كلمن | عامان في مقاصد صيدا

عامان في مقاصد صيدا

أحمد بيضون

Source: كلمن | عامان في مقاصد صيدا

عامان في مقاصد صيدا

 

برد الدير وغليان السياسة

جئت إلى «كلية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا» تلميذاً داخلياً في خريف العام 1958. كنت داخلاً إلى صف البكالوريا الأولى وأنا دون السادسة عشرة بقليل. كان أمامي سنتان إذن قبل أن أقف على باب الجامعة إذا كان النجاح حليفي، وقد أمضيت هاتين السنتين مقاصدياً. قبل ذلك، كنت تلميذاً داخلياً لسنتين أيضاً في دير سيدة مشموشة قرب جزين. هناك حصلت على الشهادة التكميلية وأنهيت السنة الأولى من المرحلة الثانوية. وأما الشوط الأطول من حياتي المدرسية، وهو ثماني سنوات، فكنت قد أمضيته في المدرسة الرسمية في بنت جبيل، بلدتي التي شهدت ولادتي ونشأتي الأولى على الطرف الجنوبي من جبل عامل. كنت قد وصلت من دراستي إلى أقصى المتاح في بنت جبيل، أي في بيت والديّ وبين أترابي وفي العالم الصغير الذي فتحت عيني عليه. فكان لا بدّ من الرحيل بعد ذلك إلى مدرسة أبعد مرمىً أواصل فيها سعيي إذا أردت أو أريد لي أن أحظى بالنصيب المأمول مما كنا نسمّيه المستقبل.

كنت معزّزأً مكرّماً في دير مشموشة، يخصّني الأب المدير برعاية رفَع من سويّتها انتماؤه إلى قرية مجاورة لبنت جبيل وصداقة جمعت بينه وبين والدي. وقد تبوّأت بسرعة بين أقراني مكانة فرضها تمكّني الاستثنائي من اللغة العربية وروايتي الكثير من الشعر فيها وإقبالي على كتابة الشعر أيضاً بحيث أصبحت شاعر المدرسة المتوّج. مع ذلك، كنت مستوحشاً في تلك الأعالي تستولي علي كلما خلوت إلى نفسي كآبة موصولة بالشوق إلى بنت جبيل… كان الدير ديراً أي معتزلاً يقيم أهله، ومن بينهم تلاميذ القسم الداخلي، في شبه خلوة وانقطاع عن سائر الدنيا، وهذه حال لا يألفها من لم يكن قد جعلها مشروع حياته. كان الخروج إلى بكاسين أو إلى جزين في النزهة الأسبوعية حدثاً لا تفهم أهمّيته إلا في ضوء احتباسنا في الدير لبقية الأسبوع. يزيد ذلك صحة أن بكاسين وجزّين كانتا شبه مقفرتين في شهور العام الدراسي. وأما الذهاب إلى المنزل حين يتوفّر يوما عطلة متتابعان أو أكثر فكان متعة عظيمة وعيداً. كان عيداً تُطوى صفحته حال ركوب السيارة للعودة إلى المدرسة. ولا أزال أذكر نوبة سرور باغتتني حين ثُقبت في صفاريه واحدة من عجلات السيارة العائدة بي إلى مشموشة. كانت تلك نصف ساعة تضاف إلى عطلة خلّف انتهاؤها في نفسي ذلك الانقباض الذي كنت قد ألفته وأصبحت أتوقعه وأنا أقترب من نهاية العطلة، أية عطلة، بل حتى من نهاية النزهة الأسبوعية.

كان في برد مشموشة وأيام الثلج غير النادرة في شتائها ما يزيد من هذا الشعور بالوحشة وقد يلغي النزهة في بعض الأسابيع. وكنت قد جئت من بنت جبيل محتسباً نفسي على «حركة القوميين العرب» ولو ان هذا الاحتساب لم يكن له أيّ معنى تنظيمي ولم تكن الحركة نفسها تشعر أو تدري به إذا استثنينا منها المعلّم البنتجبيلي الذي حَمَلني عليه. وكانت تلك أيام حرب السويس وحلف بغداد ومبدأ أيزنهاور والوحدة السورية المصرية و «ثورة» 1958 اللبنانية… وكانت مشاعرنا المتعلقة بفلسطين لا تزال على تأجّجها، يعزّزها وجود الفلسطينيين بيننا وما كنا قد عانيناه هناك في الجنوب الحدودي من حرب 1948 وعواقبها. ولم تكن مشموشة، بما هي معتزل، موضعاً صالحاً للتعبير عن هذا الغليان الذي أطلقه في نفوسنا مسلسل الأحداث المتداخلة الكبيرة التي شهدتها تلك السنوات. بل إن ما كان يتردّد في الدير من رَجْع شبه مكتوم لما كان يحصل في آفاق قريبة وبعيدة لم يكن ليرضيني أو يساير اتجاه مشاعري. فسواء أتعلّق الأمر بالرهبان أم بالتلامذة الخارجيين، أبناء جزين وقراها (وهؤلاء من كانوا يُمْلون على المدرسة مناخها السياسي الغالب، ولو من غير نشاط سياسي ظاهر من جانبهم) فإن تحسّسي وجهة الرياح المحلية كان يرجّح عندي كَبْتَ ما في نفسي. لم يكن الفتى «القومي العربي» الذي كنتُه يجد في المحيط المشموشي ذاك متنفّساً لما في صدره من عواطف ومن مواقف. وإلى البرد والسياسة، كان ثمة الغرام… الغرام الذي بكّرت إلى الوقوع فيه في بنت جبيل أشقاني كثيراً في مشموشة!

 

القسم الداخلي والمدينة

حين حللت في المقاصد تحسّنَت حالتي المعنوية تحسّناً بيّناً قد لا أغالي إذا اعتبرته انقلاباً. كان ذلك فِعْلَ المدينة مبطلاً فعل الدير. فمع أنني جئت إلى القسم الداخلي هنا أيضاً، لم يكن الانقطاع عن المدينة باتّاً بل لم يكن محسوساً في كثير من الأوقات. كنا نتمتع، نحن التلامذة الكبار، بقدر من حرّية الحركة يجيز لنا الخروج من المدرسة إذا وجدنا ذريعة مناسبة في بعض أوقات الفراغ من أيام الدراسة، فضلاً عن قضائنا العطلة الأسبوعية في رحاب المدينة. ولم نكن لنتورّع عن تجاوز هامش الحريّة المشروع هذا. فكنّا، في بعض الليالي، نتسلّق سور الملعب من جهة الجامع ونجتاز المدينة إلى البساتين لنملأ أكياس غسيلنا البيضاء بالإكّي دنيا. بل إن أحدنا حوّل خزانة ثيابه إلى مخمر ينضج فيه قرط الموز الأخضر الذي كان الإياب به، في غزوة ليلية، يعدّ فتحاً من الفتوح ويرفع فاعله إلى مصافّ المقدّمين والقادة بين الأقران.

لم تكن صيدا أوفر أنساً من مشموشة وحدها بل كانت تبزّ في هذا المضمار بنت جبيل نفسها. ولم يكن في هذا معجزة ولا كان يعني حيازة صيدا ميزات خارقة. ولكن البون كان كافي الاتساع في عين الفتى الريفي الذي كنته لإشعاري بالارتياح المؤكّد إلى وجودي في مدرستي الجديدة. كان الشتاء هنا أرفق من شتاء مشموشة. ومن ساحة ظهر المير حيث المدرسة إلى شارع رياض الصلح أو شارع الأوقاف حيث السينما كنا نقطع صيدا القديمة ومعظم الجديدة في تلك الأيام. وكانت هذه الرحلة رياضة داخلية تتحرك لها الحواس فتتسرّب إلى النفس منها متعة خفيفة يحدثها اقتران المشاهد والأصوات والروائح في الأسواق والشوارع المتتالية: في المتاجر وفي المحترفات وفي زحمة الأزقّة… وكان التنزّہ بما يتخلله من فرجة أكثر ما نفعله بأوقاتنا في المدينة. لكن أهمّ ما في صيدا كان، في نظري، السينما. فكنت أقصد الريفولي أو الشهرزاد مرّة في الأسبوع على الأقل… وبعد السينما يأتي المقهى (كنعان في جهة ورجال الأربعين في الجهة الأخرى)… هذا مع أننا لم نكن مثابرين على زيارة المقهى لضيق الوقت عن ذلك ولضيق ذات اليد أيضاً. إلى ذلك، كان يكفي القادم من الدير مثلي أن تقع عيناه ههنا على بشر من الجنسين وبينهم فتيات من جيلي يُشِرْن بمجرّد مرآهن هنا وهناك في نواحي المدينة إلى أن الأمل من هذه الدنيا غير مقطوع ويلطّف منظرهن من حدّة الشوق إلى الشعر الطويل الأسود الذي كان يلعب به نسيم بنت جبيل.

 

الطريق إلى نشرة أخرى

وفي السياسة لم تعدم المقاصد، في تلك المرحلة، مناسبات يثبت فيها تلامذتها أنهم طليعة الشارع الصيداوي وروّاد حركة التظاهر فيه بمزاجها القومي العربي. كانت البلاد، في خريف 1958، لا تزال تخرج من «الثورة» لتدخل في «الثورة المضادّة» وكانت المدرسة لا تزال تستذكر حوادث الربيع والصيف السابقين غير مستنكفة عن إضفاء مسحةٍ من الهزل على دعاوى البطولة والعبقرية القتالية. وكان التلامذة البعثيون يتصدّرون المشهد الحزبي في المدرسة ويديرون دفّة السياسة والتظاهر فيها. لم يكن حزب البعث وحده في الساحة بل كان ثمة تمثيل لأحزاب أخرى منها الشيوعي ومنها السوري القومي. ولكن معارضة هذين الحزبين للمدّ الناصري منعت أنصارهما من إظهار نشاطهم بين التلامذة. ولم أكن مصنّفاً في خانة البعثيين بل كنت أدخل مع بعضهم في سجال لا ينتهي لنعلم أي الاثنتين يجب أن تتقدّم الأخرى: «الوحدة العربية» التي كان يقول بأسبقيتها «القوميون العرب» أم «الاشتراكية» التي كان يستعجلها البعثيون؟! وهذا قبل أن يعلم الجانبان أن العرب – بهمّتهما معاً ولدواعٍ أخرى أيضاً! – لن يحصلوا على شيء من هذه ولا من تلك.

في كل حال، لم يمنع اختلاف الرأي أن يكون أقرب أصدقائي من البعثيين. وكان أهمّ ما شهدته صيدا من تظاهرات، في تلك الآونة، يرمي إلى نصرة القوميين في العراق بعد أن انشقّت القيادة التي قلبت النظام الملكي في 14 تموز 1958 إلى كتلتين: واحدة يتصدرها عبد الكريم قاسم ويدعمه الشيوعيون والأخرى يتقدّمها عبد السلام عارف ويسنده البعثيون. وكنت قد وجدت لتوّي حقلاً أستثمر فيه «شاعريتي» وهو نظم الهتافات للتظاهرات. وهذه مهمّة سيظلّ «الرفاق» يعهدون بها إليّ لعقد ونصف عقد تلوا أيام المقاصد. ومما وضعته لتظاهرات صيدا المؤازرة لناصريي العراق وبعثيّيه، أذكر هذه الأبيات، وهي عمل مبتدئ كان لا يزال قليل الدراية بما يصلح لغرض «الهتاف»:

الشعب أقسمَ لا يضامْ

وعلى المذلّة لن ينامْ

مهما طغوا وتجبّروا

فالركْبُ يزحف للأمامْ

والشعب يهتف ثائراً

لبّيكَ يا عبد السلام!

 
   
   

على أن أقرب شيء إلى الحُلُم أو إلى السحر خَبِرْتُه في سياسة تلك الأيام كان رحلة قمنا بها، نحن تلامذة المقاصد، إلى دمشق في الذكرى الأولى لقيام الوحدة المصرية السورية ووقفنا فيها بين ألوف مؤلفة من الناس ننظر إلى جمال عبد الناصر ونستمع إليه وهو يخطب فينا من على شرفة قصر المهاجرين محوطاً بساسة لبنانيين زحفوا معنا في ذلك اليوم مباركين ومجددين البيعة!.

ولا بدّ هنا من القول إن أصدقائي البعثيين السالفي الذكر لم يبق أيّ منهم بعثيّاً بعد سنتين – لا أكثر – من مغادرتنا صيدا. عانينا سويّة صدمة الخلاف بين عبد الناصر والبعث في دولة الوحدة ثم الصدمة الكبرى التي كانها سقوط دولة الوحدة برمّتها. مذ ذاك بدأ القوم يتلمّسون سبيلهم في شعاب الماركسية اللينينية ولم يلبث بعضهم أن انخرط في الحزب الشيوعي اللبناني. ومع أنهم ظلّوا أقرب أصدقائي إليّ وتوسّعت مع دخولهم الحزبَ شبكةُ علاقاتي بالشيوعيين فإنني ظللت أقاوم دواعي الانتساب إلى الحزب مقاومتي قبل ذلك دواعي التحوّل إلى البعث. وفي خريف 1963، غادرتُ الجامعة اللبنانية إلى جامعة باريس لإعداد شهادة الدكتوراه… وهذه قصة أخرى. وبعد سنتين عدت من باريس بلا شهادة ولكن بمعارف ماركسية وارفة. ولم ألبث أن بدأت الخوض مع آخرين في مخاض سياسي مغاير هو ما دعي في تلك الأيام باليسار الجديد، وكنّا فيه شديدي النفور من الحزب الشيوعي، على الخصوص، ومن رعاته في العالم. في عشر سنوات (أي بين سنّ الثالثة عشرة وسنّ الثالثة والعشرين) كان هذا هو المسار الذي توسَطَتْه مرحلتي المقاصدية وأوصلني من «حركة القوميين العرب» ونشرة «الثأر» إلى «اليسار الثوري» ونشرة «لبنان الاشتراكي»…

 

المقاصد وجوهاً ومسالك

في عاميّ المقاصديين، كان صلاح طه البابا هو مدير المدرسة. وكنّا قليلاً ما نقابله أو نكلّمه إذ كان الأمر محتاجاً إلى داعٍ وجيه. وكنّا نهابه ونصغي إليه صامتين إذا خطب فينا في مناسبة من المناسبات. أذكر من ذلك أننا كنّا مصممين على الإضراب ذات صباح في ذكرى قرار الأمم المتحدة الذي قضى بتقسيم فلسطين. فخاطبنا المدير من أعلى الدرجات القليلة التي تفصل بين الملعب والرواق المقنطر وقال لنا إن قرار التقسيم رفضه العرب ولم يرض به اليهود، ففي وجه من نضرب؟

ومن النظّار أذكر سليم المجذوب الذي كان دمثاً وظاهر الأناقة وكنّا قليلاً ما نحتاج إلى مخاطبته. وأذكر ناظرَي القسم الداخلي محي الدين حشيشو وحسين شريف وكانا مرجعينا المباشرين في معظم ما يعرض لنا من شؤون. حشيشو كان صارماً وكنا نعلم أنه شيوعي فنبادله تحفّظاً بتحفّظ. وأما شريف فكان ملايناً حريصاً على مودّة الكبار من التلاميذ: فيأذن لهذا بالخروج ساعة إلى المدينة، بعد دوام المدرسة، ويغضّ الطرف عن سيجارة يدخّنها ذاك، إلخ.

ومن المعلّمين، أذكر شعبان بركات الذي درسنا عليه الأدب العربي وعفيف الشريف الذي درّسنا الأدب الفرنسي وسلّوم الدحداح مدرّس الرياضيات وسعد الدين عوكل مدرّس العلوم. كان بركات صورة للمعلم المحافظ المتقشّف، المتعلّق بأهداب الواجب والنظام والمتبتّل للمهنة. وكانت للشريف، بخلاف ذلك، طريقة في التعبير ولغةُ جسدٍ خاصتين به وكنا نحبّ أن نخرج معه عن نطاق الأدب الفرنسي لنستفتيه في مسائل ما بعد الطبيعة! وأما الدحداح وعوكل فكان كلاهما يتّسم بحيوية وبشاشة محبّبتين وداعيتين إلى رفع الكلفة وكانا يشتركان، إلى ذلك، في الضجر الظاهر من التدريس وتبعاته. وكان في المدرسة بعثة من المدرّسين المصريين درست على واحد منهم الجغرافيا وكان اسمه رأفت الحنّاوي. وكان فيها أيضاً أزهريّ معمّم لا يكبرنا، نحن تلاميذ الصفوف الأخيرة، إلا ببضع سنوات وقد تلقينا عنه دروساً في الدين. كان شيخنا هذا يوزّع علينا دروسه مطبوعة جاعلاً لها عناوين من تلك الرائجة في تلك الأيام: «الإسلام والحرّية»… «الإسلام والاشتراكية»…، إلخ. ولكن قدرة الشيخ على جذب اهتمامنا بدروسه بقيت جدّ محدودة. لم يكن المناخ كلّه يعزّز جاذبية الدروس ولم يكن للمادّة وزن مرجّح في الامتحان الأخير ولا كانت من موادّ الامتحان الرسميّ أصلاً. ومهما يكن من شيء فإن أبرز أعضاء البعثة المصرية كان محمود الدوّة مدرّس الأدب العربي في القسم الإنكليزي من المدرسة. وقد أصبح، إلى مهمّته هذه، يلقي خطبة الجمعة في الجامع العمري الملاصق الذي كان مفروضاً أن نقصده للصلاة ظهر الجمعة ولكن كان كثيرون منا ينسلّون منه قبل الصلاة مبكّرين إلى التنزه في المدينة. هذه كانت أيضاً حال واحد من نظّار المدرسة هو عبد الله الشريف، فقد توزّع نشاطه بين غرفة النظارة ومنبر الجامع.

هذا، تقريباً، كل ما كان ظاهراً من معالم إسلامية في المقاصد الإسلامية. وفي وسط التلامذة أيضاً، لم تكن المثابرة على أداء الفروض باديةً ولا كان التوجه الإسلامي ذا مكانة ملحوظة بين الانتماءات السياسية. يستثنى من ذلك أن تلامذة القسم الداخلي كانوا يُحْملون على صيام رمضان بحجب وجبة الغداء من المطعم طوال الشهر المذكور وبتقديم وجبة السحور للراغبين. وكان غير الراغبين في الصيام (وهم كثر) يحتالون على هذه الحال بما ملكت أيديهم. فكانت أمّي، مثلاً، (وهي نفسها صائمة ولكنها مسلّمة بعزوفي عن الصيام) ترسل إليّ، كلّ أسبوع، مع بوسطة بنت جبيل – بيروت التي كان أبي شريكاً في ملكيتها، سلّة مليئة بالأطايب. فكان أصحابي المفطرون يتجمّعون حول السلّة فنأتي، في وجبة واحدة، على كل ما فيها باستثناء البيض. وعليه كان غدائي يصبح مقتصراً تقريباً على البيض لبقية الأسبوع. وهو ما كان يجعلني، بعد رمضان، أصاب بنفور طويل الأمد من البيض فلا أقربه لشهور تلي… ولا بدّ لي من الإشارة هنا إلى أن مطعمنا التقي الورع وطبّاخنا حيدر كانا يتساهلان كثيراً في أمور من قبيل قلي البيض ويساعدان بما يجب لإتمامها.

هذا وليس لي أن أغادر حديث المعلمين دون تنويه أخير لا آخِر. وهو أن المعلّم الذي لقيته في المقاصد ولبث حاضراً في حياتي سنين كثيرة بعد ذلك أستاذاً لي في الجامعة اللبنانية ثم زميلاً لي فيها وصديقاً ناصحاً على الدوام كان نزار الزين. فحين انتقلت إلى السنة النهائية أصبح هو مدرّس الفلسفة العامّة لثلاثة أو أربعة من التلامذة كانوا يشكّلون صف الفلسفة في القسم الفرنسي وكنت أحدهم. وكان هو نفسه مدرّس الفلسفة الإسلامية التي كنا ننضمّ لدروسها إلى تلامذة القسم الإنكليزي وكانوا أوفر عدداً منّا بكثير. فكنا نلازم نزار الزين ما لا يقل عن 15 ساعة من الأسبوع أي معظم الدوام. وهو ما أنشأ بيني وبينه صلة متعددة الوجوه كانت تشتمل أحياناً على النصح الطبّي أو الغذائي حين يراني هزيل الجسم، شاحب السحنة، وعلى أحاديث السياسة وعلى استمداد معارفه بمسائل وبأهل فكرٍ مما لم يكن ملحوظاً في المنهاج المعلوم، إلخ.

 

أصحاب لـصاحب صيدا والمقاصد…

نفعني الشعر والتمكّن اللغوي (ولو انه كان نسبياً بالتأكيد) ههنا أيضاً. بوّآني في المقاصد مكانة شبيهة لتلك التي كانت لي في مشموشة. أصبحت «وجيهاً» أدبياً في المدرسة وعُهد إليّ بتحرير وحي الكلّية، مجلّة المدرسة، وجنيت من هذا العمل متعة كان شريكي الأول فيها صديقي نصير مروة. ولم تخل المجلّة التي خرجت من بين أيدينا من نقد هازل اغتاظ منه بعض المعلمين. وفي نهاية مطافي المقاصدي خرجت بشهادات متنوّعة: ثلاث بكالوريات أولى: المدرسية واللبنانية والفرنسية! وواحدة ثانية لا غير: اللبنانية. نلتها في الدورة الثانية لأن بيتنا في بنت جبيل كانت قد استبدّت به حين جئته في عشايا الدورة الأولى فوضى عارمة من جرّاء انتخابات 1960 النيابية، فتعذّر عليّ التحضير. رسبت في امتحانات الفلسفة ورسب أبي في الانتخابات… كان على أبي أن ينتظر أربع سنوات قبل أن يعاود الكرّة. وأما أنا فنلت مطلوبي بعد ثلاثة أشهر ولكن تعيّن عليّ أن أختصره آسفاً إلى شهادة واحدة من ثلاث.

وفي باب الصداقة، عادت عليّ سنتاي المقاصديتان بعلاقات كثيرة صمد بعضها إلى اليوم ولبثت كلها عزيزة على قلبي ولو ان الصلة الحسية انقطعت بعد مدّة طويلة أو قصيرة. وما يميّز نسيج الصداقة المقاصدية أنه يكون منتشراً على بقاع مختلفة من الجمهورية هي تلك التي كان يأتي منها المقاصديون. بعض هؤلاء وهم نصير مروة ونزار سكرية ومحمد عبد الله (المعروف بمحمد المفتي) وأنطوان عبدو شاطرتهم السكن الجامعي في بيروت بعد أن تخرّجنا من المقاصد أو توطّدت صلتي بهم في الجامعة. وبعضهم من أمثال غسان التنوخي ومحمد بكّار أسرعوا إلى الهجرة ثم باتت تنقضي سنوات قبل أن أعلم من أمر أحدهم جديداً. وبعضهم أيضاً من أمثال نهاد حشيشو وغازي قهوجي وحسين صبّاح لا يندر إلى الآن أن ألقاهم في مقهى بيروتي أزوره في بعض الأيام. وبعضهم، أخيراً، من أمثال محمود أبو طعام ونعيم مرتضى وعبد الهادي هادي أضعت آثارهم كلياً بعد رحيلنا عن صيدا ولكن لا تزال وجوههم الودودة تملأ مخيلتي على غير موعد بين حين وحين… وقد مضى على فراقنا اليوم أزيد من نصف قرن.

ازددت «علماً» أو معارفَ من مقاصد صيدا: لا ريب في ذلك. ولكن بقي لي منها ما أجده أغلى من تلك المعارف وأهمّ. حين أقول إن المقاصد مدرستي يبعث فيّ هذا القول شعوراً بأنني صاحبها كلها، على نحو ما، بشراً وحجراً! وقد كان من المقاصد أنها جعلت صيدا مدينتي. فمن تلك الأيام بقيتُ صاحب صيدا أيضاً بشراً وحجراً! لذا يلازمني الأسف لأنني لا أزور صيدا والمقاصد أكثر مما أزورهما فعلاً. ولذا أظل أذكر بالخير لقاءين أو ثلاثة نظمّتها لنا رابطة الخريجين وأسأل أين هي اليوم رابطة الخريجين ولمَ لا تمتّعنا بلقاءات أخرى؟ سواي مقصّر وأنا مقصّر أيضاً.

بيروت في 22-23 شباط 2012

[1] كلمة أعدّت إسهاماً في كتاب مقاصد صيدا بأقلام متخرّجيها، الجزء الثاني، وهو سيصدر بعناية المهندس محمد راجي البساط.

 

 

 

حوار مع جهاد بزي (السفير) حول الانتخابات

أحمد بيضون: الحرية بلا دولة القانون تسمح بالقتل وبتأليف السيمفونيات
جهاد بزي
هادئ أحمد بيضون. المثقف واللغوي والأكاديمي والباحث التاريخي والاجتماعي، الدكتور الموسوعي اختصاراً، يجلس في بيته الجميل في رأس بيروت. إذا حكى في السياسة، يرفعها إليه. يجردّها من غايات تحكم السياسيين، ومن مخاوف وأحقاد ومحاباة تحكم مواقفهم، ومن جهل يوصف العديد منهم به، في قضايا من المفترض أنهم خبراؤها.
لا يحكي في مجردات، ولا يعيش في صومعة. القارئ الممتاز للتاريخ كما للحاضر يعرف بمهارة الأستاذ الجامعي كيف يشرح الأفكار، كما يعرف كيف يرى إليها، بعيني المثقف.
الانتخابات ليست شأناً جديداً بالنسبة إليه. لديه أكثر من بحث حولها. وهو، في حواره مع «السفير» ناقش ليس القوانين الانتخابية وتأثيراتها وسلبياتها وإيجابياتها ومفاهيمها فحسب، بل ذهب في النقاش أبعد، إلى نقطتين سابقتين للانتخابات، وأكثر أهمية منها: النظام الطائفي ودولة القانون، أو بالأحرى، دولة غياب القانون.
أحمد بيضون في الحلقة الثانية من الحوار حول شؤون الانتخابات وشجون البلاد.. بعيداً عن حلبة صراع الديكة.

{ لماذا لا يوجد قانون انتخابات ثابت ودائم في لبنان؟
÷ لسنا وحيدين في هذا الموضوع. الدول تعدّل قوانين الانتخاب فيها وهو أمر جار وشائع. لكن الدول الديموقراطية الانموذجية لديها مزيد من الاستقرار في هذا الأمر، كفرنسا او انكلترا. ومع ذلك، فهذه الدول تشهد تغييرات. الحاصل في لبنان أن القوى الغالبة في مرحلة معينة على صعيد السلطة التنفيذية ومجلس النواب تريد الاحتفاظ بولاء الأغلبية اللبنانية لها وهي تلجأ إلى التغيير اذا شعرت ان ثمة خطراً على الأكثرية التي تتمتع بها. وفي حالات الانقسام الشديد في البلاد يصبح الامر حيوياً لكل من الطرفين وموضوع معركة.
{ هل من الصحي ألا يعرف المواطن القانون الذي يقترع على اساسه؟
÷ ليس صحياً بالطبع. يجب ان يكون معروفا ما هو القانون وأن تُشرح مسوّغاته وآلية عمله ويجب أن يفهم المقترع كيف يؤثر صوته في نتيجة الاقتراع. فإذا اعتمدت النسبية، مثلاً، نحن حيال نسبيتين: التمثيل الطائفي هو نسبية قائمة على الأنصبة المحفوظة للطوائف أصلا، وحين نضيف نسبية ثانية مركّبة فوق النسبية الأولى، فهذا أمر سيخضع لقواعد احتساب معقدة بحيث أن الناخب الذي يضع صوته في الصندوق لن يفهم كيف وبأي نتيجة خرج صوته. ويصبح الأمر أكثر تعقيداً بما لا يقاس إذا اعتمدنا قانون الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب (قانون فؤاد بطرس) الذي يقول بصيغة مركّبة، بحيث ينتخب قسم على القاعدة النسبية وقسم آخر على القاعدة الأكثرية، ويكون هناك نوعان من الدوائر متفاوتة الحجم، ويكون هناك صوتان تفضيليان لكل مقترع يعين بواسطتهما الاسمين اللذين يحوزان الأفضلية عنده من بين جميع الأسماء المعروضة. بذلك يصبح الاحتساب وتقرير النتائج معقداً بصورة يستحيل على الناخب غير المتخصص تخصصاً دقيقاً في علم الانتخابات أن يفهم كيف أدى صوته إلى هذه النتيجة.
{ ماذا عن قانون الستين؟
÷ الوحدة الانتخابية في قانون الستين هي القضاء. مشكلته انه يفتت إلى حد كبير التمثيل النيابي خصوصا أن مبدأ الأكثرية هو المعتمد. ويجعل نتائج الاقتراع مرهونة بمدى التلاحم الطائفي الذي يتفاوت بين طائفة وأخرى، وكما ينشئ في بعض الدوائر تبعية لنواب طائفة معينة للقيادة السياسية المنتمية إلى طائفة أخرى. وهذا سببه أن الاقضية غير متساوية في ما بينها وهي متفاوتة التمثيل لجهة عدد النواب فتجد مثلاً أقضية كبرى من قبيل الشوف أو بعلبك ـ الهرمل فيها من 8 إلى 10 نواب، في دائرة مثل جبيل تنتخب ثلاثة نواب فقط. مما يجعل للصوت تأثيراً متبايناً من دائرة إلى أخرى وإذا تمعّنا في الأمر وجدنا أنه يشكّل مطعناً في المساواة بين الناخبين. فان يؤثر ناخب في النتيجة المتعلقة بانتخاب عشرة نواب، بينما يؤثر آخر في انتخاب نائبين (بشري نموذجا) فقط يجعل للأول وزناً اكبر بكثير من الثاني.
أما مشكلته الأخرى فهي إتاحة نوع من التأثير الذي لا تستسيغه القيادات الطائفية لطائفة معينة في تمثيل طائفة أخرى. في بعلبك الهرمل، هناك مقعدان سني وكاثوليكي لكن الشيعة هم من يقررهما.
{ أي قانون هو فعلياً الاكثر تمثيلاً، النسبي او الاكثري؟ وعن أي مصالح يعبر كل منهما؟
÷ من يتوقع التراجع في الانتخابات المقبلة يفضل النسبية لأنها تمنعه من السقوط الذريع أمام خصومه. لكن من لديه تحالف كاسح، كالثنائي «حزب الله» و«حركة أمل»، يعلم أن النسبية لن تؤثر عليه، فيمضي بها، عارفاً ان الحريرية ستخسر من قوتها في حال اعتماد النسبية.
لكن النظام النسبي هو دائماً وفي جميع الحالات الاكثر تمثيلا. والافضل تعبيراً عن تنوع المشهد السياسي الشعبي. لكن تؤخذ أمور أخرى عليه منها أن التمثيل النسبي يضعف قاعدة الحكم، أي السلطة التنفيذية لأنه يمنع تشكيل اكثرية نيابية وطيدة ومستمرة إلى حين معين. ويؤدي إلى تعذر تشكيل حكومات او السقوط المتتابع والمتقارب للحكومات وهذا أمر سيء، لأن عدم استقرار الحكم أمر سيء، كما الاستقرار المفروض فرضاً للحكم أمر سيء.
{ ما هي معوقات التمثيل الانتخابي الحقيقي للبنانيين؟
÷ علّة التمثيل النيابي هي موقعه كتمثيل نيابي اساساً من نظام الحكم الطائفي، والتعديل في قانون الانتخاب يغير الكثير من الوقائع لكن لا يخرج نظام الحكم من مشكلته الرئيسية. لديك نظام انتخابي قائم على جغرافيا وهمية كلياً. انت تعد لوائح الشطب بناء على لوائح النفوس. في بلدة مثل «بنت جبيل» هناك خمسون الف مواطن ونصفهم ينتخب، افتراضاً. وبناء على هذا الرقم يحق لها بهذا العدد من النواب. لكن في الواقع بنت جبيل يقيم فيها 4000 مواطن ومنهم الفان يقترعون. انت قدرت تمثيل هذا البلد بناء على جغرافيا الوهم والآخرون الذين في بيروت او في الضاحية حرمتهم من التصويت في الاماكن التي يتقرر فيها كل شيء مهم يتعلق بحياتهم. ونقل النفوس، المسموح قانوناً، يعد غزواً متبادلاً بين الطوائف، وتقوم إثره ردات فعل طائفية. السبب في هذا الخلل هو الحفاظ على المبدأ الطائفي في التمثيل. اذا ألغيته لا يعود هناك مشكلة في تخيير هذا الشخص في الاقتراع مكان دفنه بعد عمر طويل، او مكان بيته وحياته.
المشكلة الثانية هي أن هناك فرض على كل الناس وتجنيد اجباري لهم في الطوائف، مرشحين كانوا أم ناخبين، مع أن هناك ناخبين ومرشحين لا يرون في الطائفة مرادفاً لتصورهم عن انفسهم. هؤلاء مفروض عليهم أن يترشحوا عن مقاعد طائفية، ويقترعوا في اقلام طائفية، ويكون النائب الفائز نائباً عن الطائفة وعن الامة معاً. كيف تركب هذه؟
{ هل من الممكن التخلص من هذا يوماً؟
÷ اتفاق الطائف قدم صيغة مجلس شيوخ تنطوي على ضمانات للطوائف، وصلاحياته هي ان يكون هيئة تمنع التمييز الطائفي، ليست هيئة طائفية تشرف على التوزيع والانصبة الطائفية بل تمنع التمييز بين الناس على اساس طائفي، يجب ان تكون اساس الصلاحيات التي يتمتع بها مجلس الشيوخ. في ما يتعدى ذلك، مجلس نواب ينتخب على قاعدة النسبية ومن دون توزيع طائفي. في هذه الحالة، سيقل عدد النواب المسيحيين، وفي نظام غير طائفي يجب التسليم بالأمر لأن من مشاكل النظام الحالي مشكلة المناصفة القائمة على وضع وهمي. لديك ثلثا الناخبين لديهم نصف عدد النواب، وهو أمر غير طبيعي. المنافقون يتجنبون التصريح في هذا الأمر، لكن يجب ان يترتب على الأمر مقتضاه: في نظام غير طائفي هو أمر أقرب الى المساواة والعدل ويجنّب كل الاطراف مشاكل في المستقبل، لأن هذه القصة اذا كانت مقبولة الآن فلا أحد يضمن أن تظل مقبولة بعد مدة من الزمن ومن الأفضل أن تحل بالتفاهم والحوار من أن تحل في جو أزمة.
{ هل الانتخابات هي من تقرر اذا كانت الدولة ديموقراطية أم لا؟
÷ لا. الانتخابات ليست وحدها المقررة. السمة الاولى للدولة الديموقراطية هي انها دولة قانون. ولبنان ليس دولة قانون لأن لا محاسبة فيه، وهناك وقائع مفروضة بالقوة على السلطة العامة، وهناك قرارات مهمة جدا لا تؤخذ ديموقراطياً في البلد بينها ما يتعلق بها مصيره. المؤكد ان النظام الانتخابي ليس وحده من يجعل البلد ديموقراطياً.
والنظام، بطائفيته، يحمي الفساد والجريمة وأنواعاً مختلفة من الخروج عن القانون حيث يخبّئ مجرم في مكان لا احد يستطيع أن يطاله، واذا كان مجرماً مهماً كفاية، يمكنه أن يتنزّه حيث يريد ولا يطاله أحد.
الركن الاول للدولة الديموقراطية هو أنها دولة قانون، وليس انها دولة انتخابات. والقانون ينص بين ما ينص عليه على الانتخابات والسيادة وتداول السلطة وحرية الرأي والمعتقد وكل الحريات المدنية والسياسية. كل هذه الامور متماسكة في النظام الديموقراطي. لا يمكنك أن تسحب ركناً اساسياً من هذه الأركان وتقول أنت في دولة ديموقراطية. ونحن لدينا قوانين كثيرة لكن ليس لدينا دولة قانون. هذا يؤدي الى نوع واحد من الحريات، يسمح لك بأن تقتل أو أن تؤلف سيمفونية. الحرية نفسها في لبنان تسمح لك بالأمرين. يمكنك هنا أن تحكي وتكتب بكثير من الحرية، وتجلس في المقهى وتثرثر كما تريد، ولا تتعرض لشيء، لكن ليس لأن القانون يكفلك، بل لأن هناك فوضى. بينما في دولة القانون، الحريات التي تتمتع بها، تظل تتمتع بها، لكن بكفالة القانون.

كلمن | مسيحية بولس الخوري وإسلامه

مسيحية بولس الخوري وإسلامه

Source: كلمن | مسيحية بولس الخوري وإسلامه

 

 الحوار في ما يتعدّى الديانتين[1]

أحمد بيضون

 

يريدنا كتاب بولس الخوري أن نوغل، عند اختيار مدار للحوار بين الإسلام والمسيحية، نحو ما هو جوهري. وما هو جوهري، في عرف هذا الباحث العارف، إنما هو الإيمان. وهو يرى أن إدراك هذا المدار يقتضي منّا الوصول إلى ما وراء المنظومتين الدينيتين: المسيحية والإسلامية. هاتان المنظومتان ينسبهما المؤلف إلى الثقافة، أي إلى بيئة يستوي فيها الروحي موضوعاً فيعود غير ماثل في الروح أولاً. وإنما هو يَدْخلها – إذا دخل – من أبواب مفتوحة على الخارج ويأتي إليها بحمولات العالم اللاشخصي. ومع أن المؤلف يفسح من كتابه معظم صفحاته لوصف المنظومتين المشار إليهما وبسط ما فيهما من عناصر وما تتشكلان به من علاقات وتنطويان عليه من دلالات، فإن بعض عباراته تعاملهما على أنهما أشبه بعبء على الإيمان وأَوْلى بأن تعتبرا عقبة أو شبكتين من العقبات، بالأحرى، في طريق الحوار. وما ينصبه الباحث في وجه المنظومتين المشار إليهما إنما هو منظومة وقائع ثالثة يراها غلابة ويبدو منه ميل إلى التسليم بسلطانها، وهي ما يسميه، هو وغيره، الحداثة.

المنظومتان الدينيتان تبدوان إذن مأخوذتين بين محنتين تمعنان فيهما طعناً ولكن على نحوين مختلفين. الحداثة تفرض عليهما حالة من عدم التكيف العملي أو من الغربة المشوبة بشعور بالتخلّف عن غايات عاد من غير الجائز التقصير عن إدراكها. هذه الغايات تتمثّل ببنى مادية غامرة الحضور، ولكنها تتمثّل أصلاً، فيما يتعدّى البنى المادّية، ببنية عقلية وبشبكة قيم وأهداف تمثّل كلها انقلاباً صريحاً على تلك التي كان يتحكم بها الدين. والمؤلّف – وإن يكن لا يفر الحداثة من نقد المؤمن المتمسّك بخياره الروحي –  ينتهي (أو هو يبدأ) بانحياز إجماليّ إليها على أنها سمة العالم الحاضر. وهذا انحياز يقف به، على نحو غير خفيّ، في مواجهة المنظومتين العمليتين المسيحية والإسلامية ويصحّ اعتباره استعداداً لإعادة نظر جذرية في “العقلية” التي تتبدّى على أنها علّة افتراقهما عن مبادئ الحداثة.

على الجهة الأخرى من المنظومتين الدينيتين، يتراءى الإيمان على أهبة نقد من طراز آخر ومن منبع مغاير، على الأخص. فالإيمان إذ يباشر عمل نقد داخلي لمنظومة دينية يرى انتماءها إلى نسبية الثقافة، إنما يفعل باسم المطلق الذي هو موضوعه. وهو يردّ بالنقد ما كانت المنظومة نفسها قد ابتلته به من وجوه التحوير وهي تسعى إلى تجسيمه في أفعالٍ حسّية وبنى مادّية. على الرغم من  هذا التغاير في طبيعة النقدين الإيماني والحداثي ومصدرهما، يتبديان، في حجاج بولس الخوري، متضافري الفاعلية، متآزرين لتطويع المنظومتين الدينيتين لغاية الحوار المثلى ولأغراضه المحدّدة أيضاً. وهما، أي الإيمان والحداثة، إذ يفعلان هذا الفعل ويتآزران هذا التآزر ينتهيان إلى الغضّ الواضح من شأن المنظومة الدينية ومقامها، سواء أكانت مسيحية أم إسلامية، بالقياس إلى سموّ الإيمان وإلى ضرورة الحداثة وحتمية التحديث ولو محتاجين إلى ترشيد .

أوّل الأسئلة التي أجيز لنفسي طرحها على هذا الكتاب يتناول، على وجه التحديد هذا التمييز الذي هو عماده ما بين الإيمان والمنظومة الدينية. لا أسأل عن شرعية التمييز، فلطالما أبرزت شرعيته الخبرة: خبرة أهل الأديان وخبرة نقّادها. ولا أسأل عن الحقّ في امتحان المؤمن صلاح المنظومة الدينية بمحكّ الإيمان، فهذا – فيما يتراءى لي – حقّ يتعذّر الطعن فيه. وإنما أسأل عن الصفة العملانية لهذا التمييز بما هو، في نظر بولس الخوري، الباب الأوسع للحوار المسيحي الإسلامي. هل يبقى الإيمان موضوعاً ممكناً لكلام (هو، في الحالة التي نحن بصددها، حوار ذو طرفين) عندما يحصل عتقه من المنظومة التي تجسّمه منظوراً وتصوغ الصور الموضوعية لتجلّيه؟ ألا يصبح الإيمان، عند تمام هذا العتق، أشبه بالنقطة الهندسية التي لا يعرف لها قِوام إذا خفي الخطّان اللذان هي ملتقاهما؟ هل يسع المتحاورين مباشرة الكلام في إيمانهما من غير أن يباشرا العودة كلّ إلى منظومة تصف الإيمان موضوعاً وخبرة وصيغاً لعلاقة أو لعلاقات وعواقب مستتبعة؟

هذا أوّل الأسئلة وأَوْجَهُها، في نظري، لم أقاوم الرغبة في تقديم طرحه على كلام لي في تقريظ الكتاب أراه لا يقلّ أهمّية عن جملة ما يسعني أن  أطرحه عليه من أسئلة. وهو كلام على ما أحبّ تسميته رياضة الإخلاص التي يقدّم هذا الكتاب نفسه وكاتبه على أنهما مثالان لها. وما أسميه رياضة الإخلاص هو هذا الجهد المنتشر في كل فقرة بل في كل عبارة لفهم الغير حقّ فهمه مع حفظ النفس. فلا أثر هنا لظلم يداخل أصل الموقف من الإسلام أو يقع على المسلمين من جانب هذا المسيحي المؤمن. ولا أثر أيضاً لتزلّف يراد به تهوين ما ليس بهيّن أو استدراج من لا يحمله إيمانه على القرب. وفي هذه الرياضة، يبدو المؤمن ضالعاً في إيمانه إلى درجة تسهّل عليه ما ليس يسهل على ذي دين: أي هذه الحرّية في معاملة المنظومة الدينية التي يصدر عنها وفي الكلام عليها وعلى المؤسسة التي تجسّد حضورها في العالم وترعاه. وما أسمّيه ظلماً للغير يبرأ منه هذا المؤلّف، إنما هو خلاف العلم بقدر ما هو خلاف الإنصاف. ويزيّن لي هذا الفهم المعنى القرآني للظلم: وفيه يبدو الأخير، بما هو أخ شقيق للظلام، مرادفاً للجهل وخصيماً للصواب. نحن مع بولس الخوري في حوزة العالم أو، على الأصحّ، في حوزة العارف، وهذا ما يمنح الإخلاص ههنا تمام معناه.

ومن قبيل التشبّه بالكريم الذي هو موضوع حديثي، أمضي قدماً في أسئلة أطرحها على الكتاب. وفي تخميني أن بعضاً من أسئلتي اكتسب بعض مسوّغه من طول الزمن الذي مضى على ظهور هذا الكتاب أوّل مرّة. فمن الصفحات الأولى، نشعر أن المؤلف مقيم في مناخ الحداثة المنتصرة، بما هي نظام لجانب من العالم وبما هي مثال يرتجي تحقيقه الجانب الآخر، وفي مناخ ما واكب ذلك الانتصار من انسحاب غربي (أو ممّا بدا أنه كذلك) من قيم الدين… والراجح عندي أن هذا المناخ كان سيتغير كثيراً أو قليلاً لو أدرك الكتاب ما أطلق عليه، بعد حين، اسم الصحوة الإسلامية وما جرّته هذه الصحوة من عقابيل شرقية وغربية ما نزال نعاين ونعاني نارها ودخانها إلى يومنا الحاضر. يدرك القارئ المتنبّه أن الكتاب الذي ظهرت طبعته الأولى سنة 1973، ألّف في عشايا هذه الصحوة لا في إبّانها وأنه نشر قبل أن يبلغ المثال الحداثي أيضاً ما بلغه في العقود الثلاثة الأخيرة من تضعضع وعجز عن حفظ ما كان ممتّعاً به في المرحلة السابقة من ظاهر الإجماع. ذاك – أي اختلاف الحال بين أمس هذا الكتاب ويومه – أمر كان يحسن تنبيه القارئ، في تصدير الكتاب أو في مقدّمة جديدة له، إلى وقعه على مضامين النص ونَفَسه.

 

  • ●●

 

وأما الأسئلة التي طال تلويحي بطرحها على هذا الكتاب فقد يجوز لي إجمالها في واحد: هل أخذ التعدّد حقّه في كل من المنظومتين المسيحية والإسلامية عند وضع كل منهما بإزاء الأخرى للنظر فيما يستبقيه منهما حوار يرتكز، في ما يتعدّاهما، على وحدة الإيمان وينظر من علياء هذه الوحدة أو من عمق أفقها، بالأحرى، في أنسابهما الثقافية؟ لم يهمل المؤلف ما في المسيحية من مذاهب كبرى وصل الأمر باثنين منهما (هما الكاثوليكي والبروتستانتي) إلى إطلاق اسم “الديانتين” عليهما، ولو أن هذا نادر في الاستعمال العربي. يكرّس المؤلف فقرات للحديث عما تفترق به الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية. وهي فقرات مشربة إنصافاً وحسن تمييز للجوهري من العرضي، شأنها في هذا شأن سائر الكتاب. ولكن حين ينزل رب المسيحيين ورب المسلمين أو صورتا الرب الواحد بالأحرى إلى ساحة الحوار، فإن الصورة المعتمدة للرب المسيحي، في هذا الكتاب، تعود – في ما يبدو لي – صورة كاثوليكية. وهو ما ييسّر وضع الربّ المتعالي، إله المسلمين، في مواجهة الربّ المتأنّس إله المسيحيين والقول بوجود توق إنساني إلى التأله في المسيحية يراه المؤلف مفقوداً من الإسلام.

وما أراه أن هذا تشخيص تقبل زواياه الكثير الكثير من التدوير وذلك من الجهتين المسيحية والإسلامية معاً. فمن الجهة المسيحية، تبدو الحظوة بالنعمة وبالخلاص، عند البروتستانتيين، مرهونة بإرادة ربانية مطلقة الحرّية، لا تغيرها أعمال البشر. وتبدو القداسة مختصّاً بها الله فلا تعدّ حالّة في مخلوقاته. وتظهر إرادة الله لغزاً عصيّاً على الترجمة أو يبدو صمته أشبه بريح باردة تشيع الوحشة في عالم داخلي أو خارجي ينتظر كلمته ونوره بلا طائل. ظهر هذا الشعور بالشكّ الملازم للإيمان وبالغصص أو بالوحشة حيال صمت الله واستعصاء مشيئته وخططه على فهم البشر في تعبيرات فكرية أو فنية متناهية الروعة عند بروتستانتيين أو ذوي أصول بروتستانتية من أمثال سورين كيركيغارد وبعده فريدريش نيتشه في الفلسفة أو إنغمار برغمان في السينما، إلخ. الإيمان ههنا علاقة شخصية بالخالق، ولكن هذه العلاقة قد يشاء لها الله الاضطراب أو الانقطاع فيبدو الله وكأنه قد خرج من نظام العالم ومن قلب الإنسان حتى ليمكن القول إنه قد مات. زبدة القول أن الله في هذا العالم البروتستانتي، بمرجعيته التوراتية الغامرة الحضور، لا تطّرد فيه تلك الدرجة من القرب والألفة التي يصف بها المؤلف إله المسيحيين وتزكّيها صورة الطفل الإلهي ابن الإنسان.

ولعلّ في غلبة الحضور الأميركي، وقبله البريطاني، على ذاك اللاتيني في العالم الإسلامي، وهي غلبة استغرقت القرنين الفائتين، ما يزيّن الاهتمام الخاص بلاهوت البروتستانتيين وتقاليدهم عند البحث في احتمالات الحوار المسيحي الإسلامي وفي شروطه. فحين بدأ البحث في الردّ على ضربة الحادي عشر من أيلول، قدّم الأميركيون مبدأ الحرب العادلة وكأنه اعتذار مسبق من مسلمي أفغانستان والعراق الذين سيتعين قتلهم في الأعوام التالية. أي أن جانباً من الإعداد للحرب تولاه اللاهوت البروتستانتي، وهذا مع العلم أن المرجع كان أوغسطينوس وتوما الأكويني أي كان مسيحياً سابقاً على الإصلاح اللوثري. هذا يلفت أيضاً إلى الحضور الضئيل، في كتاب بولس الخوري، للحرب وللعنف بما هما موضوعان للحوار بين الديانتين بعد أن ظلا زمناً متمادياً ينشران ظلالاً رهيبة على ساح العلاقة بين العالمين. على التعميم، لا تبدو أميركا بلادأً كشف الدين سحره عنها إلى الحدّ الذي عرفته فرنسا وتكوّن من جرّائه تصوّر بين تصوّرات للحداثة هو الذي يأخذ به المؤلف.

فإذا كان هذا المعبود البروتستانتي قد ارتدّ خطوات نحو ربّ العهد القديم واقترب بذلك خطوة من ربّ القرآن، فإن هذا الأخير ليس مثابراً على التعالي ولا معلياً أسوار التغاير بين ما هو وما هم البشر إلى الحدّ الذي ينسبه إليه المؤلف. الله في الإسلام يحتمل، بما هو المطلق، مطلق التفارق بين صفاته. ويُنْسب إلى علي بن أبي طالب وصف القرآن بأنه “حمّال أوجه”، وهذا وصف يصحّ، أوّل ما يصحّ، في ربّ القرآن. ونكاد لا نحتاج إلى الإشارة إلى أن العزيز الجبار القهار المتكبر هو نفسه الرؤوف الغفّار الرحمن الرحيم. وقد أمكن أن يقول النبي لصاحبه وهما لاجئان في الغار بعد أن خرجا من مكّة وخرج في طلبهما المشركون :”لا تحزن إن الله معنا”. حضور الله هذا يطلبه المؤمن في كل حين، إيناساً لوحشته أو قضاءً لطلبته أو ردّاً لأذيّة يخشاها. وهو عند ذوي الإيمان حضور شخصيّ لله، يحصل في القلب، شأنه شأن ذاك الذي ذكره النبي لأبي بكر في الغار، وليس هو بالمدد غير الشخصي. فالله يقول عن نفسه إنه “قريب” يجيب دعوة الداعي إذا دعاه وإنه الذي بذكره “تطمئن القلوب” وإنه “يحبّ المؤمنين” ويحبّونه. ولا يمنع ذلك أن يكون الله هو من يُرى الجبل “خاشعاً متصدّعاً” إذا نزلت عليه كلمته ولا يمنع أن يأخذ الله المذنب بذنبه إذا لم يشأ أن يغفر له وان يذيقه عذاب النار.

هذا التقابل بين صفات توحي بالمغايرة والبعد وأخرى توحي بالقرب إلى حدّ التشبّع أو الاستغراق ينعكس اختلافاً بين المدارس والمسالك في الإسلام في تقدير الإمكان المتاح لاقتراب البشر من التأله أو القول، بخلاف ذلك، بامتناعه المطلق عليهم وصولاً إلى تكفير القائلين بشيء من قبيله. في الإسلام الشعبي الذي تعرفه مشارق الأرض ومغاربها، يكثر أن يوجد بشر ذوو كرامات وقد تتنزّل الكرامات في الأشياء أيضاً. والكرامة هذه قبس من الحضرة الربّانية يحلّ في الشخص أو في الشيء فيجعله ذا بركة أو شفاعة، وقد يحدث على يديه ما يدخل في باب المعجزات. حين نجيل بصرنا في ما يصحّ أن يسمّى قارّة الباطن في الإسلام، وهي المشتملة على أنحاء متباينة على التشيّع والتصوّف، على العرفان والإشراق، نقع على تداخل لا يخفى أثره، في كلّ حال، ويتعذّر فصمه، في الأحوال القصوى، ما بين الإلهي والبشري.

يبدأ هذا، عند الشيعة مثلاً، بإطلاق ألفاظ من قبيل المتألّه والربّاني والمقدّس على أشخاص وأشياء. ثم يرتفع عندهم درجة مع الأئمة المعصومين الذين لا تبدو سلسلتهم بعيدة، في البعض من أمّهات الكتب الشيعية، عن تمثيل حضور إلهي في نسيج العالم: حضور منصوب، في أطوار متتابعة بغير انقطاع، بين بداية الخلق ونهايته، إذ يبدأ قبل آدم وتقطّعه النبوءات حقباً لكلّ منها ظاهرٌ وباطن ثم يدخل، بعد محمّد، طوراً جديداً هو طور الحقيقة الباطنة مع الأئمة الإثني عشر ويمثله، في عصر الغيبة، المهديّ المنتظر، وهو حيّ وغير ظاهر، وتطلق عليه (بين ما يطلق من أسماء وصفات) صفة “بقية الله”. هذا قول نجد ما يعادله، بمنحاه الحلوليّ عند صوفي كبير من أهل السنّة هو ابن عربي وعند سواه من أصحاب الطرق. وفي كثير من أمّهات النصوص الشيعية، الإيرانية بخاصّة، لا تبدو الحدود محكمة الرسم ، لهذه الجهة، ما بين التشيّع الإثني عشري ومن يوصمون من الفرق الشيعية بالغلوّ في الأئمّة أو في اوّلهم على التخصيص. ولا تعدّ كشفاً الإشارة إلى الشبه بين المهدي والمسيح الذي تشترك أديان التوحيد الثلاثة في القول بظهوره في آخر الزمان. وهذا شبه أفضى بأصحاب العقيدة المهديّة (وهم ليسوا من الشيعة حصراً) بالقول بظهور المهدي والمسيح معاً: يتساندان، بأكثر الصور عنفاً، في ملئها قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.

في هذه الحالات الإسلامية كلها، يتبدّى إمكان استيلاء الله المباشر على قلوب البشر وأيديهم وعمله من خلالهم ما ليس لهم أن يعملوه لو ألزموا حدود طبيعتهم البشرية. يتبدّى ذلك في الإسلام الشعبي وأكثره سنّي وفي التصوّف والعرفان وأكثرهما سنّي أيضاً وفي التشيع بسائر مدارسه وأوساطه. فإذا وقفنا عند هذا المنحى المنتشر في الإسلام وقوله بإمكان نوع ما من الاستدخال البشري للألوهة وقرنّاه إلى استعادة “ربّ القوّات” شيئاً كثيراً من تعاليه وشدّة بأسه في المسيحية البروتستانتية، أصبحت دعوتنا إلى تلطيف مواجهة نراها مفرطة الحدّة بين صورتين للرب ولعلاقته بالبشر، إحداهما مسيحية والثانية إسلامية يراهما له بولس الخوري دعوة غير ظالمة ولا مشتطّة. أو ان هذا ما نأمله، في الأقلّ. وهي، في كل حال، دعوة تؤول إلى تسهيل الحوار ما بين الديانتين إذ تستكثر من مساحات اللقاء بين المنظومتين وتستبعد الإيحاء بلزوم الخروج منهما معاً نصرة لقضية الحوار. أي أن عمل التقريب الذي نقول بابتدائه من صورتي الرب وإمكان تألّه البشر إنما يصبّ مزيداً من الماء في طاحون بولس الخوري. وكيف لهذا أن يكون عندنا إلا مدعاة للغبطة. فهذا، وأيم الحقّ، طاحون مبارك!

لم أكن في هذه القراءة محامياً عن دينٍ أيّاً يكن. فمعاذ الحق أن يحتاج إلى محامٍ دين يتناوله بالتمحيص والتشخيص بولس الخوري. ولا أهلية لي لتمثيل دين ما: فلا هذا يقبل مني ولا أنا طالبه. وإنما كنت مجرّد قارئ لهذا الرجل: لا أنا أيضاً من أهل الصناعة ولا أنا أمّي فيها. لست من أهل التديّن أصلاً ولكن أشغف بالخبرة الدينية، على عمومها، ويجذبني الصدق فيها بما أنا إنسان ولكن يستوقفني الزور حين يظهر فيها أيضاً بما أنا من مزاولي الدرس الاجتماعي. وقد كنت مع بولس الخوري في دائرة الصدق المحبّ حصراً. فعسى أن يتقبّل مني قراءة الإنسان، ويبقى له، بطبيعة الحال، أن يرفض خلاصات الدارس إذا لم يجد فيها ما يقنع أو يفيد.

بيروت في 15-16 أيلول 2011

[1]  قراءة لكتاب:

Paul Khoury, Islam et Christianisme, Dialogue religieux et Défi de la Modenité, Collection Pensée religieuse et philosophique arabe, L’Harmattan Paris 2011, 3ème edition ( 1ère edition: 1973 ).

قدّمت في جلسة مناقشة للكتاب وتكريم لصاحبه في سرايا الفنّ، بكفيّا، في 16 أيلول 2011.

سمير فرنجية أو الإياب من أقاصي العنف

سمير فرنجية أو الإياب من أقاصي العنف[1]

 

أحمد بيضون

 

ضمير المتكلّم

في المقدمة التي وضعها جان بول سارتر لكتاب فرانز فانون معذّبو الأرض شكا الفيلسوف الفرنسي خلوّ التراث الأوروبي، بعد إنجلز، من تأمل يعتدّ به في العنف وموقعه من التاريخ… باستثناء ما سمّاه “ثرثرة جورج سوريل الفاشستية”. جاءت هذه الشكوى مقترنة بدعوة الأوروبيين إلى قراءة الكتاب: كتاب فانون على أنه كلام الضفة الأخرى، ضفة المقهورين، في مسألة العنف هذه.

حين يفتتح سمير فرنجية كتابه بتأمّل في العنف حفزته خبرته اللبنانية مقترنة بقراءته لرينيه جيرار، يحملنا على السؤال: كلام من هذا الذي نقرأه في الكتاب؟ والحق أنه إذا كانت هوية فانون وموقعه ماثلين لنا منذ الصفحة الأولى من كتابه، فإن شيئاً يصعب تعيينه باسم أو بوصف، في كتاب فرنجية، يغري باعتبار هوية الكاتب وموقعه محصّلة مسار: مسارٍ هو ما يترسّمه الكتاب وهو ما ينجلي الموقع والهوية عبر محطّاته فلا تسطع ملامحهما إلا في خواتيمه. حتى إن القارئ يوشك، بعد الانتهاء من قراءة الكتاب، أن يستشعر رغبة في تصفّح معكوس له يبدأ من آخره وينتهي إلى أوّله: تصفّحٍ ينطلق من الخواتيم الجازمة ليمنح ما يتخلل الصفحات من تردّد وشكّ مكتومين، يتصاعد حضورهما رجوعاً، ما يستحقّانه من إمعان نظر. فهذان التردّد والشكّ يميطان اللثام بأصدائهما النابضة في الجمل والفقرات عن الخبرة التي لا يسعها أن تصل في الجزم إلى حيث يصل التحليل وعن الإنسان الذي يخشى عواقب مقترحاته فيترك فيها من التحسّب ومن توقّع العثرات ما قد يستغني عنه السياسي الداعية أو المصلح المعوّل على القيم المعتمدة وعلى النظر المجرّد.

مع ذلك تتجاوب في صفحات الكتاب قوّة إقناع وشدّة أسر غامرتان. وما هاتان إلا مشاطرة الكاتب القارئ هذا المزيج من الحجّة ومن الشعور الذي أرهفته الخبرة بحدود الحجج كلها. هذا الشعور الأخير يغتذي ممّا يعاينه المتأمل من لبس واختلاط في معالم المشهد اللبناني ومن عسر في استخلاص إرادة جازمة أو إرادات تصح نسبتها إلى اللبنانيين. وهو يغتذي، في ما يلي اللبس والاختلاط هذين، من الصعوبة التي يلقاها من يحاول تعيين الوقع المحتمل لأي تدبير إصلاحي أي ما يمكن أن يفعله اللبنانيون بهذا التدبير وبأنفسهم أو بعضهم ببعض. وذاك أن كل ما يمكن عمله في هذه البلاد يحتمل أن ينقلب إلى شيء مغاير لما أراده الطالبون والملبّون. وهذا في حين لا يمكن فيه ادّعاء القدرة على البقاء بلا حراك، إذ لا يعدو زعم السكون (أو هو قد لا يعدو، في الأقلّ) أن يكون زيادة في سرعة الاندفاع إلى هاوية جديدة.

من هذا الباب، أحبّ أن أصرّح بانجذابي إلى ما في هذه الصفحات من غنائية مُلْجَمة، سارية في ما يتقدّم إلينا على أنه مزيج تتباين، من مسألة إلى مسألة، نِسَبُه من المعاينة أو الملاحظة وما يتبعهما من تركيب المشاهد ومن التفسير ومن تبين السبل المتاحة والإشارة إلى الأمثل من بينها. ولم يكن هذا شأني بالضرورة حين كنت أقع على كلام كتبه سمير فرنجية أو نطق به بما هو سياسي كان، على الدوام، واضح الانتساب إلى وسط معلوم في السياسة اللبنانية أو إلى جماعة بعينها من جماعاتها. كنت أعرف أن كلامه هو كلامه وأنه بعيد عن أن يكون كلام أي كان من وسطه أو من جماعته. وكنت، على الرغم من ذلك، أمضي معه شوطاً يطول أو يقصر ثم أقف غير مسلّم بهذه أو تلك من الحصائل. في هذا الكتاب يبقى الرجل هو نفسه ولا ينكر موقعاً ممّا تداوله من المواقع. ولكنّه يستعيد ههنا تجربة حياة تصبح أشدّ كثافة وأجزل مضامين كلما اقتربنا معه من يومنا هذا. وهو يبدو، في هذه الاستعادة، وقد بات عصيّاً أبلغ العصاوة على الردّ إلى جماعة أو وسط. هو هنا كل ما عاين وخبر وكل ما قال وفعل، ولكنه وجه وشخص لا يقوم مقام أحد (فرداً كان الأحد أم جماعة) ولا يقوم مقامه أحد. هو يمثّل نفسه ههنا فيستوي فوق التمثيل وفي خارج منطقه.

 

في “العنف الحكائي”

هذا وليس مرماي في هذه العجالة إلى إيجاز الكتاب. وإنما مرادي الحضّ على قراءته، وهو ما لا يمنع، في عرفي، من طرح الأسئلة وإبداء الملاحظات. نحن، مع هذا الكتاب، حيال محاولة نادرة لاتّخاذ نظرية بعينها في العنف، هي نظرية رينيه جيرار، دليلاً يُقرأ على هديه تاريخ لبنان المعاصر أو الشطر الأقرب إلينا من هذا التاريخ، في أدنى تقدير. وتقوم القراءة على لحظ اضمحلال أو تضعضع نسبي لفاعلية ما نسميه البنى التقليدية، أي العوائل والطوائف، على التخصيص، في سياسة الهويات والفوارق الجماعية التي كانت حتى أوائل عهود الاستقلال، تنتظم المجتمع اللبناني فتحدّد مسارب التبادل الرمزي فيه وتتحكّم في اقتصاد العنف الذي يطرح إمكانه، بالضرورة، وجود أغراض مشتركة يفترض أن تتشاطرها الجماعات، على اختلافها صفاتٍ وأحجاماً وعلاقات. والفرضية المعتمدة هنا هي أن ما يزكي غلبة العنف وإفلاته من عقاله ليس وجود الفوارق الراسخة التي تسوسها تقاليد مجمع عليها وإنما هو تضعضع الفوارق واستشراء التشابه الواقع بين أفراد متذرّرين يلفون أنفسهم عراة أو شبه عراة مما كانوا ينمازون به من انتماء يخصّهم ويؤمّنهم في نطاق جماعة. ذاك ما خلص إليه جيرار إذ افترض أن “حكائية” الرغبة تفضي، عبر تسلسل البدائل، إلى الاستغناء عن موضوع للرغبة يسوّغ العنف ما خلا ظهور الرغبة نفسها عند الآخر. هذا فيما كانت الماركسية قد استنبتت العنف من الندرة ورجّحت اقترانه بالثورة على خصم طبقي لن يسلّم ما بيده طوعاً فجعل إنجلز العنف، في عبارة شهيرة، قابلة للتاريخ. ثم جاء فرويد ليقرن العنف بالتعبير الغريزي عن الحياة ولينصبه، من الجهة الأخرى، في مواجهة الحياة، واحدة من غريزتين أساسيتين تصل جذورهما إلى أداء الجسم الحي لوظائفه… وإذا وجد ما يشترك فيه هؤلاء النظريون فهو جعلهم كبت العنف أو ضبطه وتنظيمه وظيفة رئيسة للأنظمة الاجتماعية أو، على الأعمّ، لحضارات البشر.

فأما أن تعدّ البنى التقليدية، في حال تماسكها، مقتدرة – على ما يؤكّده سمير فرنجية – في تدبير توزيع للهويات واقتصاد للعنف يحصره ويعقله بأصول وحدود معلومة فهذا أمر لا ريب فيه. ويكفي من هذا القبيل الاطلاع على الأعراف التي تنتظم حياة البداوة فتتحكّم في الغزو وفي الثارات وفي الصلح والديات، إلخ. ويكفي أن نستذكر، على سبيل المثال، ما كان يسمّى أيام العرب في الجاهلية وهي أيام اعتبر بعضها منتظماً في حروب استوت بطول مدّتها مضرب مثل: كحرب البسوس أو حرب داحس والغبراء. هذه الحروب كانت الواحدة منها لا تقتل في سنين ما تقتله اليوم، في ثوانٍ، سيّارة مفخّخة واحدة.

صحيح أيضاً أنه كان من اقتحام سلطة الدولة الجديدة، في بعض الحالات، حصون هذه الجماعات التقليدية في لبنان المعاصر ومن إنشائها صلات مباشرة بأفراد منها ونَظْم هؤلاء في أجهزتها وشبكاتها ما أخذ يمتحن تماسك هذه الجماعات ويهزّه. صحيح أيضاً أن مدّ الهجرة والهجرة الريفية شتّت شمل العائلات وأن بروز المتعلّمين والأثرياء من ذوي الطموح المستجدّ راح يمثّل تحدّياً لبيوت الزعامة والسلطة في العوائل وفي البلدات والقرى وفي أحياء المدن وضواحيها. على أنه يبدو لي أن انتشار “التشابه” بين الأفراد أو عري هؤلاء من فوارق تميّز انتماءهم وتحمي هوياتهم لم يكن غير ظاهرة هامشية، في الحالة اللبنانية، أو هو أقرب إلى أن يكون فرضية حملت الأفراد على استباق تفرّدهم واستفرادهم بإعادة الانتظام.

فإذا صحّ هذا كان علينا أن نضيف ملاحظة أخرى: وهي أن استفحال “التشابه” (بين الأفراد) أو “التسوية” (بمعنى التقارب في المستوى بين الجماعات)، في وجوه بعينها من الحياة الاجتماعية، يكون من شأنه، في حالات (من بينها، بلا ريب، حالة المجتمع اللبناني ابتداء من عشايا الحرب) أن يزيد من بروز التفاوت في وجوه أخرى وأن يشحن هذا التفاوت باحتمال العنف. فما كان الاحتجاج عليه محدوداً، من تفاوت بين مواقع الجماعات في النظام السياسي وكان يسوّغه أصحاب الحظوة بأنواع أخرى من التفاوت، لا يستغرب أن يصبح الاحتجاج عليه عارماً حين تتقارب الحظوظ من التعليم ومن الثروة، إلخ.

 

عوائل وطوائف…

هذا ولم يكن ما أشرنا إليه من إعادة انتظام للأفراد  انقطاعاً عن البنى التقليدية بعمومها. وإنما كانت الإعادة أقرب إلى اعتماد بعض من تلك البنى في مواجهة بعض. وإذا لم يكن من التسمية بدّ فإنه يجوز القول، دون افتراض للعمومية أو للبتّ، إن الطائفة الآخذة بناصية الحياة الحديثة من تعليم متنوع ومن تصرّف رأسمالي بالعمل وبالثروة قد استظهرت على العائلة، في ميزان للقوى متعدّد الأوضاع بتعدّد الحالات والمواقع. لم يتحصّل هذا الاستظهار لجميع الطوائف في الوقت عينه ولا بالنسبة نفسها. وإنما جاءت إليه تباعاً وعلى تفاوت في ما بينها فرضه تباين المسارات التاريخية والدواعي والإمكانات. بقي تبعثر الشبيبة الشيعية بين تنظيمات اليسار والأحزاب القومية، وهو التبعثر الذي يضرب مثلاً مفضّلاً على التذرّر وتداعي البنى التقليدية، ظاهرة أقرب إلى الهامشية في عينِ مَن عاينها وعرف حدودها، إذا هي قورنت بالثبات النسبي للزعامات العائلية، من جهة، وبالتوسّع المتدرّج لزعامة صريحة الصفة المذهبية وغامرة المدى الطائفي هي الزعامة الصدرية، من الجهة الأخرى. ولم تلبث هذه الظاهرة الأخيرة أن راحت تستوعب الأولى (أي التبعثر) ابتداء من أوائل السبعينات…

كانت مركزية سلطة الدولة وضرورة استيعاب ضغوط الهجرة الريفية على العائلات وعجز هذه الأخيرة عن حمل مطامح المتعلمين المسرعين إلى التكاثر، إلخ.، تزكّي كلها أفضلية الطائفة على العائلة، بما هي (أي الأفضلية) ظاهرة متصدّرة للمرحلة ولكن لا يمنع تصدّرُها صمودَ حالاتٍ مجانِبة لها ولا بقاءها هي نفسها عرضة للانتكاس. فإذا وُجد سلوك حكائي، بمصطلح جيرار، في العقد الذي سبق الحرب وفي الحرب نفسها، فإنما هو – في ما أرى – هذا التبلّر المتقابل للطوائف وليس تذرّر الوحدات التقليدية، بما هي حواضن للهويات، ولا ما يلي ذلك من استشراء التشابه بين الأفراد واضطراب بوصلات الهوية عندهم. هذا التقابل الحكائي جالب للعنف بالتأكيد، وهو ما يردّنا إلى جيرار ويزكّي أساس فرْضيّته. فهو (أي التقابل) في الواقع، استنفار يتنازع أطرافه أنصبة غير مقرّرة بأعرافٍ مُجْمَع عليها أو بتقاليد مستقرّة وهي أنصبتهم الخاضعة لموازين قوى متحرّكة في كل من الدولة والمجتمع. أو لنقل: في كل من الدولة والمدينة، فإن هذا أقرب إلى ماجريات النزاع اللبناني.

أقول إن السلوك الحكائي الذي اعتمدته الجماعات الطائفية تعزّز في العقد الذي سبق الحرب (فكان من مظاهره، مثلاً، نشوء الحلف الثلاثي وسقوط الشهابية في انتخابات 1968 النيابية) وظل يتعزّز في الحرب نفسها… والحال أن الحرب، بما هي عنف، كانت قابلة ممتازة لتبلـّر الطوائف. فالحرب، على نطاق البلاد، إنما تخاض بالطوائف أو بالتنظيمات الطائفية، بالأحرى، بما لهذه من بعد متصل بتكوين الدولة ومن مداخل إلى النزاع الإقليمي، فيما يستبعد أن تصلح لخوضها العائلات والأحلاف العائلية. ويستوي تبلّر الطوائف هذا مجلبة محتملة للعنف بعد أن يعزّزه العنف. وقد أشرنا إلى الأمر الأوّل ويكاد الثاني يستغني عن الإشارة. فمن البيّن أن العنف ينشئ الأسوار، من نفسية وحسّية، بين أطراف كانت إلى الأمس متخالطة وأنه، في كثير من حالاته، يتّخذ إنشاء هذه الأسوار وتمتينها أو ردع الرغبة في هدمها هدفاً صريحاً له. وفي الأقوال السائرة أن العنف يجرّ العنف وأن العنف دوّامة أو لولب (spirale بالفرنسية)… وفي هذا الكلام ما فيه من أثر الخبرة التاريخية وليس هو بالقول الذي جعل منه التكرار عادة لفظية فارغة.

 

طائفتان أم ثماني عشرة؟

ولم يكن توطّد الطائفية هذا ليمنع – بل كان يرجّح! – الاقتتال في صفوف كل من المعسكرين المتواجهين. وذاك أن الكلام على ديانتين تهيمنان متواجهتين في لبنان كان، على الدوام، كلام أناس ضعيفي المعرفة بالأرض أو خائفين من التصريح بما يعرفون وأن كثرة الطوائف أَوْقَعُ بكثير من هذه الإثنينية وأن هذا الوقع قد زاده الزمن وحوادثه قوّة. ولقد كان الميزان بين طوائف كل من الديانتين واحداً من الأسئلة التي افتُرِض أن الحرب جعلتها معلّقة ويسعها أن تأتي، في نهاية المطاف، بجواب جديد عنها. لم يكن التشكيل الجديد للبلاد بتظهير البعد الطائفي واستظهاره على ما عداه ليمنع أيضاً نوازع الهيمنة ونشوب الصراع بين المكوّنات السياسية لهذه الطائفة أو تلك. فإن الصراع على الطائفة الواحدة كان، في هذه البلاد، واحداً من المرامي الكبرى والأبعاد المحتومة للحرب الأهلية العامّة. حتى إذا عدتُ، بعد هذا، إلى العنف أو إلى أصله، تراءت لي ضرورته، لا في امّحاء الفوارق بل في ضرورة حملها على التحوّل إلى صوى ومعالم للتنازع. العنف هو ما يتكفل بهذا التحويل أو الغصب للفوارق. وهو يصطنع من هذه الأخيرة خنادق تزداد عمقاً كلما اشتدّ.

هذا يحملني على موافقة سمير فرنجية، بلا تحفّظ، على تقديمه التواصل على أنه هو، أو ما يسميه أهل الحوار بين الأديان، “حوار الحياة”، وليس مجرّد السلام أو المصالحة الإجرائية، نقيض العنف. وإنما أتحفّظ عن تفاؤل سمير فرنجية بما أعدنا تحصيله من هذا التواصل بعد خروجنا من الحرب. لا ريب أن أشياء مهمة قد استعيدت. ولكن الصورة الغالبة بقيت ما جاءت به الحرب من فرز في السكن وفي التعليم وفي الكثرة الكاثرة من مواضع التعامل والعمل وفي الانتظام السياسي ومن إفراط شعائري في مساق الاستعراض العدواني  للتدين، إلخ.، إلخ. بل إن كثيراً من ذلك مضى، بعد الحرب، شوطاً أبعد في التفاقم أو في التوطّد.

هذه الترسيمات التي ألجأ إليها لمحاورة فرضيات هي بمثابة المقدّمات النظرية لكتاب سمير فرنجية ومثلها أيضاً ما يعتمده المؤلف نفسه من ترسيمات لا ينبغي لها أن تعدّ ترياقاً لكلّ استعصاء نظري. فهي لا تستبعد، عند سمير فرنجية، ولا تستبعد في قراءتي لكتابه إبراز ما لهذه أو تلك من الحبكات التي جرّت موجة أو جولة من موجات العنف اللبناني وجولاته من فرادة. ما كان لحزب الله أن ينشأ، مثلاً، ولا أن يطبع بطابعه السنوات الأخيرة من الحرب وما تلاها من أعوام… ما كان له أن يشقّ حركة أمل ثم يرث، بالقوّة الصريحة، مقاومتها لإسرائيل ومقاومة الحركة الوطنية قبلها… ثم يوشك، بعد حين، أن يستتبعها أو هو يستتبعها فعلاً… ما كان له ذلك لولا أن ثورة إسلامية تسلّمت زمام الدولة الشيعية الكبرى في العالم سنة 1979 ثم نشأ محور ضمّها إلى سورية حافظ الأسد وأوصلها إلى موقع وجدت له أهمية جغراسية لا تضاهى هو الموقع الشيعي اللبناني. وليس أقدر من سمير فرنجية على الجمع في نصّ منسجم بين تفعيله للترسيمات العامّة واستعادته استعادة الفاعل المتأمل، للكبريات من وقائع المرحلة ولمكنونات ذاكرته من مبادرات أو معاينات كانت منه أو كان فيها، أخيراً.

 

مآثر…

لا أملك هنا أن أحصي واحدة واحدة جولات يأخذنا فيها هذا الكتاب باسطاً في كلّ منها ضوءاً غامراً على واحد من قطاعات خبراتنا أو محننا المعاصرة أو على وجه من وجوهها. أكتفي بالإشارة إلى مثالين: اللوحة الرفيعة السمت التي تعرضها الصفحات 75 إلى 80 من الطبعة الفرنسية لجلجلة الحياة اليومية في الحرب ولوجوه معاناتنا الحرب… وقبلها اللوحة الأخرى (وهي قد تفوقها بلاغة) لوجوه الدور السوري في الحروب اللبنانية وفي غدواتها ولأطوار هذا الدور، وهي ما نقف عليه في الصفحات 62 إلى 74. هنا وفي مواضع أخرى من الكتاب، نقع على مآثر في الإحاطة وفي دقة الوصف وبراعة التشخيص وفي الإيجاز الذي تعرف به البلاغة أيضاً.

وفي ما يتعدّى هذه الجولة وتلك، يجرؤ الكتاب على بتّ صريح للصلة بأنصار لبنانيين للسلام الأهلي طالما عللوا أنفسهم بالقول إن 4% من أهل البلاد يسألون عن الحرب فيما الباقون “مدنيون أبرياء”. المسؤولية عامّة – يقول فرنجية – ولا منجاة لأحد من وجه ما من وجوهها، وإن تكن الأدوار، ولا ريب، غير متكافئة. أمرٌ آخر أعدّه من مآثر هذا الكتاب هو إبرازه أهميّة ترميم “الذاكرة” العامّة أو تقويمها ليستقيم خروج فعليّ من الحرب. وهذه مهمّة لم تحظ إلى اليوم بما هو متوجّب لها من تبنّي المنابر المختلفة وعناية بؤر التفكير والحوار العاملة في البلاد. وهو ما يحمل فرنجية على  استذكار حارٍّ لمساعٍ، في هذا المضمار، يعلم أنها بقيت، على وجاهتها، متواضعة المدى والأثر…

لا أكتم إعجابي أيضاً بالإشارة إلى الصفة الوهمية لعَقْد يفترض أنه حصل بين الطوائف اللبنانية. وهذه إشارة ينطلق منها فرنجية إلى بسط تصوّره لإصلاح تفرضه حياة مشتركة لا مناص منها للأفراد ولا يأتي إملاءاً سياسياً أو تشريعياً من طوائف تحسب التوافق بينها غاية الغايات. من هذه الإشارة، تنطلق أيضاً قراءة فرنجية (وهي قراءة الخبير المصاحب) لاتفاق الطائف ولمكانة العيش المشترك من هذا الاتفاق وللدينامية التي يوجب هذا الاتفاق أن تضع البلاد على سكّة التحوّل إلى ما بات يسمّى “الدولة المدنية”… وهذا اصطلاح ابتدعه اللبنانيون لصيغة الإصلاح التي تراها ملائمة كثرة من طلاب الإصلاح بينهم. وهو أيضاً اصطلاح راح اليوم يشقّ سبيله بين طلاب التغيير العرب في مختلف أقطارهم حاملاً إلى حركات التغيير الجارية فيها ضرباً من “اللبننة” أحسن طلعة بكثير من “اللبننة” المشؤومة التي طبّق صيتها الآفاق في أعوام الحرب اللبنانية وبعدها.

 

مخالفة الختام

ما سبق يكفي وإن لم يكن مستوفياً كل ما أثارته في خاطري قراءة هذا الكتاب. ومع أن ما سبق يكفي فإنني أحب أن أختم كلامي بتصريح يرضي ميلي الغلاب إلى المخالفة. وهو أنني لا أوافق سمير فرنجية على تشخيصه لما كانته تظاهرة 14 آذار ولما شهدته الحركة المسمّاة باسمها من أطوار وصولاً إلى البؤس والذواء اللذين يسمانها اليوم. هذا التشخيص الذي يستغرق جملة من الصفحات في كتاب فرنجية ويمثّل ركناً فيه لا تصحّ نسبته إلى المؤلف وحده. بل هو، في ما خلا بعض التفاصيل، تشخيص منتشر. وخلاصته نسبة مفاعيل تجديدية عظيمة للتكوين السياسي الاجتماعي اللبناني إلى التظاهرة وإلى ما تلاها. تلك مفاعيل لا أراها، من جهتي، على القدر المنسوب إليها من قوّة التجديد ولا على أقلّ منه. ولأوضح أن هذه المخالفة – مخالفتي – ليست بنت اليوم:  فقد باشرتها في آذار 2005 عينه وأتيحت لي مذّاك أربع مناسبات أو خمس للتعبير عنها وبسط أسانيدها. لذا لن أعود إلى هذا الموضوع هنا. فقد تعبت منه وأحسبني لم أقنع أحداً من أولي الأمر. كذلك تعبت حركة 14 آذار من نفسها ومن دعاواها القديمة أيضاً.

[1]  قراءة لكتاب سمير فرنجية Voyage au Bout de la Violence, L’Orient des Livres et  Actes Sud, Beyrouth Paris 2011

أعدّ ت لندوة انعقدت حول الكتاب في نطاق المهرجان اللبناني للكتاب، أنطلياس في 5 آذار 2012، ونُشرت في فصلية كلمن، العدد 6، ربيع 2012.

المقابلة الثانية مع جريدة الرأي الكويتية

الراي 25 ك1 2011حوار أحمد بيضون  ً

 

بيضون لـ «الراي»: التغيير في سورية أظهر صموداً مُذهلاً والحلف بين طهران ودمشق لا يمكن استبعاد اهتزازه

حوار / «البروز الانتخابي لـ (الإخوان) لم يفاجئ… بل الحجم الاقتراعي للسلفيين»

حوارات – الأحد، 25 ديسمبر 2011  /  1,365 مشاهدة   /   38
أحمد بيضون (تصوير جوزف نخلة)
×
1 / 2
شارك على فيس بوك شارك على تويتر شارك على غوغل بلس

| بيروت – من ريتا فرج |
قبل نحو عام أجرينا لقاء مع المؤرخ أحمد بيضون ولم يكن العالم العربي دخل انذاك في أوج حراكه الاحتجاجي العابر للدول من المحيط الى الخليج، ولم يكن كثيرون** من المؤرخين العرب توقعوا انتشار عدوى «ثورة الياسمين» المباغتة، رغم أن الاحتقان التاريخي كان كالجمر تحت الرماد. ولعل ما قاله صاحب «الجمهورية المتقطعة» في المقابلة الأولى يعبر بايجاز عمّا جرى ويجري، حينها قال: «حجم الآمال العظيمة التي تمثلها التضحيات لا تكفي، فهي تحتاج الى تنظيم ويتعين عليها مواجهة الحزبية الصلبة الجانحة الى التخاذل».
بيضون الذي هجس باكراً بسطوة الأحزاب التقليدية الاسلامية على «الربيع العربي» من بوابة صناديق الاقتراع لم يأتِ توقعه من سراب أو من نبوءة سياسية، كان يدرك بعين الرائي ما يملكه الاسلاميون من قدرة على التنظيم والتغلغل في النسيج المجتمعي والسياسي، ومن هنا يمكن أن نفهم مقاربته لموقع الحركات الاسلامية خصوصاً «حركة النهضة» في تونس و«جماعة الاخوان المسلمين» في مصر، فالحركتان في رأيه «لم تكونا من أطلق التحركات الشعبية أصلاً، وهو لا يمنع أن التنظيم بوسائله وموارده يمكن أن يعزز موقعهما في نهاية المطاف»، وهذا ما حدث.
قلة من الكتّاب والمؤرخين العرب تملك هذه القدرة على تفكيك الأحداث وربطها بالماضي والغد، ورغم أن صاحب «الصراع على تاريخ لبنان» شديد الحرص على ترتيب أفكاره ونسجها وفق الوقائع لا التصورات أو الفرضيات الايديولوجية، الاّ أنه يتفرد بخاصية مهمة قوامها قراءة الواقع التاريخي واستباق تجلياته. وليست صدفة معرفية الانذار الذي أطلقه بيضون، فقد أدرك أن مخاض ما يسميه «حركات التغيير» سيفضي الى وصول الاسلاميين، الذين يملكون اطاراً تنظيمياً وعمقاً تقليدياً في المجتمع.
من تفجر «الربيع العربي» الى الأزمة السورية، ومن تحقيق «جماعة الاخوان» وأخواتها أعلى نسبة في صناديق الاقتراع الى غياب البورجوازية العربية عن الحراك الاحتجاجي، ومن موقف «حزب الله» من «الربيع الدمشقي» الى الاستقطاب الحاد بين قوى 8 و14 مارس، هذه القضايا وغيرها شكلت محور الحوار الذي أجرته «الراي» مع أحمد بيضون وفي ما يأتي وقائعه:

• دخل العالم العربي منذ الثورة التونسية في حراك شعبي احتجاجي يشبه الى حد ما تجربة الديموقراطيات في أوروبا الشرقية. بداية، لماذا تفجر «الربيع العربي» في هذه اللحظات التاريخية؟
– لا أحد يستطيع الجزم بجواب يتعلق بتوقيت المسلسل المتمثل في حركات التغيير الجارية. ربما غامر هذا المحلل أو ذاك، قبل انطلاق الحركات، بنبوءة ما متعلقة بخطورة الأوضاع وقابليتها للانفجار في هذا البلد أو ذاك. ولكن لم يكن يسود مناخ في الأوساط المتابعة يشير الى قرب ما حدث، خصوصاً الى هذه العدوى التي انتقلت من بلاد الى بلاد وشملت دولاً موزعة في المدى العربي بين الخليج والمحيط وانحصرت أيضاً (وهذا أمر له أهميته) في حدود هذا المدى، فلم تتجاوزه الى بلاد غير عربية في الجوار الاقليمي. كانت قد حصلت أحداث في العقد المنصرم، وقد يصح اليوم اعتبارها مُبشرة بما جرى ويجري حالياً. مثلاً: مبادرات الاحتجاج التي تصدرتها حركة «كفاية» في مصر وكذلك حركة المنتديات والمبادرات الأخرى التي شكلت ما سمّي «ربيع دمشق» غداة تسلم بشار الأسد السلطة العام 2000. ولكن هذا كله لم يلبث أن لقي قمعاً شديداً، وبدا، في أوقات متباينة، أن الاحتجاج قد هُزم هنا وهناك. وأما السبب الفعلي لتعذر التنبؤ الجدّي بما هو جارٍ اليوم فهو أن المجتمعات التي تهيمن عليها أنظمة مغلقة لا تسهُل معرفة ما يعتمل في دواخلها وما يمكن أن تتمخض عنه من جديد على الصعيد السياسي. فالسياسة في هذه المجتمعات تصبح مكتومة أو شبه مكتومة حالما تبتعد عن دائرة السلطة القائمة والموقف الرسمي. والمتابعون يصعب عليهم أن يخرقوا قشرة الظواهر في مجتمع ينعدم فيه التعبير المستقل أو يكون نادراً. قد يلمّون بالشيء القليل من بواطن الأحوال ويلزمهم لذلك أنواع من التحقيق هي أقرب الى عمل المخابرات منها الى الأصول المعتادة في الاستعلام الصحافي أو في التحقيق العلمي، فثمة قيود ثقيلة جداً على تحصيل المعرفة في هذه المجتمعات. والحركات المعارضة فيها، مضطرة اذا أرادت الاستمرار في السعي الى التغيير، أن تلزم نفسها أقصى درجات السرية. وبنك المعلومات الرئيسي في كل هذه الدول هو المخابرات وليس مراكز الأبحاث أو الصحافة الحرة. وحتى المعلومات الهائلة الحجم التي تتوافر لدى المخابرات قد لا تمثل قاعدة صالحة لتشخيص ما هو جارٍ في طول المجتمع وعرضه، فهي، في أرجح تقدير، مفتتة ومقيدة الوجهة. يبقى مع ذلك أن المصدر الرئيسي للدراية بأحوال هذه المجتمعات هو الوشاية.
بعدما تفجرت حركات الاحتجاج أخذنا نبحث لها ولتوقيتها عن تفسير. وأكثر ما جرى تداوله هو الأزمة المهولة التي تضرب جيل الشباب في هذه المجتمعات ومن وجوهها أزمة البطالة وأزمة فقدان الأفق، عامّاً كان أم خاصّاً، وأزمة العجز عن المضي في أي مشروع بما في ذلك الهجرة. وبين مقومات هذه الأزمة واحد جديد نسبياً له أهمية استثنائية هو التنامي البالغ السرعة لقطاعات التعليم العالي في هذه الدول خلال الاعوام العشرة أو العشرين الأخيرة. وهو ما زاد كثيراً من عدد المتعلمين الباحثين عن فرص للعمل. وتشير الاحصاءات الى أن البطالة في أوساط هؤلاء المتعلمين الشباب اعلى بكثير ما هي عليه في أوساط الشباب الأميين أو المتدنّي الاعداد، ما وفر تأطيراً لحركات الاحتجاج وأمدّها بقدرة واضحة على الصياغة السياسية وعلى استعمال وسائل الاتصال الجديدة. ويجب القول ان وسائل الاتصال هذه من انترنت وشبكات للتواصل الاجتماعي تؤويها الانترنت ومن هواتف جوالة ومعها التلفزة الفضائية كانت على الموعد… وقد أدت ولاتزال الدور الكبير الذي بات معروفاً.
• الحركات الاحتجاجية طالبت بالحرية والخبز وتداول السلطة أي أنها لم ترفع شعارات أيديولوجية كما كان يجري في خمسينات القرن الماضي وستيناته. هل يمكن اعتبار هذا المؤشر بمثابة تراجع للأحزاب الايديولوجية مقابل المفاهيم الانسانية المشتركة؟
– التيار الذي كان سائداً في خمسينات القرن الماضي وستيناته هو التيار القومي. وكان يفترض وجود أمة عابرة للتاريخ يكفي أن يرتفع الضغط المعادي عن صدرها حتى تنهض واقفة وقفة مارد. وفي الستينات تمازج مفهوم الاشتراكية ومفهوم القومية. والاشتراكية التي تعاطتها الأنظمة القومية في تلك الأيام كانت هي أيضاً مبسطة. فقد جرى تصويرها على أنها ممكنة التحقيق بمراسيم واجراءات ادارية تنفّذ في ردح محدود من الزمن وتحوّل المجتمع مجتمعا اشتراكيا يواصل نموّه معمماً الرفاه والعدل الاجتماعي. من الخمسينات والستينات، مضى نصف قرن. وشهدت هذه المدة هزائم واستعصاءات هائلة يتعلق بعضها بالعلاقات بين أطراف الأمة ويتعلق بعضها الآخر بالعلاقات بين أطراف المجتمع وبالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، هذا فضلاً عن هزيمة أو أكثر تناولت الأمّة برمتها بمعنى من المعاني، وهذا يصح خصوصاً في حرب 1967. كان لهذه التطورات السلبية مفاعيل تربوية، اذ أدرك الناس أن الأمة والعدل الاجتماعي والوفرة ليست وراء الباب وأنها عمليات تاريخية طويلة ومعقدة وكثيرة النكسات، وأن الأهداف التي رسمتها الحركة القومية لنفسها قد لا تكون هي الأهداف الموافقة لحركة التاريخ بقواها الفعلية. اليوم لا تبزغ حركات التغيير انطلاقاً من هزيمة الحركة القومية بل تبزغ من تردّي أنظمة لم يعد للمكوّن القومي مكانة قيادية في تكوينها. تبزغ هذه الحركات أيضاً من تردي ما سمّي الصحوة الاسلامية: من الأزمات التي عصفت بهذه الصحوة وجعلت الآمال التي علقتها عليها قطاعات واسعة من المجتمعات المعنية تبدو سراباً.
لم تكن التنظيمات الاسلامية هي من أطلق حركات التغيير ولا كانت طليعة من حشد لهذه الحركات في الساحات. الذين فعلوا هذا هم الشباب. وهؤلاء وجدوا أطراً غير حزبية لتنظيم صفوفهم ونهضوا في مواجهة أنظمة هي ميراث الحركة القومية، والتحقت بهم التنظيمات الاسلامية بعد الكثير أو القليل من التردد. ونحن اذا نظرنا الى حركات الاحتجاج هذه في مدى المرحلة التاريخية التي مثّلها نصف القرن المنصرم، فهمنا الدواعي التي جعلتها تبتعد من الشعبوية وتحصر شعاراتها الى حد كبير في نطاق الممكنات. وهذه دواع تعززها طبعاً أصداء الاندحار العالمي الذي عرفته السياسة الايديولوجية في العقود الماضية. والمثال الأهم لذلك هو انهيار الكتلة الشيوعية.
• كيف تفسر تحرك الجماهير العربية في شكل تلقائي مترافقا مع غياب القادة المحركين للشارع؟
– في المجتمعات التي شهدت حركات التغيير الجارية، كانت مقدّرات التنظيمات الحزبية على وجه الاجمال هزيلة. فمعظم الأحزاب المعروفة أو العلنية ملتحقة بالأنظمة أو مسايرة لها الى هذا الحد أو ذاك. ومعارضة النظام، اذا عمدت الى تكوين أطر لها على الأرض واذا كانت هذه الأطر ثابتة واعتمدت الشكل التقليدي للتنظيم، أصبحت عرضة للقمع السريع. والذي مثّل تعويضاً لتعذر هذه المعارضة الحزبية التقليدية أو لصعوبة تكوينها وحماية حركتها على نطاق واسع، هو، على وجه التحديد، هذه الشبكات الجديدة التي يسّرها الانترنت. فقد أتاحت للأفراد أن يتواصلوا بمئات الآلاف وأن يتحركوا على نحو منسق وان يكن موقتاً أيضاً وغير مزود أطراً تمنحه فاعلية دائمة ومستمرة. كان هناك قادة لكنهم لم يكونوا شخصيين أي أن اسماء الأشخاص لم تكن ذات أهمية كبيرة وبدا أن ما هو مهم هو الكتلة المعتصمة أو المتظاهرة. ويجب التنويه في هذا السياق الى أن انتشار التعليم يسّر، في أوساط واسعة، نشوء أنواع جديدة من الفردية: فاستقلّ البشر، الى هذا الحدّ أو ذاك، عن الوحدات التقليدية التي يتشكل منها المجتمع وأتيح لهم الالتقاء في ما بينهم من دون المرور، بالضرورة، بالزامات الجماعة العائلية أو الطائفية.
• ثمة وجهة نظر تقول ان الجمهور في العالم العربي لم يصل بعد الى المستوى المطلوب من الوعي وان الجماعة وليس الأفراد هي التي تحركه. ما رأيك في ذلك؟ وكيف يمكن مقاربة الحراك الاحتجاجي انطلاقا من التحولات على صعيد الوعي الجمعي؟
– أعتقد أن وجهة النظر هذه لو كانت صحيحة صحة مطلقة لما قامت هذه الحركات التي نشهدها. في هذه الحركات بعد ديموقراطي مؤكد تدل عليه شعاراتها ومنابت قادتها وكيفيات تصرفها. وهذا البعد يفترض وجود الأفراد الذين أشرت الى وجودهم قبل قليل. والمجتمعات مدينة بوجود هؤلاء الأفراد لعوامل أهمها نمو التمدين، أي الانتقال من عصبيات الريف الى أوساط تعرض أشكال تضامن حرة أو طوعية. وكذلك التعليم الذي يمنح الفرد الثقة بنفسه ويحمله على البحث عن أنداد له ينشئ معهم صورا من التضامن تبعده أيضاً من سطوة الجماعة التقليدية. ولا يمنع ذلك أن الجماعات التقليدية مستمرة الحضور وقوية، وان لم تكن في أساس حركات الاحتجاج. وهي تعود عبر تنظيماتها وقادتها وتحاول الالتحاق بهذه الحركات والهيمنة عليها. وتملك في الواقع فرصاً مهمة لتحقيق ذلك بالنظر الى ثباتها والى توفر تنظيماتها السياسية والاجتماعية على أطر ذات فاعلية متفوقة في المدى المتوسط اذا ما قورنت بأطر الحشد والتنظيم التي تعتمدها المجموعات الشبابية. فهذه لا تزال ذات طابع هشّ أو عابر ولم يستقر بها المقام حيث توجد فرص للاستقطاب… فيختبرها الناس وتكسب ثقتهم.
• الجزء الأكبر من مكوِّنات الحراك الشعبي الاحتجاجي تمثله الفئات الاجتماعية المهمشة أو الاتية من الأرياف. ما تفسيرك لذلك؟ ولماذا يبدو أن الطبقة الوسطى أو البورجوازية الناشئة بعيدة من هذا الحراك؟
– في الاعوام الثلاثين الماضية عمدت الأنظمة في بلدان مثل مصر وسورية الى تصفية متدرجة لسيطرة القطاع العام على قسم أساسي من مرافق الانتاج والخدمة الاجتماعية. هذه التصفية حصلت لمصلحة تحالفات نشأت بين أعيان النظام وأصحاب الرساميل في القطاع الخاص. وقد اتخذت هذه التحالفات في كثير من الحالات شكلاً مافيوياً ونمت، في الغالب، على حساب حقوق الدولة، وبتوسط ما تتيحه السلطة من التفاف على القوانين وتسخير لها. هذه العملية الطويلة والمعقدة والتي تعززت بالريوع السياحية والعقارية والتصرف بها أدت الى حال من التداخل، في المجال الاقتصادي، بين أركان النظام الذي أصبحت نواته الفعلية نواة عائلية الى حد بعيد، وأوساط رجال الأعمال الذين أتاح لهم النظام فرصاً لم يكونوا ليحلموا بها، وذلك بعد القمع والمصادرة اللذين شهدهما ما سمي المرحلة الاشتراكية. هذا النوع من النمو هو نفسه الذي آل الى تراجع الزراعة والاقتصاد الريفي عموماً والى النمو الهائل للمدن. وفي ضواحي هذه المدن اتسعت الهوامش المهملة وتفاقمت البطالة وكثرت حالات الاحباط جراء انعدام الفرص. هذا، في الواقع، ما رسم الملامح الاجتماعية لحركات الاحتجاج من دون الغفلة عمّا سبق ذكره من موقع حاسم لقطاع الشباب المتعلم، وهو أيضاً شباب ذو أصول ريفية في الغالب ولكن علاقته بالريف انقطعت أو تحوّلت تحوّلاً عميقاً.
• الحركات الاحتجاجية انطلقت من المسجد وجعلت يوم الجمعة محطة لحركتها. ما الرمزية التاريخية والسياسية للمسجد والجمعة بالنسبة الى هذه الحركات؟
– في هذه المجتمعات تدين شعبي منتشر يجب عدم الخلط بينه وبين التنظيمات السياسية ذات الصفة الدينية. هذا التدين ازداد انتشاراً وحدّة في العقود الأخيرة حين أصبح الدين هو الرابط الوحيد المأذون به من جانب النظام الذي كان يشترط هنا أيضاً ألا يكون التدين سياسياً. هذه المجتمعات هزلت فيها المؤسسات التي كان يمكن أن تمثل نقاط التقاء بين الناس… باستثناء المساجد، على وجه التحديد، فهي موجودة في كل موضع، ومفتوحة ليس ثمة قيد على دخولها، ويمثل اغلاقها أو عرقلة الصلاة فيها عبئاً معنوياً فتتردد السلطة قبل الاقدام عليه. لذا كان اعتماد المسجد والجمعة من جانب حركات التغيير موعداً مكانياً وزمنياً للحشد والتظاهر أمراً طبيعياً جداً. وهذا لا يترجم مباشرة بالضرورة قوة حركات الاسلام السياسي، ولكن يمكن أن ينتهي الى تعزيز هذه القوّة. المسجد والجمعة لهما حصانة حتى في وجه النظام وقد استفادت حركات التغيير من هذه الحصانة. ولا يعني هذا أن اللجوء الى المسجد واعتماد الجمعة كانا لسبب عملي أو ظرفي فقط، بل هما يجدان مرتكزهما في عمق التدين الشعبي ويعوّلان جزئياً على الثقة بأئمة المساجد الذين ظهر أن بعضهم يحوز مكانة وفاعلية في ناحيته وينتسب بعضهم أيضاً الى التنظيمات السياسية ذات المرجعية الدينية.
• استطاعت «حركة الاخوان المسلمين» في مصر الى جانب التيار السلفي الحصول على نسبة مرتفعة من الأصوات. ما تفسيرك لذلك؟ وهل يدل هذا الأمر على ارتفاع نسبة التدين في المجتمع المصري؟
– منذ سقوط نظام حسني مبارك في مصر، بدا أن الجماعات الشبابية التي كانت الى حد كبير سيدة الموقف في ميدان التحرير متوجسة من الانتخابات… أو، بعبارة أدقّ، من قرب هذه الانتخابات. هذا مع العلم بأن الديموقراطية، وبالتالي الانتخابات، كانت روح الحركة كلها. السبب في هذا التوجس هو الشعور بأن قيادة العملية الانتخابية على مستوى البلاد كلها، ريفاً وحضراً، جنوباً وشمالاً، أمر مختلف عن حشد الحشود التي أسقطت النظام وقيادتها. الناس حين ينتخبون يفكرون كثيراً في اعتبارات قريبة ذات طابع جزئي. وهذه الاعتبارات قد تحجب الدوافع الكبيرة أو تغلبها. الناخب يحتاج الى معرفة من يقترع له والى اختباره أو اختبار الجهة التي ترشحه. يحتاج الناخب الى ثقة مستندة الى الخبرة بمن يمثله. ولذا تعود الأحزاب والمرجعيات الأخرى ذات التقاليد المتأصلة والمتمادية في الزمن الى اثبات وجودها في الانتخابات. لم يكن البروز الانتخابي لـ «جماعة الاخوان المسلمين» مفاجئاً في مصر. ما كان مفاجئاً هو الحجم الاقتراعي الذي بلغه السلفيون. واذا صح الحديث عن ارتفاع في منسوب التدين عند المصريين (وهم شعب متدين أصلاً) فان التدين هنا رابطة اجتماعية سياسية في الدرجة الأولى. والشعارات الدينية والعوامل الاعتقادية تزيد الانتماء حدّة وقدرة على توليد التضامن. والانكفاء الى هذا النوع من التدين يستردّ اللحمة الاجتماعية التي فتتتها الهجرة من الأرياف وامتحنتها عزلة المدن وغفليتها وتعسف النظام وأجهزته. يضاف الى ذلك أن مظاهر كثيرة من حياة المدينة يراها المهمشون استفزازاً لهم واستعراضاً لسطوة المال والقيم اللاحقة به على حياتهم. ويزيد من أثر ذلك شعورهم بأن هذا الترف الفاحش مشبوه المصادر والمظاهر وليس بـ «الحلال». هذا التدين هو ملجأ للمهمشين وقوة لهم. ولكن هذا التدين نفسه، بنقاط تركيزه ورؤيته للعالم، لا يقدم حلولاً لمشكلات المجتمع المصري الكبرى، وهو سيصطدم بها حين يجد نفسه في مواقع المسؤولية عن المجتمع، سياسة واقتصاداً وخدمات من كل نوع.
• هل من الممكن أن تتكرر تجربة الجزائر في مصر نتيجة الصراع بين «الاخوان» والعسكر أم أنها ستفضي الى نوع من التسوية بين الطرفين؟
– لا أستطيع المغامرة بنبوءة في هذا الصدد. وأتمنى ألا تتكرر تجربة الاعوام السود في الجزائر لا في مصر ولا في غيرها. أعتقد أن روحية المرحلة الحاضرة التي تعبر عنها حركات التغيير على ما بينها من اختلاف عميق لا تُنذر بتكرار شيء من قبيل ما حصل في الجزائر. فالغالب الآن هو قبول ما ومن تأتي به الديموقراطية وليس رفضه. وعلى وجه التحديد، لن يلقى تجدد الحكم العسكري سواء كان مباشراً أو غير مباشر قبولاً من الفئات الضالعة في حركات التغيير على اختلاف هذه الفئات. العسكر وحكمهم موضوع رفض لا من الاسلاميين وحدهم بل من جميع القوى التي انخرطت في الثورة المصرية. هذا ما يمكن قوله من دون جنوح الى التنبؤ.
• الحركات الاسلامية ما زالت طروحاتها غير كافية بالنسبة الى المرأة فهي تستخدم كوقود احتياطي على المستوى الدعوي والسياسي. ما الذي تحتاج اليه هذه الحركات كي تطور خطابها حيال المرأة؟
– في ظل امتناع السياسة أو حجبها عن المجتمعات من جانب الأنظمة التي هوت أو تلك التي باتت آيلة للسقوط، كان ثمة منفذان متكاملان لحيازة سيطرة اجتماعية بديلة من السياسة. هذان المنفذان اللذان اعتمدتهما الحركات الاسلامية هما السيطرة على النساء والتحكم في الحياة الخاصة للبشر. تحديد ما يجب على المرأة أن ترتديه، وما يجوز لها أو لا يجوز ارتياده من أماكن، وفرض الفصل في الأماكن العامة بين الرجال والنساء سبيلا الى هيمنة أقوى من الهيمنة السياسية وهي مدخل اليها أو هي مشتملة عليها. كذلك هي الحال حين ينصب المتدينون أنفسهم أوصياء على ما يحق لهذا أو ذاك من الناس، رجلاً كان أم امرأة، في أكله أو شربه أو النظر اليه أو قوله، الخ. فهذا كله دخول بالسلطة الى عمق لا تحلم ببلوغه السلطة السياسية. وقد مارست الحركات الاسلامية هذه السيطرة ما استطاعت الى ذلك سبيلاً، ولقيت قبولاً يفسره التدين معطوفاً على المعارضة التلقائية في طول المجتمع وعرضه للنظام وأهله وسياساته ولسلوك الفئات المنتمية اليه. لا يمنع هذا القبول أن الحركات الاسلامية ومن يتبعها من رجال الدين حين ينصبون أنفسهم ديانين للناس يصادرون البشر ويقطعون عليهم طريقهم الى الحرية، وهذا فضلاً عن أن هذه الحركات لا تحمل في جعبتها أنموذجاً للحكم وللتنمية يمثل رداً ناجعاً على البطالة والفقر والأمية وتهالك الخدمات الاجتماعية من كل نوع. وتجنح هذه الحركات الى الايحاء بأن تحجيب النساء ومنع الخمرة هو صلب السياسة الاجتماعية المطلوبة. فكيف يمكن أن يخرج مجتمع ما من هذا التحوير لحقيقة مشكلاته؟ هذا أمر يتعلق في شكل كبير بموقف النساء، باعتبارهن المعنيات أولاً بما يفرض على المجتمع. ولا يمنع هذا التوقع أن تدفع النساء، في المرحلة الأولى، أثماناً تتفاوت بين بلاد وأخرى لانهيار الأنظمة التسلطية ولسطوة الاسلام السياسي في المرحلة الجديدة. الواقع أنهن من سيدفع أول الأثمان وأثقلها عبئاً. وسيكون استرجاعهن حريتهن وحقوقهن رهناً بكفاحهن وبتطوّر مواقفهن قبل أي اعتبار آخر. هذا رغم أن المجتمع برمّته معني بحرية النساء وحريته تتوقف عليها في نهاية المطاف.
• الحركة الاحتجاجية في سورية دخلت شهرها التاسع والمجتمع الدولي لم يحسم خياره بازاء الأزمة السورية كما حدث في مصر. لماذا يتأرجح المجتمع حيال الملف السوري؟
– المجتمع الدولي له موازين تختلف من بلاد الى أخرى. وحين نذكر هذا الاختلاف نقابل الحال السورية صراحة او ضمناً بالحال الليبية، فهنا يبرز الاختلاف جلياً. غير أننا نستطيع القول مثلاً ان المجتمع الدولي كان متواطئاً جداً مع القمع في الحال البحرينية ونستطيع القول انه متراخٍ في الحال اليمنية. في الحالين الأخيرتين كان موقف المجتمع الدولي ولا يزال أسوأ مما هو في الحال السورية. يشهر المجتمع الدولي قيماً يدّعي أنه يدافع عنها، وهذا ليس مجرّد لغو. ولكن الدفاع مقيد بلا ريب بموازين متغيرة تحكمها طبيعة المصالح الحاصلة أو المحتملة لأقطاب المجتمع الدولي في كل حال، وتحكمها الكلفة التي تترتب على هذا النوع أو ذاك من أنواع التدخل المطروحة. ويبدو المجتمع الدولي مضطراً نتيجة التداخل والتشابك في الحال السورية الى وضع أمور عدّة في دائرة اعتباره: الكلفة المتعددة الوجوه لأي تدخل عسكري في سورية، وهي أضخم بما لا يقاس مما بدا كافياً في الحال الليبية، وأيضاً أشدّ وقعاً على الداخل السوري بمكوّناته الأهلية المعلومة وعلى الميزان الاقليمي المحيط بسورية، بما فيه امكان توسع النزاع ليشمل ايران واسرائيل ولبنان، على الأقل. أعتقد أن هذا، فضلاً عن عوامل أخرى، يفسر استبعاد التدخل العسكري في سورية والتعويل على العقوبات وعلى أنواع متصاعدة من الضغط تزداد تصاعداً كلما ازداد القمع من جانب النظام شراسة وكلما أظهرت حركة التغيير أيضاً صموداً في مقاومة القمع. هذا الصمود الأخير كانت له مظاهر مذهلة حتى تاريخه.
• هل تفتقر المعارضة السورية في الداخل والخارج الى أطروحة موحدة؟ وهل هي قادرة على قيادة المرحلة الانتقالية وسط الصراع على ادارة الأزمة؟
– معلوم أن المعارضة السورية تطورت على صعيد طرحها السياسي وطموحها في الاشهر التي استغرقتها حركة التغيير حتى الآن. ومعنى هذا التطور أن حدوداً دنيا وحدوداً قصوى مختلفة اعتمدت في كل مرحلة. مثلاً: في البدء لم تكن المطالبة باسقاط النظام أمراً محسوماً ولم يكن هناك وحدة موقف بصدد امكان التفاوض مع النظام أو عدمه. بعد حين بدا أن موضوع التدخل الخارجي هو مدار الخلاف ولكن بقي نوع من التفاوت بين أجنحة المعارضة في ما يتعلق بجذرية الموقف من النظام ودلالاتها العملية. من حيث البنود الأساسية لبرنامج التغيير المباشر في سورية لا أرى خلافاً كبيراً بين أطراف المعارضة. فهؤلاء يرددون الكلام نفسه أو كلاماً متقارباً في مختلف هذه البنود. ثمة خلاف مواقع وتنافس على الصدارة بين الخارج والداخل. والانطباع العام هو أن حركة الشارع بدأت وانتشرت واستمرت منفصلة عن الأسماء البارزة للقادة سواء في الداخل أو في الخارج. ولا يبدو صحيحاً أن الساسة المقيمين أصح تمثيلاً بالضرورة من غير المقيمين. ثمة نوع من الانفصال عن الحركة بمجاريها الحسية في الحالين. ثمة مشكلة صلة بين الحراك الميداني والقيادة السياسية. وتحتاج هذه الصلة الى وقت والى مخاض قد يكون صعباً في بعض مواضعه أو مراحله، حتى تصل الى نوع من الثبات.
• النظام السوري استعمل المعادلة الاتية: اما ابقاء النظام واما سيطرة الاسلاميين على الحكم. والى جانب ذلك لوّح باستعمال الورقة الاقليمية. ما رأيك في ذلك؟ وما الأوراق الاقليمية التي يملكها النظام؟
– في ما يتعلق بمعادلة ابقاء النظام أو سيطرة الاسلاميين… هذه المعادلة لوحت بها جميع الأنظمة التي سقطت، وهذا التلويح كان يحصل في اتجاه الغرب. على ما سبق بيانه، لم تكن التنظيمات الاسلامية، على التعميم، مبادرة في حركات التغيير. ولكن لا يمنع ذلك أن تستفيد من تقاليدها في العمل السياسي، لا سيما في الحال المصرية، لتحسين مواقعها في المرحلة الجديدة. وأما «جماعة الاخوان المسلمين» السورية فتعدّ ضعيفة بالقياس الى الجماعة المصرية. فهي تعرضت الى قمع أشدّ بكثير والى نوع من الاستئصال في سورية، ولم يتح لهذا على ما يرى مراقبون – أن تبني ما يكفي من قنوات للتغلغل مجدّداً في الأنسجة العميقة للمجتمع السوري. أقول هذا مع التحفظ، اذ ان تقديرنا في الموضوع قائم على ما تردده مصادر مختلفة، وهذه المصادر تحتاج أقوالها الى تحقيق واثبات.
على الصعيد الاقليمي، يظهر أن مدخل النظام السوري الى المسألة الفلسطينية قد ضعف كثيراً بابعاد حركة «حماس» منه، وأصبح النظام أكثر تبعية للسياسة الايرانية، اذ بات النظام الايراني حليفه الوحيد المعتبر في المنطقة. هذا الحلف الايراني – السوري الذي لا يمكن استبعاد اهتزازه استبعاداً مطلقاً يفسر بنفوذه موقف «حزب الله» في لبنان من جهة، وقدراً من الميل العراقي على مسايرة النظام السوري من جهة أخرى. ولا يخلو هذا الميل الأخير من ارتباك وتثقل عليه، حتى اشعار آخر، قيود معروفة.
• الطبقة السياسية في لبنان منذ العام 2005 لم يجمعها سوى التناقض والأزمة في ادارة الحكم. الى ماذا سيؤدي الصراع بين قوى 8 و14 مارس؟
– هناك نوع من السأم الذي يزداد انتشاره في الرأي العام اللبناني أمام هذا الخندق الذي يشق البلاد. ولا يمنع السأم قوة الاستقطاب على جانبي الخندق ولا شدّة العصبية. ولكن السأم يوسّع الهوامش. القضايا التي يدور حولها الخلاف تتصف اما بالعقم واما بشيء من المراوحة. على سبيل المثال، مسألة سلاح «حزب الله»، وهي مسألة مصيرية، لا يحصل تقدم في شأنها ولا يبدو مصيرها في يد قوى الداخل. ومسألة المحكمة على أهميتها المؤكدة أيضاً باتت معطياتها معلومة. فعاد غير مرجّح أن تؤدي أعمال هذه المحكمة الى تغيير قاطع في صورة الوضع وفي مواقف الأطراف بعضها من بعض. القواعد التي نشأت عليها القوى الرئيسية في 14 و8 مارس كانت لها في ما مضى أهمية وصلابة مؤكدتان. «حزب الله» نشأ على المقاومة والتحرير وتيار الحريري نشأ على اعادة اعمار بلاد خارجة من حرب مدمرة وعلى توظيف اجتماعي واسع لطاقة الرجل المالية. وأما تيار ميشال عون فنشأ على مبدأ استعادة الاستقلال ومقاومة المصادرة التي كانت الارادة الوطنية خاضعة لها. كل هذه الأطراف اليوم أصبحت بعيدة جداً من قواعد نشأتها تلك. فما كان من اجماع على دور «حزب الله» في المقاومة والتحرير أصبح اليوم انقساماً شديداً وطعناً في مسوغات الدور الحالي والتسلح الطائفي المستمر وفي تهديد وحدة الدولة وتعريض البلاد لأخطار يتباين النظر الى كيفيات مواجهتها. ولا تقارن اليوم مسألة المحكمة لجهة اتساع الوقع والمقدرة على حمل الزعامة بمنجزات رفيق الحريري من عامة وخاصة. وأما ميشال عون الذي بنى مكانته كلها على تحرير الارادة الوطنية فهو واقف اليوم بين دعاة مصادرة هذه الارادة ومكتفٍ بثقل وهمي في السلطة، يترجم مكافآت خدمية أو مالية للموقع الذي اختاره لتياره على رقعة الشطرنج الداخلية والاقليمية.
في مجال هذا الاستقطاب تبقى مشكلات البلاد الكبرى مفتقرة الى مرجع. فلا أحد من هؤلاء الأطراف عنده ما يقوله فعلاً في صدد اصلاح العطل في النظام وهو عطل قد جعل حكم البلاد أقرب الى التعذّر في الاعوام القليلة الماضية. ولا أحد يفوه بجملة مفيدة تتعلّق بالدين العام الذي نسب عبؤه الى أحد طرفي الجبهة واذ بنموه يزداد اليوم تسارعاً في ظل الحكم المنفرد للطرف الآخر. ولا أحد يقول شيئاً مقنعاً أو يتخذ قراراً نافذاً في صدد أزمة التعليم الرسمي أو أزمة الضمان الصحي أو أزمة الكهرباء أو أزمة السير التي أصبحت تأكل من أعمار المقيمين في بيروت فضلاً عن الأكل من جيوبهم. الخ، الخ. وهذا بطبيعة الحال فضلاً عن غموض المصير الوطني في حمى اقليمية تزداد نارها اضراماً. في كل هذا يبدو الكل في المجتمع السياسي مقصيا عن المعالجة حيث لا يجوز الاقصاء أو عاجزاً عنها ومنصرفاً الى شؤون تخلّف شؤون البلاد أو تزيد معضلاتها استعصاء، على نحو ما تبدو البلاد في وارد ومجتمعها السياسي في وارد أو في أكثر من وارد آخر.