها أيضاً وقضى الرجل وهو مثقل بديون باهظة نشرت لائحة بها، بعد مقتله، كانت في عهدة مفتي الجمهوريّة. وقد بنى الملك عبد العزيز آل سعود على اسمه بيتاً كان يريد هو أن يبني أقلّ منه في موضعه اليوم ولم يتمكّن من ذلك. كانت تلك الدائرة الممتدّة بين أطراف المطار الصائر إلى الإلغاء في بئر حسن والجادّة المفضية إلى المطار الجديد قد أخذت تصبح مقصداً لسياسيّين عدّة راحوا ينقلون إليها سكنهم من رأس النبع والمزرعة والبسطة الفوقا، وهذه كانت، في ما مضى، أطرافاً لبيروت فأَدْرَجَتْها المدينة في نسيجها الأهلي. وكان رياض الصلح أحدَ هؤلاء النازحين أو المقبلين على النزوح. هذا الرجل كان يستدين ليعطي، أحياناً، وكان حديثُ الفساد يطبّق الآفاق في أيّام حكمه ولكن ندر أن جرُؤ أحد على تناوله هو نفسه بكلمة من هذا القبيل. وحين حصل ذلك فملّكه البعض (ومنهم أنطون سعادة) شوارع في مدينة مصريّة ما، تاه عن هذه الشوارع، في نهاية المطاف، جميعُ من بحثوا عنها. ولم تُخْفِ ابنتاه علياء ولمياء، في مقالةٍ كتبتاها قبيل مقتله، أن الفضل في توازن الموازنة البيتيّة إنّما  يعود إلى والدتهما لا إلى والدهما.

 

 

***

 

ولحسن حظّ السياسيّ فيه، لم يكن رياض الصلح قدّيساً. كان مناوراً فذّاً، ألوفاً للمقارعة في السياسة، مقبلاً عليها: يصمد لخصومه ويداورهم ويدبّر لهم المكائد السياسيّة ويتقن الردّ على مكائدهم… حتّى ذاعت شهرة بين السياسيّين لما أخذ يسمّى “حِيَل رياض الصلح” أو “ألاعيبه”. ولسنا نجد ما هو أحسن بياناً لعلاقة رياض الصلح بالعمل السياسيّ من شهادة يوسف سالم فيه: هو “ذو ومضاتِ فِكْرٍ عجيبة، يرى أنّ لكلّ مأزقٍ مخرجاً ولكلّ معضلةٍ حلاً”. وفي غمرة عمله، كان رياض الصلح يُغْضي عن أمورٍ تستحقّ الشجب كثيرة، مؤثراً – على ما يدلّ بعضُ كلامه – لزومَ جانب الحرص على ما يراه الأهمّ. وكان يذهب إلى الدفاع، أحياناً، عمّا لا يُدافَع عنه، متحمّلاً المسؤوليّة علناً، بوصفه حاكماً، عن كلّ قرارٍ تتّخذه الهيئة الحاكمة وإن لم يكن ميّالاً إليه أو موافقاً عليه. وهو لم يتورّع عن قمع الحركات العادية على القانون أو المخلّة بالأمن والنظام العموميّين أو المستظلّة، أحياناً، حقوقاً تريدها في غير أوانها أو تَسْتر بها، في أحيانٍ أخرى، طلبها لما هو مُجافٍ لحقوق البلاد. ولكنْ أُخِذ عليه – عن حقّ، من وجهة نظر القانون –  أنّه   ميّز في ذلك بين حالةٍ وأختها مجتنباً، على الأخصّ، أن يثير في وجه الحكم تمرّداً أو شَغَباً طائفيّاً كان يراه، هو وغيره من أهل الحُكْم، أشدّ خطراً من أيّ تمرّدٍ أو شَغَبٍ آخر. لذا لَزِم جانبَ المُداراة، في هذا النوع من الحالات، مقدّراً الضغوط المتضافرة عليه وعلى غيره من أهل الحكم أو مجتنباً توسيعَ الخِرْق.

 

وعلى التعميم، حَكَم رياض الصلح في مرحلةٍ كانت البلاد فيها مكتنفةً بأخطارٍ استثنائيّة تأتّت معاً أو تباعاً من المواجهة المديدة لانتدابِ فرنسا ثمّ لمطامحها المستمرّة ومن الحرب في فلسطين ومن ذيولها ومن اضطرابِ الموازين في سوريا وما استثاره من رياح حارّة هبّت على لبنان ومن الحراجة المتنامية للأزمات الدوليّة بعد الحرب العالميّة ومن العِبارات المتكوّنة في داخل البلاد عن هذا كلّه. وهو قد اعتبر هذه القافلةَ من المخاطر مُسوّغاً لاعتماد الشدّة أحياناً، مُقدّماً داعي الوفاق الأساسيّ في البلاد على كلّ داعٍ آخر، معتبراً هذا الوفاق درعاً للبلاد في مواجهة الأخطار المقبلة عليها أو المُحْدِقة بها من الخارج. وقد أَخَذ بشاره الخوري على رياض الصلح، ذاتَ مرّة، في مطلع عهدهما بالحكم، أنّه لم يكن يُوْلي درسَ الملفّات المعروضة عليه ما يستأهله من وقت. وليس في يدنا ما يطعن في هذه الشهادة. ولكنّ رياض الصلح لم يكن لِيَهْدأ أو يُخْلِد إلى النوم إذا غادر ملفّاته. ولم يُخْفِ سعدي المنلا، أحد أخلافه وأسلافه في رئاسة الحكومة، عَجَبه من سعة المروحة التي كان ينتشر عليها نشاطه: “لا أستطيع أن أتصوّر رياض بك الصلح كيف يعمل وكيف يعيش وكيف يوزّع أوقاته؟ إنّ هذا عجيب حقّاً!”

 

وقد غضّ رياض الصلح الطرف أيضاً عن كثير من الفساد عاينه من حوله مقدّماً على التصدّي له داعي المحافظة على تماسك الصفّ الحاكم. وقد اشتُهِرت له، في هذا المضمار، قولةٌ (ذكرناها، وفيها نظرٌ كثير) مفادها أن إلهاءَ الفاسدين “بالاستثمار” خيرٌ من لجوئهم إلى حضن “الاستعمار”! وقارَع رياض الصلح الطائفيّة بمسلكٍ في نسج العلاقات الشخصيّة وفي طريقة العيش وفي العمل السياسيّ واضحِ النفور منها، إلاّ في لحظاتِ حَرَجٍ شديد. وهو قاوَمَها، على الأعمّ، بتعزيز عوامل الوحدة بين الطوائف وتقبّل التسوية بينها وممارسةِ الحُكْم في نطاق هذه التسوية، وذلك في مجتمعٍ وَرِث تركةً ثقيلة من التنافر بين الخيارات السياسيّة الكبرى لطوائفه ووَرِث أيضاً تركة من التباين في العمران وفي النموّ وفي الدور التاريخيّ المعترف به والمكانة السياسيّة المترتبة عنه بين مناطقَ فيه موسومةٍ، بدَوْرِها، بمياسمَ طائفيّة متقابلة. ولكنّ رياض الصلح لَبِث، مع ذلك، يتحيّن فرصة سياسيّة لفتح ثغرةٍ في جدار القاعدة الطائفيّة المهيمنة على النظام السياسيّ   والمترجِمة ترجمةً شبه حرفية (وركيكةً بالتالي) لتكوين المجتمع ولموازينه ولميراثه من تاريخه. فلم تكن لتَفوت الصلح واقعةُ التمييز المُجْحِف في الحظوظ بين البشر بفعل القاعدة الطائفيّة ولا واقعة الفساد المقترنة اقتراناً لا ينفصم بهذه القاعدة ولا انتشار المجاري المفتوحة للَعِب قوى الخارج بمقدّرات البلاد من خلال التنافس بين القوى السياسيّة للطوائف ولا الخطر الرازح دائماً على الانتظام العامّ للحياة الوطنيّة وعلى مصير البلاد نفسه من جرّاء ذلك كلّه. وكان رياض الصلح يعني ما قاله في الطائفيّة وإلغائها في بيان حكومته الأولى. ولكنّه كان مدركاً أنّ الغاية من ذلك لا تُدْرك إلا بالسياسة، فيحتاج ولوج السبيل نحو “إلغاء الطائفيّة” إلى ائتلافٍ رَحْب للقوى السياسيّة في البلاد يغطّيه ويحميه. ولأنّ الصلح كان يعني ما قاله، استَثْمَر ما سَنَح، في أيّام حكمه، من لحظات التماسك السياسيّ في البلاد ليُعيدَ التنويه بهذه الغاية أو ليباشرَ السعي في هذا السبيل وعينُه على ما يستثيره السعيُ من مواقف وما يلوح له من عواقب. غير أنّه اضطرّ إلى الإحجام تكراراً معتبراً بما كان يعاين ويعاني.

 

وكان رياض الصلح معروفاً بمحافظته على علاقاتِ مودّة بخصومٍ له، فيما يتعدّى الخصومة السياسيّة، على نحو أثار العجبَ أحياناً. ومن أمثلةِ ذلك أنّه في مدى عقدين كان فيهما يشنّ حَمَلاته على الانتداب وأعوانه ثمّ يتولّى الحكم شريكاً لبشارة الخوري والدستوريّين، بقيَت حبالُ الودّ موصولة بينه وبين أركان الكتلة الوطنيّة في السياسة وفي الصحافة، بمن فيهم إميل إدّه مؤسّس الكتلة وأسعد عقل صاحب البيرق. فحَمى الأوّلَ، في أحْرَج لحظةٍ سياسيّة جازَ فيها، من تهمة الخيانة. وكان هو – أي الصلح –  خارجاً لتوّه من معركة طاحنة خاضها في وجهِ سلطةٍ منتدبة وجدت في إدّه نصيرها الأوّل. وكانت البيرق وبقيَت بين أكثر الصحف رعايةً لجانب رياض الصلح وعنايةً بأخباره وأسفاً عليه عند رحيله. هذا مثالٌ من أمثلة. وفي امتداد هذا السلوك، كان يقع إقدامُ رياض الصلح السياسيّ، وهو الخصلة التي أباحت له أوّلاً أن يتجاوز كلّ تمسّكٍ مكبّل بطهارة الذيل السياسيّ وكلّ لومٍ محتمل من أدعياء الطهارة الوطنيّة حين يُقْدم على استدراجِ خصمٍ إلى حلفٍ ظرفيّ أثناءَ خوضه مواجهةً حاسمة مع خصمٍ آخر. أباحت له هذه الخصلة نفسها ثانياً أن ينحاز انحيازاً واضحاً تماماً إلى كتلة في المجال العربيّ ويبقى، مع ذلك، وسيطاً محتملاً بينها وبين الكتلة المواجهة. ظهر النوع الأوّل من هذا الإقدام – مثلاً – في محاولتين، على الأقلّ، قام بهما رياض الصلح، في العشرينات وفي الثلاثينات، لاستدراج القيادة الصهيونيّة إلى الصفّ السوريّ في مواجهة السلطة المنتدبة. وظهر النوع الثاني من الإقدام (أو من البراعة السياسيّة) – مثلاً أيضاً – في مزاوجةِ الصلح بين موقفٍ قاطع اتّخذه وموقعٍ مَرِن بقي يحتلّه في الصراع بين الكتلتين الهاشميّة والمصريّة – السعوديّة أثناءَ حرب فلسطين وفي غدواتها. إلخ.، إلخ.

 

 

***

 

وقد كان عهدُ بشاره الخوري ورياض الصلح عهدَ بناءٍ لمؤسّسات دولةٍ طازجة الاستقلال وعهدَ عمران كبير قامت بعبئه الدولة وكان، بمعنى من المعاني، عمراناً للدولة نفسها. هذان البناء والعمران ذهبت بصورهما من الذاكرة العامّة ما شهده ذلك العهد من جولات الصراع السياسيّ، وأُولاها معركة الاستقلال التي طغى عليه اسمها فأخذت تبدو، مع ما اتّصل بها من أطوار، وكأنها كلّ ما فيه. طغت على صورة هذا العهد أيضاً ظواهرُ استَعْجَلت نهايته في سنة 1952: من فسادٍ ومحاباةٍ وتخريقٍ لسلطة القانون بسلطان العائلات السياسيّة. وقد سلكت “ثورة” 1952 “البيضاء” مسلك الانقلاب العسكريّ في أمرٍ واحد على الأقلّ: وهو طَمْسُها ما أنجزه العهد السابق من بناءٍ لهيكل الدولة وتجديدٍ لهيكلة المجتمع وزَعْمُها القصير العمر أنّها حبلى بالخير، في هذا المضمار، تلده بعدما كان عدماً فيعمّ منها فصاعداً. على أنّ ما أنجزه عهدُ الاستقلال الأوّل، في مضماري العمران وبناء الدولة، حفظه أو حفظ بعضه ممّا كان قد أنجز أو كان في قيد الإنجاز، فضلاً عن أخبار الصحف والأوراق المتفرّقة، كتابٌ حسن التبويب، مُحْكَم السبك، صدّره رئيس الجمهوريّة بكلمةٍ ونُشِر مع انعقاد المؤتمر الثقافيّ العربيّ الأوّل في بيت مري في أيلول 1947 وذلك تحت عنوان لبنان في عهد الاستقلال. حفظ هذه المنجزات أيضاً كتاب آخر، تحليليّ ونقديّ، هو المصنّف الضخم الذي تركه لنا – بالفرنسيّة –  جبرائيل منسّى رئيس الجمعيّة اللبنانيّة للاقتصاد السياسيّ ومعه نائبه جوزف نجّار وجماعة من المختصّين. فهذا الكتاب، وعنوانه خطّة لتجديد بناء الاقتصاد اللبنانيّ وإصلاح الدولة، أرسى الخطّة المشار إليها على جردة موسوعيّة للمعطيات المتّصلة بالمجتمع والدولة اللبنانيّين من الاستقلال (بل من قبل الاستقلال بكثير، كلّما لزم الأمر) إلى تاريخ صدوره في سنة 1948، وقد كان هذا الصدور حدثاً رعاه أركان الدولة، وفي طليعتهم بشاره الخوري ورياض الصلح، على رغم المنحى النقديّ، الصارم أحياناً، الذي أراده المؤلّفون لكتابهم.

 

وما نستفيده من هذين الكتابين ومن مصادر أخرى تستكمل ما فيهما أو تصحّحه أو تغطّي السنوات اللاحقة لصدورهما من عهد بشاره الخوري ورياض الصلح، لجهتي العمران وإنشاء مقوّمات الدولة المستقلّة، كثير وكبير ومتعدّد الوجوه إلى حدّ يلزمنا ها هنا بالاقتصار منه على بعض من أهمّ عناوينه…

 

فإلى رياض الصلح وسليم تقلا، وزير الخارجيّة في حكومة الاستقلال الأولى، يعود الفضل في إنشاء وزارة الخارجيّة والسلك الخارجيّ، وكان حميد فرنجيّة قد وضع لَبِناتِهما الأولى في عشايا معركة الاستقلال. وإلى حكومات رياض الصلح وإلى قائد الجيش فؤاد شهاب القريب جدّاً إليه، يعود الفضل في تحويل “الفِرَق الخاصّة” الموروثة من الانتداب إلى جيشٍ لبنانيّ، بقي صغيراً وضعيف التجهيز ولكنّه أصبح محترفاً وحَسَن التنظيم وذا حصانةٍ مرموقة على آفة التسييس. وقد استُكمل في عهود رياض الصلح تنظيمُ السلطة القضائيّة وجهازها بعد أن أُلْغِيت المحاكم المختلطة واستقرّت للقضاء صفة السلطة الثالثة في الدولة المستقلّة ولكن بقيت عالقة مسألة حماية هذه الصفة من العبث السياسيّ. وفي عهد بشاره الخوري ورياض الصلح، استقلّ النقد الوطنيّ وجُدّد النظام الضريبيّ وجُرّد من بعضِ ما كان لا يزال يداخله من مخلّفات  ووُضعت أصولٌ جديدة لتنظيم ماليّة الدولة وأنشئ ديوان المحاسبة، إلخ.، إلخ. وفي هذا العهد أقرّ قانون العمل (سنة 1946، في ظلّ حكومة سعدي المنلا)، وكان استجابة لنضال نقابي متمادٍ، وأنشئت، في وزارة الاقتصاد الوطنيّ، مصلحة للشؤون الاجتماعيّة كانت نواة الوزارة التي حملت الاسم نفسه لاحقاً.

 

ولا ريب أنّ ذلك كلّه اعتوَرَتْه عيوبٌ تأتّى بعضها من هشاشة التقاليد وضآلة الإمكانات وضعف الكفاءات أو ندرتها وتأتّى أهمّها من تدخّل الساسة وغيرهم من ذوي النفوذ الطائفيّ في ما ليس من شأنهم. ولم يكن رياض الصلح صارماً في مقاومة هذه العلل وكان يغلّب اعتبارات السياسة وموازينها أو كانت هي تَغْلِبه. غير أنّ قوّة حضوره في الحكم وبُعْدَه عن الانتفاع الشخصيّ كان فيهما بعض الوقاية من إلقاء الحبل على الغارب فلم تَخْلُ سيرته في الحكم من مواجهاتٍ شديدة مع مستثمري مواقع النفوذ. وفي كلّ حالٍ، أُرْسِيَت، في تلك الأيّام، قواعدُ لبناء الدولة ومؤسّساتها، وأصبح التوطيد والإصلاح والاستتمام على همّة اللاحقين.

 

وفي مضمار العمران، يؤْثَر لبشارة الخوري ورياض الصلح بناءُ مئاتٍ من المدارس الرسميّة في المدن والقرى وإنشاء التعليم الثانويّ الرسميّ وتعزيز دار المعلّمين وتأسيس الجامعة اللبنانيّة. فإن كتاب جبرائيل منسّى المشار إليه، وهو الأحدث عهداً بين ما تحت يدينا من مصادر بشأن تطوّر التعليم الرسميّ في تلك المرحلة، يوضح أن عدد المدارس الرسمية كان 248 مدرسة في سنة 1942 – 1943 وأصبح 623 مدرسة في سنة 1946 – 1947 وأن عدد المعلمين فيها كان 402 في التاريخ الأوّل فأصبح 1502 في التاريخ الأخير وأن النيّة منعقدة على رفعه إلى 1802 في سنة 1948. وأمّا عدد التلامذة في هذه المدارس فكان 22844 في التاريخ الأوّل وأصبح 52422 في التاريخ الثاني. ويشير الكتاب نفسه إلى إلحاق صفوف تكميليّة بـ 11 مدرسة وإلى إنشاء ثلاث مدارس مهنيّة وإلى رصد اعتماد لإنشاء أولى المدارس الثانويّة الرسمية في البلاد، ويوضح أن موازنة وزارة التربية في تصاعد مضطرد وأن الملحوظ لها في موازنة 1948 يبلغ 7.25 ملايين ليرة لبنانيّة فيما لم تتجاوز هذه الموازنة في العام السابق 4.80 ملايين. هذه المدارس المستحدثة (والراجح عندنا أن عددها تجاوز ستّمائة في سنة 1952) كان معظمها صغيراً وكان يجري إيواؤها، أوّل الأمر، باستئجار غرف لها حيثما أمكن، وذلك في أكثر الحالات. ولكنّها جاءت لتفتح جدار المستقبل أمام عشرات الألوف من الأسر المحرومة من التعليم والتائقة إليه باباً للانتقال من حالٍ إلى حال. إلى ذلك صدرت في مطلع العام 1946 (أي في ظلّ حكومة سامي الصلح) مناهج التعليم الموحّدة الجديدة وكانت تستلهم، في توجّهها، ما رسمه بيان حكومة الاستقلال الأولى من خطّة للتربية الوطنيّة تحفظ “الخيّر النافع” من ميراث العهد الانتدابيّ ولكنّها تسلك بالتعليم كلّه، لغة ومضموناً، مسلكاً كان يعدّ جديداً، في تلك الأيّام، وكان موافقاً للروحيّة التي حملت البلاد، موحّدة، إلى الاستقلال.

 

وكان القرار بإنشاء الجامعة اللبنانيّة قد اتّخذ في خضمّ إضرابٍ للطلّاب والمحامين شهدَتْه الأسابيع الأخيرة لرياض الصلح في الحكم. وفي مجلس النوّاب، قال رياض الصلح، وهو يودّع الحكم ويطلب الموافقة على إنشاء الجامعة: “إن الساعة التي أقف فيها (…) وأطلب من رفاقي الموافقة على إنشاء الجامعة هي من ألذّ الساعات في الحياة البرلمانية. لقد طُلب إلينا أن ننشئ الجامعة بلسان الشباب المتحمّس وقد وعدناهم بإنشائها. فعمّا قريب ستنشأ الجامعة وستجمع بين أبناء البلاد جميعاً. فهي ليست مدرسة للتعليم فقط (…) نحن نريدها جامعة وطنيّة فقط، فلبّوا رغبة الشباب.”

 

وقد غيّرت الصورة الجديدة للتعليم الرسميّ، في عقدين تاليين أو ثلاثة، صورة المجتمع كلّه بتغيير خريطة النُخَب فيه من حيث انتشارها على المناطق والطوائف وتوزّعها بين المدن والأرياف وتوزّع كفاءاتها بين مجالات العمل، إلخ. وما من ريبٍ في أنّ هذا التغيير اعتَوَرَتْه عيوبٌ خطيرة وفاتته المواكبة السياسيّة المناسِبة فأسهم ذلك في إفضاء البلاد إلى أزماتٍ لاحقة معلومةِ السمات والأسباب. ولكن لا يَجوزُ الطعنُ، من هذا الباب، في وجاهة الحاجات التي لبّتها تنمية التعليم الرسميّ تلك ولا في تكوينه قاعدةً أوّليّة للولاء للدولة وللشعور بها مَرْجِعاً لحياة الجماعة الوطنيّة وللشعور أيضاً بوجودٍ حسيّ ما لهذه الجماعة نفسها. تلك منجزاتٌ لم يُكْتَب لها النموّ السويّ، في العهود اللاحقة، ولا هي صَمَدت لأعاصير السياسة في البلاد وحولها. ولكنّ الإقلاعَ بها، في غَدَوات الاستقلال، كان استجابةً لحاجةٍ ولحُلُمٍ منتشر.

 

وفي أواخر عهد رياض الصلح بالحكم أيضاً، أقرّ أوّل اعتماد لإنشاء المدينة الرياضية في بيروت. وكان قد أنشئ، في العهد نفسه، أيضاً، قصر الأونسكو وتوابعه ليستقبل مؤتمر المنظّمة الثالث في خريف 1948. وقد سهر حميد فرنجيّة، وزير الخارجيّة في حكومة رياض الصلح، على إنجاز أعمال الإنشاء والتجهيز في هذا الصرح وعلى نجاح المؤتمر نفسه، بسرعة وفاعليّة مشهودتين. ومن الاستجابات التي شَهِدها عهدُ بشاره الخوري ورياض الصلح استحداث عديدٍ من الدُور الحكوميّة، بعد أن تأسّست وزارات وإدارات جديدة أو نمت القديمة فأنشئت لها أو استؤجرت مقارّ وقصور عدل ومحاكم وأبنيةٌ إداريّة أو فنّيّة ومستشفياتٌ حكوميّة وزّعت بين قواعد المحافظات ودورٌ للبلديات ومخافر… وسجونٌ أيضاً، على ما أشار إليه رياض الصلح نفسه.

 

وكان عهدُ بشاره الخوري – رياض الصلح أيضاً عهدَ إعادة النظر في التنظيم المدنيّ للعاصمة: من مشروع أيغلي إلى مشروع أيكوشار. وهي إعادةُ نظرٍ لبثت مرجعاً لجهودٍ تالية وشَهِدت، هي أيضاً، نكساتٍ لاحقة وتعثّراً أو خَبْطاً في التطبيق. وفي العهد نفسه، نَمَت شبكةُ الطرق بين المناطق اللبنانيّة نموّاً كبيراً وجدّدت مداخل المدن، وأولاها العاصمة، ووُسّعت، ووصل التيّارُ الكهربائيّ ومياه الشرب إلى مناطق كانت مفتقرةً إليهما ولكنّ الشَوْطَ إلى إزالة الحرمان بقي طويلاً… وأنشئت شبكة الهاتف الآليّ في بيروت وأقيم مبنى البريد المركزيّ الضخم على الشارع الذي حَمَل لاحقاً اسم رياض الصلح.

 

ومن المآثر العمرانية الكبرى لذلك العهد إنشاءُ مطار بيروت الدوليّ الجديد في خَلْدة ليحلّ، بعد حينٍ، محلّ مطار العاصمة القديم في بئر حسن، وكان قد أصبح ضيّقاً على الحاجات وملتصقاً بالمدينة. وقد استوت الطرُق التي أنشئت لخدمة المطار وربطه بالمدينة بدءاً بالشارع الذي شُقّ على اسم بشاره الخوري ثمّ بالجادّات التي بدأ شقّها في غابة الصنوبر، محاورَ جديدةً لنموّ المدينة. واستوت الجادّة المفضية إلى مدخل المطار مباشرة متنفّساً جديداً ظاهرَ الأناقة والخُضْرة للمدينة ومتنزّهاً لأهلها في رُبْع القرن التالي. وكان القانون الصادر في أوّل أيّار 1950 قد أرسى قواعد للبناء على جانبيها حفظت لها هذا الطابع إلى حين اندلاع الحرب في سنة 1975. وقد لَبِث المطار، في هذه المدّة نفسها، مرفقاً عظيم المكانة في الشرق العربيّ كلّه للمواصلات بين أقطاره وبينها وبين سائر العالم فضلاً عن استوائه شرياناً رئيساً للحياة الاقتصاديّة في البلاد. إلى ذلك، وضع في عهد بشاره الخوري ورياض الصلح نظامٌ لمرفأي صيدا وصور. وفيه أيضاً، وُسّع خطّ نقل النفط المفضي إلى طرابلس من كركوك وأنشئت، في جوار طرابلس، مصفاةٌ جديدة تفوق القديمة طاقة وسعة. ووَصَل إلى جنوب صيدا خطّ التابلاين القادم من الساحل السعوديّ الشرقيّ وأنشئ له مصبّ لنقل النفط الخام بالبواخر إلى الأقطار المستوردة وأنشئت هناك مصفاةٌ للتكرير أيضاً. وفي ما يتعدّى الجدل المشروع في مقدار التغاير بين الواقع والمرتجى من المنشآت النفطيّة هذه، يبقى أنّها وفّرت فرص استخدام لبضعة آلاف من اللبنانيّين وأصبحت الرسوم والضرائب الناتجة من نشاطها مورداً يعتدّ به بين الموارد الكبيرة لماليّة الدولة.

 

وقد كانت لرياض الصلح، بما هو نائبٌ لصيدا وللجنوب، لفتاتُ عنايةٍ خاصّة بتلك وبهذا، وكان الانتداب قد غادرهما بلا أَثَرٍ عمرانيّ يُذْكر. ففضلاً عن تحصيل الجنوب نصيباً معتبراً من شبكتي المواصلات والمدارس الرسميّة، أنشئ بعنايةِ رياض الصلح وأحمد الأسعد، وزير الأشغال العامّة في تلك الآونة، مشروعُ القاسميّة البارز في البلاد، آنذاك، بضخامته وجليل فائدته، لريّ السهل الساحليّ بين صيدا وصور ورَدَفه مشروعُ رأس العين إلى الجنوب من صور. وكان معوّل القيادة السياسيّة في هذين المشروعين وفي سواهما من مشروعات الريّ التي وُضِعت لمناطق مختلفة من البلاد ثمّ بَلَغت درجاتٍ متباينة من التنفيذ، على مهندسٍ مائيّ لا يُشقّ له غبارٌ هو إبراهيم عبد العال وقد أصبح في الردح الأخير من عهد بشاره الخوري مديراً عامّاً لوزارة الأشغال العامّة. وفي جملة ما أنجزه هذا العهد، في غضون سنوات قليلة، من مشروعات الريّ وسائر الأشغال المائية ومنشآت توليد الطاقة الكهربائيّة المصاحبة لها، ما يُدهش حقّاً إذا ما نظرنا بعين الاعتبار إلى حدود الإمكانات. فليس مشروعا القاسمية ورأس العين سوى حلقة من سلسلة كانت حلقاتها الأخرى مشروعات أنشئت لاستثمار مياه النهرين الكبير والبارد في عكّار ونهر الجوز في البترون وينابيع اليمّونة في ريف بعلبكّ ونهري الليطاني واللبوة في البقاع وجرّ مياه نبع العسل للشرب ونبع المغارة للريّ في كسروان وجرّ مياه نبع الباروك للشرب في قضاء عاليه وإنشاء معمل على نهر إبراهيم لتوليد الكهرباء، إلخ.

 

وفي صيدا أنشئ، بعناية رياض الصلح، المستشفى الحكوميّ وما كان يفترض أن يكون بناء لمدرسة زراعيّة، في خراج الميّة وميّة، وأصبح الثانوية الرسميّة الأولى في الجنوب، بعد سنوات، ووضع حجر الأساس لدار البلديّة الجديد وأنشئ الملعب البلديّ و”مدينة العمّال” وبني فندق صيدون الكبير الذي عهدت البلديّة باستثماره إلى “فنادق طانيوس” وشُقّ الشارع العريض الذي حمل اسم رياض الصلح لاحقاً وأصبح الواجهة الجديدة للتجارة والأعمال في المدينة وأَذِن بتوسّعها السريع نحو الشرق. إلخ. وكان بعض هذه المرافق أيضاً حلقاتٍ من شَبَكة تضمّنت منشآتٍ مُناظرة في عواصم المحافظات الأخرى أو في بعضها. إلخ.، إلخ.

 

في مضمار آخر من مضامير العمران، شهد عهد الخوري والصلح ترميم قصر الأمير بشير الشهابيّ الثاني في بيت الدين بعد أن كانت قد امتدّت إليه يد الخراب. وكان قد استعيد رفات باني القصر ليرقد فيه، وكان قد دفن عند وفاته في كنيسة للأرمن الكاثوليك في إستانبول. كانت “عودة الأمير” في صيف العام 1947 واحتفل بها احتفالاً رسميّاً خطب فيه كلّ من صبري حمادة ورياض الصلح في بيروت وبشارة الخوري في بيت الدين. وأمّا القصر فحوّل جناح من أجنحته إلى متحف للعهود الإقطاعيّة اللبنانيّة وجعل جناح آخر مقرّاً صيفيّاً لرئاسة الجمهوريّة واستردّت حديقته رونقها السالف. وكان رئيس الجمهوريّة الذي أولى هذا المشروع كلّ عناية واضح الاعتزاز بما تمّ.

 

***

 

هذا ولا بدّ لاستتمام معالم الصورة وعناصر الميراث الذي خلّفه عهد بشاره الخوري – رياض الصلح، من تعريج خاصّ على الجانب التشريعيّ من هذا الميراث. وأوّل ما يستوقف، لهذه الجهة، هو، من غير شكّ، التعديل الاستقلاليّ الشهير للدستور، في تشرين الثاني 1943، وما تبعه من نصوص رعت استكمال الأبنية المقتضاة للدولة المستقلّة في نطاقي السلطة التنفيذيّة والسلطة القضائيّة خصوصاً. وقد سبق منّا التنويه بما وجدناه مهمّاً من هذا كلّه في مواضع متفرّقة من هذا الكتاب. فإذا تركنا هذا الشطر “الاستقلاليّ” من التشريع جانباً، بقي تحت أبصارنا حصاد تشريعيّ لمجلس النوّاب في أيّام الحكومات التي رئسها رياض الصلح هو إلى التواضع أميَل. ولكنّ هذا الحصاد، على تواضعه النسبيّ، متنوّع المجالات وغير خال من عناوين بالغة الأهمّية. هذه الهياكل التشريعيّة يردفها عدد من المراسيم لا يقلّ بعضها أهمّية أثراً عن القوانين المشترعة في المجلس النيابي.

 

ففي فئة التشريعات التي رسمت للنظام الاقتصاديّ – الماليّ في البلاد صورته المعروفة، نقع أوّلاً على قانون التجارة البحريّة وقد صدر في 18 شباط 1947. وهو يكمل قانون التجارة البريّة الذي كان قد صدر بمرسوم اشتراعيّ في 24 كانون الأوّل 1942، أي قبيل الاستقلال. يردف هذين التشريعين مراسيم عدّة صدر معظمها بين عامي 1947 و1950 ورمت إلى تسهيل المعاملات البريديّة، وخصوصاً الحوالات البرقيّة، وانطوت على تصديق عقود وأنظمة دوليّة بينها ما كانت قد أبرمته مؤتمرات للمواصلات السلكيّة واللاسلكيّة انعقدت في أتلانتيك سيتي وبينها ما كان قد أرساه النظام البرقيّ الدوليّ المعدّل في باريس سنة 1949 وما أقرّه المؤتمر البريديّ العالميّ الثاني عشر المنعقد في باريس أيضاً سنة 1947. وفي 11 كانون الثاني 1949، صدر قانون الطيران وهو، من وجه ما، مختلف عن التشريعين السابقين بغلبة الطابع الفنّي التنظيميّ عليه، ولكنّه مكمل لهما من وجه آخر. ويصحّ أن ندرج في هذا الباب أيضاً مرسوماً اشتراعيّاً صدر في 8 نيسان 1950 لينظّم “إعادة الرسوم الجمركيّة عن البضائع المعاد تصديرها”. فإن الغاية من إصداره كانت تشجيع حركة الترانزيت وإعادة التصدير بما لها من مكانة كانت إذ ذاك مرموقة في الاقتصاد اللبنانيّ ولبثت تتنامى بعد ذلك.

 

في المساق نفسه، أجاز قانون صدر في 22 نيسان 1947 للحكومة الانضمام إلى اتّفاقيّتي صندوق النقد الدوليّ والبنك الدوليّ، وهما – على ما هو معلوم – ركنان في الإدارة العامّة للاقتصاد الماليّ العالمي ومركزان لجمع خيوطه في يد الدول الغنيّة. وفي 24 أيّار 1949 (أي بعد الانفصال النقديّ عن سوريا بنحو سنة) صدر قانون النقد وتبعه، بعد ثلاثة أيّام، مرسوم يتعلّق بتغطية النقد وقد رعيا استقرار قيمة النقد اللبنانيّ مدّة طويلة بعد ذلك وردفهما أو عدّلهما تباعاً في عهدي كميل شمعون وفؤاد شهاب قانون سرّية المصارف الصادر سنة 1956 وقانون النقد والتسليف الجديد الصادر سنة 1963.

 

إلى هذه العناية بالوجه التجاري الماليّ من الاقتصاد الوطنيّ، نقع على غير لفتة إلى الوجه السياحي الملازم للسابق. فقد صدر في 2 حزيران 1949 قانون موضوعه “الشركات والأفراد الذين يتعاطون التسفير”. وصدر في 14 كانون الأوّل من السنة نفسها قانون ينظّم “استثمار الفنادق والملاهي والمطاعم والمقاهي والحانات”. وكانت الدولة قد جعلت لنفسها موقع رعاية في هذا القطاع إذ أنشأت، بقانون صادر في 7 أيّار 1948، “مفوّضيّة عامّة للسياحة والاصطياف والإشتاء”.

 

في مضمار آخر (ولكنّه اقتصاديّ أيضاً)، يدخل قانون 3 آذار 1947 الذي صدّقت بموجبه “اتّفاقيّة مرور الزيوت المعدنيّة في أراضي الجمهوريّة اللبنانيّة” مع شركة تابلاين ثم قانون 29 أيلول 1950 الذي صدّق بموجبه الاتّفاق المعقود بين الحكومة اللبنانيّة وشركة مديترانيان ريفاينين (مدريكو) وهي شركة تكرير الزيوت المتفرّعة من تابلاين. وقد توقّفنا مليّاً عند مخاض هذين الاتّفاقين وما رافق إقرارهما من تجاذب وما لحق بهما من تعديل في فصل سابق.

 

ومن التشريعات الحيويّة التي شهدها عهد بشاره الخوري – رياض الصلح نصوص رعت تنظيم المهن الحرّة الكبرى وممارستها. من بين هذه المهن، كانت مهنة المحاماة وحدها الحاظية، من عهد بعيد، بنظام حدّد شروط مزاولتها وأرسى هيكلها النقابيّ. وفي 26 كانون الأوّل 1946 (أي فور عودة رياض الصلح إلى الحكم على رأس حكومته الثالثة)، صدر قانون “ممارسة المهن الطبّية في لبنان” وصدر في اليوم الأخير من السنة القانون القاضي بإنشاء نقابتين للأطبّاء في البلاد ثم لحق بهما في 17 تمّوز 1947، مرسوم أوجب “تخصيص دورتين في السنة لامتحان الكولوكيوم”. وفي 29 تشرين الثاني 1948، صدر قانون نظّم “ممارسة مهنة طبّ الأسنان” ثمّ ألحق به آخر، في 27 حزيران 1949، أنشأ نقابة أطبّاء الأسنان. وكان قد صدر، في 10 شباط 1948، قانون نظّم “ممارسة الطبّ البيطريّ”… وفي 22 كانون الثاني 1951 (أي في الشهر الأخير لرياض الصلح على رأس الحكومة)، صدر قانون مزاولة مهنة الهندسة وتنظيم نقابتي المهندسين في بيروت وطرابلس. إلخ.، إلخ.

 

 

***

 

إذا كانت تقلّبات الزمن بالبلاد قد طَمَست أو دمّرت معالمَ كثيرةً من جهد التأسيس هذا، على اختلاف وجوهه، فإنّ رياض الصلح بقي منه مشروعٌ بسيط الملامح هو مشروعه السياسيّ وبقي منه أيضاً أسلوبه الرهيف وصبره الجميل ودهاؤه المعهود في السعي إلى تنفيذ هذا المشروع. في الحكم، كان الرجل محيطاً بما في البلاد من تيّارات متخالفة وبما يمليه هذا التخالف من أناةٍ ومن إعمالٍ للحنكة للمواءمة ما بين عمل البناء الوطنيّ بوجوهه المختلفة وتحصيل قدر من الوحدة الداخليّة يحمي هذا العمل إذ لا يجعل منه سبباً لقصم ظهر البلاد. كان الرجل متوفّراً على إدراك فذّ لأهمّية السياسة ولأسبقيّتها بما هي إدارة حسّية للشأن العام على كلّ نشاطٍ آخر: على المثالين الوحدويّ والاستقلاليّ بحدّ ذاتهما وعلى قتالِ الأعداء بحدّ ذاته وعلى إصلاحِ الدولة بحدّ ذاته وعلى الإعمار والعمران بحدّ ذاتهما. ففي العمل السياسيّ   وحده، حين يكون محيطاً بجملة العوامل الفاعلة في وضع البلاد وبخطط مختلف اللاعبين وباستجابات مختلف القوى، يتبيّن ما يمكن أن يؤول إليه كلّ عمل إن خيراً فخيراً وإن شرّأً فشرّاً ويتبين اشتباه الخير والشرّ خصوصاً وإمكان أن يستحيل شرّاً ما يعدّ بحدّ ذاته خيراً والعكس بالعكس… يتبيّن إن كان ما يفرضه المبدأ سيبقي على سموّ المبدإ أم سيحيله إلى بليّة لمن اعتمدوه وعدّوه غاية المنى ومفتاح السعادة. كان رياض الصلح وحدويّاً في شبابه وبقي على هذا المبدأ. ولكنّه لم يتردّد في تنحيته من حيث وجده باباً إلى الفرقة وإلى دمار الأوطان. وهو كان استقلاليّاً ووَجَد في هذا المبدأ محوراً يمكن أن تتكوّن حوله وحدةٌ مرموقة للصفوف. فكان أن مضى إلى أقصى المتاح في هذا السبيل ولكنّه كان يقيس خطاه ويستطلع الممكن في كلّ مرحلة. كان الرجل شجاعاً يتقبّل التضحيات بأنواعها ولكنّه لم يكن يتعبّد لشجاعته ولا لحبّه للتضحية. كان يسأل عن الفائدة من هذا ومن تلك ويفتح أبواباً للمداورة وللتقدّم والتراجع وللصبر فلا يترك إغراءَ التقحّم الأعمى يغلبه ولا ألمعيّة خُطَبه تستحوذ على بصيرته وبصائر سامعيه.

 

والذي أُطلق عليه اسم “الميثاق الوطنيّ” لم يكن مبدأً مجرّداً أو عقيدة مرفوعة في معزل من السياسة ومن ضغوطها المتزاحمة. وإنّما كان هذا الميثاق ردّاً سياسيّاً بالغ الإحكام على تحدّيات سياسيّة برزت في عشايا تبلّره واستمرّت سنين طويلة بعد استيلاده وبعد اتّخاذه اسمه. استوى الميثاق ردّاً، لا على “وحدويّة” هؤلاء و”انعزاليّة” أولئك في الداخل اللبنانيّ وحسب… بل أيضاً على المطالبة الفرنسيّة (الفرنسيّة – البريطانيّة لاحقاً) بالمعاهدة وبالمركز الممتاز ثمّ على البحث الذي أخذ يصبح محموماً في نهاية الأربعينات عن صيغة للـ”دفاع عن الشرق الأوسط”. وهو استوى ردّاً، في المضمار العربيّ، على مشروع سوريا الكبرى ومشروع الهلال الخصيب ثمّ على خبط الانقلابيّين السوريّين بين مشروع وحدة سوريّة – عراقيّة ومشروع أخرى عربيّة شاملة طرحته حكومة ناظم القدسيّ في أواخر عهد رياض الصلح بالحكم. في هذه المواجهات كلّها وفي غيرها ممّا جرى مجراها، كان الميثاق يستمدّ قوّته من غلبته على مواقف تنازعت المجتمع السياسيّ اللبنانيّ ومن تزكية الوقائع التاريخيّة له وتوطيدها إيّاه ومن الضمانة التي مثلّها ساسة مسؤولون ذوو حظوة شعبيّة وصلوا إليه بعد تجارب ممتدّة تخلّلتها عثرات وبدأت معارضة له ومتعارضة في ما بينها. وكان رياض الصلح، بين هؤلاء الساسة، في صدارة الصفّ الأوّل.

 

وَجَد رياض الصلح في استواءِ لبنان دولة سيّدة خيرَ ما يستطيعه اللبنانيّون لأنفسهم وما يستطيعه العرب للبنانيّين ولأنفسهم أيضاً. وهو إذ ضلع في تحصيل هذه الدولة ثمّ في بنائها، تقبّل ما استلزمه ذلك من مثابرةٍ ومصابرة بل مقارعةٍ لقوىً قريبة وبعيدة فلم ينتكس إلى خيارٍ له سابق ولم يقبل عَتَباً ممّن شاؤوا له هذا الانتكاس وظلّوا يؤمّلون أن يجدوا فيه لساناً ناطقاً بإرادتهم في بلادٍ هي بلاده وقد أصبح مؤتمناً على ما شاءته لنفسها وشاءه هو لها. وهو قد غلّب المثالَ الاستقلاليّ في حالات الأقطار العربيّة التي ساير خطاها أيضاً. غلّبه لأنّه وجده الغالب بين المرتجيات الفاعلة ولم تكن غَلَبَتُه لتعني أنّه سهل التحصيل. وأمّا الوحدة فارتضى لها رياض الصلح صيغة الجامعة العربيّة منطلقاً وبداية لا لتفضي، بعد ذلك، إلى زوال الدول المستقلّة بالضرورة، بل ليصبح الاستقلالُ نفسه ضماناً لصحّة التضامن واستقامة التعاون وفاعليّته. ولأصالته في السياسة، كان رياض الصلح يكره وضع العسكر أيديهم على هذه الأخيرة وأسلوبهم الجافي فيها ومصادرتهم بالقوّة تنوّع الإرادات الساعية في مجالها. على أنّ ما شهده رياض الصلح من بدءٍ للعهود العسكريّة في قطر واحد كان عميق الألفة له سوف ينتشر، بعد موت رياض الصلح، إلى عديدٍ من الأقطار العربيّة الأخرى وسيصبح أشدّ عنفاً وصلفاً من كلّ ما شاهده رياض الصلح وما عانى بعضه. لم يُفْلح رياض الصلح في كلّ ما سعى إليه. لم يكن ذلك في الإمكان أصلاً إذ لا نهاية لهذا النوع من السعي. حتّى أنّ سَيْر التاريخ في هذا المشرق بدا لاحقاً وكأنّه انقلابٌ على سعي رياض الصلح وأقرانه وعلى أسلوبهم في السياسة. ولكنّ عبارات من قبيل الحرّية والاستقلال للشعوب والتضامن مع حفظ السيادة للدول وسياسة المختلف في المجتمعات كانت قد جرت على لسان رياض الصلح أو هي ظهرت بعده لتسمّي أفعاله ثمّ بقيت قادرةً على فرض نفسها غاياتٍ لا بديل منها ولو كنّا لا نَنِي نبتعد عنها. لا بديل عن بساطة هذه القيم، وهي خلاصةُ تاريخٍ وعصر، ولا عن التعقيد والتفرّع في سُبُل السياسة إلى إدراكها أو إلى حفظها. ذاك هو القليل الكثير الذي بقي لنا من رياض الصلح.

 

في البيان الوزاريّ لحكومته الثالثة (في كانون الأوّل 1946)، كَتَب رياض الصلح ما معناه أنّنا أنشأنا الدولة وبقي علينا إنشاء الوطن. وفي العقود التي تلت رحيل الرجل دأَبْنا على رفع هذا الشعار مقلوباً. ولا تَحْمِلنا الصيغةُ التي اعتمدها رياض الصلح، بالضرورة، على تغيير تلك التي اعتمدناها من بعده. فنحن قد استفدنا ما نقوله من خبرةٍ متمادية، موجعةٍ في معظم الأحيان. مع ذلك يبقى هذا الشعار الذي وَقَع عليه اختيارُ رياض الصلح جديراً بأن نتأمّله مليّاً. فربّما كانت فيه حقيقةٌ أبعدُ غَوْراً ممّا نحسب وممّا نقول.

 

 

[1]   الصفحات الأخيرة من كتاب رياض الصلح في زمانه لأحمد بيضون. ويصدر الكتاب قريبا عن دار النهار للنشر في بيروت.

كلمن | مائة وثمانون غروبا أم عشرون سنة؟

Source: كلمن | مائة وثمانون غروبا أم عشرون سنة؟

 

 

مائة وثمانون غروبا أم عشرون سنة؟[1]

 

أحمد بيضون

 

تتألف رواية حسن داود هذه من ثمانية فصول يتداول فعل القصّ فيها أربعة رواة. تبدو الزهرانية التي استوطنها هؤلاء الرواة حالة عمرانية تصعب نسبتها إلى فئة من الفئات المألوفة التي تصنف إليها حالات العمران عادة. فلا هي مدينة ولا هي بلدة ولا هي قرية… وإنما هي مقام استحدثه  على قارعة الطريق الساحلي أناس جاؤوا إليه من مواطن مختلفة وإن تكن هذه المواطن تبقى هي أيضا غير محددة. ونحدس أن الطريق كان لها الأثر الأبرز في نشوء هذا المقام إذ هي شجّعت على إنشاء المحلات التجارية. ونخمن أيضا – مجرّد تخمين لا يزكيه أي من الرواة – أن الأرض هناك كانت مباحة أو مستباحة لمن يريد البناء لا ثمن لها. وما يؤكد هذا الاضطراب الذي يشوب هوية هذا العمران المسمى الزهرانية إنما هو افتقاده إلى مقبرة وهو ما يلاحظه الراوي الأول في مستهل الرواية موحيا أنه تأخر كثيرا حتى انتبه إلى هذا الأمر. هذا فيما تنبئنا راوية أخرى نعلم أنها بقيت أمية هي وإخوتها الصغار، أن الزهرانية بلا مدرسة أيضا.

 

هذا الاضطراب لا يعني أن الزهرانية نمت كيفما اتفق. فنحن سرعان ما نعلم أن البيوت المحاذية للبحر هي بيوت المسيحيين. وهذه بيوت قديمة يرجح الراوي الأول نفسه أن شخصا واحدا، على الأقل، كان قد مات في كل منها، حين جاء هو وأخوه قبل عشرين سنة إلى الزهرانية. وهو ما يحمل على السؤال عن هوية الذين تعلو بيوتهم المحلات فوق الطريق وعن هوية آخر القادمين، أولئك المتكاثرين في بنايات أخذت تتكاثر فوق الهضبة. الذين في الوسط فوق الطريق، ومنهم يخرج الرواة الأربعة، نخلص إلى هويتهم بعد تردد منشأه الأسماء الأعلام المحايدة من قبيل عاطف وطاهر وسلمى وكوثر وتيسير وجميل… وحتى وليد. ولا يقطع التردد إلا ولادة طفل لسلمى وطاهر في الدانمارك يسميانه عمر. أخيرا نرجح أن الذين حلوا، على عجل، فوق الهضبة في بنايات تكاثرت على عجل أيضا، هم من الشيعة. ونزداد ترجيحا لذلك حين ينزلون في عرض لكثرتهم إلى الطريق بعد خلاف “حدودي” مع واحد من أصحاب المحلات… ينزلون عشرات أو مئات فتقول السنيّة زوجة أبو عاطف إنهم مائة ألف!

 

لا يرمي تكثير الرواة إلى استحضار وجهات نظر الفئات التي أفضى اختلال موازين العلاقات بينها، مع زحف الحرب، إلى خراب الزهرانية. فإن اثنين من الرواة أخوان والثالثة جارتهما في المبنى الذي يضم محلهما ومنزلهما والرابع قريب إلى هؤلاء أيضا وإن يكن منزله يعلو الطريق شيئا ما ولا نجاوز من معرفتنا بهويته الطائفية تخميننا أنه مسلم هو أيضا. فالذين اضطلعوا بالأدوار الحاسمة، سواء أكانت تسريع العمران بما جلبه من توتّر أم كانت تسليح المسيحيين (الذي لا نعاين ما يثبته فعلا فيبقى أدنى إلى الخبر الطائش أو الشائعة) أم كانت تهجير هؤلاء المسيحيين أنفسهم من طريق البحر بعد أن أصبحوا مهددين أم كانت الانقضاض على بيوتهم ونهبها يبقون، في الرواية، أشبه بجماعات الأشباح فلا نسمع من كلامهم شيئا ولا نلم إلا بالصورة العامة لأفعالهم أو بعناوينها. وأما الذين تناط بهم الروايات المتقاطعة فصولا في هذه الرواية أو المتضافرة على تأليفها فهم بين الأقل فاعلية وإقداما… حتى لتبدو أفعالهم بما فيها ما تحملهم عليه شهواتهم أقرب إلى أن تقع عليهم وقوعا منها إلى أن يكونوا هم المبادرين إليها. هذا إلى أن تقاربهم في القرابة والسكن وتماثلهم في المصدر الطائفي أيضا، على الأرجح، يضيقان كثيرا من مجال رؤيتهم. والمؤكد أن ضعف الفاعلية هذا وضيق التمثيل يوفران المنطلق إلى منح رؤى هؤلاء الرواة صفة المواربة في علاقتها بالمسرح العام، وهي صفة قد يصح اعتبارها مرتكزا لجمال السرد في كل من الفصول وللتكوين البديع الذي ينتهي إليه الهيكل الإجمالي للرواية.

 

وفي موقع الركن من هذه المواربة نفسها يقع الشخص الذي تلتقي عنده معظم الخيوط في نسيج السرد ويبدو أكثر شخوص الرواية حضورا وقوة. فهذا الشخص – واسمه تيسير –  شخص ساهِمٌ، لا يصدر عنه إلا ما يبدو شتات كلمات وفتات أفكار. وكان قد أفضى به حادث إلى شيء من القصور العقلي فضلا عن تشوه خارجي في رأسه. على أن سهوم تيسير ليس عاما، بل هو يبدو إلى النباهة أقرب حين يباشر نصيبه من القص الذي أولاه إياه المؤلف إذ جعله واحدا من الرواة. إذ ذاك يبدو قصوره محصورا في النطق وفي بعض من وجوه السلوك دون غيرها. فهو، على الأخص، حادّ الإدراك لكل حركة أو تغيير في موقعه الرمزي من أبيه أو من إخوته وهو دقيق التمييز للفروق في سلوك من يؤذونه من الشبان المتبطلين حين يكون ذاهبا لبيع عصافيره أو عائدا من رحلته اليومية تلك.

 

وإذ تبدأ النباهة من تيسير (وهو القاصر العقل في نظر المحيطين به) فهي تنتشر إلى سائر الرواة كاشفة همّا مركزيا من هموم هذه الرواية. فكما أن المواربة هي السمة المنظورية وهي الميزة الفنية للسرد هاهنا فإن الصفة الاستراتيجية هي ما يصف سلوك الشخوص بعضهم حيال بعض أي أنها محور الرواية العلائقي. الشخوص هنا ذوو استراتيجيات بمعنى أن الغلبة هي مرمى كل حركة يأتيها أحدهم وهي المعنى الذي ينسبه إلى كل حركة يأتيها سواه. ويشتمل التنازع الدائب هذا على مجال الغرام ولا يقتصر ظهوره على الكلام وحده. فالحوار قليل جدا في هذه الرواية – وهذه القلة ديدن لحسن داود في سائر رواياته – والكلام الذي يقال ينقله كل من الرواة على ذمته – إن جازت هذه العبارة – أو يوجزه، على الأغلب، في الصيغة التي يستنسبها لإيجازه. ولعل حركة العين ومعها تصرّف الأجساد بأوضاعها وبمواقعها هاهنا أوفر من الكلام حمولة بالدلالات في التنازع المشار إليه. فيبدو مصير علاقة برمتها أو تحديد محتواها ومآلها رهنا بنظرة بعينها تطول ثانية أو تقصر ثانية. ويبدو ميزان الانتماء أو عدمه إلى جماعة مستجدة متعلقا بخطوة إلى الأمام أو بأخرى إلى الوراء. أو هو يتعلق بالتلبث لأكثر من طرفة عين حيث يعدّ التلبث استعجالا مفرطا لامتياز ما أو ادعاء في غير أوانه لدرجة من درجات الانتماء لم تستأهل بعد وهي قد لا تستأهل أبدا.

 

في اللعب الاستراتيجي هذا – وهو يتقدم على أنه لعب يعمد إليه البشر بمصائرهم – يجهد الشخوص في استبقاء ما يكونون موجودين بفعله وجودا شخصيا. يجهدون في حيازة شيء خاص بهم مع كونه دائما علاقة بآخر. بل إن هذا الشيء الخاص يقتضي حتى يكون وجوده تاما أن يكون علاقة مباشرة بآخر وعلاقة مداورة بثالث. وأكثر ما يكون الاستحواذ على هذا الشيء الخاص بالنظر ولكنه قد يكون أيضا بتحويل الشهوة وإشباعها إلى منازلة لثالث متخيل. ومن أول الرواية يتقابل في الإيحاء بالمناخ الاستراتيجي موضعان هما قطب ستر وقطب كشف. أما قطب الكشف فهو بيت أبو عاطف الذي يبقى باب مدخله وأبوابه الأخرى مفتوحة لكل ناظر ويقبع صاحبه البصاص على الشرفة لا يعفي شيئا أو أحدا من جولات عينيه النهمتين. والشرفة تبدو مركز البيت الفعلي هي والشباك الذي ستكشف من خلفه سلمى عن صدرها لتيسير وستغلقه بعد ذلك على ما تسميه زوجة أخيها كوثر لعبا معها وما ترى فيه هي شيئا أبعد من اللعب. وأما قطب الستر فهو غرفتان فارغتان خلف المحل الذي يبيع فيه الأخوان الراويتان ألعابا وهو أيضا في بيتهما غرفة احتياطية للنوم وأخرى مهملة يحشر فيها وليد سلمى حين يمكنه من إخضاعها لشهوته افتضاح تعريها لتيسير: افتضاحه للداني، بلا ريب، وللقاصي أيضا، على الأرجح. لا تكاد توجد وظيفة لهذه الغرف سوى افتعال فراغ موحش جعل منه الإهمال موطنا للأسرار وراح يزيد من الوحشة فيه تضافر حرّ الشمس ورطوبة البحر المالحة على تفسيخه ونهشه. وهي وحشة تنتشر لتوحي عبر تفاصيل كثيرة أن الأشخاص إنما يوجدون بقدر ما يسعهم أن يسوّروا مواضع لسرّهم وأن يحجبوها إلا عمن يسلّمون بمشاطرتهم هذا السر حقيقة أو من يشاطرهم إياه في أخيلتهم. الأشخاص يوجدون بقدر ما يسعهم أن يستقلوا بإدارة الشركة التي ينشئونها لأسرارهم وأن يجعلوا من أعمالها أعمال تغلّب على شركاء في هذه الأسرار حاضرين أو غائبين ولكن لا مناص من استحضارهم إذا غابوا.

 

وبين ما يتيحه تكثير الرواة اكتشافنا أن ما يحتسب مستورا قد كشفه الجميع في الواقع. وهذا في مجال ضيق تختزل فيه الغلبة الاستراتيجية إلى توسيع لزاوية الرؤية أو إلى كشف لرقعة شاءها الآخر غير مرئية. فوليد يعلم أن أخاه يشتهي امرأة جاره، خلافا للوصية العاشرة، وهو يمازحه في شأنها من غير أن يسعى إلى تحصيل تصريح قاطع منه أو إلى إفحامه. بل إن سلمى نفسها لا يفوتها اشتهاء “الثخين” الذي لا نعرف له اسما آخر لامرأة أبيها. والشبيبة البطالون الذين يمضون شطورا معتبرة من أيامهم عند عمود الكهرباء يعلمون أن وليد كان قد وصل إلى سلمى، قبل زواجها الإكراهي ورحيلها إلى الدانمرك مسوقة بوقع فضيحتها مع تيسير. وكان وليد يطلق العنان معها، على كره منه وندم يظهران حالما تنقضي لبانته، لضرب من فورة الشهوة المستعجلة فيما هو يحفظ في سره تعلقا ببرناديت المسيحية لم تعتّم الحرب أن  قطعته قبل أن يجرؤ على كشفه.

 

وقد وجد تيسير أيضا، ولكن في المدينة أو البلدة التي يذهب إليها لبيع العصافير، أي في خارج الزهرانية، مطرحا لسره عند امرأة كانت من زبائنه. ولا يخفي تيسير ضيقه حين يشعر بإلحاح تجنح إليه هذه السيدة الخمسينية في السؤال عن التفاصيل. فهذا يخرج السماع من حدّ التوصل إلى ألفة يريدها تيسير لما يفعله هو وسلمى ويجعل منه (أي من السماع) استثمارا جديدا تقبل عليه الزبونة تنشيطا لتهويمها الخاص. فينشأ من ذلك تناسل تهويمي آخر يضاف إلى التناسل السابق للشهوة التيسيرية في شهوة كوثر وسلمى. ثم إن سر تيسير لم يلبث أن جاوز الإثنين بل الأربعة فشاع وذاع. وفي التنازع الاستراتيجي بين شخوص حسن داود، يبدو الهتك أي اقتحام الموضع الذي جعل فيه الآخر سره أقرب شيء إلى ما يسميه الملاكمون الضربة القاضية. ويبدو البصاص أبو عاطف في مطلع الرواية شخصية جامعة بلجاجة وفجاجة لما يحاوله ويجهد فيه بمزيد من الحذق أو من التركيز شخوص الرواية الآخرون. هذا ويستحسن أن نمضي في استنطاق الشبه بالملاكمة إلى حده الأقصى. فقد يوجد ما يشبه تبادل اللكمات والاحتيال للتفادي منها بين شخوص حسن داود في موقف عارض لا يلبث أن ينقضي فيكون أشبه بجولة تزيد أو تنقص في الخلل الذي يسم ميزان العلاقة بين شخصين ولكن من غير حسم… يبدو كافيا، في هذه الحالة، تتبّع أفعال الخصم أي أقواله ونظراته وحركاته لحظات. اليقظة وسرعة البديهة يبدوان كافيين مؤقتا ولا يفوتهما التكفل بشيء من التغيير. وهذا إلى أن يحصل ما يجعل الحسم أو نقل ميزان العلاقة برمته من حال إلى حال أمرا ممكنا.

 

***

 

تداري سلمى افتضاح سرها بالرحيل إلى الدانمرك بعد أن وجدت من مدّ إليها طوق النجاة هذا مشترطا أن يجعل من تكثير الأيدي التي امتدّت إلى جسدها منشطا لشهوته ومرغما زوجته في سبيل ذلك بالتصريح بما حصل وبما لم يحصل من نزهات الأيدي على جسدها. وأما تيسير شريكها في سرها المفتضح فلم يكن له من مهرب غير العنف الأقصى بعد أن تهاوت حصونه كلها. انهارت صورة أبيه الشديد البأس وأصبح يبدو عاجزا عن حمايته فلم يعد مستأهلا خوفه ولا طاعته. كانت قد شاعت أخبار انتشار السلاح في الزهرانية ووصول أكثره إلى أيدي الشبيبة البطّالة. فعادت هذه الزمرة إلى اضطهاد تيسير معتدّة بفقدان والده ما كان له من قدرة على الردع وبتوجسه من الدعم الذي اعتقد أن البطالين يتلقونه من خارج الزهرانية. هكذا لم يبق لتيسير إلا قوة جسده وحقده على ميخا بالذات. وقد أصبح استعداده للدفاع العنيف عن نفسه من غير حدّ إذ كان انكشافه للأذى قد أصبح من غير حدّ أيضا إلا اتّقاد ركام العنف الذي كان مضطهدوه قد ملأوا نفسه به.

 

ولا يفوت المؤلف أن يجعل من ميخا، وهو، في ما مضى من الرواية، أقرب إلى أن يكون أضحوكة رفاقه، أسرع هؤلاء مبادرة إلى مسلك الاستفزاز بما في ذلك العودة إلى اضطهاد تيسير. مع اقتراب أصوات القذائف وما يصحبه من اضطراب في حركة السيارات، كان ميخا، وليس جوزف الذي كان يناكده أول المقبلين على ارتداء السترة العسكرية وعلى استعراض عنجهيته المستجدّة وقد أوكل إلى نفسه حماية الحي. لهذا تعيّن أن يحصل النزال الأخير بين ميخا وتيسير… وهذا بعد أن كان الأخير قد غادر منزله مخالفا رغبة أبيه وأخيه في الاحتباس خلف سور المنزل عسى أن ينفع الاحتباس في دفع المصائب الزاحفة. حصل النزال بأقصى العنف من جهة تيسير بعد أن استقبله ميخا بإيغال في الإهانة جعلها مختلفة عن المعتاد من مناكدة لم تكن تتجاوز، بحسب ما وصفها أبو تيسير، أن تجعل “المنايك” يحسبون أنفسهم رجالا. هكذا قتل تيسير ميخا. قتله بضربه تكرارا على رأسه بحجر كبير. وكما أن اللذة في عالم الزهرانية يشحذها دخول ثالث بين طرفيها، لم يسع تيسير أن يبقي طي الكتمان فعلته التي لم يشهدها أحد. جرى إلى محل الألعاب والحجر في يده وأنبأ الأخوين صاحبي المحل بما فعل.

 

وذاك أن التثليث، هنا، بتكرار لزومه، يبدو مطلبا أصليا للبشر أو ركنا لحالهم في الدنيا أو يبدو وكأنه حال الدنيا. في غرفة ذات نافذة مفتوحة على الخلاء، لا تفلح كوثر وسلمى في استحضار الله لإيقاد الشهوة بالذنب فتكتفيان بتيسير. تأخذان بضرورة هتك السر لشاهد وبضرورة أن ينحصر شهود الهتك بحدّ لا يبطل معه السر من أصله. السرّ ضرورة لوجود الشخص، بما هو فرد، وكشف طرف من ستره ضرورة أيضا ليبدو الفرد شخصا من الشخوص أي لاعبا ذا قناع ودور. اللاعب لا يكفيه من يلعب معه بل لا بدّ له من متفرج.  كذلك يستحضر طاهر زوج سلمى ثالثين يهيجون شهوته حين تتعرى له زوجته ويستكثر من الثالثين مضيفا إليهم من يجوز توهمه. وبالطبع يحيل التثليث إلى التسليم الحاصل في العلوم الاجتماعية باعتبار العلاقة الاجتماعية علاقة بين ثلاثة، على الأقل، ولا تقوم باثنين. والتثليث نفسه يحيل أيضا إلى ما ساقه فرويد في الطوطم والطابو من ضرورة قتل الأب حتى يستقيم للأبناء الذكور أن يكسروا احتكاره الإناث. ففي منطوق هذا الأرختيب أن موضوع المتعة لا بد أن يسلب من آخر وأن الحضارة إنما هي نظام هذا السلب. فيبدو أن التثليث العنيف هو الأصل الذي اشتقت منه ضروب أخرى من التثليث كذاك الذي تزاوله سلمى وكوثر ولا يتكشف عن عنف ظاهر… ما خلا العنف في مناطحته نظام القيم السائد. وهذا عنف يبلغ من الشدة مبلغا يحول بين الشبيبة وبين فهم ما يجري حين يلمح أحدهم كوثر وهي واقفة في الغرفة خلف سلمى المتعرية لتيسير.

 

والحال أن العنف ماثل في كل موضع من رواية حسن داود ذات الطابع الاستراتيجي. في كل حوار يتراءى سعي إلى الغلبة. هي جولات تحصى فيها اللكمات وتلوح في أفقها الضربات القاضية. وكل متعة تؤول إلى طرد من استمتع به بعد استعماله أو هي تتأتى باستخلاصه من يد أخرى بعد ليّ الذراع. هذا والسعي إلى حصر الدائرة التي يسوغ فيها كشف السر جارٍ، طبعا، على قدم وساق في بوادر كل يوم. والسعي إلى هتك الأستار كلها جارٍ أيضا كلما لاحت فرصة. نسجت الحضارة ههنا ما يكفي من الأستار لجعل الاستشفاف الذي يفترضه الفن أمرا ممكنا، إذ هو لازم، لا أمرا محالا. ولكن لا يبدو أن الحضارة نسجت ههنا ما يكفي من الأستار لتمويه أصلها. فلا غرو إن ظهرت الحرب من حواشي العالم الضيق الذي يضطرب فيه شخوص هذه الرواية واجتاحه الخراب من الداخل ومن الخارج.

 

***

 

للوهلة الأولى، تبدو السنون العشرون التي يقول الأخ “الثخين” إنها مضت على وجوده وأخاه في الزهرانية قطعة من الزمن مفرطة الطول بالقياس إلى ما يناسب من زمن لاحتواء سلسلة الحوادث التي تترى حلقاتها في هذه الرواية. فحتى حمْل سلمى بثلاثة أولاد في الدانمرك لا يحتاج إلى هذه المدة. ولولا الإشارة إلى هذا الحمل ومعها إشارة أو اثنتان أخريان لشعرنا أن مائة وثمانين غروبا (وهي ما لا نعلم من الرواية أبدا كيف استوت عنوانا لها) تبقى قصيرة ولكن لا تبدو مفرطة القصر على سلسلة الأحداث تلك. من مجاورة وليد وأخيه لبيت أبي عاطف إلى خمول اشتهاء “الثخين” لزوجة هذا الأخير بعد أن أصبح يتعذر جعلها امرأتين في واحدة: امرأة للشهوة وأخرى للنفور… ومن مباشرة سلمى استثمار تيسير لـ”حرقصة” الشبيبة المتحلقة عند عمود الكهرباء إلى افتضاح تعريها له بعد دخول كوثر اللعبة التي انتقلت من الشرفة إلى الغرفة وزالت عنها صفة اللعب… ومن مباشرة الشبيبة مناكدة تيسير إلى قتل هذا الأخير ميخا مع وصول نذر الحرب إلى الزهرانية… ومن دخول وليد دخولا ملجوما حلقة الشبيبة المسيحيين المترددين على المسبح وتعلقه الخجول ببرناديت إلى انقطاعه عن الحلقة بعد أن أخذت تبدو عليها بوادر الاعتصاب الحربي… ومن تكاثر البنايات التي أنشأها رجل واحد على الهضبة وحل في إحدى شققها الكملجم مروان الذي اشتهته كوثر ضدا يظهر حسنه ضده الذي هو تيسير ويؤدي معه وظيفة وسيط الشهوة نفسها إلى خراب بيوت المسيحيين المحاذية  للبحر ونهبها، إلخ.، إلخ… من هذا إلى ذاك إلى ذلك، يبدو كل شيء قابلا للاحتواء في سنوات أربع أو خمس وغير قابل، في كل حال، للتمدد على عشرين. ففي عشرين سنة، لا يبقى شبيبة عمود الكهرباء شبيبة ولا تبقى البنات قريباتهم بنات قابلات لتحفظ وليد حيالهن ولغرامه المتردد بإحداهن ولا تبقى سلمى هي سلمى وتبقى شهوة زوجها تتقد بملامسات يفترض حصولها في الزهرانية…

 

لعل الرواة الأربعة لا يروون في زمن واحد إذن وإن كانوا يسردون أخبارا متقاطعة. لعل “الثخين”، صاحب محل الألعاب، يروي بعد سنوات كثيرة من أصل العشرين أمضاها وأخاه في صحبة البحر وحده وانتقلت فيها حركة السيارات إلى الأوتوستراد الجديد ومال العمران إلى الابتعاد عن محل الألعاب ومالت التجارة إلى اللحم المشوي. لعلها هذه الخلوة بالبحر سنين كثيرة من أصل العشرين ما احتاج إليه كل شيْ ليصدأ: الحديد وموارد الشهوة في أجسام البشر ومياه الشرب نفسها. ذاك ما انتهت إليه الزهرانية وذاك ما ينتهي إليه كل عمران لا تتولد منه في الأفراد ولا في الجماعة إرادة لدفع غائلة البحر.

 

بيروت في أواسط كانون الثاني 2010

 

 

[1]  كلمة في رواية حسن داود : مائة وثمانون غروبا، دار الساقي، بيروت، 2009.

حازم صاغية عن “رياض الصلح في زمانه”

  • رياض الصلح في زمن أحمد بيضون: السياسي المتحول والانتقالي بين عروبة أولى ولبنانية تجريبية
    الثلاثاء, 05 يناير 2010
    حازم صاغيّة

    ما الذي يُغري مثقّفاً لبنانيّاً كأحمد بيضون، وكلّ من يشاركه أطواراً من حياته وتحوّلات فكره، برياض الصلح؟ وهل لسياسيّ لبنانيّ آخر، غير الصلح، أن يغري بيضون ومن يشاركونه أطواره؟
    تبدأ جاذبيّة رياض الصلح على أحمد بيضون من أنّ واحدهما يشبه الآخر. ذاك أن الاثنين انتقلا، كلاًّ بطريقته وفي مجاله وفي زمنه، من أفكار مدارها الأفكار، المشوبة دائماً بالعواطف، إلى أخرى مدارها الواقع ووقائعه. وهو انتقال، بل انزياح، أفضت إليه التجارب ممّا «علمنا وذقنا»، فأفضى، بدوره، إلى ذاك الشبه الذي لا يتوافر بين بيضون ومشاركيه أطوارَه وبين أيّ من سياسيّي لبنان الحديث، الأموات منهم والأحياء.

    لكنّ العنوان العريض والعامّ هذا لا يغني عن تفاصيل وعناوين فرعيّة تدلّنا إلى الكيفيّة التي بموجبها يعيش رياض الصلح في زمن أحمد بيضون ويحتفظ براهنيّته.

    فرئيس الحكومة الذي قضى اغتيالاً، قبل نيّف ونصف قرن، ليس زعامة جبليّة أو مناطقيّة ضيّقة الأفق. ولا هو بالوجه المقتصر على طائفته الذي تنتهي حدود طموحه عند حدود طموحها.

    فالصلح، على ما يرسمه كاتب سيرته التي امتدّت على مجلّدين*، كان «زعيماً عريض الصيت ولم يكن رئيساً لكتلة نيابيّة. وكان مصدرا قوّته – فضلاً عن شخصيّة مميّزة بحبّ المبادرة والبراعة في تسديدها – استواؤه قبلة لأنظار جمهور متنوّع، كبير ولكنّه غير مركّز في صورة الكتلة الناخبة، وشبكة علاقات شاسعة يبدأ نسيجها كثيفاً جدّاً في لبنان وسوريّة وتنتشر إلى سائر البلاد العربيّة فإلى فرنسا وبريطانيا». وهذا ناهيك عن أصدقاء لازموه ولازمهم «يتعذّر إحصاؤهم (…) من الملل المحيطة كافّة: الشيعة والدروز والعلويّين والنصارى، على اختلاف فرقهم، واليهود».

    والصلح، أهمّ من ذلك ربّما، يرقى إلى عَلَم على القوميّ المتحوّل والانتقاليّ الذي تورّط في العروبة طويلاً قبل أن يتورّط في اللبنانيّة الاستقلاليّة. بيد أنّ انتقاله، المتعرّج والمتدرّج، جاء محكوماً بالتجريب في موازاة انحلال الأمبراطوريّات، ثمّ انحلال كوابيسها، واتّضاح الحقيقة القائلة إنّنا إمّا أن نعيش في دول – أمم أو أن نفنى.

    هكذا أصبح «الاستقلال»، شيئاً فشيئاً، «شعاراً غالباً لرياض الصلح يقدّمه صراحة على شعار الوحدة»، وإذا بـ «استقلال سوريّة ولبنان مقدَّم على الوحدة بينهما». أمّا حظوظ الوحدة صلحيّاً فـ «ستكون موفورة بعد الاستقلال وهي، على كلّ حال، رهن بالاختبار الحرّ لأطراف الأمّة». وهكذا، وفي استخلاص يكاد يكون برنامجيّاً، لا يُجعل «تفكيك الكيان اللبنانيّ، بالتالي، مدخلاً إلى تحقيق الوحدة». فرياض، في مساره، كان «وحدويّاً في شبابه وبقي على هذا المبدأ. لكنّه لم يتردّد في تنحيته من حيث وجده باباً إلى الفرقة وإلى دمار الأوطان». وهو، في صياغة أشدّ مباشرة للمؤلّف، وجد «في استواء لبنان دولة سيّدة خيرَ ما يستطيعه اللبنانيّون لأنفسهم وما يستطيعه العرب للّبنانيّين ولأنفسهم أيضاً».

    ثمّ إنّ الصلح لم يرث اللبنانيّة بالمعنى الطبيعيّ، إن لم نقل الآليّ، الذي ورثها فيه زعماء الجبل – المتصرفيّة من موارنة أو دروز. فقد أتاها سالكاً إليها طريق البراغماتيّة والتجريب، أو الصناعة وإعمال المقارنة. فهو، بالتالي، وفي حدود التأريخ لسياسة لبنان وسياسيّيه، ينتمي إلى الطور العقلانيّ الناضج بعد طور رومنطيقيّ. وفي المعنى هذا نراه يشبه بعض «المرتدّين» وتجاربهم، هم الذين خالوا أنّ العروبة الوعاء الأوحد لمعناهم وطموحهم، ليكتشفوا، وقد أدمتهم البراهين الباهظة، أنّ الاحتمال الوحيد للمعنى، والأفق الوحيد للطموح، يقيمان في بلد ودولة بذاتهما.

    وقد اهتمّ رياض الصلح بالنموذج وبالأقليّات، ما قاده إلى سياسة ذات بُعد ديموقراطيّ مؤكّد بالملموس أكثر منه مُنظّراً في صياغات ومعادلات. فهو أدرك أهميّة طمأنة الأقليّات «بكلّ وسيلة متاحة إبطالاً لحاجتها إلى «الحماية» الأجنبيّة». لكنّه كان يرى أن الاطمئنان يجب أن يقود إلى السويّة الوطنيّة، بحيث «ينتهي إلى تجاوز الموقف الأقليّ نفسه». فالتسوية، التي قادت خطاه دائماً، لا تعني الوقوف في الوسط من كلّ شيء كما لو أنّ محطّة الوسط آخر الأفق، أو كأنّ الحفاظ على الواقع القائم، بعد تسكينه وتشذيبه من العنف، آخر الأحلام. فرياض كان «قد صوّب نظره نحو إلغاء الطائفيّة على أنّه التعبير عن «يقظة وطنيّة» هي وحدها الحاضن الفعّال للاستقلال وللإصلاح معاً».

    يعزّز ذلك عنصرٌ حديث في تكوينه، مفاده أنّ الوظيفة والسلك الإداريّ احتلاّ في حياته وحياة أبيه، بل آبائه، أكثر مما شغلت ملكيّة الأرض، ومن ثمّ فإنّ الرجل صادر عن تقليد ينطق بلسان المدينة لا بألسنة الأرياف. وتبعاً لصنف السياسة التي استهوت ورثة التقليد هذا، كانت الخدمة العامّة مدخل الاهتمام بالشأن العامّ والاندراج فيه كما مارسه واحد منهم بعد آخر.

    ثمّ إنّ سياسيّة رياض انطوت على حركيّة غير مألوفة كثيراً في لبنان، حركيّةٍ لم تُستبعد منها المنافي والسجون، تحاذيها «مسيرة نضاليّة طويلة ومتعدّدة المسارح». وعلى امتداد المسيرة تلك، كان الصلح ينفق من ماله على سياسته، فلا يكون الشأن العامّ، كما هي الحال غالباً، وخصوصاً مؤخّراً، مصدراً لتكثير المال. فهو، مثلاً، «لبث مدقَعاً لسنين، في عقد الثلاثينات ومطلع الأربعينات، وقد أصبح الدَين أليفه. ومن هذا القبيل أنّه كان قد أُخرج، في أوائل الثلاثينات، من مسكنه البيروتيّ الأوّل في حيّ الناصرة لعجزه عن دفع الإجارة (…) وقضى الرجل وهو مثقل بديون باهظة نُشرت لائحة بها، بعد مقتله، كانت في عهدة مفتي الجمهوريّة».

    والصلح، وهذا أيضاً من تعابير حداثيّته وحركيّة فهمه للسياسة، ربطته علاقة حميمة بالتحرّكات المطلبيّة، من إضراب السوّاقين إلى تحرّك مزارعي التبغ. ومن غير أن يكون اشتراكيّاً، أو يساريّاً، بأي معنى كان، لم تشمله القوائم الطويلة للمصابين بالعداء للشيوعيّة، باسم 010411b.jpgالدين أو القوميّة أو التقاليد، بل وجد في الشقّ الاجتماعيّ قاعدة أخرى محتملة للقاء عابر للطوائف. فقد «اقترب من مرشّحي الحزب الشيوعيّ نقولا الشاوي وسعد الدين مومنة. وكان يجمع بين رياض وهذا الحزب اشتراكهما في توجيه حركات المقاطعة والإضراب التي شهدها النصف الأوّل من الثلاثينات. وكانت تجمع أيضاً الصداقة بين رياض ومسؤولي الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ، وهي صداقة تعهّدها منذ إقامته في باريس خلال عامي 1927 و1928».

    والزعيم اللبنانيّ لم يكن أبرشيّاً ضيّقاً وجاهلاً بما يجري في العالم، كحال الأغلبيّة الساحقة من سياسيّي لبنان، يومها والآن. فهو «عريض الأفق شعر بأولويّة المَدارين الدوليّ والعربيّ لمعركة الاستقلال فأولاهما من طاقته ما يستحقّانه». وكان في هذا جميعاً بالغ التعويل على الرأي العامّ وعلى تكييفه وتغييره، أو بلغة الكاتب: كان لديه «تحسّس قد لا يكون بلغه سواه من أقرانه العرب لأهميّة الرأي العامّ وضرورة التوجّه المنتظم إليه». والشيء ذاته يقال في التفاوض وصولاً، في حالاته القصوى، إلى مفاوضة الحركة الصهيونيّة، شأنه في ذلك شأن جميل مردم وفارس الخوري وفخري البارودي وشكري القوتلي وشكيب أرسلان وإحسان الجابري وموسى العلمي وغيرهم. ولئن نفى رياض ذلك، مثلما كان ينفيه زملاؤه، فإن النفي المفهوم الأسباب، آنذاك كما اليوم، لا يلغي الدلالات المعقّدة لهذا النوع من السلوك. فرياض كان كثيراً ما يناوئ رغباته الأولى، ذاهباً في السياسة مذهباً لا يشبه، بالضرورة، أمزجته الأصليّة أو، إذا شئنا، غرائزه. فهو «شخصيّاً، لم يكن متحمّساً لمشروع الهدنة»، بُعيد نشأة إسرائيل، «إلاّ أنّه اقتنع (…) بأنّ قبول دعوة مجلس الأمن إنّما يمليه العقل وتفرضه الحكمة». فهو، من ثمّ، «رجل مفاوضة وتعاقد» و «من أرباب المرونة واجتراح المخارج، لا في التفاصيل الخلافيّة وحدها، بل في ترتيب الأولويّات العامّة أيضاً». غير أن ذلك لم ينفصل، لديه، عن شرط بارز هو اندراج التفاوض مع الإسرائيليّين، في عمل جماعيّ عربيّ، كما لم يغب عنه، ومن داخل الجماعيّة تلك، إيلاء الصدارة للأراضي اللبنانيّة التي احتُلّت، في 1948، ولاسترجاعها.

    فالواقع، عند الصلح، يغلب الموروث الايديولوجيّ والعاطفيّ، تماماً كما أن الديالوغ في التفاعل مع الواقع ومع العالم يغلب المونولوغ. وهو ما تسري نتائجه على عناوين عدّة.

    وكانت عقليّة التسوية الصلحيّة تحتفظ بطاقتها الأكبر للمسيحيّين اللبنانيّين الذين معهم سيُبنى الوطن الجديد ودولته. وهذا ما تنجرّ عنه موازين ومعايير ومعادلات. ذاك أنّ «العاطفة الجيّاشة التي نكبح جماحها في سبيلكم توجب عليكم أن تكبحوا جامح عواطفكم مثلنا وأن تضحّوا كما ضحّينا (…) سنضحّي نحن فضحّوا أنتم وإلاّ فلا حياة لنا بدون تضحية مشتركة ومتقابلة». فسلوكه، بالتالي، لا يفارقه الإدراك الضمنيّ بأنّ السياسة والسلام الأهليّ مغامرة فيها الكثير من الشدّ والإرخاء، وهو ما لا يخلو من تعديل في ثوابت يُظنّ أنّها لا تُمسّ تمهيداً لتأسيس ثوابت جديدة قد تُمسّ، هي الأخرى، إذا ما استدعت التسوية ذلك. وهذا لا يلغي ظهور لحظات تأزّم في السعي التسوويّ يعود فيه أحد الطرفين إلى موقفه الأصليّ الخام فيجرّ الطرف الثاني إلى موقف مماثل إنّما مضادّ، على ما حصل، مثلاً، أثناء الاستقطاب الحادّ الذي شهده العام 1936 والصراع الدائر حول المعاهدة مع فرنسا، أو حين ساقته حرارة السجال مع كميل شمعون إلى التهديد بـ «نقض الميثاق الوطنيّ». ورياض لم يكن دوماً بمنجاة من هذا الانجرار شأنه شأن سائر «المعتدلين» و «العقّال» في تاريخ لبنان السياسيّ الحديث الذي يعنف ويتطرّف مهدّداً بجرف «العقل» و «الاعتدال».

    بيد أنّ الوعي التسوويّ تسلّل إلى سلوكه الشخصيّ، الحديث والمتسامح، و «في مدى عقدين كان فيهما يشنّ حملاته على الانتداب وأعوانه، ثمّ يتولّى الحكم شريكاً لبشارة الخوري والآخرين، بقيت حبال الودّ موصولة بينه وبين أركان الكتلة الوطنيّة في السياسة وفي الصحافة، بمن فيهم إميل إدّة» الذي حماه «في أحرج لحظة سياسيّة (…) من تهمة الخيانة». ولنا أن نفهم ما يعنيه هذا السلوك بالقياس إلى ثقافة التخوين، ثمّ التكفير، التي سبقت الصلح وراحت، بعده، تشتدّ وتقوى.

    وفي استعادة لإنجازات الحكم الثنائيّ لبشارة الخوري ورياض الصلح، في نهاية مجلّده الثاني، يصوّر بيضون، على نحو بليغ، علاقة رياض بالسياسة: فهو توفّر على «إدراك فذّ لأهميّة السياسة ولأسبقيّتها بما هي إدارة حسّيّة للشأن العامّ على كلّ نشاط آخر: على المثالين الوحدويّ والاستقلاليّ بحدّ ذاتهما وعلى قتال الأعداء بحدّ ذاته وعلى إصلاح الدولة بحدّ ذاته وعلى الإصلاح والعمران بحدّ ذاتهما»، وفي السياسة فحسب «يتبيّن اشتباه الخير والشرّ خصوصاً، وإمكان أن يستحيل شرّاً ما يُعدّ بحدّ ذاته خيراً والعكس بالعكس».

    هكذا جاء الميثاق ناهضاً على مقايضتين: «الأولى هي مقايضة المسيحيّين الحماية الأوروبيّة (أو الفرنسيّة، بالأحرى) بوطن منفتح على «الخيّر النافع من حضارة الغرب»، والثانية مقايضة المسلمين الوحدة العربيّة (أو السوريّة، بالأحرى) بوطن «ذي وجه عربيّ»». وكان الصلح قد أعلن، قبيل اغتياله، وفيما المشاريع الوحدويّة العربيّة تهبّ من كلّ حدب وصوب، أن «لبنان يرحّب بكلّ مشروع يوفّق بين الدول العربيّة إلاّ أنّه يعارض كلّ ما ينتقص من السيادة الوطنيّة»، وأنّه «ارتضى لنفسه وضعاً لا يريد له بديلاً».

    أمّا العلاقة مع سوريّة فلبثت الوجه المقابل للعلاقة بمسيحيّي لبنان، إلاّ أنّه وجه مكمّل محكوم بالمنطق التسوويّ إيّاه. فقد ذلّل تحفّظاتِ سعد الله الجابري عن حدود لبنان «سحرٌ ساحر إسمه رياض الصلح»، على ما كتب يوسف سالم ونقل عنه أحمد بيضون. أمّا جميل مردم فأُطلق عليه وعلى الصلح «لقب التوأم»… لكنّ هذا ظلّ ممكناً حين كانت السياسة تفعل فعلها في سوريّة، والأمر ما لبث أن تغيّر منذ انقلاب حسني الزعيم في آذار (مارس) 1949، الذي افتتح طور الانقلابات العسكريّة 010410b.jpgالمتلاحقة والمتسارعة في دمشق: «فقد أصبح رياض الصلح خصماً لحكّام سورية المتتالين (أو لمعظمهم، في الأقلّ) يخصّونه بنفور من شخصه لا لبس فيه وبتوجّس ظاهر من نشاطه السياسيّ ويجاهرون، بين حين وآخر، برغبتهم في تنحيته عن رئاسة الحكومة اللبنانيّة». بل «كان الضبّاط الذين توالوا على حكم سوريّة (…) من الزعيم إلى الحنّاوي إلى الشيشكلي يكنّون عداء استثنائيّ الشدّة لرياض الصلح». غير أنّ «جذر العداء الأعمق»، على ما رأى بيضون، أن هؤلاء العسكريّين الانقلابيّين لم يكفّوا عن اعتبار الصلح «بقيّة جيل عربيّ ظلّ حاضراً في خاطر سوريّين كثيرين، وكان من وجوهه القوتلي ومردم».

    هكذا، مع الطور الإنقلابيّ، فقد رياض الصلح قدرته على التوسّط، إذ لا تسوية من دون تسوويّين، وهكذا تزايدت الأصوات التي تعيّره بأنّه «ليس الرجل الذي يصلح لإصلاح العلاقات بين بيروت الانتخابات – على علاّتها – ودمشق الانقلابات».

    ورياض لم يقتصد في الافتخار بالتجربة اللبنانيّة التي كان أحد أهمّ مهندسيها، وهو افتخار حمله على تقديمها، قبل أن يفعل بيار الجميّل ذلك، بديلاً من النموذج الإسرائيليّ. ويروي المؤلّف أنّه «ضرب لبرنادوت المثل اللبنانيّ لإقناعه بأنّ في وسع العرب واليهود أن يعيشوا سويّة في دولة موحّدة»، وكانت عبارته بحرفيّتها: «ها أنذا أرأس وزارة هذه الدولة بالرغم من أنّني من الطائفة الأقلّ عدداً، وهذا أكبر دليل على أنّه إذا أراد اليهود أن يزول الخلاف الموجود الآن، فما عليهم إلاّ أن ينتزعوا من نفسيّتهم فكرة إنشاء الدولة الموهومة».

    أمّا في الداخل، وتطبيقاً لما يمليه عقله التسوويّ، فآثر التمسّك بوحدة الحكم وتماسك أجزائه: صحيح أنّه في بعض اللحظات الحرجة قال «إنّه لا يحكم لبنان وحده»، أو اعتبر البتّ في موضوع إعدام أنطون سعادة مسألة تخصّ المسيحيّين وحدهم، ما دام سعادة مسيحيّاً. ذاك أنّ الحفاظ على وحدة الحكم صعبة حين لا يكون «جوّ العلاقات بين الطوائف» صافياً، فيما الطوائف، تعريفاً، مدفوعة إلى تعكير هذا الجوّ، مع ما يستجرّه ذلك من «شجار صحف» وصغائر اتّصلت بأسماء كانوا أبطالها أو ضحاياها («السلطان» سليم الخوري ووفيق القصّار وبدري المعوشي وعمر الزعني وناصر رعد وغسّان تويني وحنّا غصن وسعيد فريحة ومحمّد النقّاش وسواهم)، ومن أعياد طائفيّة ومن إطلاق رصاص الترحيب بهذا في مقابل إطلاقه ترحيباً بذاك، وطبعاً التوظيف والتنفيع وحشو الإدارات بالمحاسيب و«التجاذب في نطاق المؤسّسات» الذي سريعاً ما «يتجاوزها بيسر إلى الشوارع والأزقّة المتقابلة»…، كلّ هذا صحيح ومعروف، لكنّ الصحيح أيضاً أن «عادة» رياض كانت «الدفاع عن أعمال الحكم طالما بقي فيه، وتحمّل مسؤوليّة النطق باسم السلطة الحاكمة طالما بقيت هذه المسؤوليّة منوطة به أوّلاً». فهو وصل به الأمر إلى «غضّ الطرف عن كثير من الفساد عاينه من حوله مقدّماً على التصدّي له داعي المحافظة على وحدة الصفّ».

    وأبعد من هذا، وربّما من صنفه السلوكيّ ذاته، أنّه حين فهم أن مندوب حسني الزعيم يحمل إلى بيروت تهديداً باحتلال البلد، اندفع نحوه «كمن يستعدّ لاستعمال قبضته»، بحسب رواية منقولة عن زهير عسيران. فكان أن حدث في عهد حكومته فصم الوحدة الجمركيّة وتصفية المصالح المشتركة مع سوريّة، وقد سبق هذا ورافقه تهديدات سوريّة متنوعة صارت سُنّة في علاقة البلدين اللاحقة مع كلّ اختلاف يطرأ بين الحكومتين. وفي هذا جميعاً وقف الصلح «في وجه جانب كبير من الجمهور الطائفيّ» المؤيّد له.

    فهو كان، إذاً، زعامة وطنيّة، وبمعنى ما، إذا جاز التعبير، ثقافيّة، تلعب القراءة والكتابة والرأي والأصدقاء، لا سيّما في بيئة الصحافيّين، دوراً تكوينيّاً فيها. أمّا أسلوب الرجل في خطبه وأحاديثه فـ «أسلوب حارّ، بعيد عن الموات الخشبيّ، ولكنّه خالٍ أيضاً من محسّنات الهياج والتهييج، ميّال، عوض ذلك، إلى الحِجاج أو الإغراء، ثم إلى ترك باب للخصم يدخل منه أو يخرج».

    وبمعنى ما، لم يكن صدفة أن يحاول الإسرائيليّون، قبل أن تستقرّ دولتهم على حال، قتل الصلح التسوويّ المتباهي بنموذج لبنان. لكنْ لم يكن صدفة، كذلك، أن يقضي اغتيالاً، لا على أيدي الإسرائيليّين، بل على يد السوريّين القوميّين الذين مثّلوا دائماً نقيض ما مثّل، فكان، بقياس زعيمهم أنطون سعادة، «هذا في وادٍ وذاك في واد». ويبدو أن مسؤوليّة الصلح في إعدام زعيم القوميّين كانت أقلّ من مسؤوليّة سواه، خصوصاً من بين السياسيّين المسيحيّين، إذ هو «لا يحبّ الإعدام»، على ما قال هو نفسه، وقد ظلّ ذاك الحدث الأسود «ثقيلاً جدّاً على ضميره». لكنّ الإيحاءات المعاكسة ربّما نجمت عن حزمه في أمر السيادة الوطنيّة، حيث كان القوميّون مخلب القطّ يستخدمه حاكم سوريّة العسكريّ حسني الزعيم، وقد يستخدمه حكّام عرب آخرون. فهو تشدّد سياسيّاً في قضيّة سعادة بعدما سبقها عدد من الانتهاكات السوريّة للحدود اللبنانيّة، كان أهمّها اغتيال جنود سوريّين كامل الحسين اليوسف داخل لبنان بحجّة أنّه «جاسوس». أمّا الشغب الذي أعقب اغتياله على أيدي عبّاد سعادة، وارتسام شبح فتنة مذهبيّة، فكان معناهما «أن رياض الصلح قد مات».

    وهذا جميعاً ما يفسّر سرّ جاذبيّة الأخير على أحمد بيضون، وهو سرّ توثّقه وتقطع فيه كلمات الكاتب نفسه، المتّهَم بالانجذاب إلى السياسيّ الراحل وباستحضاره إلى زمنه.

    * عملُ أحمد بيضون هذا، المعنوَن «رياض الصلح في زمنه»، لم يزل مخطوطة تنتظر النشر، وموقّع هذه الأسطر أحد الذين كان لهم امتياز الاطّلاع عليها. فيها لم يترك بيضون شاردة أو واردة في حياة الصلح، أو أقواله أو ما قيل فيه، إلاّ عاد إليها وضمّنها عمله، فيما تولّت لغته المضيئة التخفيف من وطأة الطول والكتابة الأكاديميّة. وهو اختار أن يستعيد «تقليداً شائعاً في الكتابة العربيّة» هو الجمع بين كتابين على كلّ واحدة من 010409b.jpgالصفحات، واحد أسماه «السياق» (س) أراده الخلفيّة الاقليميّة والدوليّة للرواية الصلحيّة، وآخر أعرض منه أسماه «الموضوع» (م) هو الرواية نفسها. وربّما لبّى هذا التقسيم رغبته في أن يأتي الكتاب «مثاراً للبهجة»، إلاّ أنّ موقّع هذه الأسطر لم يتزحزح عن انحيازه للنصّ الواحد، خصوصاً أنّ الخلفيّة («السياق») أوغلت أحياناً في تفاصيل يصعب وصلها بالرواية («الموضوع»). وهذا ربّما نتج من انئخاذ الكاتب بالكتابة نفسها مما يصاب به الكتّاب عادة. كذلك اعتذر بيضون «مع قدر من الأسف» عن الاستغناء عن الهوامش بسبب «الصيغة الآنفة الوصف». وعلى رغم وجاهة السبب تقنيّاً، فإن ذلك يحرم القارئ والدارس شيئاً ثميناً جدّاً، عسى أن يكون قابلاً للتفادي لدى النشر (إمّا بإدراج المراجع في آخر الكتاب، أو بالاقتصار في أسفل الصفحات على هوامش «الموضوع» دون هوامش «السياق»).

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

Candice Raymond sur “La Degenerscence…”

Ahmad Beydoun, La Dégénérescence du Liban ou la Réforme orpheline, 2009.

in Le Mouvement Social, 21 decembre 2009.

 

Ahmad Beydoun, La Dégénérescence du Liban ou la Réforme orpheline. Arles, Actes Sud, 2009, 172 pages. « L’actuel ».

Que l’on ne se fie à la brièveté de l’essai, car il s’agit là d’un livre dense qui « contient les aboutissements d’une très longue réflexion ». Tiré d’une série de conférences au Collège de France reprenant la substance d’une contribution au Rapport du PNUD sur le développement humain au Liban, le dernier ouvrage d’Ahmad Beydoun marque en effet le temps de la synthèse pour le sociologue libanais. Mais il constitue, tout autant que la synthèse des réflexions d’un des plus brillants universitaires de sa génération, la contribution politique d’un intellectuel dont le parcours est marqué par un sens aigu de la responsabilité du penseur dans la Cité. Or cette contribution intervient dans un contexte de crise profonde du système politique libanais. Au-delà des aspects les plus conjoncturels et les plus médiatisés de la situation de crise politique, institutionnelle et sécuritaire qui secoue le Liban depuis l’assassinat, en 2005, de l’ancien Premier ministre Rafic Hariri, Beydoun cherche à rendre de la profondeur historique à un phénomène, le communautarisme politique, qui constitue pour lui le véritable moteur de cette dynamique du pire donnant son titre à l’opuscule : « la dégénérescence du Liban ». Le constat de crise innervant l’ensemble de la réflexion prend ainsi l’allure d’un cri d’alarme et d’une salutaire piqûre de rappel, tant la déconfessionnalisation du régime politique, serpent de mer de l’histoire contemporaine du Liban, semble avoir disparu des revendications politiques au cours des dernières années. S’insurgeant contre une certaine forme de fatalisme, et encore davantage contre les discours faisant de nécessité vertu, Ahmad Beydoun propose, d’une part, une analyse sans concession du triomphe du communautarisme libanais et de l’impasse mortifère dans laquelle ce succès historique a mené le pays. Il en tire, d’autre part, une série de recommandations devant conduire à la mise en place d’un régime véritablement démocratique fondé sur le principe de citoyenneté.

Le premier temps de la démonstration consiste en une réfutation des accusations de consécration du communautarisme faites à l’encontre du Document d’Entente Nationale (adopté en 1989 dans le cadre des accords de Taëf ayant permis de mettre fin à la guerre, il a été intégré in extenso dans le préambule de la Constitution libanaise en 1990). Il s’agit pour Beydoun de montrer, au contraire, que le principe de citoyenneté est au cœur du Document comme il le fût déjà dans celui de la première Constitution du Liban contemporain, en 1926. Les dispositions constitutionnelles et juridiques qui contredisent cet « esprit » de la Constitution ont trait au système politique (communautarisme politique) et à la gestion du statut personnel et de l’enseignement (communautarisme civil). Ces dispositions ont en commun d’être présentées comme non-exclusives d’un système de droit commun, pour ce qui est du civil, et comme des pis-aller temporaires, pour ce qui est du politique. Concernant ces dernières, l’accord de Taëf va jusqu’à programmer leur démantèlement, dont il prévoit les étapes et instruments. Ce n’est donc pas, selon l’auteur, à la Constitution, ni même au Pacte national de 1943, mais plutôt à une « conduite démissionnaire de l’État » et à une « insoutenable légèreté dans le traitement de la Constitution » qu’il faut attribuer la pérennisation de ces dispositions et l’approfondissement de l’emprise communautaire sur le système politique comme sur les citoyens. Car dans le même temps, l’institutionnalisation progressive des communautés, qui dominent globalement les appareils politiques, leur a permis de s’offrir comme alternative au processus de construction nationale métacommunautaire. Ces communautés, tendant à l’autarcie, limitent « leur besoin de l’État à l’exploitation politique de celui-ci » et l’empêchent de jouer un rôle d’arbitrage des conflits internes, ouvrant ainsi la porte aux ingérences des parties extérieures. Le double blocage de la construction nationale et de la mise en place d’un État souverain ne provient pourtant pas de la diversité communautaire en soi, comme le montrent de nombreux exemples de nations pluriculturelles dans le monde, mais plutôt de la cristallisation des communautés en groupements multifonctionnels exerçant un contrôle de plus en plus exhaustif sur leurs membres.

S’il est absurde de croire en une génération spontanée de l’identité nationale, la « récapitulation hâtive du parcours contemporain » du Liban que propose Beydoun dans un second temps permet pourtant de mettre en lumière le chemin parcouru depuis la création contestée de l’État libanais en 1920 : les « annexés » n’ont cessé de renforcer leur attachement à « l’entité » libanaise et de chercher à améliorer leur position en son sein. Les bases d’une construction nationale étaient donc présentes, mais ce sont les « polarisations communautaires dues aux quêtes de modification des équilibres socio-politiques » qui en empêchèrent l’actualisation. Si « d’être disputé, l’objet qu’on réduisait en lambeaux était paradoxalement confirmé dans son unité », l’aboutissement des cristallisations communautaires est une impasse : le succès du communautarisme l’a mené dans une crise fatale, dont le symptôme principal réside dans son échec à assurer une gestion cohérente et efficace du pays et à prévenir la résurgence périodique de conflits ouverts. Discutant les arguments de ceux qui, prenant acte de la segmentarité de la société, plaident en faveur d’un système consociationniste comme mode de gestion politique de la diversité communautaire, Beydoun défend au contraire « l’option d’États, présents en force dans le camp des démocraties, qui, en charge de sociétés aux nombreux clivages verticaux, assurent la protection des minorités (et, dans un sens, de la majorité aussi) non pas en faisant épouser à la représentation politique les contours primordiaux de la société mais en pénalisant toute discrimination portant atteinte au principe de l’égalité des citoyens. » Cette option lui semble d’autant plus impérative que, dans le cas libanais, le mode de partage du pouvoir entre communautés tendit à dépouiller de certaines de ses prérogatives un pouvoir central que les régimes consociationnistes prennent théoriquement soin de préserver. Beydoun avance ici la notion de « syndrome des communautés spécialisées » pour rendre compte de l’appropriation par certaines communautés, réelle ou perçue comme telle, de missions normalement dévolues à l’État central : la libération du Sud-Liban et la résistance à Israël devint ainsi l’affaire exclusive de la communauté chiite, la reconstruction et l’assainissement des finances publiques celle des sunnites, et la récupération de la souveraineté nationale face à la tutelle syrienne celle des maronites. Mais loin d’être cumulatifs, ces acquis de la période d’après-guerre, du fait de leur cachet communautaire, ont davantage contribué à l’approfondissement des divisions intercommunautaires qu’à la formation du consensus tant vanté par les tenants d’une consociation à la libanaise.

Les pages que Beydoun consacre ensuite à la notion de société civile, notion qui a gagné en visibilité dans la littérature sociopolitique sur le Liban dans la mesure où elle permet de désigner toutes les forces citoyennes susceptibles d’échapper à la société politique communautaire, ne permettent guère d’égayer le sombre tableau dressé jusque là par l’auteur. De la politisation de l’action syndicale à la mise en dépendance des milieux patronaux vis-à-vis des leaderships communautaires, en passant par le repli d’un « mouvement civil » dont la plupart des campagnes de revendication se sont soldées par des échecs, les espoirs fondés sur la société civile s’effacent devant le constat de subordination de la sphère socio-économique au jeu communautaire. Ultime élément de diagnostic, l’analyse que Beydoun propose des modes d’articulation entre ce même jeu communautaire et les logiques d’influence des parties extérieures met en lumière plusieurs paradoxes, notamment entre le patriotisme réel qui anime la plupart des acteurs libanais et leur aptitude à se soumettre aux logiques d’inféodation à l’extérieur venant miner la souveraineté de l’État. L’issue de toute l’analyse est sans appel : la réforme du système libanais représente « une question de vie ou de mort ». Mais il existe un acquis à partir duquel construire cette impérative réforme : le Document d’Entente Nationale, sur la base duquel Beydoun décline une série de propositions susceptibles de donner corps au projet de déconfessionnalisation en favorisant le « passage d’un système basé sur les quotes-parts à un autre fondé sur une logique de garanties antidiscrimination des citoyens » : élaboration d’une nouvelle loi sur la nationalité, remise sur rails du projet de loi civile facultative sur le statut personnel, nouvelle division administrative du pays, nouvelle loi électorale, déconfessionnalisation des trois présidences, des postes ministériels et de la fonction publique, etc. Mais encore faut-il, pour enclencher cette réforme, que les Libanais prennent conscience de l’urgence de la situation et convergent autour d’un consensus minimal sur le rejet du communautarisme. Or, « […] ce refus d’une commune identification du mal est précisément ce qui, jusque-là, rendait ce mal incurable. Le véritable mal, ce n’est autre que ce refus ». Quid d’une réforme sans réformistes ?

Cette dernière interrogation de l’auteur nous inspire deux remarques relatives à la genèse du projet réformiste libanais et à ses promoteurs. Si, comme le souligne Beydoun, « le communautarisme a une histoire », le projet de déconfessionnalisation en a aussi une. Et l’on peut à cet égard regretter la rapidité avec laquelle Beydoun traite de la guerre de 1975-1990, dont la dynamique initiale s’est pourtant nourrie d’une tentative de « réforme par les armes » (pour reprendre ici l’expression de Fawaz Traboulsi) menée en partie par des mouvements d’inspiration laïque sur l’échec desquels on aurait apprécié que Beydoun se penche davantage. En outre, si la réforme est orpheline, comme le stipule le sous-titre de l’ouvrage, peut-on faire dès lors l’impasse sur une lecture de la « paternité » du Document d’Entente Nationale? Beydoun ne mentionne à aucun moment ni les multiples propositions et tentatives de règlement qui ont précédé l’accord de Taëf et en informèrent la genèse, ni qui en furent les rédacteurs (à savoir ce qu’il restait en 1989 du parlement libanais élu en 1972), sans pour autant hésiter à se référer à « l’intention du législateur ». Le plaidoyer de l’auteur cherchant à disculper du pêché communautariste les textes constitutionnels du Liban contemporain ne semble pas complètement convaincant. On peut regretter ici que Beydoun ait abandonné certaines de ses analyses antérieures (son concept de « pudeur des communautés » par exemple) pour expliquer le fait que chaque étape constitutionnelle allant dans le sens d’une reproduction du communautarisme politique soit, dès le départ, allée de pair avec l’affirmation de son caractère provisoire et de la nécessité de son dépassement. Peut-être doit-on voir dans cette évolution la conséquence de ce que nous soulignions en introduction, à savoir que l’ouvrage ici recensé s’avère finalement être la contribution d’un intellectuel engagé, dont le désir d’une plus grande efficace de l’argumentaire paraît parfois affaiblir la portée heuristique de l’analyse. Pourtant, une plus grande historicisation du Document d’Entente Nationale, tout en permettant de mieux saisir les ressorts de l’échec de la réforme annoncée, n’en diminue pas nécessairement le potentiel réformateur, toujours actualisable. Point n’est besoin d’en appeler à « l’esprit de la Constitution » pour justifier l’appel fait aux citoyens à se saisir des opportunités fournies par l’accord de Taëf, aussi conjoncturels que puissent apparaître certains de ses déterminants. Le débat permanent sur les implications de Taëf qui a marqué la scène intellectuelle d’après-guerre et les multiples lectures du Document qui en résultèrent, témoignent bien du fait qu’il ne saurait y en avoir une interprétation exclusive et transcendante, ce qui est une bonne nouvelle : cette ambivalence est précisément ce qui en détermine la plasticité, elle autorise une marge d’interprétation et sa réappropriation par les citoyens. Taëf sera aussi ce que les Libanais décideront d’en faire.

Candice Raymond
Pour citer
Candice Raymond, « Compte rendu de Ahmad Beydoun, La Dégénérescence du Liban ou la Réforme orpheline, 2009. », Le Mouvement Social, et en ligne : http://mouvement-social.univ-paris1.fr/document.php?id=1577.
Mise en ligne le 21 décembre 2009.
© 2001-2007 Le Mouvement Social.