«وطني دائماً على حقّ»!

أحمد بيضون

في نحوٍ من ستمئة صفحة، وفي نسختين: فرنسيّةٍ أصلية وعربية منقولة، رَوت صونيا فرنجية الراسي سيرة والدها رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق سليمان فرنجية. ولكن العائلة كلها حاضرة في هذه السيرة. الكبار حاضرون ابتداءً من جدّ المؤلّفة قبلان الذي يبدأ معه ما يشبه أن يكون سيرةً سياسية للعائلة. ويخلفه ولده الأكبر حميد الذي يُخْرج الزعامة العائلية إلى أفق السياسة الوطنية فعلاً فيصبح نائباً في مجلس الجمهورية الحديثة النشوء ثم وزيراً مؤسساً للدبلوماسية اللبنانية ثم مرشّحاً لرئاسة الجمهورية… أي سياسياً، في جميع هذه الأطوار، لا تعدو زعامة العائلة والوجاهة في الناحية أو في المحافظة أن تمثّلا خلفية له يتعدّاهما مجال حضوره الأهمّ ونشاطه الأبرز بأشواط. بعد حميد الذي أخرجه نزفٌ دماغي من حلبة السياسة قبل الأوان، يتقدّم إلى الواجهة العامّة سليمان، أخوه الوحيد وصاحب هذه السيرة التي تكتبها ابنته. وكان سليمان، قبل انكفاء حميد، حاضراً في البلدة (زغرتا-إهدن) وفي الجوار الذي تبسط عليه هذه البلدة نفوذها، يرعى فيهما مصالح العائلة على اختلافها ومنها – على الخصوص – مصالحُ أخيه الانتخابية.
هل يستنفد هذا الكتاب الضخم أن نعدّه سيرةً سياسية لسليمان فرنجية تلمّ بوقائعَ ومسائلَ ووجوهٍ قريبة وبعيدة على غرار ما يُفترض في سِيَر الشخصيات العامّة؟ يغرينا عنوان الكتاب باعتماد هذه النظرة. «وطني دائماً على حق!» شعارٌ أطلقه سليمان فرنجية، في سنة 1969، أي في ظرفِ تصاعُد الحمّى السياسية التي سبق استبدادُها بلبنان تسلّمَ الرجل رئاسة البلاد. والشعار مستعارٌ (مع كتمان المصدر!) من عبارة أطول منه بقليل ولكنها أقرب إلى الصراحة في العصبية للأديب الفرنسي موريس باريس: «أَجْعَلُ الحقَّ في جانب وطني دائماً وإن يكن على باطل!». غير أن الفضول الذي تستثيره قراءة الكتاب يبدو منبعثاً من مصدرٍ آخر. فهذا الكتاب ليس سيرةً فرديّةً على الرغم من دورانه الواضح حول فرْد. وإنما يجعل منه «موقع الراوية» فيه والعين التي تنظّم بها هذه الأخيرة عالمَها وثيقةً أنثروبولوجية تطرح أوّل ما تطرح شروط إمكانها على الشاكلة التي منحَتها أوصافَها بما هي سيرةٌ ذات طرازٍ مميّز.
وأوّل ما يجعل تصنيف الكتاب على أنه سيرةٌ لشخصية سياسية أمراً مشكلاً أو ملتبساً هو حضور المؤلّفة نفسها فيه. فحين تكون صونيا فرنجية بالقرب من والدها – وهذه هي الحال غالباً – تجعل من نفسها، بما هي شاهدة، طرفاً تامّ الأوصاف من أطراف الحدث. فنُلمّ بالمزاج الذي كانت عليه حين وقع حدثٌ من الأحداث قد يكون جللاً ونقع على ذكرٍ لمناسبة ما كانت ذاهبةً إليها وعلى وصفٍ لثيابها المختارة لتلك المناسبة وعلى استعادةٍ لشعورها ولكلامها وتصرّفها عند وقوع الحدث. وهي تقيم في خارج البلاد، أحياناً، بعيداً عن أسرتها الوالدية، شأنها حين تلتحق بزوجها في الرياض أو حين تكون في سياحةٍ فتتبعها روايتها حيث تكون. فهل هذه سيرة لصونيا فرنجية الراسي إذن يحضر فيها والدها حضور الوالد المعتاد في حياة ابنته وقد يروح ظلّه ينكشف كلّما كبرت هي واستقلّت بأمرها؟
يتعذّر الأخذ بهذه الفرضيّة لأن الإبنة باقية في المدار القريب لوالدها وإن ابتعدت عنه بالجسد، في وقت من الأوقات، ولأن طريقتها في إدراج حياتها في حياته لا تستبقي لها حياةً قائمة بذاتها فعلاً وتنذر بانفراط الكتاب انفراطاً تامّاً لو جازفنا باعتباره سيرة لمؤلّفته. ثم إن الكتاب يوقف روايته قبل ثلاثين سنة من اليوم أي مع مغادرة الوالد حلبة السياسة. فيوحي بذلك أن صاحبته التي لم تكن تبدو ميالة إلى إهمال شخصها ووقائع حياتها، قبل هذا التاريخ، أصبحت لا تجد ما تقوله عن نفسها في ثلاثة عقود انقضت على اعتزال من كان الرأس الفعلي لعائلتها قبل هذا الانسحاب وبعده.
حوْلَ هذا الرأس تنعقد سيرةٌ ليست سيرتَه وحده ولا سيرةَ المؤلّفة وحدها. فإنما تنعقد سيرة العائلة كلّها وتتسرّب هذه في حياة البلدة (زغرتا-إهدن) وفي حياة البلاد كلّها بحيث توشك أن تستوي مداراً لحياة البلاد أو تُبادلها المداريّة دون إمكانٍ سهل لتعيين جهةٍ من الجهتين ينبجس منها المدار وينتمي إليها. ومعنى هذا التسرّب أنّه سيتعذّر علينا أن نستشعر اختلافاً في الحال أو المآل بين الرجل الذي يلعب طاولة الزهر في «نادي» منزله أو يتناول قهوته مع اثنين من رجاله في مقهى من مقاهي طرابلس وذاك الذي يشهر مسدّسه وهو يُهرع للاحتماء من الرصاص بعمود من أعمدة الكنيسة في قرية مزيارة المجاورة وذاك الذي يباشر مهامّه رئيساً للجمهورية بعد أن فاز بالمنصب بأكثرية صوتٍ واحد.
وذاك أن العائلة هي الأصل والأفق هنا وليس الشخصُ إلا عنوانَها ولسانها. بل إن الطائفة والوطن (الذي هو دائماً على حقّ) ليسا إلا مجال العائلة ومضمارها. وما يجعل الكتاب وثيقةً أنثروبولوجية مستحقّةً أن تتّخذ هي نفسها موضوعاً للدرس، إنما هو هذه الحميمية ذات المصدر العائلي تنبعث من العلاقات ومن التصرّفات والأشياء مهما يكن نطاقها أو صعيدها. فالذي يحضر الاجتماع أو يتّخذ القرار أو يستقبل الزوّار هو الوالد طبعاً وهو الزعيم أيضاً وهو الرئيس بلا فصل ولا تمييز.
عليه نطّلع من الكتاب على نظرة المؤلّفة إلى العالم وهي نظرة منتمية إلى بيئة بعينها ودالّة عليها. ولا ريب أن الكتاب يستردّ أيضاً وجهاً مختلف الملامح نسبياً لرئيس غلب على صورته العامّة صيت القسوة والعنف الصادرين من عالمٍ ريفيّ مختصر. غير أن قوّة التشويق التي في النصّ تنبع من حيث أشرنا: أي من اختلاط العامّ والخاصّ في مساكنةٍ غير مؤكّدة الشرعية ومن نزهة طويلة يؤخذ فيها القارئ إلى حياة بيت وأسرة بعينهما فيما تتوالى في المساق نفسه حوادث لم تلبث أن أدمت البيت نفسه حين كانت تسيل الدماء في البلاد أنهاراً.

أحمد بيضون

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s