الزلزال طبيعةً وسياسة

www.almodon.com/opinion/2023/2/7/الزلزال-طبيعة-وسياسة

من بعيدٍ، في الأقلّ، أي من جهةِ غير المنكوبين، يبدو الزلزال (وكلّ ما جرى مجراه من النوازل الطبيعيّة) حاجباً لنكباتٍ أخرى، بشريّةِ المصدرِ، سياسيّةِ القوام، على الخصوص. يبدو صادّاً بغيوم غباره وتلال ركامه، وبقتلاه وجرحاه، قَبْلَ هذا كلّه، كلّ جهدٍ لإبقاءِ النظرِ مصوّباً على ما كان جارياً أو حاصلاً قبلهُ بزمنٍ طويلٍ أو قصيرٍ وعلى ما أنشأتهُ حوادثُ متسلسلةٌ وأوضاعٌ قائمةٌ من بنى استقبالٍ نزلَ الزلزالُ عليها وفيها ومنحتْهُ معانيَ لم يكن له من سبيلٍ إليها بما هو حَدَثٌ طبيعيّ.

حتّى أنّ بنى الاستقبالِ هذه لا تتقدّمُ، عندَ إنعامِ النظرِ في النكبةِ المنسوبةِ إلى الطبيعة، على أنّها سبيلُ هذه الأخيرةِ الوحيدُ إلى دائرةِ “المعنى” ومخرجـُها المٌتاحُ من عـَماءِ المادّةِ وسديمِ اللاغائيّة وحسْبُ. بل إنّ هذه البنى تتبدّى محدِّداً لا يستهانُ بفاعليّته لأحجامِ الكوارثِ أيضاً، شريكةً للزلزالِ، على نحوٍ ما، في المسؤوليّةِ عن سقوط كلّ ضحيّةٍ تسقط، عن تداعي كلّ بناءٍ يتداعى، إلخ. ليست قوّةُ الزلزالِ على مقياسِ ريختر وحدَها ما يُحْدثُ هذا كلّه. فإنّ الزلزالَ يفعلُ فعلَهُ مقترناً بصنائعَ بشريّةٍ ماثلةٍ على الأَرْضِ، بحصائلِ أفعالٍ سَبَقَتْهُ وأخرى واكبَتْهُ أو تخلّفت عن مواكَبَتِهِ أو تعذَّرَ حُصولُها لمواكَبَتِه: صنائعَ وحصائلَ لبِثَت  مُحْدقةً بالضحايا وبالناجين ومعيّنةً لحظوظِ النجاةِ ولاحتِمالِ عدمِها أو مشتركةً، إلى هذا الحدّ أو ذاك، في التعيين المُشارِ إليه.

تلازُمُ الطبيعيِّ والبَشَرِيِّ أو السياسيِّ هذا واقعةٌ محقّقةٌ في كلِّ حالةٍ من حالاتِ “الكوارثِ الطبيعيّة”. وهي توجِبُ التحيّةَ لما وُجِدَ حاصلاً أو مُهَيّأً من نمطِ استقبالِ ناجعٍ وإمكاناتِ مجابهةٍ للكارثةِ أو توجِبُ الشجبَ لما تكشّفَ من نقصٍ في هذا كلِّهِ أو من إساءةٍ لاستِعمالِهِ أو من عجْزٍ أو إعراضٍ عن استعمالِ المتاحِ منه. وإنّما يكون الشجبُ شجباً لما هو بشريٌّ ولا محلَّ لَهُ في وجهِ الطبيعةِ ويفتَرَضُ أن يكونَ بتوجّهِهِ إلى البَشَرِ مفضياً إلى الحساب.

وإذ نقولُ بحضورِ البشَريِّ أو السياسيِّ حُكْماً في كلّ كارثةٍ نَصِفُها بالطبيعيّةِ لا يمْنَعُ هذا التعميمُ من إبرازِ الصفةِ الفاغرةِ (أو الفاجرةِ) لهذا الحضورِ في النكبةِ التي أنزَلَها الزلزالُ الأخيرُ بالسوريّين. وذاكَ أنّ هذه النكبةَ عصفَت، على الخصوصِ، بمدُنٍ ومناطقَ كانت قد نزلت بها، في مدى اثنتي عشرةَ سنةً مَضَت، نوازلُ قصْفٍ وقتْلٍ وخطفٍ وتهجيرٍ وتشريدٍ ودمارٍ لمقوّماتِ العيشِ، على اختلافها، لم تُمْتَحَن بما يعادلها بلادٌ أخرى بَعْدَ الحرب العالميّةِ الثانية. وهو ما يعني أنّ الزلزالَ تستقبلُه بنىً متهاويةٌ، في مضاميرِ الإنقاذِ والإغاثةِ والإسعافِ والاستشفاءِ، إلخ،… فيزيدُ تهالُكُها كثيراً من احتِمالِ هلاكِ الجريحِ ويقلّلُ من حظوظِ المدفونِ تحتَ الأنقاضِ في الخروجِ حيّاً ويحولُ دُونَ العائلةِ التي شُرّدت أو فقدَت مصدَرَ معاشِها والحصولِ على ما تواجهُ به النكبةَ المستجَدّة. وهذه، في الحالةِ السوريّةِ، تُضاعفُ، على الأرجحِ، نكبةً مقيمةً وقد تكونُ قاضيةً على ثِمارِ ما بذلَتهُ العائلةُ من عَناءٍ وصبْرٍ وما احتملَتْهُ من شقاءٍ، في أعوامٍ مضت، لمداراة هذه الأخيرةِ والاحتيالِ لمواصلةِ العيشِ على رغْمٍ من عواقِبٰها المقيمة.

هذا ولا ريبَ – ما دُمْنا قد ذَكَرْنا العائلات – أنّ عائلةً سبقَ أن فقدَت مُعيلاً، قُتِلَ أو اعتُقِلَ وفُقِدَ أثَرُهُ، أو هي تمزّقَت من جَرّاءِ التهجيرِ أو انتَهَت لاجئةً في الجنوبِ التركيّ أو في الشمالِ أو الغربِ السوريَّينِ تجدُ نفسَها أضعَفَ حَوْلاً بِما لا يُقاسُ في مواجهةِ النازلةِ الجديدة. ويُضاعِفُ الشجَنَ، على نحوٍ ما، أن يكونَ الزلزال بَدا وكأنّه قد تَبِعَ اللاجئينَ السوريّينَ إلى جنوب تركيّا فوجدوا أنفسَهُم – بَعْدَ مخاضِ عذابِهِم الطويل – شُركاءَ في نكبةِ الزلزال أيضاً للأتراكِ الذين بقيَ نصيبُهُم هو الأعظم، بطبيعةِ الحالِ، من المحنةِ المشتركة.

على صعيدٍ أوسَعَ وأعْمَقَ، تضرِبُ نكبةُ الزلزال، شأنُها شأنُ غيرِها من النكباتِ “الطبيعيّة”، بمزيدٍ من الفداحةِ فقراءَ الناسَ والجماعاتِ المجرّدةَ من الحمايةِ الاجتماعيّةِ، إن لم يكن لشيءٍ فلإقامَتِهم في المباني المتهالكةِ إمّا لتقادُمِها وإمَّا لهشاشة هياكِلٰها أصلاً واكتظاظها وافتِقارِها إلى مقَوِّماتِ السلامة. والاشتراكُ في المسؤوليّةِ واضحٌ، في هذا النطاق، ما بين سلطةِ الدولةِ ومنطقِ رأسِ المال: في طلبِ هذا الأخيرِ للربحِ وركوبِه مركبَ الفَسادِ لأجْلِهِ وفي تقصيرِ السلطةِ العامّةِ أو خضوعٰها وفي تقَبُّلٰها الإفسادَ أيضاً. ذاك ما قد يُزَيِّنُ توصيةَ من يستطيعُ إلى ذلكَ سبيلاً باجتراحِ مقياسِ ريختر اجتماعيٍّ سياسيٍّ لوَقْعِ الزلازلِ وما جرى مجراها من نكباتٍ بما هو (أي الوٓقْعُ) تابعٌ لبُنى الأنظمةِ الاجتماعيْةِ السياسيّة وما تتمخّضٌ عَنْهُ من بنى استقبالٍ للنكباتِ المذكورةِ وأنماطِ سلوكٍ حيالٓها وإمكاناتٍ متباينةٍ لمُواجهٓتِها.

بَيّنٌ، مِن بَعْدُ، أنّ ما ذكرناهُ من مٌحَدِّداتٍ لمفاعيلِ الزلزالِ لا يجتَرِحٌها الزلزالُ نفسه وإنّما هي حصائلُ لأفعالِ فاعلِين. وهي، في سوريّة، حصادٌ لسلوكِ النظامِ الأسديِّ وشُرَكاهُ في حربِ سوريّةَ المديدة، بل أيضاً قَبْلَ هذه الحربِ، بمعنىً ما. وهي حصادٌ أيضاً لسلوكِ المليشياتِ المتحكّمةِ في جانبٍ من المناطقِ التي ضربـها الزلزال، في شمال سوريّةَ الغربيّ، ولسلوك الأوصياء الخارجيِّينَ عليها. هذا كلُّهُ معلومةٌ مَعالِمُهُ وظاهرةٌ خيوطُهُ فلا يحتاجُ أمْرُهُ إلى تفصيلٍ أو تذكير. وإنّما يَسوءُ المنكوبَ السوريَّ أو المتضامنَ معهُ أن يبدو الزلزالُ وكأنّهُ يحجبُ مسؤوليةَ المسؤولينَ عن فداحةِ آثارهِ وعن فَداحةِ ما سَبَقَهُ، فيما الأَوْلى بالزلزالِ أن يستَوي كاشفاً للسابِقِ واللاحقِ من موبِقاتٍ عصَفَت بسوريّة وأهْلِها وإصبَعاً أخرى تُشيرُ إلى الفاعلين.

(بلتيمور في 6 كانون الثاني 2023)

في “تاريخ القرآن”

www.almodon.com/culture/2023/1/23/في-تاريخ-القرآن

في عدد “لو موند” الفرنسيّة قَبْلَ أمسٍ السبت، حوار مع محمّد علي أمير معزّي، أستاذ الإسلاميّات في المدرسة العمليّة للدراسات العليا في باريس. الرجل (الإيرانيّ الأصل) واحدٌ من أبرز ذوي الاختصاص اليوم في القرآن وتكوّنه وفي الإسلام الأوّل والتشيّع الأوّل. وقد كان لي شرف مزاملته بضعَ سنوات في هيئة الجائزة الكبرى لـ”أيّام تاريخ العالم العربيّ” التي لا تزال تقام في معهد العالم العربيّ في باريس من نحو تسعةِ أعوامٍ وتتوّج كتاباً في هذا الميدان كلّ سنة.


موضوع الحوار الكتابُ الذي أدار تأليفه أمير معزّي مع غيّوم دي، أستاذ الإسلاميّات في جامعة بروكسيل الحرّة، وصدرت منه، في الخريف الفائت، طبعة جديدة تحت عنوان “تاريخ القرآن”.

ولا يخفى أنّ هذا العنوان يستعيد عنوان العمل الأشهر، في هذا المضمار، وهو كتاب تيودور نولدكه الصادر (في صيغته الأولى) في ستّينات القرن التاسع عشر ثمّ (في صيغةٍ موسّعة جدّاً) بعد ذلك بنحوٍ من نصف قرن. وهذه استعادةٌ فيها إشارةٌ واضحةٌ إلى كون الأبحاث التي جرت في الموضوع بعد نولدكه (وهي لا تُحصَر) قد تكاثر جديدُها بحيثُ أصبحت توجب تناولاً جديداً للقرآن، في تشكّله وجمعه وتكريسه، بين عهد النبوّة واستقرار المصحف على الصورةِ التي نعرفها له اليوم.

هذا والكتابُ الذي مثّل صدوره مناسبةً للحوار هو استعادةٌ مزيدةٌ ومحدّثةٌ (في نيّفٍ وألف صفحةٍ) للمجلّد الأوّل من ثلاثةِ مجلّداتٍ ورابع ببليوغرافيّ صدرت مجتمعةً في سنة 2019 تحت عنوان “قرآنُ المؤرّخين” ومثّلت، على الفور، مَعْلَماً في حركة الدراسات القرآنيّة الناشطة جدّاً في شرق الغرب وغربه. والمجلّد الأوّل الذي يجمعُ مشاركاتٍ من نحو عشرين مؤلِّفاً هو المكرّس لتاريخ القرآن بالمعنى المضبوط فيما المجلّدان اللذان يليانه أقربُ إلى أن يكونا تفسيراً “تاريخيّاً” أو “سياقيّاً” للقرآن يتناول سُوَرَه آيةً آية.

لا غرضَ لي في عَرْضِ شَيْءٍ من هذا كلّه. فلستُ من أهل الاختصاص ولكنّ اهتمامي ومتابعتي مؤكّدان. وإنّما أكتفي بالإشارة إلى كون العمل الذي أداره أمير معزّي ودي، محصّلة لجهود تحقيقٍ لتاريخ القرآن والإسلام الأوّل تنظر بعين النقد إلى المصادر الإسلاميّة المعروفة، أي إلى كتب الحديث والسيرة والتفسير وعلوم القرآن، التي لم يظهر أقدمُها إِلَّا بَعْدَ أن كان قد مضى على وفاةِ النبيّ أزيدُ من قرن. يمثّل كتاب باتريشيا كراون ومايكل كوك “الهاجريّة”، وقد صَدَرَ (معترِفاً بفضل من سبقوه) في سبعينات القرن الماضي، محطّةً بارزةً جدّاً في مساق الأبحاث النقديّة المشار إليها. ولكنّ الوفاق منعقد على اعتبار أعمال بول كازانوفا، التي أهمِلَت طويلاً بعد ظهورها في أوائلِ القرن العشرين، هي الركيزة الجادّة الأولى لهذه المدرسة. وهي تُنصَبُ، بهذه المثابة، في مواجهةِ “أرثوذكسيّة” نولدكه. وهذا مع العلم أنّ نولدكه لا يزال له، هو أيضاً، خلَفٌ ناشط، أقربُ نوعاً ما إلى “المزاج” الإسلاميّ، وتتزعّمه اليومَ، في برلين، أنجليكا نويفرت التي عرفناها، في سنواتٍ مَضَت، مديرةً لمعهد الدراسات الشرقيّة (الألماني) في بيروت.

هذا وكانت المدرسة النقديّة (ويُنْعتُ “الجذريّون” فيها بـ”الشكّاكين”) تعوّل كثيراً على مصادر يهوديّةٍ وسامريّةٍ ومسيحيّةٍ وزرادشتيّةٍ… معاصرةٍ للنبيّ أو لاحقةٍ له عن كثبٍ نسبيّاً، وقد ذكرت نتفاً مختلفةً ممّا كان من أمر الدعوةِ والفتوح، وهذا في زمنٍ (هو القرن السابعُ الميلاديّ) لم يَصلْ إلينا منه أثرٌ إسلاميّ معلوم (باستثناء القرآن طبعاً) وإنّما دوّن المسلمون رواياتهم لأخباره في أزمنةٍ لاحقةٍ له واعتَمدوا في تثبيتِها أو ردّها طريقةَ الإسناد التي توقّف عندها بعضُ الباحثين الغربيّين ملِيّاً ووجَدوها كثيرةَ العِلَل…

هذا التعويل على الشهود المعاصرين للوقائع، المختلفي الانتماء والمواقع والمواقف، ما يزالُ جارياً. ولكنّ كتاب “تاريخ القرآن” الذي تناوله الحوار مع أمير معزّي، أحدِ المعتٍنيَينِ بإعداده، يشيرُ إلى غلبةٍ متزايدةٍ، في العقود الأخيرة، بين مصادرِ معرفتنا بتشَكٌّل القرآنِ وبالدعوة المحمّديّة، لما باتت تقدّمه الحفريّاتُ المعاصرة، الجارية في جزيرة العرب ومحيطها والمخطوطات القرآنيّة القديمة التي أصبحت التقانات الجديدةُ تتيحُ استنطاقاً أوثق لها وأوفَرَ مردوداً.

في كلّ حال يبدو “علماءُ” المسلمين غافلينَ كلّيّاً عن هذه الحركةِ برمّتها وقد باتت الأبحاثُ المنتميةُ إليها، على اختلاف الاتّجاهات، تُعَدُّ بالآلاف! هو نهرٌ جارفٌ إذن يجري تحتَ فراش “أمّ الصبيّ” ولا يبدو أنّها تشعُرُ بهديره وتيّاراتِه أو أنّ لها قولاً في مجراه ووجهتِه، تصديقاً كان القولُ أم تفنيداً ودحضاً. وكان نصر حامد أبو زيد قد فتح فمه، ذاتَ يومٍ، ليقولَ بدرسِ القرآن على أنّه نصّ تاريخيّ. ولم يكن مضى بعيداً في هذا السبيل حينَ تلفّت حوله فوجد نفسه مطلّقاً من ابتهال ومهدّداً في رزقه وحياتِه ومنبوذاً، في آخر مطافه القصير، إلى بيتِ خالته الهولنديّة… فما قولُ السادةِ “العلماء” في كتاب أمير معزّي وأصحابهِ وفي أعمال أضرابهم وقد بلغَت ما لم يبلغهُ أبو زيدٍ قَطّ وهي مبذولةٌ لمن يرغبُ في مكتباتِ العالم وعلى الشبكة وليس للسادةِ “العلماء” أن يحظُروها ولا أن يخرجوا أصحابها من ديارهم؟