ميشال فوكو لا يزال في الثلاثين

أحمد بيضون

يستذكر أهل الفلسفة والتاريخ وسائر علوم الإنسان والمجتمع، في هذه الأيام، ميشال فوكو إذ انقضى على رحيله ثلاثون سنة. يستذكرونه ويخصّونه بالمقالات وهم لم يكونوا قد نسوه. ففي سنة 2007، كانت منشورةٌ مختصّة تشير إلى أنه الأوّل في العالم بين من تُسْتقى الشواهد من أعمالهم في مجال العلوم الإنسانية.
هذا ولم تكن هذه الأعوام الثلاثون خاويةً من أعمال له أصبحت في متناول العموم أو جُمعت وأعيدت إلى متناولهم بعد رحيله. وهي لم تكن خاويةً أيضاً من كتب ومقالات تناولت الشخصَ وأعماله وكتب بعضها كبارٌ من أقرانه أمثال الفيلسوف جيل دولوز والمؤرّخ بول فين. وفضلاً عن الطبعات المتواصلة لمؤلّفاته والترجمات التي حملتها في أربعة رياح الأرض، صدرت مع انقضاء السنة العاشرة على غيابه مجلّداتٌ أربعة يربو مجموع صفحاتها عن ثلاثة آلاف ضمّت تحت عنوانٍ عامّ هو «المقولات والمكتوبات» أعمال الرجل «الصغرى» أي مقالاته وأحاديثه، خصوصاً، مرتّبةً بحسب تواريخ نشرها الأصلي.
وكان فوكو قد أوصى بألا تُنشر له، بعد وفاته، أعمالٌ لم تكن نشرت في حياته أي ـ مثلاً ـ نصوصٌ له بقيت مخطوطة. وكانت المجلّدات الأربعة قد استبعدت نشر الدروس التي ألقاها فوكو في أربعة عشر عاماً (تسقط منها سنةٌ سابعة) كان فيها أستاذاً في «الكولّيج دو فرانس»، وهو «الجامعة المفتوحة» التي بلغ عمرها قروناً ولبثت تعدّ أرفع مؤسسات التعليم العالي والبحث مقاماً في البلاد من غير أن تُجري امتحاناتٍ أو تمنحَ شهادات. فكان أن استوى نشر هذه الدروس مشروعاً على حدة راحت تترى مجلّداته في السنوات اللاحقة ليكتمل عقدها في السنة الجارية بظهور الثالث عشر منها تحت عنوان «الذاتية والحقيقة»، وهو يحوي دروس السنة 1980 ـ 1981. فإن تتابع الصدور لم يراعِ تتابع سنيّ التدريس (التي كانت آخرها سنة 1983-1984) مراعاةً تامّة…
لعلّ نشر هذه الدروس انطوى على مخالفة لوصية فوكو الآنفة الذكر. وقد أخذت نصوصها عن أشرطة المسجّلات التي كان بعض الحضور يضعها على منبر المحاضر. مع ذلك، لا يسعنا إلا أن نعتبر وجودها بين أيدينا محلّ ترحيب. كان مضمون البعض من هذه الدروس قد استعيد في كتبٍ لفوكو صدرت في المدّة نفسها: في «المراقبة والعقاب» وفي «تاريخ الجنس» بالأجزاء الثلاثة التي صدرت منه. ولا يخلو بعضها الآخر من استعادة لمؤلّفات أخرى له سبق صدورها أو تأليفها التحاقه بـ»الكوليج دو فرانس» وخصوصاً لـ»تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» ولـ»الكلمات والأشياء» ولـ»علم آثار المعرفة».
وقد يصحّ الافتراض، بسبب من هذا التكرار، على التحديد، أن فوكو ما كان ليوافق على نشر الدروس… وأما ترحيبنا نحن بنشرها فإن التكرار المشار إليه واحدٌ من الدوافع إليه. ويبقى التكرار بعيداً، في كلّ حال، عن استنفاد ما في هذه الدروس من قوّة الفكر وألمعية العرض والمنطق وغزارة المعارف ومن الخصوصية الشديدة للمصادر أيضاً: (محفوظات السجون والمصحّات، المؤلّفات القديمة في الطبّ، إلخ، إلخ.) . فإذا قرنّاها بالمجلّدات الأربعة التي سبق ذكرها وقفنا على شريط زمني تنتظم على مداه موضوعاتٌ وأنواع من النصوص بالغة الوفرة ولكن يتّصل في مداه أيضاً مخاض فكري متلاطم أو مخاضات. فههنا نقع على النظريات والكشوف التي بسطتها كتب المؤلّف وهي لا تزال تتكوّن ولا يخلو تكوّنها من بعض تعثّر أو تردّد. ثم نقع أيضاً على حالاتِ نزوعٍ إلى الخروج على ما كان الرجل نفسه قد اعتمده أو خلص إليه… أو ان هذا ما يبدو لنا، في الأقل.
وبين أهمّ ما يدخل في باب إعادة النظر مسألة «الذات» التي كان استيعابها في «أنظمة» للفكر تتجاوزها قد طغى على القراءات السائرة لـ»الكلمات والأشياء» وأملى في ما أملى الاسم الذي اختاره فوكو لكرسيّه في «الكوليج دو فرانس»: «تاريخ أنظمة الفكر». هذا كلّه في إبّان ازدهار البنيوية التي أبى فوكو التسليم بنسبته إليها. وأيّاً يكن الأمر، نشهد عودة مسهبة في دروس السنوات الأخيرة وفي «تاريخ الجنس» أيضاً إلى «الذات»: لا لإعادتها إلى عرشها الديكارتي بل لترسّم «شجرة نسبها» في الفكر الغربي وفي نسيج السلطة والمعرفة الذي أثمر الأنظمة المتعاقبة لهذا الفكر. وهذا تعاقب يراه فوكو تقطّعاً فتبدو كلّ نقلة فيه وكأنما هي انقلاب.
هذا النوع من التقلّب، بما فيه من عزيمة فكرية ومن ترجّحٍ وشكٍّ أيضاً، هو ما تكشفه الدروس ومعها المقالات والأحاديث إذا ما هي وضعت بإزاء الكتب الناجزة. وهو ما يمنح فوكو حياةً ونضارة إذ يتيح له (ونحن معه) التنفّس في خارج صورةٍ له بقيت مألوفةً على زيفها: صورة المفكّر القطعي الذي قال بـ»موت الأنسان» وأدرج الفكر الحيّ في شيء سمّاه «الأنظمة» يبدو بتكوينه المرهف وجليديته أشبه بالمركبات الفضائية، مثلاً، منه بالجسم الحيّ.
وهذا مع أن فوكو، وهو ابنٌ لطبيب، لم يستقم له يوماً أن ينسى جسمه هو ولا هو كان جاهلاً ما تطوي المجتمعات البشرية أجنحتها عليه من عنفٍ وشقاء. يشهد لذلك، فضلاً عن مواقفه في السياسة، استئثار أهل الهوامش من مرضى عقليين وغير عقليين ومن سجناء ومن أصحاب رغبة خارجة عن حدّ الشرعية الاجتماعية بجلّ تآليفه. وحيث بدا أن فوكو غادر هذه الهوامش راح يبحث في «الحُكْمانيّة» أي في تتويج الدولة الحديثة سائر بنى السلطة المرتسمة في الفكر والفاعلة في دخائل المجتمع…
وذاك أن الرجل كان يلازمه جرحٌ يصعب الفصل بين همّه والهموم الفكرية لحامله. كان فوكو قد عاش بصيغة الأزْمة المدمّرة والشعور بالعار، في فتوّته على الأقلّ، مِثْليّته الجنسية. وقد أورث هذا الشقاءُ محاولتين للانتحار ومزاجاً عَكِراً وجنوحاً إلى العزلة. وقد شابَهَ آخِرُ هذا المطاف أوّلَه. فرحل، في عداد الموجات الأولى من المرضى بالإيدز، رجلٌ صمدت مكانته بعده باعتباره أوسع أهل التأمّل في نُظُم الفكر والمجتمع نفوذاً في عصرنا هذا.
رحل عن 57 سنة…

أحمد بيضون

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s