حرّية المخيّلة وتكوّنُ اللغة

أحمد بيضون

Jun 25, 2016

لنُشر بادئَ بدءٍ إلى أن كلام القدماء من لغويي العربية في «التوقيف» و«الاصطلاح» إنما ينتمي إلى البحث في «أصل الكلام». ويجوز ـ ولو بدرجة من الجزم أدنى ـ أن نُدرج في هذا الباب نفسه افتراضَهم معنىً مشتركاً للألفاظ المشتقّة من المادّة اللغوية الواحدة. وكانت «الجمعية اللغوية» في باريس قد حرّمت على أعضائها، سنة 1866، في المادّة الثانية من نظامها، نشْرَ الأبحاث في مسألة «الأصل» هذه موحيةً بإدراج الدفق السابق لهذا العهد من الأبحاث المشار إليها في باب اللغو العقيم. وكان هذا التحريم منسجماً تمام الانسجام والمناخ «العِلْمَوي» لتلك المرحلة…
حتى إذا عُدنا إلى قول فرديناند دو سوسور بـ«تحكّمية العلامة» اللغوية، وهو القول الذي اعتُبر مؤسّساً للألسنية الحديثة وللبنيوية، على الأعمّ، في آنٍ معاً، لم يسعنا أن لا نراه جارّاً ذيولَ هذا التحريم. وكان علينا، في كلّ حالٍ، أن نلاحظ فارقَين، على الأقلّ، بين طرحِ سوسور هذا، وهو يصرّح بتعذّر البحث في أصل الكلام، وطرح علماء العربية القدماء، وعلى الأخصّ منهم أصحابُ القول بالاصطلاح أساساً لتكوين اللغة.
الفارق الأوّل أن الهمّ اللاهوتي غائب عن الألسنية المعاصرة وأن الاصطلاح تحكمه الفوارق التي تنتظم بها الحقول الدلالية. والفارق الثاني أن المبدأ السوسوري يضع في الصدارة واقعةَ كثرة اللغات، وهذه واقعة تبقى هامشية، إلى هذا الحدّ أو ذاك، في طرح علماء العربيّة من القدماء الذين يجيز لهم نَفَسُهم الديني أن يفترضوا وجودَ أصلٍ واحد للّغات المختلفة أو لغةٍ لآدم..
وقد كان علينا حين عرضنا (في عملٍ قديمٍ أشرنا إليه سابقاً) لمُشْكل العلاقة بين مباني الألفاظ الصوتية ومعانيها، في حالة العربية، أن نواجه ما عرضه لغويّو العربية من وقائع لا يجوز الإعراض عنها، بلا إمعان نظر، كُرْمى للمبدأ السوسوري. وقد وجدنا مخرجاً لواقعة تعدّد اللغات لا يفرض إطـــــلاق القول بتحكّمية العلاقة، أي بغياب الشبه، بين الدالّ والمدلول. يتيح هذا المخرجَ إدخالُ المخيلة أو «القوّة الواهمة» طرفاً رئيساً في عقد الصلة بين بُعْدَي العلامة هذين. وذاك أننا لم نجد سبباً لاستثناء العلامة اللغوية من حكم الصلة التي تغلب على أنظمة علاماتٍ غير لغوية يجترحها البشر ويدرسها ما أطلق عليه المحْدَثون اسم «العلاميّات العامّة»، ويعتبر سوسور مؤسّساً له أيضاً.
فهل يصحّ مثلاً افتراضُ التحكّمية في العلاقة بين الضوء الأحمر، بما هو دالّ، وفرض الوقوف بما هو مدلول؟ أم أن نوعاً من الشبه قائمٌ بين تصوّرنا لونَ النار والدم، من جهة، وتصوّرنا الخطَرَ الذي ينطوي عليه خرقُ نظام السير، من الجهة الأخرى؟ وإذا قيل إن الصين الثورية جعلت الأحمر لوناً يجيز مواصلة السير فإن ذلك يؤكّد القاعدة مع التشديد على ما تبديه المخيلة من خصوبة في التزامها. وذاك أن الأحمر، في الصين، لون الثورة، وأنه، بهذه المثابة، قرين لا للخطر، بل للإقدام وللسلامة والحصانة.
عليه لا يكون علينا أن نعتبر العلامة اللغوية تحكّميّة، بمعنى الكلمة المطلق، لتفسير تعدّد اللغات، بل يكون علينا أن نفترض لا الشَبهَ بل ما سمّيناه «توهُّم شَبه» بين الدالّ والمدلول. والحال أن التوهّم، ومعه ما يترتّب عليه من تكثيرٍ للخيارات، لا بدّ له أن يعرو الشَبه حين يُطلب الشَبهُ ببن سلسلةٍ صوتية محدودة هي اللفظ وتصوّرٍ تسمّيه هذه السلسلة ولا يكون منتمياً إلى المسموع أو لا يكون منتسباً إلى عالم الحسّيات كلّها أصلاً. في هذه الحالات ـ بل في جميع الحالات، في الواقع ـ ينتمي الشَبه إلى دائرة المَجاز لا إلى دائرة الحقيقة. وهو ما حملنا على تسمية الدرس الذي يُفترض أن يتناول العلاقة بين الدالاّت والمدلولات، في هذا الإطار النظري الذي نقترح، «عِلْم المَجاز الصوتي».
ولنكرّر القول إنه حيث يدخل التوهّم تصبح الممكنات غير محدودة ويتيسّر لكلّ لغة أن تُدرج في نظامها ما تكتنزه من حالات التوهّم تلك ويغدو ممكناً تكاثرُ اللغات على قدْرِ ما تسع المحيّلة. يبقى صحيحاً أن «توهّم الشبه» الذي يبدو واضحاً في الألفاظ التي تسمّيها العربية «حكاية صوت»، مثلاً، لا تدركه الأذن، في غير هذه الفئة من الألفاظ، بدون عناءٍ في البحث، على الأغلب، ولا يتتبّعه السامع بلا حفرٍ وتنقيب. وذاك أن نموّ اللغة وتحوّلاتها تتحكّم فيها عواملُ متنوّعة ليس «توهّم الشَبه» سوى واحدِ منها وأن هذه العوامل تتغالب ويطغى بعضٌ منها على بعض. أيسر مثالٍ لذلك ما يسمّى «الاستثقال» وهو يفضي إلى إبدال صوت بصوت في الكلمة المنطوقة (وحرفٍ بحرف في المكتوبة، تبعاً لذلك) تيسيراً لنطقها. فمثل هذا لا يدخل تحت عنوان «الاصطلاح»، ناهيك بأن يدخل تحت عنوان «التحكّم». وإنما ينتمي إلى فئةٍ أخرى من فئات العلل التي تتحكّم في تطوّر اللغة. وهذه فئات عدّة يتشكّل من البحث فيها وتتبّع آثارها المتشابكة تاريخ اللغات.
بقي أن نشير أخيراً، ولو متعجّلين، إلى ما في هذا كلّه من سياسة. فإن فرضية «التوقيف»، مثلاً، مبطلة للحرية في العلاقة ما بين الناطقين باللغة ولغتهم. وكذلك شأن التقييد الذي يفترض لزومَ شبهٍ وحيد الوجه ما بين الدالّ والمدلول. وأما ما يردّ الحرية ويفتح أبواب الإبداع على مصاريعها، من غير معاندة لوقائع كثيرة تزكّي مبدأ «الشبه» سجّلها علماء العربية، فهو إيكال أمر العلاقة بين الدالّ والمدلول إلى المخيّلة. لا تنهض كثرة اللغات حجّةً في وجه هذا الخيار. فهو لا يبطل التحكّمية من أصلها وإنما يبدّل من معناها ومن طبيعتها إذ يبيح تقبّلها ما توحي السوسورية باعتباره نقيضاً لها: أي ضرباً غيرَ محدود المحتمَلات من الشبه بين الدالّ والمدلول آلتُه المحيّلة وعمادُه حرّيةُ التخيّل… أو أن هذا ما استقرّ عليه بحثنا المتواضع، في الأقلّ.

٭ كاتب لبناني

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s