نحن و”الثورة الثقافية البروليتارية العظمى” بعد نصف قرن

أحمد بيضون

Oct 24, 2016

يكاد أن ينقضي العام الخمسون على اندلاع «الثورة الثقافية» في الصين من غير وقفة عربية تذكر عند وقائع هذه الثورة ودواعيها وما حلّ بذلك كلّه، في الأعوام والعقود اللاحقة، في الصين نفسها وفي العالم.
يعتبر التاريخ الرسمي لانطلاقة هذه الثورة اليوم السادس عشر من مايو سنة 1966. والحال أن هذا اليوم وما تلاه يخلو فيهما الإنترنت العربي من أيّ تناول تحليلي أو تقويمي لهذا الحدث في ذكراه الخمسين. فيبدو همّ الإعلام الناطق بالعربية شبه مقصور على التنويه بامتناع السلطات الصينية عن أيّ نوع من أنواع الاستذكار الرسمي للحدث، ثم باقتصار تناوله في الصين على مقالة في جريدة «الشعب» الرسمية تستبعد نشوب ثورة ثقافية جديدة. بعد التنويه في الإعلام العربي بهذا الاستنكاف الصيني ثم بالمقالة التي خرقته (وهو تنويه منقولٌ عن الوكالات العالمية) يَرِينُ ما يشبه السكوت عن أيّ كلام مباحٍ آخر يتناول الثورة الثقافية وذكراها. يرين السكوت في الإعلام العربي.. وفي الصين.
تلك إذن حالٌ استقرّت في مدى الأشهر المنقضية منذ مايو الفائت. وكانت مهلة هذه الأشهر كافيةً مبدئيّاً لعودة متأنية إلى الحدث الصيني وإلى ما كان له من تجلّياتٍ عربية وما قد يكون بقي من ذلك كلّه في أيّامنا العاصفة هذه. وما نقوله في الإعلام الناطق بالعربية لا يقال مثله في ذاك الناطق بلغات عالمية أخرى من قبيل الإنكليزية أو الفرنسية، وقد حظيت منه الذكرى بعناية أوفر بكثير (وإن لم تكن «فائضة» فعلاً) من تلك التي حظيت بها في الصين.
والحالُ أن الثورة الثقافية كان لها في ديارنا أنواع مختلفة من الأصداء. فهي إذ دفعت إلى مزيد من الاحتدام التنازعَ الصيني السوفييتي حملت بعض الماركسيين العرب على اللوذ بالماويّة سواءٌ أانتسبوا إلى جماعات منظّمة قالت بهذا الانتماء أو عبّروا عنه فرادى في ما كان لهم من إنتاج ثقافي. وفي أعقاب هزيمة 1967 العربية، على الأخص، اعتمد هؤلاء شعارات ماويّة كبرى أهمّها «حرب الشعب» أو «حرب التحرير الشعبية» و»خطّ الجماهير» و»الثورة الثقافية» نفسها بما هي نقد نظري-عملي للممارسة الثورية الجارية وتطهير مستمرّ لصفوف الثورة المستمرة يسترشد بتعيين التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية وما يتبع ذلك من تعيين متحرّك للأصدقاء وللأعداء. إلخ. وقد لبث الماويّون العرب، على الإجمال، في هوامش المسارح السياسية لبلدانهم. ولعلّ مثقفين أفراداً من هذه الديار استرشدوا بالماوية، على أنحاء مختلفة، قبل أن يغادروها مع المغادرين، كان لهم من الأثر الباقي ما لم يكن لمنظمات أَلِفت هذا الفكر أو لغته مدّة من الزمن ثم انسلّت منه، هي أيضاً، بلا كلمة وداع. وفي وسط الشباب، العربي وغيره، أبدى وجه أرنستو تشي غيفارا صموداً على القمصان وعلى الجدران (وفي القلوب ايضاً، بلا ريب) لم يتسنّ مثله، في طول المدّة وفي نوعيّة الانفعال، لوجه الرئيس ماو… ولا – أيضاً – لوجه هوشي منه.
وما يجب التشديد عليه هو أن الحركات الثورية غير الماركسية في أقطار عربية مختلفة استلهمت النموذج الماوي، على وجه الإجمال، مدرجةً فيه مكوّناً فيتناميّاً في وقتٍ لاحق، من غير إعلان لتبنّيه باسمه إذ هي رغبت في الاحتفاظ بعنوان إسلامي أو قومي لم يكن ليأتلف وهذا الإعلان. فضلاً عن ذلك، كانت هذه الحركات من فلسطينية أو يمنية أو عراقية، إلخ، حريصةً على استبقاء «غطاء» سوفييتي لها أو غطاءٍ عربي لم يكن مستبعداً، في بعض الحالات، أن يكون، بمصطلح تلك الأيّام، «رجعي» الموئل والهوية. وهو ما كان يجعل تحويل المقترضات الماويّة إلى ماويّة معلنة أمراً مستبعداً.
ولعل أكثر النسخ العربية عظاميّة من النماذج الماويّة غير المقِرّة بأصلها كانت «جماهيرية» معمّر القذافي. فهي قد وضعت «الكتاب الأخضر» بإزاء «الكتاب الأحمر» وادّعت تسليم الشعب ممثّلاً بمؤتمراته ولجانه مقاليد السلطة كلّها بعد إلغاء المسمّيات التقليدية لأجهزة الدولة ومؤسّساتها. وهو ما أسفر عن وجهِ شَبَهٍ رئيس بما جرى في الصين (فضلاً عن تركّز السلطة الفعلية في يد شخص واحد) هو تعليق طلاب على مشانق نصبها رفاق لهم في الجامعة: رفاقٍ أخذوا على عاتقهم مهمّات المحاكمة والحكم والتنفيذ! حصل ذلك حين كان ماو تسي تونغ يرحل عن الدنيا ويلقى القبضُ، بُعيد رحيله على «عصابة الأربعة» وتحمّل «العصابة» – دون الراحل الفذّ – مسؤولية الخراب والإجرام اللذين جرّتهما في ركابها «الثورة الثقافية».
لا بدّ أن نذكر أخيراً من بين تناسخات الثورة الثقافية أن الثورة الخمينية في إيران أنشأت بُعيد سيطرتها على البلاد ما سمّته «المجلس الأعلى للثورة الثقافية»، وهو مؤسسة رسمية جدّاً، اعتنت، على الخصوص، بتطويع التعليم والقائمين به ومتلقّيه وبرامجه ومناهجه لمنطق الولاء الخميني. وهي لا تزال قائمة إلى اليوم، إشارةً بين إشارات إلى وجوه الشبه الكثيرة ما بين الثورة الإسلامية وأخواتها الشيوعيات.
ولكن ما الذي كانته، في الصين أوّلاً، هذه الثورة الثقافية التي استوت قدوةً لتنظيماتٍ ولأفراد في طول عالمنا وعرضه وفي ما يليه فغلب على تلك وعلى هؤلاء الميل الماويّ في الأعوام التي شهدت أطوارها، على وجه التحديد؟ تحتاج الإجابة ولو بأقصى السرعة عن هذا السؤال إلى وقفة خاصّة منّا نكرّس لها عجالتنا المقبلة.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s