نجاةُ الفَشَل والقَدَر

أحمد بيضون

قبل عامين كتبتُ مقالةً قصيرة خرجتُ فيها من زحمة السير في بيروت بدعوةٍ إلى التأمّل في معنى الحياة. كنت أسأل إن كان يبقى للحياة معنىً حين يضطر واحدنا إلى قضاء هذا المقدار الجسيم منها محتجزاً في سيّارة، ممنوعاً من صنع أيّ شيء يرغب في صنعه بوقتٍ طويلٍ يُقْتَطَع عَنْوةً من أعمارنا القصيرة…
اليوم أعود إلى موضوع السير والسيارات في بيروت وفي لبنان، على الأعمّ، من زاويةٍ أخرى هي اعتبار أزمة السير والمنظومة الاجتماعية- السياسية التي تندرج فيها نطاقاً للمسؤولية العامّة عن جرائم قَتْلٍ وجرْحٍ يقع ضحاياها مارّة وركّابٌ وسائقون… وهي مسؤولية قلّما يلحظها أحدٌ بما في ذلك الضحايا الذين يبقون على قيد الحياة، إذ ينحو هؤلاء إلى النظر في الحوادث واحداً واحداً وإلى حصر المسؤليات في الأفراد وفي اللحظة التي يقع فيها الحادث والموضع الذي يشهده.
لا ريب أن هذا الحصر ضروري حين تراد معالجة النتائج ويعوَّل على الأصول المتبّعة لهذه الغاية من فنّيةٍ وقانونية. ولكن تبقى، في ما يتعدّى هذا الهمّ، نظرةٌ أخرى ممكنة – بل واجبة – يسع المرءَ أن يجيلها في موضوع حوادث السير هذا من زاوية السياسة والاجتماع ومن زاوية الفلسفة التي يستدعيها هذان أيضاً. وإذ أفعل هذا أدرك أن قرّاءً غير لبنانيين سيلحظون شَبَهاً بين ما أصفه وأقوله وبين ما يلقونه وما قد يخطر لهم حيث يقيمون…
إذا كنتَ مقيماً في بيروت واجتزتَ بين حين وآخر كيلومتراً واحداً أو اثنين سيراً على قدميك أو اجتزت ستة كيلومترات أو ثمانية للانتقال من حيّ إلى آخر في المدينة في سيارة تقودها أنت أو يقودها غيرك قاصداً، مثلاً، أن تذهب إلى محلّ عملك وأن تعود، بعد ساعات، إلى محلّ سكنك…
… أو أقدَمْتَ طوعاً أو كرهاً على اجتياز مائة كيلومتر – مثلاً – في سيارة تقودها أنت أو يقودها غيرك للانتقال إلى موضع ما من هذه البلاد الصغيرة وللعودة بعد ذلك إلى مقامك…
إذا فعلتَ واحداً من هذه الأشياء حصَلَ لك، على الأرجح، أمرٌ أو أمورٌ تستحقّ الذكرَ استحقاقاً تامّاً، عند إمعان النظر، ولكنّك قلّما تذكرها. من ذلك أن تكون ماشياً على رصيف فيثب عليك درّاجٌ ناريّ استحسن أن يترك أرض الشارع بداعي العجلة ويفرض عليك أن تنزاح متراً أو نصفَ مترٍ في اللحظة المناسبة ليتمكّن من المضيّ في سبيله بين مارّةٍ آخرين. من جهتي أعزّي النفس كلذما تعرّضتُ لوثبةٍ من هذا القبيل بأنني أزداد علماً بما قصده الشيوعيون العراقيون حين أطلقوا اسم «الوثبة» على حركةٍ تولّوا قيادتها في سنة 1948…
يدخل في هذا الباب أيضاً أن يقتحم الضوء الأحمر أمامك، بعد احمراره بعشرِ ثوان، سائق قرّر أن إقلاعك في اتّجاه الضوء الأخضر الذي حسبتَه فرجاً لكربتك إنما هو أمرٌ في غير محلّه إذ هو يلزمه بالانتظار دقيقة أو نحوها خلافاً لرغبته… من ذلك أيضاً أن يتجاوزك من جهة اليمين على الطريق السريع سائق قرّر أن يستفيد من خط الطوارئ متجاهلاً لزومك، أنت أيضاً، خطّ اليمين وضيقَ الممرّ الذي شاء أن يباغتك (مشكوراً) بسلوكه مشعراً إيّاك بأن انعطافك المباغت أيضاً نحو اليسار هو شرط نجاتك ونجاته ومن معكما جميعاً إذا هو حصل في الثانية المناسبة أي إذا كان برج كليكما برج سعدٍ في تلك اللحظة المشهودة…
لا طمع لي في حصر الحالات التي «ينجو» فيها اللبنانيّ أو المقيم في لبنان يوميّاً من الموت أو من الإصابة في بدنه، على اختلاف الدرجات والأنواع. ولأذكر لك، أيها القارئ الشاهد، بعض ما خبرته بنفسي، أي في بدني، في الأشهر الأخيرة… لا أذكر هذا إثقالاً عليك بالشكوى بل دليلاً على عجزي عن الإحاطة بما يعرض لنا أو يلمّ بنا من مخاطر بالغة التنوّع، متعلّقة بالانتقال، متأتية من رفضنا التسليم بالامتناع المطلق عن التنقّل في المدينة وفي البلاد…
قبل أسابيع، كنت أمشي على رصيف من أرصفة المدينة قاصداً منزلَ قريبٍ لي دعيت إلى غداءٍ فيه. ولم تكن متعتي قد طالت بالسير الآمن على ذاك الرصيف حين اضطررت إلى مغادرته بسبب سورٍ لورشةٍ صادَرَه بتمامه. نزلتُ إلى أرض الشارع مكرهاً إذن… ولم أكن مشيتُ أمتاراً وأنا متسلّحٌ بحقّ العودة إلى الرصيف قبل أقرب الأجلين، حتى شعرت بحلول واحد من هذين: اختار سائق قادمٌ من الخلف أن يميل إلى أقصى اليسار أي نحوي… فما كان من مرآة سيارته إلا أن لطمت ذراعي مخلّفة فيه رضّة لا يعتدّ بها كثيراً وجرحاً لا يعتدّ به ابداً. تابع السائق الذي لم يبلغه احتجاجي الأخرس سيره ولم تلبث متعة الطعام ان أنستني الحادثة كلّها بما فيها بعض الثقل الي كنت لا أزال اشعر به في ذراعي. فنحن قد أصبحنا، لفرط ما ننجو، نكاد لا ننتبه إلى نجاتنا. كنت قد «نجوت» إذن… وعلى غرار اللبنانيين وغيرهم، على التعميم، في هذا النوع من المواقف «رضيتُ من الغنيمة بالإياب»!
قبلَ ذلك بأشهر، كنت أجتاز شارعاً مجاوراً لمنزلي بعد أن استوثقتُ بالنظر إلى الجهة التي تأتي منها السيارات أنني آمن! ولكن السائق الذين كان قد توقّف أمامي، خلف سيّارات أخرى، اختار في لحظة عبوري، أن يقلع بسيارته القهقرى وذلك لسببٍ لم يوصله إلى علمي من قبلُ ولا من بعدُ. عليه لطمَتْني مؤخّرة السيارة المتراجعة مضطرّةً إيّاي إلى قفزة عريضة جاءت غير ملحوظةٍ في برنامجي ورميتُ منها (رميةً من غير رامٍ) إلى تجنّب السقوط تحت عجلات السيّارة. نزل السائق من سيارته قاصداً الاطّلاع على جليّة الأمر والاعتذار فشتمتُه بأنفاسٍ مبهورة وصرفتُه راشداً… كنت قد «نجوتُ» هذه المرّة ايضاً.
وأمّا ما يحصلُ لي وأنا أقود سيّارتي فأغضي عن ذكره خَفَراً إذ هو قسمةٌ عامّة لكلّ السائقين في بلادنا هذه. وقد أشرتُ أعلاه إلى حالة واحدة من حالات «النجاة» التي يحظى بها كلّ جالس على طرقنا خلف مقود… ولا أرى في الزيادة إفادة. أنا سائق مشهودٌ لي بالاتّزان وخبرتي في السياقة تزيد عن خمسين سنة وقد أورثتني حذقاً يطمئنّ إليه الراكبون معي. ولا نتوقّف عن النجاة، أنا ومن معي، حين أقود السيارة. لا يتوقّف عن النجاة أي مواطن أو مقيم في هذه البلاد طالما بقي غدر الزمان يلزمه بالتنقّل. ينجو واحدنا من الموت أو من الإصابة في بدنه مرّة كلّ يومٍ، مثلاً، أو مرّتين في الأسبوع تبعاً لمتغيّراتٍ عديدة أهمّها، بطبيعة الحال، وتيرة تنقّله.
وأما السؤال الاجتماعيّ في موضوع النجاة هذا فيتعلّق بفشل نظامٍ برمّته هو النظام الاجتماعي السياسي المعتمد هنا في إنجائنا من هذا النوع من النجاة: إذ هذا نوعٌ تشهد الخبرات المكتسبة من مجتمعات ودولٍ أخرى بإمكان النجاة منه. فإن من المؤكّد أن هذا النظام هو من يعدّ المسرح ومن يصمّم المَشاهد ومن يدرّب الممثّلين. وهو يتّبع في هذا كلّه أصولاً عامّة يمليها عجزه عن اتّباع الأصول المفترضة. لذا لا تكفي نسبة حالات النجاة التي تحصل ولا حالات عدم النجاة، بالتأكيد، إلى جناةٍ وضحايا أفراد.
في الأمر شيء من منسوب العداوة في العلاقات بين البشر في المجال العامّ وفيه شيء من نسبة العجز عن إعمال القانون وفيه شيء من التسيب في مقتضيات السلامة ومن الاستخفاف بالحياة ناجم عن استبعاد المسؤولية عن النفس واستبعاد المحاسبة. في النجاة المتكرّرة وفي عدمها الذي قد لا يحتاج إلى تكرار منفذ إلى التأمّل في فشل نظام مشتملٍ على المجتمع والدولة من أقصاه إلى أقصاه… وهذا بالضرورة تأمّل في ما ينبغي أن يكون عليه الموقف من هذا النظام إذا نحن صمّمنا على الخروج من نظام النجاة المتكرّرة.
وأما السؤال الفلسفي فتطرحه، مثلاً، واقعة امتناع عجلات السيارة التي صدَمَتْني وهي تتراجع عن الدوران دورةً أخرى… وتطرحه أيضاً واقعة امتناع المرآة في السيارة الأخرى عن زيادة عرض اللطمة التي أنزلتها بذراعي عشرة سنتيمترات أخرى… فإن هذه السنتيمترات وتلك الدورة هي عرض الفارق وطوله بين «النجاة» وعدمها. أي إننا نحظى ههنا، بعد فرصة التأمّل في مسألة الفشل، بفرصةٍ لا تفوّت للتأمّل في مسألة القضاء والقدر.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s