من أحوالِ إمبراطورٍ “سوريٍّ” قديم

http://www.almodon.com/opinion/5ab0c5ca-6d54-458d-a7ee-847baf1fed45

أحمد بيضون|الجمعة24/05/201

  في واحد من الدروس التي كان يلقيها في الـ”كوليج دو فرانس” (وهي تُجمع تباعاً في كُتُب)، يستذكر ميشال فوكو واقعة من سيرة سبتيميوس سفيروس: الإمبراطور الذي جلس على عرش روما في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث للميلاد. وهي أن المذكور كان يجلس لإصدار الأحكام وتصريف الشؤون المعروضة عليه في قاعة من قصره جعل سقفها على صورة سماء منجّمة. وكانت نجوم تلك السماء وكواكبها مختارة وموزّعة على الصورة التي كانت عليها السماء فعلاً في الليلة التي ولد فيها الإمبراطور. وفي علم النجوم عهدذاك (وبعدذاك) أن التشكيل الذي تكون عليه النجوم والكواكب عند ولادة الإنسان يبقى متحكماً في ما يحصل لهذا الإنسان من أمور وما يصدر عنه من أفعال مدّة حياته كلها. فيستوي ذاك التشكيل صورةً لقدَر هذا الإنسان أي لما هو مرسوم له ومنتظر منه بإرادة كونية لا شأن بها للبشر.
ويرى فوكو أن جعْل الإمبراطور قاعةَ حكمه على هذه الصورة كان القصدُ منه القول إن جلوسه على العرش الذي تبوّأ لم يكن نتيجة لأعمال عنيفة مألوفة قام بها الجنود وكان يحتمل أن تفشل أو أن لا تحصل أبداً، على ما كان معلوماً من الوقائع. وإنما كان هذا الجلوس أمراً مبرماً رسمته الأقدار العلوية. وما كانت تؤكّده سماء القاعة بشأن الجلوس كانت تقول مثله بشأن العزل. فهذا الأخير لم يكن شأناً يصحّ أن ينظُر فيه أو يبادر إليه مواطنو روما أو قادتهم. وإنما كان شأناً من شؤون السماء لا دخل لهؤلاء به ولا علم. تنتهي سماء تلك القاعة إذن إلى القول إن الإمبراطور باقٍ طالما شاءت السماء بقاءه وأن ليس للمحكومين إلا التسليم بهذا القدَر المقدّر والرضوخ لحكمه إلى ما شاءت النجوم والكواكب.
إلى ذلك، كانت سماء القاعة ترفع إلى مرتبة الأقدار المقدّرة ما كان الإمبراطور يصدره من أحكام وما كان يتّخذه من تدابير أو يعلنه من إرادة. فهذا كله كان محصّناً في وجه الطعن، من أية جهة ورد هذا الأخير، باستظلال التشكيل السماوي الذي رعى ولادة الإمبراطور. كلّ شيء يقال أو يُفعل الآن كان مرسوماً سلفاً في تلك السماء الظاهرة خريطتها في سقف القاعة. والاعتراض على شيء يقال أو يُفعل ههنا إنما كان اعتراضاً على إرادة السماء لا أكثر من هذا ولا أقلّ. فلم يكن جائزاً بالتالي أن يخطر الاعتراض ببال أحد…
شيء واحد كان يمثّل خللاً في هذه الحبكة المحكمة: وهو الموت. فالإمبراطور كان إنساناً خاضعاً لناموس الحياة والموت شأن كلّ إنسان. وكان وجود حدّ لحياته تضرب له السماء أيضاً ميعاداً بعينه يسفّه رغبته في البقاء جالساً على عرش روما إلى الأبد. وكان الدليل على ذلك أن الموت سفّه هذه الرغبة في البقاء الأبدي في أحوال من سبق هذا الملك من ملوك دون استثناء أحد منهم.
عليه بذل سبتيميوس سفيروس وسعه لإخفاء موته المقبل حتماً عن عيون الداخلين إلى قاعة حكمه وحمْلهم على نسيان عدوّه المطلق هذا. كان ركنٌ صغير من تشكيل السماء التي ولد الإمبراطور تحتها ينبئ، بحسب العلم السائر في تلك الأيام، بموت الرجل جاعلاً من رحيله ختاماً لرحلة المصير يحتّمه التقدير السماوي أيضاً ويتعذّر على البشر أن يلغوه أو يؤجّلوه متى حان حينه. هذا الركن المنبئ بموت الإمبراطور استثناه هذا الأخير من السماء المعروضة في سقف قاعة الحكم العامة وجعله لا يظهر إلا في سقف غرفته الخاصة التي لم يكن يدخلها إلا هو ونفر قليل من المقرّبين الخلّص إليه.
جلس سبتيميوس سفيروس على العرش الإمبراطوري الذي رقيه بعد انقلاب عسكري تافه أودى بسلفه برتيناكس، أقلّ من عشرين سنة بقليل. ولم يكن برتيناكس قد اعتمر التاج إلا أشهراً بعد اغتيال الإمبراطور كوموديوس. واضطرّ سبتيميوس سفيروس إلى مواجهة خصوم آخرين أيضاً لم يسلّموا بشرعيته وخاض حرباً أهلية لبضعة أعوام. وحين استقرّ به المقام، جعل المنصب الإمبراطوري ملكاً وراثياً مستخلفاً على العرش ابنيه كركلّا وجيتا. على أن كركلّا لم يلبث أن قتل أخاه بيده، وهو محتمٍ بحضن أمه، بعد موت الأب، وانفرد بالسلطان.
بقي أن نشير إلى أن سبتيميوس سفيروس ليبيّ الأصل، ولد في نواحي طرابلس الغرب من أبوين ذوي أصول مختلطة بعضها بربريّ وبعضها فينيقيّ وبعضها غاليّ. غير أن هذا الإمبراطور، وهو الأوّل يرتقي عرش روما من خارجها، يُعتبر مؤسس “السلالة السورية” من الأباطرة. فهو قد تزوّج من جوليا دومنا ابنة كاهن حمص الأكبر التي أصبح لها، في ظله وبعده، نفوذ عظيم. وهذا فضلاً عن تحدّره جزئياً من فينيقيّي قرطاجة الأفارقة.. ويذكر أن هياكل بعلبك التي استغرق إنشاؤها دهراً طويلاً بلغ تشييدها في أيّام هذا الإمبراطور بعضاً من محطاته الختامية.
خاب إذن مشروع الخلود أو السلطان “إلى الأبد” الذي حاول هذا الملك تجسيده في قاعة حكمه. وكان هو نفسه عالماً أن الموت مختبئ في غرفة نومه. وخاب أيضاً مشروع السلطان المطلق الذي لا يحتمل اعتراضاً. فإن دويّ الاعتراض قلّ أن عرف فتوراً في أيامه… ثم كان أن اشتعلت نار النزاع بين الغلامين الوريثين.
هذا كل شيء تقريباً. هذه، بناء على درس لفوكو، قصة إمبراطور ليبي سوريّ أخفق في الحكم إلى الأبد ولم يستقرّ به المقام في السلطان المطلق. من تراه يشبه هذا الليبي السوري؟ أعرف واحداً ليبياً وواحداً سورياً لا يخلوان من شبه به ولن أبوح باسميهما للقرّاء.

– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/5/24/%d9%85%d9%86-%d8%a7%d8%ad%d9%88%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%85%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d8%b7%d9%88%d8%b1-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d9%82%d8%af%d9%8a%d9%85#sthash.L9UeCNY1.dpuf

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s