“موتى المرافقة”

أحمد بيضون

Nov 07, 2016

لا أستبين منطق الصلة التي أنشأتُها، في مخيّلتي، ما بين «حقول القتل» التي حاصرَتْنا، وما تزال، طوال هذه السنوات الأخيرة، و»موتى المرافقة»، وإنما ساقني إلى هؤلاء أن الأنثروبولوجي الفرنسي الفذّ آلان تستار جعَلهم موضوعاً وعنواناً للجزء الأوّل من كتاب اختار لجزأيه معاً عنواناً هو «الرقّ الطوعي».
وهو قد استعار هذا العنوان الأخير من رسالة ذائعة الصيت لسلَفه أتيان دو لا بويسي ثم ارتأى «أصل الدولة» عنواناً للجزء الثاني من كتابه ذاك. وكان منه أنه أراد، على ما قد يبدو في هذا الرأي من إغرابٍ يجهد الكتاب كلّه في تذليله، أن يظهر مثول أولئك «الموتى» في موقع الركن من ذلك «الأصل».
تهيّأ لي إذن أن من قُتِل ويُقْتل من السوريين إنما يشبع رغبة حافظ الأسد، صاحب «الأبد» الشهير، في أن يوافيه الشعب السوري إلى العالم الآخر، ليواصل هو قيادته، وأن بشّار الأسد قد لا يكون سوى منفّذ لوصيّة والده في هذا الصدد. أقول «تهيّأ لي» لعلمي أن الأمر إنما ينتمي إلى دنيا التهيّؤات لا إلى الاستخلاص العقلي، ولكنّه تهيّؤ مكتنَف بانفعال ملحّ لا يستقيم إلا مع تصديق عميق (هو الذي يميّز الأحلامَ في كلّ حال، والكوابيسَ من بينها، على الأخصّ) وهو التصديق بحقيقة المتخيَّل.
ولم أستبعد، حين رحت أتأمّل الحالة السورية، أن تكون هذه أيضاً رغبة معمّر القذافي: أن يستقدم إليه الشعب الليبي إلى حيث انتهى به مطاف لم يحسب نهايته وشيكة إلى هذا الحدّ. ولم لا تكون الرغبة نفسها تساور علي عبد الله صالح وحسني مبارك، ولو ان هذين ما يزالان في قيد الحياة؟ وهو ما يقتضي تعديلاً في الرغبة يقضي بأن يسبق الشعبُ القائدَ إلى الحياة الأخرى، عوض أن يتبعه، على أن يلحق الأخيرُ بالأوّل حالما يتمّ نصْبُ كرسيّ الرئاسة هناك ويكتمل جمهورُ المبايعين بتِسْعاته كلّها.
ولكن من هم أو ما هم «موتى المرافقة» أولئك؟ رحل آلان تستار قبل ثلاث سنواتٍ تقريبا، ولم يصطحب أحداً إلى باطن قبره في تخميني، وكان كتابه الذي أتوقّف عنده قد صدر في سنة 2004.. وينكبّ الجزء الأوّل من الكتاب على ظاهرة ذكرُها قليل الشيوع في ثقافة عصرنا العامّة فيكاد يُقْتصر الإلمام بوجودها وماهيّتها على المختصّين. تلك ظاهرة إلحاق ميّت آخر أو موتى آخرين، ثانوي أو ثانويّين، بميّتٍ رئيس بحيث لا يذهب هذا الأخير وحده إلى عالم ما بعد الموت، بل تكون له معيّة. وبخلاف ما قد يظنّ بهذه الظاهرة من شذوذ أو ندرة، يوضح الكتاب انتشارَها الشاسع في الزمان والمكان والتنوّعَ المهول في صيغ تحصيلها وفي أبعادها وفئات الذين «أفادوا» منها أو كانوا من ضحاياها من البشر.
فأما ما يتعلّق بالزمان فإن كتاب تستار يبدأ بذكر ما يقوله الإغريقي هيرودوتس، المعروف بـ»أبي التاريخ»، في القرن الخامس قبل المسيح، بصدد السيثيّين، وهم قوم من الرحّل انتشروا في السهوب الممتدّة إلى الشمال من البحر الأسود وكانوا، إذا مات ملِكهم، عمدوا إلى خنق واحدة من محظيّاته ونفرٍ مختار من خدمه وحشمه وعدد من جياده، ودفنوا هذا كلّه مع الراحل، على نسق معيّن، فضلاً عن مقتنياتٍ وأوانٍ ثمينة خاصّة بالملك يفترض أنه يحتاج إليها في الحياة الأخرى. ليس هذا فحسب، بل إن هؤلاء القوم كانوا يعيدون الكرّة بعد سنة من وفاة الملك فيقتلون عدداً من أعزّ خدمه ومعاونيه عليه بينهم خمسون من خيرة الفتيان يُرْكبونهم جِيَف خمسين من أحسن جياد الملك متمّمين بذلك المراسم.
إذا كانت شهادة هيرودوتس أقدم ما بين أيدينا من وصف لهذه الممارسة الموسومة باسم «موتى المرافقة» فإن المعطيات التي تكشفها الحفريّات تبيّن أن في وسعنا أن نتجاوز السيثيّين رجوعاً مئاتٍ أو آلافاً من السنين ونظلّ نقع على مدافن «غير متناظرة» فيها ميّت رئيس وفيها (أو في محيطها) موتى آخرون قُتلوا أو انتحروا لمرافقة الراحل، بل إن المؤلّف لا يكتفي بجولة في الحضارات الرئيسة القديمة: مصر وما بين النهرين والصين، على الخصوص، وفيها يقع على الظاهرة عينها في مدافن ترقى إلى مراحل أولى من مسارات دولها. وإنما هو يوغل صعوداً حتى العصر الحجري للوقوف في مدافن المرحلة المتأخرة من ذلك العهد على آثار محتملة لموتى مرافَقة. ولكن ما يباغتنا قد لا يكون مثول هؤلاء الموتى في مدافن ما قبل التاريخ، بل استمرار هذه الممارسة في العالم الحديث، في بعض بقاع أفريقيا الغربية، على التحديد، حتى أوائل الثلث الأخير من القرن التاسع عشر.
هذا عن الصمود الزمني لهذه الظاهرة وهو مهول. أمّا انتشارها الجغرافي فلا يقلّ عن ذاك مباغتة لنا. يعرض تستار ما هو معلوم عن هذه الظاهرة في عدد كبير جدّاً من المجتمعات، موزّع ما بين القارّات كلّها. ثم ينتهي إلى خريطة توضح حدود المناطق التي وجدت فيها آثار كثيفة لهذه الممارسة. فإذا هذه المناطق ثلاثٌ تمتدّ الأولى منها من شرق أوروبا إلى ساحل الصين عبر سهوب القفقاس ووسط آسيا وبعض سيبيريا ومنغوليا. وإذا الثانية تغطّي معظم أفريقيا من مصر في الشرق ومعظم السودان إلى الساحل الجنوبي الغربي بتمام طوله تقريباً… وإذا الثالثة تستغرق معظم الساحل الغربي للقارّة الأمريكية بأقسامها الثلاثة وتُوغِل من هناك في بعض نواحي البرّ الأمريكي. وهو ما لا يعني، على جسامته، أن مناطق أخرى من العالم كانت خالية من الظاهرة نفسها كلّياً. ولكن من هم الذين كان يجب أن يصحبهم آخرون في رحلتهم إلى العالم الآخر؟ لَم يكونوا الملوك وحدهم، ولو أن دفن هؤلاء كان يستوي في مجتمعات كثيرة مناسبة لمجازر مهولة يُفْتَك فيها بكثير من الناس ولا تعفّ عن الحيوانات من خيولٍ وكلاب، على الخصوص، ومن فِيَلة أيضاً حيث توجد في الجوار. على أن من هم أدنى شأناً من الملوك كانوا يَسْتصحبون في موتهم أيضاً موتى آخرين، يحدّد مقامُ الميت هويّاتِهم وعددَهم. فيتراوح الأمر ما بين الأرملة التي تنتحر على محرقة زوجها في الهند أو الساموراي الذي يقتل نفسه عند موت سيده في اليابان (وهذان أشيع الحالات ذكراً في «الثقافة العامّة» ولكنهما من بين أقلّها فتكاً) وبين «الوجيه» الآسيوي أو الأفريقي أو الأمريكي الذي يلتحق به عدد كبير أو صغير، بحسب ثروته ومقامه، من عبيده وأتباعه ومن نسائه أيضاً إلى مثواه الأخير. وفي هذا المساق، لا يستقيم لنا استيعاب الصور التي يرسمها تستار ما لم نكن نعلم أن الرقّ كان ضارباً أطنابه في أفريقيا وأمريكا، قبل وصول «البيض» إلى هاتين القارّتين بزمن مديد.
أما الطرق المتبّعة للقضاء على هؤلاء «التابعين»، وقد ذكرنا منها الخنق، وهو شائع، فكانت متنوّعة. تبقي قراءةُ كتاب تستار، من هذه الزاوية، شعرَ الرأس منتصباً، من بدايتها إلى نهايتها. فالكتاب ليس نزهة في جبّانات مألوفة المنظر، قد يخفّف من وحشتها العشب والشجر. وإنما هو جولاتٌ كثيرة، معزّزة بالرسوم والصور، في بواطن قبورٍ مركّبة متباينة الأبعاد والتصاميم. وهو وقوف تفصيلي على أحوال ما فيها من هياكل لجهات الجنس والعمر والوضع في المدفن وكيفية الوفاة. وهذه الأخيرة، في أحوال موتى المرافقة، غنيّة بأنواع ما نعدّه فظائع وبدرجاتها: فيسعها أن تكون دفْنَ «المرافقين» أحياءً ويسعها أن تكون دفعهم إلى المحرقة التي تنصب لجثمان السيد ويسعها أن تكون سحق جماجمهم أو قطع رؤوسهم ويسعها أن تكون شقّ جسد تلك المرأة بسكّين بعد أن تُسقى خمراً كثيرة وبعد أن يكون ضاجعها، في يوم قتلها، عدد وافر من الرجال إكراماً للسيّد الذي سيضاجعها في العالم الآخر… إلخ.
ما الذي جعل ظاهرة المرافقة تظهر هنا ولا تظهر هناك؟ ما شرط ظهورها أو شروطُه؟ وإذا كان الاستبداد ظاهراً للعيان في ممارستها فكيف تعرّف العلاقة بينها وبين الاستبداد بمعناه الأعمّ؟ نعود إلى هذه الأسئلة في عجالتنا المقبلة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s