كتب «النهايات»

أحمد بيضون

لا أعرف إن كنت واهماً… فما أنا بصدده يصعب التحقق منه إذ هذا يقتضي بحثاً مترامي الأطراف. مع ذلك، أركُن إلى تخمينٍ لي مفاده أن «كتب النهايات» كثُرت في ربع القرن الأخير. هل كانت كثيرة قبل هذه المدّة أيضاً؟ أم أن شيئاً خاصّاً بهذه المرحلة جعل هذا النوع يتنامى؟ هذا ما لا يسعني الجزم فيه. مع ذلك، يبقى ممكناً أن يغامر واحدنا بتعليل لتتابع العناوين القائلة بنهاية شيء ما في هذه المرحلة الأخيرة وإن لم يكن في يده ما يأذن بالمقارنة بينها وبين مراحل سابقة. البعد المقارن ما كان إلا ليلقي ضوءاً مضافاً على أيّة خلاصة نخلص إليها في هذا الشأن ولكنه ليس ضربةَ لازمٍ ولا يلغي تعذّرُ الاستئناس به المهمّةَ أو يحكم بتعذّر القيام بها أصلاً.
وما أسمّيه «كتب النهايات» هو مؤلّفات طبّقت شهرة بعضها الآفاق وبقي بعضها الآخر أدنى حظوةً يعلن كلّ منها نهايةَ شيء: شيءٍ ليس أيّ شيء… وإنما هو ركنٌ أو سمةٌ رئيسة من أركان عالمٍ ألفناه وسماته… أو هو حركة شكّلت أيضاً معلماً بارزاً من معالم ترسم مصير البشر كلهم في راهنه… أو مصيرَ كتلٍ معتبرة منهم… أو هو نظامٌ فكريّ تَشاطره بشرٌ كثيرون لأمدٍ متطاول، إلخ.
ولا يصعب، وقد جعلنا المرحلةَ المستعرَضة تتمثّل في ربع القرن الأخير، أن نستكثر من الأمثلة بجهد استرجاعٍ طفيف. وأمّا ما يحمل على اعتماد هذا التحديد للمرحلة فهو تواضعٌ يسنده الشعور العامّ على اعتبار انهيار الاتّحاد السوفييتي وانفراطِ كتلته وانتشارِ الخيار الديمقراطي الذي استوى رمزاً له إسقاطُ جدار برلين على مدى «القارّة» السوفييتية السابقة وفي أصقاع أخرى بعيدة عنها وتسلّمِ الولايات المتّحدة الأمريكية، بما هي القوّة العظمى الوحيدة مذ ذاك، زعامة العالم الجديد وتوسّعِ الاتّحاد الأوروبي إلى تخوم روسياالاتحادية، إلخ. لا يمارى في الجدّة التي طبعت عالماً شكّلته هذه الوقائع ولو أن بعضها بدأ يتخلخل منذ ظهوره وتعرّض شيئاً فشيئاً لتحدّيات متآزرة أو متعاقبة مثّلها صعودُ الصين وجيرانِها من أقطاب الاقتصاد العالمي الجديد والتعثّرُ المحبط في مسيرة الاتحاد الأوروبي واستئنافُ السعي الروسي إلى التصدّر العالمي وتوطّدُ الإسلام السياسي ممثّلاً بالدولة الإيرانية وبمقابلها السنّي الذي كان 11 أيلول/سبتمبر 2001 إعلانه المدوّي عن نفسه بما هو خصمٌ للسيطرة الأمريكية على شطورٍ عريضة من العالم الإسلامي وردٌّ على السعي الإيراني إلى الزعامة الإسلامية في آن… على صعيد آخر، بدا أن حركة العولمة أخذت تغطّي، بوجوهها المختلفة من اقتصاديّ- مالي وسياسي- عسكري ومعلوماتي- تواصلي، ما لم تكن قد اكتسحته من أصقاع العالم وبدا أنها تمثّل امتحاناً عسيراً لحدود الدول، بما فيها الكبيرة، وسيادتِها ولسيطرةِ أنظمتها ومواطنيها على مصائرها. كان هذا عالماً جديداً لا ريب في جِدّته في ما يتعدّى ما يلقاه استتبابه من مقاومة وما يعرو مسيرتَه من تعثّر… فكيف أعلنت «كتب النهايات» ولادة هذا العالم؟ ولمَ كانت كتبَ نهاياتٍ أصلاً ولم تكن كتبَ ولادات؟
مرّة أخرى، لا تستغني الإجابة عن ضرب الأمثلة. هذه بعض العناوين مرتّبةً بحسب تواريخ الصدور: «نهاية التاريخ» لفرنسيس فوكوياما (1992)؛ «فشل الإسلام السياسي» لأوليفييه روا (1992)؛ «نهاية أقاليم الدول» لبرتران بادي (1995)؛ «وداع العروبة» لحازم صاغيّة (1999)؛ «بَعْدَ الدولة- الأمة» ليورغن هابرماس (2000)؛ «بَعْدَ الإمبراطورية» لأمانويل تود (2002)؛ «نهاية الإيمان» لسام هاريس (2005)؛ «نهاية المجتمعات» لآلان تورين (2013)؛ «نهاية النمو» لريتشارد هاينبرغ (2011)؛ «نهاية الرجال ونهضة النساء» لهنّه روزن (2012)؛ «نهاية العولمة» لفرانسوا لنغلي (2013).
والملاحظة الأولى هي أن هذه العناوين لا تتساوى في درجة الحسم. فما يبدأ منها بـ»نهاية» أشدّ ممّا يبدأ بـ»بَعْد» إذ تفتح الفئة الثانية باباً أو أفقاً يخلف الذي انتهى وقد يَفْضُله. والملاحظة الثانية أن بعض هذه العناوين سقط، على وجه السرعة، وغار في الصمت بعد ما أحدثه من دويّ. أهمّ ما بلغ نهاية شوطه من العناوين عنوان فوكوياما الذي خانه «التاريخ» بُعيد ظهوره إذ استأنف حركته بأعنف صوره وأقبحها. ولا يصحّ القول نفسه، على الأرجح، في «فشل الإسلام السياسي» لأن ما شهده هذا الأخير من استشراء وتمدّد بعد صدور الكتاب، يجوز ألاّ يعتبر «نجاحاً» بمعنى تحقيق المهمّة المفترضة. والملاحظة الثالثة أن هذه «النهايات» كلّها نهاياتٌ غير قطعيّة أو هي إشكالية يحتاج إثباتها إلى براهين. فما يدلي به كلّ منها ليس من قبيل «نهاية الكتلة السوفييتية»، مثلاً، أي من قبيل النهايات التي يعدّ القول بها تحصيل حاصل فتستدعي وصفاً وتعليلاً ولكن لا يحتاج إثباتها إلى برهان. والملاحظة الأخيرة – ولعلّها الأهمّ – هي أن هذه العناوين يناطح بعضُ آخِرِها بعضَ أوّلها. فما يقرّره لنغلي (وهو اقتصادي) بصدد العولمة يخالف ما يقرّره هابرماس (وهو اجتماعي وفيلسوف) بصدد الدولة- الأمّة ويعيد النظر جزئيّاً في ما يقوله بادي (وهو سياسي) بصدد أقاليم الدول. وما يراه تود في شأن الإمبراطورية الأمريكية ينقض جانباً من الصورة التي كان فوكوياما قد بنى عليها اجتهاده المعلوم. إلخ، إلخ…
هذه الحركة التي يخلخل فيها الحديث العهد ما كان قد سبقه تدلّ على نوعٍ من الهشاشة أو من التناهي تتّسم به هذه «النهايات» المهولة التي يكفي كلّ منها لإبدال عالَمٍ بعالم. ثمّة نوع من النقصان في كلّ منها إذن أو هو شيء من القابلية لردّةٍ ما وإن كان لا يرجى، في أيّ حال، عودةُ القديم إلى قدمه. لا نهايةُ الدولة- الأمّة قطعية ولا نهايةُ الإمبراطورية ولا نهايةُ «الإيمان» التي لا تستبعد، في كتاب هاريسن توسُّعَ التديّن المنظّم… ولا نهاية «الرجل» بما هو دور، ولا وداع «العروبة» بما هي قوّةٌ سياسية، نهائيّان. وهذا ناهيك بأن تكون «العولمة» التي لا يزال الاحتفال جارياً ببلوغها أشُدّها قد لقيت حتفها… هذه الهشاشة أو النسبية أو الترجّح في «النهايات» المستعرضة… هذا التعذّر لإلزام التاريخي بوجهةٍ مطلقة… هي أَوْجَهُ ما يخلص إليه المتأمّل في هذا الصفّ من كتبٍ عريضة الآفاق وشديدة الوقع.
وبعد فنحن، في هذا الشطر من العالم، نشعر شعوراً مزلزلاً، بأن شيئاً في عالمنا هو الآن في قيد الانتهاء. ولكننا لا نعلم علم اليقين، بعدُ، ماهية هذا الذي نشهدُ نهايته في عالمنا أو، بالأحرى، فينا… ولا نُحْسن أن نسمّيه.
فلعلّ العودة، في عجالةٍ مقبلة، إلى واحد من هذه الكتب (نراهُ أهمَّها) وهو كتاب آلان تورين «نهاية المجتمعات» تسعفنا في التقدّم قليلاً نحو منفذٍ من شبكة الأنفاق التي نحن فيها.
كاتب لبناني

أحمد بيضون

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s