صاحب المدوّنة كاتب لبناني تتناول منشوراته، على الخصوص، شؤون المجتمع اللبناني ونظامه السياسي ومسائل مطروحة على اللغة والثقافة العربيتين وله أعمالٌ أدبية وترجمات.
الكاتب: معاني المباني: مدوّنة احمد بيضون
كاتب لبناني، مولود في بنت جبيل، جنوب لبنان، سنة 1943. يحمل شهادة دكتوراه الدولة في الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة باريس-السوربون. كان حتى تقاعده في سنة 2007 أستاذاً لعلم اجتماع الثقافة وعلم اجتماع المعرفة في الجامعة اللبنانية. نشر ما يقرب من 20 كتاباً بعضها بصيغتين عربية وفرنسية. وله مقالات كثيرة غير مجموعة بالعربية والفرنسية والإنكليزية منشورة في مجلات وصحف مختلفة ومشاركات في مؤلّفاتٍ جماعية. يدور أكثر أعماله على النظام الاجتماعي السياسي في لبنان وعلى مسائل متّصلة باللغة والثقافة العربيتين. وله أعمالٌ أدبيةُ وترجمات.
في أيّامنا هذه، تزعم «داعش»، مثلاً، ويصدّقها معلّقون معادون لها، أنها أطاحت رسْمَ اتّفاق سايكس بيكو للحدود العراقية السورية. والأدنى إلى الواقع أنها قرّبت هذه الحدود ممّا كانت عليه في الاتّفاق! فإن ولاية الموصل العثمانية وصحراء الأنبار اللذين جمعت «داعش» ما بينهما وبين بعض الفرات السوري كان سايكس بيكو قد جعلهما في سوريا، إن صحّ أن نحصر هذا الاسم بمنطقة النفوذ الفرنسي من «الدولة العربية». وقد ضُمّت الولاية إلى العراق، أي إلى منطقة النفوذ البريطاني، خلافاً لمنطوق الاتفاق، بعد مخاضٍ طال إلى سنة 1926!.
وعلى الإجمال، لا تشبه الحدود الدولية الحالية بين العراق وسوريا ما يظهر في خريطة سايكس بيكو من خطّ فاصل في «الدولة العربية» بين منطقتيّ النفوذ المشار إليهما. ولا يظهر أثر في هذه الخريطة للدولة الأردنية ولا للدولة اللبنانية. وما يجوز اعتباره فيها «فلسطين» هو النصف الشمالي من فلسطين اللاحقة وهو موعود في الاتّفاق بـ»إدارة دولية»! ويجعل الاتّفاق معظم العراق الحالي أي ولايتي بغداد والبصرة العثمانيّتين منطقة حكم بريطاني مباشر ويُخرج من هذا العراق سامرّاء وكركوك (فضلاً عن الموصل والأنبار) ليدخلهما ومعهما شرق الأردن وجنوب فلسطين في المنطقة الجنوبية من الدولة العربية، وهي الخاضعة للنفوذ البريطاني لا للحكم البريطاني المباشر.
وأما سوريا الاتّفاق (وهي مختلفة اختلافاً جسيماً عن سوريا اليوم)، فمثّلت المنطقة الشمالية من الدولة العربية وجُعلت خاضعة للنفوذ الفرنسي وضمّت إليها، على ما سبق قوله، ولاية الموصل وصحراء الأنبار. وعلى غرار ما فَعَل بولايتي بغداد والبصرة، في الشرق، اقتطع الاتّفاق من الدولة العربية، في الغرب، منطقة الساحل الشامي، وهي أقضية ولاية بيروت العثمانية الموازية لـ»المدن السورية الأربع» (أي حلب وحماه وحمص ودمشق)، ومعها سنجق جبل لبنان، مستثنياً هذا كلّه ممّا سمّاه «الدولة العربية». هذا أيضاً لم يؤخذ به، في آخر الأمر. بل اختلفت صيغة «لبنان الكبير» والانتداب الفرنسي عليه عن صيغة الحكم الفرنسي لـ»بلاد العلويين»… وذلك قبل أن تتوحّد أوصالُ سوريا الحاليّة، المتقلّبة الأوضاع على تنافرٍ، في سنة 1936. هذا ولم تكن صيغة «الانتداب» واردةً من أصلها في سايكس بيكو، بل هي اخترعت عند إنشاء عصبة الأمم في سنة 1919 ثم جرى توزيع أنصبة الانتداب لاحقاً في مؤتمر سان ريمو.
ولا ننسَ هنا أن منطقة الحكم الفرنسي المباشر تلك كانت توغل شمالاً في آسيا الصغرى مشتملة على منطقة شاسعة من جنوب الأناضول تمثّل أركانَها مدن أضنة ومرسين في الغرب وسيواس في الشمال وديار بكر في الشرق. ولا يظهر في خريطة الاتّفاق من خطّ فاصلٍ بين هذه المنطقة وألوية الساحل السوري. ولنُشِر إلى أن غياب الحدّ هذا يلبّي مطالبة الحزب السوري القومي بكيليكيا ولكنه لا يحول، مع ذلك، دون بقاء هذا الحزب طليعة المندّدين بسايكس بيكو! في كلّ حال، لم يثبت شيءٌ من هذا على الأرض إذ بقيت تلك المنطقة، في نهاية المطاف، ضمن حدود الجمهورية التركية مع حرب الاستقلال التي قادها مصطفى كمال ومع تصحيح معاهدة سيفر (1920) بمعاهدة لوزان (1923).
ولا تَحَقّقَ أيضاً دخول أرمينيا في منطقة النفوذ الروسية، وفقاً للتفاهم المثلّث الذي توصّلت إليه مفاوضات موازية لمخاض الاتّفاق، ومنح روسيا إستانبول نفسها (أو «القسطنطينية»، بالأحرى، إذ كان يفترض أن تستردّ اسمها الأرثوذكسي!). وقد كانت روسيا تريد الاستيلاء على العاصمة العثمانية وعلى محيطها الأوروبي، فضلاً عن مكاسب أخرى. إلى ذلك، كانت قد لُحِظت لإيطاليا منطقة حكمٍ مباشر ومنطقة نفوذ في الجانب الجنوبي الغربي من آسيا الصغرى. أصبح هذا كلّه غير واردٍ: من جهةٍ أولى لأن روسيا البلشفية كانت قد خرجت من الحرب أصلاً ونقضت الاتّفاق في جانبه المتعلّق بها وكشفته للعالم… ومن جهةٍ أخرى، لأن المطامع المتعدّدة الأطراف في الأناضول سرعان ما واجهتها مقاومة تركية ضارية.
ولا نَنْسَ أيضاً ما أعقب نهاية الحرب من ضمٍّ لأقضية من ولاية سوريا العثمانية إلى لبنان وهو ما كان مخالفاً لرسم الحدود في سايكس بيكو ما بين «الدولة العربية» ومنطقة «الحكم الفرنسي المباشر». ولا ننس تعديل الحدود بين لبنان وفلسطين في أواسط العشرينات من القرن الماضي. ولا ننْسَ ما هو أجسم من ذلك بكثير ممّا شهده العقدان اللاحقان: أي منح لواء الإسكندرون لتركيا في سنة 1939 ثم نشوء دولة إسرائيل في فلسطين سنة 1948… هذا كلّه لا يوحي بحصوله نصّ سايكس بيكو ولا خريطته.
بل إنه يجوز القول أن «وعد بلفور» كان فيه نوعٌ من المخالفة لروحية سايكس بيكو. وذاك أن الاتّفاق كان يحدوه، بصدد فلسطين، منطق يستوحي مفهوم «الأرض المقدّسة» المسيحي فيلحظ إشرافاً دوليّاً على هذه الأخيرة ترجمةً لعناية الكنائس المختلفة والدول المتباينة المذاهب. ولكن الاتّفاق يبقى غير غافلٍ عن المواصلات التجارية والعسكرية وحاجة بريطانيا وفرنسا إلى ميناءي حيفا وعكّا وتوزيع الحقوق في السكك الحديدية بين الدولتين… وهذا منطق مختلف برعايته تعدّد الأطراف ذات المصالح في فلسطين عن منطق «الوطن القومي» الذي قال به «الوعد» المعلوم.
أين هي إذن دول سايكس بيكو التي توشك اليوم أن تقسّم أو تزول؟ وأين هي حدود خريطته التي يقال أنها تخرق أو تطمس هنا أو هناك؟ لا وجود لهذه ولا لتلك إلا في إنشاء صحافة الاستعجال وخطابة قومية الغبن المحتاجة، على الدوام، إلى عدوّ لا ينفكّ يتناسل معيداً، في كلّ جيلٍ وحالةٍ، سيرته الأولى. سايكس بيكو هو الخرافة التي تسدّ حاجة المستعجل وتجدّد غضبة المغبون.
قد يقال أن هذا الاتّفاق رمز لتفاهمٍ استعماريّ على اقتسام منطقة المشرق هذه وتوزّع مناطق النفوذ فيها. هذا سبب مقبول لاستذكاره طبعاً، مع الانتباه إلى كونه، في الأصل، وجهاً من تفاهمٍ مثلّث كانت روسيا طرفاً رئيساً فيه قبل الثورة، أي قبل «التصويت بالأرجل» (والعبارة للينين) لصالح الخروج من الحرب. ولكن هذه الأطراف الثلاثة، على وجه التحديد، أي بريطانيا وفرنسا وروسيا، كانت هي الساهرة، من قَبْل سايكس بيكو بعشرات السنين حول سرير «الرجل المريض» العثماني تنتظر أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. وقد انضمّ إليها الطرفان الألماني والإيطالي، على الأخصّ، بعد استتباب وحدتيهما القوميتين، ومعهما إمبراطورية النمسا-المجر، بعد نشوئها، في هذا السهر الطويل. وكان البريطانيون قد حموا المريض وعارضوا الإجهاز عليه ردحاً غير قصير من القرن التاسع عشر لتوقّعهم حرباً أوروبية لا تبقي ولا تذر يتنازع أطرافُها أسلابه إذا هو أسلم الروح. وفي العقدين الأخيرين اللذين سبقا الحرب العالمية، دخل الألمان بقوّة في المنافسة على الودّ العثماني وأصبح لهم في الدولة العليّة نفوذ متعدّد الوجوه مهّد لانضمام نظام «جمعية الاتّحاد والترقّي» إلى صفّ إمبراطوريات الوسط الأوروبي في الحرب…
ليس سايكس بيكو إذن سوى محطّة في مسيرة الاقتسام الاستعماري للأسلاب العثمانية، وللعربي منها، على الخصوص. وإذا كانت صراحة إلهامه الاستعماري، من جهة، وإبقاؤه سرّياً، من الجهة الأخرى، يجعلانه وثيق النســــب بما نسمّيه «المؤامرة الاستعمارية»، فإن عصف الأحداث بنصّه وبخريطته وحلولَ صيغٍ أخرى محــلّ الصيغ التي وقع اختياره عليها كافيان للطعن في أهمّيته التاريخية بما هو اتفاق موعودٌ بالتنفيذ. ومهما يكن من أمرٍ، فإن استذكاره بما هو رمزٌ لمطامع مرفوضة شيء والهذيان بــ»دول سايكس بيكو» و»حدود سايكس بيكو» على أنها وقائع قائمة في أيّامنا شيءٌ آخر…
٭ كاتب لبناني
■ اختلّت الثقة في السنوات الأخيرة بصمود وحدة الدولة السورية القائمة، التي زعزعتها تحوّلات الثورة على النظام الأسدي وأودت بها إلى تقاسمٍ متحرّك ما بين هذا النظام وأطراف أخرى، لا يبدو التفاهم بينها محتملاً، لا على اقتسامٍ للبلاد ولا على صيغة مشتركة لحكمها. وكان صمود الوحدة العراقية قد اختلّ كثيراً في العقدين السابقين وتحوّل نظام العراق نحو صيغة فدرالية غير مستقرّة لا يستبعد تطوّرها، بدورها، نحو نوع من التقسيم.
وكانت الحرب اللبنانية قد اجتازت قبل ذلك حقبةً راج فيها شعار التقسيم في جهة من جهتيها ثم عادت الدولة اللبنانية، بعد عقدين انصرما على صيغة الطائف، لتعاني ذواءً وتفتّتاً يتزايدان من سنة إلى سنة… ولا ننسى الإشارة إلى الوحدة المصرية السورية في سنة 1958 ولا إلى القرار الدولي القاضي بتقسيم فلسطين في سنة 1947، وقد استعيد مبدأه في «حلّ الدولتين» الذي يبدو متهالكاً في يومنا هذا. ولا ننْسى، أخيراً لا آخراً، إنشاء دولة إسرائيل في سنة 1948 وما كان من أمرها مع حدود الدول المحيطة بها.
على هذه الخلفية المتشابكة المسارح، يكاد لا يمرّ يومٌ لا يذكر فيه اتّفاق سايكس بيكو في المقالات والخطب، وينسب إليه ما فيه وما ليس فيه، ويزعم له تارة دورُ تأسيسِ الدول القائمة في المشرق ورسمِ حدود لها تعدّ أصلاً للبلاء تارةً ويعلن طوراً أنها تضعضعت من جرّاء الأحداث الجارية أو هي توشك أن تتضعضع.
وفي هذا الشهر الجاري يكون قد مضى قرنٌ بتمامه على توقيع هذا الاتّفاق، وهو قد أصبح أوفر حظوةً عند المعلّقين من «وعد بلفور» الذي حصل بعده بسنة وأشهر، ناهيك بمفاوضات ومعاهداتٍ أخرى هي التي أسّست دول المشرق فعلاً ورسمت حدودها ووزّعت مهامّ الانتداب عليها، وبوقائع من قبيل معركة ميسلون، وما تبعها في سوريا ولبنان، وتنصيب فيصل الأوّل ملكاً على العراق في السنة التالية، ومعه تأسيس إمارة شرق الأردن وتسليمها لأخيه عبد الله، وإبقاء فلسطين منطقة انتدابٍ بلا دولة… ولا تَفُتنا المحطّة التاريخية الكبرى التي هي زوال الدولة العثمانية بعد هزيمتها في الحرب الكبرى وإلغاء مؤسسة «الخلافة» الإسلامية في سنة 1924… من بين أحداث ونصوص هذا شأنها وخطرها، يصطفي خطباؤنا ومعلّقونا اتّفاقاً كنَسَت نتائج الحرب معظم بنوده، فلم يطبّق قطّ ولا تشبه الحدود التي رسمها حدود الدول القائمة في شيء، ولا هو لحظ هذه الدول القائمة أصلاً… فما قصّته؟
في الشهر نفسه الذي أرسل فيه المفوّض السامي البريطاني في مصر آرثر هنري مكماهون رسالته الأخيرة إلى شريف مكّة حسين بن علي (مارس/آذار 1916) كان يقرّ تفاهم بريطانيّ – فرنسيّ حول مصير سوريا الطبيعيّة وما بين النهرين (العراق).
وكان هذا التفاهم قد تمّ بين مارك سايكس عن بريطانيا وفرنسوا جورج- بيكو عن فرنسا، ثم صدّقه في 15 و16 أيّار/مايو من تلك السنة تبادلُ رسائل بين وزير الخارجية البريطاني إدوارد غراي وسفير فرنسا في لندن بول كامبون. وكانت روسيا معنيّة بمصير المناطق العثمانية المتاخمة لحدودها فمثـّلها وزير الخارجية سيرغي سازُنوف خلال العام السابق في مفاوضات مثلّثة.
قضى التفاهم بشأن سوريا والعراق بإنشاء دولة عربيّة (أو اتّحاد دول) في سوريا «الداخليّة» التي جعلها مشتملة على شطرٍ من عراق اليوم وأملى تقسيم هذه الدولة إلى منطقتين: «أ» و «ب». وقضى بمنح فرنسا أفضلية في ما ينشأ من مشاريع وما تحتاج إليه الدولة من خبراء وموظّفين في المنطقة «أ» وهي الشماليّة وتشتمل على الموصل وحلب وحماه وحمص ودمشق. وقضى بمنح الأفضليّة نفسها لبريطانيا في المنطقة «ب» وهي الجنوبيّة وتشتمل على كركوك وشرق الأردنّ حتى العقبة.
من جهةٍ أخرى، قضى التفاهم بخضوع الساحل من الإسكندرون إلى صور، وهو المنطقة الزرقاء، لحكم فرنسيّ مباشر. وقضى، على الغرار نفسه، بحكم بريطانيّ مباشر للمنطقة الحمراء وهي ولايتا بغداد والبصرة. وجُعلت فلسطين أخيرا منطقة رصاصية تخضع لإدارة دوليّة يتفق عليها الحلفاء والشريف حسين.
كان هذا الاتّفاق مخالفاً لموقف الشريف حسين المتحفّظ عن إدخال فرنسا في المسألة السوريّة أصلا. وكان الاتّفاق يؤوّل الترتيبات الخاصّة بمصالح بريطانيا في ولايتي البصرة وبغداد (وهي ما وافق عليه الشريف) على أنها حكم بريطانيّ مباشر للولايتين. وكان يفرض لفلسطين مصيراً لم يكن قد ذكر أصلاً في مراسلات الحسين – مكماهون…
لم يطبّق اتّفاق سايكس- بيكو الذي بقي سريّاً إلى أن كشفه ليون تروتسكي مفوّض الخارجيّة في حكومة البلاشفة، بُعَيد الثورة البلشفية، في خريف 1917، وانسحاب روسيا من الحرب. ولكن ما طبّق قد يصحّ اعتباره أبعد من الاتّفاق الذي بقي مدّةً من الزمن يعتبر، على نحوٍ ما، قاعدة انطلاق لما تلاه من صيغ تفاهم جديدة بين بريطانيا وفرنسا. ما حصل فعلاً كان إخضاع سوريا ولبنان بتمامهما للانتداب الفرنسيّ وإلغاء التمييز بين منطقتين شرقيّة وغربيّة مع سحق الدولة «الشريفية» في ميسلون ثمّ إنشاء دولة لبنان الكبير. وضمّت ولاية الموصل لاحقاً إلى ولايتي بغداد والبصرة فنشأ من ثلاثتها العراق المعاصر ووضع كلّه تحت الانتداب البريطانيّ. وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطانيّ أيضاً من غير منحها وضع الدولة.
وكان وعْدُ وزير الخارجية البريطاني اللورد آرثر بلفور للّورد ليونيل والتر روتشيلد (في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917) قد أباح لليهود أن ينشئوا فيها وطناً قوميّاً، وكانوا إذ ذاك نحو 11٪ من سكّانها. وتأسّست في شرق الأردنّ وحده من بين مناطق سوريا الطبيعيّة، إمارة تولاها الأمير عبد الله بن الشريف حسين، بعد أن أخرجها ونستون تشرشل، وزير المستعمرات البريطاني، من دائرة وعد بلفور، في مارس 1921.
وفي حزيران/يونيو من السنة نفسها أصبح فيصل، ملك سوريا في العام السابق، ملكاً على العراق، بعد موافقته على الانتداب البريطانيّ.
ما هي دلالات هذه الفوارق الجسيمة بين نصّ الاتّفاق وما صار إليه الواقع التاريخي؟ وما الصورة الإجمالية التي تفضي إليها المقارنة بين هذا وذاك؟ وما الذي يحفز الميل المفرط إلى استدعاء هذا الاتّفاق كلّما اختلّ ميزانٌ في دولةٍ من دول هذه المنطقة؟ نحاول تلمّساً لأجوبةٍ عن هذه الأسئلة في عجالتنا المقبلة.
فيما يتعدّى عواقبها البيئية والصحّية (وهي فادحة)، وجّهت أزْمةُ النفايات التي استحكمت في صيف العام الماضي ولا تزال تجرّ ذيولها إلى الآن ضربة شديدة إلى معنويّات اللبنانيين. فتحت هذه الأزمة في الأنا الجماعية اللبنانية جرحاً نرجسيّاً فاغراً وزلزلت صورة اللبنانيين الغالبة على مخيّلتهم عن مجتمعهم وبلادهم. وهي قد تجاوزت لهذه الجهة أزماتٍ أخرى سبقتها ثم رافقتها من قبيل أزمة الطاقة والأزمة المتفاقمة التي تأسّست على وقع اللجوء السوري ناهيك بتخبّط المؤسّسات الدستورية في شلل متباين الدرجات، متنوّع الصيغ، وهو متّصل بالحرب السورية أيضاً وبدخول حزب الله المسلّح في هذه الحرب وما انطوى عليه هذا الدخول من استفزاز لقطاعات عريضة من طوائف كبيرة ولهيئات سياسية ترى في هذه الحرب رأياً آخر ولها من النظام الأسدي موقفٌ آخر… إلخ. ولا نذكر الآن ما هو أبعد عهداً: من بطالة مستشرية وهجرة متعثّرة ومن تضخّم باتَ خرافيّاً بالقياس إلى دخولٍ لا تتبع حركته ومن انحطاط في نظام التعليم وتجميد لحركة السياحة، إلخ…
تجاوزت أزمة النفايات، في وقعها المعنوي، هذا كلّه على فداحته وشدّة وقعه. والسبب، على الأرجح، رمزيّة النفايات والنفور الذي يستثيره مثولها بمناظرها وروائحها، حيث يجب ألاّ تكون من العاصمة خصوصاً ومن محيطها. وذاك أن هذا المثول للنفايات يُشعر بنوعٍ من العجز الأقصى ومن انعدام الحيلة يشبه، في حالة الفرد المريض أو الموغل في الشيخوخة، عجز الإنسان عن ضبط فضلاته الطبيعية وعن تدبّر الخلاص منها، وبقاؤها، عوض ذلك، في ثيابه لصيقةً بجسمه. ذاك هو الشعور الساحق الذي استولى على المجتمع اللبناني وهو يعاين عجز السلطة العامّة، بسبب ما سبق من تشظّيها وفسادها المديدين، عن أداء مهمّةٍ مغرقة في أوّليتها وبديهيتها ولكنها موضوع لحاجةٍ جدّ ماسّة هي الحاجة إلى تدبّر ما ينتجه هذا المجتمع من نفاياتٍ كلّ يوم.
ولا ريب أن هذه الصفة الخاصّة لأزمة النفايات هي ما منح الحراك الشعبي الذي انطلق منها قوّة واتساعاً استثنائيين، لجهة الحشد والتعاطف العامّ، فتجاوز ما كان مأمولاً في مناخ الاستقطاب السياسي ذي الصفة الطائفية ووضع على محكّ رفضٍ شعبيّ يتعذّر تجاهله جملة القوى الضالعة في ذاك الاستقطاب. وقد ردّ هذا الحراك إلى اللبنانيين، طالما لبث صامداً، ثقة عامّة بالنفس بعثها الاعتزاز بطاقة الاحتجاج الشعبي: الشبابي على الأخص. ولكن الحراك الذي واجهه قمعٌ أطلقه وحدّ منه في آن ذعر السلطة المتهالكة، شهد صعوداً وهبوطاً معتادين لمثله وتكاثراً للجهات المؤطّرة معتاداً أيضاً. هذا التكاثر أورث تنافساً ثم تورّطاً سوّغه التنافس والرغبة في توكيد التميّز والأسبقية ومعهما الحيرة أمام السؤال المتعلّق بما يجب أن يلي في مسالك وخطوات سيئة العاقبة. ولم يلبث سوء العاقبة هذا أن تجسّم في واقعة فرضت نفسها بغتةً على الحراك برمّته: وهي أن مواصلته بصيغته الرئيسة، وهي صيغة التظاهر الدالّة على صفته الشعبية، قد أصبحت متعذّرة… وهذا على الرغم من الشعور الواسع بقصور الخطّة التي وضعتها الحكومة لتدارك كارثة النفايات. وكانت الكارثة قد ازدادت فداحة في الخريف عمّا كانته في الصيف.
واقعة تعطّل الحراك هذه لم تزدها بعض الطفرات اللاحقة التي اجتهدت في إنعاشه إلاّ وضوحاً. فكان منها أن أعادت فتح الجرح النرجسي الذي كان الحراك نفسه قد باشر لأْمَه. وقد كان منتظراً أن يلقى الحراك من الذين واكبوا تفاصيله وكانوا منه في مواقع تتيح الرصد والمتابعة الحسّيين عناية بعيدة عن عصبية «الحملة» وشخصنة «القيادة» باستخلاص صورته وديناميته بما في ذلك قواه وأطواره ودواعي تعطّله. هذه العناية لا يمكن القول إنّ المطالبين بها قد بذلوها. والحراك مستحقّ هذه العناية النقدية لمكانته المميّزة بما هو مرقبٌ متحرّك لتشكّل قوى جديدة تستشعر اختناق المجتمع بسياسات طوائفه ولتلمّس موائل هذه القوى وآفاق نموّها وتضامنها ولتلمّس حدودها أيضاً وما تواجهه من مقاومة مختلفة المصادر والأشكال. كان من شأن هذه العناية أيضاً أن تحدث ما يحدثه الفهم والاستيعاب من تصريف لمشاعر الخيبة بما هي انفعال عقيم، بل مدمّر وتحويلٍ لها إلى اعتراضٍ يستبقي الانفعال ولكنه يدرجه في تصوّر عملي…
وأمّا ما هو منتشر اليوم فعلاً فهو غلبة الميل إلى اليأس ونفض اليد وما يواكب ذلك من تمتمة عدمية فاقعة البدائية والتهافت. فأهونُ ما نسمعه (بل ما نقوله أيضاً بين حينٍ وآخر) أن النظام السياسي متداعٍ، فضلاً عن اعتلاله الأصلي يوم كان في حال التماسك، وأن المجتمع نفسه خَرِبٌ باتت تَستبعد تكاوينُه المريضة بالتبعية والفساد أيّ تماسك فيه على مصالح البلاد العمومية… وأن الوضع في المحيط موصدُ الأفق أو منذرٌ بويلات لبنانية لا تنتظر إلا من يطلقها… وأن البلاد نفسها بما هي وحدةٌ سياسية قد تكون تقترب من نهاية شوطها التاريخي…
يجب الاعتراف بأن طوفان التشاؤم هذا ناجمٌ من طوفان شؤمٍ فعلي. فلا دليل على أن في الشعور العامّ بالحالة العامّة ميلاً إلى المبالغة في تقدير سوئها… لا دليل على أن هذا الميل إلى نعي الذات لا موضوع له. ولكن لا دليل أيضاً على أن اللبنانيين، ما داموا هم أصحاب الشأن، لا يسعهم فعل شيء للإمساك بهذا أو بذاك من مقاليد مصيرهم الكثيرة. ومن زوايا مغايرة لزاوية النظام السياسي ولأجهزة الطوائف السياسية، يبدو المجتمع اللبناني مزدحماً بقوىً حيّة لا يني يصدّر بعضاً من أفضل أفواجها. على الأخصّ، يبدو عالم الثقافة زاخراً بالجديد: بالسينما وبالمسرح الشابين إجمالاً وبمعارض وإصدارات شتى وبنشاط غامر للمنابر ولمراكز الأبحاث وبمنشآت للتعليم العالي لا تني تتكاثر. حتى الصحافة التي يقال إنّها تختنق شهدت وتشهد نشوء مواقع كثيرة على الشبكة تعادل أو تفوق حجماً ما هو مهدّد بالزوال من جرائد ورقية يرجّح أن تستبقي هي الأخرى مواقع لها على الشبكة. لا جرم أن في هذا كلّه ما هو غثّ وما هو سمين: أن التعليم العالي يتهاوى مستواه – وهذا مثلٌ – فيما تتكاثر منشآته… وأن في الإصدارات وفي الندوات ما لا يقدّم ولا يؤخّر، إلخ. غير أننا، مع ذلك، لا ننفكّ نكتشف أو نواكب مبدعين يتكاثرون أيضاً في كلّ مجال ومنشآتٍ يدافع عنها مستوى خرّيجيها أو نوعيّة منتجاتها… ليس لهذا كلّه شأن مباشر بما يواجهه لبنان من أزمة عامّة متشعّبة. ولكن هذا كلّه يثمر قوىً يعوّل عليها في العمل العامّ إذا استطاعت نفاذاً إليه. وهي تقع هنا وهناك أو بين حين وآخر على منافذ جزئية. تعطّل الحراك الشعبي أمس. حلّت معركة الانتخابات البلدية اليوم، وهي فرصةٌ أخرى مختلفة لاستنفار القوى ولتعارفها.
يبقى أن تجاربنا تبدَّد، على نحوٍ ما، حين لا تخضع للمراجعة النقدية التي تستحقّ. تبقى جثثها في دواخلنا تستحثّ النعي الذاتي. والنعي الذاتيّ مزدهرٌ اليوم ولا يلجم الميلَ إليه نقدٌ ذاتيّ متوجّب. عوض النقد الذاتي يوجَدُ شيءٌ يَسَعُنا أن نُسَمّيه «النقد الزَيْتي»… ومُؤَدّاه أن ناقدَ ذاتِه يَرُوحُ يَزْلَق فوقَ الوقائع من واقعةٍ إلى أخرى معتبراً كَسْرَ عُنُقِه هنا أو هناك أقَلَّ خَطَراً من الصراحة.
مارسنا «النقد الزيتيّ» بصدد الحرب اللبنانية، قبل الحراك الأخير بزمن طويل. هذا حديثٌ آخر قد أعود إليه في فرصةٍ تسنح.
تفيد مصادر متقاطعة بأن مصطلح «الدولة العميقة» ولد في تركيا. وكان يراد به في الربع الأخير من القرن العشرين أرخبيلٌ من مواقع النفوذ غير المرئية، تتوزّع بين أجهزة المخابرات وقيادات الجيش وبيروقراطية الدولة، إلخ. وتُملي على القوى السياسية ومن ثمّ على المؤسّسات الدستورية مواقفها من مسائل حيوية مطروحة على الدولة.
معنى هذا أن «الــدولة العميقة» التي يسعى أطرافها إلى أن يكونوا متنازعين أو مؤتلفين في ما بينهم، تبعاً للظرف أو للمسألة المطروحة، إنما هي كتلةٌ ذات سلطان كابحةٌ لعمل النظام الديمقراطي. فأطرافها قادرة على إملاء إرادتها من وراء ظهر الرأي العام وعلى تزييف المناظرة العمــــومية الـــتي يفـــترض أن تتداول المسائل المطروحة تداولاً علنياً وأن توجّه قــــرار السلطات المختصّة بصدد كلّ منها.
فإن كانت هذه هي «الدولة العميقة» أصبح لزاماً علينا أن نعتبر ما يقابلها في لبنان «دولةً ضحلة». صحيحٌ أن الأجهزة التي يفترض أن تستوي مراكز عسكريةً أو مدنيةً لنفوذ «الدولة المذكورة»، ماثلة كلّها في الساحة العامّة أو في كواليسها، بل هي قد تبدو عندنا أكثر عدداً وتشعّباً ممّا ينبغي، وهي قد بدت، في الستينيات من القرن الماضي، أجهزةً ذات عصبية، مستقلّةً شيئاً ما عن «المجتمع السياسي» المعروف في البلاد، بل مؤثّرة بشدّة في تكوينه وفي موازين القوّة المرعية بين أطرافه، ولكن هذه الحال تغيّرت في الحرب اللبنانية، خصوصاً، وبعدها.
ذاك أن سنّة استتباع «مراكز القوى» أو «مواقع النفوذ» من هيئاتٍ عسكرية وأجهزةٍ مختلفة وإدارات ذات تأثير بعد تقاسمها من جانب القيادات الطائفية الظاهرة سنّةٌ عرفت قدراً مرموقاً من التعميم في سنوات الحرب، ثمّ جرى «تنظيمها» بعد ذلك. فأصبح يعتبر «طبيعيّاً» أن تحتسب مديرية الأمن العامّ لطائفة وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي لأخرى ومديرية المخابرات في الجيش لثالثة، وأن يتعذّر التفاهم، عند المفترق، على الميزانية المناسبة وعلى الصلاحيات المقرّرة لرأس مديرية أمن الدولة، فتنبري طائفة المدير العام للدفاع عن «حقوق» الجهاز ورأسه باعتبارهما نصيبها وخاصّتها. إلخ. وإذا كان كلّ من هذه الأجهزة، وهي ذات وظائف متقاطعة، يستمرّ، بمسلكه الظاهر إجمالاً، في تقديم البراهين، كلّما لاحت له فرصة، على عنايته بمصالح البلاد العامّة ومصالح المواطنين بلا تمييز، فإن ذلك لا يمنع من تعرّض كلّ منها لحملاتٍ دؤوبة من جانب القوى السياسية غير المجانسة لانتماء واجهتها الطائفي.
وفي ما وراء الحملات، تتغلغل خشية شبه خرساء من أن تفضي شدّة الاستقطاب الطائفي التي لا تزال تتنامى في البلاد إلى توظيف كلّ من أجهزة الدولة هذه في مواجهة الآخر وإلى حمله على محاباة مواطنين والتنكيل بآخرين بحسب انتمائهم الطائفي. وهو ما يضبطه، إلى حدّ ما، إمكان تشظّي الجهاز إذا زاد انحيازه الطائفي عن حدّه. ولكن هذه ضمانةٌ أبرزت سنوات الحرب الماضية حدود صمودها…
في كلّ حال، تسهم التبعية الطائفية لهذه الأجهزة وما يتبع ذلك من استحلال الحملة عليها أو استسهالها (وهذا نوعٌ من الحملات يضلع فيه رسميّون ويحظى بتيسيرٍ وحمايةٍ طائفيين أيضاً) في الحكم بالضحالة على ما يفترض أنه الدولة العميقة في لبنان. فعند اللزوم، تخرج إلى العلن أخبار ما يجري طبخه في كلّ جهاز ويعرض على الملأ ما قد يكون حاصلاً فيه من تجاذب ترعاه القيادات السياسية للطوائف. ولا يقتصر هذا الاحتمال على الأجهزة الأمنية أو العسكرية. فإن وزارات للخدمات المدنية (الطاقة، الاتّصالات) شهدت صراعاً بين أركانها أفضى إلى تعطيل مشروعات أو تعطيل صفقات.
ما الذي يعنيه هذا التهالك الذي تتّسم به «الدولة العميقة» في لبنان؟ ما الذي تعنيه ضحالة مياهها وانكشافها للرعاة وللخصوم من ساسة القوى الطائفية ولعموم اللبنانيين بين حينٍ وآخر؟ يعني ذلك أنها غير متمكنة – ولو شاءت – من الانقلاب على رعاةٍ تحتمي بهم. ذاك أمرٌ معلوم وهو ما يشار إليه حين يقال إن الانقلاب العسكري في لبنان كان ولا يزال أمراً مستبعداً. ذاك استبعادٌ حسنٌ بطبيعة الحال. ولكنّ له ثمناً باهظاً في الحالة اللبنانية. وهو أن عمومية السلطة العامّة موضوع لشبهةٍ عنيدة. تسطع هذه الشبهة أو تخفت تبعاً للظرف وللموقع. ولكن استحالتها إلى واقع صريح يبقى يلوح في أفق غير بعيد هو أفق النزاع الأهلي. ولا نحتاج إلى القول إن ضمور العمومية المفترضة للسلطة العامّة، مجسّدةً بأذرعها المختلفة، هو نفسه ضمور دولة القانون أو تخرّق نسيجها. فبحسب الحالات والمواقع، يخشى اللبناني الغبن من جهة القانون أو يعوّل على المحاباة، ولا يكون له، في الكثرة الكاثرة من الحالات، أن يعوّل على إنفاذٍ تلقائي لمبدأ المساواة أمام القانون، على أن أظهرَ ما في الحالة اللبنانية أن الفساد السياسي وحده يبقى ممتّعاً بإجماعٍ طائفي يبعده عن طائلة القانون. لا يحتسب التمويل الأجنبيّ للأحزاب وللجمعيّات ولوسائل الإعلام اللبنانية (وهو معروضٌ على رؤوس الأشهاد) فساداً أصلاً. فلا يستوي موضوعاً لإخبارٍ ولا تلقي عليه نظرةً أيّ نيابة عامّة. ويتداول اللبنانيون في ما بينهم أخبار سطو المسؤولين على مشاريع خاصّة يفرضون لأنفسهم نسباً من ملكيتها لقاء تسهيلاتٍ يتيحها نفوذهم أو يعمدون، في حال التمنّع، إلى قطع السبل دون تنفيذها. ويتداول اللبنانيون، بعد ذلك، أرقاماً فلكية تشي بتطوّر الثروات الشخصية لأهل السلطة. وتنفجر، بين حينٍ وآخر، فضيحةٌ من قبيل فضيحة معالجة النفايات، في السنة الماضية، أو فضائح وزارة الطاقة المتناسلة قبلها. ولكن «دولة القانون» تظهر هنا حامية لفساد ظهرت عواقبه الفادحة وبقيت رازحةً على البشر. فتنذر هذه «الدولة» بملاحقة من يجرؤ على التسمية بالاسم وتبقى مستنكفةً، من جهتها، عن المبادرة إلى الكشف والمحاسبة.
هذه الحماية، بما فيها حماية القانون، للفساد يتعذّر تفسيرها بغير إجماع القوى الطائفية على ترك باب المحاسبة مغلقاً والمضيّ قُدُماً في تقاسم الثمرات خلف الباب المغلق. وهو ما يدقّ إسفيناً آخر في نعش الحقّ ودولته ويُظهر، من بابٍ آخر، أن ضحالة الدولة وانكشاف قيعانها ليست، بأيّ حالٍ، داعياً إلى تنظيف القيعان. وهذا بعد أن ظهر أن الأجهزة التي يفترض فيها إجراء عمومية السلطة تتوزّعها جهاتٌ سياسية طائفية بينها – أو بين ما بينها – تهمٌ متعلّقة بجرائم اغتيالٍ كبرى أنشئت لها محكمةٌ دولية خاصّة.
هوصاحب «ماعلمتم وذقتم»، كتابه الشهيرعن الحرب اللبنانية، وصاحب «كلمن» كتابه الثمين في مفردات اللغة والثقافة، وصاحب مؤلفات أخرى تتشعب فيها الموضوعات والمقاربات التاريخية والسياسية والمجتمعية، ولكن أحمد بيضون أراد دوماً أن يكون صاحب جملة وصاحب نص أساساً. «قصتي هي الأدب»، يقول الكاتب والمؤرخ واللغوي اللبناني الذي برع في دسِّ نبرته وأسلوبه حتى في السياقات التي لاتحتمل أي ميل أو مزاج شخصي في الكتابة.
نبرته موجودة في شغله كمؤرخ، وفي شغله كموسوعي لغوي، وفي أفكاره وتصوراته السياسية والسوسيولوجية أيضاً. الكتابة هي التي تجمع هذا «التشعّب» الذي تنتهي مسالكه المتعددة إلى نبرة بيضون ومعجمه، حيث الكتابة بالنسبة إليه هي «الأدب بمعناه الأصلي كما كان في القرن الثالث والرابع الهجري، مع كتاب مثل الجاحظ والتوحيدي»، بحسب تعبيره في هذا الحوار. توصيفاتٌ كهذه هي التي جعلته أقرب إلى كُتّاب ومثقفي عصرالنهضة، ولكن داخل ثقافة حديثة وتاريخٍ معاصر، كما أن ذلك لم يُصب أبحاثه ونصوصه بالتجهم والمنهجية الجافة. كتابة أحمد بيضون فيها شيء من «الإمتاع والمؤانسة»، إذا استعرناعنوان كتاب التوحيدي. ولعل في كونه شاعراً وكاتب سيناريو… وحالياً صاحب صفحة نشيطة على الفيسبوك، إشارات إضافية إلى نوع خاص من «اللّعب» الذي يُتقنه بيضون في سخريته وفي التقاطاته الذكية، ولكن الأهم هو ذاك «اللعب» باللغة وكسرالفصاحة بفصاحة أحدث، وتمريرالشغف المعجمي إلى نقاشات وتحليلات وأطروحات راهنة. خصوصية كتابات وأبحاث أحمدبيضون أنهاساعية دوماً إلى أن تكون «قطعة» أدبية أولغوية. وهو يبدو حريصاًعلى ذلك حتى حين كان ينتقي كلماته شفهياً في هذاالحوار الذي ينبغي أن نشيرإلى أنه جرى قبل أربع سنوات بهدف إنجاز بورتريه مختصر لصاحب «معاني المباني». يحمل هذا الحوار ضرورات نشره في داخله، ونتوقع أن يصنع هذا الانطباع لدى القارئ أيضاً. اتصلنا بأحمد بيضون من أجل إجراء بعض التحديثات والرتوش البسيطة قبل نشره، وخصوصاً فيمايتعلق بآخر إصداراته، وبينها كتاباه اللذان جمع فيهما منشوراته على الفيسبوك. ولكنه – إذْ أجازنشرالحوار – آثرألا يكسر قراره الصارم مؤخراً بالتوقف عن إجراء مقابلات، حتى لو كان ذلك دردشة طفيفة تتعلق بتحديث جزئي لحوارسابق:
■ لنبدأ من البيئة التي كأنما الواحد يولد فيها لكي يبدأ رحلته بالخروج منها؟ العائلة والأب والعلاقة المبكرة بالكتب والكتابة… فكرة أنك لم ترغب أن تكون مثقفاً عامليّاً، بل ذهبت إلى حاضنة لبنانية أوسع…
ـــ لا يوجد شيء شديد الخصوصية. أول الكتب كنت أستعيرها من مكتبة المدرسة.
انتقلت من قصص الأطفال المترجمة لأندرسون إلى قصص كامل كيلاني، إلى كتب المنفلوطي وجبران. هذا في المرحلة الابتدائية في بنت جبيل وأول التكميلي. كانت هناك علاقة سماعية بالشعر في مضافة بيتنا أو في جلسات الشاي. كان الشعر جزءاً من القعدات. وفي نفس الوقت كنت أقرأ قصائد متفرقة في الصحف… قرأت لبدوي الجبل في جريدة الحياة.. كنت أقرأ مجلة «العرفان» التي ضمت إلى الشعر، أشياء أخرى تاريخية واجتماعية وسياسية. كان الشعر جزءاً من تلك الاشياء. وكانت هناك مجلة أخرى يصدرها قدري قلعجي باسم «أسرار العالم» وكانت طريفة جداً. كنت أستمتع بها أكثر من «العرفان». كانت تضم منوعات عالمية متنوعة. من تشرشل إلى لوحات لرسامين أوروبيين. أتذكر أني في بيت خالي رأيت ديوان «الشوقيات» وديوان الشاعر القروي. كانا أول ديوانين أقرأ فيهما بتمعن. في دراستي المتوسطة، كانت هناك كتب بالفرنسية. بدأت أقرأ روايات بوليسية وخيال علمي. وبالعربية حدث تنوع أكثر، كان هناك جبران ونعيمة ولكن كان هناك سعيد عقل وأمين نخلة. بدأت صلة ما تتكون مع هذه الكتب إضافة إلى بعض المصريين: طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم.
■ كتبت الشعر بعمر الـ 10سنوات؟ من أين جاء ذلك؟
ـــ جاء من الاعجاب الذي كان الشعراء متمتعين به. كان الشعراء محل أحاديث ومفاضلات. وكانوا ذوي مكانة. أنا حاولت أن أبرز نفسي. كان الشعر الذي كتبت قصائد وطنية وسياسية .. وغزلية لبنت عمي بعمر الـ 12.. (يضحك). كان الشعر نوعاً من المغالبة للخجل. كنت إلى حدّ ما صبياً منطوياً وخجولاً. كان مطلوباً من الشعر أن يصنع لي حضوراً وتميزاً بين أقراني وأمام الكبار أيضاً. كنت أغلب خجلي حتى أنتسب إلى مكانة ما. كنت أقرأ أمام شعراء أكبر مني، ولاحقاً صرت أشارك في مهرجانات تقام في مناسبات مثل تأميم القناة وحرب الجزائر والوحدة السورية المصرية. كان كل ذلك انتصارات على الخجل ومحاولة بروز كأنما كان ميئوساً منها في الحياة اليومية. كان الشعر نوعاً من التعويض لأن الخط أو النسق الأساسي لم يكن يلائمني.
■ بعد الثانوية ذهبت إلى باريس لاستكمال الدراسة؟ كانت لديك منحة وقتها ولم تكمل؟
ـــ أنا ذهبت إلى باريس وكنت في العشرين. ذهبت بأفكار عن أطروحة دكتوراه مهولة. كانت في رأسي وقتها صورة عن حامل الدكتوراه الذي يعرف كل شيء. عندما كنت طالباً كانت صورة الدكتور هو طه حسين. في جامعة باريس، اكتشفت أن استعداداتي كانت أقل من المطلوب. كانت هناك طموحات هائلة على إمكانات محدودة لا تتجاوز شهادة ليسانس فلسفة من الجامعة اللبنانية. أحسست بشيء من العجز. مع ذلك، سجلت عنوان أطروحتي بإشراف البروفسور بول ريكور. وحضرت دروساً. انتقيت الأساتذة الكبار وقتها.
■ ريكور الذي كتب في أجناس متشعبة، وذهب إلى الولايات المتحدة لاحقاً؟
ـــ نعم. ولكن هذا لا يعني أني كنت أراه دوماً. كان هناك أساتذة كبار آخرون. كنت أحضر في الكوليج دوفرانس دروساً عن هيغل وباشلار. كان ريكور وقتها يتحدث عن فلسفة هوسرل.
■ هل يمكن القول إن تعددية تجربته وتشعبها لاحقاً لعبت دوراً غير مباشر في تجربتك المتشعبة؟
ـــ لا أظن. وقتها لم يكن قد حدث التشعب الذي تتحدث عنه في شغله. عندما رأيته كان شغله حول «فلسفة الإرادة»، وكان يعتبر متخصصاً في هوسرل مؤسس المنهج الظاهراتي. أنا اخترت أطروحة بعنوان «الأخلاق والعمل التاريخي»، وهي عن إشكالية الأخلاق والسياسة أساساً. هذا كان من شواغلي التي استمرت لاحقاً. ولكن عمومية العنوان والتركيز على هذا الموضوع لدى كارل ماركس الذي كنت بدأت أتعرف عليه. قضيت ليالي طويلة أقرأ ماركس بشعور المقصر، وقررت تعلم الألمانية ولكني توقفت بعد 3 أشهر. عدت في الصيف، وكانت لدي منحة تفوق، وهذا قوّاني على أهلي ولم أكن محتاجاً إليهم. عدت مع فكرة عدم العودة. في مقابلة مع عميد كلية الآداب، بادرني بالقول: نمنحك منحة ونعلمك ولا ترسل كلمة شكر من باريس أو كارت بوستال. قلت له إن كانت المنحة منك لا أريدها. وصفقت الباب ورائي. كان ممكناً أن أستوعب ملاحظته، ولكني رفضي الداخلي للعودة جعل ذلك ذريعة مناسبة. ولكني رجعت وأكملت سنة أخرى، ثم عدت نهائياً.
■ عدت إلى بيروت، وأصبحت معلماً، وأسست لبنان الاشتراكي مع آخرين، ثم اندمجتم مع الاشتراكيين لتأسيس منظمة العمل الشيوعي. هل توافق (كما قال عباس بيضون) أن ذلك الوقت شهد خروجاً جماعياً لعدد من الذين ستترسخ أسماؤهم لاحقاً كمثقفين وكتاب وشعراء. المنظمة كانت حزباً لمثقفين: أنت ووضاح شرارة وعباس وحسن قبيسي… وكذلك: حازم صاغية وجوزف سماحة وفواز طرابلسي… وآخرين. ما رأيك؟
ـــ أظن أنه ينبغي أخذ هذه الفكرة بطريقة نسبية. أحياناً هناك نزوع للمبالغة في وصف ظاهرة ما وهو ناتج عن كثرة الأشخاص الذين خرجوا من المنظمة وأخذوا أدواراً مختلفة في الحياة الثقافية. صحيح أن عددهم كبير…
■ ولكننا نكاد لا نجد لكل واحد منهم نِدّاً أو شبيهاً من خارج المنظمة؟
ـــ ربما. ولكن من خرجوا من المنظمة لا يمثلون المشهد كله. لا بد من أخذ أمرين بعين الاعتبار بحسب تصوري عن المنظمة: الأول، هو التحريض على التفكير والتثقف الذي كان أساسياً في المنظمة. كان هناك إقبال على الماركسية خصوصاً، ولكن أيضاً معرفة بأوضاع السياسة العالمية ومشكلاتها المختلفة. كانت هناك قراءات مصحوبة بالنقد وليس لها حدود. قرأنا كل شيء. نظرية التاريخ والسياسة إلى جانب الأدب والسينما… إلخ. الاعتبار الثاني: هو أن هؤلاء الأفراد انطلاقاً من هذه القواعد في تكوينهم، صاروا منتجين وخرجوا من الغُفلية التي عاشوها داخل المنظمة.
■ ولكن أسماءكم لا تزال تحتل الصفوف الأولى؟ لمْ يأتِ من يحل مكان أحد منكم تقريباً.
ـــ أتصور أن في هذا الاستنتاج شيئاً من التخيل. عندما كنا أصغر سناً كان هناك بمختلف الميادين أشخاص (ربما لم نعجب بهم) ولكنهم كانوا محتلين الصفوف الأولى وليس نحن. إذا كنت معتنياً بالتاريخ، فالصف الأول هو كمال الصليبي وليس أنا. وفي السياسة، كان هناك أشخاص ينبغي أن تحسب حسابهم مثل غسان تويني وميشال أبو جودة. ما أود قوله أنه كان هناك من هم أهم منا عندما بدأنا نراكم ونريد أن نقول شيئاً يخصنا. ولكن هذا سيحدث بعدنا. سيأتي من يحتل الصف الأول ويتحدث عنا بنفس الطريقة.
■ دعنا نتحدث عن تأخرك في النشر. كأنك أطلت الإقامة في المرحلة الغُفلية ككاتب باسم مستعار أو بدون توقيع في مجلة «الحرية». هل أنت نادم على الوقت؟
ـــ بالعكس هناك مفارقة. لديّ عدم ندم على عدم البروز. هذا يأتي من النرجسية في الكتابة. لأني إلى هذا الحد أكتب وحدي وفي عزلتي، وإلى هذا الحد أنا مهم كقارئٍ لنفسي، ومستهدف من كتابتي.. أنا المستهدف الأول من كتابتي. ولذلك لا أهتم بسنوات عديدة لم يعرف أحد فيها بما كنت أكتبه طالما أني كتبت لنفسي أولاً. واليوم لا فرق لدي أيضاً. أنا مستغرقٌ في صنعتي. هذا ليس ازدراءً بالقراء أو موقفاً عدائياً من الجمهور. هذا موقف نفسي يمكن أن تسميه أنه ليس اجتماعياً أو تقويماً للقراء. أنا يهمني أن يكون لدي قراء، ولكني يهمني ذلك بعد أن أنتهي من النص وليس أثناء الكتابة.
■ لذلك، حتى عندما تكتب في السياسة والتاريخ، لديك هاجس أن تكتب قطعة أدبية؟
ـــ نعم.. ويجب أن يكون هذا شيئاً شخصياً.. يجب أن تكون أنا. يجب على الكتابة أن تساويني. سأذكر لك مثالاً متطرفاً، وهو أنني صغتُ مشروع قانون إعادة تنظيم الجامعة اللبنانية. عندما أقرأه أعرف أنه أنا من كتبه. هو نص حقوقي تشريعي، ورغم ذلك دسستُ فيه شخصيتي الأسلوبية. الشخصية هذه ليست تزيينية. ولذلك لا تندثر عندما تخرج من مجالها الطبيعي. عندما تكتب قصيدة أو تصف مشهداً طبيعياً، هناك إمكانية للعواطف والبلاغة، ولكن هذا صعب جداً إذا كنت تكتب نصاً حقوقياً. أنا من البداية، وتدريجياً، وصلت إلى أن الحالة المثالية للكتابة هي التي تستبعد أي تزيين وأية زوائد واستطرادات، حيث الكلام فيها ليس مبتذلاً.
■ هذا الاقتصاد موجود حتى في لغتك اليومية؟ في المرات القليلة التي رأيتك تتحدث فيها، والآن أيضاً، أنت تنتقي معجمك وكلماتك؟
ـــ صحيح. ولكني غالباً ما أشعر بعدم الرضا بعد انتهاء الحديث. وأقول لنفسي: هناك أشياء فاتني أن أقولها، وأشياء كان في استطاعتي أن أقولها بشكل أفضل. غالباً لدي مآخذ على نفسي في الأداء الشفوي. أنا أكون راضياً أكتر حين أكتب. الكتابة هي شيء آخر.
■ نعود إلى بول ريكور وفكرة التشعب في الكتابة. دائماً يقال عنك: إنك عدة كتّاب في كاتب واحد. ما المتعة المتحصلة من ذلك؟
ـــ التشعب هو مصدر متعة بالتأكيد. أحس أني أدخل إلى أرض ربما لا تكون أول مرة أدخلها، ولكني لم أُقِمْ عليها. قد أكون أنجزت أشياء قليلة في مجال معين، ولكن هذا يعتبر نوعاً من الفتح في ذلك. كأنك خرقت سوراً، أو تحدّيت صنعةً وانتسبت لها بنوع من القوة والاصرار. أظن أن أصولي الريفية تتضمن ازدراء الاختصاص. في القرية يستطيع الواحد أن يزاول أي مهنة أو يجمع بين مهن مختلفة. يمكنه أن يكون مزارعاً وكندرجياً بنفس الوقت. ويمكنه أن يشارك مع العمال في ورشة بناء بيته مثلاً. مناخ القرى والفلاحين والحرفيين مفتوح على «الحرتقة». لعلّي كتبت في مجالات مختلفة وفق هذا المنطلق. كتبت في مجالات تتطلب استعداداً تقنياً مثل البيانات والإحصاءات. أنا لم أكن يوماً قوياً في هذا المجال، ولذلك تظل هناك مرجعية أدبية في شغلي.
■ لقد قلت يوماً إن «قصتي هي الأدب». أنت تبدو صاحب جملة خاصة فعلاً..
ـــ الأدب تحديداً وليس الأنواع الأدبية. الأدب بمعناه الأصلي كما كان في القرن الثالث والرابع الهجري، مع كتاب مثل الجاحظ والتوحيدي. وهؤلاء لا يختلفون عن الطبري أو كتابات الفقهاء الذين عاصروهم. كان الكاتب يكتب في التاريخ والحيوان والتفسير والفقه. العبارة الفرنسية هي الجمع بين الفائدة والمتعة. والفائدة هنا هي المعرفة. هذا الاقتران بصورة غير قابلة للفصم وكأنها جناحا طائر. هذا الأدب. وقصتي هي الأدب.
■ هل يمكن القول إنك كاتب أو أديب ضلّ طريقه إلى التاريخ والسياسة؟
ـــ ربما.. هناك شيء كتبته عن علاقتي باللغة الفرنسية، وهو أني في مراهقتي، كانت لدي نظرية لم تكن تعبيراً عن معرفة بوقائع التاريخ الثقافي، بل تعبير عن شعور بالدونية تجاه الغربيين الذين كان تفوقهم مقدماً إلينا على أنه بديهة. الفكرة كانت أن اللغة العربية هي لغة جميلة جداً. هذه كانت قناعتي في عمر الـ 14 سنة.. أن اللغة العربية جميلة ولكنها تحتاج إلى أفكار. تحتاج أن تخرج مما تقع عليه من كتابات عادية إلى مضامين مبدعة وراقية. وقتها، كان إحساسي أني يجب أقرأ بالفرنسية لأعثر على نصوص كهذه، وأن العربية تكاد تخلو من ذلك. فكرة أني ضللت الطريق نحو العلوم الاجتماعية ناتجة عن ولع باللغة واستثمار إمكانات اللغة، ولكن في حقول منتجة لمعرفة حقيقية. هكذا كنت أفكر وأنا فتى. لاحقاً، حين قرأت لابن خلدون وابن رشد، غيرت رأيي. ولكن ذلك لم يمنع أن موقفاً تأسس لدي حول علاقة جمال اللغة بالمضمون والمعرفة. ابن خلدون وغيره عزّزوا فكرتي عن الكتابة التي أريدها.
■ كأنك تقول إنك اهتديت ولم تضل طريقك؟
ـــ صحيح.
■ إلى جانب هذا النوع من الكتابة، عندما تذهب إلى السياسة اليومية والواقعية. ماذا عن لبنان.. كأن البلد يعيش دوماً في «درجة الصفر» كما وصف رولان بارت الكتابة في أحد مستوياتها.
ـــ لبنان منذ سنوات الحرب موجود في مأزق تاريخي.. وهو مأزق اجتماعي سياسي عميق والخروج منه متعذر وليس صعباً فقط. المأزق تجلى بمجموعة الطوائف الدينية والمذهبية التي تحولت إلى هيئات سياسية. إلى هيئات اجتماعية سياسية وليس سياسية. ما عادت قادرة على أن تسوس علاقاتها فيما بينها لأنها تحولت إلى طوائف سياسية. ولا يوجد دليل على أن ما سأقوله سيحصل. ولكن لنتحدث عن اتفاق الطائف كميثاق متواضع عليه بنوع ما من الإجماع في نهاية الحرب، ونطبقه كما هو، بالاضافة إلى البعد الديناميكي الذي فيه والمتمثل في بند إلغاء الطائفية السياسية والذي أُهمل بعد 1990. إذا طبقنا الاتفاق بشكل جدي مع كل الضمانات التي لا تحول الخروج من الطائفية إلى ديكتاتورية طائفية، إذأ استطعنا فعل ذلك سيكون هناك أمل باستقرار لبنان. إن لم نستطع سنكون أمام أحد أمرين، إما انهيار البلد وتهالكه، أو انفجاره بحرب جديدة مع توفر توظيفات مناسبة لأطراف تموّل ذلك. هذا هو المخرج الوحيد، ولكنه أيضاً مخرج لا يحظى بظروف تجعله قابلاً للحدوث. الأمل في كل هذا الاستقطاب والتشنج هو أن البلد أمام حالة إما حياة وإما موت. أنا أفترض جدلاً أن يتفق اللبنانيون على هذا المخرج اضطرارياً من أجل إنقاذ البلد. عدا ذلك، أنا أشعر أنه إذا حدث تغيير لا يبدو أننا متجهون إليه. ربما هناك أمل أننا متجهون إليه، وهو قيام نظام إقليمي جديد يعقب التحركات والثورات الحالية، ويتمثل في عقد سياسي بين دول ديمقراطية. من أصول هذا العقد أن يكون ممنوعاً لأي دولة أن تستولي على قسم من مجتمع دولة ثانية وتنظمه وتسلحه وتتولى نمط حياته الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. لا يكون مقبولاً أن تستحوذ دولة على قطعة أو جماعة في دولة أخرى. يعني لا يجوز للشيعة اللبنانيين أن يصبحوا جالية إيرانية في لبنان.
■ أنت تعقد آمالاً على المنطقة لأن الأمل متعذر في الداخل اللبناني؟
ـــ هذا صحيح. أنا أعقد آمالاً على نشوء نظام إقليمي لا تكون فكرة ما هو قائم حالياً ممكنة في لبنان. ألا تكون فكرة عملية. كما في دول الاتحاد الأوروبي. قسم من سكان بلجيكا (الوالون) هم فرنسيو اللغة والهوى والثقافة، ولكن النظام الأوروبي لا يسمح لفرنسا بتسليح الوالون مثلاً أو تمويل مشاريع هناك وتأسيس أحزاباً فيه. أنا آمل أن ينشأ وضع يسمح للبنان بأن يُعفى من واجباته الإقليمية والخارجية. أتصور علاقة جيدة ووطيدة مع سوريا في حال تحولت سوريا إلى دولة ديمقراطية.
■ هل تعتقد أن أميركا وإسرائيل ستسمحان بنشوء نظام ديمقراطي يحيط بإسرائيل؟ وهناك أمر آخر أن الشعوب هنا لن تنسى واجباتها تجاه فلسطين؟
ـــ أميركا وإسرائيل لن تستطيعا منع ذلك. هما ليستا من يصنع ما يحدث.
■ ولكن أميركا تدير الأمور من بعيد؟
ـــ نعم. ولكن قدرتها على تجيير الثورات الحالية ضعيفة. أظن ان أميركا في السنوات الأخيرة تبدو طاقتها في التدخل العسكري في تراجع. هناك واجبات تجاه اسرائيل وتجاه النفط، ولكن كل هذا ممكن ترتيبه مع الثورات القائمة ونتائجها.
■ ألم تتحول الثورة المصرية مثلاً إلى نوع من الانقلاب الفوقي فقط؟
ـــ علينا أن نفكر بطريقة أوسع مما يحدث وحماسة ما يحدث. هناك حقائق لا تتغير. مصر في النهاية بلد محكوم بحقائق ومشكلات كبرى موروثة من عشرات السنين. هذا لن يتغير. بل يضع حدوداً للتغيير. مصر اليوم ليست في وارد رفض تسهيلات ومساعدات مالية أميركية وأوروبية تعطى لها. هناك ملايين ينبغي أن تعيش. علينا أن نسأل ماذا كان المأمول وما الشرعية التاريخية لهذه الآمال؟ من المؤكد أن دوراً كبيراً للأمل استُعيد مع الثورة المصرية. لم يعد الناس يخافون من الأمل.
■ ماذا تفعل هذه الأيام؟
ـــ تقاعدت من التعليم مؤخراً. الآن أمر بمرحلة تصفية الستوك. عندي كتاب صدر بالفرنسية منذ سنتين في باريس (تردي لبنان والاصلاح المنبوذ) سأصدره بالعربية موسعاً مع مقالات مكملة له. وهو عن أزمة السنوات الأخيرة في لبنان. وكذلك لدي كتاب سيضم مقالات حول الثقافة واللغة وسيكون ثالث كتاب بعد «كلمن» و«معاني المباني». وهناك مجموعة نصوص هي روايات لوقائع إشكالية من تاريخ لبنان. بدأت في التسعينيات كمادة لكتاب تنشئة مدنيّة ولكنه لم يُنجز حينها. استخدمتها في تعليم الطلاب في الجامعة ولم أنشرها. سأعيد النظر فيها واستكملها بنصوص أخرى عن الحرب.
■ والشعر؟
ـــ لا أكتبه. هناك خواطر تشبه الشعر… أنساها إذا لم أكتبها أو أكتبها على أوراق. أشياء غير متجانسة… مثل عملي. (يضحك).
■ «الصبي اللي عند بو أحمد» أين هو اليوم؟ ماذا بقي منه بعد خروجك الطويل والمتعدد المراحل؟ هل «بنت جبيل» وأمكنتك الأولى هي فردوسك المفقود؟
ــــ تلك الأمكنة زالت. أنا أُصيّف في بنت جبيل. أذهب كزائر أو سائح تقريباً. أشعر أن انتمائي لها مضطرب جداً. وهناك أشياء تزعجني وتشعرني أني خارج نسيجها المستجدّ الذي تكوّن في غيابي. أستمتع بالهواء.. وبقضاء الوقت في بيتي، كأني مصطاف أو سائح.
مع عبد الرزاق السنهوري، نجد أنفسنا مرّةً أخرى أمام مشكلة المصدر المقدّر للحقّ. نواجه المشكلة هذه بصدد السلطة التنفيذية بعد أن واجهناها بصدد التشريعية.
فإذا كان مصدر الحقّ إلهياً كان العلم بكلام الله وإرادته هو المقدّم في اختيار من يباشر إجراءه وفي محاسبته أيضاً إذا وجد من يقوى عليها. وإذا كان مصدر الحقّ بشرياً كان تقدير الجماعة لمصالحها هو ما يملي الاختيار ويقرّ الخطة ويقدر على العزل… وكانت السياسة (في هذه الحالة الأخيرة) تدبيراً لأنواع خلافٍ لا تنقضي: أي تحصيلاً متغيّراً لحاصل الإرادات في الجماعة… ولم تكن قراءة للنص المقدّس بحروفه ولا تكهّناً بما يمكن أن يكون مراد الخالق من النصّ.
في كلّ حال، كان مراد السنهوري إنقاذ ما يستطاع إنقاذه من وحدة إسلامية جسّدها تاريخ الإسلام أو جسّد مقدارها بصعود الخلافة وهبوطها. وقد بقي البعد الاجتماعي غائباً عن هذا المسعى، فلم ينظر الباحث في حاضر المجتمعات وما يعد به هذا الحاضرُ مطلبَ الوحدة ولا في من يحمل هذا المطلب في تلك المجتمعات. وإنما اعتبر الهوية الإسلامية للدول والمجتمعات قمينة بحد ذاتها، بإطلاق تيار التوحيد وصيانة اندفاعه. وهو قد اقتصر أيضاً من النظر في السياسة الدولية الجارية على ملاحظة التفاوت في القوة واحتمال عرقلة المسيطرين نهوض المغلوبين. فلم يتلبّث كثيراً عند المفاعيل السياسية المحتملة للصدوع الحاصلة في الجهتين.
وهو قد أفضى من بحثه الحقوقي والتاريخي المستفيض إلى اقتراح أو مشروع أدخله في عنوان الكتاب إبرازاً لما رآه له من أهمّية. ذاك هو مشروع «عصبة الأمم الشرقية»، التي أراد لها الحقوقي المصري الفتيّ (كان في نحو الثلاثين من عمره عند صدور كتابه) أن تجسّد الوحدة الإسلامية، فتكون صيغة الخلافة في هذا العصر. وهو وصفها بالـ»شرقية»، وإن قصد «الإسلامية»، لتبقى شاملةً غيرَ المسلمين من مواطني البلاد الإسلامية. وقد أوصى بجعل الشريعة الإسلامية متّسعة لرعاية أحوالهم، مفترضاً أنهم يحبّذون هذا التوسّع. وهو ما يوحي أنه ضرب صفحاً عمّا هو معلوم بصدد القيم التي باتت راعية للتنوّع في المجتمعات، وعن تعذّر اعتبار الشريعة منصفةً لمن لا يأخذ بها من غير المسلمين ولمن لا يراها من صلب دينه من المسلمين.
وهو استهدى نموذج عصبة الأمم القائمة في ذلك العهد في جنيف، وشاء لعصبته أن تكون عضواً جامعاً فيها، فضلاً عن العضويّة المنفردة لكلّ من الدول المشكّلة لها.
لم يتحقّق، على الفور، مراد السنهوري ولا مراد رشيد رضا من قبله. كان على السنهوري أن ينتظر عقدين ليشهد ولادة جامعة الدول العربية فيرى فيها مرحلةً نحو تحقيق حلمه. وهو قد باشر تعاوناً مديداً مع أمانتها العامّة في مجالي التشريع والدراسات الحقوقية. حتى إذا أنشئت منظّمة المؤتمر الإسلامي سنة 1969، كان الهرم والمرض قد أقعدا الحقوقي المصري، الذي لم يلبث أن توفي في صيف عام 1971. فعاد إلى صهره توفيق الشاوي (الذي كان أحد الأركان في الجيل المؤسّس لجماعة الإخوان المسلمين) وإلى ابنته نادية السنهوري أن يريا في المنظمة الجديدة تحقيقاً أقرب من جامعة الدول العربية لحلم الحقوقي العلامة.
مهما يكن من شيء، تقدّم السنهوري باقتراحه وهو يعدّ «العصبة» العتيدة نوعاً من الخلافة «غير النظامية»، بعبارته، أو «الناقصة»، بعبارة مترجمه. ولم يخفِ أن هذه الصيغة هي ما قد تأذن به دول مسيطرة على العالم لا يرضيها أن ترى العالم الإسلامي وقد استردّ من العافية ما يهدّد سيطرتها عليه. يذكر السنهوري سبباً آخر للقناعة بهذا الحدّ الأدنى من الوحدة الإسلامية أو من «الخلافة» هو ما يلاحظه من تعلّق بالقوميّات وبالدول الوطنية وهذا سبب لا جدال في وجاهته.
والحال أن الناظر في أحوال جامعة الدول العربية وأحوال منظمة التعاون الإسلامي اليوم يرى أن ما تحصّل من خلافة السنهوري ليس «ناقصاً» أو «غير نظامي» وحسب، وإنما هو شبحي المبدأ والمآل. وأما خلافة أبي بكر البغدادي فليست شبحاً، بل هي مصّاص دماء خرج من طلب الخلود المهيمن على عالم لا ينفكّ يتهاوى… وقد بذل السنهوري وغيره جهوداً عظيمة اتّحد فيها التوفيق بالتعمية حتى لا نجد لنا زورق نجاة يخرجنا منه.
على صعيد أبعد عن تأسيس الخلافة في الدين وتتبّع تحوّلاتها التاريخية والبناء على مرحلة الراشدين باعتبارها مرحلة الخلافة «النظامية»، يعمد عبد الرزاق السنهوري إلى ما يراه للخلافة من مزايا تقرّبها من أنظمة شائعة أخرى للدول، وتبعدها عن أخرى فيتناولها، في صفحاتٍ من أطروحته ، بعين الحقوقي القادر على المقارنة. فهو، مثلاً، يعدّها أقرب إلى النظام الجمهوري، لبعدها المبدئي عن التوريث وارتباط شرعية المختار لها بالبيعة العامّة بعد أن يسمّيه «أهل الحلّ والعقد» في الأمّة. وهو قول فيه نظر إذ شهدت مرحلة الراشدين اختياراً (هو اختيار أبي بكر عمراً) بتسمية السلف خلفه وآخر (هو اختيار عثمان) بالشورى التي سمّى الخليفة الثاني أهلها. وشهدت المرحلة نفسها، في مطلعها، غياب الهاشميين عن يوم السقيفة، وهو ما أتاح اعتبار بيعتهم اللاحقة فرضاً ألزموا به تحت طائلة الفتنة. وغاب الإجماع عن بيعة الخليفة الرابع غياباً أفضى إلى فتنة لا تنقضي…
أمّا البيعة، بحدّ ذاتها، فتقليد قديم اعتمده المسلمون وبقي يطلبه الملوك إلى اليوم، على الرغم من سريان قاعدة التوريث في توليتهم. وهو ما لا يشير إلى شبه بالانتخاب الحرّ، مع العلم أن الإعلان في البيعة (وتقابله السرّية في التصويت الديمقراطي) منتقِصٌ من الحرّية فيها دائماً ومسهِّلٌ لدخول عواملَ في فرضها أظهرُها التهديد السافر أو المكتوم.
وقد بدأَت سيرورةُ الخلافة بحصر الحقّ فيها، يوم السقيفة، في قبيلة الرسول. وكان هذا الحصرُ الذي أبقى عليه الراشدون الأربعة أُولى الخطى (إذ هي بلا سندٍ من الدين) نحو الوراثة الصريحة والملك العضوض، بل إنه يمكن القول إن غياب التوريث من دواعي استخلاف الراشدين الأربعة مسألةٌ فيها نظرٌ كثير. فإن الراشدين لم يكونوا سوى حمَوي النبي وصهريه، والتوريث هو ما ذهب فيه الشيعةُ إلى المدى الأبعد إذ أقاموا الإمامة على ضربٍ منه نسبوه إلى أصلٍ إلهي، مثْبَتٍ بنصّ من الرسول يوم الغدير. وكان الحصر المشار إليه أيضاً إقراراً لتفاضلٍ بين المؤمنين، لا على أساس التقوى وحدها (وفقاً للحديث المشهور)، بل على أساس عصبية الأصل أيضاً. وهو ما ستزيده وقائع التاريخ – تاريخ الخلافة – صراحةً على صراحة. هذا كلّه يجعل الشَبَه الذي ينوّه به السنهوري بين نظام الخلافة والنظام الجمهوري الديمقراطي كلاماً من القبيل الذي يردّ الفضل أو الأسبقية في كلّ أمرٍ عظيم إلى ذوي المتكلّم، على غرار القول إن عبّاس بن فرناس الذي أراد التشبّه بالطيور هو مخترع الطائرة.
أمرٌ آخر يرى فيه السنهوري تفوّقاً لنظام الخلافة على الديمقراطية الحديثة هو الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. فعنده أن الخليفة لا تدخّل له في التشريع البتّة إذ الشرع ربّانيّ أصلاً. فيتدبّره وفقاً لمقتضى الوقت جماعةٌ من العدول موصوفون بالعلم والفضل هم المجتهدون. هؤلاء يستقون أحكامهم من القرآن والسنّة ويُعدّ إجماعهم أصلاً ثالثاً للتشريع. وقد بني اعتماد الإجماع بين أصول الفقه على جزم النبي بأن الأمة لا تجتمع على ضلال واعتُبر الفقهاءُ المجتهدون ممثّلي الأمّة في التشريع.
على أن السنهوري ما إن يقرر هذه الأمور المعلومة حتى تدخله المقارنة بين «الإجماع» والنهج الديمقراطي في التشريع المعاصر في حيرة واضحة. فإذا هو يجد سبيلاً إلى اعتبار الأكثرية «إجماعاً»، هي أيضاً، بالمعنى الإسلامي. وإذا به يفطن إلى أن التشريع المعاصر بات محتاجاً إلى خبراتٍ تفيض عن نطاق الفقه فيجد مخرجاً في اعتبار «أهل الذِكْر» في المصطلح الإسلامي هم خبراء العصر الحاضر… وهذا ترادفٌ لا نجد دليلاً عليه في كلامه. يقول هذا قبل أن يفتي بأن «الإجماع» يسعه أن يكون إجماع نوّاب الأمّة، وهو ما يحمل على السؤال إن كان يبقى شيء من «الإجماع» الإسلامي في هذا الإجماع الأخير.
أمرٌ آخر لا يستوقف المقارنة السنهورية بين «الإجماع» والقاعدة الديمقراطية في التشريع هو الفارق، لجهة التكوين ولجهة الاستمرار، بين سلطة الفقهاء المجتهدين وسلطة النوّاب المشترعين. فبينما تقوم السلطة الأولى على علم وفضلٍ يقرّ بهما الأقران تقوم الثانية على إرادةٍ هي محصّلةٌ لتصوّرات الجماعة لمصالحها. وهذه محصّلة لا تفترض الإجماع لا في اختيار المشرّعين ولا على مندرجات التشريع، بل هي تفترض الخلاف في الأمرين. والبون شاسع في كلّ حال بين إنشاء السلطة وإرساء التشريع على العلم بالأصول (علم الفقهاء) وبين إنشاء تلك وإرساء هذا على معرفة المصالح والمفاضلة بينها. هذا الخيار الأخير هو ما يجعل سلطة المشرّعين محدودةً في الزمن ويجعل أشخاصهم خاضعة لتبديل دوري هو مناسبةٌ لأداء الحساب من جانبهم أمام الجماعة التي يعود إليها أن ترتّب على الأمر مقتضاه. والفارق نفسه يعكس الهوّة الماثلة بين سند بشريّ للتشريع يوجب اتّخاذ تدبّر المصالح منطلقاً وسند إلهيّ للشريعة يملي الانطلاق من تدبّر النصوص وافتراض التفوّق للنصوص في تعيين المصالح. وذاك أن المنحى الأخير يبقي الباب مشرعاً أمام الارتداد، باسم الشريعة، على ما يكون البشر قد استجدّوه من قيمٍ وقواعد وسّعوا باعتمادها دائرة حقوقهم وأخذوا يقيسون عليها مصالحهم. فيأتي من يقول إن هذه القيم مخالفة للشرع أو أنها بدعٌ غير واردة فيه فينبغي هدمها.
وإذ يلبث الشرع ذو المصدر الإلهي مجسّداً في سلطةٍ على حدة، يجد الخليفة نفسه عند السنهوري، فيما يتعدّى جمعه الصفتين الدينية والسياسية والافتراض المبدئي لحيازته صفة الاجتهاد، مجرّداً من كلّ صفة روحية ومن كلّ سلطةٍ تشريعية. فيُقْتصر مقامُه على سلطةٍ تنفيذية لا كلمة له في أصولها ولا في قواعد إجرائها. على أن هذا التقدير، فضلاً عن مجافاته تاريخ الخلافة كلّه، لا يوضح كيفيةً لتكوين سلطة الرقابة على الخليفة ولا كيفية إلزامه بما تراه هذه السلطة واجباً. والواقع أن الحرج يبدأ من الراشدين إذ كان هؤلاء أهل اجتهاد قبل شيوع المصطلح وكانوا، لصحبتهم النبي وقرابتهم منه، في الطبقة الأولى من المعرفة بالكتاب والسنّة. هكذا اجتمعت في أشخاصهم، باعتراف السنهوري، السلطتان التشريعية والتنفيذية ولو كان عليهم أن يلجأوا أحياناً إلى المشورة في المجالين. لم يكن اللاحقون من الخلفاء على هذه السويّة ولكن بعضهم كان من أهل الاجتهاد فضلاً عن عدالته. فكيف لا تُسوّغ سابقةُ الراشدين (وهي المثلى وهي المرغوب في العودة إليها) لمن يرى في نفسه الأهلية من الخلفاء أن يعود إلى جمع السلطتين في يده اعتداداً أو استبداداً؟
تلك مسائلُ تبقى ملقاةً على قارعة هذا الكتاب. على أن أكثر المسائل المتّصلة بالخلافة إلحاحاً، في أيّام السنهوري، كانت مسألةَ المصير الذي يسع الأمّةَ أن تستجدّه للخلافة بعد أن ألغاها مصطفى كمال. وبالصيغة التي يراها السنهوري ممكنةً لبعث الخلافة في عصره نختم، في عجالتنا المقبلة، مراجعتَنا لكتابه هذا.
نعود إذن إلى كتاب الحقوقيّ المصري عبد الرزّاق السنهوري في الخلافة الإسلامية، وقد ذكرنا ظرف صدوره في عجالتنا الماضية. وأوّل ما يستدعي النظر في الكتاب أنه يجسّم مثالاً ضخماً لحيرة هذه الخلافة، بين أن تكون مؤسسة من أصل الدين وأن تكون مؤسسة ابتكرها المسلمون لحفظ جماعتهم وتدبير شؤونها، مستهدين في تكوينها بمبادئ وتقاليد عامّة (الشورى، البيعة) لم يبتدعها الإسلام، ولا كانت خاصّة به. وكان الأزهري علي عبد الرازق قد ذهب، في كتابه الصادر سنة 1925 (أي قبل كتاب السنهوري بسنة) المذهب الثاني في هذه المسألة، فرأى أن الإسلام لم يفرض بما هو دين صيغة بعينها للحكم. وهو ما يردّ عليه السنهوري بالقول إن عبد الرازق يخلط بين أمرين: أوّلهما ضرورة الخلافة، وهي ما أجمع عليه المسلمون، والثاني نظام الخلافة وهو ما بقي باب الاجتهاد مفتوحاً في تصوّره وإنشائه. ينكر السنهوري على عبد الرازق أيضاً قوله، إن الرسول لم ينشئ دولة في المدينة، فيؤكّد أن المعالم الكبرى لهذه الدولة برزت في عهد الرسول، وأنه لا يجوز الخلط، عند الحديث عن «الدين» و»الدولة»، بين معنيي هذين المصطلحين في أيّام الرسول ومعنييهما في أيّامنا.
والحال أن موقف عبد الرازق، حين ينظَرُ إلى مرماه الأبعد، لا يدحضه القول بالضرورة المبدئية للخلافة ولا تأكيد نشوء نوع من الدولة في المدينة على يد الرسول، وإنما يدحضه إثبات كون الخلافة والدولة وهما، في ما يتعدّى ثبوت ضرورتهما العملية وحقيقتهما التاريخية، في أيّ زمن كان، نوعٌ من الانتظام يفترضه الدين للجماعة فيجب اعتبارهما من صلب الدين في مبدئهما وفي أصول تكوينهما أو في أحد هذين، على الأقل. هذا الاعتبار هو ما يردّه عبد الرازق، إذ يعتبر مسألة الدولة وصيغتها واقعة في خارج حوزة الدين بما هو دين. والاعتبار نفسه هو ما يقبله السنهوري متكّئاً، بالدرجة الأولى، على وقائع التاريخ الإسلامي، من غير استدلال منهجي محكم على وجوب هذا القبول.
يبيّن السنهوري أن كون الخلافة واجبة الوجود يستفاد من خصائص ثلاث لها هي جمع الخليفة السلطتين الدينية والسياسية والتزامه تطبيق الشريعة الإسلامية وسهره على وحدة الأمة الإسلامية. وهي كلّها شروطٌ يتبيّن لها، عند النظر في التاريخ وفي الحاضر، حدود تتعلّق بتطوّر المجتمعات الإسلامية وبتلك التي يوجد فيها المسلمون من غير أن يكونوا غالبين عليها. وذاك أنه يوجد في الصنف الأوّل مسلمون باتوا لا يرون الشريعة خياراً يرتضون فرضه عليهم إذ لا يعدّونها أصلاً محدّداً في تصوّرهم لدينهم. وفي الصنف نفسه جماعات من غير المسلمين باتوا لا يقبلون من المجتمع الذي ينتمون إليه أقلّ من مساواتهم بغيرهم في الحقوق والواجبات. وأمّا الصنف الثاني فيرى المسلمون فيه لأنفسهم الحقّ في المساواة التامّة بغيرهم أيضاً: في حرّية الاعتقاد وفي حرّية تدبير حياتهم فرادى وجماعات بحسب معتقدهم. ولكنّهم لا يملكون في هذه المجتمعات أن يفرضوا على الكثرة من المنتمين إليها قواعد مستقاة من شرعهم، هي نفسها التي بات فرضها على القلّة يبدو غير مشروعٍ في مجتمعاتهم هم، سواءٌ أكانت القلّة مسلمة أم غير مسلمة. صفوة القول أن الإعراض عن قبول المساواة في التنوّع أصبح يستنفر في وجهه مبادئ هي التي تتعرّف بها الإنسانية المعاصرة في سعيها إلى التواطؤ على نظام قيم عليا وإلى التشريع لنفسها وسياسة أوضاعها وعلاقاتها بمقتضاه. هذا في عصر بات فيه التنوّع طاغياً في أكثر المجتمعات وأكبرها وبات من صوره الرئيسة تنوّع الأديان والعقائد وتنوّع المواقف فيها ومنها…
والحال أن السنهوري يداري هذا التحلّل الملحوظ في واقع المجتمعات لما يراه خصائص للخلافة، وهذا البعد بين تصوّره المدرسي للخلافة وبين تحقّقها الفعلي في التاريخ حتى لحظة زوالها: يداري هذا وذاك بأساليب واجتهاداتٍ شتّى أهمّها الفصل الصارم بين خلافة الراشدين الأربعة وما يسمّيه مُتَرْجِمه «الخلافة الناقصة». والمترجم يضع هذا المصطلح بإزاء عبارة المؤلّف الفرنسية التي تفيد معنى «الخلافة غير النظامية» فيما خلافة الراشدين هي «النظامية» عند السنهوري. والحال أن حبس تاريخ الإسلام بين حدّي هذه الثنائية أمرٌ لا يستقيم قبوله من غير تمحيص له وتناول للوقائع التي تحمل على الشك في تماسك منطقه. وذاك أن إعظام المؤرّخ المسلم أشخاص الراشدين الأربعة لا يعفيه من مواجهة الأسئلة الكبرى المتعلّقة بوقائع خلافتهم. فإذ يلاحظ السنهوري أن مرحلة الراشدين اقتصرت على 30 سنة فيما دامت «الخلافة غير النظامية» نحواً من 13 قرناً يحتمي بـ»الإيمان» وبـ»المُثُل» التي يراها ملزمة للمسلمين بطلب العودة بالخلافة إلى رشدها الأوّل. وهو بهذا يعفي نفسه إعفاءً سهلاً من الإجابة عن السؤال المتّصل بتعذّر تلك العودة طوال هذه القرون وبقصر المدّة التي قيّض فيها للرشد أن يبقى مستتبّاً خلف دفّة السفينة الإسلامية.
فهل يسع الباحث أن يطمئن إلى كون تلك الخلافة الأولى لم تكن تشكو خللاً ما هو الذي جعل العودة إليها أمراً محالاً في مدى الأزمنة التي انقضت على أفولها؟ كيف توصف هذه الخلافة بـ»الانتظام»، من جهةٍ أخرى، فيما تفتتحها حربٌ في جزيرة العرب: حربٌ لم تكن «الردّة» عنوانها الوحيد، بل كان بين بواعثها رفض الاعتراف للخليفة بالحقّ في ما كان يؤدّى للنبي من حقوق؟ وكيف توصف بـ»الانتظام» خلافةٌ اختير كلٌّ من الأربعة الذين تسنّموها بطريقة مغايرة لتلك التي رعت اختيار أقرانه؟ وكيف لا تثير سؤالاً يتعلّق بانتظامها صيغةٌ اغتيل ثلاثةٌ من الأربعة الذين مثّلوها وقيل إن الأوّل (الذي اقتُصرت خلافته على سنتين من الزمن) مات مسموماً هو أيضاً؟ وكيف لا يستأهل وقفةً إفضاءُ هذه المرحلة، بعد قتل الخليفة الثالث، إلى حربٍ أخرى أفدح من الأولى فتكاً وأعمق تصديعاً لوحدة الجماعة وأبعد أثراً في مواقف كسور الجماعة بعضهم من بعض ومن الدولة الإسلامية؟ وما القول، على الأعمّ، في استواء هذه المرحلة، بوقائعها المتعلّقة بالخلافة منذ يومها الأوّل، مادّةً للشقاق في صفّ المسلمين وسبباً لمجابهات بينهم لا يحصر أذاها؟ هل يكفي قول السنهوري إن علينا التمسّك بالمثل الأعلى الذي قدّمته خلافة الراشدين جواباً عن كلّ ما استثارته هذه الخلافة أو واجهته من مشكلاتٍ أخفقت في معالجتها إخفاقاً أفضى إلى زوالها؟
تلك أسئلةٌ لا نعثر عند السنهوري على أجوبةٍ شافيةٍ عنها. ولكن هذا المؤلّف ينكبّ على المقارنة بين هذه المؤسسة الإسلامية ونظام الحكم الديمقراطي الذي كان قد استوى، في أيّامه، مثالاً وفرض مزاياه على أهل النظر. لهذه المقارنة السنهورية نكرّس عجالتنا المقبلة.
حين اتّخذ مصطفى كمال قراره بإلغاء الخلافة العثمانية في آذار/مارس عام 1924، كان متوقّعاً أن يثير القرار غباراً كثيراً في العالم الإسلامي، وفي أوساط غير إسلامية مهتمّة بأوضاع هذا العالم. جاء القرار التركي نفسه مصحوباً بتعليل إسلامي المشرب أراد أن يبعد عنه شبهة العداء للإسلام. وكان مصطفى كمال قد منح نفسه نوعاً من الحقّ في الإفتاء فراح يبدي آراء يعدّها غير مخالفة لمبادئ الإسلام في أمورٍ شتّى.
وقد تداولت الصحافة، في مختلف الأقطار، مغازي القرار بإلغاء الخلافة ومفاعيله. واهتمّت للقرار أيضاً جهاتٌ سياسية حاكمة أو معارضة في الدول الإسلامية. وانعقد في سنة 1926، أي بعد حين من صدور القرار، مؤتمران إسلاميان أوحى بعقد أحدهما، في القاهرة، فؤاد الأوّل ملك مصر ودعا إلى الآخر، في مكّة، عبد العزيز آل سعود الذي كان قد استتمّ، قبل مدّة وجيزة، سيطرته على الحجاز بعد نجد. والواقع أن مؤتمر القاهرة كان هو المركّز على مصير الخلافة فيما تصدّرت مصيرُ الحجاز أبحاثَ مؤتمر مكّة وقد تمثّلت بعض الدول في المؤتمرين تباعاً. هذا وبدا بعض الحكّام، وعلى الأخصّ منهم فؤاد الأوّل، طامحين إلى ارتقاء سدّة الخلافة الشاغرة، لا لإتاحتها سلطاناً حسّياً على المسلمين في ديارهم المختلفة، بل لتكريسها نوعاً من التصدّر لشاغلها بين أقرانه من الحكّام ونوعاً من التقدّم المعنوي لبلاده.
على أن أهمّ ما بقي من تلك المرحلة التي لم يلبث التجاذب السياسي بصدد الخلافة فيها أن خمدت حركته كان الكتب. فقد وجد مؤلّفون كان بينهم من يعدّ وجهاً بارزاً في فقه الحكم في الإسلام، وكان بينهم من اكتسب هذه الصفة لاحقاً، مناسبةً في الإلغاء التركي للخلافة لطرح موضوع الخلافة برمّته من جديد وتقليبه على وجوهه كافّة. وبعد انقضاء الظرف الذي أملى تأليفها لبثت هذه الكتب موضوعَ أخذٍ وردٍّ بما لها من دلالة عامة متّصلةٍ بنظرية الدولة في الإسلام. فكاد الجدال ألّا ينقطع في مُنْدَرَجاتها في هذه المدّة الطويلة التي انقضت على صدروها، خصوصاً أنها احتلّت مواقعَ متقابلة من المسألة فأقبل بعضُها على مساجلة بعض. وها هو الجدال نفسه ينتعش في هذه الأيّام، مع ظهور «الدولة الإسلامية» في العراق والشام وإعلان أميرها البغدادي نفسه خليفةً، وقد عاد بذلك موضوع الخلافة إلى بساط البحث مع ظهوره في ميدان المذبحة الجارية.
يحصي الحقوقي المصري الذائع الصيت عبد الرزّاق السنهوري في حواشي الأطروحة التي أعدّها في جامعة ليون الفرنسية في موضوع «الخلافة»، وفي لائحة المراجع الملحقة بها ما كان قد صدر إلى عام 1926 من كتب استثار حميّةَ مؤلّفيها القرارُ التركي. كان الأسرعَ إلى تناول القلم السيّد رشيد رضا الذي أنشأ كتاباً نشره في القاهرة في سنة 1923 أي حين كان إلغاء الخلافة لا يزال في طور المخاض غداة مؤتمر لوزان. ويضمّ هذا الكتاب الصغير الذي يذكره السنهوري مراراً ولكن من غير أن يقرّ بفضله عليه، أهمّ ما حملته أطروحة السنهوري الضخمة من وجهات نظر بصدد مقام الخلافة ومنطق شَغْلها وعملها وحدود سلطتها، ويتوصّل في خاتمته إلى صيغة وجيزة للاقتراح نفسه الذي فصّله السنهوري، وهو اقتراح مؤتمر إسلامي يُتْرك له موضوعُ الخلافة، وقد أراده السنهوري منطلقاً لـ»عصبة أمم شرقية». فكان أن عدّه مترجِما كتاب السنهوري تصوّراً مسبقاً لمنظمة المؤتمر الإسلامي التي أنشئت غداةَ حريق المسجد الأقصى سنة 1969 (أي بعد نيّف وأربعين سنةً كانت قد انقضت بعد جدال العشرينيات) وقد أصبحت تدعى اليوم «منظّمة التعاون الإسلامي».
على أن أشهر كتابٍ بقي الرجوع إليه يتكرّر دحضاً أو تأييداً منذ تلك الأيّام، إنما كان كتاب الأزهري علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» الذي صدر في سنة 1925وكان السنهوري واحداً من نقّاده. وقد تبع السنهوري في الردّ عليه أزهريّ آخر هو محمد الخضر حسين الذي أصبح أيضاً واحداً من مؤلّفين كُثُرٍ تناولوا كتابَ طه حسين في «الشعر الجاهلي» الذي صدر في السنة التالية. وفي لائحة مراجع السنهوري أيضاً نحصي كتاباً في الخلافة للاستقلالي الهندي بركة الله محمد، نشره بالفرنسية سنة 1924وكتابين في الموضوع نفسه لاثنين من المستشرقين، هما البريطانيان وليام موير وتوماس ووكر أرنولد وقد ظهر كتاب الثاني منهما في سنة 1924 أيضاً، فيما يرقى كتابُ الأوّل إلى ما قبل أزمة العشرينيات بنحو من عقدين. نحن، على الإجمال، حيال مكتبة صغيرة حفز تكوّنها في أواسط العشرينيات من القرن الماضي سقوطُ الخلافة، ويمثّل كتاب السنهوري، بما انطوى عليه من جهد في وصف بنية الخلافة وتتبّع أطوارها، واسطةَ عقدٍ فيها. أما المراجع التي يُكْثر السنهوري العودةَ إليها من أمّهات كتب التراث فأظهرُها «الأحكام السلطانية» للماوردي و»المقدّمة» لابن خلدون… لم ينقل إلى العربية من كتاب السنهوري الذي يعود الفضل في نقله المتأخر (سنة 1989) إلى صِهْرِه توفيق الشاوي وابنتِه نادية السنهوري سوى نصفِه الوصفي. ولقي نصفُه التاريخي إهمالاً علّله المترجمان تعليلاً غير مقنع بوجود مؤلّفاتٍ تغني عنه في المكتبة العربية! أما الأصل الفرنسي فيستفاد من ترجمة عربية لمقدّمة وضعها الأمين العامّ لمنظّمة المؤتمر الإسلامي للطبعة الثانية منه أن هذه الطبعة صدرت سنة 1992.. على أننا لم نتمكّن من الوقوف على أثر راهنٍ منها، حيث يفترض وجوده. لحسن الحظ، لا يزال يوجد من طبعة الكتاب الأولى نُسَخٌ في كبريات المكتبات الجامعية. والراهن أن الدالّة العائلية التي ادّعاها الصهر على الكتاب (ودالّة الصهر، والحميّ أيضاً، مألوفةٌ على ما هو معلوم، في موضوع الخلافة!) لم يُقْتَصر ضررُها على استبعاد نصف الكتاب من نسخته العربية، وإنما وصل منها رشاش إلى ما نُقِل منه أيضاً. فالصهر (الذي هو تلميذٌ للسنهوري أيضاً) يأذن لنفسه بأنواع شتى من التدخّل في النصّ من قبيل الردّ على فكرةٍ فيه أو تأويل أخرى أو نقل فقرة من الهامش إلى المتن، وهي أنواعٌ لا يعدّ بعضها مستحسناً.. كان للمترجم أن يعلّق على النصّ من دون تغييرٍ فيه. وهو لم يَحْرم نفسه هذا الحقّ فذيّل الكتاب بتعليقٍ من عنديّاته أبرز، على الخصوص، ما لقيه «المشروع» الذي ينتهي إليه الكتاب من تجسيدٍ لاحق. أما أن يستحسن للنصّ ما لم يستحسنه له صاحبُه…
في كلّ حال، نعوّل، من جهتنا، على الأصل الفرنسي لنعود، في عُجالتنا المقبلة، إلى فحوى الإسهام السنهوري في الجدال حول موقع الخلافة من الإسلام وما يراه هذا الفقيه طَوْرَين تبايَنا قيمةً ومدّةً في تاريخ هذه المؤسّسة.