بين أُبّهةٍ وغِشّ: العلوم في فكر «ما بعد الحداثة»

أحمد بيضون

بين أحداثٍ في الثقافة العالمية شهدها العقدان الفائتان وخلّفت صدىً وأثراً بعيدين، ثم لم يكد يحفل بها النقّاد العرب المختصّون ولا هي استوقفتهم فعلاً، واحدٌ جليل الخطر، حافلٌ بالمغازي أحبّ أن أعود إليه اليوم. أما الدليل على أن المعنيين العرب به جهلوه أو تجاهلوه وواصلوا بعده سيرتهم حيال المسائل التي طرحها من غير تعديل ولا تبديل، فهو شبه الغياب الذي كان نصيب هذا الحدث عن الذاكرة العربية لغوغل، دامَ ظلّه الوارف! فأنت تضع، بالعربية، في نافذة البحث اسمَيْ المؤلّفَيْن اللذين أحدثا هذا الحدث، ومعهما مفاتيحُ أخرى مناسبة وتجدك قد رجعت بما هو أدنى قيمةً من خفّي حنين…
بدأ هذا الحدث بمقالةٍ أرسلها، في سنة 1996، آلان سوكال وهو أستاذٌ للفيزياء الرياضية في جامعة نيويورك إلى مجلّة «سوشل تكست» السامية المقام، التي تصدر عن جامعة ديوك الأمريكية، وهي مجلّة محتسبة لـ»يسار» أكاديمي يساير توجّهات «ما بعد الحداثة». كانت المقالة موشّاة بعدد كبير من الشواهد المقتبسة من أعمال الأركان الكبار لتيّار «ما بعد الحداثة» في فرنسا والمتعلّقة بالرياضيات وبعلوم الطبيعة وبفلسفة العلوم. اختار سوكال هذه الشواهد وهو لا يصدّق منها حرفاً، وهو على يقين بأنها تراوح ما بين الخطأ الصريح والخلوّ من المعنى. ولكنّه بنى عليها مقالته مطنباً في امتداحها والإشادة بأصحابها ومرتّباً عليها ما يرتّبه المصدّق بها من نتائج…
كانت المقالة عبارةً عن «ملعوبٍ» أو فخّ نصبه سوكال (وهو يساريّ أيضاً) للمجلّة اليسارية النهج. وقعت المجلّة في الفخّ ونشرت المقالة بنصّها التامّ. وكان من أثر ذلك، بعد أن صرّح سوكال بحقيقة فعلته، لغطٌ واضطرابٌ في الوسط الأكاديمي المعني وتنبيه إلى التخليط الواسع النطاق الذي يَصِم استخدامَ الفرنسيين من «نجوم» الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع، الذائعي الصيت في الولايات المتّحدة، على التخصيص، لمقتبسات ينتقونها من الرياضيات ومن علوم الطبيعة (من الفيزياء، على الأخصّ) فيسيئون فهمها وعرضها ويتصرّفون بها، في أعمالهم تصرّف من يهرف بما لا يعرف… من ثمّ ذاع الأمر وشاع فأفردت له «نيويورك تايمز»، مثلاً، مكاناً على صفحتها الأولى…
لم يكن سوكال قد استخدم، في المقالة، سوى جانب يسير من مخزون «الدُرَر» الذي كان قد اجتمع في أدراجه وهو يذرع بالطول والعرض أعمالاً كثيرة خلّفَتْها كثرة من أعيان «ما بعد الحداثة» الفرنسيين في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة من القرن العشرين. فما كان منه، بعد أن عاين ما أثاره صنيعه من استهجان صحّي، إلا أن قرّر التوجّه إلى جمهور المهتمّين الأوسع بكتاب ضافٍ يفي المسألة ما وجده حقّاً لها. فكان أن ضمّ جهوده إلى جهود جان بريكمونت، وهو أستاذ في جامعة لوفان البلجيكية، يبحث في الفيزياء النظرية وفي فلسفة العلوم وهو يساريّ الهوى أيضاً، نشر أعمالاً متّصلة بقضايا عامّةٍ كبرى، فائضةٍ عن نطاق تخصّصه العلمي. من هذا التعاون خرج كتابٌ كبير صدر في صيغتين فرنسية وإنكليزية تختلف واحدتهما عن الأخرى بتفاصيل محدودة. وللكتاب الإنكليزي عنوانان: «هُراءٌ ذو رَواج» و»تُرّهاتٌ فكرية» وقد اعتُمد العنوان الثاني هذا للكتاب الفرنسي.
في فصولٍ منه، يتناول الكتاب بعضاً من مشاهير «ما بعد الحداثة» الفرنسيين واحداً واحداً: قطب التحليل النفسي جاك لاكان، نجمة نظرية الأدب جوليا كريستيفا، الفيلسوف المعتبر جيل دلوز، قائدة النقد النسوي للغة والمعرفة لوس إيريغاري، النظري السياسي المشهور ريجيس دوبريه، الاجتماعي البارز جان بودريار، إلخ. وهو يوضح بالشواهد الكثيرة كيف أن كلّ واحدٍ من هؤلاء استعار من الرياضيات أو من الفيزياء نماذج نظرية مختلفة وافترض لها صلاحية معالجة أو حلّ لمسائل منتمية إلى دوائر علوم الإنسان والمجتمع أو فلسفة المعرفة. افترض لها هذه الصلاحية بعد أن ارتكب في عرضه لها سقطات بائسةً في فهمها وتقدير ما يمكن بناؤه عليها من نتائج. أسوأ من هذا أن الاستعارة لم يصحبها، في كثرة كاثرة من الحالات، جلاءٌ لوجه التوافق الذي افترضه المستعير بين ما استعاره من الرياضيات أو من العلوم الصلبة وما يعالجه في علوم الإنسان والمجتمع.
لاكان مثلاً لا يدلي بشيء يوضح كيفية التوصّل إلى افتراض ما يفترضه من صلاحية النموذج الطبّولوجي الذي يزعم استعارته من الرياضيات الحديثة لوصف بنية اللاشعور. هو يعامل هذه الصلاحية وكأنها معطاة بلا حاجةٍ إلى دليل ثم يروح يبني عليها كلاماً كثيراً يمنحه المصطلح الرياضي أبّهةً ظاهرة وينزع استغلاقُه إلى ردع كلّ إغراءٍ بالشك أو بالنقد قد يشعر به قارئه… هذا وما يصحّ في لاكان يصحّ مضاعفاً في جوليا كريستيفا، وهي، إذ تبسط نظريتها في لغة الشعر، تتبدّى أكثر جهلاً بما تستلهمه من الرياضيات من لاكان وفي لوس إيريغاري وهي أكثر خفّة في نعت الرياضيات وعلوم الطبيعة بـ»الذكورية» وأمْيَلُ إلى المبالغة الهزلية في استماتتها لتأنيث المعارف كلّها، إلخ.
هل تؤدّي هذه الفضائح والتعميمات إلى إطاحة هذا الصف من «المراجع» الفرنسيين قَضَّه بقَضيضه وإنكارِ كل قيمة لأعمالهم؟ عن هذا السؤال يقدّم المؤلّفان جواباً حذراً. يقولان إن ما جاءا به من نقد وما عرضا له من مسائل في أعمال هؤلاء الأركان لـ»ما بعد الحداثة» الفرنسية لا يفيد شيئاً سلبياً ولا إيجابياً بصدد الجوانب الأخرى من تلك الأعمال، بل إن نقدهم لا يرمي إلى ردع استعارة النماذج من منظومة معرفية إلى أخرى، إذا هي استجابت لشروط بعينها هي بمثابة تحصيل الحاصل. هو لا يرمي أيضاً إلى محاكمة النصوص بمقياسي السهولة والصعوبة مجرّدين من تقدير الضرورة التي يولّدها الموضوع ويسوّغها النصّ نفسه بدرجة تماسكه وعمقه وبمخرجاته.
على أن ما أظهره المؤلّفان يفترض في رأيهما أن لا يعتبر الغموض وتلاطم المصطلحات النادرة، بحدّ ذاتهما، دليلاً على جلال المعالجة، أي على عمقها وجودتها. ذاك، في كلّ حال، بعض ما كان أظهره «الملعوب» الذي وقعت ضحيّته، بهمّة سوكال، مجلّة «سوشال تكست». أهمّ من هذا أن ثبوت تهمٍ تتراوح بين الجهل أو سوء الفهم وبين الغشّ الصُراح على أعيان «ما بعد الحداثة» أولئك، يوجب مطالعة الجوانب الأخرى من أعمالهم بعين الحذر.. هو يفرض، على الخصوص، أن يجعل القارئ نفسه بمنأىً مبدئيّ من أنواع الاحتجاج بالسلطة: أكانت السلطة سلطة «مَرْجِعٍ» في بابٍ من أبواب المعرفة أم سلطة مصطلحٍ ومنظوماتٍ من المعارف ذاعَ لها صيتُ الضبط والربط.
على أن في كتاب سوكال وبريكمونت ما يتعدّى هذا التناول لأشخاص بأعيانهم بهذا النقد الموضعي الذي يصطاد «دُرَرَ» هفواتهم في معاملتهم علوماً لا تَضَلُّع لهم منها يبيح ائتمانَهم على بعض منجزاتها النظرية أو المنهجية. في الكتاب شيءٌ آخر يسوّغ لمؤلّفَيه القولَ إنه كتابان في مجلّد واحد. هذا الشيء هو التعرّض لفكر «ما بعد الحداثة» في أُسُسه، أي، على الخصوص، للقول بـ»نسبية المعرفة» وللذهاب بهذا القول مذاهب شتّى تختلف قيمةً وجدّةً باختلاف الباحثين والمسائل. هذا الجانب الآخر من الكتاب، نكرّس له عجالتنا المقبلة.

كاتب لبناني

أحمد بيضون

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s