«نظريّة كل شيء»

أحمد بيضون

يكفي التضادّ بين ما في المقاطع التي تعلن عن أفلامٍ أخرى يجري عرضها أو هي ستعرض في مجمّع الصالات الذي جئتَ إليه لمشاهدة هذا الفيلم من صخبٍ مهول وبين البطء المضني الذي يلزم المرض به ستيفان هوكن
غ وهو يحاول صعود السلّم الداخلي في منزله… يكفي هذا التضادّ لتعلم أنك تشاهد عملاً يقع خارج موجة استثارة الحواسّ بمقادير من عنف المؤثّرات تفترض بلوغ بشر اليوم أغوار البلادة القصوى. وهي الموجة التي تتصدّر صالات العالم، من زمن غير قليل، ومعها شبابيك تذاكره، على ما يبدو.
لا يتأتى حبسُ الأنفاس هنا من تسارع الصدمات أو الانفجارات الرهيبة والسرعة المرعبة للصواريخ أو للمركبات المنخرطة في مواجهةٍ كونية ما وما يصحب ذلك كله من تضافر الأضواء الباهرة واستشراء النيران المدمّرة وتلاحق الضربات المدوّية التي توجّه إلى الأعداء وضخامة الوسائل التي تتقى بها الضربات… وإنما يتأتى من مراقبة رجلٍ يجمع هشاشة البدن المتفاقمة إلى ملحمية التصميم وهو يقطع خطواتٍ في غرفته تبدو كلّ منها منطويةً على خطرٍ عليه أو يحاول إبلاغَ اللقمة فمَه أو ابتلاعَها.
وهذا مع أن الكون وزمنه غامرا الحضور في هذا العمل من أوّله إلى آخره. بل هما الطبقة الأساسية من طبقات الوقائع التي تتبادل الدلالات ويعزّز بعضها بعضاً في تيّارٍ يجمع بين التوتّر والبطء هو تيّار السيرة التي وضعتها جين وايلد لزوجها عالم الفيزياء النظرية البريطاني ستيفن هوكنغ وكانت هي أساس هذا الفيلم.
ولنقل بلا مزيدٍ من الإبطاء أن المشاهد يخرج شبه يائس من أن يتاح له أن يحظى بعد عمل جيمس مارش هذا بشريط آخر ينطوي، بين بدايته ونهايته، على هذا القدر من مجد الإنسانية المتمثّل ههنا في مسارِ فيزيائيٍّ ألمعيِّ القدرات والهموم يواجهه مرضٌ في جهازه العصبي يعده بالقتل المتدرّج لقدراته الحركية وبالموت القريب من ثمّ. ومسار الرجل هو هنا مساره مع شريكته أو هو مسارُ شريكته معه. هذا الذي نسمّيه تجسيداً لمجد الإنسانية ينبني بلبناتٍ صغيرة من تفاصيل الحياة اليومية تخلو – بخلاف ما توحي به كلمة «مجد» – من كلّ إطنابٍ أو خطابة. غير أنه يكتسب عظمته من نوعٍ من الوصل المستمرّ يجترحه ما بين السماء والأرض: ما بين الزمن الضيق الذي يمنحه المرض للعالم والزمن الكوني الذي يبحث له هذا العالم عن أوّلٍ وآخر… أو هو يبحث، بالتردّد المرجّح للبحث بين مرحلةٍ ومرحلة، إن كان له أوّلٌ او آخر. ولا تبدو الصلة بين هذين الزمنين سوى صلة الحبّ التي تجمع جين الصبية، دارسة أدب القرون الوسطى في شبه الجزيرة الإيبيرية، بمن سيصبح زوجها. وهي نفسها صلة العزيمة التي ينفخها الأمل في جسم الرجل وهو يشهد المرض ينزلق به من الخلل في التوازن واضطراب المشي وبطئه إلى الاحتباس في كرسي درّاج ثم إلى فقدان القدرة على النطق، بعد جراحة اضطرارية، فضلاً عن قدراتٍ حركية أخرى يوشك أن يحيله فقدانها إلى روح محضة: روحٍ أصبحت لا تجد في الجسم سوى «المحبس»، على قول المعرّي.
وما يزيد هذه الملحمة بعداً عن الخطابة – بخلاف ما قد توحي به تسمية «الملحمة» وهي مستحقّة ههنا – أن الخلل الملازم لكلّ شيءٍ بشري يتطرّق إلى العلاقة بين الزوجين ويفضي بهما إلى الانفصال. ينفصلان بعد مطافٍ طويل مدّت الطاقة التي تولّدت فيه في عمر ستيفن واستهلكت ردحاً غير يسير من عمر جين وأثمرت ثلاثة أولادٍ كبروا تباعاً في المناخ الذي فرضته معاركة والديهم للمرض.
هذا الانفصال يبدو اختياراً من ستيفن، بمعنى ما، أراده لتحرير زوجته من عبء البطولة التي كانتها حياتها معه. وهو اختيار سهّلته العلاقة الرقيقة التي نشأت بين ستيفن وإلين: الممرّضة التي جاءت بها زوجته لتحمل معها بعض العبء ولتحرّر جانباً من وقتها لنفسها وللأولاد. والانفصال نفسه محطّة تفضي إليها الزوجة أيضاً في مساق علاقة متقطّعة بالقسّ الأرمل جوناثان الذي جاءت به إلى البيت مدرّس بيانو لولدها ثم أصبح مساعداً لستيفن أيضاً وصديقاً للأسرة بادلته الزوجة عاطفةً أفلتت من كوابحها بعد حين…
لا زعم إذن لكمالٍ ما لا يقدر عليه البشر في الحبّ الذي جمع بين جين وستيفن في مسار علاقتهما الملحمي. ولكن الخلل البشري الذي يتطرّق إلى هذه العلاقة المديدة الشاقّة يبقى أبعد ما يكون عن الاستواء مطعناً في جمال هذه العلاقة. بل هو لا يزيد نبضها إلا رقّةً ولا يضفي عليها إلا المزيد من الألق فيما هو يتّجه إلى فصم عروة الزوجية التي تمثّل نطاقها الحسّي أو المؤسّسي.
تتراكب في مسار هذا الشريط طبقات عدّة تمثّل كلّ منها نوعاً من الكناية عن الأخرى. فالفيزيائي الباحث عن بدء للزمن والملحد الذي يبدو وكأنه يقارب شيئاً فشيئاً نوعاً من الحلولية، في محطّة يقترن فيها بحثه العلمي بمأساته الشخصية، والعائد تكراراً إلى حوار في مسألة الخلق تستدرجه إليه زوجته المؤمنة يبدو وكأنّما يستعيد في مسلكه حيال المرض نظرية الثقوب السود والطاقة التي يزيدها التراجع نحو بدء الزمن الكوني كثافةً ولكن مرحلةً أخرى من البحث ترجّح تبدّدها… يبدو هذا الرجل المحتاج إلى طاقة الأمل الهائلة فيه وكأنه يجسّد، على نحوٍ ما، كثافة الطاقة الأصلية التي نشأت منها المجرّات والثقوب السود وكأنه يستعيد مخاطر التبدّد التي صحبت هذه النشأة ومعها ما يقابلها من توسّع للكون لا حدّ معلوماً له ولا نهاية.
في قصّة هذا الرجل وامرأته حوارٌ في مسألة الله والخلق لا يُحسم. وفيها تردّد في الرواية التي يصحّ اعتمادها لنشأة الكون وفيها إقرار بالعجز، حتى تاريخه، عن الوصول إلى المعادلة الأخيرة المنشودة: تلك التي تمثّل خلاصة لـ»نظرية كلّ شيء»… للنظرية التي تحلّ لغز العالم. ولكن هذا الفيلم يزعم أن ثمة محلاًّ يبقى للأمل في طاقة الحبّ وفي عزيمة العقل أي في الإنسان.
لا أتنطّح هنا لتناول المزايا السينمائية لهذا الفيلم. مع ذلك لا أملك أن أتجاهل ما تركه الشريط في نفس مشاهد هو أنا من شعورٍ بكمال الإخراج، بسائر وجوهه. لا أملك أيضاً أن لا أتوقّف، بخاصّةٍ، عند أداء إدي ريدمان الذي اضطلع بدور ستيفن هوكنغ وهو يتقدّم في علّته من طورٍ إلى طور. ذاك أداءٌ معجزٌ حقّاً…
كاتب لبناني

أحمد بيضون

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s