كنت اهرب من قراءة كتاب احمد بيضون الاخير=مواقف في مهب النكبة اللبنانية= بعدما شعرت بنوع من الإحباط ولا سيما بعد قراءة تعليق لعباس بيضون صاحب مقالة الامة الملعونة يتحدث فيه عن محال تغيير النظام الطائفي حتى قلت ان طالب المحال كطالب الحرب خائب. وهكذا نخوض في أوضاع ليس أمامها سوى الكارثة المفتوحة، حينذاك شعرت انه لا يؤمل أن يتزحزح هذا العبء الثقيل عن كواهلنا ما لم يزحزحه تغيير جسيم في حماية وعلمنة المجتمع المتصدع ودفعه من الاهلي الى المدني دون ان افهم في اي طرف يمكن حسبان جمعية المصارف او قوى اجازت لنفسها بأنها صاحبة الحق في فتح حرب اهلية او اقليمية باسم السيادة وقوى اخرى صنعت طائفيتها من مئات الالاف المهجرين ما بين الحرب الاهلية و الالفين لوراثة سيادة انهارت في الجنوب مع انفراط الجيش بعدما لم يثبت يوما ان اهل الجنوب كانوا قد استشيروا قبل توقيع اتفاق القاهرة وتحويل العرقوب الى ساحة حرب مع العدو.
وما زادني في ذلك الاحباط مؤشرين.
أولهما ما خلص اليه كمال بكداش حين شطرت نحو تعليقه فيقول # يتراءى لي – مع اقتناعي بمعظم تشخيصات أحمد بيضون لنظامنا الطائفي – أن هذا النظام لم يمت في “نفوس شطور راجحة من اللبنانيين” وأحد أدلتي على ذلك كثافة اهتمام أحمد في كتاباته كلها بحوادث هذا النظام وظواهره، مما يوحي أن هذا النظام ما زال حياً، لا بل يتسم بالحيوية في “نصوص” أحمد على الأقل – وهو من هو في عمق بصيرته في أحوالنا – رغم إعلان وفاته في النفوس. وإذا ما أخذنا بالإعتبار “صمود” هذه الصيغة على امتداد قرن ونصف القرن وانتعاشها المتكرّر المرّة تلو المرّة، لا بل استنساخها أو الاستعداد لإستنساخها في بلدان مشرقية كالعراق وسوريا، لخرجنا باستنتاج قد لا يروق لنا – أنصار دولة المواطنة – إن هذه الصيغة هي “الأنسب” على الأرجح لمجتمع مشرقي تعدّدي. هذا الاستنتاج الذي يقول بالواقعية ينسى انها نفسها هي التي تعيد انتاج نفس الحروب الاهلية التي خصص لفهمها احمد بيضون عشرات الصفحات لمدى ما الت اليه الجماعات في التحجر الطائفي الذي بلغ فيما بلغه ولادة حزب الله قرب جبهة لم تقفل حتى لو فتحت جبهات اخرى وهذا ما اكتشفته حين قرات الكتاب الذي يصف في الواقع نكبات يعاد انتاجها باسم الخروج منها على غلبة في وقت لم تغير فيه اطراف الزاع ودخول سوريا واسرائيل فيه لا اهداب «السياسة» وجلدها وروحها او خرجت من طورها وعنه، ولبست جسداً آخر حلت فيه روح أخرى.
ولا ذنب لكمال بكداش في ذلك ولا لاحمد بيضون ولكن حتى المساواة التعددية اصبحت كارثية في تملك مفهوم السيادة والخروج بها علي قياس كل طائفة فلا يصح حينذاك سوى قول المتنبي
لأيّ صُرُوفِ الدّهْرِ فيهِ نُعاتِبُ … وَأيّ رَزاياهُ بوِتْرٍ نُطالِبُ
مَصائِبُ شَتّى جُمّعَتْ في مُصيبَةٍ … ولم يَكفِها حتى قَفَتْها مَصائِبُ
وهنا المؤشر الثاني الذي حصل الان وكان احمد بيضون قد لخصه في كتابه كما يلي.
باتت مقاليد البلاد ماثلة في أيدي قوى العالم والمحيط المتصدّرة، وبكلمة حلّ بالداخل اللبناني كله، دولةً وطوائف، “تهافت”، أو “تهاوٍ”، أو “تهالك” الفاعلية السياسية للطوائف، “شاملاً الحزب الشيعي المسلح” وهو ما يقابله “إسلاس القيادة الإلزامي للقوة الأميركية راعية إسرائيل وشريكتها الكبرى وهي القوة التي فرضت نفسها بديلا لما كنا نسميه القانون الدولي او المجتمع الدولي. وقال ايضا فيما خص اسناد غزة وما انقلبت اليه بحرب الابادة هو حصول هزيمة للحزب وكأنما النصر والهزيمة شأن نفسي بحت لا دخل له بوقائع الميدان. وهذا موقف لا يعصى على الفهم أذاحفزه الاصرار على ملازمة السيرة نفسها ولم يتحصل اقتناع بالاقتصار على مسار مغاير أو ايضا لم يتصل امكان ثابت لبقاء الحزب اصلا اذا هو غادر النهج المسلح. على ان الذي الزم الحزب بافتتاح حرب الاسناد لا يبعد, مع انكار الهزيمة, ان يحمله ومعه البلاد على استدراج مقتلة ودمار مستأنفين يرجح ان يتفوقا بقبائحهما على ما سلف كله,
هذا الكلام قاله في تموز 2025 وغني عن البيان ان الصبر على الدولة انما هو حجاب للعجز عن تغيير ميزان القوى ولم يكن اقرارا متأخرا بحق الدولة الاصلي الذي انكر عليها كما انكر من جهة اسرائيل التي لا تقيم وزنا لمواقف للتاريخ الملحمي وانما لمواقف على ما تسميه المنطقة المعزولة من الشجر والبشر. أما الحق في العودة المعاق بولادة قانون دولي جديد=غير شرعي لانه خارج اطار الامم المتحدة= يشرعن نقل الابادة في غزة الى جنوب لبنان بعدما تخلت الدول الراعية عن مفهوم مسؤلية الحماية الدولية لدروز وشيعة ومسيحي جنوب لبنان بدعمها العملي للحل الاسرائيلي لما يسميه المتمركسون بالمسالة الشيعية. فلا دول راعية له بحق المدنيين الذين نزعت او جردت منهم انسانيتهم لدى الطرفين المتنازعين . وليس سيل النازحين بهدية لدولة مفلسة في كيان قد يتفجر تحت وطأة أزمات تداعيات هذه الحرب الى ما هو ابعد من الدمار المادي في عصر مشحون بالمرارة الوجودية والكراهية الطائفية….
هو موت جديد قادم ينسينا الموت القائم أو يؤسس عليه ونصفق بين الكفين في وقت يصفق فيه العالم الجديد ومسوخه الدولية البارعة في تحضير النفوس التائهة حتى إذا باغتها الموت قالوا هو خلاص في جو من التعسف بكل القيم الكونية والانسانية.
أي ظلمٍ لم يعد مسموحا في بلادنا الذاهبة إلى جحيمها بعيون مفتوحة؟
حتى اذا ما كتب مفكر بما يحل بوطنه يسارعه البعض الى تشويه آرائه يومذاك في هذه الحوادث تسويغاً لوقفات تاريخية ناسية ان التاريخ على خلاف الذكرة مرب قاس جدا ، فلا ينكره ولا يبدو له مفتعلاً ومصطنعاً. وليس مصدر الحكم بالافتعال والاصطناع في حوادث الأمس واليوم وعللها قوة حوادث اليوم على الإقناع والتسويغ. فمزيج الانبهار بالموت والحرب، والتسليم لأصحاب الريع، والقناعة بالإعالة المهينة، والاستماتة في طلب العبودية وإرادتها، هذا المزيج يبدو مصدر حوادث «عظيمة» و«مزلزلة»، ولكنها اذا وقعت على ظهر من حاولوا بناء دولة فلن يفكروا الا بعودة الغلبة بدل ايجاد صيغ للخروج من تفتت الكيان.