https://acrobat.adobe.com/link/review?uri=urn:aaid:scds:US:b9dd50eb-e85d-331f-b855-ceff611d9146
فادي العبد الله في مجلّة كَلَمُن
ظهرت في العدد الرابع من فصلية “كَلَمُن”، خريف 2011
كلمن | غناء فيروز لكلمات زياد
Source: كلمن | غناء فيروز لكلمات زياد
غناء فيروز لكلمات زياد:
قمر الصباح الباكر يحكي بلايا آخر السهرة*
أحمد بيضون**
الصوت ولونه
كثيرا ما قيل إن صوت فيروز خلق للصباح. وتلزم محطات الإذاعة هذا الرأي لزوما إجماليا فتبثّ أغاني فيروز فيما الناس يرشفون فنجان قهوتهم الأول أو يمسحون فوضى الليل عن صور أجسامهم وعن دواخل بيوتهم مفتتحين بذلك منطق النهار. وقد لا تلزم محطات التلفزيون هذه القاعدة لأن التلفزيون آلة ليلية على التغليب. ولم يكن لفيروز نفسها أن تستغني عن السهر بشخصها مع الناس.. فالناس ألفوا، لأسباب لا تعتدّ بلون الصوت، أن يكون الغناء متاعا للسهرات. ولم يحصر الأخوان رحباني شعرهما المغنّى بوقائع النهار أيضا. بل الراجح أن الليل كان أشدّ استدراجا لهما إلى الشعر لأن آية النهار مبصرة والشعر لا يوافقه كثيرا ما يفرضه النهار من مطابقة فظـّة (وإن تكن ظاهرية) بين صور الأشياء وأسمائها. عليه كانت فيروز، في عهد عاصي ومنصور، تغني، بصوتها الحي، في الليل… وهي قد غنت لليل كثيرا، في عهد عاصي ومنصور أيضا. ومع أن مانعا لا يمنع أن يأنس المبكرون للسماع إلى أصناف شتى من الأخيلة الليلية، فإن بين الأغاني التي كتبها عاصي ومنصور (أو كتبها غيرهما) لفيروز ما لا يصلح أصلا لمزاج السابعة صباحا: “بكوخنا يا ابني”، مثلا، أو “تخمين راحت حلوة الحلوين”.
مع ذلك، لا نرى حدس محطات الإذاعة الإجمالي يجانب الصواب. وهو حدس يذهب المتأمل فيه، على الفور، إلى ضده المتعلق بأم كلثوم. فليس صعبا إقناع المنهك أو المتخم بأن شدو هذه السيدة بقول الخيـّام : “فما أطال النوم عمرا…” لا يوافق ساعة القيلولة.
يجد الناس للصوت أوصافا مختلفة، ويستعيرون لتسميتها من مصطلح حواسهم الخمس، وتسوقهم القريحة إلى استعارة مصطلح اللمس، خصوصا، لحاسة السمع. فيقولون: “صوت خشن” ويقولون: “صوت حاد”. وأما أنا فأسأل: هل لصوت فيروز لون؟ ولا أسلـّم إلا مرغما، بأن فيروز سفيرتنا إلى النجوم. فإنما يغلبني الظن أن صوتها هو نور القمر. وليس يذهب خيالي إلى القمر الذي يطلع في أول الليل أو في وقت غير معيّن من أوقاته. وإنما أشير إلى القمر الذي يتأخر إلى ما بعد الفجر بساعة. ذاك هو القمر الذي سأنظر إليه لأتملى فيه من صوت فيروز ولن ألتفت إلى الشمس قط، وإن تكن طلعت. فليس يصحّ في هذا الصوت حديث الحرارة (أو الدفء) وما يخالفهما أي البرودة. هو صوت يلاعب الروح لا غير، فيجب علينا، كرمى لفيروز، أن نسلـّم بوجود الروح. والمعوّل عليه ههنا أنني لا أجد صوت هذه السيدة أصفر ولا برتقاليا. وأما النجوم فهي تلمع أكثر مما يجب بقليل.
تستعار المعادن أيضا لوصف الأصوات. ونهاية ما سبق أنني أجد صوت فيروز فضيا. وهو الفضة جليت من يومين أو ثلاثة لا من دقيقتين. وما هو بالذهب ولا بالماس ولا يزيده إلا عزّا ألا نعتدّ ، حين نصفه، بمقياس الأسعار. فنحن، حتى تاريخه، ننام ونقوم في بيوتنا لا في بورصة دبي.
العِـيّ
هل تركتنا فيروز مقيمين في بيوتنا فعلا طيلة نصف القرن الذي مرّ ونحن نسمع بصوتها ومعه شعر الأخوين رحباني وألحانهما؟ الجواب صعب لأننا كنا معها في أقصى الوحشة وأقصى الألفة، في آن. كنا في العراء ولكن هذا العراء كان هو المنزل الذي ولدنا فيه وبات، من يوم أن ولدنا، غير موجود. فليس غناء فيروز للأخوين رحباني غير هذا الاتحاد شبه التام للوحشة وللألفة. وأقول “شبه التام” لأن ما كان يقوله هذا الغناء هو، على وجه الدقة، أن بيت ولادتنا قد أصبح أطلالا ولكنه كان لا يزال قائما، بمعالمه كله فينا. كنا قد كففنا عن الإقامة فيه، مذ بات غير صالح لسكنانا، ولكنه كان لا يزال مقيما فينا.
الذي حصل حين ترك زياد حضن أمه ليعلـّمها كلاما لم يتعلمه منها أن البيت الذي كانت فيروز ترتبه فينا كل صباح تهدّم هو أيضا وأننا علمنا، في المناسبة نفسها، أن أطلال الخارج قد زالت هي أيضا أو هي أمست على مشارف الزوال. علمنا أيضا، أو وجب علينا أن نعلم، أن هذه سنّة الحياة وأنها سنّة الموت أيضا. فنحن في سنّ قريبة إلى سن فيروز أو إلى سنّ غنائها. وأما زياد وغناؤه فقريبان من سنّ أولادنا. أركن إلى هذا التعليل مؤقتا، عالما بأن الاحتجاج بالسنّ سرعان ما ينكشف ضعفه وأنه لا يعفي أحدا من المسؤولية عن ذوقه.
وقد كنت ذهبت، قبل عشرين سنة، في كلام وجيز على مسرح زياد الرحباني[1]، إلى أن هذا المسرح يؤو ل إلى إخراج العِيّ اللبناني أي عجز اللبنانيين عن الكلام المفيد… أو قصور عبارتهم عن ملابسة المعنى المراد بها. هذا العيّ عيّ مداور. فاللبنانيون يقولون، في نهاية المطاف، ما يريدون قوله ويعرف بعضهم، في نهاية المطاف، ما يريد بعضهم الآخر أن يقول. حتى إن هذه المعرفة قد تسبق القول نفسه. ولكن المطاف المشار إليه يأتي طويلا معقـّدا ويشير، بطوله وبعقده، إلى مقاومة ما للقول السوي، للمختصر المفيد، وإلى عجز عنه. ليس ما يقال ضائعا إذن. ولكن في الاستراتيجيات المتقابلة للقول ما يجعله قولا بدلا من ضائع. وعلة ذلك أن بين اللبنانيين من الحوائل التي قد ينكرون والمكتومات التي يعلمون ما يجعل صراحة القول، في الدقيق والجليل من المسائل وبين الكثير أو القليل من المتخاطبين، بابا لقطع الكلام أصلا وللوصول فورا إلى أقصى التنازع. هذا بينما تقتضي الحال تجزئة التنازع، عبر التطويل في الكلام وليّ مجراه مرارا وتشعيبه هنا وهناك، بحيث يحول التنازع الكبير، القابل للفتح على مصاريعه كلها، إلى منازعات تفصيلية تطيقها حياة كل يوم.
هل بقي لعيّ اللبنانيين أو للحُبْسة في نطقهم هذا المثول نفسه في كلام الأغاني الذي كتبه زياد لفيروز؟ نعم و لا. في خانة نعم، أن زيادا لا ينتظر اجتهادنا في موضوع العي والحبسة وإنما يعلن حصولهما إعلانا مباشرا:
“وهيدا جارو ما بيفهّم شي.
بيحكيلي خبريات
وبيحكي عموميات
وبيبرم ساعة عالكلمة وما بتطلع هي بالذات.
وفي خانة لا، أن العجز عن الإفادة يتكشف عن إستراتيجية قائمة برأسها. تتمثل المرحلة الأولى من هذه الإستراتيجية في فرض النسيان على المحاور (أي ما هو عكس إفادته)
وبياخدني وبيرجّعني وبينسّيني
نسّاني والله نسيت.
(…)
وهذا قبل أن تنتهي الإستراتيجية نفسها إلى فرض الانهيار على محاور أعيته الحيلة:
خبِّرني إنـّو جارو شو دبّارو
معقولي هالشي؟
بيحكي بين شفافو
وبيجاوب بكتافو
يعني الحكي مش متل الشوفي
فعلا لو حدا شافو…
بيتعّبني وبينكّدلي العيشي
وديني بكّاني، والله بكيت!
هي الحرب إذن، لا مدافع فيها ولا راجمات. فإنما يكفي منظر الخصم لتقع الهزيمة. ومنظر الخصم منظر واجهة لا تخرق. فهو أشبه بالحصن يحجبه ساتر هائل الصفاقة من مكعـّبات الإسمنت وأكياس الرمل. وأما الهزيمة فما هي غير خيبة الجهد لحمل الخصم على تقبل غاية مشتركة للكلام، أوّلا، ولحمله، ثانيا، على اعتماد مصطلح للكلام ومسالك وقواعد لتداول الكلام تفضي به إلى هذه الغاية لا إلى غيرها ولا إلى ضدها.
الفعل الناقص وفعل القول
ومن وجوه العيّ أيضا أن زيادا، إذ يحاول تعيين معالم بارزة لفقر الكلام اللبناني، لا يجد أمثل من الأفعال الناقصة، وخصوصا منها “كان” و”صار”. وهي أفعال يسعها أن تكون تامة أيضا فلا يزداد مدلولها غنى أو تعيينا. ينشئ زياد أو يستعيد تراكيب تتكرر فيها هذه الأفعال وتطغى. ومن قبيل ذلك “مش كاين هيك تكون” وريتو عمرو ما يكون” و” ما بعرف شو صاير لك”… ويضاف إلى تكرار الأفعال الناقصة تكرار أفعال القول من قبيل “قال” و “حكى” و”خبّر”. وهذه أفعال لا تقلّ نقصا عن سابقتها. هي متعدية تحتاج إلى مفعول. ولكن قد يكون المفعول الذي تحتاج إليه مفعولا لا كالمفاعيل. فأنت إذا قلت: “أكل حسن” كفاك أن تضيف التفاحة إلى الجملة ليتمّ المعنى وإن لم يشبع حسن. وأما إذا قلت: “قال حسن” فستجد نفسك، على الفور، تحت رحمة حسن الذي يمكن أن يحتاج إلى يومين ليقول ما عنده. لذا صحّ أن نعتبر أفعال القول، بحد ذاتها، بين أفقر أفعال اللغة مدلولا… فيتنوع مدلولها ويتشعّب، بحسب المفاعيل، إلى غير نهاية. وقد يكون مفعول فعل القول، عند زياد، ظاهرا ومحصورا: “اشتقتلك” أو” اشتقتلّي” مثلا. فيتكرر في جمل من قبيل: “اشتقتلّك، اشتقتلّي… بعرف مش رح بتقلّي”، و “طيب مش قصة ما تقلّي” و “طيّب أنا عم قلّك”. وقد يبقى المفعول مقدّرا وعامّا، من قبيل “بتحكي وبتصير ما بتسمع”. وفي الحالتين (وفي حالة الأفعال الناقصة أيضا)، نجدنا أمام نزاع أو خيبة أو غضب أو يأس ضمرت ملكة التعبير عنها إلى أدنى حدودها واقتصر زادها على المدقع من الألفاظ. ويتكرر فعل “فهم” أيضا مع أفعال القول ولكن ليعلن أن القول لا يصادف فهما وأن هذا الأمر إنما هو صورة النزاع والخيبة وما إليهما، أو هو أول ملامح الصورة، على الأقل.
تبقى الجمل مفتوحة، طبعا، أمام مخيلة السامع. فيسعه أن يودع في “مش كاين هيك تكون” أو في “ما بعرف شو صايرلك” حكايات وروايات. ويسعه أن يودع مثل ذلك في “بعرف مش رح بتقللي” وحتى في “قال عم بيقولو صار عندك ولاد”. وذاك أن القراءة في الغيوم ممكنة لمن شاء. وأما فضل الغيوم في إمكانها فيبقى محل نقاش.
بين الحُبْسة والإفراط
أعود إلى العيّ والحبسة. هذان قد يتخذان أيضا، عند زياد، صورة الإفراط في دفق الألفاظ والإيقاع السريع لتتابعها. قد أذهب لبيان هذا الأمر إلى أغان ذكرتها دليلا على ضدّه: إلى “اشتقتلّك”، مثلا، أو إلى “مش كاين هيك تكون”. ففي الأولى صفّ طويل من المواقف والعواطف: عمل الزمان وحصول النسيان، والغلط وعدم المواساة والإحساس بالعلّة و”العيشة عالهلّة” والاستفقاد… والشوق، طبعا. وفي الثانية ركام عجيب من الأشياء الحسية: الزيتون والصابون والليمون واليانسون والصالون والبلكون والكميون وسائر ما “يخلص بحرف النون”. في الحالين، يجري عرض لحالة طارئة على عالم تسعى كلمات الأغنية إلى تفصيله. وهذا العالم، في الأغنية الأولى، عالم عواطف ومواقف، وهو، في الثانية، عالم أشياء حسية. في أغنية ثالثة (ذكرتها أيضا)، وهي “انشالله ما بو شي”، نقع على حشد غير ضئيل من البشر: على المشكو إليه وعلى الشاكية وصاحبها طبعا، وعلى “جارو” الآنف الذكر، ولكن أيضا، على “الدكنجي” وعلى “اللي بالأول” وعلى “أهل” الحبيب وأصحابه، أخيرا. في كل من هذه الحالات، إذن، تتبدّل المادّة التي أنشئ منها الديكور ويتغير معها الحقل الذي تستمد منه الألفاظ. يتخذ الشوق المضطرب الموقع موقعَه في قاموس العواطف، ويجد ذواء الحب ديوانه في نصول ألوان العالم وضمور أبعاده وتعثـّر حركاته، وتعبـّر اللهفة عن نفسها في تصفـّح لإعراض البشر عن إغاثة الملهوف. وهذا كله حسن وإن كان يحسن بنا أن نعود إلى العلـّة المحتملة لملازمة الهزء والضحك هذا كله.
قبل ذلك، أحب أن أذهب، لاستقصاء الإفراط اللفظي، بما هو أسلوب مواجهة مرادف للعيّ عند اللبنانيين، إلى أغنية أخرى هي آية آيات الإفراط المذكور، وهي “لا والله”. ههنا نقع على امرأة ذات ثروة عريضة من مفردات الكلام وتراكيبه وموهبة فذّّة في إطلاقه بسرعة وقوّة. وأما المدار الأول لكلا مها (وهو كلام احتجاج وتعنيف) فهو، على وجه الدقّة، أن حبيبها الذي تخاطبه يضارعها ثروة وموهبة في المضمار نفسه: مضمار الكلام. بل إنه لا يملك غير هذه الثروة إذ إن موضوع البيت وتأثيثه ما يزال معلقا. وخلاصة المبارزة (التي نسمع من طرفيها طرفا واحدا) أن “الحبيبة” تريد أن “تأكل رأس” الحبيب الذي يواظب بدوره على “أكل رأسها”.
كلمة كلمة يا حبيبي تا إفهم عليك
أو فتـّش عن غيري يفهم إذا رح تبقى هيك
يكون بيحكي بسرعة قّدّك ما يسمع عليك
بتشارع ضيعة يا حبيبي وما بتقدر عليك
بدّك دولة أو شي أمة أو أكبر من هيك
يمكن كوكب أو شي أكبر تا يستوعب ليك!
ولأتجاوز هنا عن سطرين (سأعود إليهما) من كلمات الأغنية لأصل إلى ختام هذا المقطع الذي ننتقل بعده إلى قسم آخر من الأغنية يصبح فيه البيت والفلوس (لا الكلام نفسه) مدارا للكلام. ختام المقطع إذن:
بتحكي فوقي وبحكي فوقك شو رح نستفيد؟
صدّقني يوماً عن يومٍ حَكْيك غم يزيد
بتقللي بتضلـّي تعيدي وإنت العم تعيد
ومأكّد دايما من كل شي وما في شي أكيد!
هذه “الحرب الصغيرة” تكشح، أوّلا، كل أثر لصورة السعادة البطولية التي تفترض تربية تزعم لنفسها الشيوع عندنا أن اقتران الحب بالفقر يفتح أمام الزوجين المتحابين أبوابها (وهي نفسها أبواب الكفاح الصعب لـ”تحقيق الطموح” أو “للقناعة بالمقسوم”، على الأقل). لا أثر للقناعة ههنا ولا أمل يواكب الطموح. ولا تشنّ الحرب على خصم ما يعترض طريق الحبيبين، بل تدور الحرب بين زوجين نخمـّن أن عمر الحب في بيتهما كان قصيرا. وأهم ما يقوله الكلام الكثير من الجهتين أنه كلام لا طائل تحته ولا هو مفهوم أصلا ولا هو يغيّر شيئا من سوء الحال. يردّنا هذا، من باب آخر، إلى مسألة العيّ والحبسة. فهذا ن لا تعالجهما كثرة الكلام، بحد ذاتها. وسواء أكنّا أمام الذي “بيحكي بين شفافو وبيجاوب بكتافو” أم أمام الذي “بيشارع ضيعة”، بداية، لينتهي إلى مشارعة الكوكب أو ما أصبحنا نسميه، بعد ماك لوهان، “الضيعة الكوكبية”، فنحن أمام انسجام مفقود أو نزاع مفتوح، وبيننا وبين “التفاهم” (ولنسمّه “التوافق”، إن شئنا، ولنسمّه “الحوار”) عرض السموات والأرض. ما الذي يجعل الحوار سرابا؟ إنها الحبكة المحكمة حبكها كل لنفسه وحبس فيها نفسه وحبس غريمه أو شريكه فيها أيضا. هذه الحبكة يمكن أن تكون حبكة الزوجة أو الزوج لما يراه (أو تراه) صورة لمستقبل البيت. ويمكن أيضا أن تكون رواية لتاريخ البلاد أو تصورا لمباني نظامها الاجتماعي السياسي ولخط سلوكها في مسائل المصير. في هذه الأحوال جميعا يستوي “الحكي بين الشفاف” و”المشارعة” التي يعلو فيها الصوت ويكثر الكلام ممسكا بتلابيب بعضه بعضا بحيث لا يتميز ولا يفهم. في الحالين، في البلاد وفي البيت، يكثر أن تبدو القدرة على الكلام مرادفة للعجز عنه أو لكتمانه.
ولكن “شو بدّي بالبلاد” على ما يقول زياد، بصوت فيروز، في أغنية أخرى. و”خلينا بالبيت”، على ما تأمر فيروز في أغنية كتب كلامها جوزف حرب. إذا صحّ أن الكلام القيّم لا يستغني عن نقض كلام سبقه (من قبيل أن”الإسلام يجبّ ما قبله”، في رأي ذوي ملـّته) فأيّ كلام هو ذاك الذي تنقضه فيروز وهي تغني كلام زياد؟ مرّة أخرى، يوفـّر علينا زياد نفسه عناء البحث. “ما تبحثو… ما تبحثو”، تقول فيروز في “سلـّملي عليه!”. أمرك سيدتي! لن نبحث!… في “لا والله” التي وقفت مع نصها طويلا، تشدو فيروز بمطلع أغنيتها القديمة: “ياريت! إنت وأنا بالبيت!” ثم تستدرك على الفور:
“بس كل واحد ببيت!
فعلا حلوي هالغنية بس جدّ انسمّيت!”
وهذه الإلماحات الهازئة إلى قديم فيروز تتكرر في ما تغنيه من كلمات زياد. من “كيف طلّ الورد بشبّاكي مع إنو ما دقّيت!”، في الأغنية نفسها، إلى ” مش سامع غنّية راحوا؟” فإلى
“كاين راقي وحنون
أو مايل عالغصون”،
في أغنية “مش كاين هيك تكون!”، إلخ.
الرومانسية ووجه الآب
فمن يوم أن وضع زياد مسرحيته “شي فاشل”، وأخرجها وعرضها على خشبة مسرح جان دارك، في سنة 1983، لم يتعب من مناكدة أمه وأبيه وعمّه. وهو “يمون”، بطبيعة الحال. فموقعه لا يشبه في شيء موقع أي “إنسانة” “تمرق وتفرق وتصير تمون”! فإنما هو، مع فيروز والرحبانيين، في بيته، وهذا هو عالمه، وهو يعلم ذلك، لا ريب، وقد كرّس حياته، بما هو فنان، للخروج من هذا العالم وعليه، وهو حر في ذلك… بل إن هذا الخروج هو حريته عينها وليس لأحد أن يقترح عليه غيرها.
ومأخذ زياد على عالم الرحبانيين أن أصداء العالم الذي نروح فيه ونغدو ونتعايش ونتنازع، يفوته أهمها. فهو لا يصلح، بالتالي، مرجعا يردّ إلينا، بلغة أخرى خاصة، عالمنا الذي نحن فيه فيسعفنا في إدراكه حقا وقد يسعفنا في تغييره. ولكن ما هو عالم الأخوين رحباني؟ إنه، بالعبارة الوجيزة، عالم الرومانسية. توجد “أنا”، هي حينا لجماعة وأحيانا لفرد، تفرض نفسها بؤرة لهذا العالم وترتجل لها مخيلتها أو عزيمتها حقا في تسخيره وإلحاقه بها، بسائر مكوناته: من العشبة الطفيفة إلى المجرّة، ومن العناية الإلهية إلى العفاريت الصغيرة الداجنة، المقيمة في الجوار والمستعدة دائما للأخذ والعطاء… فإلى الشياطين الكبيرة القابلة، بثمن ما، للإقصاء إلى كهوفها البعيدة، ولو بعد حين.. عليه تملك الأنا أن تسترد توازنها كلما اختل. هي تستردّه حتى من الموت الذي هو شهادة، عند الرحبانيين، أي تركة باقية واستثمار مضمون، أو هو، على الأقل، مولـّد، بتوسط الألم وفي ما يتعدّاه، للرقّة البديعة وللاعتبار الثرّ في نفوس الأحياء. وقد كان طلال حيدر، لا عاصي ومنصور الرحباني، هو من أجرى، بصوت فيروز وتلحين زياد، كلام اللارجعة ووحشة الموت الذئبية والزمن الذي يعصي على الترتيب ولا يردّ منه طرف على طرف:
يا زمان!
ياعشب داشر فوق هالحيطان
(…)
يارايحين التلج!
ما عاد بدكن ترجعوا!
صوّت عليهن بالشتي، يا ديب!
بركي بيسمعوا!
الريف الداخلي
وإذا كانت الرومانسية آلة لإنتاج هذا العالم، فإن الريف اللبناني، بمعالمه المطبوعة والمصنوعة وبأهله، كان المسرح الأول (وبقي الأهم، وإن يكن توسّع لاحقا) لاستعراض العالم نفسه في فن الرحبانيين، أو لاستعراض صورة مركّبة له، بالأحرى. أقول: صورة مركّبة لأن هذا العالم لم يكن قائما على الصورة الرحبانية، في عهد من العهود، ولأنه كفّ عن الشبه بنفسه وضؤل حضوره في نفسه في زمن لم يدركه الرحبانيان، في كل حال. فقبل ربع قرن، تقريبا، من الوقت الذي ولد فيه الرحبانيان، كان الخوري يوسف تاتي يباشر جمع ما تيسر من تقاليد ريفنا الجبلي[2]، منبـّها إلى أن هذه التقاليد، إن لم تجمع ضاعت لا محالة. وفي أواسط الخمسينات، أي حوالى الوقت الذي التقى فيه الرحبانيان نهاد حدّاد، نشر أنيس فريحة كتابا له تحت عنوان: “القرية اللبنانية: حضارة في طريق الزوال[3]“. وفي مطلع السبعينات، أي بُعيد أن كانت “دبكة لبنان عالملقى”ّ قد هزّت معبد جوبيتير من أركانه، استأنف سلام الراسي مهمة إنقاذ التقاليد نفسها فنشر، وهو في سن متقدمة نسبيا، كتابه الأول: “لئلاّ تضيع[4]“. كانت هذه التقاليد ولم تزل، على الأرجح، لا تفرغ من ضياعها. وكان التقليد اختراعا للتقليد، على ما يشير إليه فواز طرابلسي[5] مقتفيا أثر أريك هوبسبوم. فإن ريف التقاليد، بما في ذلك طبيعته، عالم داخلي بالدرجة الأولى. ولولا أن الطبيعة يسعها أن تكون عالما داخليا، لكانت أجلّ النجوم أتفه، في إدراك البشر، من مصابيح السيارات.
وعلى غرار القول: “فلك ما تحت القمر”، نقول إن ذلك العالم كان، بعجره وبجره، “عالم ما تحت السيطرة”. ولقد أوضح فواز طرابلسي[6] مجرى الأمور، في العالم الرحباني، بقريته ومدينته ودولته، إيضاحا ليس وراءه مزيد. يقع النزاع ولكن الصلح والنهضة التي تلي الوئام آتيان، لا محالة. يرزحون على صدورنا فنقدّم الشهداء ونزيحهم. ويكون العدل سلاحا للضعيف فينال من جبروت السلطة. إلخ.، إلخ. وفي مضمار الحب وأماني اللقاء ولوعة الفراق المحتوم، وهو مضمار للأفراد، أيّ نص يفوق الأغنية التي تعلـّق عليها فيروز، بلسان زياد، قائلة: “فعلا حلوي هالغنيي، بس جدّ انسميت”؟… أيّ نص يفوق هذه الأغنية في تسخير قوى الطبيعة وظواهرها لكبح الزمن الذي يذهب بالسعادة؟
ياريت!
إنت وأنا بالبيت،
شي بيت أبعد بيت،
ممحي ورا حدود العتم والريح،
والتلج نازل بالدني تجريح،
يضيّع طريقك ما تعود تفلّ
وتضل حدّي تضلّ حدّي تضلّ
وما يضلّ بالقنديل نقطة زيت!
معنيان للهواء
يتحد سوء الحالة الجوية، إذن، وسوء المواصلات وغياب النور في نشر اللحظة – التي هي أمنية – إلى مدى الزمن كله. وأما لو كان زمام الأغنية في يد زياد لفقد الأمل في أن تقول الأغنية: “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”. لكانت الحبيبة لفتت نظر متيـّمها إلى أن الطريق مقطوعة والكهرباء مقطوعة وأنها طلبت إليه، من أول النهار، جالون كاز للمدفأة فقال إن النهار صاح ودافئ… وها هو الثلج يملأ الوديان وليس في قنديل الكاز نفسه نقطة كاز. وأما عن الموقد فـ “جب لنا موقدي من غناني أمك”. ولكان اشتعل “النقار” بنقطة الكاز تلك واستذكر كل من الطرفين ما يذكره، حصرا، من القرارات السابقة ذات الصلة ثم ضاع الموضوع بين الصوتين المذعورين… ومال طرف إلى جهة العولمة والآخر إلى جهة العولمة البديلة وتعصب طرف لأربعة أطراف إقليمية، سويـّة أو على التوالي، وتعصّب الآخر لطرف لبناني واحد وطرف دولي واحد أيضا، ولكانت الروايتان المحكمتان دارتا على محوريهما المتوازيين طيلة الليل:
بتقلـّلي بتضلـّي تعيدي وإنت العم تعيد.
سينسى الحبيبان خطر الموت، إذن، في هذا الليل القطبي الطويل… وسينجوان من الموت فنبقى مدينين بهذه النهاية السعيدة لغليان الدم في العروق. هؤلاء هم البشر، عند زياد، وهذه هي الطبيعة أيضا. عند عاصي ومنصور، كانت شراسة الطبيعة نفسها ممكنة التسخير لأحلام البشر، واقفة على خدمة أمانيهم أو مظهرة لجلال سعيهم. عند زياد، يكفي أن يظهر شيئان خرجا من الأرض ليظهر معهما التنافر بين الناس:
واحد عم ياكل خس
وواحد عم ياكل تين!
وإذا كانت فيروز قد غنّت مع عاصي ومنصور:
نسّم علينا الهوا
من مفرق الوادي
يا هوا دخل الهوا
خذني على بلادي!
فهي ستغني بعد زياد:
الهوا، يا معلـّم!
رح يسفقنا الهوا، يامعلـّم!
الهوا، يا معلـّم!
لو بتسكّر هالشباك، يا معلـّم!
التمرين السابق (أي تخيـّلي ما قد يقوله زياد وصاحبته في بيت معزول تحت الثلج، ودعنا مما قد يفعلانه) هو، في كل حال، “شي فاشل” بما هو تمرين على الكتابة الزيادية. فإن رأس شروط الأخيرة، فضلا عن الموهبة، أن تكون عاميّة وأن يتخللها، بين الحين والحين، عزل لعبارة فصيحة يحوّل هذه العبارة، في السياق، إلى فضيحة كلامية. وهذا نفسه ما يفعله زياد بعبارات من أغان قديمة لفيروز. فإن شعر الرحبانيين فصيح التشكيل جدّا وإن يكن عاميّ اللهجة بمعظمه. وهو ابن نظرة صريحة هادفة في ما عليه العالم وفي ما يجب أن يكون عليه. قد لا توجد “لمبة” في شعر الرحبانيين كله ويصعب أن توجد فيه غسالة ما لم تكن من لحم ودم. وقد ينطفئ ألف قنديل أو سراج في ما تغنيه فيروز من شعرهما ولا تنقطع الكهرباء مرّة واحدة. وأما زياد فأحال “بريز أبو وئام” إلى شخص من شخوص مسرحه و”بطل” من “أبطال” الحرب اللبنانية. وهو قد عمد إلى الآليات السيارة من البوسطة (وهذه قد لا يمانع في تبنيها عاصي ومنصور) إلى “الكميون الموزون” وقبله “السيترن”، فأعادها إلى الغناء أو دفعها إلى المسرح… وكانت قد غابت، تقريبا، على ما أرجّح، بعد “يا وابور قلّـي” و “وقفّ خدني بأوتومبيلك”، أي بعد أن اكتمل دخولها في نسيج طرقاتنا ومسالك حياتنا اليومية.
“كان به”
هذا ولا توجد شهوة في شعر الأخوين رحباني لأن سموّ المعجم الشعري لا يترك منها شيئا ويردّها غير ما هي. وأما زياد فهو لا يتورع عن النزول إلى ما دون اللغة. وقد كنت تجاوزت عن سطرين من أغنية “لا والله” وجاءت مناسبتهما الآن:
ولك بس هوه هاي وين… بعلمي العقل كبير!
مش سمّ وهمّ وغمّ وذمّ وقَدْح وتشهير
نزول إلى ما دون اللغة إذن… إلى مجرّد التنويع على الصياح وعلى حروف الزجر، وهذا في السطر الأول. يلي ذلك، في السطر الثاني، إفراط معجمي… وسأعود إلى كليهما. وفي ما خصّ الشهوة، لا نقع عند زياد أيضا على ما يوحي بالميل إلى اتخاذها موضوعا قائما بذاته. (أتخيل أنه لو قرأ هذا النص لقصّ عبارة “قائما بذاته” ووضعها في جيبه). يحلو لزياد – وهو على المزلق نفسه إلى ما دون اللغة – أن يتخذ من كلام الشهوة كنايات يعزّز بها بلاغة كلامه في السياسة:
يا زمان الطائفيي
طائفيي وطائفيك!
خلـّي إيدك عالهويـّي
شدّ عليها قد ما فيك!
ليس هذا كلام “أزعر” تلقاه في أي زقاق كان. هذا كلام أزعر ماكر. ماكر أي فنّان. ومن ذلك أن الإشارة الفاجرة في” طائفيك” سريعة العدوى، ينتقل مفعولها فورا إلى “الهوية”.. فنعود غير مستيقنين من الموضع الذي يريدنا زياد أن نشدّ عليه.
ومن القبيل نفسه، أن زيادا علـّق، في أوائل الثمانينات، (إن لم أخطئ التقدير) إعلانات مربعة على أعمدة الكهرباء المزروعة في رصيفي نزلة البيكاديللي (وهو المسرح الذي قدّم فيه مسرحياته الحربية). كان الإعلان إعلانا عن مسرحية لم يشاهدها أحد بعد ذلك ولا قبله، وكان عنوانها “كان به”. وأول ما تنبهت إليه، وأنا أنظر إلى هذا الإعلان، أنني لم أكن فكرت قط، طوال عشرات من السنين مضت، في كيفية تكوّن هذه العبارة وتلبـّسها المعنى الذي لها ولا في إعرابها. فأدركت أن مكر زياد وطرافته واقعان هنا بالضبط: في هذه القدرة على إقلاق الكلام المستقر فينا… على إزاحته شيئا ما عن مستقرّه… وعلى إلزامنا الكشف عن أحواله ومندرجاته وذيوله.
على أنني لما طال الأمر بهذا الإعلان، لعب الفأر في عبّي (أو دون ذلك بقليل). فغادرت همّ التمحيص اللغوي وأخذت أنظر في إخراج المشهد كله. قلت: إن تعليق هذا الإعلان على الأعمدة قد يكون صدفة محضة… ولكن… من يضمن هذا؟ من يضمن لي فعلا – ونحن معلـّقون من أعوام على خوازيق الحرب – ألا يكون العمود هو “اسم كان” المحذوف في العبارة؟ فيكون تمامها: “كان العمود به”. ويكون العمود قد أكمل العبارة “بشخصه” عوض إكمالها باسمه. وكان عليّ أن أسأل، بعد ذلك، عن الضمير المتصل في “به”: إلى من يعود؟ واستبعدت أن يكون زياد قد خصّني شخصيا بواحد من تلك الأعمدة، إذ لم يكن بيني وبينه معرفة (ولا هي حصلت حتى اليوم). فلم يبق إلا أن أفترض للعبارة تتمة أخرى بحيث تقرأ: “من قرأ هذا الإعلان كان العمود به”. بقيت، بعد هذه الدورة، معنيـّا بالهاء في “به”. فقد كنت قرأت الإعلان مرارا وكان به! ولكن تعزيت – شأن أيّ لبناني لا يحترم نفسه – بأن العمود كان أيضا “بـ” أهل الحي جميعا وزواره أيضا، وهم قطعة كبيرة من شعبنا… “شعبنا العنيد” آنذاك إلى الحد الذي تعلمون.
أوديب ونقيضه
لم تغنّ فيروز “يا زمان الطائفيي” ولم تمثل في مسرحية ما لزياد. فما من أحد يكتب لأمـّه بعض ما كان يكتبه زياد لنفسه أو لجوزف صقر من الأغاني. تلك أغاني ذكور أوّلا. وكانت فيروز قد جاءت إلى زياد وذيل ثوبها تراث باذخ تجرّه. ولعله ألزمها نصف التفاتة فألقت نظرة فاحصة على ذيل الثوب ذاك. ولكن لم يكن لزياد أن يلد أمه خلقا جديدا. وكان يكفيها تضحية أنها ربّته هذه التربية السيئة ليكون هذا من حسن فأله وفألنا. وتقول زوجتي، ثانيا، إن زيادا واحد من قلـّة بيننا اجتازوا “أوديبا” موفـّقا. فكان أنه أجهز على أبيه، فنيـّا، وأنشأ مع أمه شركة رمزية متغايرة الطرفين. وتزعم زوجتي أن السائد في مجتمعاتنا هو “الأنتي-أوديب”… أي أن الأهل يأكلون أولادهم، عادة، ليؤمـّنوا لأنفسهم الاستمرار بهؤلاء، على غرار القطط. لا أتقبل، من جهتي، المسؤولية عن هذا الرأي، وأعتقد أن صحته –إذا صحّ – لا تسهـّل طرق الحياة للقلـّة ولا للكثرة.
في كل حال، لا يوافق كلام زياد صوت فيروز، وهذا رأيي. فليس هذا اللون القارص المرّ لون الصباح الباكر ولا يسخر قمر هذا الصباح من أحد وإن تكن بالقمر خفّة لا تنكر… فيمكن أن يمازحنا باحتشام. غير أنني لا أرى في عدم التوافق هذا أدنى عيب. وإنما هو أقرب إلى مزج غير منتظر: إلى بعض أصناف الصلصة التي يبتكرها كبار الطهاة. أو إن امتزاج اللونين – إذا غادرنا الطعوم – يشبه أداء الرجل ذي الشاربين المفتولين دور الصبيـّة الصغيرة على المسرح. فهو قد يكون مقنعا جدا إذا كان… مقنعا. ههنا يحكي قمر الصباح الباكر بلايا آخر السهرة.
هوامش للجمهورية المتقطّعة
بقي عليّ أن أسأل: أين يقع عالم زياد إن صحّ أن عالم عاصي ومنصور يقع في ريف الجبل اللبناني وفي زمانه الذي لا يزال يبيد؟ هل يقع هذا العالم في المدينة؟ قد لا نجد له مدينة هنا. وكان عصام عبد الله، شريك زياد في أوائل عهده الإذاعي وأوائل الحرب، قد أعلن من تلك الأيام:
ما في مديني إسمها بيروت!
بيروت عنقود الضيع!
هذا كلام ينفذ إلى لبّ المشكل البيروتي (واللبناني) ولكن ليس شأنه أن يحيط بالمشكل المذكور. قد لا تكون بيروت مدينة وقد تكون تجسيما حرفيا لعنوان الديوان الأول الذي نشره أحمد عبد المعطي حجازي: “مدينة بلا قلب”. وهي قد ظلت بلا قلب، حقيقة ومجازا، مدّة عشرين سنة هي، تقريبا، ثلثا العمر الفني الذي اجتازه زياد الرحباني إلى الآن. ولكن بيروت مدينة تتألف كلها – اليوم وقبل اليوم – من ضواح وهوامش. وهي، حين عاد إليها قلبها، عاد معدّا لغير أهلها، ولكن هؤلاء احتلّوه بقوة التنزّه والأكل والشرب فيه. وإن لم تكن بيروت مدينة البتة فهي ضواح وهوامش لمدينة غير موجودة وليست عنقود قرى لأن القرى عادت غير موجودة، هي نفسها، حيث كانت ومالت إلى التبدّل ضواحي وهوامش تبدّلا تتباين سرعته وتتنوع مجاليه. وما بدّله زياد الرحباني في تراث عائلته أنه أصبح لا يتخذ مرجعا لمخيلته ذاك الريف: الريف الذي كان عاصي ومنصور لا يزالان يقيمان فيه بالمخيلة حين كان قد زال من الوجود وبقي، مع ذلك، يطاول في الزوال. وقد كشف زياد بؤس الحياة في الضواحي والهوامش وكشف أن هذا البؤس لا يملك منفذا إلى عالم الخيال أي أملا حقـّا. فهذا البؤس إن حلم حلم بالمدينة، وهذه كان وجودها ناقصا، على الدوام، فاستقرت مساحة شبه عمياء للحلم ولم تتحصل له منها أشكال ولا ألوان ولا قواعد ولا أنماط سلوك ومعاشرة ومعاش. حتى الكورنيش والبحر ليسا أفقا. هل معنى هذا أن زياد الرحباني لا يحلم؟ بلى هو يحلم ولكنه فنان أحلام مكسورة. يقال إن زيادا شيوعي وإنه يحب ستالين. الثوريان الحقـّان هما عاصي ومنصور وإن تكن ثورتهما رجعية بمعنى أن مرجعها وراءها. وأما زياد فهو رجل وحيد ومرّ. وهو إن وحّدنا وحّدنا في الإقرار بما بيننا من تعازل ومرارات. هذا كثير طبعا ولكن هذا الكثير ليس مخرجا بحدّ ذاته ولا يدلّ شيء على أنه بدء لبحث، من جانبنا، عن طريق أو عن مخرج. وليس على زياد ملامة في افتقاد الطريق أو المخرج وليس شأنه أن يهدينا إليهما (فهذا يكون مملا جدا في العادة). وإنما يكفيه أن يثير فينا حاجة ما إلى البحث. في أغنية “صبحي الجيز”، وهي أغنية شيوعية، يشتكي زياد:
رفيقي صبحي الجيز تركني عالأرض وراح
رفيقي صبحي الجيز حطّ المكنسة وراح
وما قللي شو بقدر أعمل لملايين المساكين
رفيق، يا رفيق!
وينك، يا رفيق!
إلى أن يختم:
عم فتـّش عا واحد غيرك، عم فتـّش عا واحد متلك
يمشي يمشي، بمشي نمشي، نمشي ونكفّي الطريق!
فلا تغرّنا، بعد السماع، “ال” التعريف التي للـ”طريق”. إذ لو كان صبحي الجيز ما يزال يعرفها، بعد كل ما جرى، لدلّ عليها الرفيق زيادا. على أن شيئا بقي برغم هذا الذي جرى. وهو أن الرفيق زيادا يريد رفيقا (واحدا، على الأقل) وأنه يريد أن يعمل شيئا لملايين المساكين. وقد يكفيه أن يمشي مع نفر منهم، على الأقل، نحو شيء ما وقد يخترعون طريقا إلى ذاك الشيء أو شطرا من طريق.
ولا يستغني أمر هذا الطريق أن يكون طريقا إلى المدينة وإلى الدولة معا. فهاتان متلازمتان، عندنا، في الحضور الذي يستوي غيابا، على الفور تقريبا، أو يستوي على شاكلة تفوق الغياب سوءا وهي شاكلة التنازع في جلد الدب المشهور والتناهش طلبا للصمود في انتظار صيده. وهذا مع العلم أنه لا يصاد بل يربّى وأنه، شأن الباندا، قد يعزف عن التوالد. أعود إلى “عدّية” فيروز في “لا والله”:
مش سمّ وهمّ وغمّ وذمّ وقدح وتشهير!
فأما السمّ والهمّ فيوجد منهما كثير في القرى والمدن سواء بسواء. لذا لا يقودان خطانا إلى مكان بعينه. وأما الغمّ فاحترت في أمره قليلا ثم استقرّ ظني على أنه يجب أن يكون مولودا في بلدة جردية – بلدة إذن، لا قرية ولا مدينة – توجد فيها مدرسة ثانوية ليلعب معلموها الغرباء بالورق، بعد الدوام، مع التلاميذ الكبار. وأما الذمّ والقدح والتشهير فلها شأن آخر. هذا مصطلح شرائع وصحف. فلا بد إذن أن الدولة والمدينة موجودتان… أو لا بد أن الدولة-المدينة موجودة على نحو ما. على أي نحو؟ يفيد الحضور المحتمل للقرية في أول “العدّية” ومجاورتها البلدة قبل إفضائها إلى المدينة أن الحيرة قويّة. أو أن هذا ما أخمـّنه في أواخر هذا النص الذي لم أغادر فيه مناخ التخمين. فإذا صح تخميني، كنـّا حيال شيء لا يزال يراوح ما بين اتحاد الروابط العائلية (مع افتراض النزاع حاصلا بينها) ودولة القانون التامّة الأسنان. أو قل إن شئت إنها اتحاد لروابط الضواحي التي لم يصمد عندنا غيرها، بعد حروبنا. وذلك “رغم العيل والناس”، بمعنى من المعاني، وبالمواطأة في ما بينهم، بمعنى آخر… فماذا بعد؟
“إتسمّع عالموسيقى…موسيقى!”
كلمة أخيرة لغيري في موسيقى زياد. لغيري هي لأنني لست من أهل الكلام في الموسيقى، وإن يكن لي حظ (متواضع) من سماعها، وقد حصرتني صناعتي في الكلام على الكلام. مع ذلك أجازف بالقول إن موسيقى زياد تسهر وإنها، بخلاف كلامه، تنتشر على الجزء الأنيق الألـِق من السهرة. وهو الجزء الذي يلي الكأس الأولى حين يكون الساهرون جميعا ما زالوا أذكياء، ولمـّا تنطفئ الشموع في رأس أيـّهم. لا تجاري هذه الألحان كلام زياد، فهي تبقى حنونا وخفرة ولو ان الإيقاع يجهد، في بعض الحالات (من غير مبالغة في الجهد)، للموافقة على الكلام. ولا تجاري هذه الألحان صوت فيروز لأنها ألحان تسهر… تسهر بنوعها وتسهر بآلاتها أيضا. هذا فيما يبدو صوت فيروز وقد بكّر إلى اليقظة من راحة ليلية طويلة. على أنني لا أرى من عيب ههنا أيضا. فإن الصوت واللحن والكلام تتحاور ههنا من أوديتها (أو من قممها) الثلاث. وهي تجيد الحوار فيأتي جميلا أيضا ويهزّنا ويقلقنا ويسلّينا.
فهل علينا أن نختار ما بين هذا الجمال وذاك الذي كان يتفتق عنه الانسجام ما بين الصوت القمري والشعر الألمعي والموسيقى المشرقة في عهد الشركة بين فيروز والرحبانيين الكبيرين أو أيضا بينها وبين زكي ناصيف أو، أخيرا لا آخرا، بينها وبين فيلمون وهبي؟ وما علينا إن أبينا الاختيار؟ من شاء فله أن يضيّق ملونة أذنه. وهو إذا اختار فيروز زياد، يكون قد غصب زيادا موقعه الفريد. فقد كان على الرجل أن يخرج على الرحبانية الأولى ليقول جديدا أو لينشئ بالكلام وبالموسيقى زمنا آخر. كان عليه أن يؤلف “شي فاشل” وسائر أعماله مما تلاها. وأما نحن فليس شأننا أن ننازعه ذلك. وهذا مع حفظ الحق لكل في ذوقه، طبعا، ومع استبعاد التعميم أيضا.
في ميدان آخر، ما يزال يسع كثيرين منتشرين عبر العالم أن يحبوا “ألف ليلة وليلة”. وهذا مع أن عوالم للحكاية نشأت، من بعد تلك “الليالي”، فوق عوالم. وبقيت القاعدة أن من ابتغى مزاولة فن الحكاية مبدعا فلا بدّ له أن يمقت تلك “الليالي” من وجه ما. ولولا أن ذلك يحصل كل يوم لنضب الفن، والعياذ بالله.
بقيت إذن كلمة غيري في موسيقى زياد. وقد كنت بدأت كلامي على صوت فيروز بشيء من حديث الروح. وزوجتي تقول إن موسيقى زياد لفيروز “تأخذ الروح” معها. وأوافقها، من جهتي، على هذا من غير حاجة إلى التخصص. وأزيد أن الذي يكتب مثل هذه الموسيقى كان لزاما عليه أن يغادر في الكلام، بين وقت وآخر، لغة “ولك بس هو هاي وين” ليكتب كلاما تكون فيروز على سجية صوتها في أدائه ويكون (أي الكلام) منتميا أيضا إلى مناخ ألحانه. وقد فعل زياد هذا أحيانا، ولم يترك خاطر زوجتي مكسورا، فلحّن بالموسيقى التي “تأخذ الروح” معها كلاما يشير إلى ذلك:
بعتـّلك، يا حبيب الروح!
بعتـّلك روحي!
وقلتلك: ما دام حتروح
خذ معك روحي!
بيروت في 20-24 نيسان 2006
* ورقة قدّمت في المؤتمر الذي نظمه برنامج أنيس المقدسي للآداب في الجامعة الأميركية في بيروت حول أعمال فيروز وزياد الرحباني وذلك في 27-29 نيسان 2006.
** من أساتذة علم اجتماع الثقافة في الجامعة اللبنانية.
[1] – را. “ثقافة للحرب، ثقافة للسلام” في: أحمد بيضون، ما علمتم وذقتم: مسالك في الحرب اللبنانية، بيروت 1990، ص 65-89، وبخاصة الكلام على مسرح زياد، ص 87-88.
[2] – الأب يوسف تاتي، “العوائد اللبنانية” في المشرق، مج 2 (1899) ، ج 1 وما يليه.
[3] – ط1: بيروت 1957.
[4] – ط1: بيروت ل. ت. (حوالي 1970).
[5] – فواز طرابلسي، فيروز والرحابنة: مسرح الغريب والكنز والأعجوبة، بيروت 2006، ص 18-19.
[6] – طرابلسي، م م، فصول مختلفة من الكتاب.
كلمن | النجوم الشُهُب
Source: كلمن | النجوم الشُهُب
النجوم الشُهُب
صورٌ شخصية من لبنان لثقافة مصر المعاصرة[1]
أحمد بيضون
ما الذاتية “من حِلمٍ بمانعة”!
لم أجد تحقيقاً حسّياً أو “موضوعياً” أعوّل عليه لأسوق حديثاً موثقاً في العلاقات الثقافية بين لبنان ومصر: في حاضر هذه العلاقات وفي ماضيها غير البعيد. لا رقم يفيد، مثلاً، عن توزيع الروايات المصرية في السوق اللبنانية أو عن درجة اهتمام المصريين بأغاني فيروز. لا معلومات عمّا آلت إليه مشاهدة الأفلام المصرية في صالات بيروت بالقياس إلى ما كانت عليه في ستينات القرن العشرين، مثلاً. لا شيء من هذا ولا من قبيله وجدته في متناولي. فارتأيت، مضطراً ولكن فرحاً بهذه الضرورة، أن أستوحي نصف قرن من عمري أو يزيد أقمت فيه على علاقة دائمة ولكن متقلبة بما كانت مصر تهديه إلي: سواء أكان ذلك كتاباً فذّاً في بابه أم أغنية تافهة. وقد وجدتني عارفاً أن حالتي لم تكن فريدة وإنما كانت حالة شطر من جيلي وقدّرت أنني لا أخلو من معرفة بما كانت عليه مواقف شطور أخرى من الجيل نفسه ولا بما هي مواقف لبنانيين من أهل اليوم، على اختلاف السن والمنبت، يتفق أن أعاين ردود أفعالهم على عمل من الأعمال الثقافية المصرية. هذا كله لا يمت بصلة، طبعاً، إلى التحقيق أو القياس الاجتماعي بما يقتضيه من ضوابط معلومة. حتى أنني أعزف هنا عن تحديد معالم لهذا الشطر من الجيل اللبناني الذي أصرّح بانتمائي إليه وعن كل محاولة لتقدير حجمه أو درجات الشبه بين عناصره. ما أعلمه هو أنه شطر من شطور. ولكن حين يدرج الموقف الفردي من عمل ثقافي بمسار شخصي إجمالي وبحبكة اجتماعية تاريخية ارتسم هذا المسار عبر فصولها، يصبح الإفضاء إلى معرفة ذات قيمة بتحولات العلاقات الثقافية بين البلادين أمراً غير مستبعد ولو بقي محفوفاً بالتحفظات. بل إن وجوهاً من هذه المعرفة غير خالية من إسناد جزئي ولو انها تقوم على الحدس أساساً قد تتفوق على ما ينتهي إليه التحقيق “العلمي”. فهي قد تكشف، على نحو ما، ما يصحّ اعتباره لبّ المسألة ومنطق المسار.
شيخوخة النجوم
ينال مصر وينال لبنان رشاش معتبر من أزمة النجومية الثقافية في عالم اليوم. هنا وهناك، يتعثر بزوغ النجوم في سماء الثقافة، ويتضح ذلك إذا نحن قارنّا الحال اليوم بما كانت عليه الحال قبل نحو من نصف قرن. ولقائل أن يقول: ليت هذه كانت الأزمة الوحيدة، في مصر أو في لبنان أو في كليهما، إذن لهان الخطب واطمأنت النفوس ولراح الناس يهنئون بعضهم بعضاً بسلامة العواقب. فهل تعدّ أزمة فعلاً أن ننظر حولنا فنرى أن القيم المستقرة في الشعر المصري اليوم هي نفسها التي كانت مستقرة قبل ثلاثين سنة أو أربعين وأن وفرة ما نشر، في هذه المدّة، وهي وفرة مؤكّدة، لم تفرض خليفة أو خلفاء مكرّسين في المجال العربي وليس في المجال المصري وحده، لصلاح عبد الصبور أو لأحمد عبد المعطي حجازي؟ في الشعر العامّي أيضاً لم تصل إلى بيروت، حتى اليوم، أصوات مصريّة يحلّها اللبناني المهتم، بعد أن طالت المدّة، في مصافّ صلاح جاهين أو في مصافّ أحمد فؤاد نجم ورفيقه الشيخ إمام أو في مصافّ عبد الرحمن الأبنودي أو سيد حجاب.
ولأسارع إلى القول إن الحال في الرواية هنا وهناك هي غيرها في الشعر. فإن الرواية في لبنان أكثر ازدهاراً وأرفع سمتاً مما كانت عليه قبل نصف قرن. وقد تمنع حالة نجيب محفوظ أن نقول الشيء نفسه عن مصر. ولكن يبقى صحيحاً أن خلافة محفوظ هي اليوم في مصر أوثق عروة وأمتن سنداً من خلافة جيل الستينات والسبعينات من القرن العشرين في مضامير الشعر. وفي لبنان يلفت ازدهار مؤكد للرواية في ربع القرن المنصرم وتلفت قوة الحضور النسائي بين كتابها. ولا فائدة ترجى من ذكر أسماء إذ لست هنا في لبوس الناقد الأدبي بل في معرض آخر هو معرض النظر في كيفيات التلقي الاجتماعي للأعمال الثقافية وفي موازين هذا التلقي.
وقد بدأت بذكر أزمة النجومية. مرّة أخرى: هل هذه أزمة حقّاً؟ الأرجح أن استعصاء بزوغ النجم ثم تعذّر استقراره في فلكه، إذا هو بزغ، ناتجان في هذا العهد الأخير عن نوع من “الديمقراطية” فرض نفسه في عوالم الثقافة. ومصطلح الديمقراطية أستعمله هنا بمعنى كمّي أوّلاً يرادف، من الجهة الأولى، اتساع الانتشار أو، في الأقلّ، تضخم الطلب المبدئي ويرادف بالتالي، من الجهة الأخرى، مزيداً من الغزارة في المنتجات الثقافية المعروضة ومزيداً من التنوّع فيها أيضاً. وهذا المزيد الأخير، أي مزيد التنوّع، متّصل، قبل كل شيء، بالصورة: بالتضخم المهول في إنتاج الصور وبالتيسير المهول لتعميمها أيضاً وبكثرة الوسائط والصيغ التي باتت متاحة لعرضها وبنفوذها الكاسح كذلك.
وفرة في الأمّية وغزارة في الثقافة
وأما الغزارة في إنتاج أجناس أخرى من الأعمال الثقافية هي الأجناس التي كانت مألوفة في الفكر والآداب والفنون قبل طغيان الصورة وبقيت مألوفة بعده، فإن مردّها، بالدرجة الأولى، إلى ما يسمّى “ديمقراطية التعليم”. وهذه “ديمقراطية” اتّخذت، في نصف القرن الأخير، صورة المدّ الذي لا يغلب وفرضت وقائعها التي تشهد بضخامتها الأرقام في مصر كما في لبنان. وهي ديمقراطية كثّرت مستهلكي الأعمال الثقافية المحتملين تكثيراً جسيماً وكثّرت أيضاً منتجي هذه الأعمال… ولا ينقض هذا الواقع عناد ظاهرة الأمّية في المدى العربي، وهو عناد تصدي له الأرقام الفاضحة التي تعممها تقارير التنمية البشرية أو إحصاءات اليونيسكو. هذه الأرقام بالغة الخطر، طبعاً، خصوصاً حين يضاف إلى ما يتعلّق منها بالأمّية بمعنى امتناع القراءة والكتابة ما يتعلّق بأمّية الحاسوب وما يتعلّق بقراءة الصحف والكتب وبالوصول إلى الأنترنت وبالعناوين المترجمة من اللغة العربية وإليها، إلخ. وهذا كله بات متداولاً يتيسّر الاطلاع عليه وإن تكن معالجة البعض من وجوهه الخطيرة تبدو وكأنها تزداد استعصاء. لم تمنع كثرة الأمّيين تكاثر الدكاترة، مثلاً. بل إن استشراء هذا اللقب شاهد على وجاهة ما نقوله في صدد “الديمقراطية الثقافية”. حين كان يقال في العشرينات أو في الثلاثينات “الدكتور طه حسين” كان للّقب رنّة غير الرنّة التي لقولنا اليوم “الدكتور أحمد بيضون”. ولم يكن أحد من النقّاد أو غيرهم يحسب أنه يكرم طه حسين إذا هو جرّده من لقبه. وأما المثقف الطموح اليوم (وليس المثقف المتواضع كما قد يتوهم بعضنا) فهو يدع هذا اللقب جانباً، إذا كان قد اقتناه، ويسعى إلى جعل اسمه، مجرّداً، جواز سفر من التنكير إلى التعريف.
في ما وراء وقائع الأمّية وما جرى مجراها إذن، يبقى مؤكّداً حصول تضخم مطلق ونسبي معاً، في العقود الأخيرة، في الجمهور الراغب في استهلاك ما نطلق عليه اسم الأعمال الثقافية، على اختلافها، وكذلك حصول تيسير إجمالي جسيم لهذا الاستهلاك. يبقى مؤكداً تحقق هذا الاستهلاك، بالتالي، على نطاق اجتماعي وبتنوع في الوسائط والصيغ لم يسبق لهما مثيل. وما من ريب في أن هذا النوع من “الديمقراطية” يدخل في مغالبة مع نوعية المنتجات ويغري بشدّة باعتماد السهولة وبالتساهل في المعايير، لغير صالح الجودة بالضرورة، على صعيد الإنتاج. وهذه الحال هي نفسها التي تفضي إليها “ديمقراطية التعليم” إذ هي قد وسّعت كثيراً جمهور المتعلمين ولكنها أسفرت عن تراجع في جودة التحصيل و عن تردّ أشرنا إليه توّاً في قيمة الشهادات وانحطاط في فاعلية المؤهلات. وكثيراً ما يقرن أمر الثقافة وأمر التعليم في الأحكام التي تطلق بصدد العملية التربوية في جملتها فيقال إن التعليم انتشر وتوسّع ولكن ضعفت الثقافة التي تنشأ منه وبفضله. وحين يصل الحديث إلى المنتجات الثقافية من أي نوع كان، يقال مثلاً إن الروايات كثُرت أعداد ما يصدر منها كل سنة ولكن الجيد نادر الوجود بينها بل هو معدوم الوجود في حصاد البعض من السنين. ولا حاجة إلى القول إن الروايات مثال لا أكثر هنا وإن القول نفسه يقال في الشعر وفي السينما وفي النقد وفي البحث الاجتماعي، إلخ.
ما شأن هذا كله بالعلاقات الثقافية بين مصر ولبنان؟ هذا له شأن أولاً بمسألة النجومية. النجوم في مصر وفي لبنان يموتون أو يشيخون…قلنا إننا اعتدنا أسماءهم، في مجالات مختلفة، لعشرات من السنين. اعتدناها هي نفسها واعتدنا ألا يحل محلهم أحد، في أفلاكهم هي نفسها، أي في المقام الذي ملأه كلّ منهم، حين يشيخون أو عندما يموتون. والأرجح أن الحال لم تكن على هذا المنوال، في مصر وفي لبنان، قبل نصف قرن مثلاً أو قبل ثلاثة أرباع القرن. كان النجوم نادرين طبعاً، هنا وهناك، في تلك الأيام، فهذه هي حالهم دائماً. ولكن العبور من جيل إلى جيل منهم كان يحصل بقدر من السلاسة يستبعد الفراغ أو يجعله شذوذاً أو يستبعد تماديه، في الأقل.
النجم بما هو شهاب
والحال أن النجوم هم الذين يعبرون الحدود من بلاد إلى أخرى لينشأ بأعمالهم هذا الذي نسميه علاقات ثقافية، بالمعنى الضيق الذي نعتمده هنا لمصطلح الثقافة وهو المعنى الذي يحصر الثقافة في أعمال المثقفين. قد يوجد جمهور في بلاد المنشأ لأسماء في ميادين الثقافة غير عالية الجرس. وأما سعة الميدان وبعد المدى فتنفرد بهما، بطبيعة الحال، أسماء ووجوه وأصوات ملأت ساحاتها أوّلاً وضاقت بها هذه الساحات. هذه قاعدة تحتمل الشواذّ الذي يؤكّدها إذ لا يعدّ محالاً، في الواقع، أن يبزغ النجم في سماء غير سماء موطنه الأصلي ولا يعدّ محالاً أن تلفظه سماء موطنه الأصلي، إلخ. أمر آخر يجب تسجيله هنا هو أن النجومية لا تضمن، بالضرورة، حيازة صاحبها وأعماله قيمة متفوّقة تقرّ تفوّقها المقاييس العامة، الثابتة نسبياً، مما يناط به تقدير قيمة الأعمال ومقامات الأشخاص في هذا النوع أو الفنّ من فنون الثقافة وأنواعها. فقد يحظى بنجومية عابرة من تعدّ أعماله ساقطة بحكم المقاييس المشار إليها. وقد يبقى مغموراً في حياته ولا ينصف إلا بعد الوفاة أو الانكفاء من يأتي بأعمال عظيمة ولكنها مجافية للذائقة الغالبة على ساحته. غير أن المقاييس تكون قد سلّمت بقيمة الأعمال وصاحبها حين يطول الزمن بنجوميته ويصبح ما يسمّى بالتكريس أمراً متحققاً بضمان من السلطات المحكّمة في النوع المعنيّ من الأعمال الثقافية ومن الجمهور المعنيّ بهذه الأعمال. النجم ههنا شهاب بمعنيين متباينين إذن: بمعنى العبور من أفق إلى أفق وبمعنى قابلية الخمود والترمّد.
في كل حال، لا نصل بالضرورة إلى ترادف تامّ ما بين نجومية النجم الثابتة والقيمة الثابتة لأعماله. الروائيون المصريون الذين جاؤوا بعد محفوظ، ومنهم من يعدّ تلميذاً له ومنهم من أراد نفسه مؤسساً لمنحى يخالف منحاه، على التخصيص، لم يجتاحوا الحدود الرمزية بين مصر ولبنان، على غرار محفوظ، بل بقي وصولهم إلى المطالعين اللبنانيين أشبه بالتسلل. فهم ليسوا موضوع دراسة عندنا ولا ينسب إليهم تلامذة من بين روائيينا ولا تنشغل بهم كثيراً الصفحات الثقافية من جرائد بيروت. وهذا مع أن بعضهم قطع في الشيخوخة شوطاً طويلاً وأصبح بعضهم الآخر واقفاً على أعتابها. أشير، بالدرجة الأولى، إلى إدوار الخرّاط، إلى إبراهيم أصلان، إلى بهاء طاهر، إلى صنع الله إبراهيم، إلى جمال الغيطاني، إلى يوسف القعيد… عالماً أنني أشير إلى قيم مرموقة جداً في مسار الرواية المصرية. مع ذلك لم يسع أياً من هؤلاء أن ينشئ بالقرّاء اللبنانيين علاقة تكافئ تلك التي أنشأها، لا محفوظ وحسب بل حتى إحسان عبد القدّوس ويوسف السباعي في أيامهما. وهذان كانا نجمين ولو ان النقّاد لا يعدّونهما، على الأرجح، من الأساطين المستقرة في مجد الفن الروائي في مصر. في تلك المرحلة نفسها، اضطرّت الأرض رواية عبد الرحمن الشرقاوي أن تنتظر يوسف شاهين والسينما سنين كثيرة حتى تتمكن من فرض نفسها على انتباه جمهرة معتبرة من القرّاء اللبنانيين.
اليوم يسبق الخراط وأصلان وطاهر وإبراهيم والغيطاني وسواهم إلى نور مصابيح القراءة اللبنانية نجم جديد نسبياً للرواية المصرية هو علاء الأسواني. وهو رجل مختلَف بين النقاد، من مصريين وغير مصريين، في قيمة أعماله، وهذه القيمة ليست ما يهمّنا هنا في أي حال. ما يهمّنا هو أن الروائيّ النجم، وقد اسعفته في ذلك السينما – مرّة أخرى – أيّما إسعاف، قد أدّى وظيفته مرّة أخرى فاستوى خيطاً من خيوط الشبكة التي يسعنا أن نسمّيها العلاقات الثقافية بين لبنان ومصر. من حيث الأساس ليست حال هذا النجم مختلفة عن حال النجوم في فنون أخرى يستعمل فيها مصطلح النجومية بمزيد من التواتر أي مثلاً عن حال عبد الحليم حافظ أو سعاد حسني في مضماري الغناء والسينما.
لا أعرف شيئاً عن الحظوة التي يمنحها القرّاء المصريّون للروائيين اللبنانيين اليوم، وبعض هؤلاء أصبح منتشراً، كما هي حال علاء الأسواني، بلغات عدّة. ولكن أعلم أن مغنّية لبنانية شابة أصبحت عريضة الصيت وغامرة الحضور على الفضائيات هي نانسي عجرم دانت ببعض نجاحها لاعتمادها اللهجة المصرية في أغانيها. وهذا أمر يوحي بأن طلب الاعتراف المصري بأيّ منتَج ثقافي عربي لا يزال ذا أولوية مؤكدة عند صاحب المنتج. وهو يوحي أيضاً بأن ما حصل وما زال يحصل من تعارف يبن العاميّات العربية بفضل التلفزيون لم يبطل كون العامية المصرية تبدو أشبه بـ”فصحى العاميّات” أي بالعاميّة الجامعة بين أجنحة المستمعين أو المشاهدين العرب شأن العربية الفصحى بين أجنحة قرّائهم. فإن تمصّر نانسي عجرم لا يغرّبها قيد أنملة عن بيروت. إذ يبقى لحفظ الألفة بينها وبين الجمهور اللبناني نحو قرن من اعتياد اللبنانيين سماع الغناء المصري ومن ترنّمهم به أيضاً، مطربين كانوا أم مجرّد متنزّهين.
في مجال مختلف جدّاً، أسهمت بيروت، بصحافتها وبصناعة النشر فيها وبجمهور من مستمعيها أيضاً، في صنع نجم مصري آخر هو نصر حامد أبو زيد. كانت الوعورة التي يتسم بها حقل أبحاثه تستبعد أن يستوي الرجل نجماً تشدّ الرحال إلى محاضراته. ولكن بيروت تلقّت المحنة التي أطبقت على أبو زيد في القاهرة فراحت تطبع كتبه وتجادل فيها وتجمع له المستمعين… إلى أن شهدت العرض الأول لفيلم عنه أخرجه باحث سوري هو محمد علي الأتاسي، وقد احتشد للفيلم جمهور فرض عرضه بعد أن تردّد أنه سيمنع. أنزلت بيروت على الرحب نصر حامد أبو زيد إذن وهذا حقّه. على أن بيروت لا تعرف شيئاً، على الأرجح، عن مصريين أصحاب أعمال وعرة أيضاً ولكنها سامية المكانة والقيمة في أبوابها. تعرف بيروت من زمن بعيد نوال السعداوي، ويتردّد فيها أحياناً اسم جمال حمدان أو يزورها (قادماً من باريس) مصطفى صفوان، ولكن بيروت لا تعرف شيئاً، على الأرجح، عن أحمد أبو زيد ولا عن سيد عويس ولا عن رمزي زكي…
من الفرد إلى المجتمع:
في فضل البلاد على نجومها
النجم فرد، في كلّ حال. بل هو فرد شديد التفرّد يصنع نجوميته بالانفراد عن غيره ولو انه يكون مديناً بنجوميته نفسها أيضاً لهُوامات هذا الغير، لما يودّ الغير لو انه كانه أو لو ان أحداً في محيطه القريب أو البعيد حقّقه له. والنجم على ما رأينا، مرسال يصل بتوسطه شيء من الحياة الثقافية في بلاده إلى البلاد الأخرى. بل إنه يصحّ، في بعض الحالات، اعتباره وسيطاً لشخوص ولأعمال في ثقافة بلاده تعوزهم (أو تعوزها) النجومية. فهو يثير فضولاً عامّاً، إلى هذا الحدّ أو ذاك، حيال القطاع الثقافي الذي ينتمي إليه في بلاده وحيال ثقافة بلاده، على التعميم. المغنّي المصري الشهير يلفت المستمعين إليه، على اختلاف الأقطار، إلى سائر الغناء وسائر المغنين في مصر وإلى الموسيقى المصرية حكماً. ويؤدّي الشاعر أو المسرحي اللبناني دوراً موازياً في إثارة الاهتمام ببعض الثقافة اللبنانية، إذا اتسعت شهرته وانتشر الإعجاب به في خارج بلاده.
ولقد جعلت حديثي في العلاقات الثقافية بين مصر ولبنان مقتصراً، حتى الآن، على الأفراد: على هؤلاء الأفراد الحادّي التفرّد الذي نطلق عليهم لقب النجوم. وأحب الآن أن أنطلق من الإشارة التي سلفت إلى مكانة اللهجة المصرية في الآفاق العربية بما هي “فصحى” العاميّات لأقول كلمة في فضل كل بلاد، سواء أكانت مصر أم لبنان أم سواهما، على مثقفيها لجهة محددة هي كونها، بنجوميتها المتحقّقة في مرحلة من المراحل، سبباً أوّل لنجومية أبنائها. وهذا يعني أن انكفاء الإشعاع العامّ للبلاد يمتحن مثقفيها بمزيد من صعوبة في إثبات المكانة وفي تصدّر الحقل الذي يشتغل كل منهم فيه ولو كان الواحد منهم مستحقّاً. والحقّ أننا نثير هنا مسألة لا تخلو من التعقيد. فإن وجود البلاد في محنة قد يسهم أيضاً في إبراز مثقفيها الذين يفلحون في نشر أصداء أو صور مميّزة الصدق والقيمة والجمال لمحنة بلادهم. ومعنى هذا أن البلاد قد تفلح في الإعلاء من شأن مثقفيها، لا بقوّتها وازدهارها وحسب، بل أيضاً ببؤسها واضطراب موازينها، في بعض الحالات. ولعلّ الانسحاب إلى الظلّ وخبوّ الأضواء ونصول الألوان التي تتقدّم بها صورة البلاد إلى الخارج، سواء أكانت هذه السمات دليل تطامن وراحة أم دليل تعاسة لا تجد عباراتها بعد، إنما هي أقلّ الأحوال مواتاة لإسهام بلاد ما في إبراز ثقافتها ومثقفيها ونشر ما عندها من هذا القبيل إلى خارج حدودها.
ولأذكر في هذا الصدد حالتين قياديتين للبلاد، إحداهما لبنانية والثانية مصرية، جعلت لكل من القطرين تأثيراً ثقافياً مميّزاً في الآخر، في أثناء مرحلة من تاريخنا غير البعيد بعينها. والمثالان واضحان ومعلومان، تغني في شأنهما الإشارة عن الإطالة. في الحالتين، بدت البلاد – مصر أو لبنان – حاملة رسالة بعينها محتاجة إلى الانتشار في محيط بعينه أو معدّة أصلاً بحيث تكون غايتها هذا الانتشار وما يليه من تغيير في أوضاع وأحوال مختلفة.
ريادة لبنانية… وقيادة مصرية
أما حالة القيادة اللبنانية (أو الريادة، بالأحرى) فنجمت في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وفي أوائل القرن العشرين من تصدر المسيحيين اللبنانيين حركة تغيير في الشرق كان لها شقّ ديمقراطي يتعلق بالمساواة بين المواطنين وشقّ قومي يتعلق بالاستقلال السياسي أو، في بعض الصيغ المخففة التي اعتمدها مسلمون، على الأغلب، باللامركزية وبدرجة ما من الاستقلال الذاتي في الإطار العثماني. وكانت مصر الخاضعة، في معظم هذه المدة، للاحتلال البريطاني متفلتة من السطوة العثمانية وقابلة لتعهّد حركات من قبيل تلك التي باشرها مسيحيو المشرق وجاراهم فيها مواطنون لهم من غير المسيحيين لأسباب مختلفة أو بصيغ مختلفة. عليه أفردت مصر مقاعد في صدارة حياتها الثقافية لأولئك “الشوام” من أمثال سليم وبشارة تقلا وجرجي زيدان وفارس نمر ويعقوب صروف وفرح أنطون وشبلي الشميل… ممن أنشأوا منابر وأشاعوا أفكاراً كان لها وقع في النهضة المصرية المزامنة أو اللاحقة، أيّاً يكن تقويمنا اليوم وتقويم المصريين لعُجَر هذه النهضة وبُجَرها.
وحين اتفق أن وجد مسلم بين هؤلاء الناشطين “الشوام”، ولعل حالة رشيد رضا هي الحالة الأبرز، في هذا الباب، أو لعلها الوحيدة التي يعتدّ بها فعلاً، بدا أن مصر، بتيار التجديد في أزهرها وبتقاليدها العلمية الإسلامية، تعطي المسلم اللبناني أو الشامي أكثر بكثير مما يعطيها. وهذا لا يبطله علمنا بمكانة رضا ومجلته وأعماله من الحركة الإسلامية اللاحقة في مصر ومن توجهها السياسي على الخصوص… كان رضا، في مصر، تلميذ محمد عبده قبل أن يكون ابن طرابلس الشام. هذا فيما كان المسيحي اللبناني يحمل إلى القاهرة مسائل جديدة فعلاً مستقاة من خبرة تاريخية مغايرة. صفوة القول أن الموقع الريادي آنذاك في المشرق للجماعة المسيحية اللبنانية حمل أفراداً من هذه الجماعة ليبوّئهم أمكنة في صدارة الحياة الثقافية لبلاد عريقة التقاليد هي مصر ولمجتمع ضخم، بالقياس إلى مجتمع لبنان، هو المجتمع المصري.
في مرحلة ما بين الحربين ثم في المرحلة الناصرية، بدا أن مصر وجدت سبلاً لتفعيل وزنها في الثقافة العربية على أنحاء واكبت تفعيل هذا الوزن في السياسة الشرقية أو العربية في خلال تلك المرحلة الطويلة نفسها. وقد بدت آثار هذا التفعيل بيّنة في الدور المرجعي أو التوجيهي الذي أخذ يتبوأه مثقفون مصريون في الحياة الثقافية اللبنانية. كان لبنان قد أصبح لبنان الكبير وبات انقسامه الطائفي يتحكم شيئاً ما في تصرّف أجنحته حيال تيارات الفكر وصيغ الذوق المقبلة من مصر. ولكن كان في مصر، على الدوام، من يتألق بخروجه على إجماع ما فيصبح التمثل به مغرياً لأقليات تخشى حالات الإجماع الكاسحة. باكراً نسبيا، ذهب أحمد شوقي إلى لبنان مصطحباً معه محمد عبد الوهاب وباكراً أيضاً دخل الأدباء اللبنانيون في المفاضلة بين شوقي وحافظ ثم تابعوا مناظرة القرن التي أطلقها كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين وتلك التي أطلقها، في المدّة نفسها، كتاب علي عبد الرازق الإسلام وأصول الحكم ودخلوا أيضا في الجدال الذي أثاره الديوان لعباس محمود العقاد وتتبعوا “عبقرياتــه”. ثم لم يلبثوا أن تعرفوا نجيب محفوظ وأدرجوا المصريين وغيرهم من مجددي الشعر العربي المعاصر في كوكبة واحدة ضمّت سوريين وعراقيين وضمّت لبنانيين بطبيعة الحال.
قبل بلوغنا الحِلْم، كان عندنا كامل كيلاني للسلوى والموعظة ومصطفى لطفي المنفلوطي للبكاء ولأسلوب في الإنشاء طال به العمر بين خطبائنا من ذوي الأصول الريفية وبقيت منه إلى يومنا هذا بقايا معتبرة، منتشرة بين الوصف والرثاء. ثم راح المراهقون من جيلي يتوزعون في الخمسينات حزبين: أحدهما لمحمد عبد الوهاب والآخر لفريد الأطرش. كانت فرص السماع لا تزال ضئيلة. ومع ذلك كان الصياح يعلو بين الأتراب فيما كان الرجلان يسهران بسلام معاً، على الأرجح، في ملهى ما من ملاهي القاهرة أو في منزل من منازلها. وأما أم كلثوم فكانت قد أصبحت مشاعاً عربياً وأيقونة لا تمسّ ولو ان غناءها بقي يستغلق على لبنانيين كثيرين فلا يفلحون في تذوقه أو يأخذون عليه ما قد يأخذونه على نمط الطرب الشرقي كله وليس على أم كلثوم وحدها. في ما يتخطى هذه المآخذ، بقي الغناء العربي، في عرف أبناء جيلي من اللبنانيين (وكان في عرف الجيل الذي سبقنا أيضاً)، هو الغناء المصري أولاً وبقيت الموسيقى الشرقية هي الموسيقى المصرية. لا يزال هذا صحيحاً اليوم ولو ان الغناء اللبناني قد أرسى تقاليد تصنع ذوقاً وكوّن تراثاً يملأ ذاكرة. يسع المتبحّر اللبناني اليوم أن يكون ملمّاً بالغناء العراقي أو ذوّاقة للموسيقى الإيرانية أو التركية ولكن الخزين الذي تتشكل عليه هويته الموسيقية أو الغنائية، بما هو مستمع شرقي، إنما هو خزين مصري – لبناني.
وفي المدّة نفسها التي كان محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش يشقّان فيها صفّنا بأناقة ولطف، أو بعدها بقليل، فرضت ثلاثية نجيب محفوظ نفسها على مخيلة قراء لبنانيين كثيرين على أنها الغاية التي يعصي تجاوزها على الرواية العربية. وهذا من غير أن يمنع ذلك طلاب الانفعال السهل من تيميم شطر السباعي أو عبد القدوس، على ما سبق بيانه. وأما في السينما – وكانت قد أصبحت بيت قصيد في ميزان الصلة الثقافية بين بلاد وأخرى – فكانت الأفلام المصرية أيضاً هي الأفلام التي يسع أمثالي من اللبنانيين أن ينتسبوا إليها على أنها سينماهم سواء أأعجبتهم أم لم تعجبهم. هذا بينما كانت الأفلام الأميركية أو الأوروبية تبدو خارج متناول الراغب اللبناني في حسَب ونسَب سينمائيين مهما بلغ من الإعجاب بها. وما يستوقف في الإقبال اللبناني على الثقافة المصرية وعلى تأثرها أو الانفعال بها أعلاماً وقيماً هو، على وجه التحديد، اشتمال الإقبال المذكور على الغث والسمين في هذه الثقافة. في الذائقة اللبنانية (وهذه ذائقة قد يكون اعتبارها واحدة من قبيل المصادرة على المطلوب أو المصادرة على غير المطلوب)، كان ثمة موضع لثورة طه حسين البعيدة الغور في النظرة إلى الذات وإلى ميزان القيمة بين موروثها ومستحدثها وكان ثمة موضع أيضاً لعويل فريد الأطرش أو لخزعبلات إسماعيل يسين.
والبين أن كلاً من هذه الأمثلة إنما يحضرني لسبب يخصني شخصياً. فقد كنت، في المدّة التي أصبحت فيها مواظباً على التردّد إلى دور السينما، أي في نهاية الخمسينات من القرن الماضي إلى أوائل الستيمنات، واحداً من مشاهدي الأفلام المصرية المكثارين، متعلقاً بعدّة من نجومها وغير ميال إلى التدقيق في قيمتها الفنية. ثم جنحت، في العقود اللاحقة، إلى مسلك مخالف، فأصبحت لا أشاهد من هذه الأفلام إلا ما طار له صيت استثنائي أو أحاطه النقد بهالة تقدير غير معتادة. إلى أن دخلنا عهد الفضائيات فعدت إلى الإكثار من المشاهدة وإلى شيء من التراخي في معايير الاختيار. وأما طه حسين فكنت قد جدّدت العهد بأعماله، في أواخر الثمانينات، لأخصّ المناظرة التي تمادت في صدد كتابه بدراسة طويلة نسبياً لأطوارها وللدلالات المستفادة من تماديها…
“لقينا محفظة!”
وعلى وفرة الصحف المتناسلة من شقوق بيروت، كان بعض الصحافة المصرية أيضاً يجد مكاناً له في الفضاء المكتظ بهموم شبابنا السياسية. كنا نقرأ مطوّلات محمد حسنين هيكل التي راحت الأنوار البيروتية تنشرها مع الأهرام. ولكن أسبوعيات القاهرة هي ما كان رفيقنا الظريف في استراحات المقاهي. في صباح الخير أو في روز اليوسف، كنا نذهب توّاً إلى الرسوم الكاريكاتورية… إلى نزيل من نزلاء “قهوة النشاط” يقول لجليسه: “يا حلاوة! لقينا محفظة! نادي الجرسون يجيبهالنا!” أو إلى زوج أيقظه البرد من نومه ينتهر زوجته صائحاً في ذروة الحملة الحكومية لتحديد النسل: “يا وليّه! فين الواد اللي كنت بستغطّى بيه؟” لا أذكر، بعد نصف قرن مضى أو كاد، إن كان هذا صلاح جاهين أم البهجوري. ولكن لم يفرض شيء نفسه على ذاكرتي بهذا العناد من كل ما طالعته من رسوم في الصحافة اللبنانية طوال نصف قرن!
كان هذا في أوائل الستينات إذن. في أواسطها، كنا قد أخذنا نجفو عبد الناصر. ثم راح يستحوذ على فضولنا النزر القليل الذي كان يصل إلى علمنا من أخبار الحركة الشعبية في مصر، العمالية حيناً والطلابية حيناً، وقد كنا نراها في أمانينا حركة واحدة. في هذه المرحلة، استجابت لرغبتنا في تعرّف المجتمع المصري مجلة الطليعة التي أصدرها لبضع سنوات لطفي الخولي ورفاق له. كنا نجد فيها بعض زاد كانت حاجتنا إليه ماسة يتعلق بمصر وقضاياها وبموجات الرفض المعتملة في مجتمعها ولكن يتعلق أيضاً بجهات أخرى من الكرة كانت تزداد جذباً لنا كلما ازدادت بعداً عنا: من فيتنام إلى بوليفيا. لم تكن علاقتنا بـالطليعة وبمحرريها علاقة تسليم بل كنا نرى أنفسنا في حال جدال معهم وحذر من صيغة التعايش الرجراجة التي خلصنا إلى افتراضها بينهم وبين الجهاز الحاكم. كنّا نؤثر شريطاً نتلقّاه لنجم وإمام على عدد يصل إلينا من الطليعة. مع ذلك لم يكن بدّ من مطالعة الطليعة.
وفي سنة 1971 أو حواليها، كنت مسؤولاً في بيروت عن طباعة نشرة “سرّية” كان اسمها المسيرة وكان الماويّون المصريون يعدّونها بين باريس والقاهرة. ومن البوابة الباريسية أيضاً كان قد وصل إلى أيدينا كتابان (بالفرنسية) أحدهما لأنور عبد الملك والثاني لسمير أمين الذي وقّعه باسم حسن رياض… لم أقراّ كتاب عبد الملك قط. وأما كتاب أمين مصر الناصرية فمثّل لي ولآخرين من رعيلي أول لوحة غنية بعناصر حسيّة ملأنا بها نوعاً من الضيق شبه الفارغ بنظام عبد الناصر كان قد أخذ يستبدّ بنا في أثر انهيار الوحدة المصرية السورية. وهذا انهيار كان وقعه جللاّ على جيلنا. حتى أن وقع هزيمة 1967 لم يكن سوى توكيد لوقع هذا الزلزال الأول علينا ولم تكن الهزيمة أول زلزال يضرب علاقة جيلنا من المشرقيين بالناصرية كما راح يتراءى لبعض مستذكري الحوادث لاحقاً. أمدّنا كتاب سمير أمين إذن بملامح الوجه المصري للخراب الذي كنّا قد عاينّاه أو سمعنا أخباره في العلاقة المصرية السورية. لاحقاً (في مطلع السبعينات) نقلت ونصير مروة إلى العربية كتاباً لمؤلفين مصريين اثنين هما عادل رفعت وبهجت الندي وقّعاه باسم مستعار أقاما على التوقيع به مذّاك وهو محمود حسين. كان عنوان الكتاب الصراع الطبقي في مصر. وقد وقّعنا الترجمة أنا ونصير باسمين مستعارين أيضاً. على أن كتاب محمود حسين كان أكثر ميلاً إلى الإغراق في الترسيمات النظرية المفترضة للصراع المشار إليه في عنوانه وأقل حفاوة بملامح الصراع الحسية ووقائعه من كتاب سمير أمين الذي ظهر قبله ببضع سنوات. وقد عجبت لقول شارل بتلهايم ما يوحي بعكس ذلك في تقديمه للكتاب ولم أتورع عن نقل عجبي إلى أحد المؤلفين حين التقيته. كان انحيازي (المتردّد جدّاً) إلى ماويّة بتلهايم وتلميذيه المصريين (في وجه الناصرية وفي وجه الشيوعيين “التحريفيين” معاً) هو ما ساقني إلى هذه الترجمة وإلى طباعة المسيرة. فدخلت في هذين الأمرين تواكبني شكوك بعضها معلن وبعضها مكتوم في قيمة المضامين التي وقعت عليها في الكتاب وفي النشرة.
يبقى أن الطليعة، بما كانته لنا، في مدّة عمرها القصير نسبيّاً، لم تخل من شبه بما كانته الرسالة، مجلّة أحمد حسن الزيات، لبعض المثقفين من جيل آبائنا. كان الفارق بين المجلتين يرسم انزلاق الاهتمام المثقف، بين جيل آبائنا وجيلنا، من مسائل الثقافة الثقافية، أي مسائل اللغة والأدب وما إليهما، إلى مسائل المجتمع والسياسة، وقد استحوذا على الثقافة أو كادا. وفي كل حال، لا أزال أحتفظ إلى اليوم بمجموعة شبه كاملة من أعداد الطليعة. ولكن إذ أنظر اليوم إلى هذه الأعداد (التي يتراءى في اهتمامي بجمعها هذا الانزلاق في علاقة جيلي بموارد الثقافة المصرية) أراني لا أدري إن كان يوجد فيها ما قد يغوي فتياناً لبنانيين أو مصريين بلغوا رشدهم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وملحقاته: من دول وحركات ومن صحف أيضاً.
من سنين كثيرة، أصبحت لا أقرأ الصحف المصرية إلا ما حصل اتفاقاً. هذا إهمال منّي ولكنني أرى فيه (من غير رغبة في تسويغه ولا إنكار لنسبته إلى شخصي) علامة تتعدّاني من علامات التغيير في العلاقة الثقافية – وفي العلاقات السياسية أيضاً – لشطر من اللبنانيين بمصر وبالحياة المصرية. ثمة ما زاد في هذه العلاقة وثمة ما نقص منها. ثمة تغير واكبتُه، عبر عقود، وهو ما أحاول أن أجلو من ملامحه، في هذا الحديث، ما تأذن بجلائه خبرتي الشخصية.
استقلال ثقافي في جمهوريتين؟
إلام أتخلص من هذا كله؟ ما دمت قد أجزت لنفسي اعتبار الفتى الذي كنته في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن العشرين شاهداً يصحّ الاعتداد بشهادته، فلن أتردد في القول إن أمراء الثقافة العربية المعاصرة، بجميع فروعها تقريباً، من بين الأحياء آنذاك، كانوا، في عرفنا، من المصريين. حين كنا نسأل من الأديب العربي الأهمّ (بالمعنى الأعمّ للأدب بما فيه نظرية الأدب أيضاً) كنّا نجيب بلا تردد: طه حسين. وكان نجيب محفوظ بطلنا من بين الروائيين وتوفيق الحكيم سيّد كتّاب المسرح في عرفنا وبقي محمود تيمور ملك القصة القصيرة عندنا إلى أن اكتشفنا يوسف إدريس. ولسنين كثيرة لبثت أعمال أحمد أمين هي أوّل ما يتبادر إلى الذهن حالما يطرح سؤال يتعلق بتاريخ الإسلام. ولم يكن التردد يساورنا إلا في صدد الشعر. لم نكن نجد صلاح عبد الصبور أدنى مرتبة من السياب أو من أدونيس مثلاً. أبداً. وإنما كنا نرى هؤلاء سوية ونفراً معهم قافلة واحدة راحت تجدد الشعر في الشرق العربي. وكان تفضيل واحد منهم على الآخرين مسألة ذوق شخصي يختلف جوابها من فرد منّا إلى آخر. وأما في الشعر الذي أخذنا نعدّه تقليديا فكان أحمد شوقي قد أصبح وراءنا (ولو انني، شخصيا، كنت أحفظ مصرع كليوباترة و مجنون ليلى عن ظهر قلب). كنا قد أصبحنا متنازَعين ما بين الجواهري وسعيد عقل وبدوي الجبل ولم نكن نجد بدويا مصريا نضمه إلى هؤلاء ولا أرضانا انتخاب مواطننا بشارة الخوري المعروف بالأخطل الصغير، بُعيد ذلك، خليفة لشوقي. أصلاً، حصل هذا الانتخاب في وقت كانت فيه القيم الجمهورية قد بلغت أوج غلبتها وجعلت من تنصيب الأمراء وتتويج الملوك في الثقافة أمراً يعسر هضمه… وكان من تعابير غلبتها، في الثقافة أيضاً، هذا الذي عاينّاه على أنه عسرٌ في ولادة النجوم، وقد راح يتفاقم من عقد إلى عقد.
وفي ترجيحي أننا إذا نظرنا اليوم في أمر شابّ لبناني ما في حوالي العشرين من عمره، سنجد أن كتّابه المفضلين من العرب، في معظم هذه الفروع، هم من اللبنانيين وأنه إذا غامر بالتغرب إلى آداب الأقطار العربية الأخرى سيوزع أفضلياته ما بين عدّة منها ولن يجد في مصر ولا في غيرها، بالضرورة، بداية ونهاية لمطافه. أقول هذا مع علمي بما في تيارات الأذواق اللبنانية من كسور وبأن ما بين فتى لبناني وآخر في مضمار الميول الثقافية قد يكون ما صنع الحدّاد. ولكن هل يعني اختلاف المسلك الذي قد يسلكه الشاب اللبناني اليوم عما كانه في جيل سبق أن منتجات الثقافة المصرية في سائر الفروع قد أصبحت اليوم أقل جودة؟ أبداً! لا أفترض للثقافة المصرية (ولا للثقافة اللبنانية) عهداً ذهبيّاً وأميل إلى الاعتقاد أن التأمل المتأني من شأنه أن يظهر الزيف في ذهب العهود الذهبية وأننا نخترع هذه العهود، عادة، لأمور فينا وليس لأمور فيها.
ما أراه إذن هو أن لهذا التغير في مسلك الشاب اللبناني المعادل لذاك الذي كنته قبل بضعة عقود معاني أخرى. أوّلها أن الثقافة اللبنانية قد ازدادت كثافة فازدادت قدرتها على استغراق أهلها. ولوفرة الإنتاج التي هي وجه مما سميناه “ديمقراطية” ثقافية شأن مؤكد في ذلك. وللمحن التي عبرها المجتمع اللبناني في السنين الأربعين الماضية شأن في الظاهرة نفسها. فإن هذه المحن ركّزت انتباه اللبنانيين على مجتمعهم وعلى مشكلاته، أو هي حبست هذا الانتباه، إلى حدّ ما، في هذا النطاق. وقد يكون علينا أن نستثني من هذا التركيز على إنتاج الداخل ما كان متاعاً للتيارات الدينية الحاضرة ولما تطرحه هذه التيارات على نفسها وعلى مناهضيها أيضاً من مشكلات تبدأ بالسلوك الفردي، بسائر مجاليه، لتطول إلى المجتمع وإلى الدولة… فما يستهلك من هذا القبيل أضعف صلة من منتجات ثقافية أخرى بالمنبت الوطني لمنتجيه وحتى بالعصر الذي أنتج فيه. وإذا نحن توقفنا عند المسائل المنتمية إلى نظرية المعرفة وإلى نظرية التاريخ والسياسة، وجدنا أن المغاربة، لا اللبنانيين ولا المصريين، كانوا متصدّرين، في العقود الأخيرة، بين الباحثين العرب في هذه المسائل وفي صيرورة المجتمعات العربية على ضوئها.
من يحتاج إلى قائد أو رائد؟
خلاصة القول أن في الجهة اللبنانية مقوّمات أوفر لنوع من الاستقلال الثقافي ينتهي إلى قدر من الامتناع عن تسليم القياد الفكري أو الذوقي لمثقّفي مجتمع آخر. وأما من الجهة المصرية، فهذا الاستقلال حاصل من عهود أطول ولكنه اقترن في العقود الأخيرة نفسها، بانكفاء “الرسالة” السياسية التي دأبت البلاد على نشرها في أرجاء محيطها القومي وما كان يلي هذه الرسالة من ظواهر ثقافية. هذه الرسالة كانت تتولى نشرها مصر كلها، سياسة وثقافة، وليس ثقافة مصر وحسب. هل توطّد الاستقلال الثقافي، في الحالة اللبنانية، نعمة وهل انكماش المنحى الرسالي، في الحالة المصرية، نقمة؟ لا أظن. حين لا يوجد، في هذه الحالة ولا في تلك، إغلاق للأبواب ولا حصار، يصحّ القول إن الحالتين تفترضان تركيزاً على أحوال المجتمعين وعلى أحلامهما ومطالبهما أيضاً يجب أن يكون موضع ترحيب. والحال أنه لا توجد بين لبنان ومصر أية أبواب مغلقة وإن بقيت تستحسن زيادة الأبواب المفتوحة دائماً. جلّ ما في الأمر أننا لا نلحظ ريادة تشبه ما كانت عليه حال المهاجرين إلى القاهرة من مسيحيي لبنان، قبل قرن من الزمان أو يزيد. ولا نلحظ قيادة شأن ما كان عليه نفوذ المثقفين المصريين في لبنان، قبل نصف قرن من الزمان تقريباً، أي في المرحلة الناصرية: مرحلة الفورة القومية والفورة الاشتراكية ومرحلة نقدهما ورفضهما أيضاً. هل نحتاج، في الثقافة، إلى من يقود أو إلى من يرود، أم نحتاج إلى تواصل الإبداع بما يفترضه من تحرر للعقل وللذوق؟ في السياسة، قد لا يوجد بدّ من القيادة والريادة. وأما في الثقافة فالحاجة هي إلى الحرية وإلى مقوماتها قبلها. ففي هذا حصانة من مغريات الاتّباع ومن محسّنات الانصياع لما لا تني تتفتق عنه السلطة الحاكمة والسلطات الأهلية وثقافة أهل السلطة وطلابها من صنوف التضليل والطغيان والعنف.
بيروت في 20 تشرين الثاني 2010
[1] ورقة أعدّت لندوة انعقدت يوم 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2010 في المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة حول العلاقات الثقافية بين مصر ولبنان، وذلك في نطاق “الأيام الثقافية اللبنانية” في مصر.
كلمن | ثورتا تونس ومصر
Source: كلمن | ثورتا تونس ومصر
ثورتا تونس ومصر:
الشعب بلا شعبوية
أحمد بيضون
أعادت الثورة المصرية الاعتبار إلى مفهوم الشعب. وكانت ثورة تونس قد فعلت قبيلها الشيء نفسه. وانتشرت بوادر من القبيل نفسه من الجزائر إلى اليمن إلى الأردن فإلى العراق… وراحت دمشق تسأل نفسها عن مآل الصمت المخيم عليها. وانفجرت جزيرة العرب والهلال الخصيب ضاحكين وهما يتلقيان موجة “المكرمات” من ملكية وأميرية ورئاسية، وقد أطلقها الرعب المنبعث من وقائع الأيام العظيمة في ميدان التحرير وفي غيره من ساحات مصر. وفي إيران نفسها، كانت ثورة مصر مناسبة لنوع من عودة الروح إلى الثورة الخضراء المقموعة.
الذين كانوا قد نسوا قوّة الشعوب، بين مشرق هذه البلاد ومغربها، لم يكن نسيانهم اختياراً. طال بهم العهد بما بدا نسياناً من الشعوب لنفسها. من يوم أن انهار جدار برلين و كبت رياح الحرّية التي هبّت من بين أنقاضه دون الحدود العربية، راح العالم ينعتنا بأننا استثناء من الديمقراطية. وبدا أن الجديد الخارج من بين ظهرانينا لن يلبس غير وجه الأصولية وإرهابها وهذا إرهاب باشر الفتك بمجتمعاتنا قبل أعدائها من حقيقيين ومفترضين. وهو لم يكن غير الصورة القصوى ليأس هذه المجتمعات من نفسها ومن تاريخ اختارت التوهّم أنها توقفه أو تطويه طرفاً على طرف. ولم يكن اليأس من التاريخ مختصّاً بأصحاب الإرهاب الأصولي في الواقع. كان يبدو شاملاً ولم يكن هناك من جواب عن السؤال: ماذا تفعل هذه المجتمعات بنفسها وإلى أين هي مفضية، وهل بقيت فيها إرادة غير إرادة أعدائها الذين في الداخل وفي الخارج وإرادة أعداء أعدائها الذين هم أعداؤها أيضاً بل قد يكونون ألدّهم؟
الذين من بيننا كانوا قد يئسوا من التاريخ يعود إليهم اليوم شعور بأنهم هم أنفسهم، الفرد منهم والجماعة، أمواج حرّة في بحر إرادات عظيم. وليس غير الحرّية ما يصحّ أن تنعت به هذه الحركة المترامية وما فيها من مواقع عناد ومن مواقع تردّد. وهذا على الرغم من أهوال البؤس والذلّ التي كان لا بدّ من شيء جامع وجارف ينقض الاستكانة لها ويقطع الصبر عليها. فلا شيء يبدو في ما هو جارٍ مما يمكن أن ينسب إلى القدر أو يشبّه به. بل إن هذه حركات لا تمنع شدّة بأسها ولا عنادها من أن تبقى اليد على القلب خوفاً عليها وعلى من فيها، من يوم إلى يوم ومن محطّة إلى محطّة.
في كل يوم من أيام الثورة المصرية، خصوصاً، كان المصير معلّقاً على حسن التصرّف وعلى الحصافة في القرار: على الولوج في مسلك بعينه، يجاد اختياره، وعلى اجتناب سواه عند كل مفترق. وكان بادياً أن المفترقات نفسها تغيّر مواضعها من يوم إلى يوم. لم يكن هناك قدر ولا نصر محتوم. كان هناك بشر أجادوا الخروج السلمي بإرادة غالبة صائبة، عند كل محطّة، وفرضوها على أنفسهم قبل أن يفرضوها على نظام أرادوا إطاحته، وكان يناور ويراوغ وعاند طويلاً. كل يوم، كانت الأيدي على القلوب خشية من شقوق تبدّد الصفوف أو تذرّ فيها العنف فتشل المبادرة وتفتح الباب إلى المحذور من جهة النظام أو من جهة الثائرين عليه. وكان يزيد الخشية هذا الغموض في هوّيات المبادرين الجدد وفي كيفيّات قيادتهم لحركتهم وهذا التعدّد في بؤر المبادرة الشبابية. وكذلك ما هو معلوم، على الضفة الظاهرة، من تهالك وتخاذل في تنظيمات المعارضة التقليدية. في كلّ حال، كنّا حيال بشر أحرار ولم يكن هناك من قدر. وهذا ما سنبقى نختبره في مستقبل هذه الثورة المصرية نفسها وهذا ما سنظل نشهده في البؤر الأخرى التي لم تُخرج إلا أوائل أثقالها حتى الساعة.
عادت الشعوب إذن وعادت محرّرة لإرادات أبنائها ومكوّناتها لا طاغية على هذه وعلى أولئك طغياناً يستوي وجهاً آخر لطغيان النظام البائد وقد يصير إلى أفظع منه. لا أحد يخاف اليوم في مصر أن يقول كلمته أية كانت، وليس هناك من كلام يلقي بأصحابه في غيابة الجبّ أو إلى التهلكة. والمعوّل على أن يديم المصريون على أنفسهم نعمة هذه اللحظة العظيمة. الشعب، حتى الآن، ليس شعبوياً.
في ما جرى وما هو جار إشارات إلى أن الخروج من الاستثناء العربي من الديمقراطية قد بدأ وأن المرحلة الثورية منه قد حسمت في أهمّ مواقعه على الإطلاق: مصر. قبل ذلك، وجد، بفعل اليأس أو المصلحة، من تقبّل مزاعم الولايات المتّحدة البوشية أن الجيوش المحتلة قادرة على الخروج بالعراق من طغيان الفرد والحزب – العشيرة إلى رحاب الديمقراطية. اليوم تمثّل تونس ومصر نموذجين تجب مقارنتهما – في ما يتعدّى الفوارق الاجتماعية التاريخية – بالنموذج العراقي. يخرج المصريون وقد ازدادوا وحدة على النحو الذي تستحب عليه الوحدة ويباشرون تنظيف ميدان التحرير إشارة إلى العزم على البناء: على إعادة البناء وعلى زيادته. وحتّى مخزون التوتّر الإسلامي القبطي الذي كان متنامياً مالت به الثورة إلى الانكفاء. وكذلك بدت حال العنف المدني الذي يمثّله التحرّش بالنساء. هذا فيما يواصل العنف الأهلي مساره في العراق بعد دمار الحرب ويخشى ألا يزيده انقشاع الاحتلال إلا استعاراً… يقف العراقيون مقسّمين إلى درجة تجعل من تشكيل حكومة لهم مهمّة تبقى عصية على العلاج لما يقارب السنة. وحين تشكّل الحكومة، يستشعر العراقيون، على غرار غيرهم في محيطهم العربي، حاجة إلى التظاهر طلباً لحقوق أوّلية للغاية راحوا يبتعدون عنها، في سنوات من الاحتلال والتقاتل، من الدمار والنهب، أو راحت هي تبتعد عنهم.
في تونس وفي مصر، لم يصنع الإسلاميون الثورة ولا هم قادوها. لا إسلاميو التكفير والاستئصال ظهروا فيها، ولا إسلاميو “الاعتدال” من نهضويين وإخوان أمسكوا بزمامها. كانت تلك مفاجأة لكل من كان يتحسّب من تغيير لا يكون بعده تغيير: تغيير لا يبقى بعده من يقوى على طلب التغيير، أي ديمقراطية تصلح للاستعمال مرّة وحيدة. ذاك تحسّب كان أصلاً من الأصول الكبرى التي شكّل منها نظام حسني مبارك ونظام زين العابدين بن علي رأس مالهما وضمان بقائهما و”حقّهما” في أن تطلق يدهما في نهب البلاد وإذلال العباد.
الآن سيجد الإسلاميون، في مصر وفي تونس، فرصهم شأنهم شأن سواهم. وطالما بقيت أصول ما يسمى “اللعبة” الديمقراطية مرعيّة، سيكون الحجم الذي يعطونه حقّاً لهم ما داموا يقرّون سائر الأطراف كلّاً على حقّه. فليس للثورة من مصلحة في أن تختصر قاعدتها بالاستبعاد، على الغرار العراقي. ولن يكون حقّاً للإسلاميين بل سيكون عسيراً عليهم أن يجبهوا سواهم بمثل ذلك. ولن يكون لسواهم حقّ في استبعادٍ يكون ضحاياه من غير المرتكبين: من الإسلاميين، مثلاً، أو من أنصار للنظام السابق لم يجنوا جناية موصوفة ولا غصبوا حقّاً.
اليوم تباشر مصر عودتها إلى نفسها، بلاداً كبيرة وقطباً لدائرة هذا الشرق. وهي تعود، بادئ بدء، لا خدمة لقضية تقع خارج حدودها، أيّة تكن القضية. هي من سيقرّر أية قضايا ستخدم وكيف وأيّ نزاع أو أكثر قد تستأنف وإلى أي حدّ. الديمقراطية، بحدّ ذاتها، حائل أوّلي دون التبعية وإن تكن البلاد صغيرة فكيف في حال دولة استردّ لها شعبها هذا الحجم الذي هو حجم مصر، أو هو باشر هذا الاسترداد. بدا باعثاً على السخرية من أوّل يوم كل تلميح إلى تحكّم خارجي ما في الحركة المصرية. بدا واضحاً أن قومة لها هذا العرض وهذه القوّة لا يحكمها غير ذويها. ولن يكون مختلفاً حال السلطة التي تنشأ من هذه الحركة: لا تسخّر ولا تشتط ما دامت عيون منشئيها رقيبة عليها.
مع ذلك أو بسبب ذلك، يستعيد المحيط العربي بعودة مصر مركزاً يتعرف فيه نفسه. فإن لأيّ منّا أن يلاحظ، من غير صدور عن عصبية أو عن ضيق أفق، أن ترنّح مصر الطويل قد أنشأ في الإقليم العربي حاجة لم يلبّها حقّ تلبيتها أي طرف عربي آخر: حاجة إلى قطب وإلى قيادة. هذا القصور في التلبية هو ما جعل لإيران، من وقت ثورتها، ولتركيا مؤخّراً حكماً مباشراً ومدخل أمر ونهي في أمور هذه المنطقة. وهذا شيء لا تزال تبعات قديمه الإيراني واضحة الرزوح على مجتمعات عربية عديدة: من الأقطار الحافّة بالخليج إلى بلاد الشام. وأما تبعات جديده التركي فهي لا تزال غير واضحة. ولعلّ أوّل أثر مأمول لمصر الثورة في محيطها صبّ الماء على النار المذهبية التي تبدو من سنوات موشكة على التهام الأخضر واليابس. فإن من طبائع مصر وسنن قيادتها، مع كونها دولة إسلامية سنيّة بالدرجة الأولى، أن تحلّ سلوكها القيادي فوق هذا الضرب من الانقسام. وهو ما يعنيه انتماؤها، في آن، إلى تلك الدوائر الثلاث التي أحصاها جمال عبد الناصر في فلسفة الثورة.
وقد كان ترنّح مصر أسهم أيضاً في فتح أبواب التعسف أمام إسرائيل، فمضت لا تلوي على شيء ولا على أحد في تطبيق سياسة يراد لها أن تؤول إلى تصفية الوطن الفلسطيني على الأرض. وهو ما تبتغي منه، على الأرجح، أن يمهّد لإخراج الشعب الفلسطيني من أرضه مرّة ثانية وأخيرة، بالتهجير أو بهجرة تشبه التهجير… وذاك لعلّة أن ما يزيد عن خمسة ملايين من العرب الفلسطينيين لا محلّ لهم تحت سماء “الدولة اليهودية”، وقد راحت هذه تغطي فلسطين التي يقيم على أرضها هؤلاء من أقصاها إلى أقصاها. لم يكن في العالم العربي ما يعوّض الانكفاء المصري: لا القيادة السعودية لما سمّي “الاعتدال” ولا التنقل السوري المدروس بين الإقامة الطويلة على الركبة الإيرانية والجلوس القلق العابر على الركبة السعودية… ولا التعملق القطري أخيراً لا آخراً.
في السنوات الأخيرة، لم يكن أحد يقيم في مصر أو يزورها أو يعرفها يقول كلمة مطمئنة في أحوال مصر والمصريين. كان ثمة نوع من الإجماع في أحاديث العارفين على أن تلك الأحوال بلغت من السوء الدرجة التي يتعذّر تحمّلها أو هي جاوزت تلك الدرجة. ولم يكن الإعلام يولي هذا الأمر ما يفترض له من الاهتمام. بدا، بالأحرى، أن ثمة يأساً مستتبّاً يترجَم بما يشبه الصمت أو الإهمال. وكان مؤدّى هذا أن أحداً لم يكن يتوقّع هذا الذي جرى تحت أبصارنا وامتحن أعصابنا طوال هذه الأيام القليلة العدد، المتمادية الطول.
كانت تلك ثورة دافعت بالدم المراق عن صفتها السلمية وعن نبذها العنف. وكانت تلك أيام تجديد للصورة التي في مخيلتنا لمجتمعاتنا اليوم: لما في شبابها من عزيمة ولما هو متاح لهم من أساليب غير معهودة في التواصل والتنظيم والحركة وللعلاقات فيها بين الطبقات والفئات والشرائح. بدا، في مصر خصوصاً، أن ثمة قاعدة وطيدة وجدّ عريضة لالتقاء المختلفين في حركة وفي مشروع. وكانت تلك أيام سموّ أظهره المصريون وارتفع بهم إلى سماء من العزّة وارتفع بنا معهم. استوعب الثائرون موجة البلطجة المشبوهة وراحوا، من ثمّ، يحمون أهلهم وعمران بلادهم وتراثها. صنعوا لثورتهم لغة جمعت التسامح الرائع والبعد عن البذاءة إلى خفّة الظل والبعد عن نوع بعينه من السماجة الثورية: السماجة التي يشبه الكلام فيها أحذية الجنود وتبطن القمع أو تكون حبلى به. غابت لغة الثأر الأعشى الذي لا ينتظر القانون ولا يأبه لإثبات الوقائع ويروح يرتجل الديّانين. بقي أنصار النظام آمنين، إجمالاً، في بيوتهم الفارهة وفي مقاهي الأحياء الشعبية سواء بسواء وأسمعوا كل يوم أصواتهم على الشاشات وكانت وجوههم مكشوفة ولم يبدوا خائفين. وحين ذكر لفنّان من أبناء الثورة اسم زميل له من خصومها قال إنه لو حوسبت أم كلثوم بعد 1952 على مدحها الملك فاروق لخسرت مصر أم كلثوم!
كنّا نسمع ونتعلم. نتعلّم خصوصاً من هذا الشباب المسؤول الذي أبدى صلابة فوق الوصف ولكنّه أبدى تقديراً لمسؤوليته فوق الوصف أيضاً. فلم يذهب إلى شعار فيه إفراط ولا طلب شيئاً أو فعل شيئاً ينمّ باستهتار ما بسوء العاقبة أو ينذر بسوق البلاد إلى متاهة. بدا، في مصر خصوصاً، أن ثمّة خشية بعيدة الغور: خشية تاريخية من الفراغ في السلطة وبعداً عن نبذها بما هي سلطة، وبدا أن ثمّة احتراماً مسبقاً للسلطة المقبلة. ولا ريب أن ثورتي تونس ومصر بقي عندهما الكثير نتعلّمه من بنيهما حين يروون وقائع ويصوغون تاريخاً صنعوه أو يبدعون تشكيلات أو يكتبون أشعاراً أو يطلعون بروايات أو بأفلام… وإذا كان ما جرى في القاهرة وفي تونس يذكّر بما شهدته طهران سنة 2009 فمعنى هذا أن الدروس تتناقل وأن الشعوب يتعلم بعضها من بعض ولو كان على كل منها أن يبتكر ما يوافق أحواله وعبقريته.
ما شهدناه في تونس وفي مصر كان ثورة ديمقراطية من أرفع طراز وكان مطلب الحرّية خلاصته الأعمق. وقد ائتلف طلب الحرّية هذا وطلب العيش الكريم ليتشكّل منهما صلب الثورتين. ومن الحرص على هذا الائتلاف يفترض أن تنبجس اليقظة في مرحلة ما بعد الثورة وبهذا الحرص يفترض أن تقاس قيمة النظم والمنجزات. فهذا ائتلاف متوتّر بطبعه. بل إن توتّره هو الأصل في توتّر العالم المعاصر في أكثر من مائة سنة مضت. هل يصحّ التفريط بالحرّية طلباً للعدل الاجتماعي وهل يتحصّل عدل بلا حريّة وهل يبقى عدل بلا حدّ من الحرّيات؟ تلك أسئلة تزداد حدّة في مجتمعات استنزفها الطغيان المتمادي والفساد الكاسح الماسح وهي تباشر الخروج منهما اليوم وقد خلّفا فيها من المشكلات ما يبلغ الجبال طولاً ويزيد.
في ما يقرب من ستين سنة، اختبرت مصر، على الخصوص، نموذج “الاشتراكية” أوّلاً بما صحبها من قمع وتعسّر للإنماء وعيوب فيه ومن تبديد ومن تكوين للشرائح الطفيلية أيضاً. ثم اختبرت نموذج الليبرالية الكاسرة، المؤالفة للطغمة الحاكمة حتى النخاع، وقد نشرت النهب والفساد من أعلى إلى أسفل ومعه ذلّ الفقر للأكثرين ولم تأت من الحرّية إلا بما لا يحفظ كرامة ولا يقوّم عوجاً ولا يمكّن من محاسبة. تلك ذخيرة من الخبرة يفترض أن يمدّ بها الثورة تاريخ مصر المعاصر. فتستعين بها قيادات المرحلة الجديدة وهي تسلك الطريق الذي فتحته تضحيات المصريين وهم الأدرى بطوله وبمشقّاته. الخيارات الشاقّة ستكون كثيرة وسيبقى ماثلاً إمكان التيه عن المفترقات وتيه المفترقات نفسها.
وفي لبنان وفي غيره، تمثّل الحركتان التونسية والمصرية وما يضطرب على وقعهما في أرجاء الدنيا العربية كلها فرصة لمحاسبة النفس وليس للتطفّل أو للتبجّح بسبق لهذه أو بانتماء إلى تلك. فليس منتمياً إلى ثورة حققت وحدة الإرادة الشعبية في الساحات من يكون غارقاً في ما حفره من خنادق الطائفية إلى أذنيه ويرتضي، كرمى لجماعته في الطائفة، أن تكون بلاده “ساحة” لقوى الخارج فيما هيئتها السياسية ساحتان! وليس منتمياً إلى ثورة ديمقراطية من يستمدّ جلّ كينونته السياسية من استخذائه لأنظمة في الجوار لا يعوزها شيء ممّا قامت في وجهه الثورتان المصرية والتونسية. فمع أن التنبّه مطلوب إلى ما يختصّ به كلّ نظام سياسي، لا يبدو أن ثمّة اختلافاً يعتدّ به، في هذا الصدد، ما بين أنظمة “اعتدال” وأنظمة “ممانعة”. هذا إذا صحّ وجود الاعتدال وصحّ وجود الممانعة أصلاً. هنا كما هناك كما هنالك تداس الحقوق وتحبس الحرّيات وتنهب الثروات ويتنامى التفاوت وتستباح الكرامات ويقبع الكذب في السلطة. ومن هنا ومن هناك ومن هنالك، يسخّر اللبنانيون، على الخصوص، بالثمن البخس. فيوضعون على شفير الخراب وهم مسلّمون للممسكين بأعنّتهم بالحقّ في تقريبهم من الشفير أو في إبعادهم عنه أو في إلقائهم في أتون حرب داخلية أو خارجية كلما لزم الأمر. وسواء أكان التسليم لهذه الجهة أم لتلك، فإن في التسليم بهذا عداء لا قرارة له للقيم التي رفعتها الثورتان المصرية والتونسية عالياً. فأي انتساب إلى الحرية والكرامة يحقّ ادّعاؤه للبنانيين يقادون بالسلاسل ولو إلى الجنّة؟ فكيف وهم يقادون إلى الخراب؟
13 شباط 2011