ذكرى دومينيك شوفالييه

http://www.almodon.com/opinion/95da2b1b-0478-478e-90f2-f8f52820b657

تتمّ في هذه الأيام دورة خمس سنوات انقضت على رحيل المؤرّخ الفرنسي البارز، صديق لبنان والعرب، وأستاذ كثر من مؤرّخي جيلنا والجيل الذي يليه دومينيك شوفالييه. لم يحصل عندنا، في مدّة الغياب هذه، ما ينمّ بعرفاننا فضل الرجل. وأقلّ ما أراني أفعله في هذه الذكرى أن أستعيد كلمة تأبين كنت قد ألقيتها أمام جثمانه المسجّى في كنيسة سان جرمان لوكسروا المجاورة لمتحف اللوفر في باريس. ما يلي ترجمة عربية لتلك الكلمة…  كان منّي أن كتبتُ، قبل أعوامٍ كثيرة، أن دومينيك شوفالييه أدخل لبنان التاريخ. ولم يكن المقصود تاريخَ العالم الذي صدرت من الشرق الأدنى بعض من تمتماته الأولى بل قصدتُ عِلْمَ المؤرّخين الكبير. فحين أزمع دومينيك شوفالييه أن يصبح المؤرّخ الذي كانه، ترتّب عليه أن يصبح رجلاً عظيم الثقافة وأن يصبح كاتباً كبيراً أيضاً فضلاً عن استوائه رجل علم. وهو قد خصّ بلادنا هذه بباكورة موهبته التي كانت قد غدت واثقة بما اكتنزته من طاقات. فلم يكفه أنه واءم بين ما تتيحه أنظمة معارف معروفة بالغيرة كلاًّ على حوزته بل هو قد حملنا على نسيان ما بينها من حدود ترعاها عيون ساهرة. وإنما أرمي إذ أقول هذا إلى إبراز ما يتّصف به من ألمعية صريحة تأليف ينسينا نسيجه برهافته وشدّة أسره معاً وتنسينا تطلّعاته الجامعة إلى بعد المطمح ملازمةً لأكثر منحنيات الموضوع عسراً على المتابعة أين يبدأ علم الإناسة وأين ينتهي الاقتصاد السياسي أو تاريخ المؤسّسات. ننسى أيضاً أن نسأل أنفسنا كيف أمكن أن يندرج تحليل البنى بهذا اليسر في مساق رواية الحوادث.  وذاك أن دومينيك شوفالييه يفلح في إتيان الأعجوبة التي هي المساوقة ما بين ضربات الفرشاة الآيلة إلى تشكيل لوحة وصفية وتكثير الملامح المظهرة للمرتكزات المتشابكة واستعراض الوقائع أخيراً. والوقائع ههنا كبيرة وصغيرة ولكن اختيارها موفّق دائماً. فيسعد بها القارئ الراغب في الاطلاع على تاريخ لبنان وعلى انغماس هذه البلاد في مبارزات راحت تتشكّل بفضلها ما بين أقوياء الغرب والشرق وتلبّى أيضاً رغبة هذا القارئ في فهم ذلك كله. يجعل دومينيك شوفالييه من هذه البلاد الصغيرة بوّابةً تتيح له، على ما في الأمر من مفارقة، وتتيح لقرّائه أيضاً فرصة الدخول، ليس إلى ماضي الشرق الأدنى العربي بالدرجة الأولى بل إلى حاضره على الخصوص. وهو يتوصّل أيضاً عبر بلادنا إلى مرتبة المؤرّخ الكبير المتبوّئ مكانة مقصورة عليه في الكوكبة الجميلة التي تمثّلها المدرسة التاريخية الفرنسية في عصرنا هذا. ***   على أن لبنان لم يكن، في يوم من الأيام، لدومينيك شوفالييه مجرّد موضوع للدراسة. بل إن هذا الرجل الكثير الأسفار قد جعل من بلادنا مقصداً منتظماً له ومحطّة مفضّلة من محطات جولاته. ولسوف يبقى أصدقاؤه الكثر يستشعرون ونبقى نحن تلامذته المقيمين في بلاد عادت ضحية للمجاذبات المستأنفة، نستشعر إلى أجل غير مسمّى فقدنا لهذا السند الذي كانت تمثّله لنا، في أسوإ المراحل التي عبرتها محنتنا الوطنية، زيارات دومينيك شوفالييه لنا وجلساتنا إليه. كان يحضر ليستمع إلينا ولكن عباراته كانت تقطع أيضاً، على غرار شفرات من نور، في أمر مزالقنا المتكرّرة والمتعارضة.   وفي أيام الحرب من صيف العام 2006، كان دومينيك شوفالييه يخابرني إلى بيروت كل يومٍ تقريباً. فهذا الرجل الذي كان ينأى به قناع غير حميم وكان يصعب على أيّ منّا أن يزعم الأُلْفة له، كان يسْتنفره جسداً وروحاً شعوره بالتضامن مع اللبنانيين المعذّبين أو المهدّدين الذين كان يمثّلهم عنده، في بعض الأحيان، وجه يعرفه. فلقد صدرت عنه عبارات هي عبارات الأب المفجوع ولكنها أيضاً عبارات الشاهد الثائر وهو يودّع تلميذين اثنين من بين ألمع تلامذته هما أنطوان عبد النور وسمير قصير وقد سقط كلاهما، بفاصل ربع قرن بينهما، برصاص طاغية المرحلة. ولقد أدركني، أنا أيضاً، صوته القويّ منتصراً لي عندما أمضيت أيّاماً من صيف العام 1982 في قبضة الأتباع اللبنانيين لجيش الاجتياح الإسرائيلي ثم في قبضة هذا الجيش نفسه. تلك بوادر ليس للبنانيين أن يأذنوا لأنفسهم بتناسيها. حظيت أيضاً بامتياز فاجع تمثّل في أنني كنت واحداً من أواخر اللبنانيين – وقد أكون آخرهم – الذين التقوا دومينيك شوفالييه. فقد استقبلني في منزله قبل رحيله بثلاثة أيام. وعلى جاري عادته، كان ، على الرغم من حاله الصحية التي بدت لي مثيرة لأبلغ القلق، قلقاً من جهته على لبنان. كانت بلادنا قد اجتازت، في السابع من هذا الشهر، ما بدا وكأنه الليل الأول من حرب أهلية جديدة. والحال ان دومينيك شوفالييه كان يجيب برتابة كلّما سألته إن كان محتاجاً إلى شيء من بيروت: “إلى السلام!” ستبقى ذكرى دومينيك شوفالييه في نفسي، على الدوام،  ذكرى المعلّم الاستثنائي والسند المعنوي الذي لا يهتزّ والصديق. وإذ أشاطر ذويه ألمَهم مشاطرة الصديق، أشعر بأن عليّ التقدّم بأحرّ التعزية أيضاً من الهيئة الجامعية الفرنسية ومن بلادي لبنان. – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/5/3/%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%89-%d8%af%d9%88%d9%85%d9%8a%d9%86%d9%8a%d9%83-%d8%b4%d9%88%d9%81%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%8a%d9%87#sthash.UTAnN2tp.dpuf

دُلّوا فلسطينَ على الصواب

http://www.almodon.com/opinion/d30c0103-6c66-401b-932d-2ec3a7688acf

قبل أيام، ذكر المكتب المركزي للإحصاءات في إسرائيل أن عدد سكان الدولة العبرية قد بلغ ثمانية ملايين وعشرة آلاف نسمة. وهو ما يعني أن العدد أصبح عشرة أمثال ما كانه في سنة 1948 تقريباً. ويحتسب الإسرائيليون في ملايينهم هذه عرب القدس الشرقية وعددهم 270 ألفاً ويحتسبون أيضاً نحواً من نصف مليون مستوطن يهودي أصبحوا مقيمين في الأراضي الفلسطينية التي احتلّت سنة 1967. وتبلغ نسبة اليهود من سكان إسرائيل 75,3 % وتبلغ نسبة العرب 20,7 % فيبقى 4% لغير العرب من معتنقي ديانة غير اليهودية. وفي هذه النسبة الأخيرة، يدخل مهاجرون من أوروبا الشرقية جاؤوا إسرائيل بصفتهم يهوداً ولكن لا ينطبق عليهم التعريف الإسرائيلي لليهودي. وكان ياسر عرفات قد أشار، في عشايا رحيله، إلى نوع من التساوي وجده حاصلاً بين عدد اليهود وعدد العرب المقيمين على أرض فلسطين التاريخية. وهو ما تثبت استمراره مقارنة الأرقام الإسرائيلية أعلاه بأرقام نشرتها السلطة الفلسطينية تتعلّق بأعداد الفلسطينيين في نهاية العام 2011. إذ ذاك كان في قطاع غزّة 1,6 مليون فلسطيني وفي الضفة الغربية بما فيها القدس 2,6 مليون وفي إسرائيل 1,37 مليون هم المعروفون باسم عرب 1948. فإذا أضفنا إلى هذه الأعداد 2 إلى 3 % تمثّل الزيادة السكانية في سنة وبعض سنة، وصلنا اليوم إلى عدد للعرب المقيمين على أرض فلسطين غير بعيد عن عدد اليهود الذي هو 6,42 ملايين بحسب الإحصاء الإسرائيلي المذكور أعلاه.  ثمّة شبه توازن إجمالي إذن على الصعيد السكّاني. ولا ضير من الإشارة هنا إلى كون هذا التوازن قد أصبح موعوداً بقدرٍ مرموق من الاستقرار. فإن الهجرة اليهودية إلى إسرائيل قد شحّ مخزونها كثيراً في العقد الماضي. فأصبحت لا تتعدّى بضعة آلاف كلّ سنة وتطرح الهجرة من إسرائيل، بدورها، عدداً معتبراً من هذه الآلاف نفسها. هذا فيما خرج الفلسطينيون من عهد الازدياد الانفجاري الناجم عن كثرة المواليد نازعين نحو الاقتراب من حال اليهود، على هذا الصعيد. ثم إن الفلسطينيين يهاجرون هم أيضاً حين يستطيعون إلى الهجرة سبيلاً. وهذا السبيل ضاق عليهم ضيقه على غيرهم، في العقود الأخيرة. ولولا ذلك لكانت هجرتهم أوقع مما هي عليه بالنظر إلى ظروف عيشهم البالغة العُسْر تحت نير الاحتلال والتمييز. هذا النصف الفلسطيني من سكّان فلسطين يقيم ثلاثة أرباعه، تقريباً، على نحو الخُمْس من أرض فلسطين التاريخية. وهو خمس ينازعهم فيه استيطان لا يوجد ما يدلّ على أنه مزمعٌ التوقّف عند حدّ. وهو أيضاً خمس يفسد عليهم الاحتلال حياتهم على ما بقي في أيديهم منه ويعطّل من مقوّماتها الكثير ويرهنها إلى حدّ خطرٍ بتواصل العون الخارجي. وما دام الاستيطان جارياً فلا أمل في جلاء الاحتلال الذي يحمي القائم من الاستيطان ويكفل توسّعه. من سنة 2000، تاريخ الانتفاضة الثانية، يقال للفلسطينيين إن جنوح هذه الانتفاضة نحو العنف كان خطاً فادحاً. وهذا  صحيح إذا قيست الأمور بعواقبها. ولكن لا يقال للفلسطينيين ما الذي كان عليهم أن يفعلوه، بعد ما فعلوه في أعقاب مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو، إن كانوا يبغون وقف الاستيطان وإجلاء الاحتلال. فهذان أمران لم يكونا قد حصلا، في سنة 2000، بنتيجة مدريد وأوسلو وهما لم يحصلا إلى اليوم. ثم إن الحكم على انتفاضة سنة 2000 يجري جرّه عادة على كل ما فعله الفلسطينيون بين هزيمة 1967 وانتفاضة الحجارة في أواخر الثمانينات من القرن الماضي. فيقال إن العنف الفلسطيني كان خطأ من أوّله وإن التفاوض، لا العنف، هو ما أنشأ السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزّة. ولكن العنف الفلسطيني، بعد 1967، وهو قد جرّ كوارث على الفلسطينيين وعلى غيرهم، هو أيضاً ما أعاد تكوين الشخصية الفلسطينية وفرض الفلسطينيين طرفاً في التفاوض. ولم يكن الفلسطينيون قد أنجزوا شيئاً أو حصلوا على شيء في 20 سنة تقضّت بين نكبتهم ولجوئهم إلى العنف. ثم إن التفاوض وصل، بعد إنشاء السلطة الفلسطينية، إلى جدار قد يكون جدار الفصل في الضفة الغربية تمثالاً مناسباً له. ولا يقدّم إلى الفلسطينيين اليوم أيّ دليل على أن التفاوض سيخرق هذا الجدار.  ولا يكفي القول إن التفاوض لم يوصل الفلسطينيين إلى حقّهم الاستراتيجي في إنشاء دولة وطنية لهم. بل يجب القول – وهذا هو الأمر الحاسم –  إن حصائل التفاوض لم تخرج الوطن الفلسطيني من سيرورته نحو التصفية. ليس الفلسطينيون في حال تحالف مع الوقت حين ينظر إلى الوقت على أنه وقت انتظار ليس إلا: وقت انتظار يمضيه الفلسطينون في موقع ثابت ليستأنفوا حركتهم نحو هدفهم في ظرف أفضل. ليس موقع الفلسطينيين ثابتاً بل هم في تراجع. هم في تراجع متواصل لأن وطنهم في قيد التصفية. ولم يبق اليوم من أحدٍ يصدّق نفسه فعلاً إذا هو نصح الفلسطينيين بالتعويل على مستقبل ما لما دعي “عملية السلام”. فلا القيادة الغربية لهذه العملية أوصلتها أو هي في صدد الوصول بها إلى خواتيم مقبولة. ولا التعلّق بأذيال الجبهة “الممانعة”، المتخذة من قضية الفلسطينيين غطاءً للاستبداد وقناعاً لمطامع إقليمية ذات صفة إمبريالية وطائفية معاً، أمكن أن يجني منه الفلسطينيون خيراً لهم. بل إن المواجهة بين هذين الخيارين أفضت إلى شقّ الفلسطينيين ونقل النزاع إلى صفوفهم. وهذا أسوأ ما يمكن أن تجنيه جماعة وطنية مأسورة في الوضع الذي هو وضعهم.  هذا وآخر ما تطمح إليه السياسة الإسرائيلية – وهي سياسة لا تلقى في إسرائيل مقاومة يعتدّ بها – يرجّح أن يكون حمل الفلسطينيين، في المدى الطويل، على الخروج من فلسطين. ذاك معنى القول المنتشر في إسرائيل بصدد النزاع الإسرائيلي الفلسطيني: القول إنه لا توجد ضرورة تملي حلّ هذا النزاع. هذا قول قديم أصلاً تستعيده السياسة الإسرائيلية اليوم. وليس معناه أنه لا يوجد حلّ جارٍ لهذا النزاع. بل معناه الوحيد أن الاتفاق على الحلّ مستثنى من بين إجراءات هذا الأخير. الحلّ يرسمه ويمليه طرف واحد هو الطرف الإسرائيلي. والمطلوب من الطرف الآخر لا يتعدّى التنفيذ أو بالأحرى تحمّل التنفيذ. التنفيذ أي الخروج، في نهاية المطاف، من فلسطين.  ذاك ما سيتبدى أيضاً حين يجد الطرف الإسرائيلي ضرورة لإيضاح ما يقصده بـ”الحلّ الأردني” للمسألة الفلسطينية. المعنى الإسرائيلي لـ “الحل الأردني” أن إسرائيل ليست ملزمة بترك شيء يُذْكر مما في يدها طلباً للحل. أي أنها لن تترك شيئاً ذا أهمية من الوطن الفلسطيني الذي تتواصل فيه حركة الاستيطان وأنه سيكون على الفلسطينيين أن يتوجّهوا إلى الأردن. قد يترك لهم شيء من الضفة الغربية لا يخلو من شبه بقطاع  غزّة الذي وجدته إسرائيل غير صالح للاستيطان فأخْلته. سيكون هذا نوعاً من التسهيل لرسم الوقائع الأخيرة وإرسائها. ولن يحصل تهجير بالقوة في أيام أو أشهر. التهجير (المسمّى في التاريخ الصهيوني باسمه الأوروبي: “ترانسفير”) فعلٌ تاريخي بكل معنى الكلمة. وهو سيحصل بضرب شروط البقاء في مدى عقود. في مدى هذا القرن الذي لا نزال في أوائله، مثلاً. هذا جارٍ تنفيذه من عقود أيضاً وهو يكاد يغني عن عدّ العقود ويبطل الحاجة إلى حلّ آخر للمسألة الفلسطينية مشروط بالاتفاق. أيكون معنى “الحلّ الأردني” أيضاً حرباً أهلية مفتوحة في الأردن؟ فلتكن متى أزف يومها. يبقى أن الفلسطينيين ما زالوا قرابة ستة ملايين في فلسطين التاريخية. ويقيم نحو من خمسة ملايين فلسطيني آخر في البلاد العربية ومعظمهم في بلاد الطوق المحيطة بفلسطين بما فيها الأردن. وهم سيفعلون شيئاً لوقف ما يجري لهم سواء أكان هذا الذي يجري خطة مرسومة أم سياسة ارتجالية، ماضيةً في سبيلها عفوَ الخاطر العنصري. سيفعل الفلسطينيون شيئاً ولن ينجو جوار فلسطين مما سيفعلونه. وسيضطرّ القائلون إن القضية الفلسطينية قد “انتهت” إلى اكتشاف هذه القضية مجدداً. والأرجح أنهم سيقولون إن الفلسطينيين على خطإ في ما يفعلونه والأرجح أيضاً أنهم سيكونون مصيبين في قولهم هذا. ولكن الفلسطينيين لن يرعووا وسيمضون في الخطإ المزعوم إلى حيث يستطيعون.  وذلك أن أسهل الأشياء وأصوبها أن يقال للفلسطينيين إنهم مخطئون. ولكن منتهى اللؤم أن لا يقول أحد للفلسطينيين ما هو الصواب؟ ليُقلْ لهم، في الأقلّ، إن الصواب قد مات!                     – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/4/25/%d8%af%d9%84%d9%88%d8%a7-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d8%a7%d8%a8#sthash.ZbkEglXj.dpuf

زُحامُ بيروت ومعنى الحياة

http://www.almodon.com/opinion/b1c6e6d3-97cf-443e-8e15-6f5b746ccfd5

بين حينٍ وحين يخطر لي أن زحمة السير في بيروت، وفي الطرق المفضية إليها، منطلقٌ صالح للتأمّل في معنى الحياة. أقول “منطلق” ثم أفطن إلى كون الانطلاق هو ما يعزّ حصوله في الحالة التي تستوقفني. “استوقَفَ” التي فرضت نفسها عليّ الآن أوفق بكثير من “المنطلق”. لا آتي شيئاً غير مسبوق حين أفترض أن أمراً من نُثار حياتنا اليومية في المدينة يصلح أرضاً نقلّب عليها مسألة من مسائل ما بعد الطبيعة: مسألةً ليست أيّة مسألة وإنما هي مسألة المسائل. ما الذي يبقينا في قيد الحياة ويثنينا عن الإقدام على الانتحار؟ لا آتي شيئاً غير مسبوق إذن. ففي قراءات شبابي، وقعت كما وقع غيري في الكون والعدم لجان بول سارتر، على مثال خادم المقهى الذي يمثّل دور خادم المقهى وعلى مثال الرجل والمرأة اللذين يلتقيان على مقعد في حديقة عامّة، وعاينْتُ نفاذ الفيلسوف من هذين المثالين المستمدّين من الحياة “العاديّة” ومن أمثلة أخرى تشبههما إلى أبعاد يتعين بها وجود البشر كله في فرادته. لكنّ عليّ أن أعود مرّةً أخرى إلى مفرداتي لأُظهر إملاءَ التعبئة النفسية المتعلّقة بموضوعي ألفاظاً بعينها توافق مناخ الموضوع وأخرى لا تخلو من هزء بهذا المناخ. فمن العبارات الموافقة هنا قولي “أرض نقلّب عليها مسألة”. فإن ثبات الأرض وحصول التقليب في موضع ثابت منها أيضاً يوحيان بالحال التي يكون فيها العالق في سيّارة أجرة تتسلّق به شارع بشارة الخوري في ساعات وسط النهار نحو السوديكو. ومن العبارات غير الموافقة أو الساخرة قولي”شيء غير مسبوق” إذ لا شيء مما يكون فيه هذا الراكب يبيح ذكر “السَبْق” أو “السباق”. هذا ما لم يكن المقصود ذاك النوع الداخلي من التسابق الذي يبيح للراكب استشعار هجمات السيّارة على من أمامها أو حولها وهي واقفة لا تريم عن موضعها تقريباً. معنى هذا أن الاحتباس في سيارة أجرة فرصة للبحث في أهلية الكلام وشروطها وليس في معنى الحياة وحسب. أعود إلى الهزء والسخرية. هذان قد يكونان طعناً في قيم مستقرّة فيجنحان بالمرء إلى القول إن الحياة لا معنى لها، في نهاية المطاف، وإنه يحسن به أن يضع حدّاً لحياته. ولكنهما قد يكونان أيضاً قوّةً مقابلة للمراوحة التي يشير إليها “التقليب على الأرض” فيسعفان في تحمّل هذا الوقت… هذا العيش الذي يأكله الزحام ببطءٍ لا يطاق. أقبل قول صاحبنا إن “خفّة الكينونة” “لا تحتمل”، ولكن ما يختبره الراكب في تلك السيارة البيروتية هو أن البطء، لا الخفّة، هو ما يأكل معنى الحياة ويحيلها إلى “شيء لا يطاق”. وذاك أن البطء، في هذه الحالة، يأكل الحياة نفسها ومعناها معها. وهذا ليس دأبه دائماً. فالبطء قد يكون مطلوباً في القبلة، مثلاً، أو في تذوّقك كسْرة شوكولا. فههنا تجد الفجيعة سبيلها إلى الوجود البشري من باب إفضاء الأشياء المحتوم إلى نهاية لا من باب المراوحة فيها بلا نهاية. في سيّارة الأجرة يكون الوقت متاحاً للسؤال عن قيمة حياة تمضي منها أربع ساعات من كلّ يوم، مثلاً، في واحدة من هذه السيارات، الوسخة المقاعد والمتداعية الأركان، وأنت ذاهبٌ إلى عملك وعائدٌ إلى مسكنك. ويتحدّد الجواب، في وجه من وجوهه، بقيمة ما تفعله في عملك بعد أن تصل إليه وما ينتظرك في منزلك متى عدتَ إليه. فتوشك الحياة أن تجتمع أطرافها وتنتظم بكلّيتها حول وقت الانتقال الموسوم بميسم الضياع وَسْماً لا رجعة فيه. وهو وقت ضائع بأشدّ المعاني قوّةً لأنه يكاد لا يحتوي شيئاً غير التضجّر من ضياعه ويكاد يطيح ما يحفّ به من الوقت من جهتيه. إذ هو يطرح السؤال المتعلّق بوجاهة ما يسبقه وما يلحقه واستحقاقهما هذا العناء كلَّه. وهو يفضي من هنا إلى إيماضات الحيرة في الاختيار ما بين المضيّ في عيش هذه سيرته والانتحار. ومعنى “الحيرة” أن تروح وتغدو بين أمرين يبدوان متساويين في القيمة، على اختلافهما أو تعارضهما في العاقبة. ومعنى “الاختيار” أن ترى أمراً من الأمور “خيراً” من غيره. فما الذي قد يُخرج وقتَ الاحتباس في الزحام هذا من الضياع كليّاً أو جزئيا؟. لا يؤمل هذا من مذياع السيّارة إلا في ما ندر، إذ لستَ محكّماً في ما تَسمع، وأنت الراكب المسكين المتّهم بأنك لا تدفع بدلاً عادلاً يوازي، بزيادته، الزيادة المتواصلة في أكلاف نقلك. ما تسمعه يُمْلى عليك ويندر أن يوافق ذوقك أو همومك بل هو كثيراً ما يناطح ميولك رأسيّاً. لا شيء تفعله، فوق ذلك، في سيارة أجرة: ليس متاحاً، بلا إزعاج للغير، أن تقرأ كتاباً أو جريدة على غرار من يسافرون في وسائل النقل العام الرفيعة السويّة في بعض مدن العالم. ولا يغنيك، إلا استثناءً، أن تسمع شكاوى السائق. وذلك لأسباب تتّصل، كما في حالة المذياع، بتنافر الرؤى والأمزجة. وهذا مع العلم أنك قد تتعلّم من السائق أشياء تتصل بالمدينة والمجتمع إذا كنت مستعدّاً للتجاوز عن التنافر المشار إليه طلباً لهذا الصنف من المعارف. أكون أم لا أكون؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه عليك زحام بيروت. ولكن يجوز أيضاً أن نبقى على مستوىً أكثر سطحية أو أقلّ جذرية مما بعد الطبيعة وهو المستوى الاجتماعي. فنؤجّل السؤال عن معنى الحياة بإطلاقه لنسأل عن شروط الحياة سويّةً. والمدخل الأوسع إلى هذه المسألة الأخيرة هو، على الأرجح، طريقة اللبنانيين في سياقة سياراتهم، في الزحام خصوصاً وفي غيره أيضاً. وهو أيضاً تباين المصائر بين المنتقلين لجهة وسيلة النقل. وهو أخيراً موضوع المشاة والدراجات النارية وعلاقتها بالسيارات وبسائقيها. في مسألة السياقة، يفي بالغرض قول القائلين السائر إن العلاقة الغالبة بين سائقي هذه الألوف المؤلّفة من السيارات إنما هي علاقةُ قتالٍ وإن اللبنانيين يخوضون على الطرق وفي الشوارع حرباً أهلية دائمة. وفي مسألة العلاقة بوسيلة النقل، لا يستوي المنتقل في سيارة السرفيس المتهافتة والمنتقل في السيارة المكيّفة، يَسْمع من الموسيقى ما يشاء ويُخرس من الإذاعات ما يشاء. والحسد الطبقي شعور مؤكّد بين الفئتين وهو قد يغشّي وحدة الحال الماورائية المتحصّلة من الاحتباس والوقت الضائع.  وأما المشاة فهم الضحايا الناقمون على من عَداهم وعلى البلدية والدولة. وأخصّ من تنزل عليهم نقمة المشاة سائقو الدرّجات النارية الذين يتقافزون بين السيارات المتوقفة وينقضّ هذا أو ذاك منهم على العابر، من خلف سيّارة ما، فيما يلحق آخرون منهم بالمشاة إلى الرصيف الضيق الذي أكلت بعضه سيارات ودراجات أخرى متوقفة بالطول أو بالعرض. ذاك مدخل ممتازٌ إلى تأمّل آخر: وهو التأمل في إفضاء أنواع من البوادر المتكررة، الفردية على الرغم من تكرارها، إلى استحداث عداء اجتماعي يشتمل على فئة عريضة من الناس برمّتها. سائقو الدرّاجات النارية، وهم، في معظمهم، كادحون يجهدون لكسب لقمتهم، نموذج للفئة التي يستجلب بعضها بُغْضاً يشمل سائرها ويستدرج بعض سلوكها غضباً يشتمل على أشخاصها. معلوم أن هذا المساق هو أوّل العنصرية التي قد لا تظهر بتمام صَلَفها في الحالة التي نحن بصددها. ولكنها تستقي من بعض الحالات وقوداً لحالات أخرى. كان ألبير كامو يقول إن الانتحار هو المسألة الفلسفية الوحيدة “ذات الصفة الجدّية حقّاً”. هذا ما يفطن إليه أو إلى ما يشبهه العالق كلّ يوم في زحام بيروت.         – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/4/18/%d8%b2%d8%ad%d8%a7%d9%85-%d8%a8%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%aa-%d9%88%d9%85%d8%b9%d9%86%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9#sthash.K8Dn7DOB.dpuf

المُحال نظاماً للحُكْم

http://www.almodon.com/opinion/a7aeaac1-3285-4053-ab12-efe735564cda

مع مباشرة الرئيس المكلّف تمام سلام جهوده لتأليف حكومة جديدة، تعود إلى بساط البحث أصناف الحكومات التي تتوزّع القوى السياسية بين تفضيل هذا منها وتفضيل ذاك أو ذلك. يطرح، بالتالي، السؤال المتعلق بالصنف ذي الأفضلية العامة: أي ذاك الذي يتيح شعوراً بالإقبال على مرحلة تسيير لأمور البلاد يمكن وصفه، على وجه الإجمال، بالسلاسة ويوحي طمأنينة لجمهور المواطنين إلى إمكان معالجة تكون على قدْر مُرْضٍ، نسبياً، من النجاعة والإنصاف للمشكلات العامة… ليست هذه الأصناف من التشكيل الحكومي كثيرة العدد: في نطاق الممكن اللبناني، هي ثلاثة أو أربعة. ويسع المتأمل أن يستعرض، دون حاجة إلى الإطالة، ما يترتب على اختيار كل منها من نتائج تتصل بفاعلية الحكم وبتمادي الشعور في البلاد أن الحكم قد خرج أو هو في سبيله إلى الخروج من حال الأزمة. وهو الشعور الذي راود اللبنانيين في الأيام الأخيرة مع ما ظهر من إجماع النواب على تكليف سلام. هل  يسع هذا الشعور أن يدوم وما هو التشكيل الحكومي الذي يكفل له حظوظاً مقبولة في الدوام؟ هل ما يزال متاحاً، أصلاً، في الطور الراهن من أطوار الحياة السياسية اللبنانية، تشكيل حكومي له هذا المفعول؟ يستحسن البدء من الصيغة التي مثّلتها حكومة نجيب ميقاتي المستقيلة. كانت حكومة أكثرية. تألفت، من حيث الأساس، مما يسمّى تجمع 8 آذار وقد حوّله إلى أكثرية نيابية مددٌ جنبلاطي منح سيّد المختارة، القادر، في أيّ وقت يختاره، على تبديل موقعه، قدرة على ابتزاز الأطراف الأخرى لا تجد تفسيراً لها في الوزن المطلق للقطب الجنبلاطي (وهو وزن الأكثرية من طائفة ضئيلة الحجم والإمكانات) بل في الوزن النسبي الذي يحصّله صاحبه من حُسْن اختيار الموقع. إلى جنبلاط، عزّز الأكثرية الجديدة رئيس الحكومة نفسه وزميل طرابلسي واحد له. وهذه قوّة لم يكن يستر هزالها غير القدرة ذات المصدر الدستوري على  إطاحة الحكومة باستقالة رئيسها.  هذا مدخل مقبول إلى تقدير “الطريقة” التي مثّلتها حكومة نجيب ميقاتي في التعبير عن الأزمة المتمادية التي تعصف، من سنوات باتت كثيرة بالنظام الطائفي. فإن تكوين هذه الحكومة جعل موازين الطوائف فيها (وليس موازين القوى السياسية وحدها، فهذا يعتبر مقبولاً) في حالٍ من الخلل الفادح. فإذ بقي التيار الحريري وقوى سنّية أخرى في صف المعارضة، بدا ان الطائفة السنية ممثّلة بما قد لا يبلغ 30 بالمائة من أثقالها السياسية. هذا فيما تمثّلت الطائفة الشيعية بما قد يزيد عن ثمانين بالمائة من أثقالها، وهذا في مرحلة وصل فيها التعارض بين الخيارين السياسيين العامين للطائفتين (أي، على التحديد، بين خياريهما في المجال الإقليمي) إلى أقصى حدّته. على الجبهة المسيحية، كان التقدير، في أول الأمر، أن التيار العوني المهيمن سعيداً على التمثيل المسيحي في الحكومة، ومعه أطراف أخرى ثانوية، تمثّل سويّة نحو 50 بالمائة من المسيحية السياسية… ثم انخفضت هذه النسبة، شيئاً ما، في تقدير ذوي المعرفة، نتيجة لما ظهر من أداء محبط للحكومة كلها ولوزرائها العونيين، على التخصيص. أخيراً، كان يمكن القول أن ما يزيد على 80 بالمائة من القوة الدرزية السياسية ماثلة في صفوف الحكومة أيضاً. معنى هذا أن حكومة ميقاتي أحدثت حدثاً لا يطيقه منطق النظام اللبناني وثابرت على تمثيل هذا الحدث مدّة عمرها غير القصير. والحدث المشار إليه مزدوج. 1- طبع الحكم بطابع طائفي غالب (هو الشيعي) وطبع المعارضة بطابع طائفي مقابل (وهو السنّي). 2- اختلال داخلي بين المكونات الطائفية للحكومة نفسها نجم، على الأخص، من ثقل التمثيل الشيعي فيها أي بحضور التشيع السياسي، بقضّه وقضيضه تقريباً، في الحكم، فيما بدت الكتلتان الطائفيتان الأخريان (من الثلاث الكبيرة) ناقصتي الحضور إذا قورن تمثيلهما بالتمثيل الشيعي، على التخصيص، وبالدرزي أيضاً.  معنى هذا أن رعاية الميزان العددي لتوزيع الحقائب بين الطوائف أثمرت، عوض الشعور بالإنصاف أو “التوازن”، شعوراً بالتباعد الفادح بين ثقل الطائفة المقرّر في الصيغة وثقلها المتحصّل في الحكومة. وهو ما يأباه بشدّة منطق النظام الطائفي وقد أصبح أشدّ إباء له منذ اتّفاق الطائف. وتكاد لا توجد حاجة ههنا إلى ذكر السلاح الشيعي الذي يمنح أصحابه، أية كانت المزاعم المتعلقة بوظيفته الحصرية، وطأة على الأطراف الأخرى تثقل وتخفّ، شأن كلّ شيء في السياسة، ولكن يتبين، في نهاية المطاف، أنها لا تطاق.  عند التأمّل في هذه الحالة (وفي أخرى سبقتها هي حالة حكومة فؤاد السنيورة بعد استقالة الوزراء الشيعة منها في خريف سنة 2006) يثبت أن الخللين المشار إليهما أعلاه أصبح محتوماً ظهورهما في كلّ حكومة أكثرية في هذه الجمهورية ما دامت خطوط الفصل السياسية الرئيسة تجري بين طوائف أو ، على الأصحّ، بين قوى سياسية أفلحت كل منها في فرض تمثيلها لطائفة من الطوائف ونحت نحو الانحصار في هذه الطائفة. ويحتّم ظهور الخلل الثاني سيادةُ حالٍ من المواجهة السياسية الحادّة بين القوى السياسية الممثلة لهذه الطائفة تقابلها حالة انسجام ووحدة توجّه بين القوى الممثّلة لتلك… يشير هذا إلى ما حصل (وما يزال ينتظر حصوله) إذا غادرنا صيغة حكومة الأكثرية إلى ما سمّي (ويسمّى اليوم مرّة أخرى) “حكومة الاتّحاد الوطني”. دعنا من كون هذه التسمية لا تدلّ، في المصطلح السياسي العامّ، على ما أصبحت تدلّ عليه في لبنان. الأهمّ أن الطوائف ستكون حاضرة ههنا ممثّلة بقواها السياسية الرئيسة، في الأقلّ، وفاقاً لما استقرّت عليه أعراف التوزيع وما تسفر عنه مفاوضات التأليف. وستنجح هذه الأطراف المتنافرة نجاحاً إجمالياً في مزاولة فنّ المحاصّة في المنافع والخدمات، فهو فنّ تتقنه فيما يتعدّى كل خلاف سياسي. ولكنها ستواجه مسائل سياسية فعلية لا يسعها الفرار من مواجهتها. وسيكون بعض هذه المسائل ثقيل الوطأة حاسماً. وهو إما أن يصحب مسار الحكم، دون انقطاع تقريباً، فيجبهه بتحدّ ثابت، وإما أن ينفجر في وجه الحكومة عند استحقاق قرار ما بعينه. هذا ما حصل لحكومة سعد الحريري فثبت أن كلّ حكومة تُزْعم لها صفة “الوحدة الوطنية” هذه إنما هي حكومة ملغومة تدار أمورها (وأمور البلاد من ورائها) في مناخ أزمة وتكتشف البلاد، عند انفجار اللغم، أنها – أي البلاد – مقيمة في حال أزمة مفتوحة. يبقى ما يسمّى الحكومة الحيادية ويطلق على واحد من تجلياتها اسم حكومة التكنوقراطيين. هذه حكومة تجعلها شدّة الاستقطاب الآخذ بخناق البلاد ضعيفة حكماً. ولا يمكن أن يتجاوز دورها نطاق الاستثناء أو الاستراحة. فهي ستواجه، حالما تضطرّ إلى اتّخاذ قرار سياسي من النوع الذي أبعد القوى السياسية الرئيسة عن الحكم، غضب هذه أو تلك من القوى المذكورة. وسيتلاشى  أو يضعف ما كانت قد لقيته من قبول أملاه استحكام الأزمة السياسية. وسيعجّل في هذا التلاشي أن القوى السياسية الرئيسة تستعجل حكماً العودة إلى جنّة الحكم. وهذا مع العلم أن صفة الحياد لا تلبث أن تستحيل، بفعل الضغوط الطائفية على الوزراء، إلى قناعٍ زائف وينقلب المناخ السياسي في الحكومة وخارجها إلى مناخ تراشق بتهم الانحياز والخروج عن الجادّة… في مشاورات التأليف التي أجراها الرئيس المكلّف تمام سلام، ذكر حزب الله ضرورة تمثيل “الأوزان” متجاهلاّ كون “الأوزان” هي ما مثّل علّة الحكومة الميقاتية. ونحت أطراف أخرى من تجمع 8 آذار (أبرزها التيّار العوني) نحو المطالبة بحكومة سياسية، أي بالعودة إلى صيغة “الاتّحاد الوطني” في الحكم. وهذا من قبيل تجريب المجرّب. وأبدى الرئيس المكلّف وبعض قوى الرابع عشر من آذار ميلاً إلى الحكومة الحيادية.  الحال أنه لا توجد، في نطاق الإمكان اللبناني، صيغٌ غير ما ذكرنا. معنى هذا أن العهد الذي كان النظام الطائفي فيه قادراً على تحصيل صيغة للحكم موافقة لمعاييره هو نفسه قد ولّى. يبقى، مع ذلك، أن مهمّة تمّام سلام أن يشكّل حكومة تشرف على الانتخابات النيابية. وهذه حكومة تتّسم بالضرورة بقصر العمر وتعزّز مهمّتها حجّة القائلين بالتشكيلة الحيادية. فهل تعني مطالبة أطراف سياسية رئيسة بحكومة سياسية اقتناع هذه الأطراف بأن عمر الحكومة السلامية قد يطول لأن الانتخابات سيطول انتظارها كثيراً؟       – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/4/12/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%a7%d9%84-%d9%86%d8%b8%d8%a7%d9%85%d8%a7-%d9%84%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%85#sthash.ZF43YsCE.dpuf

معضلة قانون الانتخاب

http://www.almodon.com/opinion/0115f5e4-8e0e-4e43-8e47-8210d9de73d5

في ما يتعدّى ما علّلت به مباشرة استقالة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، تبدو مسألة الانتخابات النيابية والقانون الذي يفترض أن يرعاها عقدة يتركّز فيها الاستعصاء العامّ الذي يعانيه النظام السياسي اللبناني في هذه المرحلة الحاضرة. فلو ان التقدّم بدا ممكناً نحو اعتماد قانون يرضي القوى السياسية الكبرى في البلاد لأمكن، مع اعتماد هذا القانون، وضع حدّ لمسار تلك الحكومة البائسة ومباشرة البحث في تشكيل حكومة تتولّى إجراء الانتخابات، تحت إشراف الهيئة المسؤولة، ولكان رحيل الحكومة الميقاتية يعدّ خروجاً، ولو مؤقّتاً، من المحنة التي مثّلتها أزمة العلاقات بين أطرافها وغلبة الشلل وتباين المسالك على أدائها وعرجها الطائفي الواضح.

ولكن الحاصل اليوم هو أن تأجيل الانتخابات النيابية أو تعذّر إجرائها في موعدها، بالأحرى، أصبح أمراً مقضيّاً بعد أن جُعِل أمراً واقعاً.. وأن هذا التأجيل قد يطول. فهو قد يبدأ بمهلة قصيرة تعتبر لازمة للحوار ثم لا يفضي الحوار إلى شيء لأن الحبكة التي أثمرت الاستعصاء لم يتغير فيها شيء أو هي لا تني تزداد إحكاماً. فتنتقل البلاد إلى تأجيل أطول مدّة للانتخابات على نحو عرفه اللبنانيون حقّ المعرفة في عقد ونصف عقد مشؤومين استغرقتهما حروبهم المديدة.
ما الذي يجعل التفاهم على قانون جديد للانتخاب مستصعباً إلى هذا الحدّ؟ نزعم أنه، من جهة الداخل، إفضاء الانتظام السياسي في البلاد، منذ أعوام الحرب، إلى نوع من الانحصار في تنظيمات ذات جمهور وحيد الصفة الطائفية. فإن هذه الحال قد أنشأت تلازماً بين كلّ من الطوائف الكبرى – كلّها أو جلّها – وحزب واحد أو اثنين يحتكران تمثيلها والمفاوضة باسمها. وهو ما صحبه انكفاء واسع النطاق لأدوار الزعامات غير الحزبية.. ولو ان الأحزاب الجديدة لبثت، في بعض الحالات، ملتئمة حول شخصيات أو حول عائلات تنتمي إليها الشخصيات.
ومن بين النتائج التي أدّت إليها عملية الضمّ والفرز هذه جعل نتائج الانتخابات قابلة للتوقّع في حال الأكثرية الساحقة من المقاعد. أدّت العملية نفسها إلى تيسير احتساب النصيب الذي تؤمنه كل صيغة محتملة لقانون الانتخاب لكلّ من التنظيمات المهيمنة على المشهد السياسي. وهو ما يجعل كلاً من هذه الصيغ تثمر خاسرين هنا ورابحين هناك ويجعل الرابح ينقلب خاسراً والخاسر رابحاً، ولو في حدود، إذا اعتمدت صيغة أخرى. ولما كانت مواضع الربح والخسارة معلومة سلفاً في كلّ حالة فإن التوافق على صيغة، مهما تكن، يضحي أمراً عويصاً للغاية. وذلك أن هذه الصيغة المرتجاة يجب أن تؤمن “الربح للجميع” على غرار ما كان يحصل في برنامج تلفزيوني فرنسي للأطفال كان يدعى “مدرسة الأنصار”. و”الربح للجميع” يمكن العثور على صيغة تتيحه في اللَعِب ويتعذّر ذلك في الانتخابات.
ولا يصعب استقراء صور اتّخذتها هذه العقدة في المواقف التي توزّعت بينها قوى الطوائف أثناء الجدل الذي شهدته الأشهر القليلة الفائتة بصدد القانون الانتخابي. فإن ما أبداه التيار الحريري والحزب الجنبلاطي من معارضة للقاعدة النسبية يجد تفسيره الواضح في كون هاتين الجماعتين الغالبتين في دوائرهما لا تريدان من يقاسمهما مقاعدها. هذا فيما تبلغ قوة الثنائي الشيعي مبلغاً يبيح له قبول النسبية من غير أن يتكبّد خسارة تذكر لصالح الأقليّات المتناثرة في مناطقه. وأما الأحزاب المسيحية الكبيرة فيسعها أن تتوقّع، إذ تخوض الانتخابات بعضها في مواجهة بعض، نوعاً من التعادل التقريبي بين الربح والخسارة تأتي به القاعدة النسبية لكل منها. وهذا مع العلم أن هذه الأحزاب تمثّل استثناءً، وإن يكن محدوداً، إذ تشيل حظوظها وتحطّ أكثر من غيرها بحسب المزاج الناخب ويبرز نوع من الصعوبة في توقّع الأنصبة التي قد يحصل عليها كلّ منها في الكتل الناخبة المسيحية.
يزيد من تلك الصعوبة (وهي نسبية) أن هذه الأحزاب، على كونها مسيحية، هي، على التقريب، الوحيدة الباقية على شيء من التعدّد الطائفي. فلا ننسَ أننا اعتدنا في الأعوام الأخيرة أن نميل عند ذكر المسيحيين إلى تناسي كون هؤلاء دستةَ طوائف لا طائفةً واحدة. وذاك أن شعورهم بما طرأ على المكانة التي كانوا يحتلونها من تراجع على غير صعيد، في ظروف الحرب وبعدها، نحا إلى تمويه الفواصل السياسية بين طوائفهم وإلى جعلهم يبدون وكأنهم طائفة واحدة. وهذا ظاهر له وجاهته ولكنه يصبح مخاتلاً، شيئاً ما، حين يتعلق الأمر بالسلوك الانتخابي.
في الصدد نفسه، يتّضح معنى معارضة النواب المستقلين عن الأحزاب من المسيحيين لقانون اللقاء الأرثوذكسي: أي للدائرة الواحدة والقاعدة النسبية ولاستواء كل من الطوائف هيئة ناخبة منفصلة. فإن هذا المشروع يجعل مصير النوّاب المشار إليهم أشدّ تبعية للأحزاب المتحكمة بطوائفهم ويفتح الباب لها للاستغناء عن بعضهم إذا شاءت. وهو يحكم عليهم، فوق ذلك، بخسارة من كان يؤيدهم من الطوائف الأخرى في دوائرهم. وهذا تأييد أخذ يصبح في المرحلة الأخيرة أكثر تحسساً لإرادة الأحزاب الرئيسة لهذه الطوائف وقياداتها.
على أن الأمر الأهم، منذ 2005 على الأقلّ، يبدو حساب الأكثرية والأقلية العامتين في مجلس النواب. فهو يعلو، بمعنىً ما، على حساب الأنصبة التي يُحتمل أن ينالها الأفرقاء كلّ على حدة. لذا تجد بعض القوى الطائفية الكبيرة نفسها محمولة، بما يشبه الإيثار غير المالوف في السلوك الانتخابي، على مدراة ما يراه هذا أو ذاك من حلفائها الثابتين مصلحة له. وهي تقبل هذه المدارة لتحصل، في الحساب العام، على أكثرية، تؤمّن لها، لا الوصول إلى الحكم وحسب، بل تصدّر الحكم والتحكّم به إلى أقصى حدّ متاح.
هذا الاستعصاء الذي يحول اليوم دون الاتفاق على قانون للانتخاب ترضى به القوى الطائفية الكبيرة، كان يجد له حلاً في العهد السوري هو ما تمليه إرادة الحكَم صاحب السلطان. وقبل مرحلة الحرب، كان اختيار صيغة لقانون الانتخابات يقع في يد رئيس الجمهورية ويمثّل مظهراً رئيساً من مظاهر قبضه  على مقاليد التحكيم، في البلاد، وسبيلاً إلى هذا القبض. وقد كان إفراط الرئيس في ممارسته هذه السلطة، في بعض الدورات، واحداً من عوامل أفضت إلى خلل كبير في الوضع السياسي العامّ في البلاد. ثم أصبحت هذه الممارسة متعذّرة بعد الحرب وأخذ يباشرها، على ما سبقت الإشارة إليه، المفوّض السامي السوري. وحين رحل هذا الأخير، لم تعد سلطة التحكيم إلى يد الرئاسة الأولى. فإن عودتها باتت محالاً، لا بحكم الدستور وحده (وهو يقبل التعديل)، بل بحكم ملازمة الصفة الطائفية للرئاسات الثلاث، أوّلاً، وما باتت تمثّله هذه الصفة، بعد الحرب، من تثليث أو تربيع طائفي، رجراجٍ وغير مؤسّسي، معلنٍ أو مكتوم، للسلطات كلها.
وفي انتخابات 2005 التي تبعت خروج القوّات السورية من البلاد مباشرة، اعتُمد في ذروة الاستقطاب بين التكتلين الشهيرين علاجٌ عجيب هو الحلف الرباعي الذي عامل هذين التكتلين وكأنهما غير موجودين في الانتخابات. كانت لا تزال توجد، إذ ذاك، جسورٌ في المجال الإقليمي تبيح، وإن تكن مهتزّة، سلوكَ مثل هذا المخرج.  وفي سنة 2009، جرى الارتداد إلى ما يسمّى “قانون الستين” بفعل إرادة خارجية جامعة مثّلها مؤتمر الدوحة. هذه الإرادة هي التي تبدو اليوم عزيزة المنال جداً، في ظرف الصراع في سورية والصراع عليها. فيبدو أطراف الساحة اللبنانية أهون شأناً وأضيق حيلة من أن يقووا على اتّخاذ قرار بمفردهم في شأن يفترض، في المبدإ، ألا يخصّ سواهم. هذا كله لا يحمل على التفاؤل بخير لمستقبل المؤسسات السياسية في البلاد. ولا نقول شيئاً الآن عن مستقبل البلاد نفسها دولةً ونظاماً.

– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/4/4/%d9%85%d8%b9%d8%b6%d9%84%d8%a9-%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%ae%d8%a7%d8%a8#sthash.WGJRPOYv.dpuf

ولكن أين تقع مزارع شبعا؟

http://www.almodon.com/opinion/a0b092a5-1202-4478-a270-b7e86d5cba58

في 22 من آذار الجاري، ناقش الباحث الفرنسي الشابّ ماتيو سيمينو في الكوليج دو فرانس رسالة لنيل الدكتوراه في العلوم السياسية كرّسها لمسألة مزارع شبعا وجعل لها عنواناً “اختراع مشكلة إقليمية”.  كانت الرسالة مسجّلة في معهد الدراسات السياسية في باريس وكان المشرفان عليها، وهما المستعربان الغنيان عن التعريف جان بيار فيليو وهنري لورنس، قد جعلاني عضواً في لجنة المناقشة ومقرّراً لها. وقد حال دون سفري داعٍ صحيّ فاكتفيت بإرسال تقريري. في 577 صفحة مرصوصة لنصّ الرسالة تبِعَتها 146 صفحة للملاحق من خرائط وصور ووثائق أخرى متنوّعة، بسط الباحث وناقش، لا عِقْداً وبعض عقد من مسار موضوعه هما ما انقضى منذ بعثت المسألة مع تحرير جنوب لبنان المحتلّ في سنة 2000 ولا 45 سنة هي ما تقضّى منذ الاحتلال الإسرائيلي للجولان ولمزارع شبعا بل 90 سنة ممتدّة من عام 1920 إلى عام 2010، أي من الوقت الذي نشأت فيه مسألة الحدود المثلّثة بين فلسطين ولبنان وسورية إلى غدوات الحرب الأخيرة في صيف 2006 وقد أنشأت، مرّة أخرى، وضعاً جديداً في منطقة الحدود تلك وفي ما يتعدّاها. إلى الزيارات المتكرّرة للمنطقة في الدول الثلاث التي تتقاطع حدودها هناك وإلى المقابلات والموادّ المنشورة، استثمر الباحث كنوز المحفوظات الفرنسية والبريطانية في مرحلة الانتداب، على اختلاف مراحلها الكبرى، ولم يهمل محفوظات مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت ولا الموادّ المتعلّقة بالأمم المتّحدة في مكتبة الإسكوا ولا أوراق وزارة الخارجية اللبنانية ولا، أخيراً، بعضاً (قليلاً) من الأوراق الإسرائيلية تمثّل في محفوظات كيبوتز دان الواقع في الجليل الأعلى قريباً جداً من تخوم الجولان والعرقوب… في سورية وحدها، لم يسمح له بالبحث في المحفوظات ولا بإجراء مقابلات بحسب الأصول. قسّم الباحث عمله إلى ثلاثة أزمنة سمّاها على التوالي “التقسيم” و”الانحلال” و”النزاع”. تلك أزمنة غير متساوية في الطول. وأوّلها، وهو الأطول إذ يمتدّ بين 1920 و1967، يبدو لنا الأهمّ في هذه الرسالة… فإن الخلاصة المعلنة التي أراد الباحث أن يصل إليها تتمثّل في القول إن “اختراع” مزارع شبعا، سنة 2000، لا بما هي أرض محتلّة، بطبيعة الحال، بل بما هي “مشكلة سياسية”، لم يحصل من عدم ولا نشأت هذه المشكلة عفواً. فهي إنما بنيت على تاريخ طويل استغرق ما يسميه الباحث “الزمان الأوّل”، وكان هذا التاريخ قد دفن تحت ما خلّفه “الزمان الثاني”، بما فيه مرحلة الاحتلال، من ركام كثير. هذا الزمن الثاني أطلق عليه الباحث اسم الانحلال لأن الحدود تلاشت فاعليّتها في أثنائه في اتّجاهات عدّة: نفذت المنظمات الفلسطينية إلى العرقوب ومنه إلى المستعمرات الإسرائيلية وخرق الجيش الإسرائيلي الحدود اللبنانية واشتركت سوريا في إدارة المواجهة عبر حدودها مع لبنان…   وذاك أن الموضوع العميق لهذه الرسالة ليس مشكلة شبعا ومزارعها حصراً. وإنما هو موضوع الحدود بين الدول وشبكة علاقاتها، في الدول المستورَدة أو غير المكتملة التكوين، بالمجتمعات التي قد تمنع هذه الحدود من الاستقلال بوجود خاص بها، تقني وقانوني، لتواصل إدراجها في جملة بناها الأخرى: التاريخية الاجتماعية، السياسية الاقتصادية، إلخ. وهذا فضلاً عن العقد التي يضيفها إلى هذا الرسم وجود هذه الدول في منطقة اضطراب وتنازع دوليين مقيمين واضطلاعها بجانب من تبعاتهما.  وأما ما نخلص إليه من عرض الباحث لوقائع الزمان الأوّل فهو، في ما يتعدّى كثافة التوثيق والتشدّد في التدقيق، جملة أمور بسيطة. وأهمّها أن الدولتين المنتدبتين، بريطانيا وفرنسا، اعتنتا أشدّ العناية، في سنوات الانتداب الأولى، بتعيين الحدود الشمالية لفلسطين وترسيمها. فهذه الحدود كانت هي الفاصلة بين منطقتي الانتداب الفرنسية والبريطانية. وأما خطّ الحدود اللبنانية السورية فاكتفي بشأنه بتحديد كلامي، على وجه الإجمال، وكان “خطّ القمم” لسلسلة الجبال الشرقية بما فيها حرمون أهمّ عناصره.  وفي الفصل بين العرقوب اللبناني والجولان السوري، أدّى اعتماد خطّ القمم هذا إلى جعل شبعا في بلاد (هي لبنان) و”مزارع شبعا” في البلاد المجاورة. والحال أن أهالي القرى في ذلك الجوار، كانوا، قبل الفصل بين الدول، يعتمدون النهر المسمّى وادي العسل (لا خطّ القمم) فاصلاً رئيساً بين “زمام” هذه القرية وزمام تلك أو بين “خراج” كلّ من قرى الناحية وخراج جارتها. ولكن هؤلاء الأهالي لم يستشاروا بل وُضعوا أمام الحدود الجديدة على أنها أمر واقع. وفي العقود اللاحقة، حصلت نزاعات بين القرى من جرّاء هذا “التقسيم”، كان بعضها يتعلّق بالملكية وبعضها بحقوق الرعي، واضطرّت أجهزة الدولتين الناشئتين ومعهما جهاز الانتداب إلى التدخل لحسمها. ولكن توزّع أملاك الأهالي بين الدولتين لم يكن ضرراً محضاً وقع عليهم. وإنما تمكنوا، أحياناً، من تطويع هذا الازدواج ليجنوا فوائد (أهمّها تجاري وتسهيل التهريب واحد منها) من الصفة الملتبسة التي فرضت عليهم: صفة الحدوديين العابرين للحدود! مع ذلك، كان من حالات النزاع بين قرى واقعة على جانبي الحدود أنها حملت السلطة المنتدبة، حين بدا راجحاً في وسط الثلاثينات قرب رحيل الانتداب، على حثّ الحكومتين السورية واللبنانية على بتّ الخلاف الذي كانت مزراع شبعا، مجتمعة أو مفترقة، موضوعاً متكرّراً له. وقد افتتح هذا الحثّ عهد “اللجان المشتركة” التي عاشت طويلاً ولكنها لم تجتمع إلا قليلاً. وكان الجانب السوري، على الدوام، هو المتغيب والمتهرّب من حسم أمرٍ كان في نظره جزءاً من كلّ. فإن إحجامه عن الاعتراف، تارةً، واعترافه المتردّد، طوراً، بالرسم الفرنسي للحدود بين سورية ولبنان كان يضع في يده ورقة يرفعها كلما احتاج إليها في وجه الدولة الجارة. وهو، بذلك، كان يجاري شعوراً “وحدوياً” منتشراً في دياره وممتدّاً، عبر الحدود، إلى الديار اللبنانية أيضاً.  عليه بقي عمل “اللجان المشتركة” في منتصف الطريق. فهي قدّمت، في بعض أطوارها، ما يمكن اعتباره دليلاً على لبنانية مزارع شبعا. ولكن الدولة السورية حرصت على إبقاء هذا الإقرار معلّقاً فلم تعتمده ولم تمض به، مع الحكومة اللبنانية، إلى آخر مطافه المفروض في نظر القانون الدولي. فكان أن بقي النزاع مربوطاً غير محلول وبقيت الحال القانونية لمزارع شبعا، من حيث الأساس، على ما كانت عليه في مطلع الانتداب: المزارع سورية قانوناً وأصحابها لبنانيون، قانوناً أيضاً. والقانون ليس نفسه في الأمرين. وعلى هذه الحال وجدتها إسرائيل في حرب 1967، فاحتلّتها معتدّة بتابعيتها السياسية ولم تلبث أن طردت منها من كانوا مقيمين فيها من اللبنانيين. على صعيد القانون الدولي، اعتُبرت المزارع مشمولة، بما هي جزء من الجولان السوري، بقرار مجلس الأمن الدولي ذي الرقم 242 الصادر غداة الحرب المشار إليها. ولم يكن ممكناً أن يشملها القرار 425 الصادر غداة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. فإن هذا القرار خاصّ بلبنان، فلا يستقيم شموله المزارع إلا بتغيير التابعية السياسية لهذه الأخيرة. هذا التغيير أمر سيادي كان حصوله يقتضي ترسيم الحدود بين الدولتين السورية واللبنانية وإيداع الأمم المتحدة الوثائق ذات الصلة. ذاك ما لم تفعله الدولتان قطّ، لا قبل الاحتلالين المتتاليين في 1967 و 1978 ولا بعدهما… بل إنهما قد تصرّفتا، حتى سنة 2000، تصرّف من لا يعرف شيئاً اسمه مزارع شبعا ولا يرى مشكلة خاصّة بهذه البقعة من الأرض. بعد سنة 2000، أخرجت المشكلة، بمعونة الخبير اللبناني، من جراب الساحر الإيراني السوري الذي كان محتاجاً إلى جبهة مفتوحة في لبنان (لا في سورية ولا في إيران) يعلو التوتّر عليها ويهبط تبعاً للمجاذبة الجارية، على مستوى الإقليم كله، مع حُماة إسرائيل الغربيين بالدرجة الأولى ومع إسرائيل نفسها بالتبعية. لم يُستشر اللبنانيون في أمر هذه الجبهة التي وقع استبقاؤها على مفترق كان يسعه أن يَعِد بلادهم بمغادرة خطّ الخراب والتقاتل الذي تلازمه من بضعة عقود. بقي لبنان ملازماً خطّ الخراب والتقاتل. وأخذ يقال إن مزارع شبعا أرض لبنانية لا بدّ من الاستمرار في الحرب لتحريرها.  وحين وجدت سورية نفسها، وهي راعية هذا الخيار، ملزمة بالإقرار بلبنانية المزارع، عادت حكومتها إلى مسلك شبيه بذاك الذي كانت عليه في أيام “اللجان المشتركة” الطيبة الذكر: أيام الانتداب وغدوات الاستقلال. اعترفت بـ”اللبنانية” المشار إليها من طرف اللسان ورفضت الترسيم الذي يسعه وحده أن يبرم هذا الاعتراف إذ يدلّ على تلك المزارع: ما هي وأين تبدأ وأين تنتهي؟ وهل هي تشتمل على بغداد، مثلاً، أم على القدس وجسب؟… أي أننا بقينا حيث كنّا، من حيث الأساس، واستمرّ فاعلاً خيار القتال، لا في مزارع شبعا وحدها بل باللبنانيين جميعاً وفي لبنان كله من وادي العسل إلى النهر الكبير. قال حكّام سورية إنهم لا يتعاطون تحديد الحدود وترسيمها ما دام الاحتلال الإسرائيلي قائماً. ها هنا يحسن بنا أن نعود إلى سيمينو الذي لم نكن غادرناه قطّ. فإن باحثنا ذهب إلى إفريقيا وجاء من وقائع التنازع بين دولها بما يثبت أن التقانات الحديثة باتت تتيح اليوم أن يُرْسم خطّ الحدود وتُستخرج الخرائط الكلية الدقّة، بمعونة ممكنة التحصيل من الأمم المتّحدة ومن غير أن يقف مسّاح واحد على الأرض: محتلّةً كانت الأرض أم غير محتلّة! ثمة إذن لبنانيون وغير لبنانيين لا يتوقفون عن الهزء القاتل، لا بعقول اللبنانيين وحدها، بل بحياتهم ومستقبلهم من أصلهما.    – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/3/29/%d9%88%d9%84%d9%83%d9%86-%d8%a7%d9%8a%d9%86-%d8%aa%d9%82%d8%b9-%d9%85%d8%b2%d8%a7%d8%b1%d8%b9-%d8%b4%d8%a8%d8%b9%d8%a7#sthash.KrpZMH9a.dpuf

واجهاتُ المَصارف

http://www.almodon.com/opinion/f0d02ad9-fde5-437e-ae1f-482a62d4757f

في مقالة سابقة نُشرت هنا، ذكرنا طغيان الزجاج على العمارة الجديدة في بيروت، بما فيها هذه الأبراج التي باتت غير مقصورة على الأعمال وراح كثير منها اليوم يخصص للسكن. في المساق نفسه، تستأهل فروع المصارف وقفة خاصة. ففي العامين المنصرمين، جنحت هذه الفروع إلى كشف ما يجري في داخلها للمارّة والمتسكّعين… فهي قد اتّخذت، عوضَ الجدران الصفيقة التي كان يتخللها عادة باب ثقيل ونوافذ محصّنة بقضبان معدنية غليظة، واجهاتٍ عريضة من الزجاج الشفاف كثيراً ما يظهر خلفها الزبائن والموظفون يُجْرون ما يُجْرونه من عمليات وكأنهم يقولون للناظرين أن لا شيء عندهم يخفونه! هي الشفافية التامّة إذن يتيحها هذا الزجاج المستأثر بالواجهات. وهو، فضلاً عن دعوته من يرغب في النظر إلى إمعان النظر ما طاب له ذلك، يوحي بالأمان يغمر المدينة والبلاد. لا موجب إذن لإسمنت الجدران ولا للأبواب الثقيلة والنوافذ الحصينة. لن يُقْدم أحد على كسر ألواح الزجاج هذه، على الرغم من أن منظرها الموحي للوهلة الأولى بسرعة العطب يبدو وكأنه، بحدّ ذاته، دعوة لجوجة للصوص إلى اغتنام الفرصة الأولى المؤاتية لمهاجمتها بالمطارق وبأعقاب البنادق والنفاذ من أية ثغرة تنفتح فيها إلى الداخل وكنوزه. قد تكون شفافية الزجاج أخْذَ عِلْم بأن عهد السرّية المصرفية الذي عرفه لبنان عشراتٍ من السنين قد انقضى أو أن نطاق السرّية المشار إليها قد ضاق وأصبح النفاذ من أستارها أيسرَ بكثير من ذي قَبْل على من يهمّه الأمر من سلطات الرقابة: الداخلية منها والخارجية. ولا يمنع هذا التأويل أن تكون الشفافية أيضاً طلباً للبراءة من تهمٍ عالمية الرواج في أيامنا هذه، أظهَرُها تهمتا تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وهاتان تهمتان كان من شأن السرّية المصرفية أن تعزّزهما وما تزال بقاياها مصدر شبهات تتعلق بهما. وقد كانتا بدورهما في رأس ما أطاح السرّية المصرفية، أو كاد، من أسباب. وذلك بعدما بقيت عقوداً عنوان فخار للنظام المصرفي اللبناني وموضوع إغراء لأنواع شتى من الأموال باعتماد هذا النظام والركون إليه. وما من ريب، بعد هذا، في أن المصارف اللبنانية تقتفي، في مظهرها، أثر كبريات المصارف في أمّهات العواصم المالية وأنها ليست من اخترع طراز الواجهات الجديد الذي أخذت تعتمده فرعاً تلو الآخر. وهي إذ تمتثل للقدوة العالمية تقرّ بعولمة النظام كله وتُعرِض عن اختلاف ظروف الأمن، بخاصة، في عواصم المال الكبرى عمّا هي عليه في بيروت. ثم إنها تسلّم بأن المال لا قومية له فضلاً عن افتقاره المعلوم إلى رائحة. الفينيقيون اخترعوا الزجاج المنفوخ بما يتيحه من أشكال وما يحتمله من ألوان ولكن لا يوجد دليل على أنهم عرفوا هذه المسطحات الشاسعة من الزجاج المقوّى… وكان التبييض وتمويل الإرهاب قد أطاحا نظام السرية المصرفية في سويسرا الغرب قبل أن يطيحاه في “سويسرا الشرق” الناسجة، بقدر المستطاع وفي حدود المرغوب، على منوال المثال الأوروبي. فإن سويسرا الأصلية لم تكن أبداً بمنجاة من الآفتين المشار إليهما بل أمكن لابنها وناقد نظامها جان زيغلر، قبل ما يزيد عن عشرين سنة، أن يتّخذ لأشهر كتبه هذا العنوان البليغ: “سويسرا تغسل أكثر بياضاً”!. عندنا أمكن للرقابة الدولية أن تصطاد مصرفاً واحداً بتهمة الضلوع في تمويل الإرهاب وهي قد مرّغت أنف المصرف المذكور بالتراب. على الأثر، قالت المراجع المأذونة إن هذه هي الحالة الوحيدة في بابها وإن ثوب النظام المصرفي اللبناني لن تظهر عليه بعد هذا أية لطخة من هذا القبيل. وقد وافق هذا الكلام حمّى تركيب الواجهات الزجاجية…  مع ذلك، يزعم لك أي متنزه لبناني في أسواق العاصمة أن هذا المتجر أو ذاك أو ذلك لا يبيع ولا يشتري تقريباً وأنه إنما يتكبدّ ما يتكبد من نفقات الإجارة والإدارة الباهظة وأكلاف السلع المعروضة لتبييض أموال نقدية طائلة لا تبيّض مصادرُها الوجوه ولا ترفع الرؤوس. وأما “الإرهاب” فهو، إذا اعتمدنا تعريفه “العالمي”، أمست عناوينه كثيرة في البلاد ومعلومة… وسواءٌ أكان حَمَلة الخاتم من أهل الإنصاف لا يَصِمون بالإرهاب سوى المستحق أم كانوا يدمغون به الخارجين عن طاعتهم بقطع النظر عن الاستحقاق، فإن من العجيب أن نرى هذه القوى كلها مجتمعة عندنا، لا تظهر عليها أدنى علامة من علامات الفاقة وشظف العيش، ثم تفلح في إبقاء تمويلها كله خارج قنوات النظام المصرفي… فتبدو مكتفية بالحقائب وأكياس الخيش لخزن الأموال ونقلها وتوزيعها. ومهما يكن من شيء، فإن ما تخلّفه الواجهات الجديدة من أثر في نفس الناظر إليها لا يعدو، على الأرجح، نطاق التوهّم. وذاك أن الزجاج المستخدم قد لا يقلّ صلابة واستعصاء على المقتحمين عن الجدران الحجرية. ثم إن معظم المساحات الزجاجية راحت تغطيها الإعلانات عن التسهيلات والمنتجات المعروضة… فخَفِيَ من جديدٍ معظمُ ما يجري في الداخل عن أعين المتلصّصين.         – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/3/21/%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a7%d8%b1%d9%81#sthash.oGAyp430.dpuf

فرنسيس الأصلي

http://www.almodon.com/opinion/6cab6fae-d227-44a4-9282-80ea75d0adc5

فاجأني أن البابا الجديد، حين وقع اختياره على “فرنسوا” أو “فرنسيس” اسماً حبريّاً اتّخذه، أصبح يدعى “فرنسوا الأوّل”. في التاريخ يذهب بنا هذا الاسم، أوّل ما يذهب، إلى ملك عريض الصيت في السياسة والحرب جلس على عرش فرنسا قبل 500 سنة. لم يكن البابا يتّخذ هذا الملك قدوة بطبيعة الحال. وإنما أرادنا أن نذهب بخيالنا حين نلفظ اسمه الجديد إلى فرنسيس الأسيزي، شفيع إيطاليا وقدّيس الفقراء وخادم الإنسانية الزاهد والداعي إلى محبّة الخليقة كلها ومؤلّف الصلوات المشحونة بالشعر والمعدودة طليعة للمكتوب منه بالعامية الإيطالية؟.  فكيف جرى إذن أن البابا المنتخب لم يكن غير “فرنسوا الأوّل” فلم يوجد قبله بابا آخر اتّخذ لنفسه هذا الاسم وهذه القدوة… وهذا مع كثرة الطليان بين البابوات السابقين ومع رفعة اسم الأسيزي في البلاد التي تضمّ في وسطها مدينته ورفاته وتؤوي هي نفسها الكرسي الرسولي وكنيسة بطرس؟ كيف جرى أن آخر بنديكتوس كان السادس عشر وآخر بيوس كان الثاني عشر وآخر بولس كان السادس وآخر يوحنا كان الثالث والعشرين فيما يفاجئنا فرنسيس بكونه الأوّل ليس إلّا؟ أسّس فرنسيس الأسيزي، وهو لا يزال في ريعان شبابه، رهبانية “الإخوة الصغار” المعروفة أيضاً بـ” الفرنسيسكان”. وهي سلكٌ اشتهر بالتقشّف وبالإقبال على الأنواع الصعبة من الخدمة. هذا الرجل الذي ولد في أواخر القرن الثاني عشر، اعتكف للعبادة باكراً إلى أن قضى في سنة 1226، ولمّا يبلغ منتصف أربعيناته.  وعلى غرار آخرين ممن انتهوا إلى حياة القداسة، كان فرنسيس في مرحلة أولى من شبابه خطّاءً كبيراً، مقبلاً على المتع المحرّمة. وكان قد ولد في عائلة ميسورة وأصبح معاوناً لوالده في تجارته… وكان قد جرّب نفسه في الحرب أيضاً ووقع مدّة في الأسر. وقد كان منه أيضاً، في مرحلة لاحقة من حياته، أنه اشترك في الحملة الصليبية الخامسة إلى مصر. ورُوِي أنه أجرى حواراً دينياً مع السلطان الكامل الأيوبي قبالة دمياط. وذُكِر أنه حاول دعوة السلطان إلى الإيمان المسيحي!…  وأما الحدث الفاصل في حياته فهو أنه سمع وهو يصلّي، في يومٍ من الأيّام، صوتاً تعرّف فيه صوتَ المسيح يطالبه بإصلاح كنيسة في الجوار كانت مشرفة على الخراب. وكان هذا الهاتف هو ما حمله على تغيير سيرته وقذف به في طرق غير التي كان قد ألفها من قبل. وفي أوّل الأمر، فهم فرنسيس طلب المسيح فهماً حرفياً فراح ينفق ما كان بعهدته من مال أبيه على ترميم الكنائس. ثمّ ما لبثت رؤياه أن اتسعت فأدرك أن الكنيسة المحتاجة إلى جهود البنّائين إنما هي كنيسة البشر أي جماعتهم المتخبّطة في الخطايا وفي الآلام. وقد يكون هذا الأسيزي أوّل إنسان معروف احتجّ على الظلم بالتعرّي… مستبقاً بقرون حالاتٍ معاصرةً لنا شهدَتها ولا تزال تشهدها بلاد مختلفة. وذاك أن والده أغضبه ما اعتبره تبديداً لأمواله في ترميم الكنائس وشكاه لدى السلطات ثم لدى أسقف أسيزي. فكان أن فرنسيس أرجع إلى والده ما كان قد بقي في يده من مالٍ وخلَع ثيابه كلها في الساحة العامّة وهو يقصد القول بهذا إنه لا يريد شيئاً لنفسه مطلقاً ويخلع العالم المادّي. فما كان من الأسقف إلا أن غطّى بعباءته عُري الشاب المحتجّ وجعله تحت حمايته. وحين رحل الأسيزي عن الدنيا وهو في أوائل كهولته، كان الكرسي الرسولي قد اقتَبَل نظامَه الرهباني وكانت مكانته عند المؤمنين وفي الكنيسة قد أصبحت وطيدة. فضُمّ إلى روزنامة القدّيسين قبل أن ينقضي على موته عامان من الزمن… وفي زماننا، كان من تعلّق الأسيزي بالخليقة وبحقوق المخلوقات أنْ حَمَل البابا يوحنا بولس الثاني على تنصيبه شفيعاً لأنصار البيئة… هذا هو الرجل الذي أوحى إلينا البابا الجديد بأنه راغب بالتمثّل به. هو رجل خدمة وبناء، منصرف عن الدنيا ومكرّس نفسه للمعذّبين وللخطأة. وهو قد استنفر للخدمة معه وبعده من مسّتهم دعوته وبلغ قلوبهم إيمانه. ليس بِدْعاً إذن أن يتّخذه قدوةً معاصرُنا الأرجنتيني وقد اختاره “أمراء الكنيسة” الجامعة رأساً لها. فهذا البابا ليس أوّل فرنسيس بين البابوات وحسب. وإنما هو بينهم أوّلُ قادم من أقصى جنوب العالم… من تلك القارّة الكاثوليكية التي سارت في ثلث القرن الأخير شوطاً طويلاً نحو الخلاص من الاستبداد (استبداد العسكر، على التخصيص) ولكنها لم تزل تتخبّط في الفقر وفي كثير من أشكال الظلم ومن القيود التي ينسب ثقل بعضها إلى الكنيسة نفسها. فالكنيسة هناك تجرّ خلفها تاريخاً ملتبساً جاور فيه لاهوت الثورة والتحرّر ممالأة الظلمة والحرص على الدنيوي من الامتيازات. والذي شاع عن البابا الجديد فور انتخابه انطوى على الإشادة بتواضعه وزهده وإقباله على الخدمة وانطوى أيضاً على إشارات إلى مواقف توصف بـ”المحافظة” في تشريع الزواج والعائلة وأخرى توصف بـ”المتحفّظة” أو المترددة في ميدان حقوق الإنسان… لذا كان يتعين علينا، وإن سرّنا اقتداء الأرجنتيني بالأسيزي وحمَلَنا على التفاؤل بالخير، أن ننتظر امتحان  المساعي والأفعال. فالمعاناة صعبة والتغلب على نوازع النفس ومطامح الغير في موقع السلطان لا يتيسّر لأيّ كان. والإلهام قد يهجر صاحبه. تلك هي المحنة التي كان قد أشار إليها الأسيزي في عبارات موجعة بقيَت في ذاكرتي من عقود: “ليتني تنكّرتُ للهاتف العجيب وبقيتُ تاجرَ أقمشةٍ في البندقية. لكنني سأتجلّد وأنتظر عودة الهاتف حتى الرمق الأخير”  وعند الامتحان يكرم كلّ فرنسيس أو يُهان…           – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/3/15/%d9%81%d8%b1%d9%86%d8%b3%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b5%d9%84%d9%8a#sthash.2Emlgnp8.dpuf

عالَمٌ ضعيف

http://www.almodon.com/opinion/f5f276de-ed5f-4ec3-848e-0792924fd029

كان لافتاً تواضعُ المبلغين اللذين قدّمتهما الولايات المتحدة مؤخّراً إلى مصر الواقفة على شفير الإفلاس وإلى الثورة السورية التي كانت ولا تزال تعاني ضيقاً بالغاً في الموارد. وقد يكون في هذا التواضع إشارة إلى تردّد في الانغماس في وضعين مشكلين: الوضع المصري الذي يسوقه أسلوب الإخوان المسلمين في الحكم، على ما يظهر، إلى مرحلة مديدة وغير مأمونة الأفق من الاضطراب المتعدّد الوجوه والوضع السوري الذي تخشى الولايات المتحدة من غلبة الجهاديين على مقاليده إذا انتهى جانب معتبر من المعونات الخارجية إلى أيديهم… غير أن هذا التواضع في المعونة الأميركية يشير أيضاً إلى أمرين: الأمر الأول أن الولايات المتحدة تقرّ لروسيا بمصالح ذات ثقل استثنائي في سوريا. وهذه مصالح تتّخذ من النظام الأسدي مرتكزاً لها بحيث ينتهي انهياره إلى انكفاء الموقع الروسي في شرق المتوسط وتضعضعه وبحيث يضطرب أيضاً الميزان الذي تبدو روسيا طامحة إلى إنشائه في منطقة تمتدّ، عبر العراق، من الساحل السوري إلى التخوم الروسية مع إيران. لا يشبه هذا المحور ما كان مألوفاً من كتل مضمونة الولاء لـ”لأخ الأكبر” في أيام الحرب الباردة. بل هو يقبل احتفاظ كلٍّ من أطرافه بفسحة لَعِبٍ مستقلة نسبياً ويسلّم بإمكان الاختلاف بين هذه الأطراف في النظر إلى موضوعات ذات أهمية. على أن التقابل العام قائم بين هذا الجانب وذاك الذي تمسك الولايات المتحدة بزمامه وهو يجابه الجانب الأوّل في عقر دياره في بؤر متحركة أهمها الملف النووي الإيراني والساحة السورية ومصير المجابهة الدائرة في العراق. هذا التقابل يبدو كافياً لإنشاء نوع من اللحمة يجوز وصفها بغير العضوية بين الأطراف المعارضة للقيادة الأميركية أو الأطلسية.  فإن هذا النحو من التضامن المرن والنسبي هو، على الأرجح، ما يبيحه تنافس بين جهتين تقريبيتين لا تُعرف لهما حتى الساعة حدود مستقرّة وليس بين قيادتيهما عداوة معلنة ولم تتّخذ المجاذبة بينهما صورة الحرب الباردة، ولكن مدارات هذه المجاذبة حيوية وصائرة إلى توسّع. وكان المعسكر الذي قد تصح العودة إلى وصفه بـ”الغربي” قد أبدى استهانة بمصالح منافسيه في أقطار شهدت فصولاً مما سمّي “الربيع العربي”. فبدا الغيظ الروسي شديداً من التصرّف الأطلسي بالأزمة الليبية. وما تزال إيران تجهد، بعد وضع حلفائها يدهم على آلة السلطة في بغداد، في استحداث بؤر لنفوذها في الجزيرة العربية، من اليمن إلى البحرين. وهذا بعد أن بقيت ضامرةً ثمراتُ الجهود الإيرانية للتقرّب (باسم الإسلام) من النظامين الناشئين في مصر وتونس. في مواجهة هذه المحاولات، لا يبدو المعسكر الغربي بقيادته الأميركية راغباً في رفع منسوب التوتر العامّ: لا في مجابهته للتصلب الروسي ولا في تصدّيه لطموح إيران إلى فرض نفسها قوّة قيادية أولى في الشرق الأوسط. يظهر هذا التحفّظ الغربي خصوصاً في امتناع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي المثابر عن مجاراة الموقف الإسرائيلي الهجومي من الخطة النووية الإيرانية. ويظهر في استنكافهما أيضاً عن مجاوزة حدّ بعينه من التدخل المباشر في المواجهة الدائرة على الأرض السورية.  على أن ثمة أمراً ثانياً يمثّل تواضعُ الإسهامين الماليين الأميركيين في تفريج الضائقتين المصرية والسورية إشارةً إليه قد يصحّ وصفها بـ”الرمزية”. ذاك هو الضعف البادي على القوة العظمى الأميركية وعلى قيادتها للعالم. ذاك ضعف ظهر، على نطاق إجمالي، في مآل الحملة الثأرية الكبرى التي شنّتها الولايات المتّحدة بعد واقعة 11 أيلول 2001 وكان ميداناها الأظهران أفغانستان والعراق. فقد أمست نافلةً الإشارة إلى تكشّف حلفاء الولايات المتّحدة وممالئي دورها من العراقيين، بعد أن تسلّموا دفّة المتاح من السلطة المركزية في بغداد، عن حلفاءٍ لخصمها الإيراني. وأمسى تحصيلاً لحاصلٍ أيضاً التنبّؤُ بعودة طالبان إلى التصدر في كابول حالما تولـّي القوّات الأميركية الأدبار هناك. كانت حرب تحرير الكويت في مطلع التسعينات من القرن الماضي ذروة عملانية للقيادة الأميركية لعالم ما بعد جدار برلين. وتبدو لملمة ذيول 11 أيلول الجارية محطّة رئيسة في انكفاء هذه القيادة وتراخي قبضتها. هذا الوجه الجغراسي لذواء القوة الأميركية (والغربية، على الأعمّ) يكمله وجه داخلي لا يدع وجهاً للشك في بُعْد أجله. فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كلاهما في حالِ مَرَض لم يجدا إلى  الآن علاجاً يمنع تفاقمه. ففضلاً عن تكشف النطاق المهول لأزمة الديون الأوروبية، وهي أزمة لا يبدو تحميل أثقالها لدول الاتحاد الغنية ولا للطبقات المحدودة الدخل في غنيّ الدول وفقيرها أسلوباً واعداً بإرسائها على برّ أمان، تتعثّر محاولات تقليص العجز في الموازنة الأميركية وتضرب المقتطعات من الإنفاق العام، أول ما تضرب، قطاع القوّات المسلّحة! ذاك أمرٌ قد لا يكون له أثر ذو بال في القوة العسكرية الأميركية ولكن لا يمكن الإغضاء عن إشارته إلى وجهة… قد لا نجد أسباباً كثيرة، في تاريخ مزاولة الولايات المتحدة لجبروتها العسكري، لإبداء الأسف حيال العودة إلى ضرب، سيبقى نسبياً على الأرجح، مما يسمى “الانعزالية” في التاريخ السياسي والعسكري الأميركي. وقد لا تكون روسيا ولا إيران مؤهّلة لخلافةٍ إستراتيجية مستقرة للغرب في ما يدعى الشرق الأوسط. الشبحُ الصيني وبعده الهندي تزداد قسماتهما وضوحاً ولكنهما لا يزالان على مبعدة. نحن في عالم أطرافه كلها ضعيف أو بعيد وليس لنا أن نهنئ أنفسنا على ذلك أية كانت عداوتنا الفائتة أو مودتنا السابقة لهذا الطرف أو ذاك. فإن ضعف القيادة الخارجية للعالم يُورِث، في الأغلب، ضعفَ النموذج السياسي المعروض على المجتمعات. وهو ينذر، بالتالي، بتطاول أزماتها ويرجّح كفّة ما تنطوي عليه من عوامل التفتت الجوّانية. أي أن هذا الضعف في القيادة الخارجية يحدّ، في الأجل القصير، من الإمكانات المتاحة لحسم الصراعات الدائرة في المجتمعات ويقوي احتمال انقلابها ساحات مفتوحة لمنازعات متحركة ودائمة القابلية للاستخدام الخارجي المتضارب. في حالاتٍ من قبيل مصر وتونس، تضافرت عواملُ تماسك داخلي ذات فاعلية نسبية ومعها نوع الهامشية للصراع الخارجي، على صعيد الوسائل إن لم يكن على صعيد النوايا، فأمكن الوصول إلى الوضع الرجراج القائم هنا وهناك: وهو وضع لا ينطوي، في كل حال، على ضمانات ضبطٍ للصراع السياسي في الحدود المؤسسية ولا تمنع موانع حاسمة دون  إفضائه إلى العنف الأهلي المفتوح. في سوريا، يبدو الصراع الدائر مرآة مجلوّة لضعف أطراف العالم الراهن وعجزها عن إملاء قواعد على السلطات فيه ورسم حدود للطغيان. فالحال أن حركات التغيير التي شهدتها الأقطار العربية ابتداء من نهاية 2010 وما زالت مفاعيلها تتعاقب، لم يكتنف أيّاً منها ما اكتنف الحركة السورية من حدّة في المواجهة الخارجية. وهذه حدّة تعبّر عنها ضخامة التوظيفين الإيراني والروسي في الدفاع عن النظام الأسدي. كانت كلٌّ من الحركات الأخرى مكتنفةً بحبكة مصالح خارجية، طبعاً… ولكن الحبكة المطْبِقة على سوريا لم يوجد لها مثيل. وهي، على شدّتها، حبكةُ أطرافٍ ضعيفة لا تجاوز فاعليتها تأجيل الحسم وتعظيم الخسائر. وهي تتآزر في إبطاء الحسم بوسائل من بينها ترك من تخشى نموّه من القوى المقاتلة يزداد نمواً وخطراً على مصالحها الأساسية.   ضَعْفُ العالم هذا هو ما يمكن اعتباره سوءَ حظّ فظيعاً لم يَزَل يَضْرب الشعب السوري… يضرب شعباً نادر الشجاعة ومتوفّراً على كل ما قد يحتاج إليه شعبٌ من الدواعي إلى الثورة ومن أسانيد الحقّ فيها.                – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/3/8/%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%b6%d8%b9%d9%8a%d9%81#sthash.BIm1M5nH.dpuf

الشَظيّة

http://www.almodon.com/culture/2c9cccf2-ce2b-4aa2-a2a1-1e0673df0564

من يتابع تطوّر الطُرُز المعمارية في مدينة بيروت والطور الجديد الذي تدخله هيئتها المدنية في هذه السنوات الأخيرة، لن يفوته أن يلاحظ الطغيان المتفاقم للزجاج على منظر المدينة وعلى علاقة ساكنيها بما تعرضه على أجسامهم من أحاسيس مختلفة. تلك أحاسيس بمادة المدينة نفسها وبأشكالها وألوانها وملامسها وهي من ثمّ علاقة بين السكان وأجسامهم، بينهم وبين أنفسهم. كنا معتادين أن يطغى الزجاج على أبنية بعضها أبراج، وهي معدّة لاستقبال الأعمال والتجارة. وكان المعدن يؤطّر الزجاج في هذه المباني ويقاسمه حضوره. وهذا مع العلم أن كثيراً من المكاتب بقيت تؤويها أبنية لا تختلف في شيء يذكر عن الأبنية السكنية أو أخرى تتقاسمها الأعمال والمساكن. اليوم ينحو المعدن إلى التخفي وراء الزجاج أو إلى حضور أكثر مواربة معه. والأهمّ أن الزجاج راح يشكّل العنصر الأبرز في منظر الجديد من المباني السكنية أيضاً، مستجيباً لما كان قد ظهر أثره على الأبنية القديمة من تفضيل للشرفات المزجّجة. وبين هذا الجديد السكني أيضاً، تبدو نسبة الأبراج آخذة في تزايد متسارع. في خمسينات القرن العشرين، على التقريب، اتّخذت بيروت قيافة ألفتها الأجيال المتعاقبة مذ ذاك، قوامها الأبنية ذوات الطبقات السبع، على وجه الإجمال. ورثت هذه المباني أخرى ذوات أربع طبقات وبيوتاً ذوات طبقة واحدة أو اثنتين وراحت تجتثها على عجل لتحتلّ أماكنها. وفي هذا الخضمّ الذي شكّل المدينة لأكثر من نصف قرن وبدأ ظله يتقلّص وينكشف في الأعوام الأخيرة، ظهرت، من البداية، استثناءات نادرة بضخامتها وشموخها تمثّلت، في أوّل الأمر، بأبراج الأعمال والتجارة. في الخمسينات، كان مبنيا العسيلي واللعازارية، في وسط المدينة، استثناءين فريدين من الصورة العامّة لأبنية المدينة، ولكن واجهتيهما بقيت حجرية المظهر، متّسمة بغياب الشرفات، تكتنف النوافذ الكثيرة موازِنةً حضورها الزجاجي أو ستائرها المعدنية. في الستينات، حصل تكاثر محدود في هذا النوع من الأبراج التجارية وأخذت تتوزّع في أنحاء مختلفة من المدينة وراح يغلب على منظرها الزجاج والمعدن. وحين أنشئ، في أواخر الستينات، برج رزق السكني في الأشرفية كان – وبقي لسنوات – حالة فريدة في بابها… اليوم، تتكاثر أبنية تتشابه بارتفاعها الشاهق وبغلبة الزجاج على واجهاتها، مهما تكن وجهة استعمالها. حتى ليصعب، في بعض الحالات، الجزم الفوري بما هي وجهة الاستعمال تلك. وذاك أن الزجاج يحجب الشرفات إذا وجدت أو هو يحلّ محلّها إذا افتقدت… فتوشك أن تلتبس المكاتب بالمساكن… يمكن، بالطبع، استرجاع المشكلات العملية التي يطرحها التوسع صعوداً على مدينة تبقى فيها الشوارع، إجمالاً، على حالها المعلومة وتخسر، بفعل نموّ البناء، المساحات المخصصة لوقوف سيارات الزوار والرواد وإن تكن تلحظ مواقف لسيارات الشاغلين. يمكن استذكار مشكلة السير والسيارات هذه ويمكن استذكار غيرها مما يتعلّق بالموارد المائية وآثار حفر الآبار على القاعدة الجيولوجية للمدينة وباستهلاك الطاقة واقتناء المولّدات الكبيرة والصغيرة ومصير البيئة وصحة البشر، إلخ. هذا كله بالغ الأهمية. ولكن ما نودّ التوقف عنده ههنا أمر آخر قلّ أن يلتفت إليه. ألا وهو الوقع النفسي للمدينة الجديدة على شاغليها. في الأحياء التي باتت الأبراج غالبة على عمرانها، بات محالاً في كثير من الحالات على المقيمين أن يبصروا من بيوتهم مساحة من السماء وإن تكن مجرّد زقاق سماوي، ولا تستثنى من ذلك الشرفات. بات شعور هؤلاء بالاحتباس في فضاء صناعي كلياً، أي بنوع من التعليب الجماعي، ساحقاً. بات ساحقاً أيضاً شعورهم بضغط الأبنية الشامخة الجديدة على قاماتهم حتى ليشعر الواحد منهم، وهو في الشارع، بأن مكابس هائلة الثقل والقوّة تجهد للخفض من طول قامته… تخفض طول قامته من داخل نفسه عمّا كان عهده بقامته… إلى ذلك تضاف مفاعيل الزجاج، أو، بالعبارة الأدقّ، بعض الصور اللبنانية لأفاعيله. لا تقتصر مشكلة الزجاج في مخيلتنا الجسدية على برودته ولا على قسوته ولا على ما له من شفافية أو لمعان يخفيان كلياً مادّته الأولى فيستكملان تغريبه عما هو طبيعي ويستتمان نسبته الكلية إلى الصناعة والمصنوع. ولا يحتاج المتنزه في بيروت الجديدة إلى تذكّر العنوان الذي اختاره عبّاس بيضون لواحدة من مجموعات أشعاره: “مدافن زجاجية”. الزجاج في الذاكرة الجسدية للبنانيين هو أيضاً شظايا الزجاج. هو جارح إذن فضلاً عن الأوصاف الأخرى لعلاقته بأجساد البشر. وبيروت مدينة لم يمض مائة سنة (ولا مائتا يوم) على آخر انفجار ضخم نثر شظايا زجاجها في كل اتجاه ونشرها على مساحات مخيفة الاتساع. ثم إن هذه الأبنية الجديدة لا توحي بالصورة المعتادة للشظية الزجاجية. فإن الزجاج المستعمل فيها، بهذه الوفرة المهولة وبهذه السماكة التي تؤهله للاستواء عنصراً في هيكل البناء، يوحي بشظايا ذوات ثقل وحجم مرعبين تسقط على المارّ من علوّ شاهق أو تضرب العابر الغافل عن كثب. فإذا كان السائر بمحاذاة هذا أو ذاك من الأبنية الشامخة المستجدّة من ذوي الوساوس فليس يستبعد أن تأخذه الرعدة وهو يفكّر في تلك الشظية التي قد تشقه نصفين، في حال وقوع المحذور،  أو تذبحه من الوريد إلى الوريد.        – See more at: http://www.almodon.com/culture/2013/2/28/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b8%d9%8a%d8%a9#sthash.QJDnapsZ.dpuf