المدوّنة

أحمد بيضون

Jul 23, 2016

قبلَ عشر سنواتٍ أو نحوها، أنشأَ لي صديقٌ خبيرٌ في حقل الاتّصالات «مدوّنةً» جعلْنا عنوانَ آخِر كتابٍ كان قد صدر لي اسماً لها. كان الصديق، مهندسُ الاتّصالات، صحافيّاً أيضاً أمضى ردحاً من حياته العملية محرّراً في وكالة من وكالات الصحافة العالَمية. وكان قد أنشأ لنفسه مدوّنة ظلّت، من بين المدوّنات، الوحيدة التي نشأت بيني وبينها أُلْفة. وكان قد تخيّر من قائمة العناوين في بريده الإلكتروني لا أكثرَ من عشرين اسماً راح يرسل إليهم الرابط كلّما نشر مقالةً في مدوّنته. عمليّاً كان قد عاد، وهو المتقاعد، يزاول مهنة المعلّق الصحافيّ لحسابنا وحدنا، نحن أصدقاءه العشرين. فلم يظهر من عَدّاد المتصفّحين في المدوّنة أنها تشهد حركة تصفّح يعتدّ بها تتجاوز نطاقنا نحن إخوان الصفا المنتخبين.
كان صاحبنا يمدّنا، بانتظام مدهش، بمقالة قصيرة، هي تعليق سياسي في الغالب، يبدو بجرْسِه العالي وسخريته القارصة، وكأنّه يثأر من حياد اللهجة الباردة التي كانت نصوص الرجل ملزمةً بها، ولا ريب، في سنوات عمله في الوكالة. وكان في هذا ما يشعِرُ كلّاً منّاً بمودّة واعتبارٍ خاصّين جدّاً يبذلهما له صاحب المدوّنة. فليس قليلاً أن تكون عضواً في جماعة ضئيلة العدد إلى هذا الحدّ يحصُر بها معلّقٌ محترف خلاصة رأيه كلّما استوقفه جديد في السياسة. وفي ما عدا السياسة، كان صديقنا، وهو ذوّاقة موسيقى وسينما أيضاً، يتحفنا، بين الحين والآخر، برابطٍ لعملٍ أوبرالي سامي المقام أو لفيلم من الروائع المخبّأة في الدهاليز من تاريخ السينما العالمية.
علّمني صديقي كيف أنشر نصوصي على مدوّنتي الجديدة ونشرت عليها فعلاً من المقالات ما قد لا يفوق أصابع اليد الواحدة عدداً. على أنني لم ألبث، لسببٍ ما قد يكون الاستغراق في عملٍ طويل النفَس، أن جَنَحتُ إلى نسيان المدوّنة. وقد راحَ نسياني إيّاها يطولُ إلى حدٍّ جعَلَ تفقّدها، حين كنتُ أتذكّر وجودها، بين سنة وأخرى، يقتضي منّي بعض التجوال، على غير هدىً تقريباً، في أدغال الشبكة وفَيافيها إذ كنت أكتشف أنني نسيتُ الرابط! كنت قد نسيتُ أيضاً كيف يُنقل مقالٌ بنصّه إلى المدوّنة!
والراجح أن هذا النسيان كانت علّته ضعف إقبالي، في تلك المرحلة وقبلها، على المقالة القصيرة: المقالة المشابهة، بانتسابها إلى حرفة التعليق الصحافي، لما كان مرشدي المذكور إلى عالم التدوين ينشره في مدوّنته. كنتُ أكتبُ مقالاتٍ يغلب من بينها النوع الطويل ذو الطابع الجامعي أو النَسَب البحثي ولا أزور الصحافة اليومية ولا الأسبوعية بمقالةٍ إلا لماماً. وهذا مع أنني كتبت، قبل دهرٍ، لأسبوعية تنظيم سياسي كنت في عداد أعضائه وطال ذلك سنتين وبعض سنة، ابتداءً من بزوغ سبعينيات القرن الماضي أو من عشيّتها، ولكن بلا انتظام. ثمّ كتبتُ لأسبوعية أخرى (مقالتين كلّ أسبوع!) بانتظامٍ كلّي مدّة سبعة أشهرٍ أو ثمانية بدأت مع شبوب الحرب اللبنانية وصاحبت استتباب الأمر لتلك الحرب في بيروت… إلى أن وضع حدّاً لتيّار حماستي هذا سكوتُ المجلّة إلى أبدٍ لا يزال مستمرّاً. ذاك زمن كان قد مضى وانقضى وفقدت بعدَه استعداد الصحافيّ المزاجيّ، المزكّي للانتظام الدوري في توليد المقالة. وهو استعداد لا أزالُ غير واثقٍ من تأصّلي فيه أو تأصّله فيّ حتى هذا اليوم.
فما أنا متأصّلٌ فيه، في الواقع، إنما هو المُهل الطويلة التي أقتطف منها أوقاتاً للكتابة ليست هي الأوقات المتاحة موضوعيّاً، على التعميم، بل هي الأوقات الموافقة لإقبالي النفسي، أي، على الأخصّ، لنضوج علاقتي بالموضوع… لذا أهملتُ مدوّنتي الأولى تلك. كان معظم مقالاتي، طويلها وقصيرها، قد أصبح مجموعاً في كتب. ولم يكن شاع نشر الكتب على الشبكة ولا بدت الكتب وحدها ملائمة لنوع «المدوّنة» هذا ولو صحبتها «أوراق» أو «مقالات» من الأنواع التي كنت أُعدّ معظمها إسهاماً في ندوةٍ أو في كتابٍ جماعيّ أو في عدد خاصّ من مجلّة شهرية… كان من شأن هذا كلّه أن يثمر عدداً محدوداً نسبيّاً من العناوين يتوزّع عدداً ضخماً من الصفحات. وهو ما كان من شأنه أن يكسب ظهور المدوّنة صورة الهجمة الكاسحة ثم لا تلبث أن يبدو عليها العياء إذ تصبح مضطرّة إلى انتظار يطول أسابيع أو أشهراً قبل أن يظهر فيها عنوانٌ جديد.
بديل آخر من المقالة القصيرة لم يخطر لي، في حينه، أن أعتمده مادّةً لمدوّنتي، وهو الخاطرة. وهذا مع أن المدوّنات قد تكون وُجدَت، في الأصل، لاستقبال الخواطر… أو قد يكون هذا النوع من النصوص أكثر الأنواع ملاءمةً لها، في الأقلّ. ولا أحاول تفسيراً لهذا الإهمال الذي عوّضته لاحقاً في الفيسبوك أيّما تعويض. فالواقع أن الفيسبوك أغراني، لمزيّةٍ خاصّةٍ به، بمزاولة ما سمّيته «سيرة للخاطر» أو باستيقاف «نُتَفٍ» من هذه «السيرة» بالأحرى. ومزيّة الفيسبوك، لهذه الجهة، هي أن ما قد نبذله فيه من جهد «الكتابة»، بمعنى الكتابة الاحترافي، لاستيقاف الخاطرة وإخراجها يلتقي جمهور قرّاءٍ فوريّاً. وهذا مختلف عمّا يحصل في المدوّنة التي يبدو نشر الخواطر فيها قريب الشبه بتدوينها في دفتر يوميّاتٍ سرّي أو شبه سرّي. بل إن النشر في الفيسبوك يبقى مختلفاً جدّاً حتى عن النشر في صحيفة وهذا أيضاً لجهة التأثير الذي تحدثه في النصّ فوريّة تلقّيه المنتظر من جانب جمهورٍ لا ينام!
أنشأتُ مدوّنةً إذن. فما الذي يرجوه صحافيّ متردّد (هو أنا) من اعتماد هذا الوسيط بينه وبين جمهور مفترض يبقى محتاجاُ إلى تعريف؟ وما مصير هذا الوسيط إذا انتكسَت صحافية الصحافي؟ أعود إلى هذا القبيل من الأسئلة في عجالتي المقبلة.

٭ كاتب لبناني

سوريّا: أرقامٌ لوصف ما لا يوصف

أحمد بيضون

Jul 13, 2016

أبقى مع الموقع الفرنسيّ الذي اقترَحْتُ ترجمةً لاسمه «شَرْح النزاع السوريّ للغشيم» وقد أوجزتُ، في عُجالتين سابقتين، عَرْضَه صورةَ المواجهة الجارية في سوريا أو شريطها وتعريفه أطرافَها في الميدان العسكري وفي المضمار السياسي. على أن ما هو أوقعُ من هذه التعريفات للعناوين من عسكرية وسياسية جملةُ أرقامٍ يقدّمها العرض يمنحها ما سبق سياقاً ولكنها تخلع حياد الأرقام البارد لتقول بأفصح لسان حقيقة ما حصل ويحصل لسوريّا وللسوريين.

250 ألفاً إلى 400 ألف سقطوا قتلى. بينهم 185 ألف مدني قتل النظام الأسدي 95٪ منهم ورُبْعهم من النساء والأطفال. 11000 معتقل وثّق تقرير سيزار المشهور موتهم تحت التعذيب، وقال المدّعي العامّ السابق للمحكمة الدولية الخاصّة بسيراليون إن صورهم «لم يشاهَد ما يناظرها منذ أوشفيتس». وكان مصدر هذه الصور ثلاثة مراكز اعتقالٍ لا غير من أصل خمسين منتشرة في أرجاء البلاد. 60000 مفقود ومليونٌ ونصف مليون من الجرحى. تركيزٌ في الفتك على الجسم الطبّي الذي فقد 654 من عناصره قتل النظام الأسدي 93٪ منهم فيما غادر البلاد 15000 آخرون.

26٪ من المشافي أصبحت عاجزة عن العمل و33٪ أصبح عملها متعثّراً جدّاً. هذا في بلاد يحتاج فيها 11 مليون نسمة إلى العناية الطبيّة و13 مليوناً إلى المعونة الإنسانية وقد عاودت الظهور فيها أمراض خطيرة كانت قد اختفت منها شلل الأطفال وحتى الكوليرا. أعمّ من هذا أن معدّل الولادات قد هبط بمقدار 50٪… وهو ما يفاقم ما بات مشهوراً من أن 4,8 مليون من السوريين قد غادروا البلاد وأن 7 إلى 8 ملايين منهم قد نزحوا في داخل البلاد فأصبح واحدٌ من كلّ اثنين من السوريين يقيم في غير مسكنه. هذا ويقدّر عدد المساكن المدمّرة بـمليونين ومائة ألف ويزيد عدد المدارس المدمّرة عن 7000. وقد باتت الكلفة المقدّرة لإعادة الإعمار تبلغ 300 مليار دولار.

وفي الاقتصاد، هبط الناتج الداخلي بمقدار النصف وتراجع إنتاج التيّار بمقدار 70٪ والإنتاج الزراعي بأزيد من 40٪ وبلغ معدّل البطالة 50٪ ومعدّل التضخّم السنوي 50٪. وارتفع سعر الدولار في السوق السوداء من 47 ليرة سورية تقريباً في مطلع سنة 2011 إلى 220 ليرة في ربيع 2015 ونحوٍ من 300 ليرة في السوق السوداء. وقد دان الاقتصاد السوري بنجاته من الانهيار الكلّي للدعم الإيراني الضخم بالدرجة الأولى… من جهة أخرى، تناوب النظام وداعش على ثروة سوريّا التراثية تدميراً وسرقةً لتمويل الحرب.

وأمّا تدبير السوريين معاشهم فلا يزال قريباً، في بعض وجوهه، من حاله المألوفة في المناطق التي يسيطر عليها النظام: إذ هم فيها بمنجاةٍ من القصف إجمالاُ ويفيدون من الخدمات العامّة من إدارية وتعليمية وصحّية ولكن يشكون تقطّع التيّار وقلّة المياه وندرة محروقات التدفئة وغلاء السلع الضرورية الفاحش. وأمّا في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة فتتبدّى ضراوة الحرب بصورها كلّها. فبعض هذه المناطق محاصر حصاراً مطبقاً وهي عرضة للقصف الذي بات الطيران الروسي طرفاً فيه.

وقد بقي فيها من لا سبيل له إلى الرحيل. وتُوزَّع مقوّمات الحياة اليومية وتنظَّم الخدمات الأساسية محلّياً وتمارَس نشاطات تجارية مشروعةٌ وغير مشروعة. وأشدّ ما تبلغه قسوة العيش حاصلٌ في المناطق التي تهيمن عليها داعش حيث تعاني النساء من العزل وتطبّق عقوبات التعذيب والإعدام بلا رويّة ويهيمن الجهاديون غير السوريين على مرافق الخدمة والسلطة.

ولا يوصف بغير القسوة ما يلقاه اللاجئون السوريون في المخيمات التي أنشئت لهم في الأقطار المحيطة. فها هنا ترزح على الوافدين شروط سكن وعيش مريرة وإن يكونوا يحظون بعناية منظّماتٍ مختلفة في ميادين الصحّة وتعليم الأطفال وعمل النساء. وهو ما لا يمنع النشاط المافيوي والاتّجار بالممنوعات والدعارة. هذا ويعدّ اللاجئون السوريّون ـ على ما سبق بيانه ـ بالملايين ويصل بعضهم إلى مقاصدهم الأوروبية (أو لا يصلون) بعد رحلات مروّعة. وتفيد الاستطلاعات أن أكثرهم يحلم بالعودة إلى سوريّا بلا نظامٍ أسدي ولا دواعش.

يتوجّه العرض في صفحاته الأخيرة إلى الفرنسيين مجدّداً موضحاً تعذّر الفصل ما بين الخلاص من نظام الأسد والخلاص من داعش إذ كلّ منهما يعوّل في «صموده» على الآخر. وأمّا المخرج من هذه النكبة الكبرى فيرى منشئو هذا الموقع بصيص أملٍ فيه متمثّلاً في اجتماع فيينا الذي انعقد في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 وقد خلا من السوريين وانتهى إلى خريطة طريق اعتمدتها أطرافه السبعة عشر ومعهم الاتّحاد الأوروبي والأمم المتّحدة… وهي قد نصّت على مساق يقوده السوريون بعد وقف النار ينتهي، في غضون ستّة أشهر، إلى جدول أعمال يؤول بدوره إلى وضع دستورٍ جديد. تبع هذا الاجتماعَ قرار من مجلس الأمن تقدّم بنصّه الأمريكيون والروس معاً وقضى بفتح محادثات في مطلع السنة الجارية بين الحكومة السورية والمعارضة ترسم مساقاً للانتقال السياسي حدّد القرار محطّاته: من الحكومة الانتقالية إلى الدستور فإلى الانتخابات الحرّة في غضون 18 شهراً.

على أن هذا القرار لم يفتتح مرحلة هدوء بل أجّج القتال في ما بدا تسابقاً إلى تحسين المواقع الميدانية تمهيداً للتفاوض. ذاك ما عمدت إليه، على الخصوص، قوّات النظام يدعمها سلاح الجوّ الروسي. وهو ما يعزّز الخشية من أن يكون أفق السلام قد أخذ ينأى عن المتناول مرّةً أخرى. هذا الأفق يتعذر إدراكه، في كلّ حال، إن لم يحمل، في ما يتعدّى مساومات لا بدّ منها، إنصافاً لشعب أراد الحريّة والكرامة والعدل.

ذاك ما تراه منشئات هذا الموقع وقد جهدنا في تقديم اللُباب من مضمونه وما زلنا نرى، مع ذلك، فائدة في وضع نسخة عربية تامّة منه في تصرّف المتصفّحين تجاور النسختين الفرنسية والإنكليزية. وذاك أن «الغَشامة» ليست حكراً على الناطقين بلغتي موليير وشكسبير بل هي واسعة الانتشار بين الناطقين بلغة أدونيس…

لم يبق علينا، من بعدُ، غير أن نشكر على هذا الإنجاز، موقّعاته وهنّ إيزابيل هوسر وهالة قضماني وآنييس لوفالوا وماري كلود سليك ومانون نور طنّوس. جميعهنّ نساء وقد يكنّ أَوْلى، بصفتهنّ هذه، بالتحسّس المستتمّ الأبعاد لنكبة السوريين.

٭ كاتب لبناني

2

سوريا الحرب والثورة: أطرافٌ وذيول

أحمد بيضون

Jul 05, 2016

أعود إلى الموقع الفرنسيّ http://www.leconflitsyrienpourlesnuls.org أي «شرح النزاع السوري للغَشيم» وأتوقّف عند عرضه الأطراف السياسية الضالعة في الحرب السورية. يبدأ العرض من النظام فيقابل ما بين الصور الغربية المتعارضة لبشّار الأسد وما في «حداثته» و«علمانيته» و«حمايته للأقلّيات» من غشّ جسيم. ثم يستطلع غاية النظام من الحرب وعوامل صموده وإمكان استعادته نوعاً من الشرعية… ولا يفوته، في هذا المساق، أن يختم التعريف بالنظام برسمٍ بياني يوضح أن 9025 مدنيّاً قتلوا في سوريّا في النصف الأوّل من سنة 2015 وأن نصيب النظام من هذه المقتلة كان 87,5% فيما تولّت داعش بقيّتها أي 12,5% لا غير. هذا تنبيه يفترض أن يكون له وقع خاصّ على أوروبيين باتوا نزّاعين، بعد الضربات التي تلقّوها من داعش، إلى المفاضلة بين هذه الأخيرة والنظام الأسدي والسؤال عمّا إذا لم يكن سائغاً لهم التعويل على النظام في مواجهتهم إرهاب «الدولة»…
وأمّا المعارضة السياسية في سوريّا فيسجّل العرض عجزها عن الاستواء بديلاً للنظام والوقع الثقيل لهذا العجز على أفق الصراع كلّه. يذكر الاستعراض أسباباً لهذا العجز: من طول إقامة السوريين خارج كلّ مراسٍ سياسي إلى ما يقابل ذلك من تعقيد في الصراع يوجب تمرّس الخائضين… فإلى ما هو معلومٌ من تشرذمٍ ومن خضوع للتجاذب الخارجي… أهمّ من ذلك أن العرض لا يفوته، ههنا أيضاً، ما يفوت كثيرين: وهو أن كثرةً من السوريين قد طلبت الخلاص من نظام الأسد وأن حَمَلة هذا الطلب بقي منهم، على الرغم من الثقل الساحق للقمع ولسائر المعوّقات، قوىً معتبرة تشهد بتضحياتها وبمواقفها لاستمراره. من هذه القوى يذكر العرض منظّمات المجتمع المدني الكثيرة الصامدة، في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وعناصر الدفاع المدني الشجعان والمجالس المحليّة التي تدير حياة الجماعات اليومية والمثقفين على اختلاف فروع الحرفة… هذه الحلقة يختمها الاستعراض بعودةٍ إلى داعش توضح ضعف ما لقيه انتشارها من مقاومة من جانب النظام وحلفائه بالقياس إلى ما لقيته من قمع قوىً سلمية وأخرى مسلّحة أبدت ولاءً للخيار الديمقراطي.
هذا الضعف لم يباشر تعويضه سوى انتقال الصراع الإقليمي الدولي على سوريّا إلى داخل البلاد واتّخاذه وجهاً عسكريّاً مباشراً على أرضها. وهو ما جعل التصدّي لداعش والتنافس فيه مدخلاً من مداخل اعتمدها كلّ من الأطراف الخارجية لتسويغ وجوده في الميدان السوري ورسم موقعه في الصراع. وهذا مع العلم أن زيادة الخشية الدولية المباشرة من داعش، بعد ما نفّذته هذه الأخيرة من ضرباتٍ في بلادٍ بعيدةٍ عن سوريّا والعراق، هي وحدها ما رفع حدّة التصدّي لها إلى درجة أصبحت مرجّحة التأثير في صمودها.
وإذ يستكمل العرض بهذا عناصر الصورة الداخلية يعكف تباعاً على النطاقين المتبقّيين من الصراع: الإقليمي والدُولي، وهما ظاهرا التشابك. يذكر وقع اللجوء السوري على أقطار المحيط: على تركيا التي تستقبل مليونين ومائتي ألف، على لبنان الذي يستقبل مليوناً ونصف مليون، على الأردن الذي يستقبل 800 ألف، على العراق الذي يستقبل 245 ألفاً، على مصر التي تستقبل 137 ألفاً… هذا الوقع يشخّص العرض بإيجاز كليّ تغايره بين كلّ من هذه الدول والأخريات، وذلك تبعاً لتغايرها من وجوه عدّة.
بعد ذلك، يأتي السؤال: مَن يدعم مَن في سوريّا؟ ولا مفاجأة في الأجوبة: إيران تدعم النظام الأسدي دعماً متعدّد الوجوه وحزب الله اللبناني الموالي لها (فضلاً عن ميليشياتٍ أخرى مشابهة) ضالع في القتال بجانب قوّات النظام. تريد إيران حفظ التواصل الاستراتيجي في الخطّ الممتدّ من طهران إلى بغداد فإلى دمشق وبيروت. وتريد منع نظام سنّي ينضمّ إلى المحور المناوئ لها في المحيط من الاستقرار في دمشق. وأما دول النفط الخليجية فأخذت علماً بكون واشنطن لا ترى أولوية، في ما يتعدّى التصريحات، لدعم قوى الثورة السورية وهو ما عرفته تركيا أيضاً. وكانت السعودية وقطر قد بادرتا سريعاً إلى دعم مقاومي النظام، وبغيتهما الحدّ من توسّع النفوذ الإيراني. ولكن هذا الدعم رزحت عليه قيود وأفضى استقلال كلّ من طرفيه بأهدافه إلى زيادة الانقسام في صفوف المدعومين. وهذا تنافس تراجع وقعه بالتدريج لصالح الدور السعودي وهو ما جعل اجتماع المعارضة السورية في الرياض، في كانون الأوّل 2015، تمهيداً لاستئناف محادثات التسوية في نيويورك، أمراً ممكناً.
يبقى، في النطاق الإقليمي، موقف إسرائيل. يسترجع العرض ما وجّهته الأخيرة من ضربات إلى مراكز أبحاث عسكرية سورية وإلى قوافل لحزب الله مستدلا بذلك على المتابعة الدقيقة لمجريات النزاع ولكن من غير تأثيرٍ ذي أهمّيةٍ في مجراه. ذاك مظهر من مظاهر الخلاف القائم في إسرائيل بين مفضّل لبقاء النظام الأسدي الذي كان قد اثبت مدّة عشرات من السنين حرصه على هدوء الحدود مع إسرائيل ومحبّذ لنشوء نظام للجهاديين السنّة في دمشق يعزل حزب الله ومن ورائه إيران.
في المضمار الدولي، ينوّه العرض برغبة بوتين في استعادة ماضي النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط وبحرصه على بشّار الأسد حليفاً وحيداً باقياً له في هذا المقلب وزبوناً أوّل. وهو ما تعزّزه الخشية الروسية الداخلية من تنامي قوّة الإسلاميين. ذاك ما ظهر، على الخصوص، في دعم النظام الأسدي بالفيتو الروسي تكراراً في مجلس الأمن ثم نقل الدعم الروسي، ابتداءً من أيلول 2015، إلى مرحلة الدخول المباشر في حربٍ جوّية تذرّعت بمقاتلة الإرهاب ولكنّها شملت سائر الفصائل المعارضة للنظام وانتشلت هذا الأخير من ضائقة عسكرية وسياسية كانت تزداد شدةً.
يلي هذا استذكارٌ لأطوار الموقف الأمريكي: من التراجع، في آب 2013، عن اعتبار واقعة القتل الجماعي لـ 1700 مدني بالسلاح الكيماوي خطّاً أحمر إلى إعلان أوباما، في أواخر العام التالي، افتقار الولايات المتحّدة إلى إستراتيجية سورية. وهو ما استوى إجازة بالقتل للنظام الأسدي لم يستثن من بين أدواتها البراميل المتفجّرة المشحونة بغاز الكلور. هذا الاستنكاف الأمريكي لم يكن له أن يشمل الظاهرة الجهادية. فكان أن أطلق إقدام داعش على الإعدام الوحشي لمواطنٍ أمريكي حملة قصف جوّي لهذا التنظيم صحبها تراخٍ متدرّج في واشنطن لمعارضة التصوّر الروسي للحلّ السياسي المقبول في سوريّا…
يعرّج العرض بعد ذلك على الانقسام الأوروبي بصدد الأزمة السورية وينوّه بما تولّته فرنسا من متابعةٍ إيجابية لمحطّات النزاع انتهت إلى الرفض المزدوج للأسدية والداعشية باعتبارهما لا يضمنان سلاماً في سوريّا. على أن تصريحاً من الأمين العامّ للأمم المتحدة، في خريف 2015، استثنى فرنسا من لائحة دولٍ (عددها خمسٌ) اعتبرها ممسكة بمقاليد النزاع السوري…
يبقى، في نهاية المطاف، أن مثابرة النظام الأسدي على موقفه الاستئثاري لا تزكّي حلا قريباً للأزمة. فما تزال المبادرات المتتابعة تخبو وتتبدّد. وما يزال المندوب الثالث للأمم المتّحدة يعدّ جولة محادثات جديدة (لا تستثنى منها إيران هذه المرّة) من غير ظهور تغييرٍ يزكّي الأمل في تثبيت سكّةٍ لحلّ سياسي.
ولكن ما الذي حصل للسوريّين ولسوريّا فيما لا يني أفق الحلّ يبتعد أو يأبى أن يقترب؟ ذاك هو السؤال الأَوْلى بالعناية… ونستطلع، في عجالتنا المقبلة، ما يقترحه الموقع الفرنسيّ جواباً عن هذا السؤال إذا طرحه «غَشيم»…

٭ كاتب لبناني

«شَرْحُ النزاع السوري للغَشِيم»

أحمد بيضون

Jun 29, 2016

«شيءٌ معقّدٌ، سوريّا!»… لفرط ما تُسمع هذه العبارة في فرنسا ـ على ما يظهر ـ صَمّم نفرٌ من ذوات المعرفة بسوريا من فرنسيّات وسوريّات مقيمات في فرنسا أن يسهّلن فهم النزاع الجاري في سوريا على من يرغب في هذا الفهم مهما تكن مَلَكةُ فهمه ضعيفة. عليه اعتمدت صاحبات هذا العمل عنواناً لعملهن «شرحُ النزاع السوري للغشيم»….
وهذه حالةٌ من حالات يتبيّن فيها أن إفهام الغشيم يقتضي من جانب من يحاوله فهماً ومَلَكة فهمٍ رفيعين.
تتوزّع المؤلّفات ما بين صحافيّات وجامعيّات يشتركن في همّ المتابعة الدائبة لتطوّر الأحداث في سوريّا ومحيطها. وهنّ قد أنشأن لعملهن هذا موقعاً خاصّاً على الشبكة مبتغيات التمكّن من تحديثه كلّما لزم الأمر. وقد رتّبنه كأحسن ما يكون الترتيب في مقدّمة قصيرة وخمسة فصول وخاتمة وأوجزنَ فيه ما أمكن الإيجاز. ولم يخفين أن وصول ذيول العنف الجاري في سوريّا إلى فرنسا هو ما وَسَم بميسم الإلحاح حاجةَ الفرنسيين إلى صورة واضحة لما هو حاصلٌ في تلك البلاد. وهنّ صرّحن بأنهن غير محايدات بل هنّ منحازاتٌ إلى حقّ السوريين في الديمقراطية ولكنهن، مع ذلك، يُرِدْن تقديم الوقائع بموضوعية ويجهدن للنأي بما شئنَه عرضاً بسيطاً بمعنى السهولة عن التبسيط بمعنى الابتسار. ويقع القارئ مراراً في العرض كلّه على ما يدعم هذه الدعوى ويطمئنه إلى شمول الإلمام بالمواقف والوقائع وإلى صدقيّة المصادر المختارة.
بعد تعريف موجز جدّاً بالبلاد وبالمرحلة المعاصرة من تاريخها، يخلص الفصل الأوّل إلى تسجيل وجاهة الدواعي التي دعت السوريين إلى التظاهر في الشوارع، في «حمّى الربيع العربي»، وينوّه بالسلمية التي أقام عليها المتظاهرون أشهراً ويذكر مثابرة النظام، في هذه الأثناء، على مواجهة التظاهرات بالرصاص وبالاعتقال الواسع النطاق والتعذيب، وهذان لم يستثنيا الأطفال بل بدآ بهم. هذا كلّه يشهد به إحصاءُ الأمم المتحدة 5000 قتيل في سوريا مع انتهاء العام 2011.
ثم كان أن تسلّحت الانتفاضة. وهذا خيار لا يزال الخلاف قائماً في صواب الإقدام عليه، ولا يستثنى من الخلاف المعارضون، وإن يكن داعي الدفاع عن المتظاهرين وعن الأحياء والقرى الثائرة واضحاً في منطلقه. في 31 تمّوز/يوليو 2011، أعلنت أوّل دفعة من الضبّاط انشقاقها ولم يكن في حوزة هذا «الجيش السوري الحرّ» سوى السلاح الخفيف ولكن النظام ردّ على ظهوره باتّخاذ المدفع سلاحاً للقمع خَلَفاً للبندقية.
يفضي الجدال في صواب الخيار المسلّح إلى آخَرَ في طبيعة الحوادث الجارية بعده: هل هي «ثورة» (باعتبار توجّهها إلى إنهاء دكتاتورية طال العهد بها أزْيَدَ من 40 سنة؟) أم هي قد انقلبت إلى «انتفاضةٌ مسلّحة»؟ أم ان المواجهة بين قوى من أهل البلاد جعلت منها «حرباً أهلية»؟ أم ان عدم التناظر بين قوى النظام المسلّحة، بطيّاراته ودبّاباته ومدافعه، والقوى الثائرة عليه، بتسليحها المحدود، قد انتهى إلى جعل هذا النزاع «حرباً على المدنيين»؟
وعلى نحوِ ما يخيِّر العرضُ الذي نحن بصدده مستشيرَه بين سائر التسميات المتباينة للنزاع الجاري، وهي تحدّد له طبائع مختلفة، لا ينكِر البعدَ الطائفي لهذا النزاع. لا ينكره ولكن ينوّه بالحضور المفرط لطائفة الرئيس العلوية، والعلويون قرابة 10 ٪ من سكّان البلاد، في الجيش وفي شبكة الأجهزة الأمنية: أي في الآلة المستحوذة على لُباب السلطة.
بعد ذلك يؤرّخ العرض لفقدان النظام سيطرته على مناطق متزايدة الاتساع من البلاد وعلى مدن وأقسام من مدن. ويذكر إنشاءَ «المجالس» المكلّفة إدارة الشؤون اليومية للجهات المحرّرة. ويذكر وصولَ التمرّد إلى الحدود التركية وما أتاحه ذلك من تسهيل لإمداد الثوّار ولكن أيضاً لبدء وصول المقاتلين غير السوريين إلى البلاد. ويذكر كذلك قصف الطيران يوميّاً للمناطق الخارجة عليه وما تسبّب به ذلك من قتل ودمار ومن نزوح للسكّان بعشرات الألوف.
تغيّرت الحال كثيراً عمّا كانت عليه في سنة 2011. تراجعت اللغة الديمقراطية في معظم صفوف الفصائل المقاتلة أو انقلبت إلى نقيضها. وبقيت هيئات المجتمع المدني فاعلةً ولكنّ كثيرين من عناصرها استهدفهم القمع الضاري وأبعدهم أو قضى عليهم.
وفي ميدان القتال، يحصي العرض قوىً أربعاً تتواجه في الميدان: أولاها القوى النظامية وأحلافها من المليشيات غير السورية وفي يدها ما لا يتعدّى ثلث مساحة البلاد ولكن هذا الثلث يشتمل على معظم ما يسمّى «سوريا المفيدة». وهي تعوّل على الطيران وعلى الحوّامات وبراميلها المتفجّرة وتستهدف، بخلاف مزاعمها الدعاوية، مناطقَ المعارضة السورية المسلّحة أكثر بكثير ممّا تستهدف مواقع داعش. ثانيتها فصائل المعارضة المسلّحة وقد تراجع في صفوفها حضور الجيش الحرّ وقوي نفوذُ المجموعات ذات الصبغة الإسلامية بإملاءٍ من مصادر الدعم الخليجي المنشأ. تتركّز سيطرة هذه الفصائل في شمال البلاد القريب من الحدود التركية بما في ذلك ما يزيد عن نصف مدينة حلب. إلى ذلك، تهيمن الفصائل نفسها على الأحزمة الريفية لمدن رئيسية أخرى بما في ذلك غوطة دمشق. هذا كلّه يتعرّض لقصف أخذ يشترك فيه الطيران الروسي ابتداء من خريف 2015 وقد نزح من هذه الجهات جانبٌ ضخم من السكّان توزّع بين داخل البلاد وخارجها. ثالثة القوى «الدولة الإسلامية» المعروفة بـ»داعش» و80٪ من عناصرها ليسوا سوريين بل تقاطروا إلى سوريّا من أنحاء مختلفة من العالم. وهي ذات برنامج محوره إحياء الخلافة فيفيض كثيراً عن معارضة النظام الأسدي ويتّسم بوحشية وسائله. وهي قد غدت اليوم في موقع الدفاع بعدما تضافرت لضربها أسلحة طيران التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وقد انضمّ إليها سلاح الجوّ الروسي في خريف السنة الماضية. القوة الرابعة هي القوة المسلّحة الكردية وهي توالي حزب العمّال الكردستاني بزعامة أوجلان. ولا تعدّ هذه القوّة معارضة للنظام الأسدي ولا تعترف المعارضة السياسية بانتسابها إليها بل تعوّل على «المجلس الوطني الكردي» لتمثيل الأكراد. وأما القوة المسلّحة فتقصر همّها على السيطرة على المناطق الكردية وتحقيق الاستقلال الذاتي. غير أنها اضطلعت بدور بارز في مواجهة التوسع الداعشي وقاتلت مع فصائل من الجيش الحرّ لإخراج داعش من بلدة تلّ ابيض ومحيطها وأفادت من دعم التحالف الدولي لها بالقصف الجوّي وبالتسليح خلافاً للإرادة التركية.
من هذا التعداد لقوى الجبهات ينتقل العرض إلى تعريف للأطراف السياسية ولمواقعها في الصراع ومقاصدها منه. ويقتضي منّا الإلمام بهذا التعريف وقفةً أخرى مقبلة…

٭ كاتب لبناني

حرّية المخيّلة وتكوّنُ اللغة

أحمد بيضون

Jun 25, 2016

لنُشر بادئَ بدءٍ إلى أن كلام القدماء من لغويي العربية في «التوقيف» و«الاصطلاح» إنما ينتمي إلى البحث في «أصل الكلام». ويجوز ـ ولو بدرجة من الجزم أدنى ـ أن نُدرج في هذا الباب نفسه افتراضَهم معنىً مشتركاً للألفاظ المشتقّة من المادّة اللغوية الواحدة. وكانت «الجمعية اللغوية» في باريس قد حرّمت على أعضائها، سنة 1866، في المادّة الثانية من نظامها، نشْرَ الأبحاث في مسألة «الأصل» هذه موحيةً بإدراج الدفق السابق لهذا العهد من الأبحاث المشار إليها في باب اللغو العقيم. وكان هذا التحريم منسجماً تمام الانسجام والمناخ «العِلْمَوي» لتلك المرحلة…
حتى إذا عُدنا إلى قول فرديناند دو سوسور بـ«تحكّمية العلامة» اللغوية، وهو القول الذي اعتُبر مؤسّساً للألسنية الحديثة وللبنيوية، على الأعمّ، في آنٍ معاً، لم يسعنا أن لا نراه جارّاً ذيولَ هذا التحريم. وكان علينا، في كلّ حالٍ، أن نلاحظ فارقَين، على الأقلّ، بين طرحِ سوسور هذا، وهو يصرّح بتعذّر البحث في أصل الكلام، وطرح علماء العربية القدماء، وعلى الأخصّ منهم أصحابُ القول بالاصطلاح أساساً لتكوين اللغة.
الفارق الأوّل أن الهمّ اللاهوتي غائب عن الألسنية المعاصرة وأن الاصطلاح تحكمه الفوارق التي تنتظم بها الحقول الدلالية. والفارق الثاني أن المبدأ السوسوري يضع في الصدارة واقعةَ كثرة اللغات، وهذه واقعة تبقى هامشية، إلى هذا الحدّ أو ذاك، في طرح علماء العربيّة من القدماء الذين يجيز لهم نَفَسُهم الديني أن يفترضوا وجودَ أصلٍ واحد للّغات المختلفة أو لغةٍ لآدم..
وقد كان علينا حين عرضنا (في عملٍ قديمٍ أشرنا إليه سابقاً) لمُشْكل العلاقة بين مباني الألفاظ الصوتية ومعانيها، في حالة العربية، أن نواجه ما عرضه لغويّو العربية من وقائع لا يجوز الإعراض عنها، بلا إمعان نظر، كُرْمى للمبدأ السوسوري. وقد وجدنا مخرجاً لواقعة تعدّد اللغات لا يفرض إطـــــلاق القول بتحكّمية العلاقة، أي بغياب الشبه، بين الدالّ والمدلول. يتيح هذا المخرجَ إدخالُ المخيلة أو «القوّة الواهمة» طرفاً رئيساً في عقد الصلة بين بُعْدَي العلامة هذين. وذاك أننا لم نجد سبباً لاستثناء العلامة اللغوية من حكم الصلة التي تغلب على أنظمة علاماتٍ غير لغوية يجترحها البشر ويدرسها ما أطلق عليه المحْدَثون اسم «العلاميّات العامّة»، ويعتبر سوسور مؤسّساً له أيضاً.
فهل يصحّ مثلاً افتراضُ التحكّمية في العلاقة بين الضوء الأحمر، بما هو دالّ، وفرض الوقوف بما هو مدلول؟ أم أن نوعاً من الشبه قائمٌ بين تصوّرنا لونَ النار والدم، من جهة، وتصوّرنا الخطَرَ الذي ينطوي عليه خرقُ نظام السير، من الجهة الأخرى؟ وإذا قيل إن الصين الثورية جعلت الأحمر لوناً يجيز مواصلة السير فإن ذلك يؤكّد القاعدة مع التشديد على ما تبديه المخيلة من خصوبة في التزامها. وذاك أن الأحمر، في الصين، لون الثورة، وأنه، بهذه المثابة، قرين لا للخطر، بل للإقدام وللسلامة والحصانة.
عليه لا يكون علينا أن نعتبر العلامة اللغوية تحكّميّة، بمعنى الكلمة المطلق، لتفسير تعدّد اللغات، بل يكون علينا أن نفترض لا الشَبهَ بل ما سمّيناه «توهُّم شَبه» بين الدالّ والمدلول. والحال أن التوهّم، ومعه ما يترتّب عليه من تكثيرٍ للخيارات، لا بدّ له أن يعرو الشَبه حين يُطلب الشَبهُ ببن سلسلةٍ صوتية محدودة هي اللفظ وتصوّرٍ تسمّيه هذه السلسلة ولا يكون منتمياً إلى المسموع أو لا يكون منتسباً إلى عالم الحسّيات كلّها أصلاً. في هذه الحالات ـ بل في جميع الحالات، في الواقع ـ ينتمي الشَبه إلى دائرة المَجاز لا إلى دائرة الحقيقة. وهو ما حملنا على تسمية الدرس الذي يُفترض أن يتناول العلاقة بين الدالاّت والمدلولات، في هذا الإطار النظري الذي نقترح، «عِلْم المَجاز الصوتي».
ولنكرّر القول إنه حيث يدخل التوهّم تصبح الممكنات غير محدودة ويتيسّر لكلّ لغة أن تُدرج في نظامها ما تكتنزه من حالات التوهّم تلك ويغدو ممكناً تكاثرُ اللغات على قدْرِ ما تسع المحيّلة. يبقى صحيحاً أن «توهّم الشبه» الذي يبدو واضحاً في الألفاظ التي تسمّيها العربية «حكاية صوت»، مثلاً، لا تدركه الأذن، في غير هذه الفئة من الألفاظ، بدون عناءٍ في البحث، على الأغلب، ولا يتتبّعه السامع بلا حفرٍ وتنقيب. وذاك أن نموّ اللغة وتحوّلاتها تتحكّم فيها عواملُ متنوّعة ليس «توهّم الشَبه» سوى واحدِ منها وأن هذه العوامل تتغالب ويطغى بعضٌ منها على بعض. أيسر مثالٍ لذلك ما يسمّى «الاستثقال» وهو يفضي إلى إبدال صوت بصوت في الكلمة المنطوقة (وحرفٍ بحرف في المكتوبة، تبعاً لذلك) تيسيراً لنطقها. فمثل هذا لا يدخل تحت عنوان «الاصطلاح»، ناهيك بأن يدخل تحت عنوان «التحكّم». وإنما ينتمي إلى فئةٍ أخرى من فئات العلل التي تتحكّم في تطوّر اللغة. وهذه فئات عدّة يتشكّل من البحث فيها وتتبّع آثارها المتشابكة تاريخ اللغات.
بقي أن نشير أخيراً، ولو متعجّلين، إلى ما في هذا كلّه من سياسة. فإن فرضية «التوقيف»، مثلاً، مبطلة للحرية في العلاقة ما بين الناطقين باللغة ولغتهم. وكذلك شأن التقييد الذي يفترض لزومَ شبهٍ وحيد الوجه ما بين الدالّ والمدلول. وأما ما يردّ الحرية ويفتح أبواب الإبداع على مصاريعها، من غير معاندة لوقائع كثيرة تزكّي مبدأ «الشبه» سجّلها علماء العربية، فهو إيكال أمر العلاقة بين الدالّ والمدلول إلى المخيّلة. لا تنهض كثرة اللغات حجّةً في وجه هذا الخيار. فهو لا يبطل التحكّمية من أصلها وإنما يبدّل من معناها ومن طبيعتها إذ يبيح تقبّلها ما توحي السوسورية باعتباره نقيضاً لها: أي ضرباً غيرَ محدود المحتمَلات من الشبه بين الدالّ والمدلول آلتُه المحيّلة وعمادُه حرّيةُ التخيّل… أو أن هذا ما استقرّ عليه بحثنا المتواضع، في الأقلّ.

٭ كاتب لبناني

اللغة أيضاً: ما وراءَ «التوقيف» و«الاصطلاح»

أحمد بيضون

Jun 20, 2016

■ حين نفتح «معجم مقاييس اللغة» لابن فارس على مادّة من الموادّ التي تتعاقب فيه معالجتها (أي على ما أصبحنا نسمّيه «جذراً» من جذور اللغة)، نقع فيه على شيء مختلفٍ عمّا اعتدنا الوقوع عليه في المعاجم القديمة الأخرى. فهو لا يبدأ معالجته المادّة بتعريف المصدر أو الفعل الوحيد أو الأشهر من بين الأفعال المأخوذة منها، أو الاسم أو غير ذلك من المشتقّات. وإنما يعمِد أوّلاً إلى تعريف المادّة نفسها مبتدئاً بتعداد حروفها الثلاثة (إن كانت ثلاثية) بدون إدراج هذه الحروف في لفظ بعينه ومتخلّصاً من هناك إلى تعيين معنىً عامّ واحد (أو معنيين اثنين في بعض الحالات) تعريفاً للمادّة يفترض أن يظهر له أثرٌ محقّق في مشتقّاتها كافّة.
ويشير عبد السلام هارون، محقّق «المقاييس»، في تقديمه لهذا المعجم إلى اعتماد ابن دريد (وهو معدود بين شيوخ ابن فارس) خطّة مشابهة لخطّة هذا الأخير وذلك في كتابه المشهور «الاشتقاق». ولكن كتاب «الاشتقاق» هذا مؤلّف في أعلام الرجال والقبائل وما متّ إليها بصلة، على التخصيص، يبتغي تأصيلها في العربية وليس مؤلّفاً في متن اللغة عموماً.
وفي زمن ابن فارس، ارتأى ابن جنّي (وهو من مجايليه) أن يوسّع نطاق البحث عن المعنى المشترك أو الأعمّ من المادّة الواحدة إلى جملة «التقاليب» التي تحتملها الحروف الثلاثة لهذه المادّة (إن كانت ثلاثية)… فخلص في كتابه «الخصائص» إلى وجود معنى مشترك للتقاليب الستّة التي تحتملها حروف الكاف واللام والميم مثلاً، يظهر أثره في معاني سائر الألفاظ التي تشتقّ من تلك التقاليب أي من «ك ل م» و»ك م ل» و»م ل ك» و»ل ك م»، إلخ. وقد أطلق اسم «الاشتقاق الأكبر» على هذا التوليد لألفاظ اللغة، لا من توالٍ بعينه لحروف المادّة أو الجذر، بل من كلّ توالٍ تحتمله هذه الحروف نفسها فتتشكّل منها، قبل الألفاظ المتحقّقة في الاستعمال، جملة محدودة من الموادّ المولّدة لتلك الألفاظ. على أن ابن جنّي الذي كان يتابع آخرين سبقوه فيبسط ما جاؤوا به موجزاً متناثراً وينظّمه، لم يفترض الاطّراد في وجود معنىً مشترك مجرّد ينتظم فيه كلّ مجموع من مجاميع الموادّ تلك، وإنما كان حَسْبه ان يكون ذلك كثيراً في اللغة.
ترامت هذه الأطوار في نظرية تكوّن اللغة على مدى القرن الرابع للهجرة: من كتاب «الاشتقاق» في أوائل القرن (أو في أواخر الثالث) إلى «معجم مقاييس اللغة» وكتاب «الخصائص» في أواخره… وفي عصرنا الحاضر، أقدم لغويّ مجدّد هو عبد الله العلايلي على تجاوز القول بوجود معنى مشترك بين مشتقّات المادّة الواحدة أو أيضاً بين الموادّ المتولّدة من تقليب الحروف المشكّلة لأيّ منها… تجاوز العلايلي هذين القولين إلى القول بوجود معنى يمكن تعرّفه لكلّ من حروف الجدول الهجائي بمفرده واستخرج بالفعل جدولاً لمعاني حروف العربية. ومع أن قـــــدماء اللغويين ألّفوا في «معاني الحروف» فإنهم كانوا يريدون «حروف المعاني» (العطف، الجرّ، إلخ…) فيرشدون إلى معانيها للتفادي من الخطأِ في استعمالها. ولم يكن مرادهم القول بمعنى مطّرد في اللغة لكلّ حرف من حروف الجدول الهجائي ولا القول بصلة ما بين هذا المعنى المفترض ومخرج الحرف في آلة النطق.
وما ينبغي التنبيه إليه ههنا هو أن عدم اطّراد الظاهرة، سواء أكانت معنىً قارّاً لحرفٍ منفرد أم معنى مشتركاً لمشتقّات مادّة أو لجملة موادّ، لا يُطعن في دلالتها إذا كثر التكرار بحيث يزكّيها. كذلك لا يعني إفراد الحرف الواحد بمعنىً مستقلّ أن إدراجه المنتظم في بنى الألفاظ المختلفة لا يعدّل من نصيبه في التشكيل الصوتيّ لكلّ منها، بل إن المعنى المفرد للحرف، في هذه الحالة الأخيرة، يُفترض أن يكون قد استُنبط بالتدريج من أمثلة كثيرة متنوّعة اختلف فيها موقعه وحركته وعناصر محيطه.
ليس هذا، في كلّ حالٍ، مقام الجدال في صواب المنحى الذي رسمته هذه المحاولات أو بطلانه. فهذا جدالٌ عويصٌ لا تسعه هذه العجالة. وإنما نبتغي التخلّص إلى ذكر مصبّات متعدّدة لهذا الجدال تتنافس في الخطورة.
وكان قد ظهر منها عند اللغويين القدماء، الذين لم يكن أيّ منهم، يخلو من عناية بالكلام وبالفقه، مصبّ كلامي. فإن هذا التأمّل في نظام العلاقة بين ألفاظ اللغة ومعانيها (أو بين الدالاّت والمدلولات، على ما أصبح يقال في أيّامنا) لا ينفكّ عند القدماء من علماء العربية عن جدالٍ آخر عاصره بين «أهل التوقيف» و«أهل الاصطلاح»، أي بين الذين قالوا بأن اللغة مخلوق أنشأه الذي «علّم آدم الأسماء كلّها» والذين قالوا بأنها تواضع واصطلاحٌ بين البشر.
وكان ابن فارس، مثلاً، من القائلين بالتوقيف فيما بقي ابن جنّي يصرّح بتردّده بين الموقفين. ولا غرو أن تكون مسألة «خلق القرآن» الذي قال به المعتزلة وقال خصومهم من الأشاعرة بخلافه في موقع القلب من هذه المناظرة. وقد كان ابن جنّي مثلاً ذا ميلٍ معتزلي. ويوحي ترجّحه بين موقفي «الاصطلاح» و»التوقيف» بأن المذهب الكلامي لا يحسم السؤال المتعلّق بأصل اللغة وإن يكن كلّ منهما مؤثّراً في الآخر.
لا يتخلّص البحث اللغوي هنا من البحث الكلامي إذن وإن لم يكن الأخير كليّ التحكّم في مآلات الأوّل. وقد كان علينا أن ننتظر قروناً لنرى الألسنية الحديثة تتأسّس على اعتبار اللغة معطىً يُدرس بحدّ نفسه فلا يحتاج درسه إلى البدء من أصلٍ يتأسّس فيه: «خَلْقاً» و»توقيفاً» كان هذا الأصل أم اصطلاحاً وتواضعاً بشريّاً. يسهّل حبسُ اللغة في نفسها، على هذه الشاكلة، تناولَ بناها وقواعدها.
ولكنه لا يبطل القلق الفلسفيّ المتعلّق بنشوئها ولا الأسئلة الاجتماعية المتعلّقة بأدوارها في «سياسة» العلاقات بين الناطقين بها وبين هؤلاء وعوالمهم. ذاك أفق نحاول استطلاع معالمه في وقفةٍ على حِدة…

٭ كاتب لبناني

الكلام بما هو تلحينٌ للوجود…

أحمد بيضون

Jun 11, 2016

مَغْناكِ مُلـتَهِبٌ وَكَأسُـكِ مُترَعَـهْ / فَاسْقي أَباكِ الخَمرَ وَاِضطَجِعي مَعَهْ
لَم تُبـقِ في شَفَتَيـكِ لــذّاتُ الدِمـا / ما تَذكُـرينَ بِـهِ حَـليـبَ المُـرْضِعه
قومي اِدخُلي يا بنتَ لوطَ عَلى الخَنى / وَاِزْني فَإِنَّ أَباكِ مهّـدَ مَضجَعَـه
إِن تُرجِعي دَمَـك الشَهِــيَّ لِنَبْعَــه / كَـمْ جَدوَلٍ في الأَرضِ راجَع مَنبَعَه
(إلخ، إلخ).
لا أَعرِفُ قوافيَ عربية تفوق شِدّتُها ما لقوافي قصيدة «سَدُوم» هذه لإلياس أبو شبكة. العَيْنُ والهاءُ مَخْرجاهما من الحَلْق. فيكاد يصحّ القول أنهما تخرجان من الأحشاء. العَيْنُ هنا مفتوحةٌ على أقصاها والهاءُ ساكنةٌ ينقطع بها النفس اللاهث بغتةً. هذا كلّه يناسب مناخَ هذه القصيدة المُلَعْلِعة أحسنَ مناسَبة.
في هذه القافية، لهفةٌ أو نباحٌ للرغبة تعبّر عنه العين المفتوحة والهاء الساكنة وتكرارهما بأشدّ ممّا تعبّر الواو الجوفاء والهاءُ الساكنة في «وَهْ وَهْ» المقطع المعتمد لمحاكاة النباح.
نأخذ بيتاً من قصيدة إلياس أبي شبكة هذه، بقافيتها: العين المفتوحة والهاء الساكنة (عَهْ، عَهْ، عَهْ…):
سَكِرَتْ بكِ الدنيا سَدومُ فكُلُّها / زُمَرٌ على طُرُقِ الحياة متعتَعَهْ
ونأخذ بيتاً من قصيدة مشهورة لابن زريق البغدادي قافيتها عَيْنٌ وهاءٌ مضمومتان (عُهُ، عُهُ، عُهُ…):
أَسْتَوْدِعُ اللهَ في بغدادَ لي قَمَراً / بالكَرْخِ من فَلَكِ الأزرارِ مَطْلَعُهُ
لا يفوت الأذنَ المدرّبة أننا انتقلنا ممّا يوحي باللهاث الشديد المتقطّع إلى ما يوحي بصوت العويل. حَصَل ذلك بفعل اختلاف الصوائت (أي ما يسمّى «الحركات») مع بقاء الصامِتَين (أي الحرفين «الصحيحين» العين والهاء) دون تغيير.
في هذا إظهارٌ لأهمّية الصوائت التي لا نعتبرها حروفاً، في العادة، ونستسهل الاستغناءَ عنها في الكتابة، وهي، في حقيقة الأمر، أهمّ الحروف في نظام العربية الصرفي، سواءٌ أكُنّا نرسم الكلام أم نلفظه. يبقى، مع ذلك، أن اقتران العين والهاء، بما لهما من عمق المخرج، هو العُمْدة في الإشعار بالحالتين: اللهاث والعويل. فلا يتيسّر ذلك لأيّ حرفين صامتين يعتمدهما شاعرٌ من الشعراء قافيةً لقصيدة…
ولأَذْكُر هنا، ما دمتُ قد عرّجتُ على قصيدة ابن زريق، أنني «عارضْتُها»، في ما مضى، بقصيدةٍ أصبَحَت قديمةً ومَطْلَعُها:
ساقي الحُمَيّا وهل تُحْصى مَصارِعُهُ / ثاوٍ على الرمْلِ تَرْثيهِ أَصابِعُهُ
ما كـان يُــمْسِــكُ أنـفـاساً مـروَّعــةً / لولا بقـيّةُ صَحْـبٍ لا تُشَيِّعُهُ
صَـحْـبِ الكؤوسِ إذا دارَت يقولُ لهمْ / نَفْسي فِـداءُ وَلِيٍّ لا أُشَفِّعُهُ
(إلخ.، إلخ).
تلك قصيدة كانت تباري في العويل قصيدة ابن زريق. ولا أشكّ أنه كان لقافيته نصيبٌ من سَوْقها إلى هذا المناخ. أي أن ثمّة ههنا تفاعلاً لا فعلاً من جهةٍ واحدة: لا يملي المناخُ النفسيّ، من جهته، قافيةَ القصيدة وسماتٍ أخرى لبنيتها الصوتية العامّة وحسب وإنما تستدرج القافية والسمات المشار إليها صوراً وتعابير نفسية تمليها على الشاعر. فيشترك «الشكل» (إذا أجزنا هذا التقابل) في تعيين «المضمون» بعد أن يكون قد استجاب لهذا الأخير.

٭ ٭ ٭

هذه الملاحظة الأخيرة تردّني إلى جدالٍ كبير يتعدّى نطاق الشعر إلى نطاق اللغة أو إلى ما قد تجوز تسميته الشاعرية اللغوية. نعرف بدايةً لهذا الجدال عند أفلاطون الذي تتواجه في حواره المسمّى «كراتيلوس» نظريتان في أصل اللغة، ترى الأولى منهما في الكلمات أشباحاً أو صوراً صوتية للموجودات وترى الثانية في الكلمات ثمرات اصطلاح وتواطؤ أو تواضع في الجماعة اللغوية بحيث يتحدّد لكلّ دالٍّ مدلوله من غير افتراض محاكاة للأخير من جهة الأوّل. وقد كان أفلاطون من أصحاب الرأي الأوّل إذ هو الرأي الموافق لنظرية «المُثُل» بافتراضه أن الكلمات إنما تلتمس الشبه، لا بالأشياء، بل بالماهيّات التي تجسّدها المُثُل في عالمها العلوي… وأما لغويّو العربية فقد ذهبوا بهذا الجدال نفسه مذهباً دينيّاً فقال فريق منهم بالاصطلاح والتواضع ورأى فريق آخر في اللغة «وحياً» و«توقيفاً» يهتدي بهما الناطقون بها إلى المواءمة المرغوب فيها ما بين الدالّات ومدلولاتها…
لم تكن بنت يومها، إذن، نظريّة السويسري فردينان دو سوسور الذي اعتُبر منطلقاً للمدرسة البنيوية كلّها، في ميدان اللغة وفي ميادين أخرى كثيرة، لإرسائه نظرية العلامة اللغوية على ما سمّاه «التحكّميّة» أي على استبعاد الشبه، إجمالاً، ما بين اللفظة، بما هي سلسلة صوتيّة، ومدلولها، بما هو تصوّر. ذاك مبدأ من اثنين ثانيهما ما سمّاه سوسّور «خطّية الدالّ» وهو لا ينطوى على نظيرٍ للشحنة الجدلية التي في الأوّل. وأمّا «التحكّمية» تلك فهي ما يبيح اعتبار متن اللغة ـ أي معجمها ـ «نظاماً» للفوارق يتحدّد كلّ من عناصره، لا بذاته، بل بموقعه فيه، أي بالحيّز الذي تفسح له فيه شبكة العلاقات ما بينه وبين عناصر أخرى تتوسّع دوائرها باطّراد حتّى تشتمل على اللغة كلّها. ذاك تصوّر لمتنِ اللغة نسجه سوسور على منوال النظام الذي رآه متمثّلاً في بنية أصوات اللغة. فهو قد وجد أن هذه الأصوات إنما يتحدّد كلّ منها بالفارق الذي يرسم له موقعه في فئته من بينها، أوّلاً، وفي جملتها، بما هي منظومةٌ، على الأعمّ.
كانت السوسورية حين فرضت نفسها نموذجاً احتذي، على أنحاءٍ مختلفة، في علوم الإنسان والمجتمع كلّها وفي الفلسفة، تجد الحجّة الأوثق التي تسند إليها مبدأ «تحكّمية العلامة» في واقعة تعدّد اللغات بما هو بديهة حسّية نطاقها عالم البشر كلّه… فيتعذّر نكرانها أو التجاوز عن البحث في دلالتها. فإذا كان الدالّ، بما هو سلسلة صوتيّة، «يحاكي» مدلوله (على ما افترض أفلاطون مثلاً) فكيف جاز أن تتكاثر الدالاّت للمدلول الواحد هذا التكاثر كلّه وأن تختلف هذا الاختلاف البيّن كلّه من لغةٍ إلى أخرى. فلا يظهر شبه، لجهة التشكيل الصوتي، ما بين أسماء البقرة، مثلاً، في كلّ من اللغات العربية والإنكليزية والفرنسية؟
هذا السؤال بذلتُ محاولة منشورة للمجادلة فيه قبل نحوٍ من أربعين سنة. وقد أعود إلى فحوى هذه المحاولة في عجالةٍ أخرى. واليوم يعتبر المنحى البنيوي ذاوياً أو متروكاً بعد عزّ. فهو قد راح يفقد نفوذه بسرعة قبل أربعة عقود أو خمسة، وإن يكن لا يزال يجرّ هنا وهناك أذيالاً لما بناه من أمجادٍ متوسّلاً في ذلك صمودَ أعمالٍ كبرى للذين اعتمدوه أو استوحوه، لا في علوم اللغة على التخصيص، بل في الأنثروبولوجيا والتاريخ، على الأخصّ، وفي غيرهما من علوم الإنسان والمجتمع.
ذاك مجالٌ رحبٌ لا نجاوز هنا الرغبة في إثارة شهيّة القارئ للإلمام به إن كان من غير الملمّين. ولعلّنا نعود إلى بعض مسائل اضطربت بها جنباته في فُرصٍ أخرى تُواتي. وما ابتداء كلامنا هذا من الشعر وقوافيه وتخلّصنا من هناك إلى مسألة العلامة اللغوية إلا إشارة إلى توزّع المواقف في تلك المسائل، على تنوّعها، وفي النظمات المعرفية التي تتداولها، ما بين طرفَيْ إشكالٍ أصليّ واحد.

كاتب لبناني

“المسألة الشرقية”

أحمد بيضون

Jun 06, 2016

في دفْق الكتب التي لا تزال تواكب الذكرى المئوية لنشوب الحرب العالمية الأولى، وقعتُ، قبل مدّة، على واحدٍ أرى في قراءته «تغريبةً» نتعلّم منها، نحن الشرقيين، أشياء كثيرة عظيمة الأهمّية ممّا يتعلّق بتشكّل الموقع الذي نحتلّه اليوم من العالم، وقد ارتسمت معالمه الكبرى في مدى القرون الثلاثة الماضية.
ذاك كتاب المؤرّخ الفرنسي المعروف جاك فريمو «المسألة الشرقية» وقد صدر عن دار «فايار» الباريسية سنة 2014. وهو ـ على ما هو ظاهرٌ من عنوانه ـ لا يتّخذ الحرب العالمية الأولى موضوعاً رئيساً له ولكن هذه الحرب تقع موقع المفصل الرئيس من المرحلة المديدة التي يتناولها إذ تغيّر في غدواتها تشكيل المنطقة الشاسعة التي تمثّل مدار ما يسمّى «المسألة الشرقية» تغيّراً يعدّ فاصلاً وإن يكن غير مبتوت الصلة بموازين ما قبل الحرب.
يباشر فريمو رحلته الطويلة من مدخلٍ بعيد جدّاً، هو تحوّل معنى قسمة العالم القديم إلى شرق وغرب، بين عهدي هوميروس والإسكندر الأكبر. على أنه يعيّن منطلق ما يسمّيه «المسألة الشرقية» في أواسط القرن الثامن عشر أي، على التخصيص، في الحرب التي أعلنها السلطان العثماني مصطفى الثالث في سنة 1768 على صاحبة العرش الروسي كاترين الثانية. وهذه مرحلةٌ أولى تنتهي مع انهيار العهد النابليوني في أوروبا في سنة 1815. وإذا كانت أوائل هذه المرحلة قد شهدت هزيمةً عثمانية قاصمة، أمام الزحف الروسي، على الرغم من الدعم الفرنسي للعثمانيين، فإن آخرها أخرج فرنسا إلى حين من الصراع، وافتتح عهداً من التنازع الروسي البريطاني على الشرق الذي كان يبدأ في البلقان في تلك الأيام وترسم أهمّ معالمه الجغراسية طريق الهند وضرورات حمايتها في البرّ وفي البحر…
هذا الشرق الكبير الذي يجول في آفاقه كتاب فريمو لا تختصر «مسألته» الدولة العثمانية على ما قد يزيَّن للعربي الذي كانت بلاده ملحقةً بهذه الدولة أن يعتقد. وإنما هو مشكّل، عند تبلّر «المسألة الشرقية»، من ثلاث إمبراطوريات تاريخية متمايزة الملامح هي العثمانية والفارسية والمغولية (وقد زالت هذه الأخيرة في وسط القرن التاسع عشر). ولكن لا يبدو مجرى العلاقات بين هذه القوى موضوعاً متصدّراً للمسألة الشرقية. فهذه الأخيرة مسألة أوروبية تستدرج إلى الصراع هذه أو تلك من الدول الخمس التي كانت قد أصبحت غالبة على أوروبا في القرن التاسع عشر، خصوصاً منها روسيا ذات المطامح المتّصلة بالبلقان وبآسيا الصغرى والقوقاز ووسط آسيا وبالبحار الدافئة.
وبريطانيا ذات المصالح المواجهة لهذه الأطماع الروسية بحكم هيمنتها على الهند، بالدرجة الأولى، وعنايتها بأمن الطريق (أو الطرق) إليها.
هذا الصراع، بأفقه الجغراسي الشاسع، هو ما رسم، على الخصوص، معالم «اللعبة الكبرى»: وهذا هو الاسم الذي أطلق منذ سنة 1820 على تنازع روسيا وبريطانيا مناطق السيطرة في آسيا الوسطى وعلى تخوم الهند. وهو الصراع الذي بقيت الدولة العثمانية تتوسّطه مضطرّة وتستقبل على أراضيها بعضاً من أهمّ فصوله بحكم هيمنتها على شرق أوروبا وعلى الشرق العربي. ولعلّ أبرز هذه الفصول، في القرن التاسع عشر، حرب القرم وهي، بأطرافها وبأحجام ما ضلع فيها من قوىً، نوعٌ من الحرب العالمية، في الواقع، ولكنّها دارت في رقعة من الأرض محدودةٍ نسبياً لتنتهي إلى تأكيدٍ للتصدّر البريطاني بين قوى المرحلة وفي التنازع الذي راح يزداد احتداماً على ممتلكات الدولة العثمانية خصوصاً. وكانت الخشية بالغةً من أن يفضي زوال الدولة العثمانية إلى حربٍ بين الورثة الأوروبيين المحتملين لا تبقي ولا تذَر. وكان السلوك البريطاني، في هذه «المسألة» يضع الخشية المذكورة في حسبانه.
تلك هي المحطّات التي شهدت ترسّخ هذا المفهوم: مفهوم «المسألة الشرقية» وقرينه مفهوم «اللعبة الكبرى». وليس لنا، في هذه العجالة، أن نمضي قدماً في عرض الشريط الحدثي الذي ينسجه كتاب فريمو. فهذا الكتاب الضخم الذي يبدأ حيث أشرنا يصل بنا إلى سنوات «الربيع العربي» الذي لا نزال نعاين (أو نعاني) مخاضه. هو يصل إلى هنا ـ بعد ما ذكرنا ـ عبر أطوار الصراع الروسي البريطاني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وعبر أدوار أوروبية أخرى في «المسألة الشرقية» (فرنسية، ألمانية…) أخذت تتنامى أو عادت إلى التنامي، وعبر الحرب العالمية الأولى (التي يراها «حرب إمبراطوريات») وما جاء في ركابها من تغيير شرقي وغربي، ثم عبر الحرب العالمية الثانية وما تبعها من حرب باردة ومن تحوّل في أوضاع البلدان التابعة أو المستعمرة، فإلى انهيار القوّة السوفييتية مع حرب أفغانستان وإلى حروب الخليج التي أعقبت الثورة الإيرانية، إلخ.، إلخ.
في تناوله هذا كلّه، يوسّع فريمو كثيراً ما صدقَ «المسألة الشرقية»… ولكن ميزة هذا الكتاب ليست مَدَّه تاريخ هذه المسألة من وسط القرن الثامن عشر إلى أيّامنا. وإنما هي موسوعيّته وتمكّنه. فهو لا يخلّف وجهاً من وجوه هذه المسألة لا يرسم ملامحه بدقّة وجزالة معرفة. لا ريب أن الوجه الجغراسي يبقى الأهمّ. وهو وجه تعلن ملامحه تغليب الطرق والتضاريس والموارد الطبيعية، أي أوصاف البلدان والمناطق على أوصاف الشعوب. أي أن هذا «العلم»، في ظرف نشأته، «علم» مكرّس لحاجات الغزاة المتغلّبين. ولعلّ مردّ هذا المنحى، فيما يتصل بـ»المسألة الشرقية» إلى كون القوى الأوروبية التي وضعت تصوّر المسألة المذكورة كانت ترى، قبل كلّ شيءٍ، في هذه الأصقاع، طرقاً بحريّة وبريّة للتجارة وللعسكر ومؤنه وتضاريس وموارد متّصلة بالتجارة والحرب وموازين قوى متنوّعة النطاق، إلخ. لذا نحتاج إلى كثير من المعرفة الجغرافية: الطبيعية والبشرية والاقتصادية، لقراءة كتاب فريمو ونتعلّم منه كثيراً من هذا كلّه أيضاً.
ولكن السياسة والحرب والتجارة وما جرى هذا المجرى لا تستنفد عمل فريمو. فالرجل واسع الإلمام بالاستشراق، الذي هو وجه من وجوه المسألة: من أدب الرحلات إلى الأعمال الفنية والأدبية إلى الحصائل العلمية إلى عمل إدوارد سعيد ونقده. يبقى أمرٌ يصحّ أن يؤخذ على فريمو وهو ما يبدو من ضعف معرفته بما يقابل الاستشراق: أي بتعبير شعوب الشرق أو جماعاته عن معاناتها «المسألة الشرقية» ومواجهتها لأطرافها الأوروبيين. هذا الضعف يبرزه خلوّ لائحة المراجع في الكتاب من مصادر شرقية باستثناء القليل المترجم أو الموضوع بلغة أوروبية. معنى هذا، في نهاية المطاف، أن هذه «المسألة الشرقية»، حين يطرح سؤال «الذات» التي تعيّن لها هويّتها، إنما هي ـ مرةً أخرى ـ مسألةٌ أوروبية أصلاً وفصلاً.
يمتّ إلى هذه الهوية بصلةٍ ظهورُ الهويّات الضعيف في الكتاب. وهو ضعف قد يكون سببه (أو يعزّزه) المنظور الجغراسي الغالب. فمع أن موازين السكّان تبدو موضوع عناية ولا يخلو العرض من ذكر القبائل والطوائف والأعراق (وهي الوحدات التي يبدو الشرق البشري متشكّلاً منها) فإننا نتعلّم أن القوميّات الكبرى التي اعتدنا البحث عن أصولٍ تاريخية راسخة لها هي، في الواقع، تكاوين ملتبسة، تأخّر ظهورها على مسارح الصراع إلى زمن قريب إلينا ويبقى أثرها في المواجهات التاريخية، قبل ذلك، موضوعاً مشْكلاً. ذاك شيء لا يمكن قوله عن الهويّة الدينية التي يتناول فريمو أطرافاً من حديثها وهو حديثٌ طويل…
مهما يكن من شيءٍ، يستحقّ هذا الكتاب الصعب القراءة أن يقرأه من يعرف الفرنسية من «الشرقيين» ويستحقّ ـ لا ريبَ ـ أن يُنقل إلى العربية.

٭ كاتب لبناني

تاريخ العالَم العربي في مَعْهَده الباريسي: مُلْتَقَياتٌ وجائزة

على غرار «ملتقيات التاريخ» التي استضافتها مدينة بلوا الفرنسية كلّ سنة، ابتداءً من سنة 1998، أطلق معهد العالم العربي في باريس في ربيع السنة الماضية «ملتقيات تاريخ العالم العربي» ثم أحياها للمرّة الثانية من 20 إلى 22 أيّار/مايو الجاري.
ولمّا كان القوم في المعهد لا يعيدون اختراع العجلة كلّما احتاجوا إلى ركوب الدرّاجة فقد استعانوا بما اجتمع من خبرة لبلوا ودعوا المشرف على ملتقياتها فرنسيس شفرييه إلى مدّ يد العون.وقد زكّى هذا التعاون أن وزير الثقافة السابق جاك لانغ، وهو اليوم رئيس معهد العالم العربي، كان هو الذي أطلق ملتقيات بلوا أصلاً أيّام كان رئيساً لبلدية المدينة.
وفي كلّ دورة، تُفتتح ملتقيات المعهد بمنح «الجائزة الكبرى لتاريخ العالم العربي»، وتعطى لكتابٍ جديد موضوع بالفرنسية أو مترجمٍ إليها يعالج موضوعاً منتمياً، على نحوٍ ما، إلى تاريخ العالم العربي. نقول «على نحوٍ ما» لأن لائحة «الأنواع» التي يُحتمل انتماء الكتاب إليها مرنة إلى حدّ أن الرواية التاريخية، مثلاً، غير مستبعَدة من السباق، فضلاً عن كون الكتاب يسعه أن يختصّ بأي فرعٍ من فروع التاريخ أو أيّ مرحلة من مراحله. والجائزة متواضعةٌ نسبيّاً ولم يمكن مع ذلك دفعها للمؤلف الفائز في السنة الماضية ويضاف إليها تعهّدٌ (تدل الدلائل على أنه مبدئي أيضاً!) برعاية نقْل الكتاب الفائز إلى العربية.
وقد حظيتُ، في العامين الفائت والجاري، بشرف الانتساب إلى الهيئة المحكّمة في منح الجائزة المشار إليها. يرأس هذه الهيئة هنري لورنس صاحب كرسيّ التاريخ المعاصر للعالم العربي في الكولّيج دو فرانس. وتضمّ الهيئة قُرابةَ عشرةِ أعضاء (هم أهلُ اختصاص عربٌ وأوروبيون وعربٌ- أوروبّيون)، وقد حصل تغيير طفيف في العدد وفي الأسماء بين الدورتين الماضية والجارية. يرشّح كلٌّ من الأعضاء كتاباً واحداً من بين إصدارات السنوات الثلاث السابقة للجارية يراه ذا أهلية لنيل الجائزة. وهذه طريقة تحدّ سلفاً من عدد الأعمال المرشّحة، بخلاف تلك التي تترك للمؤلّفين الحقّ في ترشيح كتبهم ولو بتزكيةٍ من جهاتٍ أخرى. ويتيح قِصَر اللائحة هذا لأعضاء الهيئة تفحّص الكتب المرشّحة بالعناية المفروضة بعد أن يُرسَل إلى كلّ منهم، في غضون شهور تسبق موعد «الملتقيات»، ما ليس في حوزته منها.
يلتئم عقد الهيئة عشيّة افتتاح «الملتقيات» إلى عشاء مداولة يجب أن ينتهي، بالتوافق أو بالتصويت، إلى اختيار الكتاب الفائز. وهو ما يعني أن كلّاً من الأعضاء ـ باستثناء واحدٍ ـ سيكون قد تخلّى في ختام السهرة عن مرشّحه أو سلّم بخسارته، في الأقلّ. والحالُ أن خضوع العضو لغواية كتابٍ غير الذي رشّحه ليس بالأمر المستبعَد أو النادر. وهذا خضوعٌ قد يكون للمداولة ضلعٌ فيه ولكنّه يحصل غالباً عند الاطّلاع على جملة الكتب المرشّحة، أي قبل المداولة بزمن.
تعتمد الهيئة معايير عامّة في اختيار الكتب وفي تعيين الفائز بالجائزة. غير أن تنوّع الأعمال المرشّحة، فضلاً عن جودتها، يتبدّى مبعثَ حيرةٍ للمحكّمين. فإن بعض هذه الكتب لا يقارن ببعضٍ إلا افتعالاً. فكيف تستقيم المفاضلة، مثلاً، بين قاموس تاريخي للدولة العثمانية وضعه نحو من مئتي مؤلّف وأصبح أداة عمل جزيلة النفع للدارسين ودراسة فردية ضخمة في تاريخ «النخب البغدادية أيّام السلاجقة» يبدو لك مؤكّداً أنها أكلت ردحاً جسيماً من عمر المؤلّفة وأنها، بجودة التوثيق والتأليف والتحقيق، ليست من الصنف الذي يؤمل الحصول على نظير له كلّ سنة او كلّ عقد؟ وهل تدخل، فضلاً عن الجودة، جدّة العمل المنجز والمتعة المتحقّقة بقراءته عاملين مقرّرين في الاختيار؟ أم تُغَلّب الندرة وجسامة الجهد المبذول، وإن يكن العمل صعباً جافياً مرشّحاً للانحصار في أيدي قلّة من الباحثين؟ ذاك نوع الأسئلة التي تترك الفرد متردّداً ولكن تسعف في التقريب من إجاباتٍ مقبولة عنها مداولة الجماعة…
يعلن رئيس الهيئة العنوان الفائز في مساء اليوم التالي للمداولة في أثناء الجلسة الافتتاحية للملتقيات. في السنة الماضية، فاز كتاب جوليان لوازو الرائع «المماليك» وفاز هذه السنة عمل فانيسا فان رنترغيم الذي سبقت الإشارة إليه «النخب البغدادية…» ولا نجاوز هنا الإشارة إلى العنوانين لأن حديث كلّ من الكتابين يطول…
ثم إن «الملتقيات» لا تختصرها الجائزة بطبيعة الحال. «الملتقيات» شيء شاسع! ثلاثة أيّامٍ من المحاضرات والندوات تتزامن في قاعاتٍ عدّة من المعهد أو تتوالى في ساعات النهار. وهي تأتي مصحوبة، إلى ذلك، بمعرض من تلك التي صنَعت للمعهد شهرةً عريضة أو بأكثر من معرض. وهي أيضاً فرص لقاءٍ لا تُحصر أنواعه إذ يكون المعهد في خلالها يغلي برواح زوّاره وغدوّهم في القاعات وفي الممرّات، في المكتبة أو المتحف وفي المقهى أو المطعم سواءً بسواء.
في السنة الماضية، كانت «المدينة» مداراً عامّاً للّقاءات. وبدا أن المسوّغ الأبرز لذلك رغبةٌ في دحض الصورة الشائعة التي تغلّب الصحراء والبداوة وسطاً وصيغة تاريخيين للوجود العربي. في هذه السنة، اختيرت «الأديان والسلطات» مداراً… ولا تحتاج الدواعي إلى هذا الاختيار إلى فضل بيان. وبين محاضرة يلقيها باحث وحوار بين مؤلّف وناقد وطاولة مستديرة… وبين ثورة لا تزال مفاعيلها جارية وجديد يتعلّق بالحرف العربي قبل الإسلام… وبين همومٍ متّصلة بتعليم تاريخ العالم العربي في المدارس الفرنسية وبإعداد معلميه وأخرى تتعلّق بشروط البحث في هذا التاريخ في مختلف أقطاره وأطره، إلخ.، إلخ.، تبدو مقاربة المدار العامّ المختار حرّةً ورحبة وتظهر على منابر القاعات وجوه كثيرة جدّاً (جاوز عددها المئتين هذه السنة) يعلن ظهورها تَجدّد الدراسات العربية في فرنسا وتهيئة جيلٍ لخلافة جيل مع بقاء الأسماء المعروفة قادرة على الإتيان إلى هذا الموسم وغيره بجديدها المعتبر.
هذان التنوّع والإحاطة، لجهة الموضوعات والفروع والأزمنة والأجيال، إلخ.، وقد ازدادا هذه السنة عمّا كانا في الدورة الأولى، هما ما أجاز لرئيس المعهد أن يصف هذه «الملتقيات» بـ»الجامعة الشعبية». هي جامعةٌ تدوم ثلاثة أيّامٍ كلّ سنة. وهي مفتوحة للعموم وأنشطتها مجانية.
وما دمنا قد ذكرنا «مجّانية» الأنشطة، فلنُشر إلى التقشّف الواضح الذي يطبع الموسم برمّته. يجنَّد جهاز المعهد لخدمة «الملتقيات» وتوضع مرافقه المختلفة بتصرّفها. أما المشاركون في الموسم من محاضرين ومحكّمين، فلا يتقاضون مالاً وينزل المستقدَمون من خارج المدينة منهم في فنادق غاية في التواضع ويعطون قسائم لطعام الغداء في يوم مشاركتهم فقط، إلخ. ولما كان معظم هؤلاء قد سبق لهم أن خبروا السفر في الدرجة الأولى إلى مناسبة خليجية ما، والفندقَ ذا النجوم الخمسة (وأزْيَد!) والمكافأةَ السخيّة للورقة المقدّمة (ودَعْكَ من قيمة الجائزة حين تُمْنَح!) فهم يحسنون ملاحظة الفوارق. الذين يحضرون للكلام في معهد العالم العربي يبدون مكتفين بفرصة للمشاركة في الموسم يعدّونها قيّمة… فلا يتطلّعون، على الأرجح، إلى جزاءٍ آخر.
في كلّ حالٍ، كان هذا المعهد الجليل ولا يزال، منذ نشأته، مؤسّسةً مُعْسِرة أو أن هذا ما لازم صيته. وهذه السنة زَفّت إلينا إدارةُ «الملتقيات» خبر تبرّع المجمع الملكي المغربي بقيمة الجائزة. وبدا أن عبئاً ثقيلاً قد انزاح عن كاهل الإدارة بعثورها على جهةٍ عربية نَفَحت «الملتقيات» بـآلاف معدودة من اليورو جنّبت معهد العالم العربي وملتقياته الرائعة حَرَج السنة الماضية حيال الفائز!

٭ كاتب لبناني

 

 

“لبنان في أَسْر “نمط الإنتاج السياسي

أحمد بيضون

May 19, 2016

■ أسمّيه إذن «نمط الإنتاج السياسي» على غرار قولنا «نمط الإنتاج الرأسمالي»، وهو ضَرْبٌ من هذا الأخير. هو نمط إنتاجٍ اقتصادي توظّف فيه رساميل وتستخدم قوّة عملٍ متنوّعة وتنتج سلَعٌ وسيطة تنتمي إلى ما يسمّى «الخدمات».
ولكن السلعة الأخيرة المنتجة فيه هي «الولاء السياسي»: «الولاء» بما يقتضيه حكماً من «عداء» سياسيّ أيضاً.
ثمّ إن القول إنه «نمط إنتاج اقتصادي» قولٌ تعسّفي بمقدار افتراضه تبلّوراً متقدّماً لدائرة اقتصادية قائمة برأسها في المجتمع الكلّي، على غرار ما هي الحال في مجتمعات «العالم الأوّل» الرأسمالية. وهذا افتراضٌ غير موافق لواقع الحال في المجتمع اللبناني، وفي صفّ من المجتمعات مشابهٍ له. فههنا تتّخذ عبارة «الاقتصاد السياسي» معنى متناهي الشدّة في إتباعه الموصوف لصفته، لا العكس.
مع ذلك فإن الوصف الأصحّ لهذا الاقتصاد قد لا يكون «السياسي» بل «الاجتماعي»، بالمعني الكليّ للاجتماع، لا للمجتمع، ما دام أننا لسنا حيال «مجتمع»، بالمعنى الذي يفترضه فرديناند تونيز للكلمة، حين يضع «المجتمع» في مواجهة «الجماعة»، وإنما نحن حيال اجتماعٍ «جماعوي»، بالدرجة الأولى، طوّرت فيه الجماعات لنفسها نمط إنتاج رأسمالي يستبقي بنىً وتماسكاً غير رأسماليين ويؤالفهما…
في لبنان، يتمثّل نمط الإنتاج السياسي هذا (مع استذكار ما سبق من تحفّظ عن الصفة) في كتلة متنوّعة جدّاً من المنشآت المتداخلة: من أحزابٍ وجمعيّات ومدارس وجامعات وصحف ومؤسسات إعلام أخرى ومستشفيات، إلخ. وصيغ التداخل بين هذا كلّه معروفة: الحزب أو الزعيم يرعى الجمعية، الجمعية تسيّر المستشفى، المنشأة الإعلامية تتبع الحزب، إلخ. وقد تتباين عضوية العلاقة أو شمولها: فتؤجّر الصحيفة خدماتها للحزب، مثلاً، ولا تكون ملكاً له وقد تنقل ولاءها إلى جهةٍ أخرى أو توالي جهتين معاً، إلخ.
يستخدم هذا القطاع جانباً معتبراً جدّاً من قوّة العمل اللبنانية مؤمّناً نصيباً مباشراً ضخماً من تجديد قوّة العمل هذه، أي من كتلة الأجور اللبنانية، فضلاً عن نصيب غير مباشر يتمثّل في ما يشتريه من السوق الداخلية لحاجاته المختلفة من سلعٍ ماديّة أو خدمات. ولكن إسهامه هذا لا يقتصر على الأجور وشراء التجهيزات المختلفة والموادّ الاستهلاكية أو الخدمات، بل هو يغطّي جانباً من تجديد قوّة العمل الاجتماعية في ما يتعدّى بكثير نطاق القوّة العاملة فيه أي مستخدميه.
وذاك أنه يعيل جزئيّاً أو يدعم اقتصاديّاً من طريق الخدمة التي تنتجها منشأة من منشآته أفراداً وأُسَراً من خارج نطاق مستخدميه. وإذ نقول «أفرادٌ وأُسَر» هنا نستعمل عبارة قاصرة لأن «الأُسَر والأفراد» المشار إليهم يكادون يكونون المجتمع اللبناني كلّه أو هم الكثرة الكاثرة من عناصره في الأقلّ. وذاك أنه يصعب أن تجد لبنانياً لم يستفد قطّ من منحةٍ مدرسية أو تخفيض في الأقساط لولد أو من علاج مخفّض الكلفة لمريض… أو من مساعدة سياسية لتخليص معاملة يمثّل إنجازها نوعاً من الدخل أو لحماية مخالفة يوفّر منها مالاً أو يجني مالاً.
وهذا الذي نسمّيه «مساعدة سياسية» يستوقف، فمؤدّاه أن جانباً معتبراً من «الحقوق» يكون مصادَراً من جانب ذوي السلطة، أي من جانب مَن لا تُقْتصر المزيّة النسبية لموقعهم على حيازة أجر أو الإفادة من خدمة، وإنّما يتوفّرون على رأسمال سياسي يستثمرونه في السوق. و»الحقوق» المشار إليها يسعها أن تكون مصالح مشروعة لطالبيها ولكن لا تتحقق إلا بدعم سياسي ويسعها أيضاً أن تكون حقوقاً للغير أو للدولة يراد العدوان عليها. أما الدعم السياسي المطلوب في هذه الحالات كلّها فيمكن أن يكون مباشراً من جانب السياسي أو معاونيه، من جانب الحزب أو ممثّليه، ويمكن أن يكون غير مباشر إذ يتحصّل برشوة الموظّف الفاسد الذي زرعه السياسي أو الحزب حيث هو وراح يؤمّن له الحماية.
معنى هذا أن نمط الإنتاج السياسي لا يشتمل، لجهة وسائل الإنتاج، على المنشآت التي يتولى شؤونها مباشرة أصحاب الرساميل السياسية وحسب: أي مثلاً على المدرسة أو المستشفى اللذين يديرهما الحزب أو جمعيةٌ تأتمر بأمره، بل يشتمل نمط الإنتاج المشار إليه على منشآت ووسائل إنتاج يصادرها جزئياً، بقوّة السلطة الاجتماعية السياسية، أصحابُ الرساميل أولئك. فيكون تحت أيدي أصحاب الرساميل السياسية أولئك جانب معتبر جدّاً من إمكانات الدولة، سواءٌ أكانت هذه «الإمكانات» إمكانات تشغيل أو تلزيم أم إمكانات خدمة. ويكون تحت أيدي أصحاب الرساميل السياسية أيضاً جانب من الإمكانات التي تضعها بتصرّفهم جهات خاصّة من قبيل كوتا الاستخدام الذي يفرضه السياسي على مصرف أو على مصنع يعمل في دائرة نفوذه، مثلاً.
وعلى غرار الاستخدام في دوائر الدولة وأجهزتها والإفادة من خدماتها (أو التملّص من المتوجّب لها)، تخضع المنشآت الرأسمالية في القطاع الخاص خضوعاً متبايناً لأصحاب الرساميل السياسية. وتتفاوت صيغ هذا الخضوع ما بين اشتراك الجهة السياسية في الملكية لقاء الحماية وتسهيل الأعمال، وفقاً لمشيئة القانون أو خلافاً لمشيئته، أو لقاء حجب الضرر… وبين حجز جانب من طاقة الاستخدام وطاقة الخدمة في المنشأة للجهة السياسية لقاء البدل نفسه. ويفرض ذلك أن تجهد المنشأة على الدوام في التوفيق ما بين منطق الربح والإنتاجية المفضية إليه (وهو منطق الرأسمالية «السويّة» أو «العاديّة») وبين المنطق الطفيلي الذي تمليه عليها حاجتها إلى رعاية أو حماية سياسية… هذا مع العلم أن الحماية هنا هي بالدرجة الأولى حماية من الجهة السياسية الحامية أو من جهاتٍ غيرها، سياسية أيضاً، وأن الرعاية هي بالدرجة الأولى حماية من القانون ورعايةٌ في وجهه.
وبين منطويات هذا التشكيل أن القول بتبعية الطبقة السياسية لأصحاب الرساميل في لبنان قولٌ فيه نظرٌ كثير. ففضلاً عن كون أركان من هذه الطبقة ضالعين في مواقع ذات فاعلية من شبكة الملكية والاستثمار فإن للزعامة السياسية وللتشكيــــلات الحزبيـــة الرئيســـة من القـــوّة الاجتماعية ما يكفي لتستتبع من في دائرتها من أصحاب الرساميل. وهو ما يعني أن التمييز بين التابع والمتبوع ههنا مسألة أعقد من أن تعالَج باستدعاء الترسيمة المعتادة…
ختاماً يتّسم نمط الإنتاج السياسي هذا بِسِمَتَين أخريين: أولاهما أنه يُدخل التنافس السياسي بين الجماعات أو بين فروع الجماعة الواحدة في منطق توزيعه لوسائل الإنتاج العائدة إليه. وهو ما يجعله معيداً لإنتاج المواجهة بين هذه الجماعات، مزكّياً لتماسكها النسبي، ومانعاً لإنتاج مصالح مفارقة لها أو حادّاً من نطاق هذا الإنتاج. السمة الثانية أنه، إذ يتّخذ هذا التنافس أساساً، يستدرج تبعية الجماعات لدولٍ أو أشباه دول غير لبنانية يعرض عليها شراء الولاء والخدمة السياسيين لقاء الدعم. ويفترض الحصول على الدعم وجود مشترٍ للولاء يجانس، بمعنىً من معانٍ عدّة محتملة، صورة الجماعة عن نفسها أو يحتمل توصّله إلى هذه المجانسة. يجانسها في الهويّة المفترضة، في الأهداف المرحلية إلخ، بحيث لا ينتهي الولاء له إلى فَرْط عقدها…
على أن أهمّ ما تضمنه التبعية إنّما هو زيادة الوزن النسبي للجماعة فضلاً عن إشعارها بالانخراط في تيّار قضية شاسعة الأبعاد. وهذه زيادة قد تبقى محدودة وقد تبلغ حدوداً قصيّة، غير متناسبة والإمكانات الذاتية للجماعة. والحال أنه كلّما ازداد النصيب الخارجي من وزن الجماعة رجحاناً ازدادت التبعية عمقاً وأصبح الخروج من أسرها (أو مجرّد الرغبة فيه) أمراً مستبعداً.
على أن حديث التبعية هذا، وإن يكن متّحداً كلّ الاتّحاد بحديث «نمط الإنتاج السياسي»، يقتضي وقفةً مطوّلة على حدة. ثم إن كلامنا هنا على «نمط الإنتاج السياسي» في لبنان لا يجاوز اقتراح مفتاحٍ جديد لفهم الاجتماع اللبناني، بما ينطوي عليه من سياسة ومن اقتصاد. ولكنّه (أي الكلام) يبقى بعيداً عن استيفاء البحث في فاعلية هذا المفتاح وصلاحيّته.

٭ كاتب لبناني