كتاب التاريخ أم فكر التاريخ؟

أحمد بيضون

في الدرس الذي بات استخلاصه واجباً من الإخفاق المتمادي للجان اللبنانية المتعاقبة على معالجة مادّة التاريخ المدرسي ووضع كتابها الواحد المنتظر (وهو الإخفاق الذي جعلتُه مداراً لعجالتي الماضية) رأيتُ أن على النظر أن يتجه إلى البحث عن السبب الأعمق (وهو لا يستبعد وجود أسباب أقرب إلى الظرف) في تصوّر بعينه للتاريخ. يعمد هذا التصوّر إلى إخراجٍ للزمن أو لفاعليّته من التاريخ بما هو البعد الذي تتعاقب فيه الحوادث فيكون فيها قبلٌ وبعدٌ وتتغيّر فيه الأشياء والقيم والمواقف والأحكام، إلخ. يجري إخراج الزمن ليُعمد إلى رصف الوقائع أو الحوادث جنباً إلى جنبٍ في بعد وحيد ذي صفة مكانية. فإذا كان لقيمة الواقعة أو الحادثة مقياس فليس هو قربها أو بعدها في الزمن بل أهليتها لتكرار البنية المعنوية لحادثةٍ أو واقعةٍ تستوي، بما هي أصل، مقياساً للقيمة. هذا التعبّد للأصل والاشتهاء لتكراره ينحوان إلى تجميد الجماعة في صورةٍ خالدة يمليها الأصل وإلى جبه الجديد الذي يأتي به الزمن حكماً بالنكران أو نعته بالانحراف عن الجادّة التي يرسمها رسماً مزعوم الثبات إلهام الأصل وصورة الجماعة.
في هذا النكران زيفٌ مثابر… إذ الواقع أن الجماعة تتغيّر في التاريخ، بنىً ومواقف وقيماً، وأن تصوّرها للأصل ولفحواه يتغيّر أيضاً فلا يستقيم اعتباره مقياساً ثابتاً للقيمة أيضاً. ولكن نكران التغيير أو رفض الاعتراف به ديدناً للتاريخ يبقى دأباً ثابتاً ومعه زعم القياس على أصلٍ ثابت. وذاك لأن هذا النكران أو الرفض هو درع الجماعة يحميها من التفكك والاندثار إذ يرتجل لها باستمرار هويّةً واحدة مستمرّة.
ما الصلة بين نكران الزمن أو نبذ التغييرِ والجديدِ هذا وبين استعصاء الإفضاء إلى وفاقٍ بين أطرافٍ لبنانيين على روايةٍ موحّدة لتاريخهم المشترك؟ يحول افتراض الهوية الثابتة والمعنى الواحد لتاريخ الجماعة إلى امتناع حركة المؤرّخ الملتزم برؤيا جماعته التاريخية بين حوادث ذلك التاريخ أو إلى التقييد الشديد لتلك الحركة، في الأقلّ. فهذا المؤرّخ يصبح مسوقاً، بوعيٍ منه أو بلا وعيٍ، إلى شدّ حوادث الماضي نحو ما تتخيله الجماعة اليوم على أنه صورتها وتبتغي قسر الماضي على الشهادة بصحّته وتعزيز الملامح المرادة له. وقد يستبقي المؤرّخ في ماضي الجماعة حالاتِ «خيانةٍ» لهذه الصورة. يستبقيها مرغماً ويريد لها أن تبقى محصورة، ضيّقةَ النطاق بكلّ معنىً ممكن. وهو يجالد «الأغيارَ» أو «الخصوم»، بما أوتي من حذق وهمّة، للحؤول دون طغيان «الخيانة» أو استشراء الشذوذ بحيث يزعزع القاعدة أو يطيحها. عليه يُفهم أن يعصي على لبنانيين معاصرين بلوغُ التفاهم المروم على معنى مواجهةٍ قديمة أو حديثة بين جماعتين لبنانيتين بعينهما أو حلفين متعارضين عقدتاهما أو أصلين مفترضين لهما، إلخ. فإن الناطق الحالي باسم الجماعة أو زجّالَها المفوّه سيستعيد محاولتها وضعَ القيمة في جانبها أو في جانب حليفها مستوحياً في ذلك ما تراه الجماعة صورةً راهنة لها يستدعى التاريخ لتعزيزها. وهو ما لا يسع الجماعة الأخرى أن تنصاع له لمعارضته سعيَها المناظر لهذا السعي… فيتعذّر الوفاق. هذا التعذّر ما كان ليحصل لو حصل الاستعداد للاعتراف بواقع الحال التاريخية: وهو أن فحوى الأصل نفسه أو دلالتَه (بل ورواية وقائعه نفسها، أحياناً) كانت تتغيّر كلّها أو جلّها في مدى تاريخ الجماعة… وأن هذا التاريخ إنما هو، فوق كلّ شيء، تاريخ التحوّلات في تصوّر الجماعة لنفسها أي تاريخ إعادات الابتكار لهويّتها ومعها توالي الأسانيد المتعارضة لثبات هذه الهوية.
فلو كان في مستطاع المؤرّخ «الملتزم» أن يتبيّن حركة الهويّة هذه في التاريخ وأن يرصد وقائعها من مرحلة إلى مرحلة لما وجد نفسه محمولاً، في مواجهة الواقع التاريخي، على تعيين حالة واحدة للقيمة (بما فيها قيمته الشخصية): ما لم يكن، في واقع الأمور، إلا حالةً من حالاتٍ للجماعة متغايرةٍ في ما بينها حتى احتمال التناقض. قبول التغاير هذا في تاريخ الجماعة، بما فيه تغاير الوجهات المنسوبة إلى الواقعة- لأصل، وهو قبولٌ يعادل الانفكاك الرمزي من أَسْر الجماعة دون حاجةٍ إلى الوقوع في خيانتها ولا إلى الخروج العملي منها، إنما هو شرطٌ لتحرير حركة المؤرّخ في التاريخ كلّه وشرطُ الوفاق على التاريخ إن لم يكن بين الجماعات فبين المؤرخين لها.
على هذا القبول بالتغاير (وعلى حقيقة حصوله) ضربتُ، في الندوة التي أشرتُ إليها في عجالتي الماضية، مثال الحرب اللبنانية. قلت أن الاعتراف بأن موارنة اليوم وسنّته وشيعته ودروزه، إلخ، أصبحت كلّ جماعة منهم، بتمثيلها السياسي الغالب، في موقع مخالف جدّاً لذاك الذي كانت فيه أثناء الحرب الماضية: مخالف له في «القضايا» وفي الأحلاف وفي المسلك… فما الذي يلزم المؤرّخ، لو ساغَ له الاعترافُ بهذا التغيير والصُدوعُ بمفاعيله، أن يُلزم الجماعة في صعيد القيمة بموقعٍ غادرَته وبدت مسلّمة بالخلل فيه، في صعيد الواقع؟ ولكن المؤرّخ يجنح عن هذا الاعتراف حين يلحظ ورود المطالبة به من جانب من يراه منافساً أو خصماً ويلحظ رغبة هذا الغير في جني فوائد من هذا الاعتراف للجماعة- الغير. هذا سبب لرفض الاعتراف بالتغيير وبالزمن. ولكن السبب الأعمق يبقى دأب الجماعة، في سعيها المتجدد للبقاء، إلى تصوير تاريخها (بمعناه كلّه إن لم يكن بوقائعه كلّها) على أنه حالةُ وفاءٍ راسخ لهويّةٍ عصيّة على التقادم عَصاوتَها على التجديد.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

عَبَثُ التاريخ بمشكلة كتاب التاريخ

أحمد بيضون

في ندوة بيروتية أخيرة، عادت إلى بساط البحث مسألة كتاب التاريخ المدرسي، وهي، في لبنان، مسألة تكرارية تَبْرز لنا بين حين وحين من حيث نحتسب أو لا نحتسب. وهي تشبه بهذا بنية ما يسمّى التاريخ عندنا: إذ هذه قائمة أيضاً على استعادة الأحداث كلها حدثاً بعينه لا تني تردّد معناه الفعلي أو المزعوم. لم يكن كتاب التاريخ موضوع تلك الندوة إذن ولكن مسألة الكتاب المذكور وجدت لنفسها موطئ قدم في الندوة.
وحين أزمعتُ التدخّل في المناقشة باعتباري من أصحاب السوابق في هذا المضمار، وجدتُني أنتبه إلى أن الزمن الذي مرّ على بقاء هذه المسألة بلا حلّ (وهو ربع القرن الذي انقضى على الانتهاء المفترض لحرب لبنان) بات يوجب تجاوز الزاوية التي كنت أعتمدها لكلامي في كلّ مرّةٍ طرقتُ فيها هذا الباب.
كنت أُوضح، عادةً، أنني أعارض توحيد الكتاب وأؤيد توحيد المنهاج وأؤيد معه رقابة علمية وتربوية تزاولها هيئة مختصة رفيعة المستوى في وزارة التربية يناط بها اعتماد الكتب المعروضة عليها أو رفضها أو طلب تعديلها. وكنت أبيّن أن توحيد الكتاب مشروع يبطن وهماً مريحاً للسلطة الضعيفة هو وهم القضاء على مشكلة من المشاكل بضربة واحدة لا تقوم بعدها للمشكلة قائمة بعد عامٍ ولا بعد قرن. فالسلطة اللبنانية تخاف ألا تجد نفسها قادرة، إذا تركت الباب مفتوحاً لاستقبال الكتب الجديدة، على رفض أيّ كتاب يظهر له دعم من جانب جهة سياسية أو مذهبية مهمّة، وهذا مهما يكن الكتاب تافهاً أو خطراً. وذلك أن هذه السلطة – سلطة الدولة – باتت ترى نفسها الأضعف بين سلطات أخرى كثيرة عاملة في البلاد وخصوصاً حين يتعلّق الأمر بمسائل تعني جماعة من الجماعات الطائفية أو تتواجه بصددها جماعات مختلفة.
فترى السلطة إذن أنها إن واتاها الحظّ ووفّقت في هذا النوع من المسائل إلى صيغة ترضي أهل الحلّ والعقد كافّة فإن عليها أن تسجد شكراً للعناية ثم لا تعود إلى فتح الموضوع أبداً. وهي قد أصبحت تجد في يدها الدليل الساطع على صواب موقفها هذا: وذاك أن ربع قرن من الجهد الموصول تارةً والمتقطع أخرى لم تفض بها إلى نشوة الخلاص المرتجى. هذا واللجان التي شُكّلت تباعاً لوضع المنهج والكتاب لم تكن خالية من الكفاءة المهنية وإن تكن الواحدة منها قد بدت، بتشكيلها الطائفي، أقرب إلى مجلس للملل منها إلى لجنة للتخطيط التربوي والتأليف المدرسي. وكانت العادة أن كل وزير جديد يجد نفسه مغرىً بأن يعتبر أنه قد عفا الله عمّا مضى فيرتأي تشكيل لجنة جديدة ليحقّ القول أنه كلما دخلَت لجنةٌ لعَنَت أختَها.
ولكن هذا التسليم بالضعف من جانب سلطة الدولة لا يوهم بالخروج من مأزق إلا ليفضي إلى اثنين. فإن التلميذ سيبقى محاصراً بمصادر غير الكتاب للمعرفة التاريخية، بينها معلّمه نفسه، تخالف التسوية البائسة التي مثّلها الكتاب ولا يقوى على مجاراتها هذا الأخير، وهذا أوّلاً. وإن المعرفة التاريخية معرفة متحرّكة يكثر فيها الجديد بشأن وقائع الماضي ويفترض أن تلمّ بالحاضر أيضاً وهو ما يقتضي إعادة نظر دورية في الكتاب… خصوصاً وأن حركة التاريخ الحاضرة، فضلاً عن الكشوف الجديدة في ميدان المصادر، كثيراً ما تملي هي نفسها مراجعة التقويم المعتمد لهذا أو ذاك من حوادث الماضي وأشخاصه، وهذا ثانياً. يدلّ على هذا، مثلاً، أن الحاجة إلى الكتاب الموحّد إنما غلّبتها الحرب (وإن يكن الشعور بها سابقاً لهذه الأخيرة) وأن التسليم حاصل بأن الرواية المدرسية للتاريخ بعد الحرب لن تكون هي نفسها الرواية الرائجة له قبلها وأن الحرب نفسها بما هي حدث مركّب حديث العهد قد استوى تقديمها وروايتها وتقويمها مصدراً بارزاً من مصادر العسر الذي ابتلي به مشروع الكتاب الموحّد من أصله.
ذاك تقريباً ما كنت أقوله حين يطرح على بساط ما موضوع التاريخ المدرسي الموحّد. في الندوة الأخيرة التي أشرت إليها شعرت أن كلامي هذا، وإن لم أكن أجد فيه اليوم ما يجانب الصواب، قد أصبح غير واف بالغرض. وذاك أن الزمن الذي انقضى من غير أن يفضي السعي المشكور إلى الحجّ المبرور قد جاء بجديد يمسّ أساس المشروع لا تفاصيله وحسب وأن تمادي الإعجاز عن الإنجاز يكشف، في ما أرى اليوم، جذراً للمشكلة يضرب في رؤية للتاريخ ولزمنه هي رؤية موحّدة فعلاً ولكنها، بوحدتها هذه، تنشر على الأفرقاء جملةً هذا العجز عن تحصيل الوفاق في مسائل تفصيلية مختلفة. ففي أطوار الواقع التعليمي، بمقدار ما ترسم معالمه مصادر المعلومات وأساليب الوصول إليها، أن الكتب المدرسية، بمعناها المعتاد، ومنها كتاب التاريخ، قد تفاقمت هامشيتها كثيراً بما هي حاملٌ من حوامل المعرفة، بالقياس إلى ما باتت تقدّمه الشبكة من كتل المعلومات ومن سبل البحث فيها والوقوف على ما تحويه من روايات للحدث الواحد متعارضة وتقويمات للواقعة الواحدة متغايرة، إلخ. فهذه كتل يتصاغر بإزائها محتوى الكتاب المدرسي ويعترض تنوّعُها كلّ جهدٍ لفرض ترسيمة واحدة تحكم نظر التلامذة في شؤون التاريخ وشجونه. وقد بلغ من سيادة هذه الوفرة في المادّة وهذا التنوع في وجهات النظر أن تعليم المادّة أصبح اليوم تعليماً لكيفيات التعلّم وتوجيهاً بين مسالك التقويم ولم يعد يسعه بحالٍ أن يكون فرضاً لرواية وحيدة أو لرأي فردٍ في أيّ شأن.
هذا يفرض على أصحاب المشروع اللبناني أن ينقلوا همّهم من الكتاب الموحّد وروايته العسيرة الولادة للتاريخ إلى طريقة في تدريب التلامذة على البحث وعلى نقد الروايات وعلى تقويم الأحكام التقويمية واكتشاف زوايا النظر ومفاعيلها. وهذه أمور يحتاج تعليمها، فضلاً عن إتقان طرائق البحث، إلى أمثلة تاريخية متحرّكة بين الموضوعات ومتراتبة لجهة البساطة أو التعقيد ويحتاج بطبيعة الحال إلى مناهج في التحليل النقدي للمادة التاريخية. يحتاج هذا التعليم إلى هذا كله ولا يحتاج إلى رواية ناجزة تغطي عهوداً شاسعة وبلاداً كثيرة وتقدّمها سلسلة كتبٍ مدرسية. هذا تغيير لا يسع لجنةً تعمل في التخطيط لتعليم مادّة من الموادّ وفي توفير ما يلزم له أن تتجاهله بعد اليوم.
يبقى أن ثمّة، في الحالة اللبنانية، أمراً خاصّاً يبقى كامناً تحت هذا التحوّل العامّ في طرائق التعليم وموادّه وأهدافه. ثمة مشكل أشرنا إلى وجوده في صورة التاريخ والزمن وفي الغاية التي تُفترض لهما هو المانع الأعمق لإفضاء اللبنانيين إلى رواية مدرسية يتقبّلونها لتاريخ بلادهم. إلى هذا المشكل نعود في العجالة المقبلة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

الشيخوخة

  • November 15th, 2014

احمد بيضون

يزداد واحدنا إيغالاً في الشيخوخة كلّما تكاثرت الأشياء التي يتعذّر تكرارها أو يصبح غير محتمل في ما نفترض أنه قد تبقى لنا من العمر.
قبل سنة من اليوم، كنت أتمشّى مصحوباً ببعض الأهل على ضفّة بحيرة ميشيغان في مدينة شيكاغو. كان كلّ شيء يبدو رائعاً حين خطرت لي خاطرة متّصلة بي وبالمكان. فطنت إلى أنني زرت شيكاغو مرّتين في ما مضى من عمري وجئت في كلّ منهما إلى هذا المكان نفسه أو إلى موضع قريب منه. تدلّ على ذلك ناطحاتُ سحابٍ ومعالم أخرى كانت لا تزال أخيلتها ماثلةً في ذاكرتي. كانت الزيارة الأولى في سنة 1965 والثانية في سنة 1988. ولما كنت أستعيد صوراً من تينك الزيارتين وأنا أتنزّه على الضفّة نفسها في سنة 2013، فقد كان سهلاً أن أنتبه إلى أن ربع قرنٍ تقريباً قد فصل بين كلّ من زياراتي لهذه المدينة وتاليتها. هو إذن ربع قرن! فمن أين لي، وقد بلغت السبعين في سنة 2013 الميمونة، أن أتدبّر ربع قرن مقبلاً يغدو محتملاً بعده أن أعيد نزهتي هذه؟ وهل يبدو محتملاً إذا طال بقائي حتى سنّ الخامسة والتسعين (وهذا أمرٌ تستبعده نُذُرٌ مختلفة) أن أجعل همّي في ما يفترض أن تكون عليه حالي وأنا في تلك السنّ المتقدّمة أن أُحْمَل إلى ذلك الموقع لأدبّ فيه على العصا أو يجري بي على رصيفه كرسيّ درّاج؟ لا الهمّة ستسعف إذّاك، على الأرجح، ولا الرغبة ستتجه بي نحو هذه القبلة ولا الوسائل ستكون متاحةً إذا أسعفت الهمّة وواتت الرغبة.
الشيخوخة، في واحدٍ من وجوهها، هي هذا: أن يصبح الزمن فجأةً غير كافٍ لأشياءٍ كثيرة: لأشياءٍ تروح تتكاثر سنةً بعد سنة.
أدهى ما في الأمر أن هذا الشعور باستبعاد التكرار تتسرّب منه نكهة حزينة إلى حوادث ووقائع تعتبر «فريدة» في بابها فلا يفترض تكرارها أصلاً. في صيف السنة الجارية، كنت في سياحةٍ (عائلية أيضاً) في البرتغال. وكان للبهجة مصادر كثيرة: جَمْعُ الشمل وجمال الطبيعة وثراءُ التاريخ وجودة الطعام والشراب ولطف الأهلين… ولم أكن قد افترضت أو افترض أحد من صحبتي أن علينا أن نعود إلى هذه البلاد مرّةً أخرى. كانت هذه الزيارة، بطبيعتها، فريضةً تؤدّى مرّةً واحدة. فإذا رغبنا في السياحة، في عامٍ مقبل، فلن يصعب علينا أن نجد بلاداً أخرى، رائعةً أيضاً، يقترحها بعضنا على بعضٍ ونكتشف أننا نجترّ الرغبة في زيارتها من أعوامٍ كثيرة. على الرغم من حالة «الفرادة» هذه التي اتّشَحت بها، من تلقاء نفسها، زيارة البرتغال، تَسرّبَ إلى شعوري بوقائعها حزنٌ هادئ غريب: حزنٌ لم يعترض المُتْعة ولكنه خالَطَها بـأُلْفةٍ غير منتظرة. كان منظر الأمكنة وحوادث الرحلة من القصر الملكي في سِنْترا إلى العشاء في مطعمٍ لشبونيّ قريب من الفندق، مصدراً لشعورٍ بالوداع… مصدراً لإدراكٍ مباغتٍ لماهية الزمن بما هو محلّ لتعذّر التكرار. لن يحصُل هذا نفسه مرّةً أخرى. حين نتقدّم في العمر، يصبح الوداع الذي هو مستحقّ لكلّ حدثٍ أمراً مقترناً بغيابٍ آخر هو غيابنا نحن. صورة الغياب هذه، إذ تصبح خلفيةً للحوادث، بما فيها، على التخصيص، تلك التي لا نرجو استعادتها أصلاً، هي منفذ من المنافذ التي يغزونا منها الشعور بالشيخوخة.
منفذٌ آخرٌ لهذا الشعور نفسه أختَبِرُ وقْعَ ما ينبثق منه من سنين كثيرة هو أن تدرك أنك أصبحت أكبر سنّاً من أهل السلطة كلّهم تقريباً على اختلاف المواقع. حين تكون موظّفاً وتبلغ سنّ التقاعد يفرض الأمر نفسه: أنت مذّاك فصاعداً أسنُّ من كلّ من يتوجّه إليك بمطلبٍ أو أمرٍ باسم السلطة العامّة. هذه واقعةٌ لها أهمّيتها في مجتمع لم ينبذ الاقتران بين التقدّم في السنّ والهيبة ووجوب الطاعة. وما هو أدهى من تقدّمك في السنّ على الموظّفين أن تجد نفسك وقد أصبحت أسنَّ من الكثرة الكاثرة من الوزراء والنوّاب وحتى من رئيس الجمهورية… إذا وُجِد! فبِقَطْع النظر عن أخْذِك بصدور السلطة العامّة، وما تتّخذه من أنظمة وقوانين، عن الإرادة الشعبية، ستشعر، عند التأمّل، بغبنٍ عميق الغور في موروثنا الجماعي وأنت تلاحظ أن من عليك طاعتهم إنما هم أناسٌ في سنّ أولادك أو هم، في أحسن الأحوال، في سنّ إخوتك الصغار.
فإن كانت هذه حال المسنّ مع الدولة وأركانها فما بالك بحاله مع مولجين بتنفيذ النظام والقانون شبابهم بيّن إلى حدٍّ يبدو لك مبالغاً فيه: شرطة السير مثلاً أو العسكريين الذين يدقّقون في الهويّات عند الحواجز؟ وما بالك أن يكون المدقّق وحاجزه مجرّدين من كلّ سند من نظام أو قانون؟.. أن يكون عنصراً في ميليشيا غير موافقةٍ لمزاجك قطعاً. لا يستبعد إذّاك أن تشعر بالشيخوخة تجتاحك اجتياحاً وبتقاعدك يتضاعف إذ تدرك أن الأمور قد أفلتت من يدك: كلّها دفعةً واحدة.
الجسم أيضاً – بل أوّلاً – مصدر شعورٍ بالشيخوخة. تدنّي الثِقْلِ الذي يسَعُك حَمْلُه والصعودُ به إلى بيتك وقد شَلَّ المصعدً بسبب انقطاع التيار، قدرتك على الجري أو على مجرّد السير مقارنةً بما كانت عليه، هي نفسها، قبْلَ عشرين سنة، حُسْنُ بلائك في الفراش، إلخ.، إلخ. ولكن هذا المصدر يكون مخاتلاً أحياناً فيجعل الكثير قليلاً والقليل كثيراً تبعاً لموازين تدخل فيها الإرادة والطبع والعادة والمحيط، إلخ. ولا أرجو الإتيان بجديد من طرق هذا الباب. فأكتفي بالقول، مستوحياً ما سبق بيانه، أن ذكر السياحة والسلطة في معرض التأمل في انكشاف الشيخوخة لم يكن أمراً عارضاً. فإذا كانت الشيخوخة لا تستبين بهذا الجلاء في محلّ إقامتنا ومسرح حياتنا المعتادة وإذا كان انكشافها تسهّله السلطة أو الغربة أي ما هو متفوّق على أشخاصنا أو مُخِلٌّ بنظام حياتنا فمردّ ذلك إلى كون الشيخوخة، وإن تكوّنت عواملها على مهل، إنما هي، لجهة الشعور بها واستبطانها، قطيعةٌ واقتلاع وليست حالاً يستبقي لنا سويّتنا التي نعهدها لأنفسنا.
مع ذلك، يبقى سبيل العناد سالكاً لمن ارتضاه إلى أن يقطعه الموت.
كاتب لبناني

احمد بيضون

عدالة لبنان الانتقالية: الخصم والحَكَم

أحمد بيضون

بخلاف الحالات التي انطلقت منها مسيرة العدالة الانتقالية في العالم، وهي حالات الدول الخارجة من الكتلة الشيوعية لتعتمد أنظمةً جديدة، وجد المركز الدولي المختص بهذا الشأن في لبنان خلافاً مستمرّاً على تشخيص النزاع الذي جرى ووجد حالةً من الشكّ في أن يكون الخروج من هذا النزاع قد تمّ فعلاً. فعلى مستوىً أوّل بقي التنازع جارياً بين صفتين عامّتين للحرب ترى الأولى فيها حرباً أهليةً مدارها النظام السياسي وموازينه وخياراته السياسية وترى الثانية فيها حرباً أو حروباً بين قوىً خارجية، إقليمية ودولية، خاضها اللبنانيون أو اشتركوا في خوضها بالوكالة عن أصحاب المصلحة. وعلى مستوىً أدنى من هذا، انطوت الحرب على بؤر ملتهبة يرفض الخائضون فيها أن يعودوا إلى حقيقة أدوارهم فيها وأن يتمعّنوا في دلالاتها. من ذلك، مثلاً، ما سُمّي «حرب المخيّمات» في وسط الثمانينات من القرن الماضي ومنه أيضاً الحروب الداخلية القبيحة التي شهدتها هذه أو تلك من الطوائف.
على أن الأدهى إنما هو استيلاء قوى الحرب على الدولة، بعد اتّفاق الطائف، واستصدارها قانونَ عفوٍ ينجو بها من المحاسبة. والحال أن هذه القوى هي من ينبغي مثوله في قفص الاتّهام حين تأخذ العدالة الانتقاالية مجراها. ويقتضي ذلك أن تكون قد نشأت دولة متماسكة المؤسسات يوثَق بحياد القضاء المنتمي إليها. هذا فيما نقع في لبنان على دولةٍ لم تكن طرفاً في النزاع بقدر ما أصبحت أطرافاً مصادرةً أو متعدّى عليها من جانب أطرافه. هذه الدولة خرجت من الحرب مستضعفة غير مستقلّة بسلطة القانون عن أطراف النزاع ولا عن سلطة الوصي السوري الذي استوى، لخمسة عشر عاماً لاحقة، قيّماً على سياسة الموازين بين تلك الأطراف بما في ذلك الموازين بينه وبين أوصياء آخرين على بعضها. وضع سلطة الدولة هذا لم يزدد إلا سوءاً بعد سحب الوصي قوّاته وجهاز عمله من الداخل اللبناني في سنة 2005 إذ ظهر تفسّخ المجتمع السياسي اللبناني وعجزه عن استيلاد قوّة داخلية فاعلة للتحكيم بين أطرافه.
في مناخ الأزمة المستعصية هذه، بدا أن على التيّار العامل لوضع العدالة الانتقالية على سكّة الفعل أن يحصر جهوده في نطاقٍ بالغ الضيق بالقياس إلى التصوّر المبدئي للمهمة وإن يكن قيّماً في حدّ ذاته. كان وضع قوى الحرب يدها على الدولة قد جعل مجرّد المطالبة بالتحقيق لتحديد مصائر المفقودين من الضحايا يرتطم طويلاً بالقول أن فتح هذا النوع من الملفّات يرتدّ بالبلاد إلى مناخ الحرب. وهذه مطالبة كان أهالي المفقودين ونفرٌ من مؤازريهم قد باشروها في سنوات الحرب ثم واصلوها بعد ذلك بلا كلل.
وجد مركز العدالة الانتقالية نفسه يجعل من قضية المفقودين هؤلاء وجلاءِ مصيرهم محوراً لعمله… في ندوتين عقدهما المركز هذه السنة كان بيّناً أن نطاق العدالة المفترض أوسع بكثير من هذه القضية على أهمّيتها. جرى التشديد على أن المسار الذي يبدأ بطلب «الحقيقة» المتعلّقة بالضحايا يفترض أن يفضي إلى إجراء العدالة الجزائية في حقّ المرتكبين وإلى جبر الضرر الواقع على الضحايا بالتعويض عليهم أو على ذويهم. كان بيّناً أيضاً ان هذا النوع من العدالة ينتهي إلى اقتضاء إصلاح مؤسسي، متعدّد الوجوه، يراد منه درء التكرار الوارد للنزاع.
لم تُظهر المناقشات سبلاً مفتوحة أو ميسورة الفتح إلى هذه الغايات. فاقتصر السعي على ما هو قريب المنال. شكّل المركز ما سُمّي «ائتلافاً» لهيئات لها سابق إسهام في هذا النوع من المطالبة. وهذا إنجاز كان المركز أحسن من يتولاّه بحكم «خارجيته» وما تحت يده من وسائل وخبرات. هذا «الائتلاف» استوى، في الواقع، منتدىً لمناقشةٍ مشتركة للمهمّات التي يضطلع به الأطراف كلّ من جهته. وبالنظر إلى ما لقضية المفقودين من سابقة في السعي والمتابعة، استوت هذه القضية تلقائياً همّاً واضح التصدّر، وإن لم يكن وحيداً، للـ»ائتلاف». وقد سُجّل التوصّل إلى محطّة فيها هي تسلّم ملفّ التحقيق الذي كانت قد أجرته حكومة سليم الحص في حدود سنة 2000. وهذا أمرٌ تنشئ جهود المركز من خلال «الائتلاف» وسطاً تضامنياً حوله وإن يكن الإنجاز نفسه ثمرة جهود بذلها أهالي المفقودين والحقوقيون الناشطون معهم.
ما مصير العدالة الجزائية من بعد وجبر الضرر؟ وما مصير الإصلاح المؤسسي؟ توجّه «الائتلاف» بـ»توصيات» تتعلّق بهذه القضايا إلى «الدولة». وهذا توجّهٌ موافق للمبدإ ولكن حالَ الدولة وموقعها في هذا المضمار هما ما أشرنا إليه. وفي جهة المطالبين، تبدو هذه القضايا فائضة عن طاقة الجماعات الصغيرة والأفراد من أعضاء «الائتلاف». وهي فائضة أيضاً عن الحضور اللبناني الخجول لمركز العدالة الانتقالية. ففي مواجهة هؤلاء لا تزال تقف قوى الحرب العاتية وهي قابضة على مفاصل المجتمع وعلى الدولة وعلى العدالة. وهي تبدو متوجّهة، لا نحو إجراء العدالة بشأن الحرب الماضية، بل نحو حشد القوى وتوفير المنطلقات لحربٍ (أو حروبٍ) جديدة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

عدالة لبنان الانتقالية: أيّ انتقال؟

أحمد بيضون

قبل نحوٍ من ستّ سنوات، أنشأ المركز الدولي للعدالة الانتقالية مكتباً له في بيروت. كان المركز يصل إلى الديار اللبنانية متأخّراً نحواً من ثماني سنواتٍ عن تأسيسه في نيويورك ونحواً من عشرين سنة عن انطلاق العمل بفكرة العدالة الانتقالية في دول مختلفة من العالم أخذت تنتقل إلى الديمقراطية… وكان «انتقالـ»ها هذا تخلّصاً من أنظمة ونزاعات خلّفت إرثاً شاسعاً من انتهاك الحقوق وضحايا يحصون بالملايين وخراباً عميماً. أجدَر بالإشارة من هذا التأخير عن ولادة السعي إلى هذا النوع من العدالة أن هذه الولادة نفسها كانت قد زامنت، على التقريب، نهاية الحرب اللبنانية الطويلة أو سلسلة الحروب التي اصطلح على القول أنها بدأت سنة 1975 واختتمت سنة 1990.
اصطُلح على الأخذ بهذين التاريخين بسندٍ من وقائع وجيهةٍ، لا ريب، ولكن وجاهتها لا تمنع الجدل في أمر البداية التي لا يتعذّر تعيينها بحرب حزيران 1967 أو بانتخابات 1968 النيابية في لبنان أو بأيلول 1970 المعروف بـ»الأسود» في الأردن… ويتعذّر القطع بانتهائها في بلاد عرفت جولات من العنف المدمّر بعدها وشهدت ولا تزال تشهد نذراً باستئناف حرب قد يصحّ وصفها بالأهلية ولكنها، مع ذلك، تبدو، شأنَ سابقتها، عصيّةً على الحصر في تعريفٍ واحد. أمرٌ أخير يستحقّ التنويه ههنا هو أن المركز العالمي الذي نتناول سعيه اللبناني عمل أو هو لا يزال يعمل في نيّفٍ وعشرين دولة من دول العالم وجدها محتاجةً إلى جهوده. بين تلك الدول واحدةٌ عربية غير لبنان هي تونس: ويبدو مستقبل العمل فيها واعداً إذ هو يحصل بتآزرٍ ما بين المركز وحكومة البلاد وتدور فصوله في أعقاب ثورة مشهودة وانتقال جارٍ فعلاً.
أنتج المركز بعد حلوله في بيروت بضعة تقارير لا تخلو من الفائدة العملية حين يراد استذكار ما كانته الحرب اللبنانية وما أوقعته من أذى مقترن بتواريخ وحوادث ومنتهٍ إلى ضحايا وأضرار لا يستغني السعي إلى العدالة عن تعيينها وحصرها إذا أريد له أن يكون ذا ثمرة. من ذلك «مسحٌ للانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ما بين عامي 1975 و2008» وقد جعل لهذا التقرير عنواناً «إرث لبنان من العنف السياسي». من ذلك أيضاً تقرير عنوانه:»عدم التعامل مع الماضي: أيّ تكلفةٍ على لبنان؟» هذا التقرير الأخير تناول بالنقد ما اتّخذته الدولة اللبنانية من تدابير وإجراءات قانونية وعملية لمعالجة آثار الحرب، على اختلافها، فأبرز ما انطوت عليه من وجوه النقص والخلل والتناقض. من ذلك، أخيراً، دراسة ميدانية لصور الحرب وكيفيات ظهورها في كلام عيّنة من اللبنانيين موزّعة إلى «مجموعات تركيز»، وهي أُجْريت في بيروت الكبرى ولا تزال في قيد النشر…
تعاون المركز في وضع هذه التقارير مع ذوي خبرة ينتمون إلى مؤسسات قائمة في لبنان وبعضهم من غير اللبنانيين. ولا يقع القارئ، في هذه التقارير على ما يصحّ اعتباره جديداً فعلاً على مستوى المعرفة. فقد كانت الحروب اللبنانية، على مرّ السنين، مثاراً لاهتمام دارسين كثر. ولم يعوز مراحلها ومحطّاتها المختلفة موثّقون انصبّوا على حصر وقائعها ولو ان قيمة ما قدّموه تجوز المجادلة فيها بطبيعة الحال. وهذا جواز يسري بلا ريب على تقارير المركز الدولي للعدالة الانتقالية لجهتي الدقة والشمول. ولكن هذه التقارير تتميّز بكونها موجّهة، من حيث المبدأ، لخدمة عملية أو إجراءات متعلّقة بالعدالة. وهي، حين تنتقد، لا بدّ من أن يعتمد مقياساً للنقد صلاحها أو عدمه لهذا الاستعمال أو للتمهيد له في الأقل.
ههنا تطرح الأسئلة الكبيرة: علامَ وقَع المركز في لبنان وما الحظوظ المرجّحة في هذه البلاد للعدالة الانتقالية، بالمعنى الذي اكتسبته هذه الأخيرة من مراسها العالمي؟ أفلا يفتَرض إجراءُ العدالة إفضاءً إلى تصوّر يُعتمد لطبيعة النزاع؟ وهل يستقيم، من غير هذا التصوّر، تحديد مقبول لضفّة المتّهمين أو المجرمين ولضفّة الضحايا ومن ثمّ لضفّةٍ ثالثةٍ هي ضفّة السلطة التي يستظلّها القضاء المعهود إليه بإجراء العدالة؟ وهل تجرى عدالة انتقالية من غير انتقال معلوم الأوصاف حصل أو هو يحصل بعد الخروج من النزاع؟
إلى هذا الأسئلة نعود في عجالتنا المقبلة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

«نهاية المجتمعات»

أحمد بيضون

على الرغم ممّا نحن فيه أو بسببه، على الأرجح، ينزل علينا عنوان الكتاب الأخير لآلان تورين «نهاية المجتمعات» نزول الصاعقة. قد يكون كتاب فوكوياما الشهير قد أشعرنا، قبل ربع قرن تقريباً، بصدمة مشابهة… ولكن فوكوياما كان يزفّ إلينا بشرى (لم يتأخر كذبها في الظهور) فيما يضعنا تورين وجهاً لوجه أمام ما يشبه أن يكون كارثة.
أصدر تورين هذا الكتاب الضخم (666 صفحة) في السنة الماضية وهو على مشارف التسعين. لذا نفهم أن يُعتبر الكتاب، في كلمة التعريف بالمؤلّف على الصفحة الرابعة من الغلاف، «تتويجاً» لنصف قرنٍ من السعي العلمي أثمر نحواً من أربعين كتاباً ووضع صاحبه في الصدارة بين اجتماعيي هذا العصر.
وفي الصدارة من سعي تورين يقع… «السعي»: إذا قَبِلنا هذا المصطلح مقابلاً عربياً لمصطلحين معاً هما «العمل» الذي يبتغي الإنتاج و»العمل» أيضاً بمعنى الفعل أو تسلسل الأفعال الذي يبتغي تغيير وضعٍ من الأوضاع. هذا المنطلق يضع تورين في وجه مدرسةٍ أخرى مثّلها، في أيّامه، البنيويون على التخصيص، وهي تلك التي ترى للبنى وللتغيّر فيها منطقاً يسوغ أو لا يسوغ اعتباره مستقلّاً عن إرادة المعنيين بالتغيير ولكنّه يستوعب هذه الإرادة معيّناً لها اتّجاهها ويجعلها عنصراً من عناصر فعله أو وسيلةً من وسائل إفضائه إلى تشكيلٍ جديدٍ يتّخذه.
لا ينكر تورين فاعلية البنى بل هو بعيد كلّ البعد عن هذا الإنكار. ولكنّه، في تعريفه للـ»اجتماعي»، يحكّم في تلك البنى ما يسمّيه «مؤسّسات» المجتمع. وفي المؤسّسات تتجسّد «الذات» التي تحتلّ موقع المركز من تصوّر تورين للمجتمع وبها تعود الإرادة إلى الظهور في عمل المجتمع وفي تاريخه. على أن هذا المجتمع الذي يعرّف بالمؤسّسات، ليس أيّ مجتمع كان. وإنّما هو مجتمع «متأرّخ» ضالعٌ في الحداثة يتميّز عمّا سبقه وعمّا يغايره من المجتمعات بإقباله على إنتاج نفسه وهو ما يسند نظريّة «الذات». والحداثة يراها تورين قائمةً ويرى أن «ما بعدها» هو الذي مضى وانقضى. هذا وما يسمّى مؤسّسات في هذا المجتمع مختلفٌ عن وحدات الاجتماع التقليدي من قبيل الطائفة أو القبيلة… إذ هذه تقصُر سعيها على تأمين بقائها أي على مقاومة الدواعي إلى التغيير ومداورتها. هذا بينما تتولّى مؤسّسات المجتمع الحديث من العائلة النووية إلى المدرسة إلى الاقتصاد الرأسمالي إلى السياسة والدولة مهامّ استقبال التغيير وسياسته واستيعابه.
وفي منطق الحداثة أن تكون «الذات» المجتمعية ماثلة في هذه المؤسّسات وفاعلة فيها وبتوسّطها. ولكن الماضي والتقليد يستبقيان ثقلاً يرزح على حركة المؤسّسات ولا يمكن أن يكون التحلل منهما باتّاً. بل إن ثقلهما ينحو إلى تفاقمٍ وإلى مقاومةٍ لما هو مفترض الاستجابة من دواعي التغيير. ذاك ما يستثير ما يسمّيه تورين «الحركات الاجتماعية». وهذه مختلفة عن حركات المطالبة العارضة أو الموضعية، مهما تكن شدّة هذه الأخيرة واتّساعها. وذاك أن «الحركات» التي يوليها المؤلّف عنايته تتميّز بمنازعة القوى المسيطرة في المجتمع شرعية سيطرتها باسم حقوقٍ عليا هي الحصن الأخير للاجتماع الحديث. وأمّا «الذات» المريدة التي تجسّدها هذه «الحركات» في سعيها إلى إعادة تعريف المؤسّسات وإعادة توزيع الشرعية فهي ماثلة في الأفراد أيضاً. وهي تظهر في كلّ موطن من المجتمع تظهر فيه إرادة مسندة، في منتهى أمرها، إلى الحقوق العليا للأفراد بما هم بشر.
يرى تورين أن الواقعة الأولى التي تبيح القول بـ»نهاية المجتمعات» أو بنهاية «الاجتماعي» إنّما هي انفصال دوران الاقتصاد المعولم، وبخاصّةٍ منه رأس المال المالي، عن الدائرة التي يصل إليها فعل مؤسّسات المجتمع بما فيها الدولة. وهو ما أسفر عن تضعضع هذه المؤسّسات بعد أن أصبحت مناسبتها للغاية المفترضة لوجودها موضع شكّ وطعنٍ مشروعين. فحركات المطالبة الاقتصادية-الاجتماعية لا يصل فعلها إلى مواقع السلطة المتحكّمة بأهمّ مقاليد القرار في مضمار مطالبتها. والسياسة الداخلية، بمؤسّساتها المعلومة، أصبحت ضامرة المضمون معرّضةً لتيّاراتٍ عابرة لحدود الدول. وأصبحت المدرسة بفعل ذواء الحدود بين أسواق العمل مضطربة الصلة بحاجات المجتمع الوطني إلى التأطير. وتخلخل التعريف المألوف للعائلة وتكاثرت مسمّيات هذا الاسم بفعل استشراء الطلاق وكثرة المواليد في خارج الزواج وتشريع الزواج المثلي والتبني للمثليين، إلخ.
وفي كلّ حالٍ، تبقى الواقعة الصاعقة وقوع المحاسبة على القرارت التي تحدث أبلغ الأثر في بنى المجتمعات ووقوع إمكان الإبطال أو التعديل في خارج متناول المجتمعات ذات الصلة. هذا وتفعل واقعة الانفصال هذه فعلها، وفي ركابها آثارها المزلزلة في المؤسسات الاجتماعية، في المجتمعات التي كانت موائل الحداثة الأولى أي في الغرب. ولكن المجتمعات الأخرى، ومن بينها مجتمعاتنا التي يلمّ تورين ببعض ما شهدته من حركات التغيير في هذه الأعوام الأخيرة وببعض المشكلات التي يطرحها الإسلام أو تطرح عليه في البلاد الإسلامية وفي المهاجر.
ولعلّ أهمّ ما يستوقفنا في الكتاب هذا الاختلاف، على التحديد، بين ما تثمره وتبدو مفضية إليه أزمات الاجتماع الغربي وما يقابله في مجتمعاتنا. فمن ذلك ما هو مشترك وهو الارتداد المتباين النطاق، ممّا يطلق عليه سَلفٌ مشهورٌ لتورين هو الألماني فرديناند تونيز اسم «الاجتماعي» إلى ما يخصّه بصفة «الجماعيّ» أو «الطائفي» بمعنىً واسع للكلمة يشتمل على الديني وعلى غيره. يبدو الطائفي، في الغرب، تحدّياً قائماً للاجتماعي ولكنه يلفي في مواجهته أنظمةً حقوقية راسخة تكفلها الدول التي يرفض تورين القول بزوالها. وتجهد لتفعيل هذه الأنظمة ومدّها إلى آفاقٍ جديدة حركاتٌ اجتماعية (يرى تورين في مقدّمها الحركة النسائية) متعلّقة بقيمتي الحرّية والمساواة وبالحقوق الكلّية التي هي مناط «الذات». هذه الحقوق تقتضي، بحسب المؤلّف، أن تنشأ لها مرجعيّات تستجيب للتحدّي الذي تواجه به العولمة جملةَ الحركات المتعلّقة بها.
عليه لا يمثّل الارتداد إلى جماعات التقليد، في الغرب، من دينية وغيرها، سوى تحدٍّ موضعي قد يصبح عويصاً ولكنه ليس بقاتل. هذا فيما لا تجد الطائفية، عندنا، في مواجهتها، تقليداً حقوقياً راسخاً يتصدّى لها من خارج الدين أو من داخله. ولا هي تجد قوىً اجتماعية ذات بأس ترفع في وجهها راية الحقوق الكلّية. فهذا كلّه بقي هشّاً ضحلَ الجذور في ديارنا. وما يستثير الطائفية ويشدّ من أزرها، قبل كلّ شيء، إنّما هو التنازع بين طائفياتٍ يسعفها انتحالها قِيَمَ الدين في النطاقين الإقليمي والوطني. ومدوّنة الدين جدالية فيها ما يعترض على كلّ تأويل لأحكامها وليس فيها ما يبيح القطع بنقضه. هذا وحين تنتحل أنظمة الدول ههنا مناوأة الطائفية باسم المواطنة تجد نفسها متّهمةً بالطائفية، هي نفسها، ومنقوصة الشرعيّة، في كلّ حال، وفقيرةً، من جرّاء الفساد الهيكلي والاستبداد، إلى الجاذبية أو المقبولية. وأمّا مساعي التجاوز في مواجهة الأنظمة فتبقى هامشيّةً أو هي تقمع بلا حدّ إذا اشتدّ أزرها وغامرت بالخروج من حال السَتر.
لا تَناظُر بين الحالين إذن. والكتاب الذي يعرّج على أوضاع متفرّقة في العالم ذكرنا من بينها مجريات «الربيع العربي» وأحوال العالم الإسلامي يبقى كتاباً غربي الإلهام ولا يقفل، فيما يتعدّى وصفه الصارم لأزمة المجتمعات الغربية، آفاق الحلول هناك. ولكنّه يكشف بالتضادّ الفارق بين عالمين: عالمٍ (هو الغربي) تتضعضع فيه مؤسّسات المجتمع ولكنّه يستبقي احتمالات للتجدّد تستلهم تراثاً حقوقياً راسخ القواعد وعظيم القدرة على استقطاب الولاء… وعالمٍ آخر هو عالمنا يكشف التضعضعُ نفسه فيه افتقارَه إلى منظومةِ قِيَمٍ وحقوقٍ وإلى قوىً متشبّثة بهذه وبتلك يدخل بهما غير معصوب العينين مرحلةً جديدة من تاريخ العالم افتُتِحَت قبل عقود ويثبت جدارته للاشتراك في توجيه دفّتها.
لا حاجة إلى القول، من بَعْدُ، أن كتاب تورين مستوجبُ القراءة ويوجب ذلك المسارعةَ إلى نقله إلى العربية ولكن بما يقتضيه أسلوباً ومضموناً من عناية وكفاءة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

كتب «النهايات»

أحمد بيضون

لا أعرف إن كنت واهماً… فما أنا بصدده يصعب التحقق منه إذ هذا يقتضي بحثاً مترامي الأطراف. مع ذلك، أركُن إلى تخمينٍ لي مفاده أن «كتب النهايات» كثُرت في ربع القرن الأخير. هل كانت كثيرة قبل هذه المدّة أيضاً؟ أم أن شيئاً خاصّاً بهذه المرحلة جعل هذا النوع يتنامى؟ هذا ما لا يسعني الجزم فيه. مع ذلك، يبقى ممكناً أن يغامر واحدنا بتعليل لتتابع العناوين القائلة بنهاية شيء ما في هذه المرحلة الأخيرة وإن لم يكن في يده ما يأذن بالمقارنة بينها وبين مراحل سابقة. البعد المقارن ما كان إلا ليلقي ضوءاً مضافاً على أيّة خلاصة نخلص إليها في هذا الشأن ولكنه ليس ضربةَ لازمٍ ولا يلغي تعذّرُ الاستئناس به المهمّةَ أو يحكم بتعذّر القيام بها أصلاً.
وما أسمّيه «كتب النهايات» هو مؤلّفات طبّقت شهرة بعضها الآفاق وبقي بعضها الآخر أدنى حظوةً يعلن كلّ منها نهايةَ شيء: شيءٍ ليس أيّ شيء… وإنما هو ركنٌ أو سمةٌ رئيسة من أركان عالمٍ ألفناه وسماته… أو هو حركة شكّلت أيضاً معلماً بارزاً من معالم ترسم مصير البشر كلهم في راهنه… أو مصيرَ كتلٍ معتبرة منهم… أو هو نظامٌ فكريّ تَشاطره بشرٌ كثيرون لأمدٍ متطاول، إلخ.
ولا يصعب، وقد جعلنا المرحلةَ المستعرَضة تتمثّل في ربع القرن الأخير، أن نستكثر من الأمثلة بجهد استرجاعٍ طفيف. وأمّا ما يحمل على اعتماد هذا التحديد للمرحلة فهو تواضعٌ يسنده الشعور العامّ على اعتبار انهيار الاتّحاد السوفييتي وانفراطِ كتلته وانتشارِ الخيار الديمقراطي الذي استوى رمزاً له إسقاطُ جدار برلين على مدى «القارّة» السوفييتية السابقة وفي أصقاع أخرى بعيدة عنها وتسلّمِ الولايات المتّحدة الأمريكية، بما هي القوّة العظمى الوحيدة مذ ذاك، زعامة العالم الجديد وتوسّعِ الاتّحاد الأوروبي إلى تخوم روسياالاتحادية، إلخ. لا يمارى في الجدّة التي طبعت عالماً شكّلته هذه الوقائع ولو أن بعضها بدأ يتخلخل منذ ظهوره وتعرّض شيئاً فشيئاً لتحدّيات متآزرة أو متعاقبة مثّلها صعودُ الصين وجيرانِها من أقطاب الاقتصاد العالمي الجديد والتعثّرُ المحبط في مسيرة الاتحاد الأوروبي واستئنافُ السعي الروسي إلى التصدّر العالمي وتوطّدُ الإسلام السياسي ممثّلاً بالدولة الإيرانية وبمقابلها السنّي الذي كان 11 أيلول/سبتمبر 2001 إعلانه المدوّي عن نفسه بما هو خصمٌ للسيطرة الأمريكية على شطورٍ عريضة من العالم الإسلامي وردٌّ على السعي الإيراني إلى الزعامة الإسلامية في آن… على صعيد آخر، بدا أن حركة العولمة أخذت تغطّي، بوجوهها المختلفة من اقتصاديّ- مالي وسياسي- عسكري ومعلوماتي- تواصلي، ما لم تكن قد اكتسحته من أصقاع العالم وبدا أنها تمثّل امتحاناً عسيراً لحدود الدول، بما فيها الكبيرة، وسيادتِها ولسيطرةِ أنظمتها ومواطنيها على مصائرها. كان هذا عالماً جديداً لا ريب في جِدّته في ما يتعدّى ما يلقاه استتبابه من مقاومة وما يعرو مسيرتَه من تعثّر… فكيف أعلنت «كتب النهايات» ولادة هذا العالم؟ ولمَ كانت كتبَ نهاياتٍ أصلاً ولم تكن كتبَ ولادات؟
مرّة أخرى، لا تستغني الإجابة عن ضرب الأمثلة. هذه بعض العناوين مرتّبةً بحسب تواريخ الصدور: «نهاية التاريخ» لفرنسيس فوكوياما (1992)؛ «فشل الإسلام السياسي» لأوليفييه روا (1992)؛ «نهاية أقاليم الدول» لبرتران بادي (1995)؛ «وداع العروبة» لحازم صاغيّة (1999)؛ «بَعْدَ الدولة- الأمة» ليورغن هابرماس (2000)؛ «بَعْدَ الإمبراطورية» لأمانويل تود (2002)؛ «نهاية الإيمان» لسام هاريس (2005)؛ «نهاية المجتمعات» لآلان تورين (2013)؛ «نهاية النمو» لريتشارد هاينبرغ (2011)؛ «نهاية الرجال ونهضة النساء» لهنّه روزن (2012)؛ «نهاية العولمة» لفرانسوا لنغلي (2013).
والملاحظة الأولى هي أن هذه العناوين لا تتساوى في درجة الحسم. فما يبدأ منها بـ»نهاية» أشدّ ممّا يبدأ بـ»بَعْد» إذ تفتح الفئة الثانية باباً أو أفقاً يخلف الذي انتهى وقد يَفْضُله. والملاحظة الثانية أن بعض هذه العناوين سقط، على وجه السرعة، وغار في الصمت بعد ما أحدثه من دويّ. أهمّ ما بلغ نهاية شوطه من العناوين عنوان فوكوياما الذي خانه «التاريخ» بُعيد ظهوره إذ استأنف حركته بأعنف صوره وأقبحها. ولا يصحّ القول نفسه، على الأرجح، في «فشل الإسلام السياسي» لأن ما شهده هذا الأخير من استشراء وتمدّد بعد صدور الكتاب، يجوز ألاّ يعتبر «نجاحاً» بمعنى تحقيق المهمّة المفترضة. والملاحظة الثالثة أن هذه «النهايات» كلّها نهاياتٌ غير قطعيّة أو هي إشكالية يحتاج إثباتها إلى براهين. فما يدلي به كلّ منها ليس من قبيل «نهاية الكتلة السوفييتية»، مثلاً، أي من قبيل النهايات التي يعدّ القول بها تحصيل حاصل فتستدعي وصفاً وتعليلاً ولكن لا يحتاج إثباتها إلى برهان. والملاحظة الأخيرة – ولعلّها الأهمّ – هي أن هذه العناوين يناطح بعضُ آخِرِها بعضَ أوّلها. فما يقرّره لنغلي (وهو اقتصادي) بصدد العولمة يخالف ما يقرّره هابرماس (وهو اجتماعي وفيلسوف) بصدد الدولة- الأمّة ويعيد النظر جزئيّاً في ما يقوله بادي (وهو سياسي) بصدد أقاليم الدول. وما يراه تود في شأن الإمبراطورية الأمريكية ينقض جانباً من الصورة التي كان فوكوياما قد بنى عليها اجتهاده المعلوم. إلخ، إلخ…
هذه الحركة التي يخلخل فيها الحديث العهد ما كان قد سبقه تدلّ على نوعٍ من الهشاشة أو من التناهي تتّسم به هذه «النهايات» المهولة التي يكفي كلّ منها لإبدال عالَمٍ بعالم. ثمّة نوع من النقصان في كلّ منها إذن أو هو شيء من القابلية لردّةٍ ما وإن كان لا يرجى، في أيّ حال، عودةُ القديم إلى قدمه. لا نهايةُ الدولة- الأمّة قطعية ولا نهايةُ الإمبراطورية ولا نهايةُ «الإيمان» التي لا تستبعد، في كتاب هاريسن توسُّعَ التديّن المنظّم… ولا نهاية «الرجل» بما هو دور، ولا وداع «العروبة» بما هي قوّةٌ سياسية، نهائيّان. وهذا ناهيك بأن تكون «العولمة» التي لا يزال الاحتفال جارياً ببلوغها أشُدّها قد لقيت حتفها… هذه الهشاشة أو النسبية أو الترجّح في «النهايات» المستعرضة… هذا التعذّر لإلزام التاريخي بوجهةٍ مطلقة… هي أَوْجَهُ ما يخلص إليه المتأمّل في هذا الصفّ من كتبٍ عريضة الآفاق وشديدة الوقع.
وبعد فنحن، في هذا الشطر من العالم، نشعر شعوراً مزلزلاً، بأن شيئاً في عالمنا هو الآن في قيد الانتهاء. ولكننا لا نعلم علم اليقين، بعدُ، ماهية هذا الذي نشهدُ نهايته في عالمنا أو، بالأحرى، فينا… ولا نُحْسن أن نسمّيه.
فلعلّ العودة، في عجالةٍ مقبلة، إلى واحد من هذه الكتب (نراهُ أهمَّها) وهو كتاب آلان تورين «نهاية المجتمعات» تسعفنا في التقدّم قليلاً نحو منفذٍ من شبكة الأنفاق التي نحن فيها.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

الثقافتان

أحمد بيضون

يميل المثقفون، حيث كانوا، إلى التعظيم من شأن الثقافة التي ينتجونها. وسرعان ما تبدو المواجهات الكبرى، من سياسية واجتماعية، حين يتناولونها، وكأنها أصداء قريبة لأنواع الخلاف الناشب بين نِحَلِهم أو جماعاتهم. وهي نِحَلٌ أو جماعات كثيراً ما يتصدّر كلّا منها شخص واحد تطلق عليه صفة «المفكّر». ويكون هذا الشخص في قيد الحياة عادةً أو يكون معاصراً، في الأقلّ، تابع تفاصيلَ مساره مستلهموه والمجادلون فيه. ولكن يسعه أيضاً أن يجرّ في ركابه مواريث متشعّبةً قد يرقى بعضها، في الحالة العربية (وهي شاغلنا هنا)، إلى ما يدعى عصر «النهضة» وقد يوغل بعضها الآخر في مدارس التراث الإسلامي بفروعه ومذاهبه المختلفة. فيفضي البحث في «فكر» ه إلى البحث في القرآن والحديث، في المعتزلة والأشاعرة، في التصوّف والسلفية، في أهل الكتاب وأحكامهم، إلخ. وقد يدرج ذلك كله في مناظير حديثة أو معاصرة فينقسم النقّاد بين ليبراليين وماركسيين أو بين ديمقراطيين وتحريريين أو بين أنصارٍ للديمقراطية السياسية ودعاةٍ للديمقراطية الاجتماعية، إلخ.
وفي كلّ حال، تأخذ وقائع كبرى، من قبيل حركات التغيير ومساقات التنازع التي شهدتها مجتمعات عربية عديدة في السنوات الأربع الأخيرة تبدو، في كلام المحللين من ذوي الألفة لدوائر «الفكر» العليا هذه، وكأنما كان يسعها أن تكون غير ما كانت لو ان الموازين اختلفت في دائرة الأفكار بين حفنة يختارها المحلّل من بين المتأملين في الدين والدولة والمجتمع والتاريخ وفي الثقافة أيضاً. ويتفق كثيراً أن تكون هذه الحفنة قد انتشرت في مدى شاسع من الأرض يتجاوز المجال الموصوف بالعربي أحياناً وتَوَزّع نتاجها على قرن أو قرنين وعلى أبواب من الإنتاج الثقافي مختلفة… ولكن يتصدّرها ما يسمّى الفكر. وهذا نوع لا يمكن مطابقته، على الأغلب، والنوع الفلسفي بتعريفه المضبوط لأغراضه ومناهجه ولا هو يطابق أيضاً أيّاً من علوم الإنسان والمجتمع، بما فيها علم السياسة وعلم الاجتماع بنماذجهما المكرّسة.
وعلى التعميم، يقف المتأمّلون في المسار الفعلي للحوادث حيارى إزاء الحركات الكبرى التي يفلح في إطلاقها «مفكّرون» من قبيل روح الله الخميني أو سيد قطب ممّن ينتمون إلى نهجٍ يسعنا أن ننعته بالتأصيل أو المطابقة أي بردّ الخيار المعتمد في مسألة من المسائل إلى غير القائل المعاصر به وبقصر مهمّة هذا الأخير على إثبات الأمانة لكلامٍ أو لشَرْعٍ وُجد قبله. وهو ما يصحّ أن يوصف به أصحاب المنحى القوميّ أيضاً إذ هم نسخٌ باهتة لنماذج أوروبية معروفة وهم يزعمون، إلى ذلك، أنهم ساعون في استرداد حالة أصلية ضاربة في القدم هي حالة الأمة الواحدة ذات الماضي الأثيل. هذا فيما يبقى المجدّدون المعاصرون الذين يقف نقّادنا عند مناظراتهم محبوسين في دائرة ضيقة من المهتمين فلا يُرى لفكرهم، في ما يتعدّى أوهام بعض المعلـّقين أو أمانيهم، أثرٌ يعتدّ به في حركات الجماهير أو في دوائر القرار.
والواقع أن القول بالمطابقة أو بالاستعادة، على كونه لا يصمد لأدنى تفحّص، إنما هو سرّ قوّة أولئك وأن القول بالتجديد هو سرّ الضعف الظاهر على هؤلاء. أي أن الغلبة أيسر، على الإجمال، للموقف «الرجعي» (بمعنى الكلمة الحرفي) منها للتوجّه «التقدّمي» (بالمعنى الحرفي أيضاً). ويحتاج التماس السبب في هذه الحال المؤسفة إلى التمييز بين معنيين للثقافة. الأوّل، وهو أضيق الاثنين، يجعل من الثقافة «ما ينتجه المثقّفون». والثاني، وهو الأوسع، يرى فيها «جملة الأنظمة الرمزية التي تنشئها أو ترثها وتنميها أو تتداولها وتعرّف بها جماعة من الجماعات البشرية». وتكاد المعارف والآداب والفنون أن تستنفد ماصدقَ التعريفِ الأوّل. وأما الثاني فيشتمل، مثالاً لا حصراً، على الأعراف والتقاليد وعلى قيم السلوك وعلى التراث الشفوي بسائر فروعه…
وما يفوت المعوّلين في التغيير الاجتماعي على المناظرات بين المفكّرين أن أثر الثقافة «الضيقة» في الثقافة «الواسعة» تكون مسالكه ضيقة في الغالب ويبقى ضعيفاً، عادةً، ما لم تواته محرّضات لا يمكن ردّها إلى قوّة الفكر ونفاذه، في ذاته، بل هي تكون خارجةً عن دائرته، قادرةً على جعله يصدع بأوامرها ونواهيها لا العكس. وفي العادة، تتّخذ هذه المحرّضات لنفسها مراكب من الثقافة الواسعة بحيث تبدو هذه الأخيرة، في الغالب من الحالات، أقرب إلى التأثير في الضيقة منها إلى التأثّر بها. فعلى الإجمال، لا ينشئ المثقفون ثقافة مجتمعهم بل يجدونها حاصلة وينشأون فيها أوّلاً ولو انهم قد يجدون لأنفسهم منافذ إلى خارج حدودها. وإنما يتراوح سعي المثقفين ما بين تمكين الثقافة الواسعة وتغييرها. ويفترض أن يلقى السعي إلى التغيير مقاومة متنوعة المصادر، يمدّها الخوف الغريزي من الانهيار الكلّي للمجتمع بالطاقة، وإن يكن التغيير حاجةً تستشعرها فئاتٌ أو أجنحة من المجتمع. أهمّ من ذلك أن هذا السعي تنتصب في وجهه جدرانٌ قريبة إن لم يفلح الفكر «الجديد» في الاندراج في مسارب مؤسسية ذات مصبّات معتبرة السعة. إذ لا غلبة، في هذا العصر، لفكرٍ لا يتّخذ صيغاً متلفزة أو مذاعة ولا تطير به الجرائد ولا تنشره مواقع ذاتُ حظوةٍ على الشبكة ليكتسب من هذا كلّه انتظاماً ورحابة في حضوره الاجتماعي… وهذا ناهيك بأن يجد مستقرّاً في عقول المربّين بحيث يتمكن من التغلغل في المدارس وفي البيوت ويداخل المبادلات اليومية وبأن يتمكن من الانتقال أيضاً من القالب «الفكري» الضيّق النفوذ إلى قوالب الآداب والفنون على اختلافها…
فإن لم يتيسّر للفكر «الجديد» شيء معتبرٌ من ذلك كلّه لم يُستبعد أن يفاجأ أهل الثقافة الضيقة بانبثاقٍ غير محسوب يجتاح مجالهم لتيّار يتّخذ لنفسه مجرىً من المجاري المتاحة في الثقافة الواسعة بحيث يبدو أقرب بكثير إلى تكاوينها منه إلى هياكل الثقافة الضيقة. هذا النوع من الغلبة يبدو مبدّداً لجهود مثقفين محترفين بذلوا وسعهم في صوغ ضروب من التشخيص المحكم أو الطامح إلى الإحكام وفي وضع التوصيات والمطالب والتوقّعات بناءً على ذلك. يضرب التيّار الطالع من الثقافة الواسعة عرض الحائط بهذا كلّه مغلّباً ما كان المتصدّرون من «مفكّري» الثقافة الضيقة ومعهم جمهورهم قد حسبوا أنهم أطاحوه أو أنهم شقّوا، في الأقلّ، أوسع الجادّات لتجاوزه.
لا غنى عن التنظير وما يليه أو يواكبه من صنوف المجادلة بين المثقفين وما يصحب ذلك من منتجات الثقافة الضيقة على اختلافها. ولكن حلقة الجدال بين المفكّرين أو بين مريديهم كثيراً ما تكون مفرغة، بمعنى الكلمة الحرفي. وكثيراً ما يكون جارياً إنتاج فكر الساعة في زاوية قصية من ميدان الصراع الفكري الظاهر بل أيضاً في دائرة لا يشتمل عليها هذا الميدان ويزدري أقطابه وآهلوه لغتها ومقولاتها بحيث قد لا يلقون إليها بالاً إلى أن يبغتهم طوفانها.
عليه يحتاج التقدير الرشيد لأدوار المذاهب أو التوجّهات الفكرية وشروط تأثيرها الاجتماعي إلى درس على حدّة. ولهذا الدرس أن يفيد من مناهج علم اجتماع الثقافة، على الأخص، وله أن يستلهم مناهج أخرى. ويبقى، في كلّ حال، أن اجتنابُ الخيبة يقتضي ألا يستعجل مفكّرو «الثقافة الضيقة» نسبةَ الكلمة المسموعة لأنفسهم في ساحات التظاهر وميادين القتال أو تَعَلُّق المآلِ المنتظر لمواجهةٍ تاريخية كبرى بـ»إفحام» واحدٍ منهم خصمه على صفحات كتابٍ أو جريدة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

…زَلابِية

  • October 4th, 2014

أحمد بيضون

الضربات الجوية لداعش، بلا تتمّةٍ برّية ولا أفق سياسيّ معلوم، لا «تَقْلي زلابيةً»، على قول ابن الرومي.
ودخول أمريكا حرباً لا يعني بالضرورة أن تكسبها فهي قد خسرت حربين من الصنف نفسه في السنوات الأخيرة، على الرغم من نشرها عسكراً على الأرض. قد يعني دخولها الحرب قدرتها المميّزة على تحمّل هزيمة أخرى بعد هضم التحدّي الذي حملَها على تحريك عسكرها.
تشبه الضربات الجوية «صفحةَ الماء يُرمى فيه بالحجرِ» إذا تابعنا اقتراض الصور من الشاعر نفسه.
فكتلة الحجر تطرد الماء من حيث تقع لتنشره إلى مسافات متباينة حولها. وهي تجعل الدوائر «تنداحُ» (والعبارة لابن الرومي أيضاً) من حولها. أي أنها تدفع داعش، في الحالة التي نواجه، على التوسّع إلى بلاد أخرى: إلى لبنان،مثلاً، وإلى الأردن، ناهيكم بدول الجزيرة… ولا ضرورة لتحريك المقاتلين أنفسهم من سوريا أو من العراق بل بات يمكن الاعتماد على مقاتلين تستنبتهم داعش من المجتمعات المحيطة.
أقدمَت أمريكا على دخول هذه الحرب بعد تردّد مديد. وهي تباشرها من الجوّ بعقيدة «زيرو كاجولتي» (صفر إصابات) التي جنحَت إليها (وإن لم تنجح في التمسك بها) منذ حرب تحرير الكويت سنة 1991. وهذه عقيدةُ دولةٍ تحترم أرواح جنودها وتخشى الرأي العام في ديارها… ولكنها، من الجهة الأخرى، عقيدةٌ ترفع كلفة تحريك العسكر وحمايته إلى مستويات خيالية وتحدّ من فاعليته القتالية فوق ذلك. وهذان أمران يطيلان أمد الحرب ويعودان فيزيدان ضغط الرأي العام على مؤسسة الحكم بسبب تراكم الأكلاف على اختلافها ورزوحها على الحياة الاقتصادية خصوصاً. هذا إلى ما يجرّه هذا الأسلوب في القتال من زيادة هائلة في ضحايا المدنيين ومن أضرار مختلفة أخرى حيث تدور المواجهة وما يلي ذلك من ضغط سياسي أو معنوي على الدولة المحاربة…
يتّحد هذا كلّه ليضعف الدولة الفائقة القوّة في مواجهة تشكيلٍات مقاتلة يمثّل الانتحار أسلوبها الأبرز في القتال وتحصي «شهداء»ها بـ»الملايين» سلفاً ولا تترددّ في إرهاب خصومها بالقول «بالذبح جيناكم» دونما تحسّبٍ من لطخة يتركها على صورتها هذا الشعار أو ما شاكله من قولٍ أو فعل. وهي، إلى ذلك، لا تسترخص شيئاً استرخاصها أرواح المدنيين الذين توزّعهم بين الجنّة والنار بحسب مقتضى الحال ولكنها ترسلهم إلى العالم الآخر في كلّ حال.
و»ما أَنْسَ لا أَنْسَ» – يقول ابن الرومي أيضاً – ما يتعهّده الأمريكيون ومن معهم من الأطلسيين من شدٍّ لأزْرِ التشكيلات «المعتدلة» في المعارضة السورية ومن اجتراح لـ»حرسٍ وطنيّ» في العراق يسدّ مسدّ الجيش الذي ظهر فشله الصاعق في الموصل… هاتان هما القوّتان اللتان ستقع عليهما أعباء القتال البرّي أو معظمها، على ما يظهر. ولكنّ السائد، في ما يتّصل بالتشكيلات السورية المشار إليها، هو الشكّ في «اعتدال» بعضها والشكّ في وجود البعض الآخر. والسائد في ما يتّصل بالعراق، هو التشكيك في أن تُفلح الطبعة الجديدة من «الصحوات» حيث أخفق جيشٌ أُنفِقَتْ عليه بلايين. نحن حيالَ شكٍّ وتشكيك، إذن، وهذا لا يعادل الجزم الذي لا يبدو أحدٌ قابضاً على مفاتيحه، في الظرف الحاضر. ذاك ما يعوّل عليه المعسكر المواجه لداعش وهو يزهو بضمّه نحواً من خمسين دولة ولكنه استجلب من الجهة الأخرى موقفاً تركياً ذا خطرٍ موسوماً بتقلّبات جزئية، مدروسة بلا ريب. وهو، إلى هذا، يُقْبِل على المواجهة بأنظمةٍ عربيةٍ، نفطية وغير نفطية، لم تلفحها الثورات مباشرة ولكنها أظهرت، مع ذلك، ما هي عليه من وهن حين يُستطلع المستقبل ومن ضعف في الجاذبية حين تُذكر البدائل. وكانت النفطية منها، على الخصوص، متّهمة أصلاً بالاستواء موئلاً للقاعدة ثم لِما تخلّفت به هذه الأخيرة من أشباهٍ ونظائر…
أَوْلى من ذلك بالنظر القريب أن المعسكر نفسه إذ استبعد «التعاون» مع النظام الأسدي واستبقى، مع ذلك، برنامجه القتالي في سوريا، قد أثار مواجد النظام المشار إليه، بطبيعة الحال، وأثار معها حرَد الحليفين المعهودين لهذا النظام: روسيا وإيران. أما مفعول المعارضة الروسية فقد يُقْتصر على خلخلة الشرعية الدولية للحرب الجديدة، وهذه شرعية فقدت بكارتها مراراً. وأما الثنائي السوري – الإيراني فستجهد المشاورات المكتومة والمعلنة في تلطيف غيظه. ثم إنه يملك في مواجهة المعسكر الذي استُبعد من عضويته وسائل متنوّعة عزّزتها الخبرة الطويلة. يتعين الانتباه، فوق ذلك، إلى أن الطرف الإيراني، وهو أقوى الاثنين، يباشر هذه المرحلة الجديدة من المواجهة وعينه على مفاوضاته النووية وعلى ما في يده من أوراق منشورة بين صنعاء وبيروت. والمفاوضات النووية والأوراق الإقليمية قوّة للنظام الإيراني يتصرّف بها في التجاذب المتواصل ولكنهما عبءٌ عليه أيضاً تمتحن العقوباتُ الدولية قدرتَه على حمله. ما الذي يُحتمل أن تفعله إيران وتابعها السوري؟ لم يخطئ من ذكّر بسوابق البراغماتية الفاقعة التي سبق أن أبداها الطرفان في تاريخ أمسى طويلاً. أبدتها إيران حيال أمريكا نفسها وإسرائيل في ما سمّي إيران غيت وأبدتها من الجهة الأخرى حيال الولايات المتحدة وحيال تنظيم «القاعدة» معاً في حربي أفغانستان والعراق، إلخ. وأبداها النظام الأسدي حيال الولايات المتحدة أيضاً في هاتين الحربين وفي أزمة لبنان، بعد اغتيال رفيق الحريري، وقبل ذلك في حرب تحرير الكويت وحيال تنظيم «القاعدة» أيضاً في محطّات وصيغ مختلفة بينها تهريب «المجاهدين»، بعد تدريبهم، إلى العراق المحتلّ وبينها فصْل فتْح الإسلام في لبنان وبينها، مؤخّراً، إطلاق سراح سجناء القاعدة من سجن صيدنايا لصَبْغ الثورة السورية، وهي لا تزال حركة متظاهرين سلميين، بصبغة الإرهاب الإسلامي… وبينها، أخيراً لا آخراً، سكوت النظام طويلاً طويلاً على توسّع داعش نفسها في شرق سورية وشمالها. إلخ.
هذا كلّه لا ينذر بحلف صريح يضمّ داعش إلى الثنائي الإيراني السوري. ولكنه ينذر، على الأرجح، بلعبٍ ثلاثيّ معقّد يتعاقب فيه تشجيعُ داعش ولَجْمُها ومحاولةُ الاستثمار في ما تحقّقه على الأرض بغيةَ تحصيل مكاسب من الأمريكيين وحلفائهم على جبهاتٍ أخرى لقاءَ التخفيف من الغلواء الداعشية. وهذا لعبٌ يجب أن يُنْظر فيه إلى أثره في المشادّة المكتومة أو شبه المكتومة بين «متشدّدي» النظام الإيراني و»معتدليه». وفي هذا كلّه، لن يوجد في الميدان من يحتسب الضحايا والدمار في العراق وفي سوريا. تلك مهمّة قد يتولاها مركزٌ صغيرٌ ما واقعٌ في خارج الميدان. وأما الذين هم في الميدان، على اختلاف المواقع، فمهمّتهم مقتصَرة على الاستكثار من الضحايا والخراب.
يرجّح إذن أن تخطئ الزلابيةُ أفواهَ المتلمّظين… يرجّح أن تكون هذه الحرب المستأنفة محطّة على طريق بلادنا الطويل نحو مصير يبدو الآن أغمض ملامح ممّا كان قبل سنتين أو ثلاث… ولكن لا تَغْلب على صُوَره القريبة، في كلّ حال، بشائرُ خلاصٍ…
كاتب لبناني

أحمد بيضون

Share on Facebook

مرحلتان في «الحركات»، عُسْرٌ في المقاربة

أحمد بيضون

يسعنا القول، معتمدين تمييزاً نراه مقبولاً وإن يكن جدّ فضفاض، أن حركات التغيير التي شهدتها بلادٌ عربية مختلفة، في الأعوام الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، قد عرفت مرحلتين: في الأولى منهما كانت مادّة الحركة وقيادتها شبابية، على التغليب، وكانت الشعارات والمطالب مستقاةً من المعين الديمقراطي العالمي الذي تنزّهت راياته في العقود الثلاثة المنصرمة بين قارّات عدّة من العالم وبلغ انتشاره مبلغاً جعل الحديث يجري عن «استثناء عربي» من هذه النعمة السابغة. في المرحلة الثانية، كانت تشكيلات من أنساق معهودة سابقاً ومعلومة التوجّهات والعناوين قد استولت على الحركة وأخضعتها لشبكات متعارضة غير محدودة بحدود البلاد التي شهدت نشأة الحركة. نصف بـ»المعهود» و»المعلوم» حركات نعلم أن بعضها تجاوز بعنفه وجذرية رفضه لمؤسسات المجتمعات القائمة وبارتداده إلى صيغ في معاملة الأفراد والجماعات كانت يفترض أنها باتت دفينة الزمن حدودَ المتخيل السائر.
بدت هذه الشبكات المتنامية النفوذ متّسمة بتبعيات مختلفة وبعنفٍ فرضه عنف النظام القائم ولا ريب ولكنه أصبح سبيلَ الشبكات المشار إليها إلى الاستيلاء على حركة التغيير كلها. ولم يلبث العنف أن أصبح موجّهاً إلى من كانوا مادّة الحركة في المرحلة الأولى ثم إلى الشبكات في ما بينها. فكان أنّ مدار الصراع المتصدّر راح يتحوّل نحو تغليب هذه أو تلك من الشبكات والاستجابة بذلك إلى رعاة خارجيين متصارعين أيضاً. وقد ازدادت كلمة هؤلاء رجحاناً مع اشتداد العنف واشتداد الحاجة إلى وسائله فضلاً عن الحاجة إلى صنوف الدعم الأخرى.
كانت المرحلة الثانية إذن مرحلة استيعاب وتحويل للأولى، حوّلت وجهتها التي كانت قد عبّرت عنها حشود عارمة في الساحات وظهرت لها قيادات شابةٌ معروفة الأسماء. هكذا تغير أيضاً محتوى الحركات وأشكالها فارتدّت إلى صيغٍ عرفت البلاد نفسها أو عرف المجال الذي تنتمي إليه ما يناظرها في العقود الأخيرة. هذه الصيغ المعروفة المعالم ولو نحت إلى تضخيمها والمتوقّعة المسالك ولو بالغت في حفرها تجوز نسبتها إلى التقليد بقدر ما تتّخذ لنفسها منابت في مذهب نضالي من المذاهب الدينية القائمة أو في تشكيلات قبلية فرضت نفسها من جديد أطراً للتضامن وللمبادرة.
غير أن هذه النسبة إلى إطار من أطر التضامن الموصوفة بـ»الأوّلية» في مصطلح علم الاجتماع لا تلبث أن تتكشّف عن ضيق واضح وبعدٍ عن ملاءمة الوقائع وعن القدرة على وصفها عند إمعان النظر. فإن التنظيمات الجهادية نفسها هي بمثابة خروج مركّب على التديّن التقليدي العريض وخروج على الولاء العشيري أيضاً يفترض بزوغ نوع من الفردية متشدّد في توكيد الاستقلال عن الجماعة الأولية وإن يكن ينتهي إلى تشدّد في الامتثال والتبعية لقيادة الجماعة المتبنّاة. بهذا المعنى، تشبه هذه التنظيمات الجديدة تنظيمات كثيرة معاصرة نشأت في بلدان مختلفة وتميّزت بالتزمّت الأيدلوجي والولاء الأعمى للقائد ولكنها لم تكن دينية الهويّة بالضرورة.
عليه لا تفي بأغراض الفهم في هذه الحال أزواج تصوّرية معتادة في العلوم الاجتماعية من قبيل الحداثة والتقليد أو التضامن الأوّلي والتضامن الثانوي بحيث تنسب المرحلةالأولى من الحركات التي نحن بصددها إلى قطب الحداثة أو الطوعية وتنسب المرحلة الثانية إلى قطب التقليد أو العرفية. لا يفي بالغرض أيضاً إحالة صفّ أو وجه من القوى والظواهر إلى علم الاجتماع أو علم السياسة وإحالة الصفّ والوجه المقابلين إلى الأنثروبولوجيا. فإن عناصر الصورة تبدو ملتبسة الصفة إلى حدّ يصم هذه الإحالة وتلك بالتعسّف المحرج.
لا يسمن الحديث، أخيراً، عن مقاربة متعددة النطاقات أو المناهج، إذ لا تفيد هذه التسمية شيئاً يذكر عمّا يفترض بكلّ من العلوم المستدعاة أن يسهم به ولا تقدّم بحدّ ذاتها دليلاً على تكامل مثمر بين النطاقات أو بين المناهج. بل إننا نشعر، حيال ما ارتأينا أن نسمّيه مؤقّتاً «حداثة مستوعبة» في الحركات، بنوع من الخلل العميق في العدّة النظرية التي تُجَهّزنا بها علوم المجتمع ونسأل انفسنا أن لم يكن على هذه العلوم أن تعيد النظر في مقدّماتها وفي أعرافها التصنيفية وفي توزّعها هي نفسها إلى منظومات مستقلّة حتى تتمكّن من وضع اليد على حقيقة الأطراف وطبيعة الظواهر في هذه «الحركات» التي جرت تحت أبصارنا ولا تزال عواقبها تضطرب وتتفاعل.
ولكن: هل هي «الحركات» وحدها التي تدعو إلى اعتماد هذا البرنامج الضخم المكرّس لنقد الأسس المجتمعية لعلوم المجتمع ولاقتراح تبويب جديد وشبكات تصوّرية أساسية مطوّعة ومقاربات مستحدثة للوفاء بحاجات الفهم المحكم للديناميات الاجتماعية في بلادنا ولأصولها؟ أم إن في بنى مجتمعاتنا تلك وفي تواريخها ما يدعو إلى اعتماد برنامج من هذا القبيل بعد استكشاف ما يسم العلوم الاجتماعية من علائم الانحصار في المجتمعات والحقب التي كانت منابتها الأصلية؟
سبق أن لامسنا هذا الصفّ من المسائل في مساقات أخرى ولعلنا نعود إلى شيء من ذلك في بعضٍ آخر لاحق من هذه العجالات.
كاتب لبناني

أحمد بيضون