نجاةُ الفَشَل والقَدَر

أحمد بيضون

قبل عامين كتبتُ مقالةً قصيرة خرجتُ فيها من زحمة السير في بيروت بدعوةٍ إلى التأمّل في معنى الحياة. كنت أسأل إن كان يبقى للحياة معنىً حين يضطر واحدنا إلى قضاء هذا المقدار الجسيم منها محتجزاً في سيّارة، ممنوعاً من صنع أيّ شيء يرغب في صنعه بوقتٍ طويلٍ يُقْتَطَع عَنْوةً من أعمارنا القصيرة…
اليوم أعود إلى موضوع السير والسيارات في بيروت وفي لبنان، على الأعمّ، من زاويةٍ أخرى هي اعتبار أزمة السير والمنظومة الاجتماعية- السياسية التي تندرج فيها نطاقاً للمسؤولية العامّة عن جرائم قَتْلٍ وجرْحٍ يقع ضحاياها مارّة وركّابٌ وسائقون… وهي مسؤولية قلّما يلحظها أحدٌ بما في ذلك الضحايا الذين يبقون على قيد الحياة، إذ ينحو هؤلاء إلى النظر في الحوادث واحداً واحداً وإلى حصر المسؤليات في الأفراد وفي اللحظة التي يقع فيها الحادث والموضع الذي يشهده.
لا ريب أن هذا الحصر ضروري حين تراد معالجة النتائج ويعوَّل على الأصول المتبّعة لهذه الغاية من فنّيةٍ وقانونية. ولكن تبقى، في ما يتعدّى هذا الهمّ، نظرةٌ أخرى ممكنة – بل واجبة – يسع المرءَ أن يجيلها في موضوع حوادث السير هذا من زاوية السياسة والاجتماع ومن زاوية الفلسفة التي يستدعيها هذان أيضاً. وإذ أفعل هذا أدرك أن قرّاءً غير لبنانيين سيلحظون شَبَهاً بين ما أصفه وأقوله وبين ما يلقونه وما قد يخطر لهم حيث يقيمون…
إذا كنتَ مقيماً في بيروت واجتزتَ بين حين وآخر كيلومتراً واحداً أو اثنين سيراً على قدميك أو اجتزت ستة كيلومترات أو ثمانية للانتقال من حيّ إلى آخر في المدينة في سيارة تقودها أنت أو يقودها غيرك قاصداً، مثلاً، أن تذهب إلى محلّ عملك وأن تعود، بعد ساعات، إلى محلّ سكنك…
… أو أقدَمْتَ طوعاً أو كرهاً على اجتياز مائة كيلومتر – مثلاً – في سيارة تقودها أنت أو يقودها غيرك للانتقال إلى موضع ما من هذه البلاد الصغيرة وللعودة بعد ذلك إلى مقامك…
إذا فعلتَ واحداً من هذه الأشياء حصَلَ لك، على الأرجح، أمرٌ أو أمورٌ تستحقّ الذكرَ استحقاقاً تامّاً، عند إمعان النظر، ولكنّك قلّما تذكرها. من ذلك أن تكون ماشياً على رصيف فيثب عليك درّاجٌ ناريّ استحسن أن يترك أرض الشارع بداعي العجلة ويفرض عليك أن تنزاح متراً أو نصفَ مترٍ في اللحظة المناسبة ليتمكّن من المضيّ في سبيله بين مارّةٍ آخرين. من جهتي أعزّي النفس كلذما تعرّضتُ لوثبةٍ من هذا القبيل بأنني أزداد علماً بما قصده الشيوعيون العراقيون حين أطلقوا اسم «الوثبة» على حركةٍ تولّوا قيادتها في سنة 1948…
يدخل في هذا الباب أيضاً أن يقتحم الضوء الأحمر أمامك، بعد احمراره بعشرِ ثوان، سائق قرّر أن إقلاعك في اتّجاه الضوء الأخضر الذي حسبتَه فرجاً لكربتك إنما هو أمرٌ في غير محلّه إذ هو يلزمه بالانتظار دقيقة أو نحوها خلافاً لرغبته… من ذلك أيضاً أن يتجاوزك من جهة اليمين على الطريق السريع سائق قرّر أن يستفيد من خط الطوارئ متجاهلاً لزومك، أنت أيضاً، خطّ اليمين وضيقَ الممرّ الذي شاء أن يباغتك (مشكوراً) بسلوكه مشعراً إيّاك بأن انعطافك المباغت أيضاً نحو اليسار هو شرط نجاتك ونجاته ومن معكما جميعاً إذا هو حصل في الثانية المناسبة أي إذا كان برج كليكما برج سعدٍ في تلك اللحظة المشهودة…
لا طمع لي في حصر الحالات التي «ينجو» فيها اللبنانيّ أو المقيم في لبنان يوميّاً من الموت أو من الإصابة في بدنه، على اختلاف الدرجات والأنواع. ولأذكر لك، أيها القارئ الشاهد، بعض ما خبرته بنفسي، أي في بدني، في الأشهر الأخيرة… لا أذكر هذا إثقالاً عليك بالشكوى بل دليلاً على عجزي عن الإحاطة بما يعرض لنا أو يلمّ بنا من مخاطر بالغة التنوّع، متعلّقة بالانتقال، متأتية من رفضنا التسليم بالامتناع المطلق عن التنقّل في المدينة وفي البلاد…
قبل أسابيع، كنت أمشي على رصيف من أرصفة المدينة قاصداً منزلَ قريبٍ لي دعيت إلى غداءٍ فيه. ولم تكن متعتي قد طالت بالسير الآمن على ذاك الرصيف حين اضطررت إلى مغادرته بسبب سورٍ لورشةٍ صادَرَه بتمامه. نزلتُ إلى أرض الشارع مكرهاً إذن… ولم أكن مشيتُ أمتاراً وأنا متسلّحٌ بحقّ العودة إلى الرصيف قبل أقرب الأجلين، حتى شعرت بحلول واحد من هذين: اختار سائق قادمٌ من الخلف أن يميل إلى أقصى اليسار أي نحوي… فما كان من مرآة سيارته إلا أن لطمت ذراعي مخلّفة فيه رضّة لا يعتدّ بها كثيراً وجرحاً لا يعتدّ به ابداً. تابع السائق الذي لم يبلغه احتجاجي الأخرس سيره ولم تلبث متعة الطعام ان أنستني الحادثة كلّها بما فيها بعض الثقل الي كنت لا أزال اشعر به في ذراعي. فنحن قد أصبحنا، لفرط ما ننجو، نكاد لا ننتبه إلى نجاتنا. كنت قد «نجوت» إذن… وعلى غرار اللبنانيين وغيرهم، على التعميم، في هذا النوع من المواقف «رضيتُ من الغنيمة بالإياب»!
قبلَ ذلك بأشهر، كنت أجتاز شارعاً مجاوراً لمنزلي بعد أن استوثقتُ بالنظر إلى الجهة التي تأتي منها السيارات أنني آمن! ولكن السائق الذين كان قد توقّف أمامي، خلف سيّارات أخرى، اختار في لحظة عبوري، أن يقلع بسيارته القهقرى وذلك لسببٍ لم يوصله إلى علمي من قبلُ ولا من بعدُ. عليه لطمَتْني مؤخّرة السيارة المتراجعة مضطرّةً إيّاي إلى قفزة عريضة جاءت غير ملحوظةٍ في برنامجي ورميتُ منها (رميةً من غير رامٍ) إلى تجنّب السقوط تحت عجلات السيّارة. نزل السائق من سيارته قاصداً الاطّلاع على جليّة الأمر والاعتذار فشتمتُه بأنفاسٍ مبهورة وصرفتُه راشداً… كنت قد «نجوتُ» هذه المرّة ايضاً.
وأمّا ما يحصلُ لي وأنا أقود سيّارتي فأغضي عن ذكره خَفَراً إذ هو قسمةٌ عامّة لكلّ السائقين في بلادنا هذه. وقد أشرتُ أعلاه إلى حالة واحدة من حالات «النجاة» التي يحظى بها كلّ جالس على طرقنا خلف مقود… ولا أرى في الزيادة إفادة. أنا سائق مشهودٌ لي بالاتّزان وخبرتي في السياقة تزيد عن خمسين سنة وقد أورثتني حذقاً يطمئنّ إليه الراكبون معي. ولا نتوقّف عن النجاة، أنا ومن معي، حين أقود السيارة. لا يتوقّف عن النجاة أي مواطن أو مقيم في هذه البلاد طالما بقي غدر الزمان يلزمه بالتنقّل. ينجو واحدنا من الموت أو من الإصابة في بدنه مرّة كلّ يومٍ، مثلاً، أو مرّتين في الأسبوع تبعاً لمتغيّراتٍ عديدة أهمّها، بطبيعة الحال، وتيرة تنقّله.
وأما السؤال الاجتماعيّ في موضوع النجاة هذا فيتعلّق بفشل نظامٍ برمّته هو النظام الاجتماعي السياسي المعتمد هنا في إنجائنا من هذا النوع من النجاة: إذ هذا نوعٌ تشهد الخبرات المكتسبة من مجتمعات ودولٍ أخرى بإمكان النجاة منه. فإن من المؤكّد أن هذا النظام هو من يعدّ المسرح ومن يصمّم المَشاهد ومن يدرّب الممثّلين. وهو يتّبع في هذا كلّه أصولاً عامّة يمليها عجزه عن اتّباع الأصول المفترضة. لذا لا تكفي نسبة حالات النجاة التي تحصل ولا حالات عدم النجاة، بالتأكيد، إلى جناةٍ وضحايا أفراد.
في الأمر شيء من منسوب العداوة في العلاقات بين البشر في المجال العامّ وفيه شيء من نسبة العجز عن إعمال القانون وفيه شيء من التسيب في مقتضيات السلامة ومن الاستخفاف بالحياة ناجم عن استبعاد المسؤولية عن النفس واستبعاد المحاسبة. في النجاة المتكرّرة وفي عدمها الذي قد لا يحتاج إلى تكرار منفذ إلى التأمّل في فشل نظام مشتملٍ على المجتمع والدولة من أقصاه إلى أقصاه… وهذا بالضرورة تأمّل في ما ينبغي أن يكون عليه الموقف من هذا النظام إذا نحن صمّمنا على الخروج من نظام النجاة المتكرّرة.
وأما السؤال الفلسفي فتطرحه، مثلاً، واقعة امتناع عجلات السيارة التي صدَمَتْني وهي تتراجع عن الدوران دورةً أخرى… وتطرحه أيضاً واقعة امتناع المرآة في السيارة الأخرى عن زيادة عرض اللطمة التي أنزلتها بذراعي عشرة سنتيمترات أخرى… فإن هذه السنتيمترات وتلك الدورة هي عرض الفارق وطوله بين «النجاة» وعدمها. أي إننا نحظى ههنا، بعد فرصة التأمّل في مسألة الفشل، بفرصةٍ لا تفوّت للتأمّل في مسألة القضاء والقدر.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

متى وُجِد الاقتصاد؟

أحمد بيضون

يَعْرِض لك أحياناً كلامٌ يحلو إلقاؤه على عواهنه. تعلم أنه ذو خطر وأنه قد لا يصحّ أن يُعتدّ به بعد التمحيص إذ قد يتبين أنه «ليس بشيء» على ما كانت تقول العرب حين تقع على قولٍ لا يقوم على صحّته دليل بل تقوم الأدلّة على بطلانه.
من ذلك ما كانت قد أوحت به إليّ قراءة قديمة لكتابٍ معترفٍ بمكانته في حقله وقد عدت إليه في هذه الأيام الأخيرة. ذاك هو كتاب الاقتصادي النمساوي (المجري الأصل) كارل بولانيي «التحوّل الكبير» وقد صدر سنة 1944 أي في العام الأخير من أعوام الحرب العالمية الثانية، وكان مؤلّفه قد أصبح، منذ انتصار الهتلرية في ألمانيا، مقيماً في لندن.
لا يمثّل ما أريد استخراجه من كتاب بولانيي موضوع كتابه المتصدّر وإنما هو أسانيد لنظرة يمكن استنباطها من الكتاب. موضوع الكتاب هو الأزمة العالمية التي عاناها الاقتصاد الرأسمالي بين أواخر العشرينيات من القرن الفائت ونهاية الحرب العالمية الثانية. وهو ما واكب هذه الأزمة من تحوّل سياسي مهول مثّل نشوء الهتلرية وطغيان مفاعيلها صُلْبَه وأبْلَغَ ظواهره. هذه الأزمة يرى فيها بولانيي تعبيراً عن موت النظام الاقتصادي الليبرالي الذي كانت أوروبا قد شهدت ولادته قبل ذلك بقرنٍ من الزمان. ولنشر ههنا إلى أن هذا النظام هو نفسه الذي أعلن فرنسيس فوكوياما، بعد أقلّ من نصف قرن كان قد مضى على صدور كتاب بولانيي، سيادته المؤبّدة على العالم: على ذاك العالم الذي كان ينفض عنه غبار جدار برلين المهدوم!..
على أن بولانيي لا يصل إلى إعلان الوفاة هذا إلا بعد تأريخ يجهد في ضبطه لنشأة الاقتصاد الليبرالي وما اجتازه من أطوار. وما يميّز طريقة بولانيي في وضع هذا التاريخ (وما يجعل روايته ذات أهمّية قصوى للمجتمعات الواقعة في خارج مسرحه الأوروبي) إنما هو وضعه مسار النظام المؤرّخ له بإزاء الأنظمة غير الرأسمالية التي كان على النظام الناشئ أن يجاذبها ويسعى في تدميرها: سواءٌ أتعلّقَ الأمر ببنى وشبكات كانت تحمي الأفراد في المجتمعات الأوروبية من التذرية (التي هي شرط علاقة العمل المناسبة لرأس المال) أم تعلّقَ بالجماعات الأصلية في البلدان المستعمرة… وهذه الأخيرة جماعات فرض استتباب السيادة عليها لرأس المال أن تُنْزَلَ بها بليّةُ الجوع الذي كانت صيغ التضامن التقليدية فيها تقي منه الأفراد وقايةً تامّة.
سعى النظام الجديد في تدمير هذا كلّه وأنشأ عوضاً عنه قوّة العمل «الحرّة» (أي المجرّدة من كلّ حماية والمعرّضة للموت إذا لم تَعْرِضْ نفسها للبيع وتَجِدْ من يشتريها) وسعى، في المساق نفسه، إلى نشر منطق السوق إلى كلّ تبادلٍ لخدمةٍ أو لسلعةٍ يحصُل في المجتمع.
وأما أهمّ ما أثمره هذا التدمير فلا تدلّ عليه بالدقّة المتوخّاة ـ إذا نحن أحْسَنّا قراءةَ بولانيي ـ تسمية الاقتصاد الرأسمالي أو تسمية النظام الليبرالي. وذاك أن ما حصل كان اختراعاً للاقتصاد من أصله باعتباره قطاعاً لإنتاج معاش البشر قائماً برأسه أي مستقلّاً عن المجتمع وإملاءاته المختلفة وخاضعاً لقوانينه الخاصة به ولقواعد عمله ومتّجهاً إلى إبطال ما قد يعترض هيمنته على المجتمع بوجوه نشاطه كلّها ومؤسّساته وبنى العلاقات فيه.
وذاك أن ما يتبدّى من ترسّم بولانيي لتاريخ الرأسمالية هو أن الاقتصاد لا يعدو أن يكون صنيعةً للنظام الرأسمالي لم يكن لها وجود قبل استتباب الأمر لهذا الأخير. الاقتصاد: لا بصفته فرعاً من معرفة المجتمعات البشرية بنفسها وحسب بل بصفته نظاماً مادياً مستقلاً أيضاً يملي استقلالُه تكريسَ فرعٍ خاصّ به من فروع المعارف.
يشير بولانيي إلى أن أرسطو، وهو الموسوعي الذي رأى فيه فلاسفة الإسلام معلّمهم «الأوّل» في كل باب، قد أدرج الكلام في الاقتصاد، لا في تأليف من تآليفه على حدةٍ، بل في كتاب «السياسة». وهو قد ميّز في كلامه على الاقتصاد، في حَدْسٍ يراه بولانيي عبقرياً، بين «تدبير المنزل» أي تحصيل المعاش (وهذا هو معنى اللفظ اليوناني الدالّ على «الاقتصاد») وبين كسب المال أو إنماء الثروة الذي هو شيءٌ آخر.
لم يبلُغ استقلالُ الاقتصاد، بهذا المعنى الثاني، مداه إلا في النظام الراسمالي. حتى أن بولانيي يرى أن آدم سميث الذي يُنْسَب إليه تأسيسُ علم الاقتصاد السياسي الحديث لم يكن قد بلغ الغاية من هذا التأسيس. فهو لم يتوصّل، في زمانه، أي في أواخر القرن الثامن عشر، إلى إبراز الانفصال المنشود لمنطق رأس المال عن المجتمع بمؤسساته وبناه الموجَّهة إلى حماية الجماعات والأفراد. وأما الذي بلغ هذه الغاية، بعد كتاب سميث بعقود قليلة، فهو ريكاردو الذي يلاحظ بولانيي ما بينه وبين نظرية ماركس من قُرْبى وثيقة. ولا بدّ ههنا من الإشارة إلى أن بولانيي الذي يُسَخّف التصوّرَ الاقتصادي للطبقة ولصراع الطبقات (وكذلك حصرَ صيغ الصراع الاجتماعي في هذا الأخير) ينحو نحو تبرئة ماركس من هذا كلّه. ولكن ماركس الذي يبرّئه ليس ماركس الريكاردي أو ماركس الأعمال المتأخرة، أي «رأس المال» على التخصيص. بل هو ماركس الشاب المتفلسف، الحَفِيّ بالمجتمع والإنسان بسائر أبعادهما. معنى هذا أن بولانيي (الذي كان اشتراكياً ولم يكن ماركسياً) يتّخذ لتقويم النظرية الماركسية مقياساً معاكساً كلّياً لذاك الذي اعتمده لويس ألتوسير وتلاميذه بعد كتاب بولانيي بعقدين من الزمن.
ما يعنينا من هذا كلّه هنا هو أن الاقتصاد، علماً وموضوعاً، إنما هو ـ في ما رآه هذا المؤلف ـ حصيلةُ تجريدٍ مهولٍ أجراه نظامٌ مؤرَّخُ الميلاد في الزمان ومعروفٌ مكانُ ولادته أيضاً وإن يكن لم يَبْقَ بمنجاةٍ من أفاعيله صقعٌ من أصقاع الأرض. فبأيّ منطقٍ يراد للاقتصاد أن يكون المحرّك الأوّل للتاريخ إن لم يكن له وجود مستقلّ في التاريخ قبل هذا العهد القريب؟ وبأيّ منطقٍ يراد له أن يكون ذا فاعلية منفصلة عن فاعلية سواه من مُقَوّمات الوجود الاجتماعي حيث بقي متّحداً، في الواقع، وهذه العناصر أي في كثيرٍ من مجتمعات الأرض؟ أعلم أن ملجأ «اللاشعور» الفرويدي (وقد وجده ألتوسير، مثلاً، في متناوله) يبقى متاحاً لمن احتاج إليه. فيُقال أن الاقتصاد كان يفعل فِعْلَه الحاسم من غير أن يكون ماثلاً، بما هو فاعلٌ مستقل، في شعور الخاضعين لفعله ذاك. ولكن وجاهةَ هذا الكلام تبقى محتاجة إلى إثبات. يبقى الآخذون به محتاجين إلى ما يثبت أنه ليس مجرّد مهربٍ من الحَرَج يفتعلونَه.
فإذا نحن اسْتَجَبْنا لما في كتاب بولانيي من دعوةٍ إلى تَرْكِ عادةٍ فكرية رسّخها فينا قرن ونيّف من سيادة النظام الرأسمالي الغربي وسيادة الرؤيا الموهمة بأبدية تلك السيادة… وإذا نحن لبّينا الدعوة إلى الخروج من سيادة الماركسية أيضاً بما هي نظام فكري مأسور في النطاق الذي فرضه نقده للاقتصاد الرأسمالي الغربي أيضاً… أمكن أن نباشر ببصيرةٍ جديدة نظرَنا في الكلّ الاجتماعي الذي نحن فيه غير مندهشين من فاعليةِ عواملَ تبدو غالبةً عليه لا تنتمي إلى الاقتصاد: من قبيل الرغبة في تحصيل الحرية وفي تحصيل الكرامة أي الاعتراف الاجتماعي ومن قبيل استنفار الدين أيضاً ومعه (أو ضدّه) سائرُ مقوّمات الثقافة الأوّلية من نُظُمِ قرابةٍ وقِيَمٍ أخرى…
لا ننطلق إذن من تلقائية التمييز بين البنيتين المشهورتين أيّاً يكن المجتمع. بل ننطلق من تنوّع المجتمعات ومن تنوّع علاقاتها بالرأسمالية. ننظر في المجتمع بما هو كلٌّ مبدئيّ مدركين أن ما نفرِده من مقوّماته قد يكون أصبح ممتّعاً بقسطٍ من الاستقلال الفعلي يجب التوصل إلى تعيينه وقد لا يكون سوى ثمرة عقلية لما نجريه من عمل التحليل. ونتعلّم أن الحالين (أي حالَ معاينة التميّز وحالَ افتراض التمييز) لا تستويان وأن علينا أن نقوّم فاعلية كلّ فاعلٍ بحسب ما تبيّنها لنا المعاينة لا بحسب ما تسرّب إلى عقولنا من مسبقات. لا نفعل هذا إزراءً بالاقتصاد (الذي تتعلّق به حياةُ البشر، في نهاية المطاف) بل حفاوةً واقعية بالتكاوين الحسّية وبأنظمة الأفكار والقِيَم التي قد لا يكون الاقتصادُ غيرَ ركنٍ من أركان تشكيلها يشيل الكلّ الاجتماعي بمكانته أو يحطّ.
سبق القول أن هذا كلامٌ ملقىً على عواهنه. هو ملقىً بين يَدَيْ من يرغب في تدبّره أو تدبّر موضوعه.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

«نظريّة كل شيء»

أحمد بيضون

يكفي التضادّ بين ما في المقاطع التي تعلن عن أفلامٍ أخرى يجري عرضها أو هي ستعرض في مجمّع الصالات الذي جئتَ إليه لمشاهدة هذا الفيلم من صخبٍ مهول وبين البطء المضني الذي يلزم المرض به ستيفان هوكن
غ وهو يحاول صعود السلّم الداخلي في منزله… يكفي هذا التضادّ لتعلم أنك تشاهد عملاً يقع خارج موجة استثارة الحواسّ بمقادير من عنف المؤثّرات تفترض بلوغ بشر اليوم أغوار البلادة القصوى. وهي الموجة التي تتصدّر صالات العالم، من زمن غير قليل، ومعها شبابيك تذاكره، على ما يبدو.
لا يتأتى حبسُ الأنفاس هنا من تسارع الصدمات أو الانفجارات الرهيبة والسرعة المرعبة للصواريخ أو للمركبات المنخرطة في مواجهةٍ كونية ما وما يصحب ذلك كله من تضافر الأضواء الباهرة واستشراء النيران المدمّرة وتلاحق الضربات المدوّية التي توجّه إلى الأعداء وضخامة الوسائل التي تتقى بها الضربات… وإنما يتأتى من مراقبة رجلٍ يجمع هشاشة البدن المتفاقمة إلى ملحمية التصميم وهو يقطع خطواتٍ في غرفته تبدو كلّ منها منطويةً على خطرٍ عليه أو يحاول إبلاغَ اللقمة فمَه أو ابتلاعَها.
وهذا مع أن الكون وزمنه غامرا الحضور في هذا العمل من أوّله إلى آخره. بل هما الطبقة الأساسية من طبقات الوقائع التي تتبادل الدلالات ويعزّز بعضها بعضاً في تيّارٍ يجمع بين التوتّر والبطء هو تيّار السيرة التي وضعتها جين وايلد لزوجها عالم الفيزياء النظرية البريطاني ستيفن هوكنغ وكانت هي أساس هذا الفيلم.
ولنقل بلا مزيدٍ من الإبطاء أن المشاهد يخرج شبه يائس من أن يتاح له أن يحظى بعد عمل جيمس مارش هذا بشريط آخر ينطوي، بين بدايته ونهايته، على هذا القدر من مجد الإنسانية المتمثّل ههنا في مسارِ فيزيائيٍّ ألمعيِّ القدرات والهموم يواجهه مرضٌ في جهازه العصبي يعده بالقتل المتدرّج لقدراته الحركية وبالموت القريب من ثمّ. ومسار الرجل هو هنا مساره مع شريكته أو هو مسارُ شريكته معه. هذا الذي نسمّيه تجسيداً لمجد الإنسانية ينبني بلبناتٍ صغيرة من تفاصيل الحياة اليومية تخلو – بخلاف ما توحي به كلمة «مجد» – من كلّ إطنابٍ أو خطابة. غير أنه يكتسب عظمته من نوعٍ من الوصل المستمرّ يجترحه ما بين السماء والأرض: ما بين الزمن الضيق الذي يمنحه المرض للعالم والزمن الكوني الذي يبحث له هذا العالم عن أوّلٍ وآخر… أو هو يبحث، بالتردّد المرجّح للبحث بين مرحلةٍ ومرحلة، إن كان له أوّلٌ او آخر. ولا تبدو الصلة بين هذين الزمنين سوى صلة الحبّ التي تجمع جين الصبية، دارسة أدب القرون الوسطى في شبه الجزيرة الإيبيرية، بمن سيصبح زوجها. وهي نفسها صلة العزيمة التي ينفخها الأمل في جسم الرجل وهو يشهد المرض ينزلق به من الخلل في التوازن واضطراب المشي وبطئه إلى الاحتباس في كرسي درّاج ثم إلى فقدان القدرة على النطق، بعد جراحة اضطرارية، فضلاً عن قدراتٍ حركية أخرى يوشك أن يحيله فقدانها إلى روح محضة: روحٍ أصبحت لا تجد في الجسم سوى «المحبس»، على قول المعرّي.
وما يزيد هذه الملحمة بعداً عن الخطابة – بخلاف ما قد توحي به تسمية «الملحمة» وهي مستحقّة ههنا – أن الخلل الملازم لكلّ شيءٍ بشري يتطرّق إلى العلاقة بين الزوجين ويفضي بهما إلى الانفصال. ينفصلان بعد مطافٍ طويل مدّت الطاقة التي تولّدت فيه في عمر ستيفن واستهلكت ردحاً غير يسير من عمر جين وأثمرت ثلاثة أولادٍ كبروا تباعاً في المناخ الذي فرضته معاركة والديهم للمرض.
هذا الانفصال يبدو اختياراً من ستيفن، بمعنى ما، أراده لتحرير زوجته من عبء البطولة التي كانتها حياتها معه. وهو اختيار سهّلته العلاقة الرقيقة التي نشأت بين ستيفن وإلين: الممرّضة التي جاءت بها زوجته لتحمل معها بعض العبء ولتحرّر جانباً من وقتها لنفسها وللأولاد. والانفصال نفسه محطّة تفضي إليها الزوجة أيضاً في مساق علاقة متقطّعة بالقسّ الأرمل جوناثان الذي جاءت به إلى البيت مدرّس بيانو لولدها ثم أصبح مساعداً لستيفن أيضاً وصديقاً للأسرة بادلته الزوجة عاطفةً أفلتت من كوابحها بعد حين…
لا زعم إذن لكمالٍ ما لا يقدر عليه البشر في الحبّ الذي جمع بين جين وستيفن في مسار علاقتهما الملحمي. ولكن الخلل البشري الذي يتطرّق إلى هذه العلاقة المديدة الشاقّة يبقى أبعد ما يكون عن الاستواء مطعناً في جمال هذه العلاقة. بل هو لا يزيد نبضها إلا رقّةً ولا يضفي عليها إلا المزيد من الألق فيما هو يتّجه إلى فصم عروة الزوجية التي تمثّل نطاقها الحسّي أو المؤسّسي.
تتراكب في مسار هذا الشريط طبقات عدّة تمثّل كلّ منها نوعاً من الكناية عن الأخرى. فالفيزيائي الباحث عن بدء للزمن والملحد الذي يبدو وكأنه يقارب شيئاً فشيئاً نوعاً من الحلولية، في محطّة يقترن فيها بحثه العلمي بمأساته الشخصية، والعائد تكراراً إلى حوار في مسألة الخلق تستدرجه إليه زوجته المؤمنة يبدو وكأنّما يستعيد في مسلكه حيال المرض نظرية الثقوب السود والطاقة التي يزيدها التراجع نحو بدء الزمن الكوني كثافةً ولكن مرحلةً أخرى من البحث ترجّح تبدّدها… يبدو هذا الرجل المحتاج إلى طاقة الأمل الهائلة فيه وكأنه يجسّد، على نحوٍ ما، كثافة الطاقة الأصلية التي نشأت منها المجرّات والثقوب السود وكأنه يستعيد مخاطر التبدّد التي صحبت هذه النشأة ومعها ما يقابلها من توسّع للكون لا حدّ معلوماً له ولا نهاية.
في قصّة هذا الرجل وامرأته حوارٌ في مسألة الله والخلق لا يُحسم. وفيها تردّد في الرواية التي يصحّ اعتمادها لنشأة الكون وفيها إقرار بالعجز، حتى تاريخه، عن الوصول إلى المعادلة الأخيرة المنشودة: تلك التي تمثّل خلاصة لـ»نظرية كلّ شيء»… للنظرية التي تحلّ لغز العالم. ولكن هذا الفيلم يزعم أن ثمة محلاًّ يبقى للأمل في طاقة الحبّ وفي عزيمة العقل أي في الإنسان.
لا أتنطّح هنا لتناول المزايا السينمائية لهذا الفيلم. مع ذلك لا أملك أن أتجاهل ما تركه الشريط في نفس مشاهد هو أنا من شعورٍ بكمال الإخراج، بسائر وجوهه. لا أملك أيضاً أن لا أتوقّف، بخاصّةٍ، عند أداء إدي ريدمان الذي اضطلع بدور ستيفن هوكنغ وهو يتقدّم في علّته من طورٍ إلى طور. ذاك أداءٌ معجزٌ حقّاً…
كاتب لبناني

أحمد بيضون

العلمانيّون وخصومُهم

أحمد بيضون

أعود من حيث انتهيت في عُجالتي الأخيرة.
في غداة ثورة 25 يناير/كانون الثاني2011، اقتضت المناقشات المتعلّقة بطبيعة النظام المصري الجديد تجديد البحث في مبدأ «الدولة المدنية». ونجد بين أيدينا محاولة إسلامية للاستيلاء على هذا المبدأ تستحقّ أن نقف عندها. تلك محاولة أحمد سالم الذي وقّع باسم «أبو فهر السلفي» كتيّباً جعل موضوعه «الحكم المدني». وهو يوضح فيه مستعيناً على ذلك ابن تيمية وآخرين من أعلام الفقه أن من يَلُون الأحكامَ في الدولة الإسلامية عليهم أن يعتمدوا شرع الله مرجعاً وحيداً لهم. ولكنه يضيف أن هؤلاء الأفراد الذين يعيّنهم أناس آخرون ولا يحصُل تعيينهم بأمرٍ ربّاني لا يُعَدّون، بأيّ معنىً، بشراً معصومين. وعليه يبقى تفسيرهم الشرع وكذلك اتبّاعهم إيّاه قابلَين للأخذ والردّ. ويصحّ أن تطلق على حكمهم صفة المدني لجهة أنه لا يسعه الاعتداد بمصدرٍ إلهيّ فلا يعتبر حكماً ثيوقراطياً.
هذه السلطة تبقى، في اتّباعها الشرع، أسيرة حدود بشرية كلّياً تحدّ عقول متولّيها وإراداتهم. عليه لا تكون الدولة المسايرة لهذا التصوّر دولة دينية في عُرْفِ أبي فهر. فإنما هي دولةٌ مدنية وليس لهذه الصفة أن تمنع، بأيّ حالٍ، وصفها بأنها دولةٌ إسلامية. ندرك إذن أن الدولة الإسلامية شيء والدولة الدينية شيء آخر مختلف ٌ عنها جدّاً. هذا ولا ينسى أبو فهرٍ تذكيرنا بأن هذه الدولة التي يمثّل التزامُها الشريعة ضمانَ شرعيتها الوحيد ليست بالدولة العلمانية.
ما الذي تفقده هذه الدولة بافتقادها الصفة العلمانية؟ لا يصعب علينا أن ندرك أن المساواة بين المواطنين هي رأس ما يضحّى به ههنا. فإن المؤمنين (أي المسلمين) يعدّون ذوي امتيازٍ تلقائيّ على سواهم من الأهلين. وتتعرّض حرّياتٌ مختلفة للامتهان ويصبح غير المسلمين هم الضحايا المعرّضين بالأوّلية للتضرّر من امتهانها بحكم استضعافهم. على أن الحرّية التي يبدو غيابها ساطعاً عن عالم أبي فهر الذهني إنما هي تلك التي تحتلّ موقع الركيزة من تصوّر العلمانية وهي حرّية الضمير. ويعاني المسلمون الذين يحال بينهم وبين تغيير معتقدهم من غيابها فوق ما يعانيه أولئك الذين يتعيّن عليهم القبول بموقعهم الدونيّ لقاءَ ما يسلَّم لهم به من هذه الحرّية. وأمّا العلمانية فإن ما يسبق رعايتَها توزّعَ المعتقدات الجماعية في المجتمع إنما هو، في عُرْفها، حقّ كلّ من المواطنين في اعتناق الاعتقاد الذي يرضيه وحقّه، إذا لزم الأمر، في تغييره مستجيباً لما تدعوه إليه خبرته.
فهل يجدي أنصارَ العلمانية في مجتمعاتنا التي يغلب عليها الإسلام شيئاً أن يقدّموا تضحيات تتناول المضمون أو أخرى تُقْتصَر على الشكل وحسب فيرفعوا مثلاً راية الحكم المدني عوضاً عن راية اخرى يرونها أشدّ استنفاراً للخصومة هي راية العلمانية؟ وألى أيّ مدىً يمكنهم المضيّ في تكييف العلمانية أو في تلطيفها إذا هم شاؤوا الإبقاء على الجوهر؟ هل يجدي رشّ بعض السكّر على اللقمة المرّة وكأنما يراد تهريب نظامٍ للحكم برمّته يرفضه المستهدفون به؟ وهل يصحّ، من الجهة الأخرى، أن يضحّى بمبدأ السيادة الشعبية وهو الضامن لحرية المواطنين وللمساواة بينهم؟ وهل يستقيم أن ينكر على هذه السيادة موقعها بما هي مصدر التشريع؟
وهل ينكر أن حرّية الضمير، وهي المقدّمة بين الحرّيات، مورثة لصنوف شتّى من التنوّع سواء أوجد التعدّد المذهبي في المجتمع أم لم يوجد؟ وإذا كان يتعيّن على الدولة العلمانية أن تحمي المذاهب الدينية وأن تضمن لها حرّية الشعائر في حدود النظام العامّ فهل يعتبر مشروعاً أن يجاز للطوائف ضمّ الأفراد ضمّاً حكميّاً، على ما هي الحال في لبنان، إلى جماعات لا يرغبون في الانتماء إليها؟ أليست هذه القاعدة، وهي داخلة في جوهر النظام القانوني والسياسي في لبنان، منافيةً لحرّياتٍ أساسية يضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟ وهل يفعل شيئاً سوى الإفراط في الهزل، من جهةٍ أخرى، من يطلقُ صفة العلمانية على النظامين البعثيين في سوريا والعراق؟ لا نشير هنا إلى اتّخاذهما العنوان العلماني قناعاً لطائفية معلومة في الحالتين. وإنما نرى أولى بالإشارة ضراوة الحرب التي شنّاها دائماً على حريّة الضمير حيث وجد لها أثر. ونشير للمساق نفسه أن التصدّي بالعنف لحركات أو طواقم ذات صفةٍ دينية لا يسبغ صفة العلمانية على الفاعل تلقائياً. فإنما يقبع جذر هذه الأخيرة في تربة أخرى بعيدة كلّ البعد عن هذه.
من جهتها، تعتمد الدولة الدينية أو المذهبية منطلقاً لها التعيينَ الرمزي لمن لهم مقام السادة ورسمَ نطاق المجال الذي هو مجالهم ومجال الجماعة التي ينتمي إليها أتباعهم. هكذا تحجّب هذه الدولة النساء وتفرض عليهن نظاماً سلوكياً مغالياً في دقّة أحكامه وذلك لإبلاغ سلطانها عمقَ الأجساد والبيوت. والحال أن أجسادَ النساء ودواخلَ البيوت يمْثُل فيها شرفُ الرجال أيضاً. عليه يبسط أصحابُ السلطة الدينية سيطرتهم على الرجال حين يجعلون شرف هؤلاء تحت رقابتهم عبر تحكّمهم بسلوك النساء. ويصبح في وسعهم مذّاك أن يزيدوا في كثافة الشعائر بحيث تتّخذ صفة الوسواس وأن يميلوا بهذه الشعائر نحو الأداء الجمعي. ذاك ما يفضي، في اعتبارهم، إلى القضاء على كلّ مقاومة، مباشرةٍ أو غير مباشرة، لهيمنتهم.
ما يزال المشروع الكلّي للدولة الدينية مشتّتا نسبيّاً، في المجال العربي الراهن، متباين درجات التحقّق. ولكنه يتوفّر على موارد مهولةٍ من كلّ نوعٍ في المجال المذكور. فهو يفيد من أساليب عملٍ مجرّبة وهذه أساليبُ ليس في ترسيماتها العامّة شيءٌ إسلامي سوى جانب من مصطلحها. وأما السلطة التي تفرزها هذه الأساليب فليست إلهية الصفة بأيّ حال. وإنما هي سلطة فئةِ من الناس تضرب فروعها في كلّ اتّجاه أو تملك إمكان التفرّع في الأقلّ.
لا يجزي التيّار العلماني أن يواجه مارد السلطة الدينية مواجهةً طويلة النفَس بما يقْرُب أن يكون لَعِباً بالألفاظ ولا يجزيه أن يواجهها بتنزّلاتٍ جوهرية وتسويات إستراتيجية في كلّ حال. بل إن على المقاومة العلمانية أن تستبقي لنفسها درجة الشمول المكافئة لتلك التي يتميّز بها الخصم. يبقى أن أولى مهمّات التيّار العلماني هي تقديم البرهان على وجوده. فالواقع الذي لا بدّ من التصريح به أن التيار العلماني العربي مردودٌ في الوقت الحاضر أسفلَ سافلين. ولا يبدو منظره مثيراً لغير الشجن إذا ما هو قيس بمنظر مخاصميه.
ومن ذلك أن بعضاً من أقرب الجماعات إلى الاضطلاع بعبْ المقاومة العلمانية تؤثر إخفاء رأسها في حضنٍ لا يحمي هو حضن المنطق الأقلّي. هي خائفة على حرّياتها وهذا خوف ممتّعٌ بالشرعية وبالواقعية معاً. ولكن أين لخطّ الدفاع الأقلّي، وهو الساعي إلى تعميم التمييز والمُدافع أيضاً عن الطغاة، أن يأمَلَ الصمودَ فيما هو يسهم في طمس الفوارق في صفوف الأكثرية إذ لا يجد ما يعرّف به نفْسَه غير مجابهتها؟ أليس أقربَ إلى الحكمة وأبعدَ، في الوقت نفسه، عن المذلّة أن يتّجه السعي نحو نبذ التمييز بصوره جميعاً عوضَ المثابرة، بقوّة العادة وحدها، على البحث عن ملجأ في تمييزٍ تؤمل منه الحماية ولكنه يزداد قرباً كلّ يومٍ من دنيا الوهم؟

كاتب لبناني

أحمد بيضون

العلمانية خلْسةً؟

أحمد بيضون

لا تتمتّع العلمانية بصيت حسن في المشرق العربي. ولم يكن لطوفان الإسلام السياسي واحتدام تيّاراته إلا أن يزيدا صيتَ العلمانية سوءاً. لم يظهر نفعٌ يذكَر للصوت الذي ارتفع ألف مرّة منوّهاً بأن «فصلَ الدين عن الدولة» ليس خروجاً على الدين وإنما هو يحمي الدين إذ ينزّهه عن ابتذال المنازعات السياسية.
تختلف ردود الفعل، والحقّ يقال، على المواقف ذات المشرب العلماني من بلادٍ في هذه المنطقة إلى أخرى. ففي مصر يجازف المرء باستثارة من يبتغي ردَّه إلى الصواب بحمّيةٍ قد تبلغ حدّ العنف إذا هو أعلن في محفل عامٍّ تأييده لنظام حكم علماني. بل إنه قد يستدرج ردّ الفعل نفسه إذا قال بعلمنةٍ ذات بالٍ للقانون المدني وهذا على الرغم من الصفة التي يجهر بها اسم هذا القانون. يبقى صحيحاً مع ذلك أن تغيير هذا النظام أو ذاك من أنظمة الحكم في المنطقة قد يقوّي وقد يضعف النوازع إلى نشر سلطان الدين على مضامير بعينها من الحياة الاجتماعية لا يكون الدين قد استولى على مقاليدها إلى ذلك الحين.
في لبنان، يبقى دعاة العلمانية أقلّيين إلى حدّ يتيح إدراجهم بين أسرى الوهم. فهم وإن لم يكونوا مثارَ نفورٍ مبادر لا يمثّلون خطراً على النظام القائم أيةً كانت عللُه التي لا يرجى لها شفاء. مع ذلك لا يلقي خصومُ الواقعية هؤلاء سلاحَهم وهم لم يلقوه، في الواقع، في أيّ وقت. وقد حصل أن حصّلوا تنازلات ثانوية من النظام ولكن الطائفية تبقى سيّدة الموقف في ديارها سواء أتعلّق الأمر بالنظام السياسي أم بمساقات الاندراج في الاجتماع وبأطره وبالعلاقات البينفردية.
في العراق أيضاً، مضى من زمن طويل عهدُ مِثال العلمنة ذات المنحى الاشتراكي ولكن العلمنة عادت فعرفت بعض الحظوة غداة الاجتياح الأمريكي للبلاد في سنة 2003. ففي وسط الجائحة التي مثّلها الصراع الطائفي سُمعت أصوات ما لبثت الجائحة أن خنقتها لمثقّفين طلبوا النجدة من ماكيافيلي أو من لوك عسى أن يتمكنوا من صوغ الأجوبة التي تقتضيها المواطنة لمسائل ما بعد الدكتاتورية ولظواهر التعبئة العدوانية طائفيةً كانت أم قومية أم قبلية…، إلخ.
وإذ يشعر العلمانيون العرب بالضعف العامّ في قواعد موقفهم نراهم يوطّنون أنفسهم في كلّ مكان تقريباً على الغضّ شيئاً ما من صراحة مطالبهم ذات الصفة العلمانية المسمّاة باسمها ويرتدّون إلى مواقع ينعتونها بـ»المدنية». تلك صفة تسمع لها أصداءُ عداءٍ للطواقم الدينية أخْفَتُ من أصداء الأخرى. وتجد الإصلاحات التي يرد ذكرها تحت هذا العنوان تتويجاً لها في مطلبٍ إستراتيجي هو مطلب «الدولة المدنية». وكان الأَوْلى أن يقال «حكومة مدنية» إن شئنا الإبقاءَ على المصطلح الذي يعتمده جون لوك إذ المذكور هو المرجع المعلن أو المبطن لهؤلاء الإصلاحيين الشجعان. فنقول «حكومة مدنية» ولا نقول «دولة مدنية» بالإنكليزية ولا نقرب الترجمة الحرفية إلى الفرنسية لهذه العبارة الأخيرة إذ هي تنقلنا من صعيد للوقائع إلى صعيد آخر.
والخلاصة أن مصطلح «الدولة المدنية» مصطلح أنكلوسكسوني الأصل. وهو قد رعى، حيث ولد، إمدادَ مؤسسة العرش بشرعية مضافة مصدرها الكنيسة القومية. ولكنه لم يجعل نفسه أساساً للتمييز بين جماعات المواطنين المذهبية في حقوق المواطنة. ومعلومٌ أن هذا الحرص لم يُنْجِ بريطانيا من أطوارِ نزاعٍ مديدة كان الأثر المذهبي واضح الفاعلية فيها. وفي المشرق العربي، استَعْمل مصطلحَ «الدولة المدنية» مصريون وعراقيون بشيء من العفوية حداهم إلى ذلك طول عهدهم بمصادره الأنكلوسكسونية فضلاً عن توجّسٍ مرجّح من ردود الفعل بين ظهرانيهم على الرطانة العلمانية. ثم استحوذت على المصطلح نفسه فئة من المثقفين اللبنانيين كانت راغبةً، هي أيضاً، في جعل المستقبل الذي تدعو إليه مثاراً لمقدارٍ من القلق أقلّ.
على أن مصطلح «الحكم المدني» هذا إذ يُدْعى إلى الاستواء ضدّاً لمصطلح الحكم العسكري، من جهةٍ، ولمصطلح الحكم الديني أو الطائفي، من الجهة الأخرى، يبدو وكأنما يحمّل فوق طاقته فيسيء أداء المهمّة المنوطة به. وذاك أنه يوشك أن يجنح إلى السفسطة أو إلى الحذلقة الخطابية حين يزعم القدرة على الاستواء بديلاً لاثنين من أنظمة الحكم طالما ناطح أحدُهما الآخر أو هما لم يظهر بينهما من السمات المشتركة ما يعتدّ به، في كلّ حال. فالواقع أن الحكم الديني يصبح في وسعه، إذا اعتمدنا هذا الخلط، أن يعلن نفسه مدنيّاً طالما أنه ليس بالعسكري وأن الحكم العسكري يسعه إذّاك أن يصف نفسه بالمدني ما دام أنه ليس دينياً. وهو ما ينتهي إلى استحالة هذا البديل المقترح إلى عبارة فارغة… هذا ما لم ندرج بكل الصراحة المقتضاة، في موضع القلب من هذا المفهوم، مبدأ العلمانية مصحوباً بمقدّماته الفلسفية: وهي الحرّية والمساواة بين المواطنين. فهاتان هما بمثابة الأساس، وهما الحدّ أيضاً، للسيادة الشعبية التي تجعل لجماعة المواطنين صفةَ مصدر التشريع فتمنع استتباعَ الدولة من جانب السلطة الدينية وتمنع بالتالي كلّ تمييزٍ بين المواطنين على أساس الدين.
وذاك أن قصارى المثال العلماني ليست كبت الدين ولا الرزوح على حرّيات المتدينين. وإنما هي أن يُبْعِد التقديس عن أهل السلطة وعن أعمال التشريع والسياسة، وهذا مع اطوائه على العلم بوجود أصولٍ دينية للقيم التي يفترض أن ترعاها هذه وأولئك. ففي اعتماد هذا المثال وعي لكون اعتماد التقديس في هذا المضمار أو استدعاء المقدّس إليه لا يعدوان تمهيد الأرض للاستبداد بدعوى تمثيل المقدّس وللفساد بشتّى ألوانه بعد استبعاد الجراة من جانب الرعايا على المحاسبة. هذا التقديس يوجّه صاحبَ السلطان، في نهاية المطاف، إلى البطش بكلّ معارضة متوسّلاً وصفها بالمروق من الطاعة لله وللمؤتمنين على مشيئته في الأرض وفي أهلها.
هذا، في كلّ حالٍ، «بحثٌ» له «صلة». فإلى العجالة المقبلة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

«نقّل فؤادك»…

أحمد بيضون

من كان من معارف حسن داود أو ألمّ بشيء من سيرته الشخصية علم أن هذا الروائي يُدْرج كثيراً من وقائع حياته في أعماله الروائية. يتباين هذا من عملٍ إلى عمل ولكن يحصل في معظمها إن لم يكن في جميعها. ولا ملامة على الروائي في هذا، من حيث المبدأ. وينأى احتمال اللوم وتتضاءل الحاجة إلى المبدأ حين تكون للروائي دربة حسن داود فيلاحظ القارئ كم يبدو بعيداً عن نفسه، صارماً في النظر إليها، هذا الذي يدْخِل ملمحاً من ملامحه أو واقعةً من وقائع سيرته في صورة هذا أو ذاك من شخوص الرواية أو في مسلكه وفي ما يجري له من فصلٍ إلى فصل.
في رواية حسن داود الأخيرة «نقّل فؤادك»، يزيد من قوّة الحضور التي للكاتب في عمله أن الراوية الذي هو موضوع الرواية أيضاً، ويدعى قاسم، يروي وقائع قريبة إلى الوقت الذي نحن فيه بحيث يبدو وكأنه لا يستردّها من ذاكرته بل يقصّها وهي تحصل وتبدو الفصول التي تتوالى أشبه باليوميات المختارة. وهو ما لم يمنع أن يكون الشخص موثَقاً إلى وقائع من ماضيه البعيد هي وقائع علاقته الضامرة المحتوى بزميلة دراسة كان تعلّقه بها قد بقي معلّقاً فلم يُفْضِ في حينه إلى مكاشفة ولم يتكرّس باعتراف. ما تستولي عليه هذه العلاقة القديمة، في الزمن الحيّ للرواية، هو الحياة الحاضرة لشخصٍ بات على مشارف الستين وابتعد نحواً من أربعين سنة عن أيّام تشكّلها الذي بقي ناقصاً.
وأمّا سائر ما هي عليه أحوال قاسم ومشاغله وحركاته وسكناته فهو راهن جدّاً. أي إنه متعلّق بالصحافي المشرف على الستين الذي لم يخفِ حسن داود في حديث ممتع تناول فيه هذه الرواية أنه هو نفسه، على نحوٍ ما، في ترسيمة علاقته الراهنة بمهنته وبمدينته… بل أيضاً في بحثه عن فتاة لا يتوصّل إلى تخيّل ما آلت إليه بعد أربعين سنة وكان قد زاملها سنة مدرسية واحدة وهي التي مثّلتها دلال عبّاشي في الرواية. وكان المؤلّف قد توقّع، في عباراتٍ صدّر بها الرواية، هذا الشعور بحضوره وحضورٍ بعضٍ من معارفه (في ملامح لهم ولعلاقته بهم، على الأقلّ) فأقرّ من يساوره هذا الشعور على شعوره ولكنّه أكّد أن هذا الشعور سيتغيّر مع المضيّ قُدُماً في القراءة.
لا تزيد هذه الذاتية وهذه الراهنية إلا شدّةً ما في الرواية من اختبار مُرّ لتفاوت السرعة بين زمن موضوعي – هو، مثلاً، زمن العمران – لا يلوي على شيء وبين زمن ذاتي – هو زمن الغرام القديم طبعاً ولكنه زمن العلاقة بالمهنة وبالمدينة أيضاً – يحتاج المؤلّف إلى روايته كلّها لزحزحته شيئاً ما عن مداره.
وذاك أن الحركة، أي التغيير، إنما تحصل في داخل الراوية. وهي تبدو استجابةً لما شهدته أو تشهده المدينة والبلاد إن شئنا أن نرى فيها شيئاً من هذا القبيل. ولكنّ هذا النوع من الإلمام الجامع يقتضي الوقوف على مسافة شاسعة. الحركة، في السرد، سلسلة من الاختبارات القصيرة المتداخلة يمثّل واحداً منها كلّ مشهد أو كلّ موقف. وهي لذلك لا تصبح حركةً إلا ببطءٍ مضنٍ، لا للقارئ بل للراوية ولمحاوريه الذين هم مداوروه بالأحرى.
أقول داخل الراوية مع العلم أن الدواخل كلّها ههنا لا تظهر بما هي كذلك. هي تتوسّل في ظهورها عبارات مادية: حركاتٍ، في الأغلب، أو كلاماً… وأحياناً حركاتٍ لا تحصل أو كلاماً لا يقال. لا أسماء هنا للعواطف ولا للانفعالات. لا يسمّى الحبّ باسمه إلا في معرض استذكار أفلامٍ مصرية. ولا يخلو أحد إلى شوقٍ حارق إلا لبنى عبد العزيز وهي تحتضن وسادتها الخالية. في مسلك حركات قاسم وأفعاله لا يوجد محلّ لسوى الرغبات الراكدة يسوسها تجاذبٌ شديد اليقظة. قاسم لا يجلس أبداً أو ينام في مشاعره: هو واقف دائماً على المسافة المناسبة لمشاهدتها وسياستها وللردّ، خصوصاً، على ما قد يبدر في سياقها من جانب سواه.
هو إذن نوع من صراعٍ مديد، دقيق العناصر، يبدو وكأن الخائضين فيه غير مكترثين لحسمه فعلاً. ولكنّه يسوقهم مع ذلك في مسالك تلبث مكتومة عنهم إلى أن يأتي وقتٌ يقولون فيه أو يفعلون ما يشي بأنهم تغيّروا شيئاً ما أو تغيّرت بهم الدنيا. هذا الصراع هو الحياة، في عُرْف حسن داود، أو هو السبيل إلى إدراك الحياة وروايتها. وتتمثّل عبقرية هذا الروائي كلّها في انتباه لا يتراخى لحظة ولا يفوته حسٌ أو طرفةُ عين. فهو يرى المجالسة بين شخصين استنفاراً لتكتيكات متقابلة يُتّقى بها ما تنطوي عليه كلّ مبادلة فيوشك أن يجعل منها، مهما تكن ضئيلة الظاهر، مسألة حياةٍ أو موت.
أسمّي هذا النوع من القصّ قصّاً تفكّرياً. فيه يبدو الراوية ضالعاً في ما يفعله وفي ما يُفعل به ولكنه دائمُ المراقبة لهذا الضلوع أيضاً دائبٌ في تحليل الموقف الذي هو فيه واستطلاعِ حركته واحتمالاته. وإذا وُجد من وصفٍ شعوريّ لما يحصل من أحد الشخوص فهو الحيرة، مثلاً، حيال الدلالة التي تصحّ نسبتها لعنصر من عناصر الموقف أو هو الجبن، مثلاً، حيال احتمالٍ ما، بالغِ الخطر عادةً، ينطوي عليه إتيانُ حركةٍ أو النطقُ بعبارة…
وقد كنت سمّيتُ، في تناولٍ لرواية أخرى لحسن داود، هذا المنطلق الذي يعتمده الروائي، لنَسْج ما أتردّد في تسميته حبكةً ولسَوْق ما لا أتردّد في تسميته صراعاً منطلقاً «إستراتيجياً»: أي متمثّلاً في منطق تَغالُبٍ شامل يتشعّب في تكتيكات مختلفة. وهي تسمية ٌ أرى الرواية التي بين يديّ تؤيّدها.
في هذه الرواية تبدو العلاقة بسعادٍ: الصديقة المتطوّعة لمساعدة قاسم في العثور على دلال، نوعاً من الهاوية وُجِد هذا التفتيش عن دلال لإدامة خطرها ولاستبعاد الوقوع فيها في آن. ويبدو احتمال تحوّلها إلى بديل معلن من «الحبّ الضائع» حافّة للهاوية يقف قاسمٌ عنده ذات مساء ولكنه يتحاشى تجاوزه أو لعله يفشل في هذا التجاوز. وحين نرجع إلى الذريعة الأصلية لهذا النزاع أي إلى العلاقة القديمة التي جمعت بين قاسم ودلال لا نجد منها سوى نتفٍ: خطوات لم يقطعها قاسم عندما وقفت له دلال عند المنعطف المفضي إلى بيتها أو تفاوض مرير على ترتيب الجلوس وقياس الوقوف في السينما… تضاف إلى هذا كنزة من هنا وإصبع من هناك. وتمْثُل الأجساد ومباني المدينة ومعالمها سواءً بسواءٍ على قدْرٍ من البعد وغموض الملامح. وتستوي النساء الآسيويات الثلاث، شيئاً فشيئاً، مَخْرجاً من مهنةٍ دخلت العلاقة بها أزمةً يتعذّر تعيين المسؤولية عنها ومخرجاً من المدينة الجديدة المسرعة إلى الذواء أيضاً ومن الحياة السابقة كلّها.
إلى هذا المَخْرج يبدو المسار، في صراعيته، هيغلياً للغاية. ويبدو عمل الحرية مشكِلاً إذ لا تلغي خارجية النظرة فاعليةَ نوعٍ من القدر يسوق التصرّفات أو نوعٍ من الوسواس يملي تصاميمها المتتالية. وحين يذكر الراوية ذلك البرنامج الخارق الذي يستعيد عمليّات ينفّذها الدماغ البشري وتسمح لنا أن نحلّل في كسرٍ من الثانية ما يمثّله لنا وجهٌ نلمحه، لا نعلم إن كان هذا البرنامج موجوداً في متجرٍ من المتاجر المختصة. ولكنّنا نعلم أن حسن داود لا يبارى في تشغيله.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

الضحك

أحمد بيضون

ما كان من الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون إلا أن استقبل بزوغَ القرن العشرين بكتابٍ صغير بديع جعل عنوانَه «الضحك» وجعل له عنواناً ثانياً «رسالةٌ في دلالة الهزل». وذاك أنه لم يكن يريد أن يتناول أيّ ضحكٍ كان بل أراد «الهزل» موضوعاً له وجعل غايته أن يتوصّل إلى حصرٍ لكيفيّات «صناعة الهزلي». والهزل ههنا هو، على سبيل المثال لا الحصر، ذاك الذي نجعله صفةً للمسرح الهزلي، بأنواعه الكثيرة، أو – على الأعمّ – للأدب الهزلي. صدر الكتاب إذن سنة 1900 وكان مؤلّفاً من مقالاتٍ ثلاث نُشِرَت، قُبَيل جمعها، في مجلّة كانت تدعى «مجلّة باريس».
يوغل برغسون في تحليل هذه الكتلة من الأعمال وما تعرضه أو تستوحيه من أفعالٍ وأقوال إيغال المغامر غير المتهيب تشعّبَ السبل وبُعدَ المَطالب وشَبَهَ رحلته الكثيرة المحطّات بالسَفَر في متاهة. وهو يجعل الهزل، بادئ بدء، في أصنافٍ كبرى تَبَعاً لمادّة الهزل أو مستنده. فيفرّق أوّلاً ما بين الهزل في الصور والهزل في الحركات ثم يفرّق، في فصلٍ تالٍ، ما بين الموقف الهزليّ والكلام الهزلي. ثم نعلم أنه إنما ابتغى الوصول إلى غايةٍ أبعد منالاً هي حصر مقوّمات الهزل الذي يقترن ببعض من طبائع البشر: البخل، مثلاً، أو الغرور…
وتتمثّل خطّة الفيلسوف في حصر نوع من الداعي العامّ للضحك يعرض له أوّلاً في حالات الهزل البسيطة أي، على الخصوص، في حركات أو عبارات يقع عليها في نصوص مسرحية أو يستذكرها من مشاهد من الحياة اليومية. هذا أوّلاً. ثم إن المؤلّف يقع، في المستوى الأعلى من الهزل، أي في ذاك الملازم للطبائع، على هذا الداعي نفسه وقد تحوّل تحوّلاً عميقاً بمقتضى سياقه الجديد ولكن بقي فيه شيء جوهري من أصله: شيء يبيح الخلوص إلى نظريةٍ عامّة للضحك.
وما يراه برغسون مشتركاً بين ما يتناوله من مضحكات، على اختلاف مصادرها، إنما هو دخول الآلي في الحيّ واستبداده به. فيبدو لنا مضحكاً، مثلاً، مواصلة شخص من الأشخاص كلاماً أوعملاً انقضت مناسبته أو فقد مسوّغه وذاك بسبب غفلة الشخص عن تغيير طرأ فأدّى إلى هذا الفقدان أو إلى ذاك الانقضاء. يواصل الشخص المشار إليه إذن أداء حركات تصبح مضحكة أو يمضي في حديث يغدو مضحكاً مدفوعاً بقوّةٍ آلية، بالعادة مثلاً، بعد أن انسحب من محيطه ما كان يجعل الحركات ذات غاية أو من كان يتيح للعبارات من يسمع ويفهم.
لم تكن السينما قد انتشرت واستقرّت مرجعاً لبرغسون عند صدور كتابه. كان مصدر أمثلته المسرح والحياة اليومية والرواية أحيانًا وعلى الأخص دون كيخوتي بطبيعة الحال. ولكن السينما ستأتي بعد سنوات من الكتاب بمشاهد لا يطمح المسرح إلى كمالها تزكّي نظرية «الضحك» البرغسونية. سنرى شارلي شابلن في «الأزمنة الحديثة»، مثلاً، يُضحك مشاهديه لأنه يواصل في خارج المصنع حركاتٍ آليةً استولت عليه في المصنع فيعامل أزراراً يقع عليها بصره على صدر امرأة على أنها مَحازق ينبغي شدّها بالمفتاح المناسب! ذاك مثالٌ لاستبداد الآليّ بالحيّ بما هو باعث (يراه برغسون عامّاً) للضحك ومفتاح (عامّ ايضاً) لصناعة الهزل.
هذا وتبدو «الغفلة» مصطلحاً ذا أهمّية في مبنى هذا التعليل البرغسوني للضحك. فالحركات المضحكة هي تلك التي تغفل عن تغيير في المحيط أفقدها مسوّغَها وغايتَها المألوفَين. والكلام الهزلي هو ذاك الذي تجترحه اللغة في غفلة منها عن نفسها: عن وظائفها المتمثلة بالتواصل والتعبير أي بإنشاء صلة بالغير وبالخارج تستجيب لترسيمةٍ متعارفٍ عليها… فإذ تمضي اللغة في إنتاج الكلام نفسه بعد تغييرٍ قَطَع الصلةَ أو أخلّ بالترسيمة يصبح الكلامُ هزلاً والضحكُ محتمَلاً. مرّةً أخرى، يتجاوز إدراكُ هذه الآلية مجرّدَ التعرّض للضحك أو للإضحاك إذ هو يستوي وسيلة يمكن اعتمادها إلى ما يسمّيه برغسون «صناعة الهزل». غير أن العلم بالقاعدة لا يغني من شاء اعتمادها عن جودة القريحة ولا عن الدُرْبة. وهاتان تقعان على «حالاتٍ» يتمثّل فيها الهزلُ ويُستدرَج الضحكُ لا تعدّ ولا تحصى. وهذا على الرغم من وحدة المصدر العامّ أو القاعدة. وأما اللجوء إلى التكرار: تكرارِ ما جاء به الغير أو ما جاء به المُعيدُ نفسه من قبلُ دونما تجديد فيه أو في سياقه فإنما هو الطريق المستقيم إلى الرداءة.
عند الوصول إلى ما يسمّيه برغسون «الهزل في الطبائع»، يحضُر المجتمع ليحتلّ ساحة البحث كلّها بعد أن كان حضوره خَفِراً في تناول الفيلسوف صيغَ الهزل «البسيطة» أو «الأوّلية». يحضر المجتمع، ولم يكن قد غاب، لأن الطبع مشتمِلٌ على ما يبدو من صور الهزل في الصور والحركات وفي الكلام والمواقف اشتمالَ المجتمع على أصحاب الطبائع وما يبدر منهم من هذا كلّه. نحن، مع الهزل في الطبائع، على الصعيد الأرفع ومع الحبكة الأغنى. نبقى محتاجين ههنا، ولا ريب، إلى استذكار الآلي متسرّباً إلى الحيّ ومستبدّاً به. فالطبعُ المفْرِطُ يصبح هو نفسه آلةً لإنتاج ما هو آليٌ من الكلام ومن التصرّفات ولنَشْر هذا كلّه في ساحة الحياة الاجتماعية أي في وسطٍ يستهجنه. والاستهجانُ حيوي هنا ولكن لا ينبغي له أن يكون مفرطاً فيَجْنَحَ بأصحابه إلى الغضب لا إلى الضحك. شرط الضحك أن يكون الاستهجان خفيفاً أو معتدلاً أي أن يتبدّى الشطط البالغ في الطبع من غير أن يحدث ضرراً أو من غير أن يكون الضرر المترتّب عليه جسيماً. فإذا تحصّل الضحك من تجلّيات الطبع الناشز مقيّدةً بهذا الشرط أمكن اعتبار الضحك، في ما يرى برغسون، عقوبةً رهيفةً يُنْزِلها المجتمع بنوع بعينه من أنواع الخروج على معاييره…
لا يسوغ لقارئٍ من بلادنا يقرأ هذا الكتاب الآسر – على شيء من الصعوبة – أن يجتنب السؤال الذي يناسبه: ما الذي يحدو بفيلسوف فرنسي أن يستقبل القرن العشرين بتأمّلٍ شاقّ في الضحك؟ ما الذي يحمله على الغوص الدقيق، مثلاً، إلى التمييز المُحْكَم بين «الفُكاهة» و»السخرية»؟ الكتاب نفسه لا يُضحك والأمثلة التي يوردها لا يتجاوز ما تستدعيه الابتسام المكتوم. وقد نحّى برغسون لينشغل بالضحك أحوالَ بلادٍ وقارّةٍ كانت أبعدَ ما تكون عن الخمول أو عن الاستقرار. نحّى فرنسا قضية دريفوس ونحّى أوروبا الإمبراطوريات المتحاسدة والتسلّح المتقابل ونُذُر الثورات المقبلة. وكان فرويد قد نشر، بدوره، قبل عامٍ واحد من ظهور العمل البرغسوني كتابه العظيم في الأحلام… ليس لهذا النوع من الكتب أدنى مقابل في الثقافة العربية المعاصرة. وهذا جديرٌ جدّاً بأن يوقَف عنده.
الذي يحمل على تكريس الجهود الشديدة أو المديدة للتأمّل في موضوعاتٍ من قبيل الضحك أو الحلم أو الرغبة… هو الموقف الإنسانوي بمعناه الأعمّ. وكان قد مضى على تكوّنه في الفكر الأوروبي أربعةُ قرونٍ في مطلع القرن العشرين وكانت له إرهاصاتٌ هناك سبقت هذه المدّة. هو ذاك الموقف الذي لا يحدّ الكلام في الوجود البشري بقُطْبَي الخير والشرّ ناهيك بقُطْبَي الحلال والحرام. هو يجد لهذا الكلام أقطاباً ومداراتٍ كثيرةً أخرى. ومصدر هذه الكثرة التسليمُ بجدارة الإنسان بأن يعرف. ومصدرها الحاجة أيضاً إلى معرفة الإنسان لأجل سياسة الإنسان وتدبيره. في ديارنا هذه انقطع من قرون كثيرة ما كان من تراث مثّلَه الأدب (بمعناه العبّاسي) ومثّلَته الفلسفة وكانت هذه المشاغل بعض مشاغله.
في عصرنا هذا، بقيت الأقطاب التي هي، في الأصل، لوازم الدين وكانت كافيةً لإخضاع البشر. لم يكن الإنسان هو القيمة ليُعْرَف بتجلّيات وجوده كافّة. والسياسة نفسها لم تصبح رهيفةً بحيث ترسو على معرفة ضافية ورهيفة للبشر. بقيت السياسة، في معظم أحوالها وحالاتها، إخضاعاً فجّاً لا يحتاج إلا إلى القوّة وإلى معارفَ فجّةٍ على غراره وإلى مِراسٍ ينْتِجُ قواعده في مواقع مظلمة.
لذا لم تظهرالحاجة إلى ما يشبه معرفة الضحك أو ما جرى مجراه ممّا يمنح كينونة البشر ما لها من عمقٍ وسعة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

جيلان

أحمد بيضون

كانت خلافة العسكريين من ركّاب الانقلابات، ابتداءً من غدوات حرب فلسطينسنة 1948، للجيل الذي سبقهم من حكّام الدول العربية سبباً لحُكْمٍ بالإعدام المعنوي على هذا الجيل المدني من السياسيين. ولنسارع إلى القول أن الإعدام لم يكن، في بعض الحالات، معنوياً فحسب. ففي العراق، على الخصوص، لقي أركان العهد الملكي، بمن فيهم الملك الشاب نفسه، حتفهم بأشنع الأساليب قبل أن تباشر قوى الانقلاب وزعماؤه مسيرة الفتك الذريع بعضهم ببعض. ولعلّ الحملات الدموية التي كان العهد الملكي نفسه قد شهدها، مع أنها أصبحت تبدو متواضعة بالقياس إلى ما تتابع من فصول ابتداءً من تمّوز 1958، تقدّم تفسيراً جزئياً لهذا العنف الاستثنائي الذي اختصّت به الحالة العراقية. فلم تشهد سوريا(التي انحصر الفتك فيها، تقريباً، بأركان الانقلابات المتوالية) ولا شهدت مصرمثيلاً للبطش العراقي في المرحلة نفسها ولا تقاربه سوى الحالة اليمنية بما أفضى إليه الانقلاب العسكري فيها من نزاعٍ أهلي مديد.
على أن الإعدام المعنوي لجيل الساسة الحكّام السابق لهزيمة 1948 هو ما يعنينا ههنا. وهو إعدام تتبدّى قسوته عند استذكار المنطلق الذي تشكّلت فيه أدوار هؤلاء الزعماء وصورهم إذ هو منطلقٌ جلّلته أكاليل غارٍ معتبرة ضفرها شهداء وعزّزتها مواجهاتٌ قتالية ونضالات سياسية وانتهت إلى انهيار دولٍ وتأسيس دولٍ بعد انتصارٍ عامٍّ في الحرب الكونية الأولى تبعَتْه هزائم. والهزائم بقي بعضها يعتبر مجيداً بسبب التباين البالغ في ميزان القوى. هذا الجيل نفسه هو الذي واصل العراك الاستقلالي في مرحلة الانتدابين البريطاني والفرنسي وهو الذي حملت بعضَه بعضُ مراحل هذا العراك إلى مواقع في السلطة وحملتهم مراحل أخرى منه إلى السجون والمنافي. هو الجيل الذي تراوحت مساعيه، في تلك المرحلة، بين المصادمة والملاينة والذي اختلفت مواقع رجاله، إلى هذا الحدّ أو ذاك، على خريطة السعي الاستقلالي أو هي تحرّكت في هذا الاتّجاه أو ذاك، على تلك الخريطة ولكنه كان يتولّى بنفسه، بتوسّط ما يدور فيه من مواجهات داخلية، تعديل موازينه فينبذ هذا إلى الهوامش ويرفع ذاك إلى سدّة الزعامة أو يؤهّله لها، إلخ.
صحيحٌ، من بعدُ، أن الموقع العامّ لأهل السلطة من هذا الجيل بقي فيه خلل جسيم. تمثّل هذا الخلل في الهوّة الفاغرة بين ما كان طموحاً معلناً إلى الاستقلال العربي حملته «ثورة» 1916 وما انتهت إليه الحال، بعد ميسلون، من تقاسمٍ للسيطرة ما بين بريطانيا وفرنسا، على دولٍ توزّعت الشرق العربي وبدت دون المأمول، على غير صعيد، أو قُدّمت في التنازع السياسي عليها على أنها كذلك. يضاف إلى هذا الخلل تهمة التسليم لإرادة السلطة المنتدبة أو التقصير في مقارعتها، وقد وجّهت إلى كثيرين من أركان الدول الجديدة، وتهمة الخنوع للوضع القائم، بما فيه من تشتت وضعف، والاكتفاء بالنصيب المتاح من سلطة منقوصة وقد وجّهت إلى هؤلاء أنفسهم أو إلى أقرانٍ لهم من الجيل نفسه. ولا ريب أن ثالثةَ الأثافي التي استوت نوعاً من الختام للمرحلة إنما كانت تهمة المسؤولية عن هزيمة 1948 في فلسطين…
هذا وقبل أن تدخل دول الشرق هذه مرحلة الاستقلال وبعد ان دخلتها (وهذا استقلال تباينت شروطه إذ استبقيت بعده، في بعض الحالات، امتيازاتٌ اقتصادية وسياسية وقواعد عسكرية للمحتلّ) نُسب إلى كثيرٍ من حكّام المرحلة كثيرٌ من الفساد، على اختلاف صوره، بما فيها الاستئثار بامتيازاتٍ مختلفة تتيحها السلطة وحصر كثير من المنافع بالأنصار والأقارب والتقصير في تحصيل الحقوق الوطنية في ثروة البلاد من الأجنبي ومن ذوي الامتياز والاحتكار في الداخل وفي استثمارها في رفع سويّة الأهالي على كلّ صعيد. إلخ.
كان لهذه التهم منطلقاتٌ واضحة المعالم ولكن كثيراً من القَصص الذي تناول أشخاصاً بأعيانهم بتهم الفساد السياسي او المالي أو كليهما، تبين مما ظهر من الوثائق لاحقاً أو أمكنت معاينته من الوقائع أنه كان واهي المادّة أو عديمها أو أنه بني على تأويل منحرف لوقائع ثابتة. وفي كلّ حال، عمد الإنقلابيون وأبواقهم إلى الجزم بصحّة تهمٍ أقلّ ما يقال فيها أنها كانت محلّ أخذٍ وردّ في العهد السابق. وهذا فضلاً عن زعمهم الكشف عن وقائع أكّدوا أنها كانت مســتورة ناســـبين إلى انفــسهم نزاهـــةً في الرواية لا يوجد سبــبٌ للتــســـليم لهـم بها وممتنعين عن تحكيم أيّة سلطة مستقلّة عن نفوذهم في صحّة ما يدّعون أو بطلانه.
في وقتٍ من الأوقات، انطلقت حركةٌ يسّرتها، بلا ريب، كبوات الأنظمة ذات الأصول الانقلابية وخبوّ نجمها بنتيجة ما توالى عليها من فصول الإخفاق على المسرحين الداخلي والخارجي وما ظهر من جنوحها إلى الاستبداد بسائر قبائحه، ومن بينها الفساد والتفريط بالحقوق الوطنية. تمثّلت الحركة التي نشير إليها بتوالي التآليف المتعلّقة بالجيل الذي كان الانقلابيون قد انتقلوا من إعدامه ودفنه إلى معاملته وكأنه لم يكن أصلاً. كانت هذه التآليف تمثّل، من وجوهٍ مختلفة، نوعاً من محاولة الثأر أو محاولة ردّ الاعتبار إلى كثيرين من أعيان الجيل الاستقلالي وإلى ذلك الجيل، في جملته، من خلالهم.
بعض هذه الأعمال تولاه المظلومون أنفسهم في بطالة منافيهم. وهو كتب مذكّراتٍ أو يوميّات أصبح بعضها، في ما يتعدّى الهمّ الذاتي لصاحبه، عظيم المكانة التاريخية. فلا يمكن، اليوم، على سبيل المثال، لباحث في تاريخ سوريةالمعاصرة، أن يهمل مذكّرات خالد العظم أو مذكّرات أكرم الحوراني. ولكانت خسارة كبيرة للأدب وللتاريخ المعاصرين في هذه البلاد أن تبقى مجهولةً مذكّرات عادل أرسلان. ولكان نقصاً فادحاً في معرفتنا بمحيطٍ شاسعٍ من وقائع تاريخنا المعاصر تتوسّطه المسألة الفلسطينية أن لا تنشر مذكّراتُ محمد عزّة دروزة. إلخ.، إلخ. وهذا ناهيك بمكانة مذكّرات بشارة الخوري وكميل شمعون من معرفتنا بتاريخ لبنان في العهدين الانتدابي والاستقلالي…
بعضٌ آخر من فيض التآليف هذا، وهو الأغزر، يتمثّل في كتب السِيَر. فمع توالي الأعوام، لم يكد يبقى سياسي من جيل ما بين الحربين العالميتين لم تنشر له سيرةٌ أو أكثر من واحدة. وتساوي هذه السير ما يساويه مؤلّفوها ومصادرها لجهة ضبط الوقائع ولزوم جانب الموضوعية، مع العلم أن الموضوعية لا تمنع الانعطاف إلى الشخصية ولا النفور منها. وفي كلّ حالٍ، يفترض أن تحمل هذه الكتب قارئها، إذا كان من ذوي الحصافة، على التماس نظرة أوفر اتّزاناً إلى هذه أو تلك من الشخصيات المدروسة. فحتى الذين كان يظنّ أن القضاء الانقلابي قد أنزل بهم حكماً بالإعدام لا يطعن فيه ولا يردّ، يستردّ هذا أو ذاك منهم، بفعل سيرةٍ متواضعة تناولت حياته وتقلّبه في أدوار السياسة وأطوارها، قدرة على محاورة القارئ وعلى نوع من الدفاع عن النفس من وراء القبر.
لا تُخْرِج كتب المذكرات واليوميات ولا كتب السِيَر جيلَ ما بين الحربين قفيراً من الملائكة بعد أن كان قد استوى في أعقاب الانقلابات رهطاً من الشياطين. وهي، لو فعلت، لم تكن خليقة بالاعتبار. وإنما هي تردّ هؤلاء البشر إلى المرحلة التي كانوا بعض معالمها. وهي توضح أنهم لم يكونوا مستغرقين في أشخاصهم أو في أضيق بيئاتهم خالي الوفاض من كلّ مشروع سياسي ذي طموح عامّ. هي توضح أنهم كانوا ذوي مشروع تراوحت مساعيهم في سبيله وأمانتهم له بين حدود متحركة وأطوارٍ مختلفة وكذلك بين واحد منهم وآخر. أي إنها تحمل نظراتنا إليهم على شيء من النسبية، وهذا أمر صحّي. وتحملنا أفعال الذين خلفوهم وأرادوا إخماد ذكرهم، في عقود خمسةٍ أو ستةٍ مضت، حين نقارنها بما هو منسوبٌ إليهم، على كثير من التسامح حيال جيلٍ أصبح بعيداً وعلى كثيرٍ من الضحك المرّ.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

وراءَ قناع بول فين

أحمد بيضون

27qpt999

لا يَسُوغ لمستعرض الأعمال التي نشرها بول فين، المؤرّخ الفرنسي البارز، في عشراتٍ من السنين أثمرت لائحة مؤلّفات معتبرة، أن ينسب إليه جفافاً في الموضوعات المختارة للبحث أو في أسلوب تناولها أو في تصوّره لعمل التأريخ عموماً. بل إن الرجل سبق أن خرج شيئاً ما من نطاق اختصاص كان يجنح به إلى الصرامة ليكرّس كتابين كبيرين لاثنين من أصدقائه الكبار أوّلهما الشاعر رينيه شار الذي كان يكبره سنّاً بكثير وقد سعى فين إلى لقائه مدفوعاً بالإعجاب بشعره ثم انتظمت علاقتهما حين أصبحا مقيمين في نوع من العزلة الواحدة في واحدةٍ من نواحي الجنوب الفرنسي. وأما الثاني فليس إلا ميشيل فوكو الذي كان يكبره بسنواتٍ قليلة فسبقه إلى مدرسة المعلّمين العليا في باريس ثم زامله فيها وعاد فأصبح زميلاً له بعد سنين كثيرة في الكوليج دو فرانس حين التحق به فين أستاذاً في سنة 1976.
ليس متّهماً بالجفاف أو بالجفاء في المقاربة والتناول من له هذا الإحساس بشعر شار الذي ينشئ عوالم بلمحات بصر أو بأعمال فوكو بما اتّسمت به من تغريب ومن درامية في العلاقة بين أطر الاجتماع المعتادة وأصولها أو بينها وبين سوابق لها موغلةٍ في القدم. وحتى في تناوله للتاريخ الروماني، وهو ميدان تخصّصه الأثير، لم يجتنب فين المسالك المنحرفة عن الجادّات العريضة فاهتمّ بالشعر الإيروسي اهتمامه بالدين وبالحكمة في عالم الرومان.
مع ذلك، لا يسع قارئ الكتاب الأخير الذي أصدره فين مع بلوغه الرابعة والثمانين هذه السنة وضمّنه معالم من سيرته إلا أن يذهل وهو يعاين البشري الذي كان مختبئاً عن الأنظار خلف ألقابه وكتبه ومنجزاته. ولسببٍ يبقى غير جليّ اختار فين عنواناً لهذا الكتاب «وفي الحياة الأبدية لن أشعر بالضجر». لعلّه كان يعلم كم هو بعيدٌ عن إملال القارئ الذي له بعض معرفةٍ بمؤلِّفه هذا الكتابُ المضطرب بنبض متباين الشدّة والسرعة لحياة طويلة متشعّبة السبل، متعدّدة المسارح والطبقات. وفي حسباننا أن أمثل الطرق إلى الشعور بما للكتاب من أهمّية مقابلته بما للقارئ من خبرةٍ، مهما تكن محدودةً، بأعمال مؤلّفه وبالصورة التي كانت متحصّلة لهذا المؤرّخ من تلك الخبرة.
والحال أن فين لا يهمل، في كتابه الأخير هذا نشاطه المهنيّ أو العلمي. فهو يحدّثنا (بشيء من الخفّة) عن كيفية وقوعه في غرام اللقى الأثرية الرومانية والنقوش العائدة إلى حضارة الرومان. يذكر لنا، مثلاً، عثوره على كسرة من خابية رومانية بظاهر قريته وهو في نحو الثامنة من عمره. ويذكر استيلاءه، بعيد ذلك، على نقش روماني أيضاً من موقع مهجور لم يكن يعلم أن له مالكاً عاد فاستردّه. ويذكر جولاته في إيطاليا لمعاينة النقوش الرومانية وبداياته المتعثّرة في الحفريات في حقل تونسي حيث اكتشف المشرف على الحفر أن فين كان يتجه بحفرته أوّل الأمر «نحو البحر» ثم راح يعمّقها متّجها بها نحو «مركز الأرض»!.
بدت في سلوك الصبي إذن أمارات باكرة جدّاً للشغف الذي سيلازمه بالتاريخ الروماني. وهو يروي لنا كيف اختار لاحقاً موضوعاً لرسالة الدكتوراه التي أعدّها في هذا الميدان وقد كرّسها لنوعٍ من العطاء أو التبرّع الإلزامي الذي كان يقدّمه الأعيان الرومان للجماعة. وقد نشر هذا البحث تحت عنوان «الخبز والسيرك» في كتاب أصبح مَعْلماً بين الأعمال المكرّسة لتاريخ تلك الحضارة وفي ميدان التاريخ الاجتماعي، على التعميم، في عصرنا هذا. يروي فين أيضاً كيف أن نصّاً كان يفترض أن يكون مقدّمة منهجية لبحثه ذاك تضخّم واستقلّ براسه وأثمر كتاباً مرموقاً آخر هو الموسوم «كيف يُكتب التاريخ».
يطلعنا فين أيضاً على جوانب من سيرته التعليمية بعد أن كان قد أوجز لنا سيرته الدراسية. فنعلم، مثلاً، أن ريمون آرون كان وراء ترشيحه للأستاذية في الكولّيج دو فرانس وأنه غضب عليه وناوأه بعد انتخابه لأنه لم يذكر فضله عليه ولا ذكر اسمه أصلاً في درسه الافتتاحي.
تلك وغيرها معطياتٌ ترسم مسار الشخص المعروض للعيان أصلاً عبر أبحاثه وحياته العامّة الذي هو المؤرّخ بول فين. ولكن قيمة هذه السيرة التي نشرها وهو في هذا الهزيع الأخير من العمر تتمثّل في إدراجها هذه المعطيات بإزاء صفّ آخر من المعطيات هو ذاك الذي يصف حياة الإنسان الخاص مخرجاً الشخص الحيّ من الدارس المكبّ على النقوش الرومانية وعلى التراث اللاتيني. نواكبه في فصول متباعدةٍ شيئاً ما من سيرته طفلاً يصف نفسه بقبح الخلقة لنموّ مرضي في عظْمة خدٍّ من خدّيه ويكبر في كنف أبٍ يتعاطى السمسرة ويمالئ الاحتلال الألماني لفرنسا سنة 1940… ثم نعاينه عضواً متردّداً في انتمائه إلى الحزب الشيوعي تتنازعه دواعٍ متعارضة بينها الرغبة الغيرية في الانتماء إلى معسكر العدل والتقدّم وبينها الشعور بالقيود الرازحة على سياسة الحزب من جرّاء تبعيته الأممية وتقاليد عمله الداخلي… وهذه عضوية سيضع لها حدّاً اجتياح الدبّابات السوفياتية بودابست سنة 1956 وسيخلفها امتحان الموقف من الثورة الجزائرية وكيفية مساندتها من جانب مثقّف فرنسي كان قد عرف الجزائر منقّباً عن الآثار الرومانية فيها وكان إعجابه بديغول لا يني يكبر.
هذا وتحضر النساء بقوّةٍ في هذا الجانب الشخصيّ من سيرة فين وتحضر معهنّ أشدّ المسارات درامية في حياة صاحبها. فهو يقول أن قبح طلعته لم يحل يوماً دون إقباله على التحبّب إلى النساء. وهو يذكر زوجته الأولى سيمون سولوديلوف وقد افترقا بعد سنواتٍ أولى من الصحبة أفضت إلى بضع سنواتٍ من الزواج. وهو يتبسّط في ذكر زوجته الثانية: الطبيبة أستيل. فمعها يغادر حالاً من السعادة الغامرة ليوغل في شقاء تسبب به احتراف ولدها الشاب من زواجٍ سابق، وكان قريباً إلى فين عظيم الثقة به، البغاء المثلي في باريس. وهو ما انتهى إلى إصابته بالإيدز ثم إلى إقدام والدته، على محاولات انتحارٍ تكرّرت قبل أن تعمد إلى مساعدته على الانتحار حين دخل مرحلة النزع… وهذه مساعدة سنعلم أن أستيل قدّمتها أيضاً إلى والدتها المحتضرة.
أفضت المأساة التي مثّلها ابن أستيل إلى جعل الزواج الذي جمع بول وهذه الأخيرة واحداً وثلاثين سنةً زواجاً «أبيض» لثمانية وعشرين عاماً من أصل هذه المدّة. وهو ما أدّى بفين إلى الوقوع في غرام فرانسواز صديقة زوجته المفضّلة. مع هذا الغرام بدأت علاقة ثلاثية قبلتها استيل التي كانت هي وفين مصرّين على استبقاء زواجهما الأبيض. دامت هذه الحال أعواماً كثيرة أمضت أستيل الجانب الأعظم منها مريضة إلى أن رحلت قبل بضع سنوات. وفي هذه المدّة فقد فين وحيده الشاب داميان منتحراً أيضاً من جرّاء اكتئابٍ استولى عليه وهو العشريني المبرّز في وسطه المهني الأميركي… إلخ.، إلخ.
يجرّ بول فين خلفه هذه الحوادث وقد أصبح اليوم في وسط ثمانيناته. يجرّها ويجرّ معها كتبه التي فرضت له في ميدان تخصصه مكانة عالمية. وإذا كان لسيرته هذه من أهمّية فمنشأها كشف هذا التزامن: تزامن أعمالٍ اقتضت الإكباب المديد على موادّ موغلة في القدم ومآسٍ تعاقبت وطال حضور بعضها في حياة هذا المؤلّف. وفي «كيف يُكتب التاريخ»، كان فين قد جعل تصوّر «الحبكة» في موضع القلب من تنظيره للمعرفة التاريخية. فكم من حبكة نسج فين لتستوي أقنعةً لفصول توالت من دراما حياته: لمرض زوجته، مثلاً، أو لانتحار ابنه؟

كاتب لبناني

أحمد بيضون

الدين في المجتمع أم العكس؟

أحمد بيضون

فرَض إلحاحُ المحنة الكبرى التي تعصف بمجتمعات المجال العربي من شرقها إلى غربها، نوعاً من البحث المحموم، المستعجلِ الإفضاءَ إلى نتائج، في بواعث هذه الكوارث وفي كيفيات تشكّلها واستشرائها وفي ما ينبغي أن يكون عليه سعيُ العاملين على بلوغ المخارج ورسمُ السبل التي يكون بسلوكها صلاح المستقبل. وقد كان لزاماً أن تحضُر مطالعاتٌ ومقترحات تتناول القريبَ من الأسباب والمستعجَلَ من الإجراءات. ولكنّ تصدُّر الدين ساحةَ الصراع الجاري في الأعوام الثلاثة الأخيرة فرَض على الناظرين في الحاضر والمستقبل أن يَمدّوا البصرَ إلى قرون ماضية، بعيدة وقريبة. فإن من طبائع الدين أن يحفظ ماضيه ماثلاً في حاضره على نحوٍ قد لا تدانيه، في شدّته ومباشرته اللازمنية، منظوماتٌ أخرى من قبيل الفلسفة مثلاً أو الشرع الوضعي.
فكان أن راحَ كثيرون بعضُهم من أهل الصناعة وبعضهم اختاروا انتحالَها أو اضطرّوا إليه، إلى البحث في المصادر الدينية للجماعات الضالعة في الصراع وإلى محاولاتٍ متنوّعة المداخل لمجادلة هذه الجماعات في قيمة مصادرها واستقامة ما تُرتّبه على الدين من إجراءات وتصرّفات. غَلَبَت هذه المقاربةُ الجدالية، المعتدّة بالمفردات الدينية إذن، على التناول النقدي للجماعات المتشدّدة ولما تقول وتفعل، وبدا أن «إفحامَ» الناطقين بألسنةِ هذه الجماعات هو المهمّة التي يترتّب على حسمها مصير المواجهة. لا ريب أن في هذا التوجّه استعادةً لثقة الدين نفسه بفاعلية الدعوة والموعظة. ولكنّ هذا التوجّهَ يهمل مسألةً نعتبرها المتصدّرة هي مسألة ظهور هذه الجماعات، في الساحة، في زمنٍ بعينه وفي مجتمعاتٍ بعينها، ثم تمتّعِها بحظوةٍ بعينها في تلك المجتمعات. وعلى صعيدٍ أعمّ أو أبعد مدىً وأوسع نطاقاً، يهمل هذا التوجّهُ مسألةَ العلاقة بين الإسلام، مذاهبَ ونِحَلاً، وبين أحوالِ المجتمعات التي تعصف بها أو تهدّد باقتحامها المحنةُ الجارية.
والحال أنه، مع شدّة الحاجة إلى الاحتياط والتأنّي في هذا الميدان، يَرْجَح عند المتأمّل في تاريخ المذاهب الإسلامية وعلاقتها بأزمان نشأتها وبيئاتها وبأحوال الجماعات التي نشأت فيها، على اختلاف وجوهها، أن الدينَ كان يتبع تنوّعَ الظروف وتحوّلاتِها ويخضع لإلزاماتها أكثرَ بكثيرٍ ممّا يُمْليها… وأن الجماعاتِ كانت تُطَوِّعه أكثرَ بكثير ممّا كانت تطيعه.
وقد أورثَ ذلك الإسلامَ توزُّعاً وتناقضاتٍ لا حصرَ لها ولا حدّ وحمَلَه على الأخذ بالأشياء وبأضدادها تبعاً للبيئة وللظرف ولموروث الجماعة المعنية. فيَعْتمدُ ما يناسبُ هذا كلَّه من أحكامٍ، مقدّساً الشيء وخلافه، ويدخُل في ما يمليه التشتّتُ والتناقضُ في هذا كلّه من صراعاتٍ وحروب.
وإذا كانت حالة الإسلام هذه تجد لها سنداً في حالاتٍ أخرى يتناولها علمُ اجتماع الدين، من راهنٍ وتاريخي، جازَ القول، فيما نرى، بغلبة الخطإ على تعيين المهمّة الرئيسة في مواجهة التشدّد الديني على أنها «إفحام» المتشدّدين بإظهارِ سَماحةِ الدين واتّساعه لمسالكَ متغايرة، ناهيك باتّساعه، في دياره، لمن هم على مذاهبَ في الاعتقاد تخالفه.
تلك مهمّةٌ لها أهلها ولا ريبَ في ضرورة اضطلاعهم بها. ولكن موضعَ الحسم بعيدٌ عن هذه الساحة. إنه في استطلاع الأوضاع الاجتماعية التاريخية التي تحمل كلّ جماعةٍ من أهل الدين على الأخذ بصيغةٍ بعينها لهذا الأخير. وهو في النظر في كيفيّات المعالجة المناسبة لهذه الأوضاع وفي إمكانات البناء على الراسخ منها أيضاً.
ذلك أَوْلى بالنظر والعمل من السعي إلى «إفحام» الجماعات، إذن، ومن الركون إلى جدلٍ قد يحيي قديماً أو يأتي بجديدٍ ينزل به إلى حَلَبة الصراع العَقَدي… فإن التبشير بالجديد أو بالقديم لا يُحتمل أن يلقى غير الرفض عند من لا يساير حاجاتِهم، فضلاً عن أن حسْمَ الصراع، على هذا الصعيد، يبقى، مع توجُّب خَوْضِه، متعذّراً كلّ التعذّر. نقول هذا غيرَ قاصدين، إذن، إلى استبعاد مجادلة المجتهدين في اجتهادهم أيّاً يكن.
… وصفوة القول أن تاريخ المجتمعات الإسلامية أرحب بكثير من تاريخ الدين الإسلامي أو المذاهب الإسلامية. ولا يجاوز الثاني أن يكون وجهاً متباين الحضور من وجوه الأوّل ولا يردّ الأوّل إلى الثاني بحالٍ.
فإن الدين لا يستوي، في التاريخ الفعلي، معياراً عامّاً معتمداً دون غيره في سلوك الأفراد والجماعات إلا جزئيّاً لجهة الأغراض واستثناءً لجهة الأوقات. ويختلف هذا الأمر كثيراً، في درجته ومضامير تَحَقّقِه، باختلاف الأمكنة والأزمنة… وتُمازِجُ المعيارَ الديني، على الدوام، معاييرُ أخرى مختلفة المصادر وتؤثّر فيه تفعيلاً أو تعطيلاً لأحكامه أو تبديلاً فيها وتتأثر به بدورها، بطبيعة الحال.
ذاك ما ينبغي بقاؤه ماثلاً لعين الدارس عند البحث في مستقبل المجتمعات التي تتّخذ الإسلام عنواناً وفي إمكانات الفعل في هذا المستقبل بما في ذلك إمكانُ إصلاحٍ ديني يكون له قبولٌ ذو معنىً، في هذا أو ذاك من تلك المجتمعات، وحظٌّ من الصمود.
والواقع أن هذه الكثرة في معايير العمل، من فرديّ وجماعيّ، وهذه الجزئية أو التقطّع في حضور الدين بينها هي ما يجعل بعضَ القيّمين على أمور الدين أو المتصدّين لما يحسبونه حمايةً له، في كلّ زمان، يشعرون بضرورة إصلاحه. وهي ما يجعل بعض هؤلاء ينبذون من تاريخه قروناً وعوالم بحالها. فهم قد لا يستبقون منه إلا ردحاً قصيراً من الزمن وبقعةً محدودةً من الأرض ملازمتين لنشأته وعدداً محدوداً من المؤمنين هم الذين شهدوا ميلاده وكانوا الناشرين الأوائل لرسالته. وهذه لحظةُ أصلٍ لا يوفّر الخلافُ الجسيم بين المسلمين ماجرياتِها ولكن يتوجّب عليهم استبقاؤها معياراً، في كلّ حال، ولا يمكن أن يداخلَها الريب الجذري الذي يداخل سواها لأن هذا الريب يكون إذّاك طعناً في الدين من أصله.
ما لا يتقبّله هؤلاء الذين يؤسّسون دعوة الإصلاح على دعوى تكفير الأمّة هو هذا المزيجُ الذي تمليه الحياة وتقدّمه وقائع التاريخ في صيغٍ لا تحصى ويدخل فيه أهل الدين بدينهم طائعين أو مكرَهين. هؤلاء يحسبون اختراعَ البشر المستمرّ لحياتهم بما بين أيديهم من موادّ وما يناسبهم من معايير، بعضها ديني المصدر، فساداً متمادياً للدين. هم يرون ردّةً أن يحصل ذلك في ديار المسلمين ويرون كفراً أن يحصل في ديار غيرهم. هم يرون الحياة والتاريخ برمّتهما تقريباً فساداً للدين وهم يريدون إرجاع الحياة والتاريخ إلى الجادّة. ولكن هذه الجادّة، بشهادة الأجيال والقارّات كلّها، تتعذّر استقامتها أو يتعذّر وجودها. ولم يحصل قطّ أن تمكّن الإسلام نفسه من شقّها وإلزام حياة المسلمين وتاريخهم بها في العالم الذي يحمل اسمه. فلا يبقى من احتمال ماثل، في أفق «الإصلاح» التكفيري، سوى تدمير الحياة ووقف التاريخ.
كاتب لبناني

أحمد بيضون